Verse. 3037 (AR)

٢٦ - ٱلشُّعَرَاء

26 - Ash-Shu'ara (AR)

كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوْحِۨ الْمُرْسَلِيْنَ۝۱۰۵ۚۖ
Kaththabat qawmu noohin almursaleena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«كذبت قوم نوح المرسلين» بتكذيبهم له لاشتراكهم في المجيء بالتوحيد، أو لأنه لطول لبثه فيهم كأنه رسل وتأنيث قوم باعتبار معناه وتذكيره باعتبار لفظه.

105

Tafseer

الرازي

تفسير : القصة الثالثة ـ قصة نوح عليه السلام اعلم أنه تعالى لما قص على محمد صلى الله عليه وسلم خبر موسى وإبراهيم تسلية له فيما يلقاه من قومه قص عليه أيضاً نبأ نوح عليه السلام، فقد كان نبؤه أعظم من نبأ غيره، لأنه كان يدعوهم ألف سنة إلا خمسين عاماً، ومع ذلك كذبه قومه فقال: {كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ } وإنما قال (كذبت) لأن القوم مؤنث وتصغيرها قويمة، وإنما حكى عنهم أنهم كذبوا المرسلين لوجهين: أحدهما: أنهم وإن كذبوا نوحاً لكن تكذيبه في المعنى يتضمن تكذيب غيره، لأن طريقة معرفة الرسل لا تختلف فمن حيث المعنى حكى عنهم أنهم كذبوا المرسلين وثانيهما: أن قوم نوح كذبوا بجميع رسل الله تعالى، إما لأنهم كانوا من الزنادقة أو من البراهمة. وأما قوله: {أَخُوهُمْ } فلأنه كان منهم، من قول العرب يا أخا بني تميم يريدون يا واحداً منهم، ثم إنه سبحانه حكى عن نوح عليه السلام أنه أولاً خوفهم، وثانياً أنه وصف نفسه، أما التخويف فهو قوله: {أَلاَ تَتَّقُونَ }. واعلم أن القوم إنما قبلوا تلك الأديان للتقليد والمقلد إذا خوف خاف، وما لم يحصل الخوف في قلبه لا يشتغل بالاستدلال، فلهذا السبب قدم على جميع كلماته قوله: {أَلاَ تَتَّقُونَ }. وأما وصفه نفسه فذاك بأمرين: أحدهما: قوله: {إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ } وذلك لأنه كان فيهم مشهوراً بالأمانة كمحمد صلى الله عليه وسلم في قريش فكأنه قال كنت أميناً من قبل، فكيف تتهموني اليوم؟ وثانيهما: قوله: {وَمَا أَسْـئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ } أي على ما أنا فيه من ادعاء الرسالة لئلا يظن به أنه دعاهم للرغبة، فإن قيل: ولماذا كرر الأمر بالتقوى؟ جوابه: لأنه في الأول أراد ألا تتقون مخالفتي وأنا رسول الله، وفي الثاني: ألا تتقون مخالفتي ولست آخذ منكم أجراً فهو في المعنى مختلف ولا تكرار فيه، وقد يقول الرجل لغيره: ألا تتقي الله في عقوقي وقد ربيتك صغيراً! ألا تتقي الله في عقوقي وقد علمتك كبيراً، وإنما قدم الأمر بتقوى الله تعالى على الأمر بطاعته، لأن تقوى الله علة لطاعته فقدم العلة على المعلول، ثم إن نوحاً عليه السلام لما قال لهم ذلك أجابوه بقولهم: {أَنُؤْمِنُ لَكَ وَٱتَّبَعَكَ ٱلأَرْذَلُونَ }. قال صاحب «الكشاف»: وقرى {وأتباعك ٱلأَرْذَلُونَ } جمع تابع كشاهد وأشهاد أو جمع تبع كبطل وأبطال والواو للحال وحقها أن يضمر بعدها قد في {وَٱتَّبَعَكَ } وقد جمع أرذال على الصحة وعلى التكسير في قولهم: { أية : ٱلَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا } تفسير : [هود: 27] والرذالة الخسة، وإنما استرذلوهم لاتضاع نسبهم وقلة نصيبهم من الدنيا، وقيل كانوا من أهل الصناعات الخسيسة كالحياكة والحجامة. واعلم أن هذه الشبهة في نهاية الركاكة، لأن نوحاً عليه السلام بعث إلى الخلق كافة، فلا يختلف الحال في ذلك بسبب الفقر والغنى وشرف المكاسب ودناءتها، فأجابهم نوع عليه السلام بالجواب الحق وهو قوله: {وَمَا عِلْمِى بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } وهذا الكلام يدل على أنهم نسبوهم مع ذلك إلى أنهم لم يؤمنوا عن نظر وبصيرة، وإنما آمنوا بالهوى والطمع كما حكى الله تعالى عنهم في قوله: { أية : ٱلَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِىَ ٱلرَّأْى } تفسير : [هود: 27] ثم قال: {إِنْ حِسَابُهُمْ إِلاَّ عَلَىٰ رَبّى } معناه لا نعتبر إلا الظاهر من أمرهم دون ما يخفى، ولما قال: {إِنْ حِسَابُهُمْ إِلاَّ عَلَىٰ رَبّى } وكانوا لا يصدقون بذلك أردفه بقوله: {لَوْ تَشْعُرُونَ } ثم قال: {وَمَا أَنَاْ بِطَارِدِ ٱلْمُؤْمِنِينَ } وذلك كالدلالة على أن القوم سألوه إبعادهم لكي يتبعوه أو ليكونوا أقرب إلى ذلك، فبين أن الذي يمنعه عن طردهم أنهم آمنوا به ثم بين أن غرضه بما حمل من الرسالة يمنع من ذلك بقوله: {إِنْ أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ مُّبِينٌ } والمراد إني أخوف من كذبني ولم يقبل مني، فمن قبل فهو القريب، ومن رد فهو البعيد، ثم إن نوحاً عليه السلام لما تمم هذا الجواب لم يكن منهم إلا التهديد، فقالوا: {لَئِن لَّمْ تَنتَهِ يا نوح لَتَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُرْجُومِينَ } والمعنى أنهم خوفوه بأن يقتل بالحجارة، فعند ذلك حصل اليأس لنوح عليه السلام من فلاحهم، وقال: {رَبّ إِنَّ قَوْمِى كَذَّبُونِ فَٱفْتَحْ بَيْنِى وَبَيْنَهُمْ فَتْحاً } وليس الغرض منه إخبار الله تعالى بالتكذيب لعلمه أن عالم الغيب والشهادة أعلم، ولكنه أراد إني لا أدعوك عليهم لما آذوني، وإنما أدعوك لأجلك ولأجل دينك ولأنهم كذبوني في وحيك ورسالتك {فَٱفْتَحْ بَيْنِى وَبَيْنَهُمْ } أي فاحكم بيني وبينهم والفتاحة الحكومة، والفتاح الحاكم لأنه يفتح المستغلق، والمراد من هذا الحكم إنزال العقوبة عليهم لأنه قال عقبه: {وَنَجّنِى } ولولا أن المراد إنزال العقوبة لما كان لذكر النجاة بعده معنى، وقد تقدم القول في قصته مشروحاً في سورة الأعراف وسورة هود. ثم قال تعالى: {فَأَنجَيْنَـٰهُ وَمَن مَّعَهُ فِى ٱلْفُلْكِ ٱلْمَشْحُونِ } قال صاحب «الكشاف»: الفلك السفينة وجمعه فلك قال تعالى: { أية : وَتَرَى ٱلْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ } تفسير : [فاطر: 12] فالواحد بوزن قفل والجمع بوزن أسد والمشحون المملوء يقال شحنها عليهم خيلاً ورجالاً، فدل ذلك على أن الذين نجوا معه كان فيهم كثرة، وأن الفلك امتلأ بهم وبما صحبهم، وبين تعالى أنه بعد أن أنجاهم أغرق الباقين وأن إغراقه لهم كان كالمتأخر عن نجاتهم.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ ٱلْمُرْسَلِينَ } قال «كذبت» والقوم مذكر؛ لأن المعنى كذبت جماعة قوم نوح، وقال: {الْمُرْسَلينَ} لأن من كذب رسولاً فقد كذب الرسل؛ لأن كل رسول يأمر بتصديق جميع الرسل. وقيل: كذبوا نوحاً في النبوّة وفيما أخبرهم به من مجيء المرسلين بعده. وقيل: ذكر الجنس والمراد نوح عليه السلام. وقد مضى هذا في «الفرقان». {إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ} أي ابن أبيهم وهي أخوة نسب لا أخوة دين. وقيل: هي أخوة المجانسة. قال الله تعالى: {أية : وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ}تفسير : [إبراهيم: 4] وقد مضى هذا في «الأعراف». وقيل: هو من قول العرب يا أخا بني تميم. يريدون يا واحداً منهم. الزمخشري: ومنه بيت الحماسة:شعر : لا يَسْألون أخاهم حِينَ يَنْدُبُهم في النَّائباتِ على ما قال بُرْهَانَا تفسير : {أَلاَ تَتَّقُونَ} أي ألا تتقون الله في عبادة الأصنام. {إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ } أي صادق فيما أبلغكم عن الله تعالى. وقيل: {أَمِينٌ} فيما بينكم؛ فإنهم كانوا عرفوا أمانته وصدقه من قبل؛ كمحمد صلى الله عليه وسلم في قريش. {فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} أي فاستتروا بطاعة الله تعالى من عقابه. {وَأَطِيعُونِ } فيما آمركم به من الإيمان. {وَمَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ} أي لا طمع لي في مالكم. {إِنْ أَجْرِيَ} أي ما جزائي {إِلاَّ عَلَىٰ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ}. {فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ } كرر تأكيداً. قوله تعالى: {قَالُوۤاْ أَنُؤْمِنُ لَكَ وَٱتَّبَعَكَ ٱلأَرْذَلُونَ } فيه مسألتان: الأولى: قوله تعالى: {قَالُوۤاْ أَنُؤْمِنُ لَكَ} أي نصدق قولك. {وَٱتَّبَعَكَ ٱلأَرْذَلُونَ} الواو للحال وفيه إضمار قد، أي وقد اتبعك. {الأَرْذَلُونَ} جمع الأرذل، المكسر الأراذل والأثنى الرُّذْلَى والجمع الرُّذَّل. قال النحاس: ولا يجوز حذف الألف واللام في شيء من هذا عند أحد من النحويين علمناه. وقرأ ابن مسعود والضحاك ويعقوب الحضرمي وغيرهم، {وَأَتْبَاعُكَ الأَرْذَلُون}. النحاس: وهي قراءة حسنة؛ وهذه الواو أكثرها تتبعها الأسماء والأفعال بقد. وأتباع جمع تبع وتبيع يكون للواحد والجمع. قال الشاعر:شعر : له تَبَعٌ قد يعلمُ الناسُ أنّه على من يُدانِي صَيِّف ورَبِيعُ تفسير : ارتفاع {أتْبَاعُكَ} يجوز أن يكون بالابتداء و{الأَرْذَلُونَ} الخبر؛ التقدير أنؤمن لك وإنما أتباعك الأرذلون. ويجوز أن يكون معطوفاً على الضمير في قوله: {أَنُوْمِنُ لَكَ} والتقدير: أنؤمن لك نحن وأتباعك الأرذلون فنعدّ منهم؛ وحسن ذلك الفصل بقوله: {لَكَ} وقد مضى القول في الأراذل في سورة «هود» مستوفًى. ونزيده هنا بياناً وهي المسألة: الثانية: فقيل: إن الذين آمنوا به بنوه ونساؤه وكناته وبنو بنيه. واختلف هل كان معهم غيرهم أم لا. وعلى أي الوجهين كان فالكل صالحون؛ وقد قال نوح: {وَنَجِنّي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ المُوْمِنِينَ} والذين معه هم الذين اتبعوه، ولا يلحقهم من قول الكفرة شين ولا ذمّ، بل الأرذلون هم المكذبون لهم. قال السهيلي: وقد أغرى كثير من العوام بمقالة رويت في تفسير هذه الآية: هم الحاكَة والحجّامون. ولو كانوا حاكة كما زعموا لكان إيمانهم بنبيّ الله واتباعهم له مشرِّفاً كما تشرَّف بِلالٌ وسَلْمَان بسبقهما للإسلام؛ فهما من وجوه أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم ومن أكابرهم، فلا ذرية نوح كانوا حاكة ولا حجّامين، ولا قول الكفرة في الحاكة والحجامين إن كانوا آمنوا بهم أرذلون ما يلحق اليوم بحاكتنا ذمّاً ولا نقصاً؛ لأن هذه حكاية عن قول الكفرة إلا أن يجعل الكفرة حجة ومقالتهم أصلاً؛ وهذا جهل عظيم وقد أعلم الله تعالى أن الصناعات ليست بضائرة في الدين. قوله تعالى: {قَالَ وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } {كان} زائدة؛ والمعنى: وما علمي بما يعملون؛ أي لم أكلف العلم بأعمالهم إنما كلفت أن أدعوهم إلى الإيمان، والاعتبار بالإيمان لا بالحِرَف والصّنائع؛ وكأنهم قالوا: إنما اتبعك هؤلاء الضعفاء طمعاً في العزة والمال. فقال: إني لم أقف على باطن أمرهم وإنما إليّ ظاهرهم. وقيل: المعنى إني لم أعلم أن الله يهديهم ويضلكم ويرشدهم ويغويكم ويوفقهم ويخذلكم. {إِنْ حِسَابُهُمْ} أي في أعمالهم وإيمانهم {إِلاَّ عَلَىٰ رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ} وجواب {لو} محذوف؛ أي لو شعرتم أن حسابهم على ربهم لما عبتموهم بصنائعهم. وقراءة العامّة: {تَشْعُرُونَ} بالتاء على المخاطبة للكفار وهو الظاهر. وقرأ ابن أبي عَبْلَة ومحمد بن السَّمَيْقَع: {لو يشعرون} بالياء كأنه خبر عن الكفار وترك الخطاب لهم؛ نحو قوله: {أية : حَتَّىٰ إِذَا كُنتُمْ فِي ٱلْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم}تفسير : [يونس: 22]. وروي أن رجلاً سأل سفيان عن امرأة زنت وقتلت ولدها وهي مسلمة هل يقطع لها بالنار؟ فقال: {إِنْ حِسَابُهُمْ إلاَّ عَلَى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ}. {وَمَآ أَنَاْ بِطَارِدِ ٱلْمُؤْمِنِينَ } أي لخساسة أحوالهم وأشغالهم. وكأنهم طلبوا منه طرد الضعفاء كما طلبته قريش. {إِنْ أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ مُّبِينٌ } يعني: إن الله ما أرسلني أخص ذوي الغنى دون الفقراء، إنما أنا رسول أبلغكم ما أرسلت به، فمن أطاعني فذلك السعيد عند الله وإن كان فقيراً. قوله تعالى: {قَالُواْ لَئِنْ لَّمْ تَنْتَهِ يٰنُوحُ} أي عن سبّ آلهتنا وعيب ديننا {لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ } أي بالحجارة؛ قاله قتادة. وقال ابن عباس ومقاتل: من المقتولين. قال الثُّمَالِيّ: كل مرجومين في القرآن فهو القتل إلا في «مريم»: {أية : لَئِن لَّمْ تَنتَهِ لأَرْجُمَنَّكَ}تفسير : [مريم: 46] أي لأسبنك. وقيل: {مِنَ الْمَرْجُومِينَ} من المشتومين؛ قاله السدي. ومنه قول أبي دؤاد. {قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ * فَٱفْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحاً وَنَجِّنِي وَمَن مَّعِي مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ } قال ذلك لما يئس من إيمانهم. والفتح الحكم وقد تقدم. {فَأَنجَيْنَاهُ وَمَن مَّعَهُ فِي ٱلْفُلْكِ ٱلْمَشْحُونِ } يريد السفينة وقد مضى ذكرها. والمشحون المملوء، والشحن ملء السفينة بالناس والدواب وغيرهم. ولم يؤنث الفلك هاهنا؛ لأن الفلك هاهنا واحد لا جمع {ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ ٱلْبَاقِينَ } أي بعد إنجائنا نوحاً ومن آمن. {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ * وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ }.

ابن كثير

تفسير : هذا إخبار من الله عز وجل عن عبده ورسوله نوح عليه السلام، وهو أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض بعد ما عبدت الأصنام والأنداد، فبعثه الله ناهياً عن ذلك، ومحذراً من وبيل عقابه، فكذبه قومه، فاستمروا على ما هم عليه من الفعال الخبيثة في عبادتهم أصنامهم مع الله تعالى: ونزَّل الله تعالى تكذيبهم له منزلة تكذيبهم جميع الرسل، فلهذا قال تعالى: {كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ ٱلْمُرْسَلِينَ إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلاَ تَتَّقُونَ} أي: ألا تخافون الله في عبادتكم غيره؟ {إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ} أي: إني رسول من الله إليكم، أمين فيما بعثني الله به، أبلغكم رسالات ربي ولا أزيد فيها ولا أنقص منها، {فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ وَمَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ} الآية، أي: لا أطلب منكم جزاء على نصحي لكم، بل أدّخر ثواب ذلك عند الله، {فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ} فقد وضح لكم، وبان صدقي ونصحي وأمانتي فيما بعثني الله به وائتمنني عليه.

المحلي و السيوطي

تفسير : {كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ ٱلْمُرْسَلِينَ } بتكذيبهم له لاشتراكهم في المجيء بالتوحيد، أو لأنه لطول لبثه فيهم كأنه رسل وتأنيث قوم باعتبار معناه وتذكيره باعتبار لفظه.

الشوكاني

تفسير : قوله: {كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ ٱلْمُرْسَلِينَ } أنث الفعل لكونه مسنداً إلى قوم، وهو في معنى الجماعة، أو الأمة، أو القبيلة، وأوقع التكذيب على المرسلين، وهم لم يكذبوا إلاّ الرسول المرسل إليهم، لأن من كذب رسولاً فقد كذب الرسل، لأن كلّ رسول يأمر بتصديق غيره من الرسل. وقيل: كذبوا نوحاً في الرسالة، وكذبوه فيما أخبرهم به من مجيء المرسلين بعده. {إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ } أي: أخوهم من أبيهم، لا أخوهم في الدين. وقيل: هي أخوة المجانسة، وقيل: هو من قول العرب: يا أخا بني تميم، يريدون واحداً منهم {أَلاَ تَتَّقُونَ } أي: ألا تتقون الله بترك عبادة الأصنام، وتجيبون رسوله الذي أرسله إليكم؟ {إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ } أي إني لكم رسول من الله أمين فيما أبلغكم عنه، وقيل: أمين فيما بينكم، فإنهم كانوا قد عرفوا أمانته وصدقه {فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ } أي اجعلوا طاعة الله وقاية لكم من عذابه، وأطيعون فيما آمركم به عن الله من الإيمان به وترك الشرك، والقيام بفرائض الدين {وَمَا أَسْـئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ } أي ما أطلب منكم أجراًعلى تبليغ الرسالة، ولا أطمع في ذلك منكم {إِنْ أَجْرِيَ } الذي أطلبه وأريده {إِلاَّ عَلَىٰ رَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ } أي ما أجري إلاّ عليه، وكرّر قوله: {فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ } للتأكيد والتقرير في النفوس مع كونه علق كل واحد منهم بسبب، وهو الأمانة في الأوّل، وقطع الطمع في الثاني، ونظيره قولك: ألاّ تتقي الله في عقوقي وقد ربيتك صغيراً؟ ألاّ تتقي الله في عقوقي وقد علمتك كبيراً؟ وقدّم الأمر بتقوى الله على الأمر بطاعته؛ لأن تقوى الله علة لطاعته. {قَالُواْ أَنُؤْمِنُ لَكَ وَٱتَّبَعَكَ ٱلأرْذَلُونَ } الاستفهام للإنكار أي كيف نتبعك ونؤمن لك، والحال أن قد اتبعك الأرذلون؟ وهم جمع أرذل، وجمع التكسير أرذال، والأنثى: رذلى، وهم الأقلون جاهاً ومالا، والرذالة الخسة والذلة، استرذلوهم لقلة أموالهم وجاههم، أو لاتضاع أنسابهم. وقيل: كانوا من أهل الصناعات الخسيسة، وقد تقدم تفسير هذه الآيات في هود. وقرأ ابن مسعود، والضحاك، ويعقوب الحضرمي: "وأتباعك الأرذلون" قال النحاس: وهي قراءة حسنة، لأن هذه الواو تتبعها الأسماء كثيراً، وأتباع جمع تابع، فأجابهم نوح بقوله: {وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } كان زائدة، والمعنى: وما علمي بعملهم أي لم أكلف العلم بأعمالهم. إنما كلفت أن أدعوهم إلى الإيمان والإعتبار به، لا بالحرف والصنائع والفقر والغنى، وكأنهم أشاروا بقولهم: {وَٱتَّبَعَكَ ٱلأَرْذَلُونَ} إلى أن إيمانهم لم يكن عن نظر صحيح، فأجابهم بهذا. وقيل: المعنى: إني لم أعلم أن الله سيهديهم ويضلكم. {إِنْ حِسَابُهُمْ إِلاَّ عَلَىٰ رَبّي لَوْ تَشْعُرُونَ } أي ما حسابهم، والتفتيش عن ضمائرهم وأعمالهم إلاّ على الله لو كنتم من أهل الشعور والفهم، قرأ الجمهور: {تشعرون} بالفوقية، وقرأ ابن أبي عبلة وابن السميفع والأعرج وأبو زرعة بالتحتية، كأنه ترك الخطاب للكفار، والتفت إلى الإخبار عنهم. قال الزجاج: والصناعات لا تضرّ في باب الديانات، وما أحسن ما قال: {وَمَا أَنَاْ بِطَارِدِ ٱلْمُؤْمِنِينَ } هذا جواب من نوح على ما ظهر من كلامهم من طلب الطرد لهم: {إِنْ أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ مُّبِينٌ } أي ما أنا إلا نذير موضح لما أمرني الله سبحانه بإبلاغه إليكم، وهذه الجملة كالعلة لما قبلها. {قَالُواْ لَئِن لَّمْ تَنتَهِ يٰنُوحٌ لَتَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُرْجُومِينَ } أي إن لم تترك عيب ديننا وسبّ آلهتنا لتكونن من المرجومين بالحجارة. وقيل: من المشتومين، وقيل: من المقتولين، فعدلوا بعد تلك المحاورة بينهم وبين نوح إلى التجبر والتوعد، فلما سمع نوح قولهم هذا، قال {رَبّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ } أي أصرّوا على تكذيبي، ولم يسمعوا قولي، ولا أجابوا دعائي {فَٱفْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحاً } الفتح: الحكم أي احكم بيني وبينهم حكماً، وقد تقدّم تحقيق معنى الفتح {وَنَجّنِي وَمَن مَّعِي مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ }. فلما دعا ربه بهذا الدعاء استجاب له، فقال: {فَأَنجَيْنَـٰهُ وَمَن مَّعَهُ فِي ٱلْفُلْكِ ٱلْمَشْحُونِ } أي السفينة المملوءة، والشحن ملء السفينة بالناس، والدوابّ، والمتاع {ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ ٱلْبَـٰقِينَ } أي ثم أغرقنا بعد إنجائهم الباقين من قومه {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً } أي: علامة وعبرة عظيمة {وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُّؤْمِنِينَ } كان زائدة عند سيبويه، وغيره على ما تقدّم تحقيقه {وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ } أي القاهر لأعدائه، الرحيم بأوليائه. {كَذَّبَتْ عَادٌ ٱلْمُرْسَلِينَ } أنث الفعل باعتبار إسناده إلى القبيلة، لأن عاداً اسم أبيهم الأعلى. ومعنى تكذيبهم المرسلين مع كونهم لم يكذبوا إلا رسولاً واحداً قد تقدّم وجهه في قصة نوح قريباً {إِذ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلاَ تَتَّقُونَ } الكلام فيه كالكلام في قول نوح المتقدم قريباً، وكذا قوله: {إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ * فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ * وَمَا أَسْـئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِىَ إِلاَّ عَلَىٰ رَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ } الكلام فيه كالذي قبله سواء {أَتَبْنُونَ بِكُلّ رِيعٍ ءايَةً تَعْبَثُونَ } الريع: المكان المرتفع من الأرض جمع ريعة، يقال: كم ريع أرضك؟ أي كم ارتفاعها. قال أبو عبيدة: الريع: الارتفاع جمع ريعة. وقال قتادة، والضحاك، والكلبي: الريع الطريق، وبه قال مقاتل والسديّ. وإطلاق الريع على ما ارتفع من الأرض معروف عند أهل اللغة، ومنه قول ذي الرمة:شعر : طراق الخوافِي مشرف فوق ريعة بذي ليله في ريشه يترقرقُ تفسير : وقيل: الريع الجبل، واحده ريعة، والجمع أرياع. وقال مجاهد: هو الفجّ بين الجبلين، وروي عنه أنه الثنية الصغيرة، وروي عنه: أيضاً أنه المنظرة. ومعنى الآية: أنكم تبنون بكل مكان مرتفع علماً تعبثون ببنيانه، وتلعبون بالمارة، وتسخرون منهم، لأنكم تشرفون من ذلك البناء المرتفع على الطريق، فتؤذون المارة، وتسخرون منهم. وقال الكلبي: إنه عبث العشارين بأموال من يمرّ بهم حكاه الماوردي. قال ابن الأعرابي: الريع الصومعة، والريع: البرج يكون في الصحراء، والريع: التلّ العالي، وفي الريع لغتان كسر الراء وفتحها. {وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ } المصانع: هي الأبنية التي يتخذها الناس منازل. قال أبو عبيدة: كل بناء مصنعة منه، وبه قال الكلبي وغيره، ومنه قول الشاعر:شعر : تركن دارهم منهم قفارا وهدّمنا المصانع والبروجا تفسير : وقيل: هي الحصون المشيدة، قاله مجاهد، وغيره، وقال الزجاج: إنها مصانع الماء التي تجعل تحت الأرض واحدتها: مصنعة ومصنع، ومنه قول لبيد:شعر : بلينا وما تبلى النجوم الطوالع وتبقى الجبال بعدنا والمصانع تفسير : وليس في هذا البيت ما يدلّ صريحاً على ما قاله الزجاج، ولكنه قال الجوهري: المصنعة بضم النون: الحوض يجمع فيه ماء المطر، والمصانع: الحصون. وقال عبد الرزاق: المصانع عندنا بلغة اليمن القصور العالية. ومعنى {لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ }: راجين أن تخلدوا، وقيل: إن لعل هنا للاستفهام التوبيخي أي هل تخلدون، كقولهم: لعلك تشتمني أي هل تشتمني؟ وقال الفراء: كي تخلدوا، لا تتفكرون في الموت. وقيل: المعنى: كأنكم باقون مخلدون. قرأ الجمهور: {تخلدون} مخففاً. وقرأ قتادة بالتشديد. وحكى النحاس أن في بعض القراءات: {كأنكم مخلدون}، وقرأ ابن مسعود: "كي تخلدوا". {وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ } البطش: السطوة والأخذ بالعنف. قال مجاهد وغيره: البطش العسف قتلاً بالسيف، وضرباً بالسوط. والمعنى: فعلتم ذلك ظلماً، وقيل: هو القتل على الغضب قاله الحسن، والكلبي. قيل: والتقدير: وإذا أردتم البطش، لئلا يتحد الشرط، والجزاء، وانتصاب {جبارين} على الحال. قال الزجاج: إنما أنكر عليهم ذلك لأنه ظلم، وأما في الحق، فالبطش بالسوط والسيف جائز. ثم لما وصفهم بهذه الأوصاف القبيحة الدالة على الظلم والعتوّ والتمرّد والتجبر أمرهم بالتقوى، فقال: {فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ } أجمل التقوى ثم فصلها بقوله: {وَٱتَّقُواْ ٱلَّذِي أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ * أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَـٰمٍ وَبَنِينَ }، وأعاد الفعل للتقرير والتأكيد {وَجَنَّـٰتٍ وَعُيُونٍ } أي بساتين، وأنهار وأبيار. ثم وعظهم وحذرهم فقال: {إِنّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ } إن كفرتم، وأصررتم على ما أنتم فيه ولم تشكروا هذه النعم، والمراد بالعذاب العظيم: الدنيوي والأخروي. وقد أخرج ابن المنذر عن ابن عباس {قَالُواْ أَنُؤْمِنُ لَكَ } أي: أنصدّقك؟. وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد {وَٱتَّبَعَكَ ٱلأرْذَلُونَ } قال: الحوّاكون. وأخرج أيضاً عن قتادة قال: سفلة الناس، وأراذلهم. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس: {ٱلْفُلْكِ ٱلْمَشْحُونِ } قال: الممتلىء. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه، أنه قال: «أتدرون ما المشحون؟ قلنا: لا، قال: هو الموقر». وأخرج ابن جرير عنه أيضاً قال: هو المثقل. وأخرج ابن جرير عنه أيضاً: {بِكُلّ رِيعٍ } قال: طريق {ءَايَةً } قال: علماً {تَعْبَثُونَ } قال: تلعبون. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه أيضاً: {بِكُلّ رِيعٍ } قال: شرف. وأخرجوا أيضاً عنه: {لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ } قال: كأنكم تخلدون. وأخرج ابن أبي حاتم عنه أيضاً: {جَبَّارِينَ } قال: أقوياء.

الماوردي

تفسير : قوله تعالى: {وَاتَّبَعَكَ الأَرْذَلُونَ} فيه خمسة أقاويل: أحدها: أنهم الذين يسألون ولا يقنعون. الثاني: أنهم المتكبرون. الثالث: سفلة الناس وأراذلهم، قاله قتادة. الرابع: أنهم الحائكون، قاله مجاهد. الخامس: أنهم الأساكفة، قاله ابن بحر. ويحتمل سادساً: أنهم أصحاب المهن الرذلة كلها.

ابن عطية

تفسير : أسند {كذبت} إلى "القوم" وفيه علامة التأنيث من حيث القوم في معنى الأمة والجماعة، وقوله {المرسلين} من حيث من كذب نبياً واحداً، كذب جميع الأنبياء إذ قولهم واحد ودعوتهم سواء، وقوله {أخوهم} يريد في النسب والمنشأ لا في الدين، و {أمين} معناه على وحي الله ورسالته، وقرأ ابن كثير وعاصم "أجري" ساكنة الياء، وقرأ نافع وأبو جعفر وشيبة بفتح الياء في كل القرآن، ثم رد عليهم الأمر بالتقوى والدعاء إلى طاعته تحذيراً ونذارة وحرصاً عليهم فذهب أشرافهم إلى استنقاص أتباعه بسبب صغار الناس الذين اتبعوه وضعفائهم، وهذا كفعل قريش في شأن عمار بن ياسر وصهيب وغيرهما، وقال بعض الناس {الأرذلون} الحاكة، والحجامون والأساكفة، وفي هذا عندي على جهة المثال أي أهل الصنائع الخسيسة لا أن هذه الصنائع المذكورة خصت بهذا، و {الأرذلون} جمع الأرذل ولا يستعمل إلا معرفاً أو مضافاً أو بـ"من". قال القاضي أبو محمد : ويظهر من الآية أن مراد {قوم نوح} بنسبة الرذيلة إلى المؤمنين تهجين أفعالهم لا النظر في صنائعهم، يدل على ذلك قول نوح {ما علمي} الآية، لأن معنى كلامه ليس في نظري وعلمي بأعمالهم ومعتقداتهم فائدة إنما أقنع بظاهرهم وأجتزىء به، ثم حسابهم على الله تعالى، وهذا نحو قول رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : أمرت أن أقاتل الناس" تفسير : الحديث بجملته، وقرأ جمهور الناس "واتبعك" على الفعل الماضي، وقرأ ابن السميفع اليماني وسعيد ابن أسعد الأنصاري "وأتباعك" على الجمع، ونسبها أبو الفتح إلى ابن مسعود والضحاك وطلحة، قال أبو عمرو وهي قراءة ابن عباس والأعمش وأبي حيوة، وقرأ عيسى بن عمر الهمذاني "لو يشعرون" بالياء من تحت، وإعراب قوله "وأتباعك" إما جملة في موضع الحال وإما عطف على الضمير المرفوع وحسن لك الفصل بقوله {لك}، وقولهم {من المرجومين}، يحتمل أن يريدوا بالحجارة، ويحتمل أن يريدوا بالقول والشتم ونحوه، وهو شبيه برجم الحجارة، وهو من الرجم بالغيب والظن ونحو ذلك، وقوله {افتح} معناه احكم، والفتاح القاضي بلغة يمنية، و {الفلك} السفينة وجمعها فلك أيضاً، وقد تقدم بسط القول في هذا الجمع في سورة الأعراف، و {المشحون} معناه المملوء بما ينبغي له من قدر ما يحمل، وباقي الآية بين.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ ٱلْمُرْسَلِينَ} الآيات. لما قصَّ على محمد - صلى الله عليه وسلم - خبر موسى وإبراهيم - عليهما السلام - تسلية له مما يلقاه من قومه قص عليه أيضاً نبأ نوح، فقد كان نبؤه أعظم من نبأ غيره، لأنه دعاهم ألف سنة إلا خمسين عاماً، ومع ذلك كذبه قومه. قوله: "كَذَّبَتْ" إنما أَنثَ فعل القوم لأنه مؤنث بدليل تصغير "القوم" على (قُوَيْمَة) وقيل: لأن القوم بمعنى أُمَّةٍ، ولما كانت آحاده عقلاء ذكوراً وإناثاً عاد الضمير عليه باعتبار تغليب الذكور، فقيل: لهم أخوهم. وحكى عنهم أنهم كذبوا المرسلين لوجهين: أحدهما: أنهم وإن كذبوا نوحاً لكن تكذيبه في المعنى يتضمن تكذيب غيره، لأن طريقة معرفة الرسل لا تختلف من حيث المعنى؛ لأن كل واحد من المرسلين جاء بما جاء به الآخر، فلذلك حكى عنهم أنهم كذبوا المرسلين. وثانيهما: أن قوم نوح كذبوا جميع رسل الله، إما لأنهم كانوا من الزنادقة أو من البراهمة. قوله: "أَخُوهُمْ" لأنه كان منهم، من قول العرب: يا أخا بني تميم. يريدون يا واحداً منهم، فهو أخوهم في النسب لا في الدين "أَلاَ تَتَّقُونَ" أي: عقاب الله، فحذف مفعول (تَتَّقُونَ). {إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ} أي: على الوحي، وكان مشهوراً فيهم بالأمانة كمحمد - صلى الله عليه وسلم - في قريش، فكأنه قال: كنتُ أميناً من قبل، فكيف تتهمونني اليوم؟ ثم قال: "فاتَّقُوا الله" بطاعته وعبادته "وأَطِيْعُون" فيما أمرتكم به من الإيمان والتوحيد، {وَمَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ} أي: على ما أنا فيه من ادعاء الرسالة. لئلا يظن به أنه دعاهم رغبة في الدنيا، ثم قال: {فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ}. فإن قيل: فلماذا كرر الأمر بالتقوى؟ فالجواب: لأنه في الأول أراد: ألا تتقون مخالفتي، وأنا رسول الله، وفي الثاني: ألا تتقون مخالفتي ولست آخذاً منكم أجراً، فهو في المعنى مختلف، ولا تكرار فيه، وقد يقول الرجل لغيره: ألا تتقي الله في عقوقي وقد ربيتك صغيراً، ألا تتقي الله وقد علمتك كبيراً. وإنما قدم الأمر بتقوى الله على الأمر بطاعته، لأن تقوى الله علة لطاعته، فقدم العلة على المعلول. قوله {أَنُؤْمِنُ لَكَ وَٱتَّبَعَكَ ٱلأَرْذَلُونَ} "وَاتَّبَعَك" جملة حالية من كاف "لك". قال الزمخشري: والواو للحال، وحقها أن يضمر بعدها (قد) وقرأ ابن مسعود وابن عباس وأبو حيوة: "وَأَتْبَاعُكَ" مرفوعاً جمع تابع "كَصَاحِبٍ وَأَصْحَاب" أو تَبيع كـ "شَرِيْف وأَشْرَاف"، أو "تبع" كـ (برم وأَبْرام) وفي رفعه وجهان: أحدهما: أنه مبتدأ، و"الأَرْذَلُونَ" خبره، والجملة حالية أيضاً. والثاني: أنه عطف على الضمير المرفوع في "نُؤْمِنُ"، وحسَّنَ ذلك الفصل بالجار، و "الأَرْذَلُونَ" صفته. وقرأ اليمانيُّ: "وأَتْبَاعِكَ" بالجر عطفاً على الكاف في "ذَلِكَ" وهو ضعيف أو ممنوع عند البصريين، وعلى هذا فيرتفع "الأَرْذَلُونَ" على خبر ابتداء مضمر، أي: هم الأرذلون وقد تقدم مادّةُ "الأَرْذَلِ" في هود. فصل الرذالة: الخِسَّة والذِّلة، وإنما استرذلوهم لاتّضاع نسبهم وقلة نصيبهم من الدنيا. وقيل: كانوا من أهل الصناعات الخسيسة كالحياكة والحِجَامَة. وهذه الشبهة في غاية الركاكة، لأن نوحاً - عليه السلام - بعث إلى الخلق كافة، فلا يختلف الحال بسبب الفقر والغنى وشرف المكاسب وخستها، فأجابهم نوح عنه بالجواب الحق، وهو قوله: {وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} أي: ما أعلم أعمالهم وصنائعهم، وليس عليّ من دناءة مكاسبهم وأحوالهم شيء، إنما كُلِّفت أن أدعوهم إلى الله ولي منهم ظاهر أمرهم. قوله: "وَمَا عِلْمِي" يجوز في "مَا" وجهان: أظهرهما: أنها استفهامية في محل رفع بالابتداء، و "عِلْمِي" خبرها، والباء متعلقة به. والثاني: أنها نافية، والباء متعلقة بـ "علمي" أيضاً، قاله الحوفي. ويحتاج إلى إضمار خبر ليصير الكلام به (جملة). قوله: {إِنْ حِسَابُهُمْ إِلاَّ عَلَىٰ رَبِّي} "إِنْ" نافية، أي: ما حسابهم إلا على ربي، ومعناه: لا نعتبر إلا الظاهر من أمرهم دون ما يخفى. قوله: "لَوْ تَشْعُرُوْن" جوابها محذوف، ومفعول "تشعرون" أيضاً، والمعنى "لَوْ تَشْعُرُونَ" تعلمون ذلك ما عبتموهم بصنائعهم. قال الزجاج: الصناعات لا تَضُرُّ في الدِّيَانَاتِ. وقيل: معناه: إني لم أعلم أن الله يهديهم ويضلكم، ويوفقهم ويخذلكم. وقرأ الأعرج وأبو زُرعة: "لَوْ يَشْعُرُونَ" بياء الغيبة، هو التفات، ولا يحسُنُ عَوْدُه على المؤمنين. قوله: {وَمَآ أَنَاْ بِطَارِدِ ٱلْمُؤْمِنِينَ} وذلك كالدلالة على أن القوم سألوه إبعادهم فبيّن أن الدين يمنعه عن طردهم، وقد آمنوا به، وبيَّن أن الغرض من تحمل الرسالة كونه نذيراً: فقال: {إِنْ أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ مُّبِينٌ} أي: إني أُخَوِّف من كذبني ولم يقبل مني، فمن قبل فهو القريب، ومن رد فهو البعيد، فلما أجابهم بهذا الجواب لم يكن منهم إلا التهديد, فقالوا: {لَئِنْ لَّمْ تَنْتَهِ يٰنُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمَرْجومِينَ}. قال مقاتل والكلبي: من المقتولين بالحجارة. وقال الضحاك: من المشئومين. فعند ذلك حصل اليأس لنوح من فلاحهم، وقال: {رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ}. وليس الغرض منه إخبار الله تعالى بالتكذيب لعلمه بأنه عالم الغيب والشهادة، ولكنه أراد: لا أدعوك عليهم لما آذوني، وإنما أدعوك لأجلك ولأجل دينك ولأنهم كذبوك في وحيك ورسالتك: {فَٱفْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحاً} أي: فاحكم بيني وبينهم. و "فَتْحاً" يجوز أن يكون مفعولاً به بمعنى المفتوح، وان يكون مصدراً مؤكداً. والفَتَاحَةُ: الحكومة. والفَتَّاح: الحكم، لأنه يفتح المستغلق. والمراد: إنزال العقوبة عليهم لقوله عقيبه: "وَنَجِّنِي"، ولولا أن المراد إنزال العقوبة لما كان لذكر النجاة بعده معنى. قوله: "وَنَجِّنِي" المُنجَّى منه محذوف لفهم المعنى، أي: مما يَحِلُّ بقومي، و "مِنَ المُؤْمِنِينَ" بيان لقوله: "مَنْ مَعِيَ". قوله: {فَأَنجَيْنَاهُ وَمَن مَّعَهُ فِي ٱلْفُلْكِ ٱلْمَشْحُونِ}. قال الزمخشري: الفُلك: السفينة، واحدها: فُلْك، قال الله تعالى: {أية : وَتَرَى ٱلْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ}تفسير : [النحل: 14] فالواحد بوزن (قُفْل) والجمع بوزن (أًسْد) وَالمَشْحُون: "المَمْلُوء المُوقَر"، يقال: شَحَنَها عليهم خَيْلاً ورجَالاً أي ملأها والشَّحْنَاء: العداوة لأنهما تملأ الصدور إحناً. والفُلْك هنا مفرد بدليل وصفه بالمفرد، وقد تقدم الكلام عليه في البقرة. فصل دلَّت الآية على أن الذين نجوا معه كان فيهم كثرة، وأن الفلك امتلأ بهم وبما صحبهم من الحيوانات، ثم إنه تعالى بعد أن نجاهم أغرق الباقين فقال: {ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ ٱلْبَاقِينَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ}.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن المنذر عن ابن عباس ‏ {‏قالوا أنؤمن لك‏} ‏ قالوا‏:‏ أنصدقك‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله ‏ {‏واتبعك الأرذلون‏} ‏ قال‏:‏ الحوّاكون‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله ‏{‏واتبعك الأرذلون‏} ‏ قال‏:‏ سفلة الناس وأراذلهم‏.‏ وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن قتادة ‏ {‏واتبعك الأرذلون‏}‏ قال‏:‏ الحوّاكون‏.‏ وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج ‏{‏إن حسابهم إلا على ربي‏} ‏ قال‏:‏ هو أعلم بما في أنفسهم‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله ‏{‏لتكونن من المرجومين‏} ‏ قال‏:‏ بالحجارة‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن ‏ {‏لتكونن من المرجومين‏}‏ قال‏:‏ بالشتيمة‏.‏ وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله ‏{‏فافتح بيني وبينهم فتحاً‏} ‏ قال‏:‏ اقض بيني وبينهم قضاء‏.‏ وأخرج ابن المنذر عن أبي صالح‏.‏ مثله‏.‏ وأخرج الطستي عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له‏:‏ أخبرني عن قوله عز وجل ‏ {‏الفلك المشحون‏} ‏ قال‏:‏ السفينة الموقورة الممتلئة‏.‏ قال‏:‏ وهل تعرف العرب ذلك‏؟‏ قال‏:‏ نعم‏.‏ أما سمعت قول عبيد بن الأبرص‏:‏ شعر : شحنا أرضهم بالخيل حتى تركناهم أذل من الصراط تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه قال‏:‏ تدرون ما المشحون‏؟‏ قلنا‏:‏ لا‏.‏ قال هو الموقر‏. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {‏الفلك المشحون‏} ‏ قال‏:‏ الممتلئ‏.‏ وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله ‏ {‏الفلك المشحون‏}‏ قال‏:‏ المملوء المفروغ منه تحميلاً‏.‏ وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن قتادة ‏{‏في الفلك المشحون‏}‏ قال‏:‏ المحمل‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن قتادة ‏ {‏في الفلك المشحون‏}‏ كنا نحدث‏:‏ إنه الموقر‏.‏ وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر عن الشعبي ‏{‏في الفلك المشحون‏} ‏ قال‏:‏ المثقل‏. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس،‏ مثله‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن أبي صالح ‏ {‏في الفلك المشحون‏} ‏ قال‏:‏ سفينة نوح‏.‏

القشيري

تفسير : ذكر قصة نوحٍ وما لَقِيَ من قومه، وأنهم قالوا: {قَالُوۤاْ أَنُؤْمِنُ لَكَ وَٱتَّبَعَكَ ٱلأَرْذَلُونَ}.

اسماعيل حقي

تفسير : {كذبت} تكذيبا مستمرا من حين الدعوة الى انتهائها {قوم نوح} القوم الجماعة من الرجال والنساء معا او الرجال خاصة وتدخل النساء على التبعية ويؤنث بدليل مجيىء تصغيره على قويمة {المرسلين} اى نوحا وحده والجمع باعتبار ان من كذب رسولا واحدا فقد كذب الجميع لاجتماع الكل على التوحيد واصول الشرائع او لان كل رسول يأمر بتصديق جميع الرسل

ابن عجيبة

تفسير : قلت: اسم الجمع واسم الجنس يُذكر ويُؤنث، كقوم، ورهط، وشجر. يقول الحق جل جلاله: {كذبَتْ قومُ نوحٍ}، وهو نوح بن لامَك. قيل: وُلد في زمن آدم عليه السلام، قاله النسفي، وإنما قال: {المرسلين}، والمراد: نوح فقط؛ لأن من كذَّب واحداً من الرسل فقد كذب الجميع، لاتفاقهم في الدعوة إلى الإيمان، لأن كل رسول يدعو الناس إلى الإيمان بجميع الرسل. وقد يُراد بالجمع: الواحد؛ كقولك: فلان يركب الخيل، ويلبس البرود، وماله إلا فرس واحد وبُرد واحد. {إذ قال لهم}: ظرف للتكذيب، أي: كذبوه وقت قوله لهم {أخوهم نوحٌ}؛ نسباً، لا ديناً، وقيل: أخوة المجانسة، كما في آية: {أية : بِلِسَانِ قَوْمِهِ} تفسير : [إبراهيم: 4]: {ألاَ تتقون} خالق الأنام، فتتركوا عبادة الأصنام، {إني لكم رسول أمين}، كان مشهوراً بالأمانة عندهم، كحال نبينا صلى الله عليه وسلم في قريش، ما كانوا يُسمونه إلا محمداً الأمين. {فاتقوا الله وأطيعونِ} فيما آمركم به وأدعوكم إليه من الإيمان. {وما أسألكم عليه} أي: على ما أنا مُتصدٍ له من الدعاء والنصح، {من أجرٍ} أصلاً {إنْ أجريَ} فيما أتولاه {إلا على ربِّ العالمين}؛ لا أطمع في غيره، {فاتقوا الله وأطيعون}، الفاء؛ لترتيب ما بعدها على ما قبلها؛ من تنزيهه عليه السلام عن الطمع، كما أن نظيرتها السابقة؛ لترتيب ما بعدها على أمانته. والتكرير؛ للتأكيد، والتنبيه على أن كلا منهما مستقل في إيجاب التقوى والطاعة، فكيف إذا اجتمعا؟ كأنه قال: إذا عرفتم رسالتي وأمانتي فاتقوا الله وأطيعون. {قالوا أَنُؤْمِنُ لك واتبعك} والحالة أنه قد تبعك {الأرْذَلونَ} أي: الأرذلون جاهاً ومالاً، والرذالة: الدناءة والخسة، وإنما استرذلوهم؛ لاتضاع نسبهم، وقلة نصيبهم من الدنيا، وقيل: كانوا من أهل الصناعة الدنيئة، قيل: كانوا حاكة وأساكفة - جمع إسكاف - وهو الخَفَّافُ - أي: الخراز، وقيل: النجار. والصناعة لا تزري بالديانة، فالغنى غنى القلوب، والنسب نسب التقوى، والعز عز العلم بالله لا غير، ومرادهم بذلك: أنه لا مزية لك في اتباعهم؛ إذ ليس لهم رزانة عقل، ولا إصابة رأي، وقد كان ذلك منهم في بادي الرأي. وهذا من كمال سخافة عقولهم، وقصر نظرهم على حطام الدنيا حتى اعتقدوا أن الأشرف مَنْ جَمَعَهَا، والأرذل مَنْ حُرمَها. وقد جهلوا بأنها لا تزن عند الله جناح بعوضة، وأن النعيم هو نعيم الآخرة، والأشرف مَنْ فازَ بِه، وسكن في جوار الله، والأرذل من حُرم ذلك. قال القشيري: ذكر ما لَقِيَ من قومه، وقوله: {واتبعك الأرذلون}، وكذلك أتباع الرسل، إنما هم الأضعفون، لكنهم - في حُكم الله - هم المقدّمون الأكرمون، قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : نُصِرْتُ بضعفائكم" تفسير : ، إلخ كلامه. {قال وما عِلْمِي} أي: وأيّ شيء علمي {بما كانوا يعملون} من الصناعات، إنما أطلب منهم الإيمان. وقيل: إنهم طعنوا في إيمانهم، وقالوا: لم يؤمنوا عن نظر وبصيرة، وإنما اتبعوك؛ طمعاً في العدة والمال، أي: وما وظيفتي إلا اعتبار الظواهر، دون التنقير على بواطنهم، والشق عن قلوبهم، {إنْ حسابهم إلا على ربي} أي: ما محاسبة أعمالهم والتنقير عن كيفياتها إلا على ربي؛ فإنه المطلع على السرائر، {لو تشعرون} بشيء من الأشياء، أو: لو كنتم من أهل الشعور لعلمتم ذلك، ولكنكم كالبهائم أو أضل. {وما أنا بِطَاردِ المؤمنين} أي: ليس من شأني أن أتبع شهواتكم، فأطرد المؤمنين؛ طمعاً في إيمانكم، وهو جواب عما أوهمه كلامهم من استدعاء طردهم وتعليق إيمانهم بذلك، حيث جعلوا اتباعهم له مانعاً عنه، {إنْ أنا إلا نذير مبين} وما علي إلا أن أُنذركم إنذاراً بيّناً؛ بالبرهان القاطع، وأنتم أعلم بشأنكم، أي: وما أنا إلا رسول مبعوث لإنذار المكلفين، سواء كانوا أعزاء أو أراذل، فكيف يمكنني طرد الفقراء لاستتباع الأغنياء؟. {قالوا لئن لم تَنْته يا نوحُ} عما تقول {لتكوننَّ من المرجومين}؛ من المقتولين بالحجارة. قالوه في آخر أمره. {قال ربِّ إنَّ قومي كذَّبونِ}؛ تمادوا على تكذيبي، وأصروا عليه، بعد ما دعوتهم هذه الأزمنة المتطاولة، فلم يزدهم دعائي إلا فِراراً، وليس هذا من قبيل الإخبار؛ لأن الله لا يخفى عليه شيء، وإنما هو تضرع وابتهال، بدليل قوله: {فافتحْ بيني وبينهم فتحاً}؛ أي: احكم بيني وبينهم بما يستحقه كل واحد منا، وهذه حكاية إجمالية، قد فصلت في سورة نوح {وَنَجِّنِي وَمَن مَّعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِين} من شرهم، أو من شؤم عملهم. {فأنجيناه ومن معه} حسب دعائه {في الفلك المشحون}؛ المملوء بهم وبما لا بد لهم منه. {ثم أغرقنا بَعْدُ} أي: بعد إنجائهم {الباقين} من قومه، {إنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ} الممتنع القاهر بإهانة من جحد وأصر. والله تعالى أعلم. الإشارة: قال القشيري: أخبر عن كل واحد من الأنبياء بقوله: {وما أسألكم عليه من أجر}؛ ليَعْلَمَ الكافةُ أنه من عَمِلَ له فلا ينبغي أن يطلب الأجر من غيره، ففي هذا تنبيهٌ للعلماء - الذين هم ورثة الأنبياء - أن يتأدبوا بآدابهم، وألاّ يطلبوا من الناس شيئاً في بَثِّ علومهم، ولا يرتفقون منهم بتعليمهم، والتذكير لهم، ومن ارتفق من المستمعين في بث فائدة يذكرها من الدين، يَعِظُ بها المسلمين، فلا بارك الله للمسلمين فيما يَسْمعون منه، ولا للعلماءِ أيضاً بركةٌ فيما منهم يأخذون، فيبيعون دينَهم بَعَرَضٍ يسيرٍ، ثم لا بَركضةَ لهم فيه، إذ لا يتقربون به إلى الله، ولا ينتفعون به، ويَحْصُلون على سخط من الله. هـ. قلت: أما ما يأخذه العالم من الأحباس فلا يدخل في هذا؛ إذ ليس فيه تكلف من أحد، وكذلك ما يأخذه الواعظ على وجه الزيارة والهدية، من غير استشراف نفسٍ ولا طمعٍ ولا تكلفٍ. والله تعالى أعلم. ثم ذكر قصة هود عليه السلام، فقال: {كَذَّبَتْ عَادٌ...}

الطوسي

تفسير : يقول الله تعالى مخبراً عن قوم نوح أنهم كذبوا الذين أرسلهم الله بالنبوة. وانما كذّبوهم جميعهم، لانهم كذبوا كل من دعا إلى توحيد الله، وخلع عبادة الاصنام ممن مضى من الرسل، وغيرهم ممن يأتي. وقال الحسن: لأنهم بتكذيبهم نوحاً مكذبون من جاء بعده من المرسلين. ولو لم يكن قبله نبي مرسل. وقال الجبائي: كذبوا من أرسل قبله. وانما قال {كذبت} بالتأنيث، والقوم مذكر لأنه بمعنى جماعة قوم نوح. ثم بين انهم انما كذبوه حين "قال لهم اني رسول" من قبل الله تعالى {أمين} على رسالته، والامين الذي يؤدي الأمانة وضده الخائن، وقد أدى نوح الأمانة في أداء الرسالة، والنصيحة لهم، فلذلك وصفه الله بأنه (أمين). وإنما سماه بأنه {أخوهم} لأنه كان منهم في النسب، وذكر ذلك، لأنهم به آنس وإلى إجابته أقرب فيما ينبغي أن يكونوا عليه، وهم قد صدفوا عنه {ألا تتقون} الله باجتناب معاصيه منكراً بهذا القول عليهم، وانما جاء الانكار بحرف الاستفهام لانهم لا جواب لهم عن ذلك إلا بما فيه فضيحتهم، لأنهم: ان قالوا لا نتقي ما يؤدينا إلى الهلاك هتكوا نفوسهم وخرجوا عن عداد العقلاء. وان قالوا: بل نتقيه لزمهم ترك عبادة الاصنام. ثم قال لهم {فاتقوا الله} واجتنبوا معاصيه وافعلوا طاعاته {واطيعون} فيما أمركم به، وأدعوكم اليه. ثم قال لهم {وما أسألكم عليه} على ما أدعوكم اليه. {من أجر} فيصرفكم ذلك عن الايمان، لأنه ليس أجري، وثوابي {إلا على رب العالمين} الذي خلق جميع الخلائق، ثم كرر عليهم قوله {فاتقوا الله وأطيعون} لاختلاف المعنى فيه، لان التقدير، فاتقوا الله واطيعوني لاني رسول أمين، واتقوا الله وأطيعوني لاني لا أسألكم أجراً عليه فتخافون ثلم أموالكم. والطاعة اجابة الداعي بموافقة ارادته مع كون الداعي فوقه، فالرتبة معتبرة.

الجنابذي

تفسير : جواب لسؤالٍ مقدّرٍ كأنّه قيل بعد حكاية ابراهيم (ع) وقومه: ما فعل قوم نوح المعروف قصّتهم؟- فقال: {كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ ٱلْمُرْسَلِينَ}، ونسبة تكذيب جميع المرسلين اليهم قد مضى وجهها فى سورة الفرقان.

اطفيش

تفسير : {كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ} القوم يذكر ويؤنث ويحكم عليه بحكم المفرد وبحكم الجمع ويصغر على قويم وقويمة وتصغيره على قويمة دليل على انه يؤنث بغير التأويل بالجماعة وعن بعضهم انه انما يؤنث بالتأويل بالجماعة. {المُرْسَلِينَ} كذبوا نوحا فقط فسموا مكذبين للمرسلين أما لأن من كذب نبيا واحدا كمن كذب جميع الأنبياء أو لأنهم قد كذبوا الجميع ونفوا الرسالة أو لأنه جاءهم بالأصل الذي جاءت به الرسل فتكذيبه تكذيبهم أو لأن من يكذب رسولا مخصوصا لو جاءه آخر كذبه. كما تقول زيد يركب الدواب ويلبس البرود تريد من شأنه وعادته ذلك ولو كانت له دابة واحدة وبرود واحدة او غير ذلك مما مر.

اطفيش

تفسير : تأنيث قوم أصالة بدليل تصغيره على قويمة بالتاء، وكل اسم جمع لا مفرد له يذكر ويؤنث، ولا يصغر منها بالتاء إلا ما سمع، وقيل تأنيثه بتأويل جماعة أو أمة أو نحو ذلك، وأصله التذكير، والمراد من تقدم كآدم وشيث وإدريس، ونوح مقارناً لهم، ومن تأخر ولو لم يعلموا بهم، لأنهم أنكروا الرسالة هكذا، وهذا على ان قبل نوح رسلاُ، وأيضا تكذيب واحد، ولو خصوه تكذيب للكل، لأنهم كلهم على التوحيد، وأصول الشرائع، وكل واحد يؤمن بالآخر ويدعو الى الايمان به، أو المرسلون نوح اعتبارا للجنس، تقول: زيد يشترى النخل، ولو اشترى نخلة واحدة، أى دخل فى اشتراء هذا الجنس، وتقول: فلان يلبس البرود، ويركب الدواب، وماله إلا برد واحد، ودابة واحدة، وزعم بعض أن نوحاً ولد فى زمان آدم عليه السلام.

الالوسي

تفسير : القوم كما في «المصباح» يذكر ويؤنث وكذلك كل اسم جمع لا واحد له من لفظه نحو رهط ونفر ولذا يصغر على قويمة، وقيل: هو مذكر ولحقت فعله علامة التأنيث على إرادة الأمة والجماعة منه. وتكذيبهم المرسلين باعتبار إجماع الكل على التوحيد وأصول الشرائع التي لا تختلف باختلاف الأزمنة والأعصار، وجوز أن يراد بالمرسلين نوح عليه السلام بجعل اللام للجنس فهو نظير قولك: فلان يركب الدواب ويلبس البرود وماله إلا دابة واحدة وبرد واحد.

سيد قطب

تفسير : كما رجع السياق القهقرى في التاريخ من قصة موسى إلى قصة إبراهيم، كذلك يرجع القهقرى من قصة إبراهيم إلى قصة نوح. إن الخط التاريخي ليس هو المقصود هنا، بل المقصود هو العبرة من نهاية الشرك والتكذيب. وقصة نوح، كقصة موسى وقصة إبراهيم، تعرض في سور شتى من القرآن. وقد عرضت من قبل في سورة "الأعراف" في الخط التاريخي للرسل والرسالات بعد هبوط آدم من الجنة عرضاً مختصراً، يتلخص في دعوته قومه إلى التوحيد، وإنذارهم عذاب يوم عظيم، واتهام قومه له بالضلال، وعجبهم من أن يبعث الله إليهم رجلاً منهم، وتكذيبهم له. ومن ثم إغراقهم ونجاته هو ومن معه بدون تفصيل. وعرضت في سورة يونس باختصار كذلك في نهاية رسالته، إذ تحدى قومه فكذبوه.. ثم كانت نجاته ومن معه في الفلك، وإغراق الآخرين. وعرضت في سورة "هود" بتفصيل في قصة الطوفان والفلك وما بعد الطوفان كذلك من دعائه لربه في أمر ابنه الذي أغرق مع المغرقين. وما كان بينه وبين قومه قبل ذلك من جدال حول عقيدة التوحيد. وعرضت في سورة "المؤمنون" فذكر منها دعوته لقومه إلى عبادة الله الواحد، واعتراضهم عليه بأنه بشر منهم يريد أن يتفضل عليهم؛ ولو شاء الله لأنزل ملائكة، واتهامه بالجنون. ثم توجهه إلى ربه يطلب نصرته. وإشارة سريعة إلى الفلك والطوفان. وهي تعرض في الغالب في سلسلة مع قصص عاد وثمود وقوم لوط وأهل مدين ـ وكذلك هي في هذه السورة ـ وأظهر ما في الحلقة المعروضة هنا دعوته لقومه إلى تقوى الله، وإعلانه أنه لا يطلب منهم أجراً على الهدى، وإباؤه أن يطرد المؤمنين الفقراء الذين يستنكف منهم الكبراء ـ وهذا ما كان يواجهه رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في مكة سواء بسواء ـ ثم دعاؤه لربه أن يفتح بينه وبين قومه. واستجابة الله له بإغراق المكذبين وتنجية المؤمنين. {كذبت قوم نوح المرسلين}.. تلك هي النهاية. نهاية القصة. يبدأ بها لإبرازها منذ البداية. ثم يأخذ في التفصيل. وقوم نوح لم يكذبوا إلا نوحاً. ولكنه يذكر أنهم كذبوا المرسلين. فالرسالة في أصلها واحدة، وهي دعوة إلى توحيد الله، وإخلاص العبودية له. فمن كذب بها فقد كذب بالمرسلين أجمعين، فهذه دعوتهم أجمعين. والقرآن يؤكد هذا المعنى ويقرره في مواضع كثيرة، بصيغ متعددة، لأنه كلية من كليات العقيدة الإسلامية، تحتضن بها الدعوات جميعاً؛ وتقسم بها البشرية كلها إلى صفين: صف المؤمنين وصف الكافرين، على مدار الرسالات ومدار القرون. وينظر المسلم فإذا الأمة المؤمنة لكل دين وكل عقيدة من عند الله هي أمته، منذ فجر التاريخ إلى مشرق الإسلام دين التوحيد الأخير. وإذا الصف الآخر هم الكفار في كل ملة وفي كل دين. وإذا المؤمن يؤمن بالرسل جميعاً، ويحترم الرسل جميعاً، لأنهم جميعهم حملة رسالة واحدة هي رسالة التوحيد. إن البشرية لا تنقسم في تقدير المسلم إلى أجناس وألوان وأوطان. إنما تنقسم إلى أهل الحق وأهل الباطل. وهو مع أهل الحق ضد أهل الباطل. في كل زمان وفي كل مكان. وهكذا يتوحد الميزان في يد المسلم على مدار التاريخ كله؛ وترتفع القيم في شعوره عن عصبية الجنس واللون واللغة والوطن، والقرابات الحاضرة أو الموغلة في بطن التاريخ. ترتفع فتصبح قيمة واحدة. هي قيمة الإيمان يحاسب بها الجميع، ويقوّم بها الجميع. {كذبت قوم نوح المرسلين. إذ قال لهم أخوهم نوح: ألا تتقون؟ إني لكم رسول أمين. فاتقوا الله وأطيعون. وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين. فاتقوا الله وأطيعون}. هذه هي دعوة نوح التي كذبه فيها قومه ـ وهو أخوهم ـ وكان الأليق بالأخوة أن تقود إلى المسالمة والاطمئنان والإيمان والتصديق. ولكن قومه لم يأبهوا لهذه الصلة، ولم تلن قلوبهم لدعوة أخيهم نوح إذ قال لهم: {ألا تتقون؟} وتخافون عاقبة ما أنتم فيه؟ وتستشعر قلوبكم خوف الله وخشيته؟ وهذا التوجيه إلى التقوى مطرد في هذه السورة. فهكذا قال الله عن فرعون وقومه لموسى وهو يكلفه التوجه إليهم. وهكذا قال نوح لقومه. وهكذا قال كل رسول لقومه من بعد نوح: {إِني لكم رسول أمين}.. لا يخون ولا يخدع ولا يغش، ولا يزيد شيئاً أو ينقص شيئاً مما كلفه من التبليغ. {فاتقوا الله وأطيعون}.. وهكذا يعود إلى تذكيرهم بتقوى الله، ويحددها في هذه المرة، وينسبها إلى الله تعالى، ويستجيش بها قلوبهم إلى الطاعة والتسليم. ثم يطمئنهم من ناحية الدنيا وأعراضها، فما له فيها من أرب بدعوتهم إلى الله، وما يطلب منهم أجراً جزاء هدايتهم إليه، فهو يطلب أجره من رب الناس الذي كلفه دعوة الناس. وهذا التنبيه على عدم طلب الأجر يبدو أنه كان دائماً ضرورياً للدعوة الصحيحة، تمييزاً لها مما عهده الناس في الكهان ورجال الأديان من استغلال الدين لسلب أموال العباد. وقد كان الكهنة ورجال الدين المنحرفون دائماً مصدر ابتزاز للأموال بشتى الأساليب. فأما دعوة الله الحقة فكان دعاتها دائماً متجردين، لا يطلبون أجراً على الهدى. فأجرهم على رب العالمين. وهنا يكرر عليهم طلب التقوى والطاعة، بعد اطئمنانهم من ناحية الأجر والاستغلال: {فاتقوا الله وأطيعون}.. ولكن القوم يطلعون عليه باعتراض عجيب. وهو اعتراض مكرور في البشرية مع كل رسول: {قالوا: أنؤمن لك واتبعك الأرذلون؟}.. وهم يعنون بالأرذلين الفقراء. وهم السابقون إلى الرسل والرسالات، وإلى الإيمان والاستسلام. لا يصدهم عن الهدى كبرياء فارغة، ولا خوف على مصلحة أو وضع أو مكانة. ومن ثم فهم الملبون السابقون. فأما الملأ من الكبراء فتقعد بهم كبرياؤهم، وتقعد بهم مصالحهم، القائمة على الأوضاع المزيفة، المستمدة من الأوهام والأساطير، التي تلبس ثوب الدين. ثم هم في النهاية يأنفون أن يسويهم التوحيد الخالص بالجماهير من الناس، حيث تسقط القيم الزائفة كلها، وترتفع قيمة واحدة. قيمة الإيمان والعمل الصالح. قيمة واحدة ترفع قوماً وتخفض آخرين. بميزان واحد هو ميزان العقيدة والسلوك القويم. ومن ثم يجيبهم نوح الجواب الذي يقرر القيم الثابتة؛ ويحدد اختصاص الرسول، ويدع أمر الناس وحسابهم لله على ما يعملون. {قال: وما علمي بما كانوا يعملون؟ إن حسابهم إلا على ربي لو تشعرون. وما أنا بطارد المؤمنين. إن أنا إلا نذير مبين}. والكبراء يقولون دائماً عن الفقراء: إن عاداتهم وأخلاقهم لا ترضي العلية، ولا تطاق في أوساط الطبقة الراقية ذات الحس المرهف والذوق اللطيف! فنوح يقول لهم: إنه لا يطلب إلى الناس شيئاً سوى الإيمان. وقد آمنوا. فأما عملهم قبله فموكول إلى الله، وهو الذي يزنه ويقدره. ويجزيهم على الحسنات والسيئات. وتقدير الله هو الصحيح: {لو تشعرون} بالقيم الحقة التي ترجح في ميزان الله. وما وظيفتي إلا الإنذار والإفصاح: {إِن أنا إلا نذير مبين}. فلما أن واجههم نوح ـ عليه السلام ـ بحجته الواضحة ومنطقه المستقيم؛ وعجزوا عن المضي في الجدل بالحجة والبرهان، لجأوا إلى ما يلجأ إليه الطغيان كلما أعوزته الحجة، وخذله البرهان. لجأوا إلى التهديد بالقوة المادية الغليظة التي يعتمد عليها الطغاة في كل زمان ومكان، عندما تعوزهم الحجة، ويعجزهم البرهان: {قالوا: لئن لم تنته يا نوح لتكونن من المرجومين}.. وأسفر الطغيان عن وجهه الكالح، وكشف الضلال عن وسيلته الغليظة، وعرف نوح أن القلوب الجاسية لن تلين. هنا توجه نوح إلى الولي الوحيد، والناصر الفريد، الذي لا ملجأ سواه للمؤمنين: {قال: رب إن قومي كذبون. فافتح بيني وبينهم فتحاً، ونجني ومن معي من المؤمنين}. وربه يعلم أن قومه كذبوه. ولكنه البث والشكوى إلى الناصر المعين، وطلب النصفة، ورد الأمر إلى صاحب الأمر: {فافتح بيني وبينهم فتحاً} يضع الحد الأخير للبغي والتكذيب: {ونجني ومن معي من المؤمنين}.. واستجاب الله لنبيه الذي يتهدده الطغيان بالرجم، لأنه يدعو الناس إلى تقوى الله، وطاعة رسوله، لا يطلب على ذلك أجراً، ولا يبتغي جاهاً ولا مالاً: {فأنجيناه ومن معه في الفلك المشحون. ثم أغرقنا بعد الباقين}.. هكذا في إجمال سريع. يصور النهاية الأخيرة للمعركة بين الإيمان والطغيان في فجر البشرية. ويقرر مصير كل معركة تالية في تاريخ البشرية الطويل. ثم يجيء التعقيب المكرور في السورة عقب كل آية من آيات الله العزيز الرحيم: {إِن في ذلك لآية. وما كان أكثرهم مؤمنين. وإن ربك لهو العزيز الرحيم}..

ابن عاشور

تفسير : استئناف لتسلية الرسول صلى الله عليه وسلم ناشىءٌ عن قوله: {أية : وما كان أكثرهم مؤمنين}تفسير : [الشعراء: 103] أي لا تأسَ عليهم ولا يعظُمْ عليك أنهم كذّبوك فقد كذبت قوم نوح المرسلين؛ وقد علم العرب رسالةَ نوح، وكذلك شأن أهل العقول الضالّة أنهم يعرفون الأحوال وينسون أسبابها. وأنث الفعل المسند إلى قوم نوح لتأويل {قوم} بمعنى الأمة أو الجماعة كما يقال: قالت قريش، وقالت بنو عامر، وذلك قياس في كل اسم جَمع لا واحد له من لفظه إذا كان للآدمي مثل نَفَر ورهْط، فأما إذا كان لغير الآدميين نحو إبل فمؤنث لا غير. قاله الجوهري وتبعه صاحب «اللسان» و«المصباح». ووقع في «الكشاف» هذه العبارة «القومُ مؤنثة وتصغيرُها قُويمة» فظاهر عبارته أن هذا اللفظ مؤنث المعنى في الاستعمال لا غير، وهذَا لم يقله غيره وسكت شراحه عليه ولم يعرج الزمخشري عليه في «الأساس» فإن حمل على ظاهر العبارة فهو مخالف لكلام الجوهري وابن سيده. ويحتمل أنه أراد جواز تأنيث (قوم) وأنه يجوز أن يصغر على قويمة فيُجمع بين كلامه وكلام الجوهري وابن سيده، وهو احتمال بعيد من ظاهر كلامه الموكَّد بقوله: وتصغيره قُويمة، لما هو مقرر من أن التصغير يرد الأسماء إلى أصولها. وأيّاً مّا كان فهو صريح في أن تأنيثه ليس بتأويله بمعنى الأمة لأن التأويل اعتبار للمتكلم فلا يكون له أثر في إجراء الصيغ مثل التصغير، فإن الصيغ من آثار الوضع دون الاستعمال، ألا ترى أنه لا تجعل للمعاني المجازية صيغ خاصة بالمجاز. وجُمع {المرسلين} وإنما كذَّبوا رسولاً واحداً أولَ الرسل ولم يكن قبله رسول وهم أول المكذّبين، فإنما جُمع لأن تكذيبهم لم يكن لأجل ذاته ولكنه كان لإحالتهم أن يرسل الله بشراً، وأن تكون عبادة أصنامهم ضلالاً فكان تكذيبهم إياه مقتضياً تكذيب كل رسول لأن كل رسول يقول مثل ما قاله نوح عليه السلام، ولذلك تكرر في قوله: {أية : كذبت عاد المرسلين}تفسير : [الشعراء: 123] وما بعده. وقد حكي تكذيبهم أن يكون الرسول بشراً في قوله: {أية : أَوَعَجِبْتم أن جاءكم ذِكْر من ربكم على رجل منكم لينذركم} تفسير : في [الأعراف: 63]. وسيأتي حكاية تكذيب عاد وثمود وقوم لوط وأصحاب لَيْكة على هذا النمط فيما تكرر من قوله: {كذبت} وقوله: {المرسلين}. و{إذ قال} ظرف، أي كذبوه حين قال لهم {ألا تتقون} فقالوا: {أية : أنؤمن لك}تفسير : [الشعراء: 111]. ويظهر أن قوله: {ألا تتقون} صدر بعد أن دعاهم من قبل وكرّر دعوتهم إذ رآهم مُصرِّين على الكفر ويدل لذلك قولهم في مجاوبته {أية : واتَّبَعَك الأرذلون}تفسير : [الشعراء: 111]. وخص بالذكر في هذه السورة هذا الموقف من مواقفه لأنه أنسب بغرض السورة في تسلية الرسول صلى الله عليه وسلم بذكر مماثل حاله مع قومه. والأخ مستعمل في معنى القريب من القبيلة. وقد تقدم في قوله تعالى: {أية : وإلى عاد أخاهم هوداً} تفسير : في سورة [الأعراف: 65]. وقوله: {ألا تتقون} يجوز أن يكون لفظ {أَلاَ} مركباً من حرفين همزة استفهام دخلت على (لاَ) النافية، فهو استفهام عن انتفاء تقواهم مستعمل في الإنكار وهو يقتضي امتناعهم من الامتثال لدعوته. ويجوز أن يكون {أَلاَ} حرفاً واحداً هو حرف التحْضيض مثل قوله تعالى: {أية : ألا تقاتلون قوماً نكثوا أيمانهم}تفسير : [التوبة: 13] وهو يقتضي تباطؤهم عن تصديقه. والمراد بالتقوى: خشية الله من عقابه إياهم على أن جعلوا معه شركاء. وجملة: {إني لكم رسول أمين} تعليل للإنكار أو للتحضيض، أي كيف تستمرون على الشرك وقد نهيتكم عنه وأنا رسول لكم أمينٌ عندكم. وكان نوح موسوماً بالأمانة لا يتهم في قومه كما كان محمد صلى الله عليه وسلم يلقب الأمين في قريش. قال النابغة:شعر : كذلك كانَ نوحٌ لا يخون تفسير : وتأكيده بحرف التأكيد مع عدم سبق إنكارهم أمانته لأنه توقَّع حدوث الإنكار فاستدل عليهم بتجربة أمانته قبل تبليغ الرسالة، فإن الأمانة دليل على صدقه فيما بلَّغهم من رسالة الله، كما قال هرقل لأبي سفيان وقد سأله: هل جربتم عليه (يعني النبي صلى الله عليه وسلم) كَذِباً، فقال أبو سفيان: لاَ ونَحْن منه في مدة لا ندري ما فعل فيها. فقال له هرقل بعد ذلك: فقد عَلِمتُ أنه ما كان ليترك الكذب على الناس ويكذب على الله. ففي حكاية استدلال نوح بأمانته بين قومه في هذه القصة المسوقة مثلاً للمشركين في تكذيبهم محمداً صلى الله عليه وسلم تعريض بهم إذ كذبوه بعد أن كانوا يدْعونه الأمين، ويحتمل أن يراد به أمين من جانب الله على الأمة التي أرسل إليها. والتأكيد أيضاً لتوقع الإنكار منهم. وجملة: {وما أسئلكم عليه من أجر} عطف على جملة: {إني لكم رسول أمين} أي علمتم أني أمين لكم وتعلمون أني لا أطلب من دعوتكم إلى الإيمان نفعاً لنفسي. وضمير {عليه} عائد إلى معلوم من مقام الدعوة. وقوله: {فاتقوا الله وأطيعون} تأكيد لقوله: {ألا تتقون} وهو اعتراض بين الجملتين المتعاطفتين. وكرر جملة: {فاتقوا الله وأطيعون} لزيادة التأكيد فيكون قد افتتح دعوته بالنهي عن ترك التقوى ثم علل ذلك ثم أعاد ما تقتضيه جملة الاستفتاح، ثم علل ذلك بقوله: {وما أسئلكم عليه من أجر}، ثم أعاد جملة الدعوة في آخر كلامه إذ قال: {فاتقوا الله وأطيعون} مرة ثانية بمنزلة النتيجة للدعوة ولتعليلها. وحذفت الياء من {أطيعون} في الموضعين كما حذفت في قوله: {أية : فأخاف أن يَقتلونِ}تفسير : [الشعراء: 14] في أوائل السورة. وفي قوله: {إنْ أجري إلاّ على رب العالمين} إشارة إلى يوم الجزاء وكانوا ينكرون البعث كما دل عليه قوله في سورة [نوح: 17 - 18] {أية : والله أنبتكم من الأرض نباتاً ثم يعيدكم فيها ويُخرجكم إخراجاً}تفسير : . وتقدم ذكر نوح عند قوله تعالى: {أية : إن الله اصطفى آدم ونوحاً} تفسير : في [آل عمران: 33].

الشنقيطي

تفسير : قد قدمنا الكلام عليها في سورة الحج، وفي غيرها، وتكلمنا على قوله تعالى {أية : وَمَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَىٰ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} تفسير : [الشعراء: 109و 127و 164و 180] في قصة نوح، وهود، وصالح، ولوط، وشعيب. وبينا الآيات الموضحة لذلك في سورة هود في الكلام على قوله تعالى: {أية : وَيٰقَوْمِ لاۤ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالاً إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى ٱللَّهِ} تفسير : [هود: 29] الآية.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: كذبت قوم نوح المرسلين: قوم نوح الأمة التي بعث فيها، والمراد من المرسلين نوح عليه السلام. أخوهم نوح: أي في النسب. ألا تتقون: أي اتقوا الله ربكم فلا تعصوه بالشرك والمعاصي. رسول أمين: أي على ما أمرني ربي بإبلاغه إليكم. من أجر: أي لا أسألكم على إبلاغ رسالة الله أجرة مقابل البلاغ. أنؤمن لك واتبعك الأرذلون: أي كيف نتبعك على ما تدعونا إليه وقد اتبعك أراذل الناس أي سفلتهم وأهل الخسة فيهم. إن حسابهم إلا على ربي: أي ما حسابهم إلا على ربي. معنى الآيات: هذه بداية قصص نوح عليه السلام فقال تعالى {كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ} أي بما جاءهم به نوح من الأمر بالتوحيد وترك الشرك {إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ} أي في النسب {نُوحٌ أَلاَ تَتَّقُونَ} أي عقاب الله وأنتم تشركون به، وتكذبون رسوله {إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ} على ما أبلغكم من وحي الله تعالى فاتقوا الله بترك الشرك وأطيعوني فيما أدعوكم إليه وآمركم به {وَمَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ} أي على البلاغ من أجر أتقاضاه منكم مقابل ما أبلغكم من رسالة ربكم. {إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَىٰ رَبِّ} إذ هو الذي كلفني {فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} أي خافوا عقابه أن يحل بكم وأنتم تكفرون به وتكذبون برسوله وأطيعون فيما آمركم به وأنهاكم عنه. بعد هذا الذي أمرهم به وكرره عليهم من تقوى الله وطاعة لرسوله كان جوابهم ما أخبر به تعالى عنهم في قوله: {قَالُوۤاْ أَنُؤْمِنُ لَكَ} أي أنصدقك ونتابعك على ما جئت به من الدين {وَٱتَّبَعَكَ ٱلأَرْذَلُونَ} أي سفلة الناس وأخساؤهم؟. فأجابهم نوح قوله {وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} فيما يعملونه بعيدين عني من الباطن أو الظاهر أنا لا أعلمه ولا أسأل عنه ولا أحاسب عليه، {إِنْ حِسَابُهُمْ إِلاَّ عَلَىٰ رَبِّي} هو الذي يحاسبهم ويجزيهم لو تشعرون بهذه الحقيقة لما عبتموهم لي وحملتموني مسئولية عملهم {وَمَآ أَنَاْ بِطَارِدِ ٱلْمُؤْمِنِينَ} أي من حولي، {إِنْ أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ مُّبِينٌ} فلست بجبار ولا ذي سلطان فأطرد الناس وظيفتي أني أنذر الناس عاقبة الكفر والمعاصي ليقلعوا عن ذلك فينجوا من عذاب الله ويسلموا. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- بيان أن من كذب رسولاً فكأنما كذب كل الرسل وذلك باعتبار أن دعوتهم واحدة وهي أن يُعْبَدَ الله وحده بما شرع للناس من عبادات تطهرهم وتزكيهم. 2- إثبات أخوة النسب، ولا تعارض بينها وبين أخوة الدين. 3- عدم جواز أخذ أجرة على دعوة الله تعالى. ووجوب إبلاغها مجانا. 4- وجوب التقوى لله تعالى، وطاعة الرسول صلى الله عليه وسلم. 5- لا يجوز طرد الفقراء من مجالس العلم ليجلس مجالسهم الأغنياء وأهل الجَاه.

القطان

تفسير : نذير: مخبر مع تخويف من العاقبة، ضد البشير. من المرجومين: بالحجارة، رجمه يرجمه رجما: قتله بالحجارة. فافتح بيني وبينهم: فاحكم بيني وبينهم. الفلك: السفينة، للمفرد والجمع والمذكر والمؤنث. المشحون: المملوء، شحن السفينة: ملأها. {كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ ٱلْمُرْسَلِينَ} جاء التعبير بأنهم كذّبوا جميعَ المرسَلين لأنهم كذبوا نوحا. اذ قال لهم أخوهم نوح: ألا تحذَرون بطش الله بكم؟ اني لكم يا قومي رسولٌ امين، فاتقوا الله واطيعوني واتبعوا ديني. أنا لستُ أطلب منكم أجرا، وما أجري الا على رب العالمين. قالوا: انؤمن لك يا نوح ولم يؤمن الا البسطاء وأراذل القوم!؟ قال نوح: إن لي ظاهرَ احوالهم، ولا أعلم ما في باطنهم. إني أقبَلُ كل من يؤمن بديني، وحسابهم على الله، وما انا بطاردهم ما داموا مؤمنين، فلستُ الا نذيراً أُبلّغ عن ربي. فهدده قومه وقالوا له: لئن لم ترجعْ عن دعواك هذه لنرجمنَّك كالمجرمين. قال نوح: يا ربّ إن قومي كذّبوني ولم يبقَ لي أملٌ في اصلاحهم، فاحكم بيني وبينهم ونجّني ومن معي من المؤمنين. فأنجاه الله ومن معه في سفينته المشحونة بالخلْق والدوابّ، وأغرق قومه الآخرين الذين لم يؤمن منهم الا القليل. ان فيما ذكره القرآن من نبأ نوح لحجةً على صدقِ الرسُل وقدرة الله، وما كان أكثر الذين تتلو عليهم يا محمدُ هذا القَصص مؤمنين. {وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ}. قراءات: قرأ يعقوب: واتباعك الارذلون. وقرأ الباقون: واتبعك الارذلون.

د. أسعد حومد

تفسير : (105) - يُخبرُ اللهُ تَعَالى عَنْ نوحٍ عَلَيهِ السَّلامُ، وَهُوَ أولُ رَسُولٍ بَعَثَهُ اللهُ تَعالى إِلى أَهلِ الأَرضِ، بَعدَمَا عَبَدَ النَّاسُ الأَصْنَامَ والأَنْدَادَ، فَبَعَثَهُ اللهُ إلى قومهِ نَاهياً لَهُمْ عَنْ ذَلك، وَمُحَذِّراً إيَّاهُمْ مِنْ عِقَابِ اللهِ تَعالَى، فكَذَّّبَهُ قَومُهُ، واستَمَرُّوا مُقِيمينَ عَلَى عِبَادَةِ الأصْنَامِ والأَوْثَانِ والشِّرْكِ باللهِ. (ومَنْ كَذَّبَ رسُولاً فكأَنَّه كَذَّبَ جَميعَ المُرْسَلين لاتِّحَادِ دَعْوَةِ جميعِ الرُّسُلِ في أُصُولِها وغَايَاتِها، وَلِذلِكَ قَالَ : {أية : كَذَّبَتْ قومُ نُوحٍ المُرْسَلِينَ}.

الثعلبي

تفسير : {كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ} ادخلت ألتاء للجماعة كقوله {أية : قَالَتِ ٱلأَعْرَابُ}تفسير : [الحجرات: 14]. {ٱلْمُرْسَلِينَ} يعني نوحاً وحده كقوله {أية : يٰأَيُّهَا ٱلرُّسُلُ}تفسير : [المؤمنون: 51]. وأخبرني أبو عبد الله الدينوري قال: حدّثنا أبو علىّ المقري قال: حدّثنا أبو عبيد علي بن الحسين بن حرب قال: حدّثنا الحسن بن محمد الصباح قال: حدّثنا عبد الوهاب عن إسماعيل عن الحسين قال: قيل له: يا أبا سعيد أرأيت قوله عزَّ وجل {كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ ٱلْمُرْسَلِينَ} و {كَذَّبَتْ عَادٌ ٱلْمُرْسَلِينَ} [الشعراء: 123] و {كَذَّبَتْ ثَمُودُ ٱلْمُرْسَلِينَ} [الشعراء: 141] وانّما أرسل إليهم رسولاً واحداً ؟ قال: انّ الآخر جاء بما جاء به الأوّل، فإذا كذّبوا واحداً فقد كذّبوهم أجمعين. {إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ} في النسبة لا في الدين {نُوحٌ أَلاَ تَتَّقُونَ * إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ} على الوحي {فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ * وَمَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَىٰ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ * فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ * قَالُوۤاْ أَنُؤْمِنُ لَكَ وَٱتَّبَعَكَ} قراءة العامة، وقرأ يعقوب: وأتباعك {ٱلأَرْذَلُونَ} يعني السفلة عن مقاتل وقتادة والكلبي. ابن عباس: الحاكة. وأخبرني الحسين بن محمد الفنجوي قال: حدّثنا محمد بن الحسين الكعبي قال: حدّثنا حسين بن مزاحم عن ابن عباس في قول الله سبحانه {وَٱتَّبَعَكَ ٱلأَرْذَلُونَ} قال: الحاكة، عكرمة: الحاكة والأسالفة. {قَالَ} نوح {وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} إنما لي منهم ظاهر أمرهم، وعليَّ أن أدعوهم وليس علىّ من خساسة أحوالهم ودناءة مكاسبهم شيء، ولم أُكلّف ذلك إنّما كُلّفت أن أدعوهم. {إِنْ حِسَابُهُمْ إِلاَّ عَلَىٰ رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ} وقيل: معناه أي لم أعلم أنّ اللّه يهديهم ويضلكم، ويوفّقهم ويخذلكم. {وَمَآ أَنَاْ بِطَارِدِ ٱلْمُؤْمِنِينَ * إِنْ أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ مُّبِينٌ * قَالُواْ لَئِنْ لَّمْ تَنْتَهِ يٰنُوحُ} عمّا تقول وتدعو إليه {لَتَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمَرْجُومِينَ} يعني المشؤومين عن الضحّاك، قتادة: المضروبين بالحجارة. قال ابن عباس ومقاتل: من المقتولين. الثمالي: كلّ شيء في القرآن من ذكر المرجومين فإنّه يعني بذلك القتل إلاّ التي في سورة مريم {أية : لَئِن لَّمْ تَنتَهِ لأَرْجُمَنَّكَ}تفسير : [مريم: 46] فإنّه يعني لاشتمنّك. {قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ * فَٱفْتَحْ} فاحكم {بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحاً وَنَجِّنِي وَمَن مَّعِي مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ * فَأَنجَيْنَاهُ وَمَن مَّعَهُ فِي ٱلْفُلْكِ ٱلْمَشْحُونِ} يعني الموقّر المجهّز عن ابن عباس. مجاهد: المملوء، المفروغ منه، عطاء: المُثقل، قتادة: المُحمل.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : القوم: هم الرجال خاصة، وسُمُّوا قوماً؛ لأنهم هم الذين يقومون بأهم الأشياء، ويقابل القوم النساء، كما جاء شرح هذا المعنى في قوله سبحانه: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَىٰ أَن يَكُونُواْ خَيْراً مِّنْهُمْ وَلاَ نِسَآءٌ مِّن نِّسَآءٍ عَسَىٰ أَن يَكُنَّ خَيْراً مِّنْهُنَّ ..}تفسير : [الحجرات: 11]. فالرجال هم القوم؛ لأنهم يقومون بأهم الأمور، وعليهم مدار حركة الحياة، والنساء يستقبلْنَ ثمار هذه الحركة، فينفقونها بأمانة ويُوجِّهونها التوجيه السليم. والشاعر العربي أوضح هذا المعنى بقوله: شعر : وَمَا أَدْرِي ولسْتُ إخَاَلُ أدْرِي أَقْوْمٌ آلُ حِصْنٍ أَمْ نِسَاءُ تفسير : ونفهم أيضاً هذه القِوامة للرجل من قَوْل الله تعالى حينما وعظ آدم وحذَّره من الشيطان: {أية : إِنَّ هَـٰذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ فَلاَ يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ ٱلْجَنَّةِ ..}تفسير : [طه: 117] وحسب القاعدة نقول: فتشقيا. لكن الحق - تبارك وتعالى - يقول: {أية : فَتَشْقَىٰ}تفسير : [طه: 117] أنت يا آدم وحدك في حركة الحياة، فالرجل يتحمل هذه المشقة ويكرم المرأة أن تُهَان أو تشقى، لكن ماذا نفعل وهي تريد أن تُشقِي نفسها؟! ونلحظ أن الآية تقول: {كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ ٱلْمُرْسَلِينَ} [الشعراء: 105] كيف وهم ما كذّبوا إلا رسولهم نوحاً عليه السلام؟ وكانوا مؤمنين قبله بآدم وإبراهيم مثلاً. قالوا: لأن الرسل عن الله إنما جاءوا في أصول ثابتة في العقيدة وفي الأخلاق لا تتغير في أي دين؛ لذلك فمن كذَّب رسوله فكأنه كذَّب كل الرسل، ألاَ ترى أن من أقوال المؤمنين أن يقولوا: {أية : قُلْ آمَنَّا بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ عَلَيْنَا وَمَآ أُنزِلَ عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَٱلأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ وَٱلنَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ}تفسير : [آل عمران: 84]. وقال تعالى: {أية : آمَنَ ٱلرَّسُولُ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَٱلْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِٱللَّهِ وَمَلاۤئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ ..}تفسير : [البقرة: 285]. فإنْ قُلْتَ: فماذا عن اختلاف المناهج والشرائع من نبي لآخر؟ نقول: هذه اختلافات في مسائل تقتضيها تطورات المجتمعات، وهي فرعيات لا تتصل بأصل العقائد والأخلاق الكريمة. لذلك نجد هذه لازمة في كُلِّ مواكب الرسالات، يقول: المرسِلِين، المرسَلِين؛ لأن الذي يُكذِّب رسوله فيما اتفق فيه الأجيال من عقائد وأخلاق، فكأنه كذّب جميع المرسلين.

الصابوني

تفسير : المنَاسَبَة: لما قصَّ تعالى على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم خبر موسى وإِبراهيم أتبعه بذكر قصة نوح، وهود، وصالح، ولوط، وشعيب، وكلُّ ذلك تسليةٌ لرسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يلقاه من قومه، وبيانٌ لسنة الله في عقاب المكذبين. اللغَة: {ٱلْمَشْحُونِ} المملوء يقال: شحنَ السفينةَ أي ملأها بالناس والدواب والطعام {رِيعٍ} الرِّيع: ما ارتفع من الأرض، والرِّيعُ: الطريق {مَصَانِعَ} المراد بها الحصون المشيَّدة وهو قول ابن عباس قال الشاعر: شعر : تركنا ديارهم منهم قِفاراً وهدَّمنا المصانع والبروجا تفسير : {بَطَشْتُمْ} البطش: السطوةُ والأخذ بالعنف يقال: بطَش يبطِشُ إذا أخذه بشدة وعنف {ٱلْجِبِلَّةَ} الخليقة قال الهروي: الجبلَّة والجِبلُّ: الجمع ذو العدد الكثير من الناس ومنه قوله {أية : وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلاًّ كَثِيراً} تفسير : [يس: 62] أي ناساً كثيرين ويقال: جُبل فلانٌ على كذا أي خُلق {كِسَفاً} جمع كِسْفة وهي القطعة من الشيء. التفسِير: {كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ ٱلْمُرْسَلِينَ} أي كذَّب قوم نوح رسولهم نوحاً، وإِنما قال {ٱلْمُرْسَلِينَ} لأن من كذَّب رسولاً فقد كذب الرسل {إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ} أي أخوهم في النسب لا في الدين لأنه كان منهم قال الزمخشري: وهذا من قول العرب: يا أخا بني تميم يريدون يا واحداً منهم ومنه بيت الحماسة "لا يسألون أخاهم حين يندبهم" {أَلاَ تَتَّقُونَ} أي ألا تخافون عقاب الله في عبادة الأصنام؟ {إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ} أي إني لكم ناصح، أمينٌ في نصحي لا أخون ولا أكذب {فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ} أي خافوا عذاب الله وأطيعوا أمري {وَمَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ} أي لا أطلب منكم جزاءً على نصحي لكم {إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَىٰ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} أي ما أطلب ثوابي وأجري إلا من الله تعالى {فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ} كرره تأكيداً وتنبيهاً على أهمية الأمر الذي دعاهم إليه {قَالُوۤاْ أَنُؤْمِنُ لَكَ} أي أنصدّقك يا نوح فيما تقول {وَٱتَّبَعَكَ ٱلأَرْذَلُونَ} أي والحال أن أتباعك هم السفلة والفقراء والضعفاء؟ قال البيضاوي: وهذا من سخافة عقلهم، وقصور رأيهم فقد قصروا الأمر على حطام الدنيا حتى جعلوا اتّباع الفقراء له مانعاً عن اتباعهم وإِيمانهم بدعوة نوح {قَالَ وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} أي ليس عليَّ أن أبحث عن خفايا ضمائرهم، وأن أُنقّب عن أعمالهم هل اتبعوني إخلاصاً أو طمعاً؟ قال القرطبي: كأنهم قالوا: إِنما اتبعك هؤلاء الضعفاء طمعاً في العزة والمال فقال في جوابهم: إني لم أقف على باطن أمرهم وإِنما إليَّ ظاهرهم {إِنْ حِسَابُهُمْ إِلاَّ عَلَىٰ رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ} أي ما حسابهم وجزاؤهم إلا على الله فإِنه المطّلع على السرائر والضمائر لو تعلمون ذلك {وَمَآ أَنَاْ بِطَارِدِ ٱلْمُؤْمِنِينَ} أي لست بمبعد هؤلاء المؤمنين الضعفاء عني، ولا بطاردهم عن مجلسي قال أبو حيان: وهذا مشعرٌ بأنهم طلبوا منه ذلك كما طلب رؤساء قريش من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يطرد من آمن من الضعفاء {إِنْ أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ مُّبِينٌ} أي ما أنا إلا نذير لكم من عذاب الله، أخوفكم بأسه وسطوته فمن أطاعني نجا سواءً كان شريفاً أو وضيعاً، أو جليلاً أو حقيراً {قَالُواْ لَئِنْ لَّمْ تَنْتَهِ يٰنُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمَرْجُومِينَ} أي لئن لم تنته عن دعوى الرسالة وتقبيح ما نحن عليه لتكوننَّ من المرجومين بالحجارة، خوفوه بالقتل بالحجارة فعند ذلك حصل اليأس لنوحٍ من فلاحهم فدعا عليهم {قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ} أي قال نوح يا ربّ إن قومي كذّبوني ولم يؤمنوا بي {فَٱفْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحاً} أي فاحكم بيني وبينهم بما تشاء، واقض بيننا بحكمك العادل {وَنَجِّنِي وَمَن مَّعِي مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} أي أنقذني والمؤمنين معي من مكرهم وكيدهم {فَأَنجَيْنَاهُ وَمَن مَّعَهُ فِي ٱلْفُلْكِ ٱلْمَشْحُونِ} أي فأنجينا نوحاً ومن معه من المؤمنين في السفينة المملوءة بالرجال والنساء والحيوان {ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ ٱلْبَاقِينَ} أي أغرقنا بعد إنجائهم الباقين من قومه {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً} أي لعبرة عظيمة لمن تفكر وتدبَّر {وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ} أي وما أكثر الناس بمؤمنين {وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ} أي وإِن ربك يا محمد لهو الغالب الذي لا يُقهر، الرحيم بالعباد حيث لا يعاجلهم بالعقوبة، ثم شرع تعالى في ذكر قصة "هود" فقال {كَذَّبَتْ عَادٌ ٱلْمُرْسَلِينَ} أي كذبت قبيلة عاد رسولهم هوداً، ومن كذَّب رسولاً فقد كذب جميع المرسلين {إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلاَ تَتَّقُونَ} أي ألا تخافون عذاب الله وانتقامه في عبادتكم لغيره! {إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ} أي أمينٌ على الوحي ناصح لكم في الدين {فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ} أي فخافوا عذاب الله وأطيعوا أمري {وَمَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَىٰ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} أي لا أطلب منكم على تبليغ الدعوة شيئاً من المال إِنما أطلب أجري من الله، كررت الآيات للتنبيه إلى أنَّ دعوةَ الرسل واحدة {أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ}؟ استفهامٌ إنكاري أي أتبنون بكل موضع مرتفع من الطريق بناءً شامخاً كالعَلَم لمجرد اللهو والعبث؟ قال ابن كثير: الرَّيع المكان المرتفع كانوا يبنون عند الطرق المشهورة بنياناً محكماً هائلاً باهراً لمجرد اللهو واللعب وإِظهار القوة، ولهذا أنكر عليهم نبيُهم عليه السلام ذلك لأنه تضييعٌ للزمان، وإِتعابٌ للأبدان، واشتغالُ بما لا يُجدي في الدنيا ولا في الآخرة {وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ} أي وتتخذون قصوراً مشيَّدة محكمة ترجون الخلود في الدنيا كأنكم لا تموتون؟ {وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ} أي وإِذا اعتديتم على أحد فعلتم فعل الجبارين من البطش دون رأفةٍ أو رحمة، وإِنما أنكر عليهم ذلك لأنه صادر عن ظلم عادة الجبابرة المتسلطين قال الفخر: وصفهم بثلاثة أمور: اتخاذ الأبنية العالية وهو يدل على السرف وحب العلو، واتخاذ المصانع - القصور المشيَّدة والحصون - وهو يدل على حب البقاء والخلود، والجبارية وهي تدل على حب التفرد بالعلو، وكلُّ ذلك يشير على أن حبَّ الدنيا قد استولى عليهم بحيث استغرقوا فيه حتى خرجوا عن حد العبودية، وحاموا حول دعاء الربوبية، وحبُّ الدنيا رأسُ كل خطيئه {فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ} أي خافوا الله واتركوا هذه الأفعال وأطيعوا أمري، ثم شرع يذكّرهم نعم الله فقال {وَٱتَّقُواْ ٱلَّذِيۤ أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ} أي أنعم عليكم بأنواع النعم والخيرات {أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ * وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ} أي أعطاكم أصول الخيرات من المواشي، والبنين، والبساتين، والأنهار، وأغدق عليكم النعم فهو الذي يجب أن يُعْبد ويُشْكر ولا يُكفر {إِنِّيۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} أي أخشى عليكم إن لم تشكروا هذه النعم وأشركتم وكفرتم عذاب يومٍ هائل تشيب لهوله الولدان.. دعاهم إلى الله بالترغيب والترهيب، وبلغ في دعائهم بالوعظِ والتخويفِ النهاية القصوى في البيان فكان جوابهم {قَالُواْ سَوَآءٌ عَلَيْنَآ أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِّنَ ٱلْوَاعِظِينَ} أي يستوي عندنا تذكيرك لنا وعدُمه، فلا نبالي بما تقول، ولا نرعوي عمّا نحن عليه قال أبو حيان: جعلوا قوله وعْظاً على سبيل الاستخفاف وعدم المبالاة بما خوَّفهم به إذ لم يعتقدوا صحة ما جاء به، وانه كاذبٌ فيما ادَّعاه {إِنْ هَـٰذَا إِلاَّ خُلُقُ ٱلأَوَّلِينَ} أي ما هذا الذي جئتنا به إلا كذبُ وخرافاتُ الأولين {وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ} أي لا بعث ولا جزاء ولا حساب ولا عذاب {فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْنَاهُمْ} أي فكذبوا رسولهم هوداً فأهلكناهم بريحٍ صرصرٍ عاتية قال ابن كثير: وكان إهلاكهم بالريح الشديدة الهبوب، ذاتِ البرد الشديد وهي الريح الصرصر العاتية، وكان سبب إهلاكهم من جنسهم، فإِنهم كانوا أعتى شيءٍ وأجبره، فسلَّط الله عليهم ما هو أعتى منهم وأشدَّ، فحصبت الريح كل شيء حتى كانت تأتي الرجل منهم فتقتلعه، وترفعه في الهواء ثم تنكّسه على أم رأسه، فتشدخ رأسه ودماغه {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً} أي إن في إهلاكهم لعظة وعبرة {وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ} أي وما آمن أكثر الناس مع رؤيتهم للآيات الباهرة {وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ} أي وإِن ربك يا محمد لهو العزيزُ في انتقامه من أعدائه، الرحيمُ بعباده المؤمنين، ثم شرع تعالى في ذكر قصة "صالح" فقال {كَذَّبَتْ ثَمُودُ ٱلْمُرْسَلِينَ} أي كذبت قبيلة ثمود نبيَّهم "صالحاً" ومن كذَّب رسولاً ققد كذب جميع المرسلين {إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَالِحٌ أَلا تَتَّقُونَ}؟ ألا تخافون عذاب الله وانتقامه في عبادتكم غيره! {إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ * فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ * وَمَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَىٰ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} كررت الآيات للتنبيه على أن دعوة الرسل واحدة، فكل رسولٍ يذكِّر قومه بالغاية من بعثته ورسالته، وأنها لصالح البشر {أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَٰهُنَآ آمِنِينَ} أي أيترككم ربكم في هذه الدنيا آمنين، مخلَّدين في النعيم، كأنكم باقون في الدنيا بلا موت؟ قال ابن عباس: كانوا معمَّرين لا يبقى البنيان مع أعمارهم، قال القرطبي: ودل على هذا قولُه تعالى {أية : وَٱسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا} تفسير : [هود: 61] فقرَّعهم صالح ووبَّخهم وقال: أتظنون أنكم باقون في الدنيا بلا موت {فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ} أي في بساتين وأنهار جاريات {وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ} أي وسهولٍ فسيحة فيها من أنواع الزروع والنخيل الرطب اللين؟ أتتركون في كل ذلك النعيم دون حساب ولا جزاء قال المفسرون: كانت أرض ثمود كثيرة البساتين والماء والنخل فذكّرهم صالحٌ بنعم الله الجليلة من إنبات البساتين والجنات، وتفجير العيون الجاريات، وإِخراج الزروع والثمرات، ومعنى "الهضيم" اللطيف الدقيق وهو قول عكرمة، وقال ابن عباس معناه: اليانع النضيج {وَتَنْحِتُونَ مِنَ ٱلْجِبَالِ بُيُوتاً فَارِهِينَ} أي وتبنون بيوتاً في الجبال أشرين بطرين من غير حاجةٍ لسكناها قال الرازي: وظاهر هذه الآيات يدل على أنَّ الغالب على قوم "هود" هو اللذاتُ الخيالية وهي الاستعلاء، والبقاء، والتجبر، والغالب على قوم "صالح" هو اللذاتُ الحسية وهي طلب المأكول، والمشروب، والمساكن الطيبة وقال الصاوي: كانت أعمارهم طويلة فإِن السقوف والأبينة كانت تبلى قبل فناء أعمارهم، لأن الواحد منهم كان يعيش ثلاثمائة سنة إلى ألف {فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ} أي فاتقوا عقاب الله وأطيعوني في نصيحتي لكم {وَلاَ تُطِيعُوۤاْ أَمْرَ ٱلْمُسْرِفِينَ} أي ولا تطيعوا أمر الكبراء المجرمين {ٱلَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ يُصْلِحُونَ} أي الذين عادتهم الفساد في الأرض لا الإِصلاح قال الطبري: وهم الرهط التسعة الذين وصفهم الله بقوله {أية : وَكَانَ فِي ٱلْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ يُصْلِحُونَ} تفسير : [النمل: 48] {قَالُوۤاْ إِنَّمَآ أَنتَ مِنَ ٱلْمُسَحَّرِينَ} أي من المسحورين سُحرت حتى غُلب على عقلك قال المفسرون: والمُسحَّر مبالغةٌ من المسحور {مَآ أَنتَ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا} أي لستَ يا صالح إلا رجلاً مثلنا، فكيف تزعم أنك رسول الله {فَأْتِ بِآيَةٍ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّادِقِينَ} أي فائتنا بمعجزة تدل على صدقك {قَالَ هَـٰذِهِ نَاقَةٌ} أي هذه معجزتي إليكم وهي الناقة التي تخرج من الصخر الأصم بقدرة الله قال المفسرون: روي أنهم اقترحوا عليه ناقة عُشراء - حامل - تخرج من صخرة معينة وتلد أمامهم، فقعد صالح عليه السلام يتفكر فجاءه جبريل فقال: صلِّ ركعتين وسلْ ربك الناقة ففعل، فخرجت الناقة وولدت أمامهم وبركت بين أيديهم فقال لهم هذه ناقة يا قوم {لَّهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ} أي تشرب ماءكم يوماً، ويوماً تشربون أنتم الماء قال قتادة: إذا كان يوم شربها شربت ماءهم كلَّه، وشربُهم في اليوم الذي لا تشرب هي فيه، وتلك آيةٌ أخرى {وَلاَ تَمَسُّوهَا بِسُوۤءٍ} أي لا تنالوها بأيِّ ضرر بالعقر أو بالضرب {فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ} أي فيصيبكم عذاب من الله هائل لا يكاد يوصف قال ابن كثير: حذَّرهم نقمة الله إن أصابوها بسوء، فمكثت الناقة بين أظهرهم حيناً من الدهر، تردُ الماء وتأكل الورق والمرعى، وينتفعون بلبنها يحلبون منها ما يكفيهم شرباً وريَّاً، فلما طال عليهم الأمد وحضر أشقاهم تمالئوا على قتلها وعقرها {فَعَقَرُوهَا فَأَصْبَحُواْ نَادِمِينَ} أي فقتلوها رمياً بالسهام، رماها أشقاهم - قُدار بن سالف - بأمرهم ورضاهم فأصبحوا نادمين على قتلها خوف العذاب قال الفخر: لم يكن ندمهم ندم التائبين، لكن ندم الخائفين من العذاب العاجل {فَأَخَذَهُمُ ٱلْعَذَابُ} أي العذاب الموعود، وكان صيحةً خمدت لها أبدانهم، وانشقت لها قلوبهم، وزُلزلت الأرض تحتهم زلزالاً شديداً، وصُبَّت عليهم حجارة من السماء فماتوا عن آخرهم {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً} أي لعظةً وعبرة لمن عقل وتدبَّر {وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ * وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ} تقدم تفسيرها فيما سبق، ثم شرع تعالى في ذكر قصة "لوط" فقال {كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ ٱلْمُرْسَلِينَ} أي كذبوا رسولهم لوطاً {إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلا تَتَّقُونَ} أي ألا تخافون عقاب الله وانتقامه في عبادتكم غيره! {إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ * فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ * وَمَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَىٰ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} نفسُ الكلمات والألفاظ التي قالها من قبلُ صالحٌ، وهودٌ، ونوح مما يؤكد أن دعوة الرسل واحدة، وغايتها واحدة، وأن منشأها هو الوحي السماوي، ثم قال لهم لوط {أَتَأْتُونَ ٱلذُّكْرَانَ مِنَ ٱلْعَالَمِينَ} استفهامُ إِنكارٍ وتوبيخٍ وتقريعٍ أي أَتنْكحون الذكور في أدبارهم، وتنفردون بهذا الفعل الشنيع من بين سائر الخلق؟ {وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِّنْ أَزْوَاجِكُمْ} أي وتتركون ما أباح لكم ربكم من الاستمتاع بالإِناث؟ قال مجاهد: تركتم فروج النساء إلى أدبار الرجال {بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ} أي بل أنتم قوم مجاوزون الحدَّ في الإِجرام والفساد، وبَّخهم على إتيانهم الذكور، ثم أضرب عنه إلى ما هو أبلغ في التوبيخ كأنه يقول خرجتم عن حدود الإِنسانية إلى مرتبة البهيمية بعدوانكم وارتكابكم هذه الجريمة الشنيعة، فالذكر من الحيوان يأنف عن إتيان الذكر، وأنتم فعلتم ما يتورع عنه الحيوان {قَالُواْ لَئِن لَّمْ تَنتَهِ يٰلُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُخْرَجِينَ} أي لئن لم تترك تقبيح ما نحن عليه لنخرجنك من بين أظهرنا وننفيك من بلدنا كما فعلنا بمن قبلك، توعدوه بالنفي والطرد {قَالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِّنَ ٱلْقَالِينَ} أي إني لعملكم القبيح من المبغضين غاية البغض وأنا بريء منكم {رَبِّ نَّجِنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ} أي نجني من العذاب الذي يستحقونه بعملهم القبيح أنا وأهلي قال تعالى {فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ * إِلاَّ عَجُوزاً فِي ٱلْغَابِرِينَ} أي نجيناه مع أهله جميعاً إلا امرأته كانت من الهالكين، الباقين في العذاب قال ابن كثير: والمراد بالعجوز امرأته فقد كانت عجوز سوء، بقيت فهلكت مع من بقي من قومها حين أمره الله أن يسريَ بأهله إلا امرأته {ثُمَّ دَمَّرْنَا ٱلآخَرِينَ} أي أهلكناهم أشد إهلاكٍ وأفظعه بالخسف والحَصْب {وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِم مَّطَراً} أي أمطرنا عليهم حجارة من السماء كالمطر الزاخر {فَسَآءَ مَطَرُ ٱلْمُنذَرِينَ} أي بئس هذا المطر مطر القوم المُنْذرين الذين أنذرهم نبيهم فكذبوه {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً} أي إنَّ في ذلك لعبرة وعظة لأولي البصائر {وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ * وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ} تقدم تفسيره، ثم شرع تعالى في ذكر قصة "شعيب" فقال: {كَذَّبَ أَصْحَابُ لْئَيْكَةِ ٱلْمُرْسَلِينَ} أي كذَّب أصحاب مدين نبيهم شعيباً قال الطبري: والأيكةُ: الشجرُ الملتف وهم أهل مدين {إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلاَ تَتَّقُونَ * إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ * فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ * وَمَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَىٰ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} سبق تفسيره {أَوْفُواْ ٱلْكَيْلَ} أي أوفوا الناس حقوقهم في الكيل والوزن {وَلاَ تَكُونُواْ مِنَ ٱلْمُخْسِرِينَ} أي من المُنْقِصين المُطَفِّفين في المكيال والميزان {وَزِنُواْ بِٱلْقِسْطَاسِ ٱلْمُسْتَقِيمِ} أي زنوا بالميزان العدل السويّ {وَلاَ تَبْخَسُواْ ٱلنَّاسَ أَشْيَآءَهُمْ} أي لا تُنقصوا حقوق الناس بأي طريق كان بالهضم أو الغبن أو الغصب ونحو ذلك {وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي ٱلأَرْضِ مُفْسِدِينَ} أي ولا تُفسدوا في الأرض بأنواع الفساد من قطع الطريق، والغارة، والسلب والنهب {وَٱتَّقُواْ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ وَٱلْجِبِلَّةَ ٱلأَوَّلِينَ} أي خافوا الله الذي خلقكم وخلق الخليقة المتقدمين قال مجاهد: الجِبِلَّة: الخليقة ويعني بها الأمم السابقين {قَالُوۤاْ إِنَّمَآ أَنتَ مِنَ ٱلْمُسَحَّرِينَ} أي ما أنت إلا من المسحورين، سُحِرت كثيراً حتى غُلب على عقلك {وَمَآ أَنتَ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا} أي أنت إنسانٌ مثلنا ولست برسول {وَإِن نَّظُنُّكَ لَمِنَ ٱلْكَاذِبِينَ} أي ما نظنك يا شعيب إلاّ كاذباً، تكذب علينا فتقول أنا رسول الله {فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفاً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ} أي أنزلْ علينا العذاب قِطَعاً من السماء، وهو مبالغة في التكذيب {إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّادِقِينَ} أي إن كنت صادقاً فيما تقول قال الرازي: وإِنما طلبوا ذلك لاستبعادهم وقوعه، فظنوا أنه إذا لم يقع ظهرَ كذبه فعندها أجابهم شعيب {قَالَ رَبِّيۤ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ} أي الله أعلم بأعمالكم، فإِن كنتم تستحقون ذلك جازاكم به وهو غير ظالم لكم، وإِن كنتم تستحقون عقاباً آخر فإِليه الحكم والمشيئة، قال تعالى {فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ ٱلظُّلَّةِ} أي فكذبوا شعيباً فأخذهم ذلك العذاب الرهيب عذابُ يوم الظُلَّة وهي السحابة التي أظلتهم قال المفسرون: بعث الله عليهم حراً شديداً فأخذ بأنفاسهم، فخرجوا من البيوت هرباً إلى البرية، فبعث الله عليهم سحابةً أظلَّتهم من الشمس، فوجدوا لها برداً ونادى بعضهم بعضاً حتى اجتمعوا تحتها أرسل الله عليهم ناراً فاحترقوا جميعاً، وكان ذلك من أعظم العذاب ولهذا قال {إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} أي كان عذاب يوم هائل، عظيم في الشدة والهَول {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ * وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ} وإِلى هنا ينتهي آخر القصص السبع التي أوحيت لرسول الله صلى الله عليه وسلم لصرفه عن الحرص على إسلام قومه، وقطع رجائه ودفع تحسره عليهم كما قال في أول السورة {لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ} ففيها تسلية لرسول الله وتخفيفٌ عن أحزانه وآلامه، وإِنما كرر في نهاية كل قصة قوله {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ * وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ} ليكون ذلك أبلغ في الاعتبار، وأشدَّ تنبيهاً لذوي القلوب والأبصار. البَلاَغَة: تضمنت الآيات وجوهاً من البلاغة والبديع نوجزها فيما يلي: 1- إطلاق الكل وإِرادة البعض {كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ ٱلْمُرْسَلِينَ} أراد بالمرسلين نوحاً وإِنما ذكره بصيغة الجمع تعظيماً له وتنبيهاً على أن من كذب رسولاً فقد كذب جميع المرسلين. 2- الاستفهام الإِنكاري {أَنُؤْمِنُ لَكَ وَٱتَّبَعَكَ ٱلأَرْذَلُونَ}؟ 3- الاستعارة اللطيفة {فَٱفْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحاً} أي احكم بيننا وبينهم بحكمك العادل، استعار الفتاح للحاكم والفتح للحكم لأنه يفتح المنغلق من الأمر ففيه استعارة تبعية. 4- الطباق {يُفْسِدُونَ.. وَلاَ يُصْلِحُونَ}. 5- الجناس غير التام {قَالَ.. ٱلْقَالِينَ} الأول من القول والثاني من قلى إذا أبغض. 6- الإِطناب {أَوْفُواْ ٱلْكَيْلَ وَلاَ تَكُونُواْ مِنَ ٱلْمُخْسِرِينَ} لأن وفاء الكيل هو في نفسه نهي عن الخسران، وفائدته زيادة التحذير من العدوان. 7- المبالغة {إِنَّمَآ أَنتَ مِنَ ٱلْمُسَحَّرِينَ} والمسحَّر مبالغة عن المسحور. 8- توافق الفواصل مراعاة لرءوس الآيات مثل {يُفْسِدُونَ}، {يُصْلِحُونَ}، {ٱلأَرْذَلُونَ}.

الجيلاني

تفسير : ثمَّ قال سبحانه مخبراً عن المكذبين: {كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ ٱلْمُرْسَلِينَ} [الشعراء: 105] لأن تكذيب نوح والإنكار على إرساله يستلزم تكذيب مطلق الإرسال، فيستلزم تكذيبه جميع الرسل الذين مضوا قبله، بل سيأتي بعده من الرسل؛ لاتحاد المرسل والمرسل به. وذلك وقت {إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ} حين ظهرت عليهم أمارات الكفر والفسوق، والخروج عن مقتضى الحدود الإلهية الموضوعة على العدالة المعنوية، والقسط الحقيقي: {أَلاَ تَتَّقُونَ} [الشعراء: 106] وتحذرون عن محارم الله أيها المكلفون المسرفون. {إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ} من قبل الحق {أَمِينٌ} [الشعراء: 107] بينكم، أرشدكم إلى ما يعنيكم وينفعكم، وأجنبكم عمَّا يضركم ولا يعنيكم، بل يؤذيكم ويغويكم. {فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} القادر المقتدر على أنواع الانتقام {وَأَطِيعُونِ} [الشعراء: 108] في جميع ما جئت به من قبل ربي. {وَ} اعلموا أني {مَآ أَسْأَلُكُمْ} وأطلب منكم {عَلَيْهِ} أي: على إرشادي وتكميلي وإصلاحي لكم ما أفسدتم على أنفسكم من الأخلاق والأعمال {مِنْ أَجْرٍ} جعل ومال كما يسأل المتشيخة - خذلهم الله - من مريديهم ومحبيهم، بل {إِنْ أَجْرِيَ} أي: ما أجري {إِلاَّ عَلَىٰ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} [الشعراء: 109] فإنه سبحانه أرسلني إليكم، وأمرني بتبليغ ما أُوحي إليَّ إليكم. {فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} حق تقاته، واحذروا من بطشه وانتقامه {وَأَطِيعُونِ} [الشعراء: 110] في جميع ما جئت به من عنده من الأوامر والنواهي المصلحة لمفاسد أحوالكم؛ حتى تستقيموا وتعتدلوا في النشأة الأولى، وتفوزوا بما وعد لكم ربكم في النشأة الأخرى. {قَالُوۤاْ} في جوابه مستكبرين مستهزئين: {أَنُؤْمِنُ لَكَ} ونتبعك نحن من شرفنا وثروتنا {وَ} قد {ٱتَّبَعَكَ ٱلأَرْذَلُونَ} [الشعراء: 111] منا، الأقلون مالاً، الأنزلون جاهاً ورتبةً. ومن هذا ظهر أن مناط الأمر عندهم على الحطام الدنيوية والمفاخرة بها، وإظهار الجاه والثروة بسببها، ومتابعتهم إنما هي لحصولها لا لأغراض دينية ومصلحة أخروية مصفية لبواطنهم عن العلائق العادية، والشواغل الهيولانية العائقة عن الوصول إلى مقر التوحيد. لذلك {قَالَ} نوح مشتيكاً إلى الله، مفوضاً {وَمَا عِلْمِي} وإدراكي محيطاً {بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} [الشعراء: 112] ويأملون في نفوسهم من أي غرض وسبب يؤمنون بي ويمتثلون بأمري؛ إذ ما لي اطلاع على ضمائرهم وسرائرهم، بل بظواهرهم. {إِنْ حِسَابُهُمْ} أي: ما حسابهم المتعلق بمواطنهم وأسرارهم {إِلاَّ عَلَىٰ رَبِّي} المطلع لخفايا الأمور ومغيباتها {لَوْ تَشْعُرُونَ} [الشعراء: 113] وتدركون ما أبثت لكم من الكلام لفهمتم ما هو الحق منه، ولكنكم أنتم قوم تجهلون؛ لذلك تقولون ما لا تعلمون وتفهمون.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : { كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ } إلى آخر القصة. يذكر تعالى، تكذيب قوم نوح لرسولهم نوح، وما رد عليهم وردوا عليه، وعاقبة الجميع فقال: { كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ } جميعهم، وجعل تكذيب نوح، كتكذيب جميع المرسلين، لأنهم كلهم، اتفقوا على دعوة واحدة، وأخبار واحدة، فتكذيب أحدهم، تكذيب، بجميع ما جاءوا به من الحق. كذّبوه { إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ } في النسب { نُوحٌ } وإنما ابتعث الله الرسل، من نسب من أرسل إليهم، لئلا يشمئزوا من الانقياد له، ولأنهم يعرفون حقيقته، فلا يحتاجون أن يبحثوا عنه، فقال لهم مخاطبا بألطف خطاب - كما هي طريقة الرسل، صلوات الله وسلامه عليهم - : { أَلا تَتَّقُونَ } الله، تعالى، فتتركون ما أنتم مقيمون عليه، من عبادة الأوثان، وتخلصون العبادة لله وحده. { إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ } فكونه رسولا إليهم بالخصوص، يوجب لهم تلقي ما أرسل به إليهم، والإيمان به، وأن يشكروا الله تعالى، على أن خصهم بهذا الرسول الكريم، وكونه أمينا يقتضي أنه لا يتقول على الله، ولا يزيد في وحيه، ولا ينقص، وهذا يوجب لهم التصديق بخبره والطاعة لأمره. { فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ } فيما آمركم به، وأنهاكم عنه، فإن هذا هو الذي يترتب على كونه رسولا إليهم، أمينا، فلذلك رتبه بالفاء الدالة على السبب، فذكر السبب الموجب، ثم ذكر انتفاء المانع فقال: { وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ }. فتتكلفون من المغرم الثقيل، { إِنْ أَجْرِيَ إِلا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ } أرجو بذلك القرب منه، والثواب الجزيل، وأما أنتم فمنيتي، ومنتهى إرادتي منكم، النصح لكم، وسلوككم الصراط المستقيم. { فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ } كرر ذلك عليه السلام، لتكريره دعوة قومه، وطول مكثه في ذلك، كما قال تعالى {أية : فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلا خَمْسِينَ عَامًا } تفسير : وقال: {أية : رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلا وَنَهَارًا فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلا فِرَارًا } تفسير : الآيات. فقالوا ردا لدعوته، ومعارضة له بما ليس يصلح للمعارضة: { أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الأرْذَلُونَ } أي: كيف نتبعك ونحن لا نرى أتباعك إلا أسافل الناس، وأراذلهم، وسقطهم. بهذا يعرف تكبرهم عن الحق، وجهلهم بالحقائق، فإنهم لو كان قصدهم الحق، لقالوا - إن كان عندهم إشكال وشك في دعوته - بيّن لنا صحة ما جئت به بالطرق الموصلة إلى ذلك، ولو تأملوا حق التأمل، لعلموا أن أتباعه، هم الأعلون، خيار الخلق، أهل العقول الرزينة، والأخلاق الفاضلة، وأن الأرذل، من سلب خاصية عقله، فاستحسن عبادة الأحجار، ورضي أن يسجد لها، ويدعوها، وأبى الانقياد لدعوة الرسل الكمل. وبمجرد ما يتكلم أحد الخصمين في الكلام الباطل، يعرف فساد ما عنده بقطع النظر عن صحة دعوى خصمه، فقوم نوح، لما سمعنا عنهم، أنهم قالوا في ردهم دعوة نوح: { أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الأرْذَلُونَ } فبنوا على هذا الأصل، الذي كل أحد يعرف فساده، رد دعوته - عرفنا أنهم ضالون مخطئون، ولو لم نشاهد من آيات نوح ودعوته العظيمة، ما يفيد الجزم واليقين، بصدقه وصحة ما جاء به. فقال نوح عليه السلام: { وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * إِنْ حِسَابُهُمْ إِلا عَلَى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ } أي أعمالهم وحسابهم على الله إنما علي التبليغ وأنتم دعوهم عنكم إن كان ما جئتكم به الحق فانقادوا له وكل له عمله. { وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ } كأنهم - قبحهم الله - طلبوا منه أن يطردهم عنه تكبرا وتجبرا ليؤمنوا فقال { وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ } فإنهم لا يستحقون الطرد والإهانة وإنما يستحقون الإكرام القولي والفعلي كما قال تعالى: {أية : وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ }. تفسير : { إِنْ أَنَا إِلا نَذِيرٌ مُبِينٌ } أي ما أنا إلا منذر ومبلغ عن الله ومجتهد في نصح العباد وليس لي من الأمر شيء إن الأمر إلا لله. فاستمر نوح عليه الصلاة والسلام على دعوتهم ليلا ونهارا سرا وجهارا فلم يزدادوا إلا نفورا و { قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا نُوحُ } من دعوتك إيانا إلى الله وحده { لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ } أي لنقتلك شر قتلة بالرمي بالحجارة كما يقتل الكلب فتبا لهم ما أقبح هذه المقابلة يقابلون الناصح الأمين الذي هو أشفق عليهم من أنفسهم بشر مقابلة لا جرم لما انتهى ظلمهم واشتد كفرهم دعا عليهم نبيهم بدعوة أحاطت بهم فقال: {أية : رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا } تفسير : الآيات. وهنا { قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ * فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا } أي أهلك الباغي منا وهو يعلم أنهم البغاة الظلمة ولهذا قال { وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ } { فَأَنْجَيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ } أي السفينة { الْمَشْحُونِ } من الخلق والحيوانات، { ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ } أي بعد نوح ومن معه من المؤمنين { الْبَاقِينَ } أي جميع قومه. { إِنَّ فِي ذَلِكَ } أي نجاة نوح وأتباعه وإهلاك من كذبه { لآيَةً } دالة على صدق رسلنا وصحة ما جاءوا به وبطلان ما عليه أعداؤهم المكذبون بهم. { وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ } الذي قهر بعزه أعداءه فأغرقهم بالطوفان { الرَّحِيمُ } بأوليائه حيث نجى نوحا ومن معه من أهل الإيمان.