Verse. 3078 (AR)

٢٦ - ٱلشُّعَرَاء

26 - Ash-Shu'ara (AR)

اَتُتْرَكُوْنَ فِيْ مَا ہٰہُنَاۗ اٰمِنِيْنَ۝۱۴۶ۙ
Atutrakoona fee ma hahuna amineena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«أتتركون في ما ههنا» من الخيرات «آمنين».

146

Tafseer

ابن كثير

تفسير : يقول لهم واعظاً لهم، ومحذرهم نقم الله أن تحل بهم، ومذكراً بأنعم الله عليهم فيما رزقهم من الأرزاق الدارة، وجعلهم في أمن من المحذورات، وأنبت لهم من الجنات، وفجر لهم من العيون الجاريات، وأخرج لهم من الزروع والثمرات، ولهذا قال: {وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ}. قال العوفي عن ابن عباس: أينع وبلغ، فهو هضيم. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: {وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ} يقول: معشبة. وقال إسماعيل بن أبي خالد عن عمرو بن أبي عمرو ــــ وقد أدرك الصحابة ــــ عن ابن عباس في قوله: {وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ} قال: إذا رطب واسترخى، رواه ابن أبي حاتم، ثم قال: وروي عن أبي صالح نحو هذا. وقال أبو إسحاق عن أبي العلاء: {وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ} قال: هو المذنب من الرطب، وقال مجاهد: هو الذي إذا يبس تهشم وتفتت وتناثر، وقال ابن جريج: سمعت عبد الكريم، وأبا أمية، سمعت مجاهداً يقول: {وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ} قال: حين يطلع تقبض عليه فتهضمه، فهو من الرطب الهضيم، ومن اليابس الهشيم، تقبض عليه فتهشمه. وقال عكرمة وقتادة: الهضيم: الرطب اللين. وقال الضحاك: إذا كثر حمل الثمرة، وركب بعضها بعضاً، فهو هضيم. وقال مرة: هو الطلع حين يتفرق ويخضر. وقال الحسن البصري: هو الذي لا نوى له، وقال أبو صخر: ما رأيت الطلع حين ينشق عنه الكم، فترى الطلع قد لصق بعضه ببعض، فهو الهضيم. وقوله: {وَتَنْحِتُونَ مِنَ ٱلْجِبَالِ بُيُوتاً فَـٰرِهِينَ} قال ابن عباس وغير واحد: يعني: حاذقين. وفي رواية عنه: شرهين، أشرين، وهو اختيار مجاهد وجماعة، ولا منافاة بينهما، فإنهم كانوا يتخذون تلك البيوت المنحوتة في الجبال أشراً وبطراً وعبثاً من غير حاجة إلى سكناها، وكانوا حاذقين متقنين لنحتها ونقشها، كما هو المشاهد من حالهم لمن رأى منازلهم، ولهذا قال: {فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ} أي أقبلوا على ما يعود نفعه عليكم في الدنيا والآخرة من عبادة ربكم الذي خلقكم ورزقكم لتعبدوه وتوحدوه وتسبحوه بكرة وأصيلاً، {وَلاَ تُطِيعُوۤاْ أَمْرَ ٱلْمُسْرِفِينَ ٱلَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِى ٱلاَْرْضِ وَلاَ يُصْلِحُونَ} يعني: رؤساءهم وكبراءهم، الدعاة لهم إلى الشرك والكفر ومخالقة الحق.

المحلي و السيوطي

تفسير : {أَتُتْرَكُونَ فِى مَا هَٰهُنآ } من الخير {ءَامِنِينَ }.

الماوردي

تفسير : قوله تعالى: {وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ} فيه عشرة تأويلات: أحدها: أنه الرطب اللين، قاله عكرمة. الثاني: المذنب من الرطب، قاله ابن جبير. الثالث: أنه الذي ليس فيه نوى، قاله الحسن. الرابع: أنه المتهشم المتفتت إذا مس تفتّت، قاله مجاهد. الخامس: المتلاصق بعضه ببعض، قاله أبو صخر. السادس: أنه الطلع حين يتفرق ويخضر، قاله الضحاك. السابع: اليانع النضيج، قاله ابن عباس. الثامن: أنه المتنكر قبل أن ينشق عنه القشر، حكاه ابن شجرة، قال الشاعر: شعر : كأن حمولة تجلى عليه هضيم ما يحس له شقوقُ تفسير : التاسع: أنه الرخو، قال الحسن. العاشر: أنه اللطيف، قاله الكلبي. ويحتمل أن يكون الهضيم هو الهاضم المريء. والطلع اسم مشتق من الطلوع وهو الظهور، ومنه طلوع الشمس والقمر والنبات. قوله تعالى: {فَرِهِينَ} قرأ بذلك أبو عمرو، وابن كثير، ونافع، وقرأ الباقون {فَارِهِينَ} بالألف فمن قرأ {فَرِهِينَ} ففي تأويله ستة أوجه: أحدها: شرهين، قاله مجاهد. الثاني: معجبين، قاله خصيف. الثالث: آمنين، قاله قتادة. الرابع: فرحين، حكاه ابن شجرة. الخامس: بطرين أشرين، قاله ابن عباس. السادس: متخيرين، قاله الكلبي. ومنه قول الشاعر: شعر : إلى فره يماجدُ كلَّ أمْرٍ قصدت له لأختبر الطّباعَا تفسير : ومن قرأ: {فَارِهِينَ} ففي تأويله أربعة أوجه: أحدها: معناه كيّسين قاله الــــــ. الثاني: حاذقين: قاله أبو صالح، مأخوذ من فراهة الصنعة، وهو قول ابن عباس. الثالث: قادرين، قاله ابن بحر. الرابع: أنه جمع فارِه، والفاره المرح، قاله أبو عبيدة، وأنشد لعدي بن الرقاع الغنوي: شعر : لا أستكين إذا ما أزمة أزمت ولن تراني بخير فاره اللبب تفسير : أي من اللبب.

الثعالبي

تفسير : وقول صالح لقومه: {أَتُتْرَكُونَ فِيمَا هَـٰهُنَآ}: تخويف لهم بمعنى: أتطمعون أنْ تَقِرُّوا في النعم على معاصيكم، والهضيم: معناه اللَّيِّنُ الرَّطْبُ. والطَّلْعُ الكُفَرَّى. وهو عُنْقُودُ التمر قبل أنْ يخرج من الكِمِّ في أوَّلِ نباته، فكأنَّ الإشارة إلى أَنَّ طلعها يتم ويرطب؛ قال ابن عباس: إذا أينع وبلغ فهو هضيم، وقال الزَّجَّاجُ: هو فيما قيل الذي رطبه بغير نوى، وقال الثعلبيُّ: قال ابن عباس هضيم: لطيف ما دام في كُفَرَّاه، انتهى. وقرأ الجمهور: «تَنْحِتُونَ»: بكسر الحاء، و«فرهين»: من الفراهة وهي جودة منظر الشيء وخبرته وقوته. وقوله: {وَلاَ تُطِيعُواْ أَمْرَ ٱلْمُسْرِفِينَ} خاطب به جمهور قومه وعنى بالمُسْرِفِينَ: كبراءهم وأعلام الكفر والإضلال فيهم {قَالُوۤاْ إِنَّمَآ أَنتَ مِنَ ٱلْمُسَحَّرِينَ} أي: قد سُحِرْتَ. * ص *: قرأ: الجمهور: «شِرْبٌ» ـ بكسر الشين، أي: نصيب، وقرأ ابن أبي عبلة: ـــ بضم الشين ـــ فيهما، انتهى.

اسماعيل حقي

تفسير : {أتتركون} الاستفهام للانكار والتوبيخ اى أتظنون انكم تتركون {فيماههنا} اى فى النعيم الذى هو ثابت فى هذا المكان اى الدنيا وان لادار للمجازاة {آمنين} حال من فاعل تتركون: يعنى [درحالتى كه ايمن زآفات وسالم ازفوت]

الأعقم

تفسير : {أتتركون في ما ها هنا آمنين} يعني أتظنون أنكم تتركون في أمنة من الموت والعذاب وزوال النعمة {في جنات وعيون} {وزروع ونخلٍ طلعها هضيم}، والهضم: اللطيف الظاهر، وقيل: رطب لين، وقيل: ترى كم يركب بعضه بعضاً حتى هضم بعضه بعضاً أي كسره {وتنحتون من الجبال بيوتاً}، قيل: نحتوا من الجبال صخراً وبيوتاً بنوا بها قريباً، وقيل: نحتوا من الجبال الدور والبيوت {فارهين} قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو بغير ألف ومعناه اشرين بطرين، وقيل: معجبين، وقرأ حمزة وعاصم فارهين بالألف، والفاره: الحاذق، وقيل: هما بمعنى يقال فاره وفره {فاتقوا الله} ولا تعصوه {وأطيعون} فيما أبلغكم من ربكم {ولا تطيعوا أمر المسرفين} {الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون} {قالوا إنما أنت من المسحّرين} المسحورين المخدوعين {ما أنت إلا بشر مثلنا فأت بآية} بحجة {إن كنت من الصادقين} فيما تدعي {قال} صالح {هذه} وقد كانوا سألوه أن يخرج لهم من الجبل ناقة عشراء، فأخرجها الله تعالى حامل كما سألوا، ووضعت فصيلاً في الحال، وكان عظيم الخلق {لها شرب ولكم شرب يوم معلوم} لها نصيبٌ ولكم نصيبٌ، قيل: قسَّم الماء كان لها يوماً ولهم يومٌ وكانت لا تقرب الماء يومهم {ولا تمسوها بسوء}، قيل: لا تعقر ولا تمنع من الماء والمرعى {فيأخذكم عذاب يوم عظيم} {فعقروها فأصبحوا نادمين} {فأخذهم العذاب} على عقرها، لما رأوا العذاب ندموا ولم يتوبوا، وطلبوا صالحاً ليقتلوه، فنجاه الله ومن معه من المؤمنين، ثم أخذتهم صيحة فأهلكتهم، وقيل: تابوا حين رأوا العذاب فلم ينفعهم {إن في ذلك لآية} في التوحيد ومعجزة لذلك النبي، وعبرة لمن تفكر {وما كان أكثرهم مؤمنين} {وإن ربك لهو العزيز} القادر {الرحيم} وروي أن العاقر ألجأها إلى مضيق في شعب فرماها بسهم فأصاب رجلها فسقطت ثم ضربها قذاراً، وروي أيضاً أن عاقرها قال: لا أعقرها حتى ترضوا أجمعين، فكانوا يدخلون على المرأة في خدرها فيقولون أترضي؟ فتقول: نعم، وقد تقدم الكلام، ثم بيَّن تعالى قصة لوط فقال سبحانه: {كذبت قوم لوط المرسلين} بتكذيب لوط، وقيل: كذبوا جميع من مضى من الرسل {إذ قال لهم أخوهم لوط} في النسب لا في الدين لأن الناس كلهم بنو آدم {ألا تتقون} الله {إني لكم رسول أمين} على الرسالة {فاتقوا الله} على معاصيه {وأطيعون} فيما أدعوكم إليه {وما أسألكم عليه من أجرٍ} على أداء الرسالة من أجر {إن أجري إلا على رب العالمين} وهو الثواب في الجنة {أتأتون الذكران من العالمين} هو كناية عن الفاحشة وهو إتيان الرجال في دبرهم، وروي أنهم كانوا يأتون النساء في أدبارهن، وروي أنهم كانوا يأتون الغرباء لا بعضهم {وتذرون ما خلق لكم ربكم من أزواجكم} يعني الفروج {بل أنتم قوم عادون} ظالمون {قالوا لئن لم تنته يا لوط} عما تقول {لتكونن من المخرجين} من الدنيا، وقيل: نخرجكم قتلاً.

الالوسي

تفسير : وقوله تعالى: {أَتُتْرَكُونَ فِى مَا هَـٰهُنَا ءامِنِينَ } إنكار لأن يتركوا فيما هم فيه من النعمة آمنين عن عذاب يوم عظيم فالاستفهام مثله في قوله تعالى السابق: {أية : أَتَبْنُونَ } تفسير : [الشعراء: 128] وقوله تعالى اللاحق: {أية : أَتَأْتُونَ } تفسير : [الشعراء: 165] وكأن القوم اعتقدوا ذلك فأنكره عليه السلام عليهم، وجوز أن يكون الاستفهام للتقرير تذكيراً للنعمة في تخليته تعالى إياهم وأسباب نفعهم آمنين من العدو ونحوه واستدعاء لشكر ذلك بالإيمان. وفي «الكشف» أن هذا أوفق في هذا المقام، وما موصولة و {هَـٰهُنَا } إشارة إلى المكان الحاضر القريب أي أتتركون في الذي استقر في مكانكم هذا من النعمة، وقوله تعالى: {فِي جَنَّـٰتِ وَعُيُونٍ * وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ } بدل من {ما هٰهنا} بإعادة الجار كما قال أبو البقاء وغيره، وفي الكلام إجمال وتفصيل نحو ما تقدم في قصة عاد. وجوز أن يكون ظرفاً لآمنين الواقع حالاً وليس بذاك، والهضيم الداخل بعضه في بعض كأنه هضم أي شدخ. وسأل عنه نافع بن الأزرق ابن عباس رضي الله تعالى عنهما فقال له: المنضم بعضه إلى بعض فقال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم أما ما سمعت قول امرىء القيس:شعر : دار لبيضاء العوارض طفلة مهضومة الكشحين ريا المعصم تفسير : / وقال الأزهري: هو اللطيف أول ما يخرج، وقال الزجاج: هو الذي رطبه بغير نوى وروي عن الحسن. وقيل: هو المتدلي لكثرة ثمره، وقيل: هو النضيج من الرطب وروي عن عكرمة، وقيل: الرطب المذنب وروي عن يزيد بن أبـي زياد، فوصف الطلع بالهضيم إما حقيقة أو مجاز وهو حقيقة وصف لثمره، وجعل بعضهم على بعض الأقوال الطلع مجازاً عن الثمر لأوله إليه، والنخل اسم جنس جمعي يذكر كما في قوله تعالى: {أية : كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُّنقَعِرٍ } تفسير : [القمر: 20] ويؤنث كما هنا، وليس ذلك لأن المراد به الإناث فإنه معلوم بقرينة المقام ولو ذكر الضمير. وإفراده بالذكر مع دخوله في الجنات لفضله على سائر أشجارها أو لأن المراد بها غيره من الأشجار.

ابن عاشور

تفسير : كانوا قد أعرضوا عن عبادة الله تعالى، وأنكروا البعث وغرّهم أيمة كفرهم في ذلك فجاءهم صالح عليه السلام رسولاً يذكّرهم بنعمة الله عليهم بما مكن لهم من خيرات، وما سخر لهم من أعمال عظيمة، ونُزل حالهم منزلة من يظن الخلود ودوام النعمة فخاطبهم بالاستفهام الإنكاري التوبيخي وهو في المعنى إنكار على ظنهم ذلك، وسلط الإنكار على فعل الترك لأن تركهم على تلك النعم لا يكون. فكان إنكار حصوله مستلزماً إنكار اعتقاده. وهذا الكلام تعليل للإنكار الذي في قوله: {أية : ألا تتقون}تفسير : [الشعراء: 142] لأن الإنكار عليهم دوامَ حالهم يقتضي أنهم مفارقون هذه الحياة وصائرون إلى الله. وفيه حثّ على العمل لاستبقاء تلك النعم بأن يشكروا الله عليها كما قال صاحب «الحِكم» «من لم يشكر النعم فقد تعرَّض لزوالها ومن شكرها فقد قيّدها بعقالها». و{هاهنا} إشارة إلى بلادهم، أي في جميع ما تشاهدونه، وهذا إيجاز بديع. و{آمنين} حال مبينة لبعض ما أجملهُ قوله: {فيما هاهنا}. وذلك تنبيه على نعمة عظيمة لا يدل عليها اسم الإشارة لأنها لا يشار إليها وهي نعمة الأمن التي هي من أعظم النعم ولا يُتذوَّق طعمُ النعم الأخرى إلا بها. وقوله: {في جنات} ينبغي أن يعلَّق بــــ{آمنين} ليكون مجموع ذلك تفصيلاً لإجمال اسم الإشارة، أي اجتمع لهم الأمن ورَفاهية العيش. والجنات: الحوائط التي تشجر بالنخيل والأعناب. والطَّلْع: وعاء يطلع من النخل فيه ثمر النخلة في أول أطواره يخرج كنصل السيف في باطنه شماريخ القِنْو، ويسمى هذا الطلع الكِمَّ (بكسر الكاف) وبعد خروجه بأيام ينفلق ذلك الوعاء عن الشماريخ وهي الأغصان التي فيها الثمر كحَب صغير، ثم يغلظ ويصير بُسراً ثم تَمْراً. والهضيم: بمعنى المهضوم، وأصل الهضم شدخ الشيء حتى يلين، واستعير هنا للدقيق الضامر، كما يقال: امرأة هضيم الكَشح. وتلك علامة على أنه يخرج تمراً جيّداً. والنخل الذي يثمر تمراً جيداً يقال له: النخل الإناث وضده فَحاحِيل، وهي جمع فُحَّال (بضم الفاء وتشديد الحاء المهملة) أي ذكر، وطلعه غليظ وتمره كذلك. وخُصّ النخل بالذكر مع أنه مما تشمله الجنات لقصد بيان جودته بأن طلعه هضيم. و{تنحتون} عطف على {آمنين}، أي وناحتين، عبر عنه بصيغة المضارع لاستحضار الحالة في نحتهم بيوتاً من الجبال. وتقدم ذلك في سورة الأعراف. و{فَرِهِين} صيغة مبالغة في قراءة الجمهور بدون ألف بعد الفاء، مشتق من الفراهة وهي الحذق والكياسة، أي عارفين حذقين بنحت البيوت من الجبال بحيث تصير بالنحت كأنها مبنية. وقرأه ابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي وخلف {فارهين} بصيغة اسم الفاعل. وقوله: {فاتقوا الله وأطيعون} مفرع مثل نظيره في قصة عاد. والمراد بــــ{المسرفين} أيمة القوم وكبراؤهم الذين يُغْرَونهم بعبادة الأصنام ويبقونهم في الضلالة استغلالاً لجهلهم وليسخروهم لفائدتهم. والإسراف: الإفراط في شيء، والمراد به هنا الإسراف المذموم كله في المال وفي الكفر، ووصفهم بأنهم {يفسدون في الأرض}، فالإسراف منوط بالفساد. وعطف {ولا يصلحون} على جملة: {يفسدون في الأرض} تأكيد لوقوع الشيء بنفي ضده مثل قوله تعالى: {أية : وأضلّ فرعون قومَه وما هدَى}تفسير : [طه: 79] وقول عَمرو بن مرة الجُهني:شعر : النسبُ المعروفُ غيرُ المنكَرِ تفسير : يفيد أن فسادهم لا يشوبه صلاح؛ فكأنه قيل: الذين إنما هم مفسدون في الأرض، فعدل عن صيغة القصر لئلا يحتمل أنه قصر مبالغة لأن نفي الإصلاح عنهم يؤكد إثبات الإفساد لهم، فيتقرر ذلك في الذهن، ويتأكد معنى إفسادهم بنفي ضده كقول السموأل أو الحارثي:شعر : تسيل على حدّ الظبات نفوسنا وليستْ على غير الظبات تسيل تفسير : والتعريف في {الأرض} تعريف العهد.

د. أسعد حومد

تفسير : {هَاهُنَآ} {آمِنِينَ} (146) - وذَكَّرَهُمْ بِمَا أنْعَمَ اللهُ بِهِ عليهِمْ من الأرْزَاقِ والجَنَّاتِ، والزُّرُوعِ والثمارِ، ثُمَّ قالَ لهمْ: هلْ تَظُنُّونَ أنْ تُتْرَكُوا طَوِيلاً في هَذا النّعيمِ والرَّفَاهِ والأمْنِ، وأنتُمْ كافِرُون، جَاحِدُون نِعَمَ اللهِ، مُخَالِفُونَ أوامِرَهُ؟

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : يريد أن يُوبِّخهم: أتظنون أنكم ستخلّدون في هذا النعيم، وأنتم آمنون، أو أنكم تأخذون نِعَم الله، ثم تفرُّون من حسابه، كما قال سبحانه: {أية : أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ}تفسير : [المؤمنون: 115]. فمَنْ ظن ذلك فهو مخطىء قاصر الفهم؛ لأن الأشياء التي تخدمك في الحياة لا تخدمك بقدرة منك عليها، فأنت لا تقدر على الشمس فتأمرها أنْ تشرق كل يوم، ولا تقدر على السحاب أن ينزل المطر، ولا تقدر على الأرض أن تعطيها الخصوبة لتنبت، ولا تقدر على الهواء الذي تتنفسه .. إلخ وهذه من مُقوِّمات حياتك التي لا تستطيع البقاء بدونها. وكان من الواجب عليك أن تتأمل وتفكر: مَن الذي سخرَّها لك، وأقدرك عليها؟ كالرجل الذي انقطع في الصحراء وفقد دابته وعليها طعامه وشرابه حتى أشرف على الهلاك، ثم أخذته سِنَة أفاق منها على مائدة عليها أطايب الطعام والشراب، بالله، أليس عليه قبل أنْ تمتد يده إليها إنْ يسأل نفسه: مَنْ أعدّ لي هذه المائدة في هذا المكان. كذلك أنت طرأتَ على هذا الكون وقد أُعِدَّ لك فيه كل هذا الخير، فكان عليك أن تنظر فيه، وفيمَنْ أعدّه لك. فإذا جاءك رسول من عند الله ليحلَّ لك هذا اللغز، ويخبرك بأن الذي فعل كل هذا هو الله، وأن من صفات كماله كذا وكذا، فعليك أن تُصدِّقه. لأنه إما أن يكون صادقاً يهديك إلى حَلِّ لغز حار فيه عقلك، وإما هو كاذب - والعياذ بالله وحاشا لله أن يكذب رسول الله على الله - فإن صاحب هذا الخلق عليه أن يقوم ويدافع عن خَلْقه. ويقول: هذا الرسول مُدَّعٍ وكاذب، وهذا الخَلْق لي: فإذا لم يقُمْ للخَلْق مُدَّعٍ فقد ثبتتْ القضية لله تعالى إلى أنْ يظهر مَنْ يدَّعيها لنفسه.

الجيلاني

تفسير : {أَتُتْرَكُونَ} وتبقون {فِي مَا} أي: في أنواع النعم، وأصناف الإحسان والكرم، وتستمرون {هَاهُنَآ} أي: في هذه النشأة كذلك {آمِنِينَ} [الشعراء: 146] بلا فترة انتقال وتحويل، مترفهين {فِي جَنَّاتٍ} أي: حدائق وبساتين {وَعُيُونٍ} [الشعراء: 147] جاريات فيها {وَزُرُوعٍ} كثيرة في أطرافها {وَ} لا سيما {نَخْلٍ} لطيف {طَلْعُهَا هَضِيمٌ} [الشعراء: 148] إذ هو ينكسر وينهضم بسهولة، ويستحيل دماً بسرعة. {وَ} من كمال بطركم، ونهاية حرصكم وأملكم {تَنْحِتُونَ} أي: تثقبون وتنقبون {مِنَ ٱلْجِبَالِ} المتحجرة {بُيُوتاً} ومخازن تدخرون وتخزنون أمتعتكم فيها؛ صوناً لها عن أنواع الحادثات بطرين {فَارِهِينَ} [الشعراء: 149] متنعمين. {فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} المحول للأحوال؛ حتى لا يبدل يسركم إلى العسر، وتنعيمكم إلى التنقيم {وَأَطِيعُونِ} [الشعراء: 150] في نصحي وتذكيري. {وَلاَ تُطِيعُوۤاْ أَمْرَ ٱلْمُسْرِفِينَ} [الشعراء: 151] في الإغراء على المعاصي والتغرير فيها؛ إذ هم {ٱلَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي ٱلأَرْضِ} بأنواع الفسادات، ومن جملتها: إفسادكم وإغراؤكم إلى ما يضركم {وَلاَ يُصْلِحُونَ} [الشعراء: 152] مفاسد أحد. وبعدما سمعوا من صالح ما سمعوا من النصيحة والإرشاد، وأنواع الإصلاح والسداد {قَالُوۤاْ} من فرط تعنتهم وعنادهم، وكمال توغلهم في بحر الغفلة والغرور: {إِنَّمَآ أَنتَ} يا صالح {مِنَ ٱلْمُسَحَّرِينَ} [الشعراء: 153] المختلين المخبطين عقولهم بالسحر. لذلك تتخيل أنك رسول مرسل من قبل الحق هادٍ إلى طريقه، مع أنك {مَآ أَنتَ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا} بلا رجحان لك علينا، ولم يعهد إرسال البشر إلى البشر، وبعدما عيروه وشنعوا عليه قصدوا تعجيزه، فأمروه بإتيان البرهان على صدقه، فقالوا متهكمين: {فَأْتِ} يا صالح {بِآيَةٍ} معجزة دالة على صدقك في دعواك {إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّادِقِينَ} [الشعراء: 154]. {قَالَ} صالح: معجزتي الدالة على حقية دعوتي ورسالتي {هَـٰذِهِ نَاقَةٌ} مخرجة من الصخرة بإخراج الله بعدما اقترحتموني بإخراجها، فدعوت الله القادر المقتدر على اختراع الامور المستبدعة، وأتضرع نحوه فقل دعائي، فأخرجها بقدرته على الوجه الذي اقترحتم، فاعلموا أيها المنهمكون في بحر الغفلة والغرور أنه {لَّهَا} أي: للناقة {شِرْبٌ} أي: معين لشربها من بئركم بتعيين الله إياها {وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ} [الشعراء: 155] معين. فعليكم ألاَّ تتجاوزوا من شربكم إلى شربها، ولا تضروا بها {وَلاَ تَمَسُّوهَا بِسُوۤءٍ} من ضرب وعقر، وظمأ وجوع، فإنكم أن تمسوها بسوء {فَيَأْخُذَكُمْ} وينزل عليكم {عَذَابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ} [الشعراء: 156] وصف به، لعظم ما فيه من العذاب. ثمَّ لمَّا أوصاهم بحفظها وحضانتها، وبالغ في شأنها لم يقبلوا منه، ولم يبالوا بقوله فاجتمعوا على عقرها متفقين {فَعَقَرُوهَا} بعدما اتفق الكل {فَأَصْبَحُواْ} بعدما عقروها {نَادِمِينَ} [الشعراء: 157] خائفين من نزول العذاب، لا تائبين آيبين عمَّا فعلوا من ترك المأمور وارتكاب المنهي. وبعدما استحقوا العذاب بصنيعهم هذا {فَأَخَذَهُمُ ٱلْعَذَابُ} الموعود المعهود من قبل الحق فنزل عليهم، فأهلكهم بالمرة إلى حيث لم يبق منهم أحد على وجه الأرض {إِنَّ فِي ذَلِكَ} الابتلاء والإنزال والإهلاك {لآيَةً} عظيمة مثبتة لكمال قدرة الله وقهره على مقتضى صفاته الجلالية {وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ} [الشعراء: 158] بقهره وجلاله. {وَإِنَّ رَبَّكَ} يا أكمل الرسل {لَهُوَ ٱلْعَزِيزُ} الغالب القاهر على أعدائه بمقتضى غضبه وجلاله {ٱلرَّحِيمُ} [الشعراء: 159] المشفق على أوليائه حسب اقتضاء لطفه وجماله.