٢٦ - ٱلشُّعَرَاء
26 - Ash-Shu'ara (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
160
Tafseer
الرازي
تفسير : القصة السادسة ـ قصة لوط عليه السلام أما قوله تعالى: {أَتَأْتُونَ ٱلذُّكْرَانَ مِنَ ٱلْعَـٰلَمِينَ } فيحتمل عوده إلى الآتي: أي أنتم من جملة العالمين صرتم مخصوصين بهذه الصفة، وهي إتيان الذكران، ويحتمل عوده إلى المأتي، أي أنتم اخترتم الذكران من العالمين لا الإناث منهم. وأما قوله تعالى: {مّنْ أَزْوٰجِكُمْ } فيصلح أن يكون تبييناً لما خلق وأن يكون للتبعيض، ويراد بما خلق العضو المباح منهن، وكأنهم كانوا يفعلون مثل ذلك بنسائهم، والعادي هو المتعدي في ظلمه، ومعناه أترتكبون هذه المعصية على عظمها بل أنتم قوم عادون في جميع المعاصي فهذا من جملة ذاك، أو بل أنتم قوم أحقاء بأن توصفوا بالعدوان حيث ارتكبتم مثل هذه الفاحشة، فقالوا له عليه السلام: {لَئِن لَّمْ تَنتَهِ يٰلُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُخْرَجِينَ } أي لتكونن من جملة من أخرجناه من بلدنا، ولعلهم كانوا يخرجون من أخرجوه على أسوإ الأحوال، فقال لهم لوط عليه السلام: {إِنّى لِعَمَلِكُمْ مّنَ ٱلْقَـٰلِينَ } القلي البغض الشديد، كأنه بغض يقلي الفؤاد والكبد، وقوله: {مّنَ ٱلْقَـٰلِينَ } أبلغ من أن يقول إني لعملكم قال، كما يقال فلان من العلماء فهو أبلغ من قولك فلان عالم، ويجوز أن يراد من الكاملين في قلاكم، ثم قال تعالى: {فَنَجَّيْنَـٰهُ وَأَهْلَهُ } والمراد: فنجيناه وأهله من عقوبة عملهم {إِلاَّ عَجُوزاً فِى ٱلْغَـٰبِرِينَ } فإن قيل: {فِى ٱلْغَـٰبِرِينَ } صفة لها كأنه قيل إلا عجوزاً غابرة، ولم يكن الغبور صفتها وقت تنجيتهم جوابه: معناه إلا عجوزاً مقدراً غبورها، قيل إنها هلكت مع من خرج من القرية بما أمطر عليهم من الحجارة، قال القاضي عبد الجبار في «تفسيره» في قوله تعالى: {وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مّنْ أَزْوٰجِكُمْ } دلالة على بطلان الجبر من جهات أحدها: أنه لا يقال تذرون إلا مع القدرة على خلافه، ولذلك لا يقال للمرء لم تذر الصعود إلى السماء، كما يقال له لم تذر الدخول والخروج وثانيها: أنه قال: {مَا خَلَقَ لَكُمْ } ولو كان خلق الفعل لله تعالى لكان الذي خلق لهم ما خلقه فيهم وأوجبه لا ما لم يفعلوه وثالثها: قوله تعالى: {بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ } فإن كان تعالى خلق فيهم ما كانوا يعملون فكيف ينسبون إلى أنهم تعدوا، وهل يقال للأسود إنك متعد في لونك؟ فنقول حاصل هذه الوجوه يرجع إلى أن العبد لو لم يكن موجداً الأفعال نفسه لما توجه المدح والذم والأمر والنهي عليه، ولهذه الآية في هذا المعنى خاصية أزيد مما ورد من الأمر والنهي والمدح والذم في قصة موسى عليه السلام وإبراهيم ونوح وسائر القصص، فكيف خص هذه القصة بهذه الوجوه دون سائر القصص، وإذا ثبت بطلان هذه الوجوه بقي ذلك الوجه المشهور فنحن نجيب عنها بالجوابين المشهورين الأول: أن الله تعالى لما علم وقوع هذه الأشياء فعدمها محال لأن عدمها يستلزم انقلاب العلم جهلاً وهو محال والمفضي إلى المحال محال، وإذا كان عدمها محالاً كان التكليف بالترك تكليفاً بالمحال الثاني: أن القادر لما كان قادراً على الضدين امتنع أن يترجح أحد المقدورين على الآخر إلا لمرجح وهو الداعي أو الإرادة وذلك المرجح محدث فله مؤثر وذلك المؤثر إن كان هو العبد لزم التسلسل وهو محال وإن كان هو الله تعالى فذلك هو الجبر على قولك، فثبت بهذين البرهانين القاطعين سقوط ما قاله، والله أعلم.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ ٱلْمُرْسَلِينَ } مضى معناه وقصته في «الأعراف» و«هود» مستوفى والحمد لله. قوله تعالى: {أَتَأْتُونَ ٱلذُّكْرَانَ مِنَ ٱلْعَالَمِينَ } كانوا ينكحونهم في أدبارهم وكانوا يفعلون ذلك بالغرباء على ما تقدّم «في الأعراف». {وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِّنْ أَزْوَاجِكُمْ} يعني فروج النساء فإن الله خلقها للنكاح. قال إبراهيم بن مهاجر: قال لي مجاهد كيف يقرأ عبد الله {وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِّنْ أَزْوَاجِكُمْ} قلت: «وتذرون ما أصلح لكم ربكم من أزواجِكم» قال: الفرج؛ كما قال: {أية : فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ ٱللَّهُ}تفسير : [البقرة: 222]. {بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ} أي متجاوزون لحدود الله. {قَالُواْ لَئِن لَّمْ تَنتَهِ يٰلُوطُ} عن قولك هذا. {لَتَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُخْرَجِينَ } أي من بلدنا وقريتنا. {قَالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ} يعني اللواط {مِّنَ ٱلْقَالِينَ} أي المبغضين والقلي البغض؛ قليته أقلِيه قِلىً وقَلاء. قال:شعر : فلستُ بمقلِّي الخِلالِ ولا قَالِي تفسير : وقال آخر:شعر : عليك السلامُ لا مُلِلتِ قرِيبةً ومَالَكِ عندي إن نأيتِ قَلاَءُ تفسير : {رَبِّ نَّجِنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ } أي من عذاب عملهم. دعا الله لما أيس من إيمانهم ألا يصيبه من عذابهم. قال تعالى: {فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ } ولم يكن إلا ابنتاه على ما تقدّم في «هود». {إِلاَّ عَجُوزاً فِي ٱلْغَابِرِينَ } روى سعيد عن قتادة قال: غبرت في عذاب الله عز وجل أي بقيت. وأبو عبيدة يذهب إلى أن المعنى من الباقين في الهَرَم أي بقيت حتى هَرِمت. قال النحاس: يقال للذاهب غابر والباقي غابر كما قال:شعر : لا تَكْسَعِ الشَّوَل بأَغْبَارِهَا إنّكَ لا تَدْرِي مَنِ النَّاتِجُ تفسير : وكما قال:شعر : فما وَنَى محمدٌ مذ انْ غَفَرْ له الإلهُ ما مَضَى وما غَبَرْ تفسير : أي ما بقي. والأغبار بقيات الألبان. {ثُمَّ دَمَّرْنَا ٱلآخَرِينَ } أي أهلكناهم بالخسف والحصب؛ قال مقاتل: خسف الله بقوم لوط وأرسل الحجارة على من كان خارجاً من القرية. {وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِم مَّطَراً} يعني الحجارة {فَسَآءَ مَطَرُ ٱلْمُنذَرِينَ}. وقيل: إن جبريل خسف بقريتهم وجعل عاليها سافلها، ثم أتبعها الله بالحجارة. {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ } لم يكن فيها مؤمن إلا بيت لوط وابنتاه.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى مخبراً عن عبده ورسوله لوط عليه السلام، وهو لوط بن هاران بن آزر، وهو ابن أخي إبراهيم الخليل عليه السلام، وكان الله تعالى قد بعثه إلى أمة عظيمة في حياة إبراهيم عليهما السلام، وكانوا يسكنون سدوم وأعمالها التي أهلكها الله بها، وجعل مكانها بحيرة منتنة خبيثة، وهي مشهورة ببلاد الغور بناحية متاخمة لجبال البيت المقدس، بينها وبين بلاد الكرك والشوبك، فدعاهم إلى الله عز وجل أن يعبدوه وحده لا شريك له، وأن يطيعوا رسولهم الذي بعثه الله إليهم، ونهاهم عن معصية الله وارتكاب ما كانوا قد ابتدعوه في العالم مما لم يسبقهم أحد من الخلائق إلى فعله، من إتيان الذكور دون الإناث.
المحلي و السيوطي
تفسير : {كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ ٱلْمُرْسَلِينَ }.
الشوكاني
تفسير : ذكر سبحانه القصة السادسة من قصص الأنبياء مع قومهم، وهي قصة لوط. وقد تقدّم تفسير قوله: {إِذْ قَالَ لَهُمْ } إلى قوله: {إِلاَّ عَلَىٰ رَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ } في هذه السورة، وتقدّم أيضاً تفسير قصة لوط مستوفى في الأعراف قوله: {أَتَأْتُونَ ٱلذُّكْرَانَ مِنَ ٱلْعَـٰلَمِينَ } الذكران: جمع الذكر ضدّ الأنثى، ومعنى {تأتون}: تنكحون الذكران من العالمين، وهم بنو آدم، أو كل حيوان، وقد كانوا يفعلون ذلك بالغرباء على ما تقدّم في الأعراف. {وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مّنْ أَزْوٰجِكُمْ } أي: وتتركون ما خلقه الله لأجل استمتاعكم به من النساء، وأراد بالأزواج: جنس الإناث {بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ } أي مجاوزون للحدّ في جميع المعاصي، ومن جملتها هذه المعصية التي ترتكبونها من الذكران {قَالُواْ لَئِن لَّمْ تَنتَهِ يٰلُوطُ} عن الإنكار علينا، وتقبيح أمرنا {لَتَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُخْرَجِينَ } من بلدنا المنفيين عنها {قَالَ إِنّي لِعَمَلِكُمْ }، وهو ما أنتم فيه من إتيان الذكران {مّنَ ٱلْقَـٰلِينَ } المبغضين له، والقلي: البغض، قليته أقليه قلا، وقلاء، ومنه قول الشاعر:شعر : فلست بمقلي الخلال ولا قالي تفسير : وقال الآخر:شعر : ومالك عندي إن نأيت قلاء تفسير : ثم رغب عليه الصلاة والسلام عن محاورتهم، وطلب من الله عزّ وجلّ أن ينجيه، فقال: {رَبّ نَّجِنِى وَأَهْلِى مِمَّا يَعْمَلُونَ } أي من عملهم الخبيث، أو من عقوبته التي ستصيبهم، فأجاب الله سبحانه دعاءه، وقال: {فَنَجَّيْنَـٰهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ } أي أهل بيته، ومن تابعه على دينه، وأجاب دعوته {إِلاَّ عَجُوزاً فِي ٱلْغَـٰبِرِينَ } هي امرأة لوط، ومعنى {فِي ٱلْغَـٰبِرِينَ }: من الباقين في العذاب. وقال أبو عبيدة: من الباقين في الهرم أي بقيت حتى هرمت. قال النحاس: يقال للذاهب غابر، وللباقي غابر. قال الشاعر:شعر : لا تكسع الشول بأغبارها إنك لا تدري من الناتج تفسير : والأغبار: بقية الألبان، وتقول العرب: ما مضى، وما غبر أي: ما مضى، وما بقي {ثُمَّ دَمَّرْنَا ٱلآخَرِينَ } أي أهلكناهم بالخسف، والحصب. {وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَّطَرًا } يعني: الحجارة {فَسَاء مَطَرُ ٱلْمُنذَرِينَ } المخصوص بالذمّ محذوف، والتقدير: مطرهم، وقد تقدّم تفسير: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُّؤْمِنِينَ * وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ } في هذه السورة. {كَذَّبَ أَصْحَـٰبُ لْـئَيْكَةِ ٱلْمُرْسَلِينَ } قرأ نافع وابن كثير وابن عامر "ليكة" بلام واحدة وفتح التاء جعلوه اسماً غير معرّف بأل مضافاً إليه أصحاب، وقرأ الباقون. {الأيكة} معرفاً، و{الأيكة}: الشجر الملتف، وهي الغيضة، وليكة اسم للقرية، وقيل: هما بمعنى واحد اسم للغيضة. قال القرطبي: فأما ما حكاه أبو عبيد من: أن ليكة اسم القرية التي كانوا فيها، وأن الأيكة اسم البلد كله، فشيء لا يثبت، ولا يعرف من قاله ولو عرف لكان فيه نظر؛ لأن أهل العلم جميعاً على خلافه. قال أبو عليّ الفارسي: الأيكة تعريف أيكة، فإذا حذفت الهمزة تخفيفاً ألقيت حركتها على اللام. قال الخليل: الأيكة غيضة تنبت السدر والأراك ونحوهما من ناعم الشجر {إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلاَ تَتَّقُونَ } لم يقل: أخوهم كما قال في الأنبياء قبله؛ لأنه لم يكن من أصحاب الأيكة في النسب، فلما ذكر مدين قال أخاهم شعيباً؛ لأنه كان منهم، وقد مضى تحقيق نسبه في الأعراف، وقد تقدم تفسير قوله: {إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ } إلى قوله تعالى: {إِلاَّ عَلَىٰ رَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ } في هذه السورة. قوله: {أَوْفُواْ ٱلْكَيْلَ وَلاَ تَكُونُواْ مِنَ ٱلْمُخْسِرِينَ } أي أتموا الكيل لمن أراده، وعامل به، ولا تكونوا من المخسرين: الناقصين للكيل والوزن، يقال: أخسرت الكيل والوزن: أي نقصته، ومنه قوله تعالى: {أية : وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ } تفسير : [المطففين: 3]، ثم زاد سبحانه في البيان، فقال {وَزِنُواْ بِٱلْقِسْطَاسِ ٱلْمُسْتَقِيمِ } أي أعطوا الحقّ بالميزان السويّ، وقد مرّ بيان تفسير هذا في سورة سبحان، وقد قرىء: {بالقسطاس} مضموماً، ومكسوراً {وَلاَ تَبْخَسُواْ ٱلنَّاسَ أَشْيَاءهُمْ } البخس النقص، يقال: بخسه حقه: إذا نقصه، أي لا تنقصوا الناس حقوقهم التي لهم، وهذا تعميم بعد التخصيص، وقد تقدّم تفسيره في سورة هود، وتقدّم أيضاً تفسير {وَلاَ تَعْثَوْاْ فِى ٱلأَرْضِ مُفْسِدِينَ } فيها، وفي غيرها {وَٱتَّقُواْ ٱلَّذِى خَلَقَكُمْ وَٱلْجِبِلَّةَ ٱلأَوَّلِينَ } قرأ الجمهور بكسر الجيم والباء وتشديد اللام، وقرأ أبو حصين والأعمش والحسن والأعرج وشيبة بضمهما وتشديد اللام، وقرأ السلمي بفتح الجيم مع سكون الباء. والجبلة: الخليقة قاله مجاهد، وغيره يعني: الأمم المتقدّمة، يقال: جبل فلان على كذا أي خلق. قال النحاس: الخلق يقال له جبلة بكسر الحرفين الأوّلين وبضمهما مع تشديد اللام فيهما، وبضم الجيم وفتحها وسكون الباء، قال الهروي: الجِبِلَّة والجُبْلَة والجِبِلّ والجُبُلّ لغات، وهو الجمع ذو العدد الكثير من الناس، ومنه قوله تعالى: {أية : جِبِلاًّ كَثِيراً } تفسير : [يۤس: 62] أي: خلقاً كثيراً، ومن ذلك قول الشاعر:شعر : والموت أعظم حادث فيما يمرّ على الجبلة تفسير : {قَالُواْ إِنَّمَا أَنتَ مِنَ ٱلْمُسَحَّرِينَ * وَمَا أَنتَ إِلاَّ بَشَرٌ مّثْلُنَا } قد تقدّم تفسيره مستوفى في هذه السورة. {وَإِن نَّظُنُّكَ لَمِنَ ٱلْكَـٰذِبِينَ }: "إن" هي المخففة من الثقيلة عملت في ضمير شأن مقدّر، واللام هي الفارقة أي فيما تدّعيه علينا من الرسالة، وقيل: هي النافية، واللام بمعنى إلاّ أي ما نظنك إلاّ من الكاذبين، والأوّل أولى. {فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفاً مّنَ ٱلسَّمَاء } كان شعيب يتوعدهم بالعذاب إن لم يؤمنوا، فقالوا له هذا القول نعتاً واستبعاداً وتعجيزاً. والكسف: القطعة. قال أبو عبيدة: الكسف: جمع كسفة مثل سدر وسدرة. قال الجوهري: الكسفة القطعة من الشيء، يقال: أعطني كسفة من ثوبك، والجمع كسف، وقد مضى تحقيق هذا في سورة سبحان. {إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّـٰدِقِينَ } في دعواك {قَالَ رَبّي أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ } من الشرك، والمعاصي، فهو مجازيكم على ذلك إن شاء، وفي هذا تهديد شديد {فَكَذَّبُوهُ }، فاستمروا على تكذيبه، وأصرّوا على ذلك {فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ ٱلظُّلَّةِ }، والظلة: السحاب، أقامها الله فوق رؤوسهم، فأمطرت عليهم ناراً، فهلكوا، وقد أصابهم الله بما اقترحوا؛ لأنهم إن أرادوا بالكسف القطعة من السحاب فظاهر، وإن أرادوا بها القطعة من السماء، فقد نزل عليهم العذاب من جهتها، وأضاف العذاب إلى يوم الظلة لا إلى الظلة تنبيهاً على أن لهم في ذلك اليوم عذاباً غير عذاب الظلة، كذا قيل. ثم وصف سبحانه هذا العذاب الذي أصابهم بقوله: {إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ } لما فيه من الشدّة عليهم التي لا يقادر قدرها، وقد تقدّم تفسير قوله: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُّؤْمِنِينَ * وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ } في هذه السورة مستوفى، فلا نعيده، وفي هذا التكرير لهذه الكلمات في آخر هذه القصص من التهديد والزجر والتقرير والتأكيد ما لا يخفى على من يفهم مواقع الكلام ويعرف أساليبه. وقد أخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: {وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مّنْ أَزْوٰجِكُمْ } قال: تركتم أقبال النساء إلى أدبار الرجال وأدبار النساء. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن عكرمة نحوه. وأخرجا أيضاً عن قتادة: {إِلاَّ عَجُوزاً فِي ٱلْغَـٰبِرِينَ } قال: هي امرأة لوط غبرت في عذاب الله. وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد "ليكة" قال: هي الأيكة. وأخرج إسحاق بن بشر وابن عساكر عن ابن عباس في قوله: {كَذَّبَ أَصْحَـٰبُ لْـئَيْكَةِ ٱلْمُرْسَلِينَ } قال: كانوا أصحاب غيضة من ساحل البحر إلى مدين {إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ }، ولم يقل: أخوهم شعيب. لأنه لم يكن من جنسهم {أَلاَ تَتَّقُونَ }: كيف لا تتقون وقد علمتم أني رسول أمين، لا تعتبرون من هلاك مدين، وقد أهلكوا فيما يأتون؟ وكان أصحاب الأيكة مع ما كانوا فيه من الشرك استنوا بسنة أصحاب مدين، فقال لهم شعيب: {إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ * فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ * وَمَا أَسْـئَلُكُمْ } على ما أدعوكم إليه {مِنْ أَجْرٍ } في العاجل من أموالكم إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَىٰ رَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ. {وَٱتَّقُواْ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ وَٱلْجِبِلَّةَ ٱلأَوَّلِينَ } يعني: القرون الأوّلين الذي أهلكوا بالمعاصي، ولا تهلكوا مثلهم. {قَالُواْ إِنَّمَا أَنتَ مِنَ ٱلْمُسَحَّرِينَ } يعني من المخلوقين. {وَمَا أَنتَ إِلاَّ بَشَرٌ مّثْلُنَا وَإِن نَّظُنُّكَ لَمِنَ ٱلْكَـٰذِبِينَ * فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفاً مّنَ ٱلسَّمَاء } يعني: قطعاً من السماء {فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ ٱلظُّلَّةِ } أرسل الله إليهم سموماً من جهنم، فأطاف بهم سبعة أيام حتى أنضجهم الحر، فحميت بيوتهم، وغلت مياههم في الآبار، والعيون، فخرجوا من منازلهم ومحلتهم هاربين، والسموم معهم، فسلّط الله عليهم الشمس من فوق رؤوسهم، فغشيتهم حتى تقلقلت فيها جماجمهم، وسلّط الله عليهم الرمضاء من تحت أرجلهم حتى تساقطت لحوم أرجلهم ثم نشأت لهم ظلة كالسحابة السوداء، فلما رأوها ابتدروها يستغيثون بظلها حتى إذا كانوا جميعاً أطبقت عليهم فهلكوا ونجى الله شعيباً والذين آمنوا معه. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه قال: {وَٱلْجِبِلَّةَ ٱلأَوَّلِينَ }: الخلق الأوّلين. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم عنه أيضاً أنه سئل عن قوله: {فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ ٱلظُّلَّةِ } قال: بعث الله عليهم حرًّا شديداً، فأخذ بأنفاسهم، فدخلوا أجواف البيوت، فدخل عليهم أجوافها فأخذ بأنفسهم، فخرجوا من البيوت هرباً إلى البرية، فبعث الله عليهم سحابة، فأظلتهم من الشمس فوجدوا لها برداً ولذة، فنادى بعضهم بعضاً حتى إذا اجتمعوا تحتها أسقط الله عليهم ناراً، فذلك عذاب يوم الظلة. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم عنه أيضاً قال: من حدّثك من العلماء عذاب يوم الظلة، فكذبه. أقول: فما نقول له رضي الله عنه فيما حدّثنا به من ذلك مما نقلناه عنه ها هنا؟ ويمكن أن يقال: إنه لما كان هو البحر الذي علّمه الله تأويل كتابه بدعوة نبيه صلى الله عليه وسلم كان مختصاً بمعرفة هذا الحديث دون غيره من أهل العلم، فمن حدّث بحديث عذاب الظلة على وجه غير هذا الوجه الذي حدّثنا به، فقد وصانا بتكذيبه، لأنه قد علمه، ولم يعلمه غيره.
ابن عطية
تفسير : قال النقاش إن في مصحف ابن مسعود وأبي وحفصة "إذ قال لهم لوط" وسقط "أخوهم"، واختصرت الياء في الخط واللفظ من قوله {وأطيعون} مراعاة لرؤوس الآي أن تتناسب، ثم وقفهم على معصيتهم البشعة في إتيان {الذكران} وترك فروج الأزواج والمعنى ويذر ذلك العاصي في حين معصيته لا أن معناه تركوا النساء جملة، وفي قراءة ابن مسعود "ما أصلح لكم ربكم" و {عادون}، معناه ظالمون مرتكبون للحظر. فتوعدوه بالإخراج من أرضه وداره فلا يتهم عند ذلك واقتصر على الإخبار بأنه قال لعملهم، و"القلى" بغض الشيء وتركه، ثم دعا في النجاة فنجاه الله بأن أمره بالرحلة ليلاً، وكانت امرأته كافرة تعين عليه قومه فأصابها حجر فهلكت فيمن هلك، وقوله {في الغابرين} معناه في الباقين، فإما أن يريد في الباقين من لداتها وأهل سنها وهذا تأويل أبي عبيدة، وإما أن يريد في الباقين في العذاب النازل بهم وهذا تأويل قتادة، والمشهور في غبرانها بمعنى بقي، وغابر الزمان مستقبله، ولكن الأعشى قد استعمل غابر الزمان بمعنى ماضيه في شعر المنافرة المشهور، وقال الزهراوي يقال للذاهب غابر وللباقي غابر، و"التدمير" الإهلاك بإمطار الحجارة وبذلك جرت السنين في رجم اللوطي وباقي الآية بين.
الثعالبي
تفسير : وقوله تعالى: {كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ ٱلْمُرْسَلِينَ * إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ} قال النقاش: إنَّ في مصحف ابن مسعود وأُبَيٍّ وحفصةَ: «إذْ قَالَ لَهُمْ لُوطٌ» وسقط أخوهم. وقوله: {إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِّنَ ٱلْقَالِينَ} القِلَى: البُغْضُ، فنجاه اللّه بأنْ أمره بالرحلة على ما تقدم في قصصهم.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ ٱلْمُرْسَلِينَ} الآيات. قوله: "مِنَ العالِمينَ". يحتمل عوده إلى الآتي، أي: أنتم من جملة العالمين مخصوصون بهذه الصفة، وهي إتيان الذكران. (ويحتمل عوده إلى المأتى، أي: أنتم اخترتم الذكران) من العالمين لا الإناث منهم. قوله: "مِنْ أَزْوَاجِكُمْ". يصلح أن يكون تبييناً، وأن يكون للتبعيض، ويُراد بِمَا خلق العضو المباح منهن، وكانوا يفعلون مثل ذلك بنسائهم. {بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ}. معتدون مجاوزون الحلال إلى الحرام، والعادي: المعتدي في ظلمه. والمعنى: أتركبون هذه المعصية على عظمها {بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ} في جميع المعاصي {قَالُواْ لَئِن لَّمْ تَنتَهِ يٰلُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُخْرَجِينَ} أي: من جملة من أخرجناه من بلدنا، ولعلهم كانوا يخرجون من أخرجوه على أسوأ الأحوال. قوله: "لِعَمَلِكُمْ" كقوله: {أية : إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ ٱلنَّاصِحِينَ}تفسير : [الأعراف: 21] وقد تقدم. وقيل: "مِنَ القَالِينَ" صفة لخبر محذوف، هذا الجار متعلق به، أي: إني قال: {لِعَمَلِكُمْ مِّنَ ٱلْقَالِينَ} المبغضين. والقِلَى: البغض الشديد، كأنه بُغْضٌ يقلي الفؤاد والكبد. وقوله "مِنَ القَالِينَ" أبلغ من أن يقول: إني لعملكم قالٍ، كما تقول: فلان من العلماء، أبلغ من قولك: فلان عالم. ويجوز أن يراد: من الكاملين في قِلاكم. (والقَالِي: المُبْغِضُ، يقال: قَلاَهُ يَقْلِيهِ قِلًى، وَيَقْلاَهُ، وهي شاذة، قال: شعر : 3920 - وَتَـرْمِينَنِـي بالطَّـرْفِ أَيْ أَنْـتَ مُذْنِـبٌ وَتقْلِينَنِـي لكِـنَّ إيَّـاكِ لاَ أقْلِــي تفسير : وقال آخر: شعر : 3921 - والله مَـا فَارَقْتكُـمْ عَـنْ قِلًـى لكـم وَلكـنَّ مَـا يُقْضَـى فَسَـوْفَ يَكُـونُ تفسير : واسم المفعول فيه: "مَقْلِيّ" والأصل: "مَقْلُويٌّ" فأدغم كـ "مَرْمِيٍّ" قال: شعر : 3922 - وَلَسْـتُ بِمَقْلـيِّ الخِـلاَلِ ولاَ قَالِــي تفسير : وغلط بعضهم فجعل ذلك من قولهم: قَلَى اللَّحْمَ، أي شَوَاهُ، فكأنه قلى كبده بالبغض ووجه الغلط أن هذا من ذوات الياء, وذاك من ذوات الواو. يقال: قَلَى اللحمِ يَقْلُوه قَلْواً، فهو قال كَغَازٍ، و "مَقْلُوّ" كما تقدم)، ثم دعا فقال: {رَبِّ نَّجِنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ} من العمل الخبيث. قال الله تعالى: "فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ" من عقوبة عملهم {إِلاَّ عَجُوزاً فِي ٱلْغَابِرِينَ} وهي امرأة لوط، بقيت في الهلاك والعذاب، فإنْ قيل: "فِي الغَابِرينَ" صفة لها، كأنه قيل: إلاَّ عَجُوزاً (غابرة، وإن لم يكن الغبور صفتها وقت تنجيتهم؟ فالجواب: معناه: إلاَّ عجوزاً) مقدراً غبورها. قيل: إنما هلكت مع من خرج من القرية بما أمطر من الحجارة. {ثُمَّ دَمَّرْنَا ٱلآخَرِينَ} أي: أهلكناهم {وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِم مَّطَراً فَسَآءَ مَطَرُ ٱلْمُنذَرِينَ} والمخصوص بالذم محذوف، أي: (مَطَرُهُمْ) قال وهب بن منبه: الكبريت والنار. {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ}. فصل قال القاضي عبد الجبار في تفسير قوله: {وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِّنْ أَزْوَاجِكُمْ} دليل على بطلان الجبر من وجوه: الأول: أنه لا يقال: "تَذَرُونَ" إلاَّ مع القدرة على خلافه، ولذلك لا يقال للمرء: لم تذر الصعود إلى السماء، كما يقال: لم تذر (الدخول و) الخروج. الثاني: أنه قال: { مَا خَلَقَ لَكُمْ} ولو كان الفعل لله تعالى لكان الذي خلقه لهم ما خلقه فيهم وأوجبه لا ما لم يفعلوه. الثالث: قوله تعالى: {بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ} فإن كان تعالى خلق فيهم ما كانوا يعملون، فكيف ينسبون إلى أنهم تعدوا؟ وهل يقال للأسود: إنك متعد في لونك؟ وأجيب بأن حاصل هذه الوجوه يرجع إلى أن العبد لو لم يكن موجداً لأفعال نفسه لما توجه المدح والذم والأمر والنهي عليه، (وليس لهذه) الآية في هذا المعنى خاصية أزيد مما ورد من الأمر والنهي والمدح والذم في قصة إبراهيم وموسى ونوح وسائر القصص، فكيف خَصَّ هذه القصة بهذه الوجوه دون سائِر القصص. وإذا ثبت أن هذه الوجوه هي ذلك الوجه المشهور فالجواب عنها هما الجوابان المشهوران: الأول: أنَّ اللَّهَ تعالى لمّا علم وقوع هذه الأشياء فعدمها محال، لأَنّ عدمها يستلزم انقلاب العلم جهلاً، وهو محال، والمفضي إلى المحال محال، وإن كان عدمها محالاً كان التكليف بالترك تكليفاً بالمحال. الثاني: أنَّ القادر لما كان قادراً على الضدين امتنع أن يرجح أحد المقدورين على الآخر لا لمرجح، والمرجح: هو الداعي والإرادة، وذلك المرجح مرجح محدث، فله مؤثر، وذلك المؤثر إن كان هو العبد لزم التسلسل، وهو محال، وإن كان هو الله تعالى فذاك الجبر على قولك، فثبت بهذين البرهانين القاطعين سقوط ما قاله.
السيوطي
تفسير : أخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله {وتذرون ما خلق لكم ربكم من أزواجكم} قال: تركتم اقبال النساء إلى أدبار الرجال وأدبار النساء. وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد {وتذرون ما خلق لكم ربكم من أزواجكم} قال: ما أصلح لكم يعني القبل. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن عكرمة {وتذرون ما خلق لكم ربكم من أزواجكم} يقول: ترك اقبال النساء إلى ادبار الرجال. وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله {بل أنتم قوم عادون} قال: متعدون. وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر عن مجاهد قال: في قراءة عبد الله {وواعدناه أن نؤمنه أجمعين إلا عجوزاً في الغابرين} . وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن قتادة {إلا عجوزاً في الغابرين} قال: هي امرأة لوط غبرت في عذاب. وأخرج الطستي عن ابن عباس. أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله {في الغابرين} قال: في الباقين قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم. أما سمعت قول عبيد بن الأبرص؟: شعر : ذهبوا وخلفني المخلف فيهم فكأنني في الغابرين غريب
ابو السعود
تفسير : {كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ ٱلْمُرْسَلِينَ * إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلا تَتَّقُونَ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ وَمَا أَسْـئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِىَ إِلاَّ عَلَىٰ رَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ * أَتَأْتُونَ ٱلذُّكْرَانَ مِنَ ٱلْعَـٰلَمِينَ} أي أتأتون من بـينِ منَ عداكم من العالمين الذاكرانَ لا يشارككم فيه غيرُكم أو أتأتون الذكران من أولادِ آدمَ مع كثرتِهم وغلبة النَّساءِ فيهم مع كونهنَّ أليقَ بالاستمتاعِ. فالمرادُ بالعالمين على الأوَّل كلُّ ما يُنكح من الحيوانِ وعلى الثَّاني الناسُ {وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ} لأجل استمتاعِكم، وكلمة مِن في قوله تعالى: {مّنْ أَزْوٰجِكُمْ} للبـيان إنْ أُريد بها جنسُ الإناثِ وهو الظَّاهرُ وللتبعيضِ إنْ أُريد بها العُضو المباحُ منهنَّ تعريضاً بأنَّهم كانُوا يفعلون ذلك بنسائِهم أيضاً {بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ} متعدُّون متجاوزونَ الحدَّ في جميعِ المعاصي وهذا من جُملتها وقيل متجاوزونَ عن حدِّ الشَّهوةِ حيث زادُوا على سائرِ النَّاسِ بل الحيواناتِ. {قَالُواْ لَئِن لَّمْ تَنتَهِ يٰلُوطُ} أي عن تقبـيح أمرِنا أو نهينا عنه أو عن دَعْوى النُّبوة التي من جُملةِ أحكامِها التَّعرضُ لنا {لَتَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُخْرَجِينَ} أي من المنفيـينَ من قريتنا وكأنَّهم كانوا يخرجون منَ أخرجوه من بـينهم على عنفٍ وسوءِ حالٍ. {قَالَ إِنّى لِعَمَلِكُمْ مّنَ ٱلْقَـٰلِينَ} أي من المُبغضين غايةَ البغضِ كأنه يقْلى الفؤادَ والكبدَ لشدَّتِه وهو أبلغُ من أنْ يُقال إنِّي لعملِكم قالٍ لدلالتِه على أنَّه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ من زُمرةِ الرَّاسخين في بغضِه المشهورينَ في قِلاه، ولعلَّه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ أراد إظهارَ الكراهة في مُساكنتِهم والرَّغبةِ في الخلاصِ من سوءِ جوارهم ولذلك أعرضَ عن محاورتِهم وتوجَّه إلى الله تعالى قائلاً {رَبّ نَّجِنِى وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ} أي من شؤمِ عملهم وغائلتِه.
اسماعيل حقي
تفسير : {كذبت قوم لوط} يعنى اهل سدوم ومايتبعها {المرسلين} يعنى لوطا وابراهيم ومن تقدمهما
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جل جلاله: {كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ...} إلخ، وهو ظاهر، ثم قال {أتأتون الذُّكْرَان من العالمين}، أراد بالعالمين: الناس، أي: أتطؤون الناس مع كثرة الإناث، أو: أتطؤون أنتم من بين سائر العالمين الذكران، وتختصون بهذه الفاحشة {وتذرُون ما خلقَ لكم ربكم} من الإناث: أو: ما خلق لكم؛ لأجل استمتاعكم من الفروج، {مِن أزواجكم}، فَمِنْ للبيان، إن أريد بـ "ما": جنس الإناث، وهو الظاهر، وللتبعيض، إن أريد بها العضو المباح منهن، تعريضاً بأنهم يفعلون ذلك بنسائهم أيضاً، وفيه دليل تحريم أدبار الزوجات والمملوكات، ومن أجاز ذلك قد أخطأ خطأ عظيماً. {بل أنتم قومٌ عَادُون} أي: متعدون. والعادي: المتعدي في ظُلْمِهِ، المتجاوز فيه الحد، أي: أنتم قوم أحقَّاء بأن توصفوا بالعدوان؛ حيث ارتكبتم مثل هذه العظيمة، التي لم يرتكبها أحد قبلكم، ولو من الحيوانات البهيمية. {قالوا لئن لم تنتهِ يا لوطُ} عن إنكارك علينا وتقبيح أمرنا {لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ} من بلدنا، أي: من جملة من أخرجناه من بين أظهرنا، وطردناه من بلدنا. ولعلهم كانوا يُخرجون من أخرجوه على أسوأ حال. {قال إني لِعَمَلِكُم من القَالين}؛ من المبغضين غاية البغض، كأنه يقلي الفؤاد والكبد من شدته. والقِلَى: أَشَدُّ البغض، وهو أبلغ من أن يقول: لعملكم قالٍ، فقولك: فلان من العلماء، أبلغ من قولك: فلان عالم؛ لأنك تشهد بأنه مساهم لهم في العلم. وفي الآية دليل على قبح معصية اللواط؛ ولذلك أفتى مالك بقتل فاعلها. ثم قال: {رَبِّ نَجّنِي وأهلي مما يعملون}؛ من عقوبة عملهم، {فنجَّيناه وأهله أجمعين} يعني: بناته، ومن آمن معه، {إلا عجوزاً} هي امرأته، وكانت راضية بذلك، والراضي بالمعصية في حكم العاصي، ولو لم يحضر. واستثناؤها من الأهل؛ لأنها داخلة فيه - ولو لم تكن مؤمنة -؛ لاشتراكها في الأهلية بحق الزواج. بقيت {في الغابرين}؛ في الباقين في العذاب، وهي صفة لها. والغابر في اللغة: الباقي، كأنه قيل: إلا عجوزاً غابرة، أي: مُقَدَّراً غبورها؛ إذ الغبور لم يكن صفتها وقت نجاتهم. {ثم دمَّرنا الآخَرِين} أي: أهلكناهم أشد إهلاك وأفظعه، {وأمطرنا عليهم مطراً} أي: مطراً غير معهود. وعن قتادة: أمطر الله على شُذّاذ القوم، أي: الخارجين عن البلد - حجارة من السماء فأهلكهم، وقلب المدينة بمن فيها. وقيل: لم يرض بالقلب فقط حتى أتبعهم مطراً من حجارة، {فساءَ مطرُ المنذَرين} أي: قَبُحَ مَطَرُ المنذرين مطرهم، فالمخصوص محذوف. {إن في ذلك لآيةً وما كان أكثرُهم مؤمنين}، بل لم يؤمن به إلا بناته وناس قليلون. أو: ما كان أكثر قريش بمؤمنين بهذا، {وإِن ربَّك لهو العزيز} الغالب، {الرحيم}؛ حيث لم يُعاجل بالعقوبة لمن استحقها. الإشارة: من شناعة هذه المعصية حذر الصوفية من مخالطة الشبان، وكذلك النساء. وما أُولِعَ فقيرٌ بمخالطتهما فأفلح أبداً، إن سلم من الفاحشة اتُّهِمَ بها، ولا يحل لامرئ يُؤمن بالله واليوم الآخر أن يقف مواقف التهم. والنظر إلى محاسن النساء والشبان فتنة، وهي كالعقارب، الصغيرة تلدغ، والكبيرة تلدغ، فالسلامة البُعد عن ساحتهن، إلا على وجهٍ أباحته الشريعة، كالتعليم أو التذكير، مع غَضِّ البصر، أو حجابٍ بينه وبينهن، وبالله التوفيق. ثم ذكر قصة شعيب عليه السلام، فقال: {كَذَّبَ أَصْحَابُ ٱلأَيْكَةِ...}
الطوسي
تفسير : حكى الله تعالى عن قوم لوط أنهم كذبوا الرسل الذين بعثهم الله، بترك الاشراك به وإخلاص العبادة له، حين {قال لهم أخوهم لوط ألا تتقون} الله فتجتنبوا معاصيه والاشراك به، وانه قال لهم {إني لكم رسول أمين} وقد فسرناه. واخباره عن نفسه بأنه رسول أمين مدح له، وذلك جائز في الرسول كما يجوز أن يخبر عن نفسه بأنه رسول الله، وانما جاز أن يخبر بذلك لقيام الدلالة على عصمته من القبائح. وغيره لا يجوز أن يخبر بذلك عن نفسه لجواز الخطأ عليه. واخبر ايضاً انه قال لهم {فاتقوا الله} واجتنبوا معاصيه {وأطيعون} فيما أمركم به وأدعوكم اليه ولست اسألكم على ما اؤديه اليكم وأدعوكم اليه، أجراً، ولا ثواباً، لانه ليس أجري إلا على الله الذي خلق العالمين، وانما حكى الله تعالى دعوة الانبياء بصغية واحدة، ولفظ واحد إشعاراً بأن الحق الذي يأتي به الرسل، ويدعون اليه واحد من اتقاء الله تعالى وإجتناب معاصيه واخلاص عبادته، وطاعة رسله، وأن أنبياء الله لا يكونون إلا أمناء لله، وانه لا يجوز على واحد منهم أن يأخذ الأجر على رسالته، لما في ذلك من التنفير عن قبول قولهم، والمصير اليه إلى تصديقهم. ثم قال لهم منكراً عليهم {أتأتون الذكران من العالمين}؟! يعني من جملة الخلائق {وتذرون ما خلق لكم ربكم من أزواجكم} أي وتتركون ما خلقه لكم من الازواج والنساء، وتذرون استغني في ماضيه بـ (ترك) ولا يستعمل إلا في ضرورة الشعر. والزوجة المرأة التي وقع عليها العقد بالنكاح الصحيح، يقال: زوجة وزوج، قال الله تعالى {أية : اسكن انت وزوجك الجنة}. تفسير : ثم قال لهم منكراً عليهم {بل أنتم قوم عادون} أي خارجون عن الحق بعيدون عنه. والعادي والظالم والجائر نظائر، والعادي من العدوان. وقد يكون من العدو، وهو الاسراع في السعي، فقال له قومه في جوابه {لئن لم تنته} وترجع عما تقوله {يا لوط} وتدعونا اليه وتنهانا عنه {لتكونن من المخرجين} أي نخرجك من بيننا وعن بلدنا. فقال لهم لوط عند ذلك {إني لعملكم من القالين} يعني من المبغضين: قلاه يقليه إذا أبغضه. ثم دعا لوط ربه فقال {رب نجني وأهلي مما يعملون} أي من عاقبة ما يعملونه، وهو العذاب النازل لهم فأجاب الله دعاءه وقال {فنجيناه وأهله أجمعين} يعني من العذاب الذي وقع بهم. وقد يجوز أن يكون أراد النجاة من نفس عملهم، بأن يفعل لهم من اللطف ما يجتنبون مثل افعالهم، وتكون النجاة من العذاب النازل بهم تبعاً لذلك. واستثنى من جملة أهله الذين نجاهم {عجوزاً} فانه أهلكها. وقيل: انها كانت امرأة لوط تدل قومه على اضيافه {في الغابرين} يعني الباقين. فيمن هلك من قوم لوط، لانه قيل: هلكت هي فيما بعد مع من خرج عن القرية بما أمطر الله عليهم من الحجارة. وقيل أهلكو بالخسف، وقيل بالائتفاك وهو الانقلاب. ثم أمطر على من كان غائباً منهم عن القرية من السماء حجارة قال الشاعر في الغابر: شعر : فما ونا محمد مذ أن غفر له الاله ما مضى وما غبر تفسير : وقال الشاعر: شعر : لا تكسع الشول باغبارها انك لا تدري من الناتج تفسير : فأغبارها بقية لبنها في اخلافها، والغابر الباقي في قلة، كالتراب الذي يذهب بالكنس، ويبقى غباره: غبر يغبر، فهو غابر، وغبر الجص بقيته. وغبر من الغبار تغبيراً، وتغبر تغبراً. والعجوز المرأة التي قد أعجزها الكبر عن أمور كثيرة، ومثله الكبيرة والمسنة. وقوله {ثم دمرنا الآخرين} فالتدمير هو الاهلاك بأهوال الأمور، دمره تدميراً، ومثله تبره تتبيراً، ودمر عليه يدمر دمراً إذا هجم عليه بالمكروه والدامر الهالك. وقوله {وأمطرنا عليهم مطراً} فالامطار الاتيان بالقطر العام من السماء، وشبه به امطار الحجارة. والاهلاك بالامطار عقاب اتي الذكران من العالمين {فساء مطر المنذرين} سماه (سوء) وإن كان حسناً، لانه كان فيه هلاك القوم ثم قال {إن في ذلك لآية} أي دلالة {وما كان أكثرهم مؤمنين وإن ربك لهو العزيز الرحيم} وقد فسرناه.
الجنابذي
تفسير : {كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ ٱلْمُرْسَلِينَ إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ} اخوّة المعاشرة لا اخوّة القبيلة او الدّين {لُوطٌ أَلا تَتَّقُونَ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ وَمَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَىٰ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ أَتَأْتُونَ ٱلذُّكْرَانَ مِنَ ٱلْعَالَمِينَ وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِّنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنتُمْ} لستم واقفين على هذا القدر من الظّلم لانّكم {قَوْمٌ عَادُونَ} فى جملة اموركم، والعادون من عدى بمعنى ظلم او سرق او صرف او وثب او جاوز او من العدوّ ضدّ الصّديق، او من عِدىَ كعلم بمعنى أبغض. اعلم، انّ التّكاليف الاختياريّة النّبويّة او الولويّة مطابقة للتّكاليف التّكوينيّة الآلهيّة، والله تعالى كلّف جنس الحيوان فى اكثر انواعه بالاجتماع بان ركّب الشّهوة فيها وجعل فيها ذكراً وانثى وجعل نفوسهما بحيث لا يصبر كلّ عن الآخر باقتضاء شهوة الوقاع الّتى جعلها فيه، ولم يكن المقصود من خلق الشّهوة الاّ بقاء النّوع فانّه لو لم يكن شهوة لم يكن وقاع بين سائر انواع الحيوان، وامّا الانسان وان كان يمكن الوقاع بمحض التّكليف الاختياريّ النّبوىّ لكن قلّما يقع ذلك فانّ اكثر النّفوس لا تعتدّ بالاوامر التّكليفيّة ولو لم يكن الاوامر التّكوينيّة لم يكونوا يواقعون بمحض الامر التّكليفىّ وفى ذلك فناء النّوع او تقليله، ولقصد التّناسل جعل تعالى آلة قضاء الشّهوة فى الذّكر والانثى بحيث يستقرّ مادّة الانسان الّتى هى النّطفة فى مقرّ مخصوص وجعل الذّكر والانثى بحيث كانا عاشقين للولد ومربّيين له كالجزء منهما، وغير الانسان من الحيوان لمّا لم يكن له الشّيطنة لا يرغب فى ثقب ليس له ان يطأ فيه فلا يخالف الامر التّكوينىّ وليس له امر تكليفىّ، وامّا الانسان فيتدبّر بالقوّة المتخيّلة ووسوسة الشّيطان ويتصرّف فى امر قضاء الشّهوة وقد يخالف بتدبيره وشيطنته الامر التّكوينىّ والامر التّكليفىّ، وما لم يخذله الله يعاقبه فى الدّنيا ويؤاخذه على مخالقة الامر التّكوينىّ وجعل له عقوبة وحدّاً على مخالفة الامر التّكليفىّ، ولمّا كان فى الخروج عن الامر التّكليفىّ فى هذا المورد افساد كلّىّ فى الارض بقطع النّسل وجعل المرء على طبيعة المرأة وجعل النّفس خارجاً من الحياء وأخسّ من نفس الحيوان فى القوّة الحيوانيّة جعل الله عقوبة من أتى الذّكران أشدّ من جميع العقوبات.
اطفيش
تفسير : {كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ المُرْسَلِينَ إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ} قال النقاش أن في مصحف بن مسعود وأبي حفصة اسقاط قوله أخوهم. {أَلا تَتَّقُونَ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إلاَّ عَلَى رَبِّ العَالَمِينَ أَتَأتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ العَالَمِينَ} أتنكحون الذكران من بين أولاد آدم مع فرط كثرتهم وغلبة إناثهم على ذكرانهم فالمراد بالعالمين الناس أو اتنكحون وحدكم من بين العالمين الذكران وتختصون بهذه الفاحشة. فالمراد بالعالمين الرجال.
سيد قطب
تفسير : تجيء قصة لوط هنا. ومكانها التاريخي كان مع قصة إبراهيم. ولكن السياق التاريخي ليس ملحوظاً في هذه السورة ـ كما أسلفنا ـ إنما الملحوظ وحدة الرسالة والمنهج، وعاقبة التكذيب: من نجاة للمؤمنين وهلاك للمكذبين. ويبدأ لوط مع قومه بما بدأ به نوح وهود وصالح. يستنكر استهتارهم؛ ويستجيش في قلوبهم وجدان التقوى، ويدعوهم إلى الإيمان والطاعة، ويطمئنهم إلى أنه لن يفجعهم في شيء من أموالهم مقابل الهدى. ثم يواجههم باستنكار خطيئتهم الشاذة التي عرفوا بها في التاريخ: {أتأتون الذكران من العالمين؟ وتذرون ما خلق لكم ربكم من أزواجكم؟ بل أنتم قوم عادون}. والخطيئة المنكرة التي عرف بها قوم لوط (وقد كانوا يسكنون عدة قرى في وادي الأردن) هي الشذوذ الجنسي بإتيان الذكور، وترك النساء. وهو انحراف في الفطرة شنيع. فقد برأ الله الذكر والأنثى؛ وفطر كلاً منهما على الميل إلى صاحبه لتحقيق حكمته ومشيئته في امتداد الحياة عن طريق النسل، الذي يتم باجتماع الذكر والأنثى. فكان هذا الميل طرفاً من الناموس الكوني العام، الذي يجعل كل من في الكون وكل ما في الكون في حالة تناسق وتعاون على إنفاذ المشيئة المدبرة لهذا الوجود. فأما إتيان الذكور الذكور فلا يرمي إلى هدف، ولا يحقق غاية، ولا يتمشى مع فطرة هذا الكون وقانونه. وعجيب أن يجد فيه أحد لذة. واللذة التي يجدها الذكر والأنثى في التقائهما إن هي إلا وسيلة الفطرة لتحقيق المشيئة. فالانحراف عن ناموس الكون واضح في فعل قوم لوط. ومن ثم لم يكن بد أن يرجعوا عن هذا الانحراف أو أن يهلكوا، لخروجهم من ركب الحياة، ومن موكب الفطرة، ولتعريهم من حكمة وجودهم، وهي امتداد الحياة بهم عن طريق التزاوج والتوالد. فلما دعاهم لوط إلى ترك هذا الشذوذ، واستنكر ما هم فيه من ترك ما خلق لهم ربهم من أزواجهم، والعدوان على الفطرة وتجاوز الحكمة المكنونة فيها.. تبين أنهم غير مستعدين للعودة إلى ركب الحياة، وإلى سنة الفطرة: {قالوا: لئن لم تنته يا لوط لتكونن من المخرجين}. وقد كان فيهم غريباً. وفد عليهم مع عمه إبراهيم حين اعتزل أباه وقومه، وترك وطنه وأرضه، وعبر الأردن مع إبراهيم والقلة التي آمنت معه. ثم عاش وحده مع هؤلاء القوم حتى أرسله الله إليهم، ليردهم عما هم فيه، فإذا بهم يهددونه بالإخراج من بينهم، إذا لم ينته عن دعوتهم إلى سواء الفطرة القويم! عندئذ لم يبق إلا أن يعالنهم بكراهة ما هم عليه من شذوذ، في تقزز واستبشاع: {قال: إني لعملكم من القالين}.. والقلى: الكره البالغ. يقذف به لوط في وجوههم في اشمئزاز. ثم يتوجه إلى ربه بالدعاء أن ينجيه من هذا البلاء هو وأهله: {رب نجني وأهلي مما يعملون}.. وهو لا يعمل عملهم؛ ولكنه يحس بفطرته الصادقة أنه عمل مردٍ مهلك. وهو فيهم. فهو يتوجه إلى ربه أن ينجيه وأهله مما سيأخذ به قومه من التدمير. واستجاب الله دعوة نبيه: {فنجيناه وأهله أجمعين. إلا عجوزاً في الغابرين}.. هذه العجوز هي امرأته ـ كما يذكر في سور أخرى ـ وقد كانت عجوز سوء تقر القوم على فعلتهم المنكرة، وتعينهم عليها! {ثم دمرنا الآخرين. وأمطرنا عليهم مطراً، فساء مطر المنذرين}.. قيل خسفت قراهم وغطاها الماء. ومنها قرية سدوم. ويظن أنها ثاوية تحت البحر الميت في الأردن. وبعض علماء طبقات الأرض يؤكدون أن البحر الميت يغمر مدناً كانت آهلة بالسكان. وقد كشف بعض رجال الآثار بقايا حصن بجوار البحر، وبجواره المذبح الذي تقدم عليه القرابين. وعلى أية حال فقد قص القرآن نبأ قرى لوط ـ على هذا النحو ـ وقوله الفصل في الموضوع. ثم يعقب على مصرعهم بالتعقيب المكرور: {إن في ذلك لآية: وما كان أكثرهم مؤمنين. وإن ربك لهو العزيز الرحيم}
ابن عاشور
تفسير : القول في موقعها كالقول في سابقتها، والقول في تفسيرها كالقول في نظيرتها. وجُعل لوط أخاً لقومه ولم يكن من نسبهم وإنما كان نزيلاً فيهم، إذ كان قوم لوط من أهل فلسْطين من الكنعانيين، وكان لوط عبرانياً وهو ابن أخي إبراهيم ولكنه لما استوطن بلادهم وعاشر فيهم وحالفهم وظاهرهم جعل أخاً لهم كقول سحيم عبد بني الحسحاس:شعر : أخوكم ومولى خيركم وحليفكم ومن قد ثوى فيكم وعاشركم دهرا تفسير : يعني نفسه يخاطب مَواليه بني الحسحاس. وقال تعالى في الآية الأخرى {أية : وإخوانُ لوط}تفسير : [ق: 13]. وهذا من إطلاق الأُخوّة على ملازمة الشيء وممارسته كما قال:شعر : أخور الحرب لباساً إليها جِلاَلها إذا عَدِموا زاداً فإنك عاقر تفسير : وقوله تعالى: {أية : إن المبذرين كانوا إخوانَ الشياطين}تفسير : [الإسراء: 27].
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: قوم لوط: هم سكان مدن سدوم وعمورية وقرى أخرى ولوط هو نبي الله لوط بن هاران ابن أخي إبراهيم. أخوهم لوط: هذه أخوة بلد وسكنى لا أخوة نسب ولا دين. إني لكم رسول أمين: أي إني مرسل إليكم لا إلى غيركم أمين في إبلاغكم رسالتي فلا أنقص ولا أزيد. فاتقوا الله: بالإِيمان به وعبادته وحده وترك معاصيه. وما أسألكم عليه: أي على البلاغ من أجرة مقابل إرشادكم وتعليمكم. أتأتون الذكران من العالمين: أي أتأتون الفاحشة من الرجال وتتركون النساء. بل أنتم قوم عادون: أي معتدون ظالمون متجاوزون الحد في الإِسراف في الشر. معنى الآيات: هذه بداية قصص لوط مع قومه أصحاب المؤتفكات قال تعالى {كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ ٱلْمُرْسَلِينَ} أي كذبوا لوطاً الرسول وتكذيبه يعتبر تكذيباً لكافة الرسل لأن دعوة الله واحدة كذبوه لما دعاهم إلى عبادة الله تعالى وحده وترك الفواحش والظلم الشر والفساد إذ قال لهم أخوهم لوط هذه أخوة الوطن لا غير إذ لوط بابلي الموطن ودينه الإِسلام وأبوه هاران أخو إبراهيم عليه السلام، وإنما لما أرسل لوط إلى أهل هذه البلاد وسكن معهم قيل لهم أخوهم بحكم المعاشرة والمواطنة الحاصلة {أَلا تَتَّقُونَ} يأمرهم بتقوى الله ويحضهم عليها لأنهم قائمون على عظائم الذنوب فخاف عليهم الهلاك فدعاهم إلى أسباب النجاة وهي تقوى الله تعالى بطاعته وترك معاصيه. وقال لهم {إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ} فلا تشكوا في رسالتي وأطيعون، وإني غير سائلكم أجراً على تبليغ رسالتي إليكم إن أجري آخذه من رب العالمين الذي حملني هذه الرسالة وأمرني بإبلاغكم إياها وهنا أنكر عليهم أعظم منكر فقال موبخاً مقرعاً {أَتَأْتُونَ ٱلذُّكْرَانَ مِنَ ٱلْعَالَمِينَ} فترتكبون الفاحشة معهم {وَتَذَرُونَ} أي تتركون ما خلق الله لكم من أزواجكم {بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ} أي متجاوزون الحدود التي رسمها الشرع والعقل والآدمية. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- جواز إطلاق أخوة الوطن دون الدين والنسب. 2- الأمانة من مستلزمات الرسالة، إذ كل رسول يقول {إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ}. 3- سبيل نجاة الفرد والجماعة في تقوى الله تعالى وطاعة الرسول صلى الله عليه وسلم. 4- وجوب إنكار المنكر وتقبيحه على فاعله لعله يرعوي. 5- أكبر فاحشة وقعت في الأرض هي فاحشة اللواط. والعياذ بالله تعالى.
القطان
تفسير : أخوهم: في البلد والسكنى، وكان لوط غريباً من ارض العراق وهو ابن أخ ابراهيم. الذكران: جمع ذكر. عادون: متعدّون. المخرَجين: الذين نطردهم. القالين: المبغِضين. الغابرين: الباقين. تقدمت قصة لوط في سورة الأعراف، وسورة هود، وسورة الحجر. أرسل الله لوطاً إلى قومٍ يسكنون في منطقة البحر الميت، أخفضِ بقعة في العالم، وهي واقعة في وادي الاردن. وكانت مدينة سَدُوم وما حولها من القرى عامرة بالخيرات. فدعاهم لوط الى عبادة الله، وَتركِ أقبح عادةٍ كانوا يعملونها وقال لهم! ألا تتقون الله وتخافون عذابه: ان الله قد أرسلني إليكم وانا أمين على رسالته، فاتقوا الله واطيعوني، لا اريد منكم أجرا انما أجري من عند الله. انكم يا قومُ دون الناس جميعاً تفعلون الفاحشة بالذكور وتتركون ما خلق الله لكم من النساء! فأجابوه: يا لوط، إما ان تتركنا مع شهواتنا وتترك دينَك او نخرجَك من بلادنا. فقال لهم: إني لعملكم هذا من المبغضين. فلما يئس منهم توجّه الى ربه وقال: يا رب، نجّني وأهلي مما يعملون. فنجاه الله مع أهله، إلا زوجته العجوز التي كفرت بدينه. ودمر الله الآخرين كما جاء في قوله تعالى: {أية : فَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ مَّنْضُودٍ}تفسير : [هود:82]. {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ}.
د. أسعد حومد
تفسير : (160) - وأَرْسَلَ اللهُ تَعَالى لُوطاً علَيهِ السَّلامُ - وهُوَ ابنُ أَخي إِبراهِيمَ - إلى قَومٍ عُرِفُوا فيما بعْدُ بقومِ لوطٍ، وكَانُوا يَسْكُنُونَ مَدينةَ سَدُومٍ جَنُوبِيِّ البَحْرِ المَيِّتِ في الأُرْدُنَّ فَدعَاهُمْ إلى عِبَادَةِ اللهِ وَحدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وأنْ يُطِيعُوا رَسُولَهُ الذِي بَعَثَهُ اللهُ إلَيْهِمْ، ونَهَاهُمْ عَنْ مَعْصِيَةِ اللهِ تَعالى، وعنِ ارْتِكَابِ الفَواحِشِ التي لَمْ يَسْبِقْهُمْ أحَدٌ منَ العَالَمِينَ إلى ارْتِكَابِها، فكذَّبُوهُ.
الثعلبي
تفسير : {كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ ٱلْمُرْسَلِينَ * إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلا تَتَّقُونَ * إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ * فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ * وَمَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَىٰ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ * أَتَأْتُونَ ٱلذُّكْرَانَ مِنَ ٱلْعَالَمِينَ * وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِّنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ} مجاوزون الحلال إلى الحرام. {قَالُواْ لَئِن لَّمْ تَنتَهِ يٰلُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُخْرَجِينَ} من بلدنا {قَالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ} يعني اللواط {مِّنَ ٱلْقَالِينَ} المبغضين. ثمَّ دعا فقال {رَبِّ نَّجِنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ * فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ} عند نزول العذاب {إِلاَّ عَجُوزاً فِي ٱلْغَابِرِينَ} وهي امرأة لوط بقيت في العذاب والهلاك. {ثُمَّ دَمَّرْنَا ٱلآخَرِينَ * وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِم مَّطَراً فَسَآءَ مَطَرُ ٱلْمُنذَرِينَ} فقال: سمعت وهب بن منبه يقول: الكبريت والنار. {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ * وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيم}.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : فقال هنا أيضاً {أَخُوهُمْ ..} [الشعراء: 161] لأنه منهم ليس غريباً عنهم، وليُحنِّن قلوبهم عليه {أَلا تَتَّقُونَ} [الشعراء: 161] إنكار لعدم التقوى، وإنكار النفي يطلب الإثبات فكأنه قال: اتقوا الله.
الجيلاني
تفسير : ثمَّ قال سبحانه: {كَذَّبَتْ} أيضاً {قَوْمُ لُوطٍ ٱلْمُرْسَلِينَ} [الشعراء: 160] مثل ما كذب السابقون. وذلك في وقت {إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ} حين شاعت بينهم الفعلة القبيحة الذميمة، والديدنية الشنيعة إلى حيث يباهون بها ولا يخافونها {أَلا تَتَّقُونَ} [الشعراء: 161] من غضب الله أيها المسرفون المفرطون، اتقوا الله الغالب الغيور، واحذروا من سخطه. {إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ} من قبله {أَمِينٌ} [الشعراء: 162] يؤمنكم عن مكر الله، وإلمام غضبه وعذابه. {فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} حق تقاته {وَأَطِيعُونِ} [الشعراء: 163] في جميع ما جئت لكم من عنده. {وَ} اعملوا أني {مَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ} أي: على تبليغي ونصحي {مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَىٰ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} [الشعراء: 164] فإنه المتكفل لأجور عباده على مقتضى أعمالهم ونياتهم فيها. {أَتَأْتُونَ} وتجامعون أيها المفسدون المفرطون {ٱلذُّكْرَانَ} أي: الذكور والأمارد وتختصون بهذه القبيحة الشنيعة، مع أنه ما سبق مثلها {مِنَ ٱلْعَالَمِينَ} [الشعراء: 165] من الذين مضوا من بني نوعكم. {وَ} تبالغون لها، حيث {تَذَرُونَ} وتتركون {مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ} لإتياكنكم وحرثكم {مِّنْ أَزْوَاجِكُمْ} أي: نسائكم؛ ليترتب عليها حكمة التناسل وإبقاء النوع {بَلْ أَنتُمْ} بسوء صنيعكم وقبح فعلتكم هذه {قَوْمٌ عَادُونَ} [الشعراء: 166] مجاوزون عن حدود الله ومقتضى حكمته. وبعدما سمعوا منه تشنيعه على أبلغ وجه وأشنعه {قَالُواْ} من شدة شكيمتهم وضغينتهم: {لَئِن لَّمْ تَنتَهِ يٰلُوطُ} ولم تنزجر عن تشنيعنا وتقبيح فعلنا، ونهينا عنه {لَتَكُونَنَّ} بجراءتك علينا {مِنَ ٱلْمُخْرَجِينَ} [الشعراء: 167] من قريتنا على أشنع وجه وأسوئه. وبعدما سمع لوط عليه السلام منهم ما سمع من الغلظة والتشدد في التهديد: {قَالَ} متسوحشاً منهم، مستنكراً عليهم: {إِنِّي لِعَمَلِكُمْ} هذا {مِّنَ ٱلْقَالِينَ} [الشعراء: 168] المغضين غاية البغض إلى حيث أكره مساكنكم مطلقاً، وأريد الخروج من بينكم، ولا أبالي من تهديدكم عليَّ بالإخراج. ثمَّ توحه نحو الحق وناجى معه مبغضاً عليهم، مشتكياً إلى ربه بقوله: {رَبِّ} يا من رباني بأنواع الطهارة والنظافة الصورية والمعنيوة {نَّجِنِي} بفضلك وجودك {وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ} [الشعراء: 169] أي: من العذاب الموعود النازل عليهم بشؤم عملهم هذا. فأنزلنا العذاب عليهم بعدما استحقوا لإنزاله {فَنَجَّيْنَاهُ} أي: لوطاً {وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ} [الشعراء: 170] من إصابة العذاب المنزل على قومه. {إِلاَّ عَجُوزاً} وهي امرأته بقيت {فِي ٱلْغَابِرِينَ} [الشعراء: 171] الهالكين بميلها إليهم ومحبتها لهم. {ثُمَّ دَمَّرْنَا} وأهلكنا {ٱلآخَرِينَ} [الشعراء: 172]. {وَ} ذلك بأن {أَمْطَرْنَا عَلَيْهِم مَّطَراً} لم يعهد مثله؛ لأنه حجارة هالكة لكل من أصاب {فَسَآءَ مَطَرُ ٱلْمُنذَرِينَ} [الشعراء: 173] مطرهم هذا. {إِنَّ فِي ذَلِكَ} الإمطار والإهلاك {لآيَةً} عظيمة، دالة على علو شأننا وسطوع حجتنا وبرهاننا {وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ} [الشعراء: 174] بآياتنا العظام؛ لذلك لحقهم ما لحقهم. {وَإِنَّ رَبَّكَ} يا أكمل الرسل {لَهُوَ ٱلْعَزِيزُ} المتعزز برداء العظمة والكبرياء، المتفرد بالوجود والبقاء، لا موجد سواه، ولا إله إلا هو {ٱلرَّحِيمُ} [الشعراء: 175] المتجلي بالتجليات الحبية؛ لإظهار ما في الوجود من الأعيان والأكوان.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : { كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ }. إلى آخر القصة، قال لهم وقالوا كما قال من قبلهم، تشابهت قلوبهم في الكفر، فتشابهت أقوالهم، وكانوا - مع شركهم - يأتون فاحشة لم يسبقهم إليها أحد من العالمين، يختارون نكاح الذكران، المستقذر الخبيث، ويرغبون عما خلق لهم من أزواجهم لإسرافهم وعدوانهم فلم يزل ينهاهم حتى { قَالُوا } له { لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا لُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ } أي: من البلد، فلما رأى استمرارهم عليه { قَالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقَالِينَ } أي: المبغضين له الناهين عنه، المحذرين. { رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ } من فعله وعقوبته فاستجاب الله له. { فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ * إِلا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ } أي الباقين في العذاب وهي امرأته. { ثُمَّ دَمَّرْنَا الآخَرِينَ * وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا } أي حجارة من سجيل { فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ } أهلكهم الله عن آخرهم. { إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ * وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ }.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):