Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
«أتأتون الذكران من العالمين» الناس.
165
Tafseer
ابن كثير
تفسير :
لما نهاهم نبي الله عن ارتكاب الفواحش، وغشيانهم الذكور، وأرشدهم إلى إتيان نسائهم اللاتي خلقهن الله لهم، ما كان جوابهم له إلا أن قالوا: {لَئِن لَّمْ تَنتَهِ يٰلُوطُ} أي: عما جئتنا به {لَتَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُخْرَجِينَ} أي: ننفيك من بين أظهرنا؛ كما قال تعالى: {أية :
فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَن قَالُوۤاْ أَخْرِجُوۤاْ آلَ لُوطٍ مِّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ} تفسير : [النمل: 56] فلما رأى أنهم لا يرتدعون عما هم فيه، وأنهم مستمرون على ضلالتهم، تبرأ منهم، وقال: {إِنِّى لِعَمَلِكُمْ مِّنَ ٱلْقَـٰلِينَ} أي: المبغضين، لا أحبه، ولا أرضى به، وإني بريء منكم، ثم دعا الله عليهم فقال: {رَبِّ نَّجِنِى وَأَهْلِى مِمَّا يَعْمَلُونَ} قال الله تعالى: {فَنَجَّيْنَـٰهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ} أي: كلهم {إِلاَّ عَجُوزاً فِى ٱلْغَـٰبِرِينَ} وهي امرأته، وكانت عجوز سوء، بقيت فهلكت مع من بقي من قومها، وذلك كما أخبر الله تعالى عنهم في سورة الأعراف وهود، وكذا في الحجر، حين أمره الله أن يسري بأهله إلا امرأته، وأنهم لا يلتفتوا إذا سمعوا الصيحة حين تنزل على قومه، فصبروا لأمر الله واستمروا، وأنزل الله على أولئك العذاب الذي عم جميعهم، وأمطر عليهم حجارة من سجيل منضود، ولهذا قال تعالى: {ثُمَّ دَمَّرْنَا ٱلأَخَرِينَ وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِم مَّطَراً فَسَآءَ مَطَرُ ٱلْمُنذَرِينَ} ــــ إلى قوله ــــ {وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ}.
المحلي و السيوطي
تفسير :
{أَتَأْتُونَ ٱلذُّكْرَانَ مِنَ ٱلْعَٰلَمِينَ } أي من الناس.
اسماعيل حقي
تفسير : {أتأتون الذكران من العالمين} الاستفهام للانكار وعبر عن الفاحشة بالاتيان كما عبر عن الحلال فى قوله {أية :
فائتوا حرثكم}تفسير : والذكران والذكور جمع الذكر ضد الانثى وجعل الذكر كناية عن العضو المخصوص كما فى المفردات. ومن العالمين حال من فاعل تأتون والمراد به الناكحون من الحيوان فالمعنى أتأتون من بين من عداكم من العالمين الذكران وتجامعونهم وتعملون ما يشارككم فيه غيركم: وبالفارسية [آيا مى آييد بمردان] يعنى أنه منكر منكم ولا عذر لكم فيه ويجوز ان يكون من العالمين حالا من الذكران والمراد به الناس. فالمعنى أتأتون الذكران من اولاد آدم مع كثرة الاناث فيهم كأنهن قد اعوزنكم اى افقرنكم واعدمنكم ـ روى ـ ان هذا العمل الخبيث علمهم اياه ابليس
ابن عاشور
تفسير :
هو في الاستئناف كقوله {أية :
أتتركون}تفسير : [الشعراء: 146] في قصة ثمود. والإتيان: كناية. والذكران: جمع ذَكر وهو ضد الأنثى. وقوله: {من العالمين} الأظهر فيه أنه في موضع الحال من الواو في {أتأتون}. و{مِن} فَصْلية، أي تفيد معنى الفصل بين متخالفَين بحيث لا يماثل أحدهما الآخر. فالمعنى: مفصولين من العَالمين لا يماثلكم في ذلك صنف من العالمين. وهذا المعنى جوزه في «الكشاف» ثانياً وهو أوفق بمعنى: {العالمين} الذي المختار فيه أنه جمع (عالَم) بمعنى النوع من المخلوقات كما تقدم في سورة الفاتحة.
وإثبات معنى الفصل لحرف {مِن} قاله ابن مالك، ومثَّل بقوله تعالى: {أية :
والله يعلم المفسد من المصلح}تفسير : [البقرة: 220]، وقوله: {أية :
لِيَمِيزَ الله الخبيثَ من الطيب}تفسير : [الأنفال: 37]. ونظر فيه ابن هشام في «مغني اللبيب» وهو معنى رشيق متوسط بين معنى الابتداء ومعنى البدلية وليس أحدهما. وقد تقدم بيانه عند قوله تعالى {أية :
والله يعلم المفسد من المصلح} تفسير : في سورة البقرة (220).
والمعنى: أتأتون الذكران مخالفين جميع العالمين من الأنواع التي فيها ذكور وإناث فإنها لا يوجد فيها ما يأتي الذكور.
فهذا تنبيه على أن هذا الفعل الفظيع مخالف للفطرة لا يقع من الحيوان العُجْم فهو عمل ابتدعوه ما فعله غيرهم، ونحوه قوله تعالى في الآية الأخرى {أية :
إنكم لتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين}تفسير : [العنكبوت: 28].
والمراد بالأزواج: الإناث من نوع، وإطلاق اسم الأزواج عليهن مجاز مرسل بعلاقة الأول، ففي هذا المجاز تعريض بأنه يرجو ارعِوَاءهم.
وفي قوله: {ما خلق لكم ربكم} إيماء إلى الاستدلال بالصلاحية الفطرية لعمَلٍ على بطلان عمل يضاده، لأنه مناف للفطرة. فهو من تغيير الشيطان وإفساده لسنة الخلق والتكوين، قال تعالى حكاية عنه {أية :
ولآمُرنَّهم فَليُغَيِّرُن خَلْق الله}تفسير : [النساء: 119].
و{بل} لإضراب الانتقال من مقام الموعظة والاستدلال إلى مقام الذم تغليظاً للإنكار بعد لينه لأن شرف الرسالة يقتضي الإعلان بتغيير المنكر والأخذ بأصرح مراتب الإعلان فإنه إن استطاع بلسانه غليظ الإنكار لا ينزل منه إلى لَيِّنه وأنه يبتدىء باللين فإن لم ينفع انتقل منه إلى ما هو أشد ولذلك انتقل لوط من قوله: {أتأتون الذكران} إلى قوله: {بل أنتم قوم عادون}.
وفي الإتيان بالجملة الاسمية في قوله: {أنتم قوم عادون} دون أن يقول: بل كنتم عادين، مبالغة في تحقيق نسبة العدوان إليهم. وفي جعل الخبر {قوم عادون} دون اقتصار على {عَادون} تنبيه على أن العدوان سجية فيهم حتى كأنه من مقومات قوميتهم كما تقدم في قوله تعالى: {أية :
لآيات لقوم يعقلون}تفسير : في سورة البقرة (164).
والعادي: هو الذي تجاوز حدّ الحق إلى الباطل، يقال: عدا عليه، أي ظلمه، وعدوانهم خروجهم عن الحد الموضوع بوضع الفطرة إلى ما هو مناف لها محفوف بمفاسد التغيير للطبع.
تفسير : فكأنها مسألة وخصلة تفردوا بها دون العالم كله.
لذلك قال في موضع آخر: {أية :
أَتَأْتُونَ ٱلْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّن ٱلْعَالَمِينَ}تفسير : [الأعراف: 80].
أي: أن هذه المسألة لم تحدث من قبل لأنها عملية مستقذرة؛ لأن الرجل إنما يأتي الرجل في محل القذارة، ولكنهم فعلوها، فوَصْفه لها بأنها لم يأتها أحد من العالمين جعلها مسألة فظيعة للغاية.