Verse. 3108 (AR)

٢٦ - ٱلشُّعَرَاء

26 - Ash-Shu'ara (AR)

كَذَّبَ اَصْحٰبُ لْــــَٔــيْكَۃِ الْمُرْسَلِيْنَ۝۱۷۶ۚۖ
Kaththaba ashabu alaykati almursaleena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«كذب أصحاب الأيكة» وفي قراءة بحذف الهمزة وإلقاء حركتها على اللام وفتح الهاء: هي غيضة شجر قرب مدين «المرسلين».

176

Tafseer

الرازي

تفسير : القصة السابعة ـ قصة شعيب عليه السلام قرىء {أصحاب الأيكة } بالهمزة وبتخفيفها وبالجر على الإضافة وهو الوجه، ومن قرأ بالنصب وزعم أن ليكة بوزن ليلة اسم بلد يعرف فتوهم قاد إليه خط المصحف حيث وجدت مكتوبة في هذه السورة وفي سورة ص بغير ألف لكن قد كتبت في سائر القرآن على الأصل والقصة واحدة على أن ليكة اسم لا يعرف، روي أن أصحاب الأيكة كانوا أصحاب شجر ملتف وتلك الشجر هي التي حملها المقل، فإن قيل هلا قال أخوهم شعيب كما في سائر المواضع جوابه: أن شعيباً لم يكن من أصحاب الأيكة، وفي الحديث: « حديث : إن شعيباً أخا مدين أرسل إليهم وإلى أصحاب الأيكة » تفسير : ثم إن شعيباً عليه السلام أمرهم بأشياء أحدها: قوله: {أَوْفُواْ ٱلْكَيْلَ وَلاَ تَكُونُواْ مِنَ ٱلْمُخْسِرِينَ } وذلك لأن الكيل على ثلاثة أضرب واف وطفيف وزائد فأمر بالواجب الذي هو الإيفاء بقوله: {أَوْفُواْ ٱلْكَيْلَ } ونهى عن المحرم الذي هو التطفيف بقوله: {وَلاَ تَكُونُواْ مِنَ ٱلْمُخْسِرِينَ } ولم يذكر الزائد لأنه بحيث إن فعله فقد أحسن وإن لم يفعله فلا إثم عليه، ثم إنه لما أمر بالإيفاء بين أنه كيف يفعل فقال: {وَزِنُواْ بِٱلْقِسْطَاسِ ٱلْمُسْتَقِيمِ } قرىء {بِٱلْقِسْطَاسِ } مضموماً ومكسوراً وهو الميزان، وقيل القرسطون وثانيها: قوله تعالى: {وَلاَ تَبْخَسُواْ ٱلنَّاسَ أَشْيَاءهُمْ } يقال بخسه حقه إذا نقصه إياه وهذا عام في كل حق يثبت لأحد أن لا يهضم وفي كل ملك أن لا يغصب (علية) مالكه (ولا يتحيف منه) ولا يتصرف فيه إلا بإذنه تصرفاً شرعياً وثالثها: قوله تعالى: {وَلاَ تَعْثَوْاْ فِى ٱلأَرْضِ مُفْسِدِينَ } يقال عثا في الأرض وعثى وعاث وذلك نحو قطع الطريق والغارة وإهلاك الزرع، وكانوا يفعلون ذلك مع توليتهم أنواع الفساد فنهوا عن ذلك ورابعها: قوله تعالى: {وَٱتَّقُواْ ٱلَّذِى خَلَقَكُمْ وَٱلْجِبِلَّةَ ٱلأَوَّلِينَ } وقرىء (الجبلة) بوزن الأبلة وقرىء (الجبلة) بوزن الخلقة ومعناهن واحد أي ذوي الجبلة، والمراد أنه المتفضل بخلقهم وخلق من تقدمهم ممن لولا خلقهم لما كانوا مخلوقين، فلم يكن للقوم جواب إلا ما لو تركوه لكان أولى بهم وهو من وجهين: الأول: قولهم: {إِنَّمَا أَنتَ مِنَ ٱلْمُسَحَّرِينَ } {مَا أَنتَ إِلاَّ بَشَرٌ مّثْلُنَا } فإن قيل: هل اختلف المعنى بإدخال الواو ههنا وتركها في قصة ثمود؟ جوابه: إذا دخلت الواو فقد قصد معنيان كلاهما مناف للرسالة عندهم السحر والبشرية وإذا تركت الواو فلم يقصدوا إلا معنى واحداً وهو كونه مسحراً ثم قرره بكونه بشراً مثلهم الثاني: قولهم: {وَإِن نَّظُنُّكَ لَمِنَ ٱلْكَـٰذِبِينَ } ومعناه ظاهر، ثم إن شعيباً عليه السلام كان يتوعدهم بالعذاب إن استمروا على التكذيب فقالوا: {فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفاً مّنَ ٱلسَّمَاء } قرىء {كِسَفًا } بالسكون والحركة وكلاهما جمع كسفة وهي القطعة والسماء السحاب أو الظلة، وهم إنما طلبوا ذلك لاستبعادهم وقوعه فظنوا أنه إذا لم يقع ظهر كذبه فعنده قال شعيب عليه السلام: {رَبّى أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ } فلم يدع عليهم بل فوض الأمر فيه إلى الله تعالى فلما استمروا على التكذيب أنزل الله عليهم العذاب على ما اقترحوا من عذاب يوم الظلة إن أرادوا بالسماء السحاب، وإن أرادوا الظلة فقد خالف بهم عن مقترحهم يروى أنه حبس عنهم الريح سبعاً وسلط عليهم الرمل فأخذ بأنفاسهم، لا ينفعهم ظل ولا ماء فاضطروا إلى أن خرجوا إلى البرية فأظلتهم سحابة وجدوا لها برداً ونسيماً فاجتمعوا تحتها فأمطرت عليهم ناراً فاحترقوا، وروي أن شعيباً بعث إلى أمتين أصحاب مدين وأصحاب الأيكة فأهلكت مدين بصيحة جبريل عليه السلام وأصحاب الأيكة بعذاب يوم الظلة، وههنا آخر الكلام في هذه القصص السبع التي ذكرها الله تعالى في هذه السورة تسلية لمحمد صلى الله عليه وسلم فيما ناله من الغم الشديد، بقي ههنا سؤالان: السؤال الأول: لم لا يجوز أن يقال: إن العذاب النازل بعاد وثمود وقوم لوط وغيرهم ما كان ذلك بسبب كفرهم وعنادهم، بل كان ذلك بسبب قرانات الكواكب واتصالاتها على ما اتفق عليه أهل النجوم؟ وإذا قام هذا الاحتمال لم يحصل الاعتبار بهذه القصص، لأن الاعتبار إنما يحصل أن لو علمنا أن نزول هذا العذاب كان بسبب كفرهم وعنادهم. الثاني: أن الله تعالى قد ينزل العذاب محنة للمكلفين وابتلاء لهم على ما قال: { أية : وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّىٰ نَعْلَمَ ٱلْمُجَـٰهِدِينَ مِنكُمْ وَٱلصَّـٰبِرِينَ } تفسير : [محمد: 31] ولأنه تعالى قد ابتلى المؤمنين بالبلاء العظيم في مواضع كثيرة وإذا كان كذلك لم يدل نزول البلاء بهم على كونهم مبطلين والجواب: أن الله تعالى أنزل هذه القصص على محمد صلى الله عليه وسلم تسلية وإزالة للحزن عن قلبه، فلما أخبر الله تعالى محمداً أنه هو الذي أنزل العذاب عليهم، وأنه إنما أنزله عليهم جزاء على كفرهم، على محمد صلى الله عليه وسلم أن الأمر كذلك، فحينئذ يحصل به التسلية والفرح له عليه السلام، واحتج بعض الناس على القدح في علم الأحكام بأن قال المؤثر في هذه الأشياء، إما الكواكب أو البروج أو كون الكوكب في البرج المعين، والأول باطل، وإلا لحصلت هذه الآثار أين حصل الكوكب والثاني أيضاً باطل، وإلا لزم دوام الأثر بدوام البرج والثالث أيضاً باطل، لأن الفلك على قولهم بسيط لا مركب فيكون طبع كل برج مساوياً لطبع البرج الآخر في تمام الماهية، فيكون حال الكوكب وهو في برجه كحاله وهو في برج آخر، فيلزم أن يدوم ذلك الأثر بدوام الكوكب، وللقوم أن يقولوا لم لا يجوز أن يكون صدور الأثر عن الكوكب المعين موقوفاً على كونه مسامتاً مسامتة مخصوصة لكوكب آخر، فإذا فقدت تلك المسامتة فقد شرط التأثير فلا يحصل التأثير؟ ولهم أن يقولوا هذه الدلالة، إنما تدل على أنها ليست مؤثرة بحسب ذواتها وطبائعها، ولكنها لا تدل على أنها ليست مؤثرة بحسب جري العادة، فإذا أجرى الله تعالى عادته بحصول تأثيرات مخصوصة عقيب اتصالات الكواكب وقراناتها وأدوارها لم يلزم من حصول هذه الآثار القطع بأن الله تعالى إنما خلقها لأجل زجر الكفار بل لعله تعالى خلقها تكريراً لتلك العادات، والله أعلم.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {كَذَّبَ أَصْحَابُ ٱلأَيْكَةِ ٱلْمُرْسَلِينَ } الأيك الشجر الملتف الكثير الواحدة أيكة. ومن قرأ: {أَصْحَابُ الأَيْكَةِ} فهي الغيضة. ومن قرأ {لَيْكَةَ} فهو اسم القرية. ويقال: هما مثل بكة ومكة؛ قاله الجوهري. وقال النحاس: وقرأ أبو جعفر ونافع: {كَذَّبَ أَصْحَابُ لَيْكَةَ الْمُرْسَلِينَ} وكذا قرأ في «صۤ». وأجمع القراء على الخفض في التي في سورة «الحِجرِ» والتي في سورة «قۤ» فيجب أن يرد ما اختلفوا فيه إلى ما أجمعوا عليه إذ كان المعنى واحداً. وأما ما حكاه أبو عبيد من أن {ليكة} هي اسم القرية التي كانوا فيها وأن {الأيكة} اسم البلد فشيء لا يثبت ولا يعرف من قاله فيثبت علمه، ولو عرف من قاله لكان فيه نظر؛ لأن أهل العلم جميعاً من أهل التفسير والعلم بكلام العرب على خلافه. وروى عبد الله بن وهب عن جرير بن حازم عن قتادة قال: أرسل شعيبٌ عليه السلام إلى أمتين: إلى قومه من أهل مدين، وإلى أصحاب الأيكة؛ قال: والأيكة غيضة من شجر ملتف. وروى سعيد عن قتادة قال: كان أصحاب الأيكة أهل غيضة وشجر وكانت عامّة شجرهم الدوم وهو شجر الْمُقل. وروى ابن جبير عن الضحاك قال: خرج أصحاب الأيكة ـ يعني حين أصابهم الحرّ ـ فانضموا إلى الغيضة والشجر، فأرسل الله عليهم سحابة فاستظلوا تحتها، فلما تكاملوا تحتها أُحرقوا. ولو لم يكن هذا إلا ما روي عن ابن عباس قال: و«الأيكة» الشجر. ولا نعلم بين أهل اللغة اختلافاً أن الأيكة الشجر الملتف، فأما احتجاج بعض من احتج بقراءة من قرأ في هذين الموضعين بالفتح أنه في السواد {ليكة} فلا حجة له؛ والقول فيه: إن أصله الأيكة ثم خففت الهمزة فألقيت حركتها على اللام فسقطت واستغنت عن ألف الوصل؛ لأن اللام قد تحركت فلا يجوز على هذا إلا الخفض؛ كما تقول بالأحمر تحقق الهمزة ثم تخففها فنقول بِلَحْمرِ؛ فإن شئت كتبته في الخط على ما كتبته أوّلاً، وإن شئت كتبته بالحذف؛ ولم يجز إلا الخفض؛ قال سيبويه: واعلم أن ما لا ينصرف إذا دخلت عليه الألف واللام أو أضيف انصرف؛ ولا نعلم أحداً خالف سيبويه في هذا. وقال الخليل: {الأيكة} غيضة تنبت السدر والأراك ونحوهما من ناعم الشجر. {إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ} ولم يقل أخوهم شعيب؛ لأنه لم يكن أخاً لأصحاب الأيكة في النسب، فلما ذكر مدين قال: {أَخَاهُمْ شُعَيْباً}؛ لأنه كان منهم. وقد مضى في «الأعراف» القول في نسبه. قال ابن زيد: أرسل الله شعيباً رسولاً إلى قومه أهل مدين، وإلى أهل البادية وهم أصحاب الأيكة؛ وقاله قتادة. وقد ذكرناه. {أَلاَ تَتَّقُونَ} تخافون الله {إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ * فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ } الآية. وإنما كان جواب هؤلاء الرسل واحداً على صيغة واحدة؛ لأنهم متفقون على الأمر بالتقوى، والطاعة والإخلاص في العبادة، والامتناع من أخذ الأجر على تبليغ الرسالة. {أَوْفُواْ ٱلْكَيْلَ وَلاَ تَكُونُواْ مِنَ ٱلْمُخْسِرِينَ } الناقصين للكيل والوزن. {وَزِنُواْ بِٱلْقِسْطَاسِ ٱلْمُسْتَقِيمِ } أي اعطوا الحق. وقد مضى في {سبحان} وغيرها {وَلاَ تَبْخَسُواْ ٱلنَّاسَ أَشْيَآءَهُمْ وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي ٱلأَرْضِ مُفْسِدِينَ } تقدّم في «هود» وغيرها. {وَٱتَّقُواْ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ وَٱلْجِبِلَّةَ ٱلأَوَّلِينَ } قال مجاهد: الجِبِلة هي الخليقة. وجُبِل فلان على كذا أي خُلق؛ فالخُلُق جِبِلَّة وجُبُلَّة وجِبْلَة وجُبْلةَ وجَبْلةَ ذكره النحاس في «معاني القرآن». {والجِبِلَّة} عطف على الكاف والميم. قال الهروي: الجِبِلّة والجُبُلّة والجِبِلُّ والجُبُلُّ والجَبْلُ لغات؛ وهو الجمع ذو العدد الكثير من الناس؛ ومنه قوله تعالى: {أية : جِبِلاًّ كَثِيراً} تفسير : [يۤس: 62]. قال النحاس في كتاب «إعراب القرآن» له: ويقال جُبُلَّةٌ والجمع فيهما جَبَّالٌ، وتحذف الضمة والكسرة من الباء، وكذلك التشديد من اللام؛ فيقال: جُبْلَةٌ وجُبَلٌ، ويقال: جِبْلَةٌ وجِبَالٌ؛ وتحذف الهاء من هذا كله. وقرأ الحسن باختلاف عنه: {وَالْجُبُلَّةَ الأَوَّلِينَ} بضم الجيم والباء؛ وروي عن شيبة والأعرج. الباقون بالكسر. قال:شعر : والموتُ أعظمُ حادثٍ فيما يَمرُّ على الجِبِلَّه تفسير : {قَالُوۤاْ إِنَّمَآ أَنتَ مِنَ ٱلْمُسَحَّرِينَ } الذين يأكلون الطعام والشراب على ما تقدّم. {وَإِن نَّظُنُّكَ لَمِنَ ٱلْكَاذِبِينَ} أي ما نظنك إلا من الكاذبين في أنك رسول الله تعالى. {فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفاً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ} أي جانباً من السماء وقطعة منه، فننظر إليه؛ كما قال: {أية : وَإِن يَرَوْاْ كِسْفاً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ سَاقِطاً يَقُولُواْ سَحَابٌ مَّرْكُومٌ } تفسير : [الطور: 44]. وقيل: أرادوا أنزل علينا العذاب. وهو مبالغة في التكذيب. قال أبو عبيدة: الكِسْف جمع كِسْفةٍ مثل سِدْرٍ وسِدْرةٍ. وقرأ السلمي وحفص: «كِسَفاً» جمع كِسْفَة أيضاً وهي القطعة والجانب تقديره كِسْرة وكسَر. قال الجوهري: الكِسْفة القِطعة من الشيء؛ يقال أعطني كِسفة من ثوبك والجمع كِسَفٌ وكِسْفٌ. ويقال: الكِسْف والكِسْفَة واحد. وقال الأخفش: من قرأ {كِسْفاً} جعله واحداً ومن قرأ {كِسَفاً} جعله جمعاً. وقد مضى هذا في سورة «سبحان». وقال الهروي: ومن قرأ: {كِسْفاً} على التوحيد فجمعه أكساف وكسوف؛ كأنه قال أو تسقطه علينا طبقاً واحداً، وهو من كسفت الشيء كسفاً إذا غطيته. {إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّادِقِينَ قَالَ رَبِّيۤ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ } تهديد؛ أي إنما عليّ التبليغ وليس العذاب الذي سألتم إليّ وهو يجازيكم {فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ ٱلظُّلَّةِ} قال ابن عباس: أصابهم حر شديد، فأرسل الله سبحانه سحابة فهربوا إليها ليستظلّوا بها، فلما صاروا تحتها صيح بهم فهلكوا. وقيل: أقامها الله فوق رؤوسهم، وألهبها حرّاً حتى ماتوا من الرَّمْدِ. وكان من أعظم يوم في الدنيا عذاباً. وقيل: بعث الله عليهم سَمومُا فخرجوا إلى الأيكة يستظلون بها فأضرمها الله عليهم ناراً فاحترقوا. وعن ابن عباس أيضاً وغيره: إن الله تعالى فتح عليهم باباً من أبواب جهنم، وأرسل عليهم هَدَّة وحرًّا شديداً فأخذ بأنفاسهم، فدخلوا بيوتهم فلم ينفعهم ظِلٌّ ولا ماء فأنضجهم الحر، فخرجوا هرباً إلى البرية، فبعث الله عز وجل سحابة فأظلتهم فوجدوا لها برداً وروحاً وريحاً طيبة، فنادى بعضهم بعضاً، فلما اجتمعوا تحت السحابة ألهبها الله تعالى عليهم ناراً، ورجفت بهم الأرض، فاحترقوا كما يحترق الجراد في المقلى، فصاروا رماداً؛ فذلك قوله: {أية : فَأَصْبَحُواْ فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَآ}تفسير : [هود: 94 ـ 95] وقوله: {فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ ٱلظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ}. وقيل: إن الله تعالى حبس عنهم الريح سبعة أيام، وسلّط عليهم الحرّ حتى أخذ بأنفاسهم، ولم ينفعهم ظلّ ولا ماء فكانوا يدخلون الأسراب، ليتبردوا فيها فيجدوها أشدّ حرّاً من الظاهر. فهربوا إلى البرية، فأظلتهم سحابة وهي الظّلّة، فوجدوا لها برداً ونسيماً، فأمطرت عليهم ناراً فاحترقوا. وقال يزيد الجُرَيْريّ: سلّط الله عليهم الحرّ سبعة أيام ولياليهن ثم رفع لهم جبل من بعيد فأتاه رجل فإذا تحته أنهار وعيون وشجر وماء بارد، فاجتمعوا كلهم تحته، فوقع عليهم الجبل وهو الظّلة. وقال قتادة: بعث الله شعيباً إلى أُمتين: أصحاب مدين وأصحاب الأيكة فأهلك الله أصحاب الأيكة بالظُّلةَّ، وأما أصحاب مدين فصاح بهم جبريل صيحة فهلكوا أجمعين. {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ } قيل: آمن بشعيب من الفئتين تسعمائة نفر.

ابن كثير

تفسير : هؤلاء ــــ يعني: أصحاب الأيكة ــــ هم أهل مدين على الصحيح، وكان نبي الله شعيب من أنفسهم، وإنما لم يقل ههنا: أخوهم شعيب؛ لأنهم نسبوا إلى عبادة الأيكة، وهي شجرة، وقيل شجر ملتف كالغيضة كانوا يعبدونها، فلهذا لما قال: كذب أصحاب الآيكة المرسلين، لم يقل: إذ قال لهم أخوهم شعيب، وإنما قال: {إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ} فقطع نسب الأخوة بينهم؛ للمعنى الذي نسبوا إليه، وإن كان أخاهم نسباً. ومن الناس من لم يفطن لهذه النكتة، فظن أن أصحاب الآيكة غير أهل مدين، فزعم أن شعيباً عليه السلام بعثه الله إلى أمتين، ومنهم من قال: ثلاث أمم. وقد روى إسحاق بن بشر الكاهلي ــــ وهو ضعيف ــــ حدثني ابن السدي عن أبيه، وزكريا بن عمر عن خصيف عن عكرمة، قالا: ما بعث الله نبياً مرتين إلا شعيباً، مرة إلى مدين فأخذهم الله بالصيحة، ومرة إلى أصحاب الآيكة، فأخذهم الله تعالى بعذاب يوم الظلة، وروى أبو القاسم البغوي عن هدبة عن همام عن قتادة في قوله تعالى: {أية : وَأَصْحَـٰبُ ٱلرَّسِّ} تفسير : [الفرقان: 38]: قوم شعيب. وقوله: {أية : وَأَصْحَـٰبُ ٱلأَيْكَةِ} تفسير : [ق: 14]:قوم شعيب، وقاله إسحاق بن بشر. وقال غير جويبر: أصحاب الأيكة ومدين هما واحد، والله أعلم. وقد روى الحافظ ابن عساكر في ترجمة شعيب من طريق محمد بن عثمان بن أبي شيبة، عن أبيه عن معاوية بن هشام عن هشام بن سعد، عن سعيد بن أبي هلال عن ربيعة بن سيف عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : إن قوم مدين وأصحاب الأيكة أمتان، بعث الله إليهما شعيباً النبي عليه السلام» تفسير : وهذا غريب، وفي رفعه نظر، والأشبه أن يكون موقوفاً، والصحيح أنهم أمة واحدة، وصفوا في كل مقام بشيء، ولهذا وعظ هؤلاء، وأمرهم بوفاء المكيال والميزان، كما في قصة مدين سواء بسواء، فدل ذلك على أنهما أمة واحدة.

المحلي و السيوطي

تفسير : {كَذَّبَ أَصْحَٰبُ لْئَيْكَةِ } وفي قراءة بحذف الهمزة وإلقاء حركتها على اللام وفتح الهاء: هي غيضة شجر قرب مدين {ٱلْمُرْسَلِينَ }.

ابن عطية

تفسير : قال النقاش في مصحف ابن مسعود وأبي وحفصة "إذ قال لهم أخوهم شعيب"، قالوا ولا وجه لمراعاة النسب وإنما هو أخوهم من حيث هو رسولهم وآدمي مثلهم، وقرأ نافع وابن كثير وابن عامر "أصحاب ليكة" على وزن فعلة هنا وفي ص، وقرأ الباقون "الأيكة" وهي الدوحة الملتفة من الشجر على الإطلاق، وقيل من شجر معروف له غضارة تألفه الحمام والقماري ونحوها، وقال قتادة كان شجرهم هذا دوماً، و {ليكة} اسم البلد في قراءة من قرأ ذلك قاله بعض المفسرين، ذكره أبو عبيد القاسم ابن سلام، وذهب قوم إلى أنها مسهلة من "الأيكة" وأنها وقعت في المصحف هنا وفي سورة ص بغير ألف، وقال أبو علي سقوط ذلك من المصحف لا يرجح النطق بها هكذا، لأن المصحف اتبع فيه تسهيل اللفظ، فكما سقطت الألف من اللفظ سقطت من الخط نحو سقوط الواو من قوله {أية : سندع الزبانية} تفسير : [العلق: 18]، لما سقطت من اللفظ، وأما ترجيح القراءة في "ليكةَ" بفتح التاء في موضع الجر فلا يقتضيه ما في المصحف وهي قراءة ضعيفة، ويدل على ضعفها أن سائر القرآن غير هذين الموضعين مجمع فيه على "الأيكة" بالهمز والألف والخفض، وكانت مدن القوم سبعة فيما روي ولم يكن شعيب منهم، فلذلك لم يذكر هنا بأنه أخ لهم وإنما كان من بني مدين ولذلك ذكر بأخوتهم، وجاءت الألفاظ في دعاء كل واحد من هؤلاء الأنبياء واحدة بعينها إذ كان الإيمان المدعو إليه معنى واحداً بعينه، وفي قولهم عليهم السلام {ألا تتقون} عرض رقيق وتلطف كما قال تعالى: {أية : فقل هل لك إلى أن تزكى} تفسير : [النازعات: 18]. وكانت معصيتهم المضافة إلى كفرهم بخس الموازين وتنقص أموال الناس بذلك. و"القسطاس" المعتدل من الموازين وهو بناء مبالغة من القسط، وذهب ابن عباس ومجاهد إلى أن معنى قوله {وزنوا بالقسطاس} عدلوا أموركم بميزان العدل الذي جعله الله لعباده، وقرأ الجمهور "بالقُسطاس" بضم القاف من "القُسطاس" وقرأ عيسى وأهل الكوفة بكسرها، و {تعثوا} معناه تفسدون يقال عثا إذا أفسد، و {الجبلة} القرون، والخليقة الماضية وقال الشاعر: [الكامل] شعر : والموت أعظم حادث مما يمر على الجبلَّه تفسير : وقرأ جمهور الناس "والجِبِلة" بكسر الجيم والباء، وقرأ ابن محيصن والحسن بخلاف "والجُبُلة" بضمها، و"الكسف" القطع واحدها كسفة كتمرة وتمر، و {يوم الظلة} هو يوم عذابهم وصورته فيما روي أن الله امتحنهم بحر شديد، فلما كان في ذلك اليوم غشي بعض قطرهم سحاب فجاء بعضهم إلى ظله فأحس فيه برداً وروحاً فتداعوا إليه، حتى تكاملوا فيه فاضطرمت عليهم تلك السحابة ناراً فأحرقتهم من عند آخرهم، وللناس في حديث {يوم الظلة} تطويلات لا تثبت، والحق أنه عذاب جعله الله ظلة عليهم، وذكر الطبري عن ابن عباس أنه قال من حدثك ما عذاب يوم الظلة فقد كذب، وباقي الآية بين.

القمي النيسابوري

تفسير : القراءات: {ليكة} بلام مفتوحة بعدها ياء ساكنة وبفتح التاء على أنها ممتنعة من الصرف للعلمية والتأنيث، وكذلك في "صاد": اي جعفر ونافع وابن كثير وابن عامر. الآخرون {الأيكة} معرفاً مجروراً. {كسفاً} بفتح السين: حفص غير الخزاز. الآخرون بسكونها {ربي أعلم} بفتح الياء: نافع وأبو جعفر وابن كثير وأبو عمرو {ونزل به} مخففاً {الروح الأمين} مرفوعين: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو وحفص وابو زيد عن المفضل وزيد عن يعقوب. الباقون {نزل} مشدداً {الروح الأمين} منصوبين {أو لم تكن} بتاء التأنيث {آية} بالرفع: ابن عامر. الباقون بالياء التحتانية {آية} بالنصب: {فتوكل} بالفاء: أبو جعفر ونافع وابن عامر. الباقون بالواو {من تنزل الشياطين} بتشديد التاء وكذلك {تنزل} البزي وابن فليح {يتبعهم} بالتخفيف: نافع {وادي} بالياء في الوقف: يعقوب والسرنديبي عن قنبل وقرأ قتيبة بالإمالة. الوقوف: {المرسلين} ج ه {تتقون} ه {أمين} ه لا {وأطيعون} ه ج {أجر} ج {العالمين} ه ط{المخسرين} ج ه {المستقيم} ج ه {مفسدين} ج ه {الأوّلين} ه ط {المسحرين} ه لا {الكاذبين} ه ج {نصف آي القرآن} {الصادقين} ه ط {تعملون} ه {الظلة} ط {عظيم} ه {لآية} ط {مؤمنين} ه {الرحيم} ه {العالمين} ه {الأمين} ه لا {المنذرين} ه لا {مبين} ه {الأولين} ه {إسرائيل} ط ه {الأعجمين} ه لا {مؤمنين} ه ط {المجرمين} ه ط بناء على أن {لا يؤمنون} مستأنف للبيان ولو جعل حالاً فلا وقف {الأليم} ه لا {لا يشعرون} ه لا {منظرون} ه ط {يستعجلون} ه {سنين} ه لا للعطف {يوعدون} ه لا لأن قوله {ما أغنى} جملة نفي أو استفهام قامت مقام الشرط {يمتعون} ه ط {منذرون} ه وقد يوقف عليها بناء على أن {ذكرى} ليس بمفعول له والمراد ذكرناهم والوقف على {ذكرى} جائز {ظالمين} ه {الشياطين} ه {يستطيعون} ه ط {المعزولون} ه ط {المعذبين} ج ه {الأقربين} ج ه للعطف {المؤمنين} ه {تعملون} ه ج {الرحيم} ه لا {تقوم} ه لا {الساجدين} ه {العليم} ه {الشياطين} ه ط لانتهاء الاستفهام إلى الأخبار {أثيم} ج ه بناء على أن {يلقون} حال من ضمير {الشياطين} اي تنزل ملقين السمع أو صفة {لكل افاك} وإن جعل مستأنفاً كأن قائلاً قال: لم تنزل؟ فقيل: يفعلون كيت وكيت فلك الوقف. {كاذبون} ه ط {الغاوون} ه ط {يهيمون} ه لا {لا يفعلون} ه {ظلموا} ط {ينقلبون} ه. التفسير: القصة السابعة قصة شعيب وأنه كان أخاً مدين دون أصحاب الأيكة ولهذا لم يقل "أخوهم شعيب". يروى أن اصحاب الأيكة كانوا اصحاب شجر ملتف وكان شجرهم الدوم وهي التي حملها المقل. قال في الكشاف: قرئ {أصحاب ليكة} بتخفيف الهمزة وبالجر على الإضافة وهو الوجه، ومن قرأ بالنصب وزعم أن {ليكة} بوزن ليلة اسم بلد فتوهم قاد إليه خط المصحف في هذه السورة وفي سورة ص، ثم اعترض عليه بأن {ليكة} اسم لا يعرف. قلت: إنه لا يلزم من عدم العلم بالشيء عدم ذلك الشيء، والظن بالمتواتر يجب أن يكون أحسن من ذلك. أمرهم شعيب بإيفاء الكيل ونهاهم عن الإخسار وهو التطفيف وأن يجعل الشخص خاسراً فكأنه أمره بالإيفاء مرتين توكيداً ثم زاد في البيان بقوله {وزنوا بالقسطاطس المستقيم} وقد مر في سورة سبحان. قال في الكشاف: إن كان من القسط وهو العدل وجعلت السين مكررة فوزنه "فعلاس" وإلا فهو رباعي. قلت: إن كان مكرراً فوزنه "فعلال" أيضاً. وقوله {ولا تبخسوا} تأكيداً آخر وقد سبق في "هود". والجبلة الخليقة حذرهم الله الذي تفضل عليهم بخلقهم وخلق من تقدمهم ممن لولا خلقهم لما كانوا مخلوقين. قال في الكشاف: الفرق بين إدخال الواو ههنا في قوله {وما أنت إلا بشر} وبين تركها في قصة ثمود هو أنه قصد ههنا معنيان منافيان عندهم للرسالة: كونه مسحراً وكونه بشراً وهناك جعل المعنى الثاني مقرراً للأول. قلت: الفرق بين والإشكال في تخصصيص كل من القصتين بما خصت به، ولعل السبب فيه هو أن صالحاً قلل في الخطاب فقللوا في الجواب، وأكثر شعيب في الخطاب ولهذا قيل له خطيب الأنبياء فأكثروا في الجواب. "وإن" في قولهم {وإن نظنك} هي المخففة من الثقيلة عملت في ضمير شأن مقدر. واللام في قوله {لمن الكاذبين} هي الفارقة. والكسف بالسكون والحركة جمع كسفة وهي القطعة وقد مر في سبحان في اقتراحات قريش. والمعنى إن كنت صادقاً في دعوة النبوة فادع الله أن يسقط علينا قطع السماء. وإنما طلبوا ذلك لاستبعادهم وقوعه فأرادوا بذلك إظهار كذبه فحلم عنهم شعيب ولم يدع عليهم بل فوض الأمر إلى الله بقوله: {ربي أعلم بما تعملون} يروى أن شعيباً بعث إلى أمتين: اصحاب مدين وأصحاب الأيكة. فأهلكت مدين بصيحة جبرائيل، وأهلكت اصحاب الأيكة بعذاب يوم الظلة وذلك إنه حبس عنهم الريح سبعاً وسلط عليهم الحرّ فأخذ بأنفاسهم لا ينفعهم ظلٍ ولا ماء ولا شراب، فاضطروا إلى أن خرجوا إلى الصحراء فأظلتهم سحابة وجدوا لها برداً ونسيماً فاجتمعوا تحتها فأمطرت عليهم ناراً فاحترقوا. وحين سلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذه القصص المؤكدة بالمكررات المختتمة بالمقررات عاد إلى مخاطبته قائلاً {وإنه} اي وإن الذي نزل عليك من الأخبار {لتنزيل رب العالمين} أي منزله. والباء في {نزل به} علىالقراءتين للتعدية ولكنها في قراءة التشديد تقتضي مفعولاً آخر هو الروح أي جعل الله تعالى الروح الأمين نازلاً به على قلبك محفوظاً مفهوماً {لتكون من المنذرين} من الذين أنذروا بهذا اللسان وهم خمسة: هود وصالح وشعيب وإسماعيل ومحمد صلى الله عليه وسلم. ويجوز أن يكون قوله {لسان} متعلقاً {بنزل} أي نزله {بلسان عربي} لتنذر به فإنه لو نزله بالأعجمي لقالوا: ما نصنع بما لا نفهمه. ومن هذا الوجه ينشأ فائدة أخرى لقوله {على قلبك} أي نزلناه بحيث تفهمه ولو كان أعجمياً لكان نازلاً على سمعك دون قلبك. والظاهر من نقل أئمة اللغة أن القلب والفؤاد مترادفان. ونقل الإمام فخر الدين الرازي عن بعضهم أن القلب هو العلقة السوداء في جوف الفؤاد وذكر كلاماً طويلاً في أن محل العقل هو القلب دون الدماغ وهو المخاطب في الحقيقة فلهذا قال {نزله على قلبك} ونحن قد تركناه لقلة تعلقه بالمقام ولضعف دلائله مع مخالفته لما عليه معظم أرباب المعقول. قوله {وإنه لفي زبر الأولين} يعني أن ذكر القرآن مثبت في الكتب السماوية للأمم المتقدمة، وإن معاني القرآن في تلك الزبر. وقد يحتج به لأبي حنيفة في جواز القراءة بالفارسية في الصلاة. وقيل: الضمير فيه وفي {أن يعلمه} للنبي صلى الله عليه وسلم وأنه حجة ثابتة على نبوته قد شهد بها علماء بني إسرائيل كعبد الله بن سلام وغيره من الذين أسلموا منهم واعترفوا أن نعته وصفته في كتبهم مذكور، وكان مشركو قريش يذهبون إلى اليهود يتعرفون منهم هذا الخبر. من قرأ {يكن} بالتذكير و {آية} بالنصب على الخبر والاسم {أن يعلمه} فظاهر، ومن قرأ {تكن} بالتأنيث و{آية} بالرفع على الاسم والخبر {أن يعلمه} فقيل: ليست بقوية لوقوع النكرة اسماً والمعرفة خبراً. ويمكن أن يجاب بأن الفعل المضارع مع أن ليس من المعارف الصريحة، وقد توجه هذه القراءة بتقدير ضمير القصة في {تكن} وجملته {آية أن يعلمه} و {لهم} لغواً أو {لهم آية} {وأن يعلمه} بدل من آية. قال جار الله: إنما كتب علموء بالواو على لغة من يميل الألف إلى الواو ولذلك كتبت الصلوة والزكوة بالواو. ثم أكد بقوله {ولو نزلناه} ما مر من آية لو نزله بالأعجمي فقرأه عليهم بعض الأعجمين لم يؤمنوا به لأنهم لم يكونوا يفهمونه. وقال جار الله: معناه ولو نزلناه على بعض الأعاجم الذي لا يحسن العربية فضلاً أن يقدر على نظم مثله فقرأه عليهم هكذا فصيحاً معجزاً متحدّى به لكفروا به كما كفروا ولتمحلوا لجحودهم عذراً ولسموه سحراً. ثم قال {كذلك} أي مثل هذا السلك {سلكناه} في قلوبهم وقررناه فيها فعلى أيّ وجه دبر أمرهم فلا سبيل إلى تغييرهم عما هم عليه من الإنكار والإصرار، وقد سبق مثل هذه الآية في أول "الحجر". والحاصل أنهم لا يزالون على التكذيب حتى يعاينوا الوعيد، وفيه تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم فإن اليأس إحدى الراحتين. قال في الكشاف: ليس الفاء في قوله {فيأتيهم بغتة فيقولوا} لأجل ترادف العذاب ومفاجأته وسؤال النظرة، وإنما المعنى ترتيبها في الشدة كأنه قيل: لا يؤمنون بالقرآن حتى تكون رؤيتهم العذاب فما هو أشد منها وهو لحوقه بهم مفاجأة. فما هو أشد منه وهو سؤالهم النظرة. نظيره قولك: إن أسأت مقتك الصالحون فمقتك الله، لا تريد الترتيب في الوجود ولكن في الشدة. قلت: هذا معنى صحيح ولكن لا مانع من إرادة الترتيب والتعذيب في الوجود يظهر بالتأمل إن شاء الله العزيز. ثم نكرهم بقوله {أفبعذابنا يستعجلون} وفيه إنكار وتهكم أي كيف يستعجل العذاب من لا طاقة له به حتى استمهل بعد أن كان من العمر في مهلة؟ وجوز في الكشاف أن يكون {يستعجلون} حكاية حال ماضية يوبخون بها عند استنظارهم، أو يكون متصلاً بما بعده وذلك أنهم اعتقدوا العذاب غير كائن فلذلك استعجلوه وظنوا أنهم يمتعون بأعمار طوال في سلامة وأمن، فأنكر الله عليهم استعجالهم الصادر عن الأشر والبطر والاستهزاء والاتكال على طول الأمل. ثم قال: هب أن الأمر كما ظنوه من التمتع والتعمير فإذا لحقهم الوعيد أو الأجل أو القيامة هل ينفعهم ذلك؟. عن ميمون بن مهران أنه لقي الحسن في الطواف وكان يتمنى لقاءه فقال له: عظني فتلا عليه هذه الآية فقال له ميمون: لقد وعظت فأبلغت. ثم بين أنه ما أهلك قرية إلا بعد إلزام الحجة بإرسال المنذرين إليهم ليكون إهلاكهم تذكرة وعبرة لغيرهم، وعلى هذا يكون {ذكرى} متعلقة {بأهلكنا} مفعولاً له. ويجوز أن يكون مفعولاً مطلقاً {لأنذر} بمعنى التذكرة فإن {أنذر} وذكر متقاربان، أو حالاً من الضمير في {منذرون} أو مفعولاً له متعلقاً به أي ينذرونهم ذوي تذكرة أو لأجل الموعظة والتذكير، أو التقدير: هذه ذكرى فالجملة اعتراض. ويجوز أن يكون صفة {لمنذرون} على حذف المضاف أي ذوو ذكرى، أو جعلوا ذكرى لبلوغهم في التذكرة أقصى غاياتها. والبحث عن وجود الواو وعدمه في مثل هذا التركيب قد مر في أول الحجر في قوله {أية : وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم} تفسير : [الحجر: 4] إلا أنا نذكر ههنا سبب تخصيص تلك الآية بالواو وهذه بعدم الواو فنقول: لا ريب أن الواو تفيد مزيد الربط والاجتماع في الحال وفي الوصف إن جوزتا: فسواء قدرنا الجملتين أعني قوله {أية : ولها كتاب معلوم} تفسير : [الحجر: 4] وقوله {لها منذرون} حالاً أو وصفاً فالمقام يقتضي ورود النسق على ما ورد، وذلك أن قوله {ولها كتاب} صفة لازمة للقرية فإن الكتب في اللوح وصف أزلي فناسب أن يكون في اللفظ ما يدل على اللزوم واللصوق وهو الواو، ثم زيد في التأكيد بقوله {معلوم} وبقوله {ما تسبق} وهذا بخلاف قوله {لها منذرون} فإنها صفة حادثة فأطلقت وجود صدر الجملة عن الواو لذلك والله أعلم. ثم إنه لما احتج على صدق محمد صلى الله عليه وسلم بكون القرآن معجزاً منزلاً من رب العالمين مشتملاً على معاني كتب الأولين وكان الكفار يقولون إنه من إلقاء الجن كحال الكهنة أراد أن يزيل شبهتهم بقوله: {وما تنزلت به الشياطين وما ينبغي لهم} التنزل بالوحي {وما يستطيعون}. ثم بين عدم اقتدارهم بقوله {إنهم عن السمع} أي عن سماع كلام أهل السماء {لمعزولون} وذلك بواسطة رجم الشهب كما أخبر عنه الصادق والمعجزات يتساند بعضها ببعض، ولو فرض أنهم غير مرجومين بالشهب فالعقل يدل على أن الاهتمام بشأن الصديق أقوى منه بشأن العدو، وكان محمد صلى الله عليه وسلم يلعن الشياطين ويأمر الناس بلعنهم فلو كان الغيب بإلقاء الشياطين لكان الكفار أولى بأن يحصل لهم ذلك. وحين أثبت حقية القرآن أمر نبيه بجوامع مكارم الأخلاق ومحاسن العادات قائلاً {فلا تدع} والمراد أمته كما مر في نظائره من قوله {أية : ولئن اتبعت أهواءهم} تفسير : [البقرة: 120] وغير ذلك {وأنذر عشيرتك الأقربين} فيه أن الاهتمام بشأن من هو أقرب إلى المرء أولى. وفيه أنه يجب أن لا يأخذه في باب التبليغ ما يأخذ القريب للقرب من المساهلة ولين الجانب. حديث : يروى أنه صلى الله عليه وسلم لما نزلت الآية صعد الصفا فنادى الأقرب فالأقرب فخذاً فخذاً وقال: يا بني عبد المطلب يا بني هاشم يا بني عبد مناف يا عباس عم النبي يا صفية عمة رسول الله: إني لا أملك لكم من الله شيئاً سلوني من المال ما شئتم. حديث : وروي أنه جمع بني عبد المطلب وهم يومئذ أربعون رجلاً، الرجل منهم يأكل الجذعة ويشرب العس على رجل شاة، فأكلوا وشربوا حتى شبعوا ثم أنذرهم فقال: يا بني عبد المطلب لو أخبرتكم أن بسفح هذا الجبل خيلاً أكنتم مصدقي؟ قالوا: نعم. قال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديدتفسير : . قوله {واخفض جناحك} قد مر تفسيره في آخر "الحجر" وفي "سبحان" وزاد ههنا {لمن اتبعك} كيلا يذهب الوهم إلى أن خفض الجناح وهو التواضع ولين الجانب مختص بالمؤمنين من عشيرته. وإنما لم يقتصر على قوله {لمن اتبعك} لأن كثيراً منهم كانوا يتبعونه للقرابة والنسب لا للدين. وقال في الكشاف: سبب الجمع بين اللفظين هو أنه سماهم قبل الدخول في الإيمان مؤمنين لمشارفتهم ذلك، أو أراد بالمؤمنين المصدّقين بالألسنة فزاد قوله {لمن اتبعك} ليخرج من صدّق باللسان دون الجنان، أو صدق بهما ولم يتبعه في العمل. وحين أمره بالتواضع لأهل الإخلاص في الإيمان أمره بالتبرئة من ارباب العصيان. فاستدل الجبائي به على أن الله تعالى أيضاً بريء من عملهم فكيف يكون فاعلاً له؟! وأجيب بأنه إن أراد ببراءة الله أنه ما أمر بها فمسلم، وإن أراد أنه لا يريدها فممنوع لانتهاء جميع الحوادث إلى إرادته ضرورة قوله {وتوكل} معطوف على قوله {فلا تدع} أو على قوله {فقل} أمره بتفويض الأمر في دفع أعاديه إلى العزيز الذي يقهر من ناوأ أولياءه الرحيم الذي لا يخذل من ينصر دينه. قال بعض العلماء: المتوكل من إن دهمه أمر لم يحاول دفعه عن نفسه بما فيه معصية الله عز وجل، ولو وقع في محنة واستعان في دفعها ببعض المخلوقين لم يخرج من حد المتوكلين، ثم عدد مواجب الرحمة وهي رؤيته قيامه وتقلبه في الساجدين أي في المصلين. وللمفسرين فيه وجوه منها: ما روي أنه حين نسخ فرض التهجد طاف تلك الليلة ببيوت أصحابه حرصاً عليهم وعلى ما يوجد منهم من فعل الطاعات فوجدها كبيوت الزنانير ذكراً وتلاوة. فالمراد بتقلبه في الساجدين تصفح أحوال المتهجدين من اصحابه ليطلع عليهم كيف يعملون لآخرتهم. ومنها أن المراد تصرفه فما بين المؤمنين به بالقيام والركوع والسجود والقعود. ويروى عن مقاتل أنه استدل به على وجود فضل صلاة الجماعة في القرآن. ومنها أنه إشارة إلى ما جاء في الحديث "حديث : أتموا الركوع والسجود فوالله إني لأراكم من خلف ظهري" تفسير : فالتقلب تقلب بصره فيمن يصلي خلفه. وقيل: أراد أنه لا يخفى علينا كلما قمت وتقلبت مع الساجدين في كفاية أمور الدين. وقد احتج بالآية علماء الشيعة على مذهبهم أن آباء النبي صلى الله عليه وسلم لا يكونون كفاراً. قالوا: أراد تقلب روحه من ساجد إلى ساجد كما في الحديث المعتمد عليه عندهم "حديث : لم أزل أنتقل من أصلاب الطاهرين إلى أرحام الطاهرات" تفسير : وناقشهم أهل السنة في التأويل المذكور وفي صحة الحديث. والأصوب عندي أن لا نشتغل بمنع أمثال هذه الدعوى ونسرح إلى بقعة الإمكان على أنه لا يلزم من عدم الدليل عدم المدلول. ثم أكد قوله وما تنزلت به الشياطين بقوله {هل أنبئكم على من تنزل} قال في الكشاف: تقديره أعلى من تنزل؟ ليكون الاستفهام في صدر الكلام كقولك: أعلى زيد مررت؟ قلت: هذا تكلف بارد لأن لااستفهام في "من" ضمني لا يصرح به قط. والأفاك الكثير الإفك، والأثيم مبالغة آثم وهم الكهنة والمتنبئة كسطيح ومسيلمة وأمثالهما. والضمير في {يلقون} عائد إلى الشياطين كانوا قبل الرجم بالشهب يختطفون بعض الغيوب من الملأ الأعلى بإلقاء {السمع} أي بالإصغاء ثم يرجعون به إلى أوليائهم {وأكثرهم كاذبون} لأنهم يخلطون الحق المسموع بكلامهم الباطل كما جاء في الحديث "حديث : الكلمة يخطفها الجني فيقرها في أذن وليه فيزيد فيها أكثر من مائة كذبة"تفسير : . والقر الصب. وقيل: السمع بمعنى السمموع أي يلقي الشياطين إلى أوليائهم ما يسمعونه من الملائكة. ويحتمل أن يكون الضمير في: {يلقون} للأفاكين والسمع الأذن أو المسموع أي يلقونه السمع إلى لاشياطين فيتلقون وحيهم، أو يلقون المسموع من الشياطين إلى الناس. وإنما لم يقل "وكلهم كاذبون" لأن الكذوب قد يصدق فيصدق عليه انه صادق في الجملة لأن هذه عبارة الفصحاء لا يحكمون حكماً كلياً ما لم تدع إليه ضرورة. والحاصل أنهم كانوا يقيسون حال النبي صلى الله عليه وسلم على حال الكهنة فقيل لهم: إن الأغلب على الكهنة الكذب ولم يظهر من أحوال محمد صلى الله عليه وسلم إلا الصدق، فكيف يكون كاهناً؟ ثم بين ما يعرف منه أن النبي ليس بشاعر كما أنه ليس بكاهن فقال {والشعراء يتبعهم الغاوون} قيل: أي الشياطين. والأظهر أنهم الذين يروون أشعارهم وكان شعراء قريش مثل عبد الله بن الزبعري وأمية بن ابي الصلت يهجون النبي صلى الله عليه وسلم ويجتمع إليهم الأعراب من قومهم يستمعون أهاجيهم فنزلت. ثم بين غوايتهم بقوله {ألم تر أنهم في كل واد يهيمون} وهو تمثيل لذهابهم في كل شعب من القول يمدحون إنساناً معيناً تارة ويذمونه أخرى غالين في كلا الطرفين مستعملين التخيل في كل ما يرومونه. وذكر من قبائح خصالهم {أنهم يقولون} عند الطلب والدعاوي {مالا يفعلون} ولعمري إنها خصلة شنعاء تدل على الدناءة واللؤم. شعر : قالوا وما فعلوا وأين هم من معشر فعلوا وما قلوا تفسير : وعن الفرزدق أن سليمان بن عبد الملك سمع قوله: شعر : فبتن بجانبيّ مصرعات وبت أفض أغلاق الختام تفسير : فقال: وجب عليك الحد: قال: قد درأ الله عني الحد يا أمير المؤمنين وتلا الآية. ثم استثنى الشعراء المؤمنين الصالحين الذين أغلب أحوالهم الذكر والفكر فيما لا بأس به من المواعظ والنصائح، ومدح الحق وذويه، ويكون هجاؤهم على سبيل الانتصار ممن يهجوهم مثل عبد الله بن رواحة وحسان بن ثابت وكعب بن زهير كانوا ينافحون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. حديث : وعن كعب بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: اهجهم فوالذي نفسي بيده لهو أشد عليهم من النبلتفسير : . وكان يقول لحسان: هاجهم وروح القدس معك. والحاصل أن النظر في الشعر إلى المعنى لا على مجرد النظم والروي. فإن كان المعنى صحيحاً مطابقاً للحق والصدق فلا بأس بإِدخاله في سلك النظم والقافية بل لعل النظم يروجه ويهيج الطبع على قبوله وهو الذي عناه صلى الله عليه وسلم "حديث : إن من الشعر لحكماً"تفسير : . وإن كان المعنى فاسداً والغرض غير صحيح فهو الذي توجه الذم إليه. وللانتصار حد معلوم وهو أن لا يزيد على الجواب لقوله تعالى: {أية : فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم} تفسير : [البقرة: 194] وقال صلى الله عليه وسلم "حديث : المستبان ما قالا فعلى البادئ منهما حتى يتعدى المظلوم"تفسير : ثم ختم السورة بآية جامعة للوعيد كله فقال {وسيعلم الذين ظلموا} خصصه بعضهم بالشعراء إذا خرجوا عن حد الإنصاف، ومالوا إلى الجور والاعتساف، ولعله عام يتناول لكل من ظلم نفسه بالإعراض عن تدبر ما في السورة بل القرآن كله. وقوله {أيّ منقلب} صفة لمصدر محذوف والعامل {ينقلبون} أي ينقلبون في الدركات السفلى انقلاباً أيّ منقلب ولا يعمل فيه {يعلم} لأن الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله. وعن ابن عباس أنه قرأه بالفاء والتاء والمراد سيعلمون أنه ليس لهم وجه من وجوه الانفلات وهو النجاة. التأويل: {ولو نزلناه على بعض الأعجميين} فيه إظهار القدرة من وجهين: الأول جعل الأعجمي بحيث يقرا العربي عليهم كقول القائل: أمسيت كردياً واصبحت عربياً. والثاني أن أهل الإنكار لا يصيرون أهل الإقرار ولو أتاهم مثل هذا الإعجاز البين، وذلك لأن الله كذلك يسلكه في قلوبهم فيأتيهم عذاب البعد والطرد في الدنيا {بغتة وهم لا يشعرون} لأنهم نيام فإذا ماتوا انتبهوا فيقولون هل نحن منظرون. {وما ينبغي لهم وما يستطيعون} لأنهم خلقوا من النار والقرآن نور قديم فلا يكون للنار المخلوقة قوة حمل النور القديم، ولهذا تستغيث النار من نور المؤمن وتقول: جز يا مؤمن فقد أطفأ نورك لهبي. {فتكون من المعذبين} لأن كل من طلب مع الله شيئاً آخر حتى الجنة فله عذاب البعد والحرمان من الله. {وأنذر عشيرتك} فيه أن النسب نسب النفوس فإن أكل المرء يشبعه ولا يشبع ولده. إلا إذا أكل الطعام كما أكل والده وهذا معنى المتابعة. {إني بريء مما تعملون} لم يقل "إني بريء منكم" لأن المراد لا تبرأ منهم وقل لهم قولاً جميلاً بالنصح والموعظة الحسنة حتى يرجعوا ببركة دعوتك إلى القول الحق، أو ينالوا الجنة بواسطة شفاعتك. {وتقلبك في الساجدين} بأن خلق روح كل ساجد من روحك. {إنه هو السميع} في الأزل مقالتك "حديث : أنا سيد ولد آدم ولا فخر"تفسير : لأن أرواحهم خلقت من روحك {العليم} باستحقاقك لهذه الكرامة الله تعالى حسبي.

الثعالبي

تفسير : وقوله تعالى: {كَذَّبَ أَصْحَـٰبُ لْـئَيْكَةِ ٱلْمُرْسَلِينَ} قرأ نافع وابن كثير وابن عامر: «أَصْحَابُ لَيْكَةَ» على وزن فَعْلَةَ هنا، وفي ص وقرأ الباقون: «الأَيْكَةِ» وهي: الدوحة المُلْتَفَّةُ من الشجر على الإطلاق، وقيل من شجر معروف له غضارة تألفه الحمام والقُمَارِيُّ ونحوها، و«لَيْكَة» اسم البلد في قراءة مَنْ قرأ ذلك؛ قاله بعض المفسرين، وذهب قوم إلى أَنَّها مُسَهَّلَةٌ من الأيكة، أَنَّها وقعت في المصحف هنا وفي «ص» بغير ألف. وقوله تعالى: {أية : كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ ٱلْمُرْسَلِينَ} تفسير : [الشعراء:105] وكذلك ما بعده بلفظ الجمع من حيث إنَّ تكذيب نَبِيٍّ واحد يستلزم تَكْذِيبَ جميعَ الأنبياء؛ لأَنَّهم كلهم يدعون الخلق إلى الإيمان باللّه تعالى واليوم الآخر، وفي قول الأنبياء عليهم السلام: «أَلا تتقون» عرض رفيق وَتَلَطُّفٌ، كما قال تعالى: {أية : فَقُلْ هَل لَّكَ إِلَىٰ أَن تَزَكَّىٰ} تفسير : [النازعات:18] والجِبِلَّةُ: الخليقة والقرون الماضية، والكِسَفُ: القِطَعُ، واحدها كِسْفَةٌ، و {يَوْمِ ٱلظُّلَّةِ}: هو يوم عذابهم، وصورته فيما رُوِيَ أَنَّ اللّه امتحنهم بحرٍّ شديد، وأنشأ اللّه سَحَابَةً في بعض قطرهم فجاء بعضم إلى ظِلِّها فوجد لها برداً ورَوْحاً، فتداعوا إليها حتى تكاملوا فاضطرمت عليهم ناراً، فأحرقتهم عن آخرهم. وقيل غير هذا، والحق أَنَّه عذاب جعله اللّه ظلة عليهم.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {كَذَّبَ أَصْحَابُ ٱلأَيْكَةِ ٱلْمُرْسَلِينَ}. قرأ نافع وابن كثير وابن عامر: "لَيْكَةَ" بلام واحدة وفتح التاء جعلوه اسماً غير مُعَرَّفٍ بـ "أل" مضافاً إليه "أَصْحَاب" هنا وفي "ص" خاصة. والباقون: "الأَيْكَةِ" معرفاً بـ "أل" مُوافقةً لما أُجْمَعَ عليه في الحِجْر وفي "ق" وقد اضطربت أقوال الناس في القراءة الأولى، وتجرأ بعضهم على قارئها. وَوَجْهُهَا على ما قال أبو عُبَيد: أن (ليكة) اسم للقرية التي كانوا فيها و (الأَيْكَة): اسم للبلد كُلِّه. قال أبو عُبَيد: لا أحب مفارقة الخط في شيءٍ من القرآن إلاَّ ما يخرُجُ من كلام العرب وهذا ليس بخارج من كلامها مع صحة المعنى في هذه الحروف، وذلك أَنَّا وجدنا في بعض التفاسير الفرق بين "لَيْكَة"، و "الأيكة"، فقيل: "لَيْكَةُ" هو اسمٌ للقرية التي كانوا فيها. والأَيْكَة: البلاد كلها، فصار الفرق بينهما شبيهاً بما بين (مَكَّةَ، وبكَّةَ) ورأيتهن مع هذا في الذي يقال: إنه الإمام - مصحف عثمان - مفترقان، فوجدت التي في "الحِجْر" والتي في "ق": "الأَيْكَة"، ووجدت التي في "الشعراء" والتي في "ص" "لَيْكَة" ثم اجتمعت عليها مصاحف الأَمْصَار بعدُ، فلا نعلمها إذاً اختلفت فيها، وقرأ أهل المدينة على هذا اللفظ الذي قَصَصْنا، يعني: بغير ألف ولام، ولا إجراء. انتهى ما قاله أبو عبيد. قال أبو شامة بعد نقله كلام أبي عبيدة: هذه عبارته، وليست سديدة، فإن اللام موجودة في "لَيْكَة" وصوابه: بغير ألف وهمزة. قال شهاب الدين: بل هي سديدة، فإنه يعني بغير ألفٍ ولامٍ مُعَرفَةٍ لا مطلق لامٍ في الجملة. وقد تُعقِّبَ قول أبي عُبيد وأنكروا عليه، فقال أبو جعفر: أجمع القراء على خفض التي في "الحِجر" و "ق" فيجب أن يُرَدَّ ما اختلف فيه إلى ما اتفق عليه إذ كان المعنى واحداً, فأما ما حكاه أبو عُبيد من "لَيْكَة": اسمُ القرية, وأنَّ "الأَيْكَة": اسم البلد كله، فشيء لا يثبت ولا يُعْرَفُ مَنْ قاله ولو عُرِف لكان فيه نظر، لأَنَّ أهل العلم جميعاً من المفسرين والعالمين بكلام العرب على خلافه، ولا نعلم خلافاً بين أهل اللغة أن "الأَيْكَة" الشجر المُلْتَفُّ. فأما احتجاج بعض من احتج لقراءة من قرأ في هذين الموضعين بالفتح، لأنه في السواد "لَيْكَةَ" فلا حجة فيه، والقول فيه: إن أصله: "الأَيْكَة" ثم خففت الهمزة، فألقيت حركتها على اللام فسقطت واستغنت عن ألف الوصل، لأَنَّ اللام قد تحركت فلا يجوز على هذا إِلاَّ الخفض، كما تقول: "مَرَرْتُ بِالأَحْمَر" على تحقيق الهمزة ثم تخففها فتقول: "بِلحْمَر"، فإن شئت كتبته في الخط على ما كتبته أولاً، وإِنْ شئت كتبته بالحذف، ولم يَجُزْ إلاَّ الخفض، فلذلك لا يجوز في "الأَيْكَة" إلاَّ الخَفْض، قال سيبويه: واعلم أَنَّ كل ما لم ينصرف إذا دَخَلَتْهُ الألف واللام أو أضفته (انصرف). ولا نعلم أحداً خالف سيبويه في هذا وقال المبرّد في كتاب الخط: كتبوا في بعض المواضع: "كَذَّبَ أَصْحَابُ لَيْكَةَ} بغير ألف، لأن الألف تذهب في الوصل، ولذلك غلط القارىء بالفتح فتوهم أن "لَيْكَة" اسم شيء، وأن اللام أصل فقرأ: "أَصْحَابُ لَيْكَة".؟ وقال الفراء: نرى - والله أعلم - أنها كتبت في هذين الموضعين بترك الهمز، فسقطت الألفُ لتحريك اللام. قال مكيّ: تعقَّبَ ابن قتيبة على أبي عبيد فاختار "الأَيْكَة" بالألف والهمزة والخفض، وقال: إِنَّمَا كُتِبَتْ بغير ألف على تخفيف الهمز، قال: وقد أجمع الناس على ذلك، يعني: في "الحِجْر" و "ق" فوجب أن يُلحَق ما في "الشعراء" و "ص" بما أجمعُوا عليه، فما أجمعوا عليه شاهد لما اختلفوا فيه. وقال أبو إسحاق: القراءة بِجَرِّ لَيْكَةِ وأنت تريد "الأَيْكَةِ" أجود من أن تجعلها "لَيْكَه" وتفتحها؛ لأَنَّها لا تتصرف لأن "لَيْكَة" لا تُعرَّفُ، وإنما هي "أَيْكَة" للواحد، و"أَيكٌ" للجمع، مثل: أَجمة وأَجَم. والأَيْكُ: الشجر الملتف، فأجود القراءة فيها الكسر وإسقاط الهمزة لموافقة المصحف؛ ولا أعلمه إلا قد قرىء به. وقال الفارسي: قول من قال: "لَيْكَة" بفتح التاء مُشكِلٌ، لأنه فتح مع لحاق اللام الكلمة، وهذا في الامتناع كقول من قال: مَرَرْت بِلَحْمَر. فيفتح الآخر مع لحاق لام المعرفة، وإنما كتبت "لَيْكَة" على تخفيف الهمز، والفتح لا يصح في العربية لأنه فتح حرف الإعراب في موضع الجرّ مع لام المعرفة، فهو على قياس قول من قال: مَرَرْتُ بِلَحْمَر، ويبعد أن يفتح نافع ذلك مع ما قال عنه ورش. يعني أنَّ وَرْشاً نقل عن نافع نقل حركة الهمزة إلى الساكن قبلها حيث وُجِدَ بشروط مذكورة، ومن جملة ذلك ما في سورة "الحِجْر" و "ق" لفظ "الأَيْكَة"، فقرأ على قاعدته في السورتين بنقل الحركة وطرح الهمز وخفض التاء، فكذلك ينبغي أن يكون الحكم في هذين الموضعين أيضاً. وقال الزمخشري: قرىء "أَصْحَابُ الأَيْكَةِ" بالهمزة وبتخفيفها وبالجر على الإضافة، وهو الوجه، ومن قرأ بالنصب وزعم أنَّ "لَيْكَة" بوزن: "لَيْلَة" - اسم بلد - فتوهُّمٌ قاد إليه خط المصحف.. وإنما كتبت على حكم لفظ اللافظ، كما يكتب أصحاب (النحو) لان ولاولى على هذه الصورة لبيان لفظ المخفف. وقد كتبت في سائر القرآن على الأصل والقصة واحدة، على "أنَّ لَيْكَةَ" اسم لا يعرف، وروي أَنَّ "أَصْحَابَ الأيْكَةِ" كانوا أصحاب شجر مُلْتَفٍّ، وكان شجرهم الدَّوم، وهو شَجَرُ المُقل. يعني أن مادة (ل ي ك) مفقودة في لسان العرب. كذا قال الثقات ممن تتبَّع ذلك. قال: وهذا كما نصُّوا على أنَّ الخاء والذال المعجمتين لم يجامعا الجيم في لغة العرب، ولذلك لم يذكرها صاحب "الصحاح" مع ذكره التفرقة المتقدمة عن أبي عبيد، ولو كانت موجودة في اللغة لذكرها مع ذكره التفرقة المتقدمة لشدة الاحتياج إليها. وقال الزجاج أيضاً: أهل المدينة يفتحون على ما جاء في التفسير أنَّ اسم المدينة التي كان فيها شعيب ("لَيْكَة"). قال أبو علي: لو صح هذا فلم أجمع القراء على الهمز في قوله: {أية : وَإِن كَانَ أَصْحَابُ ٱلأَيْكَةِ}تفسير : [الحجر: 78] في "الحِجْر", و "الأَيْكَةُ" التي ذكرت هاهنا هي "الأيْكَة" التي ذكرت هناك، وقد قال ابن عباس: الأَيْكَةُ: الغَيْضَة ولم يفسرها بالمدينة ولا البلد. قال شهاب الدين: وهؤلاء كلُّهم كأنهم زعموا أنَّ هؤلاء الأئمة الأثبات إنما أخذوا هذه القراءة من خط المصاحف دون أفواه الرجال، وكيف يظنُّ بمثل أسنِّ القرّاء وأعلاهم إسناداً، والآخذ القرآن عن جملة من (جلّة) الصحابة أبي الدَّرداء وعثمان بن عفان وغيرهما، وبمثل إمام مكّة - شرّفها الله تعالى - وبمثل إمام المدينة، وكيف ينكر على أبي عبيد قوله أو يتَّهم في نقله؟ ومن حفظ حجةٌ على من لم يحفظ؛ والتواتر قطعيٌّ فلا يعارض بالظني، وأما اختلاف القراءة مع اتحاد القصة فلا يضر ذلك، عبِّر عنها تارةً بالقرية خاصة وتارة بالمصر الجامع للقرى كلها، الشامل هو لها، وأما تفسير ابن عباس فلا ينافي ذلك، لأنَّه عبر عنها بما كثر فيها. قوله: {إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ} ولم يقل: أخوهم؛ لأنه لم يكن من أصحاب الأيكة في النسب، فلما ذكر مدين قال: "أَخَاهُمْ" لأنه كان منهم، وكأن الله تعالى بعثه إلى قومه - أهل مدين - وإلى أصحاب الأيكة. وفي الحديث: "حديث : إِنَّ شُعَيْباً أَخَا مَدْيَن أرسل إليهم وإلى أصحاب الأيكة ". تفسير : (قال ابن كثير: ومن زعم من المفسرين كقتادة وغيره أنَّ أصحاب الأيكة أمة أخرى غير أهل مدين فقول ضعيف، وإنما عمدتهم شيئان. أحدهما: أنه قال: {كَذَّبَ أَصْحَابُ ٱلأَيْكَةِ ٱلْمُرْسَلِينَ إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ} ولم يقل: "أَخُوهُمْ" كما قال: {أية : وَإِلَىٰ مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً}تفسير : [الأعراف: 85]. والثاني: أنه ذكر عذابهم بـ "يَوْم الظُّلَّةِ" وذكر في أولئك "الرجفة والصيحة" والجواب عن الأول: أنه لم يذكر الأخوة بعد قوله: "أَصْحَابُ الأَيْكَةِ" لأنه وصفهم بعبادة الأيكة، فلا يناسب ذكر الأخوة هاهنا، ولما نسبهم إلى القبيلة ساغ ذكر شعيب بأنه أخوهم. وأما احتجاجهم بـ "يَوْمِ الظُّلَّةِ" فإن كان دليلاً على أنهم أمة أخرى فليكن تعداد "الرجفة، والصيحة" دليلاً على أنهما أمتان، ولا يقول أحد. وأيضاً فقد ذكر الله عن أهل الأيكة من المذمة ما ذكره عن أهل مدين من التطفيف في المكيال والميزان، فدلّ على أنهم أمة واحدة أهلكوا بأنواع من العذاب، وذكر في كل موضع ما يناسب ذلك الخطاب، فاجتمعوا تحت الظلّة، ورجفت بهم الأرض من تحتهم، وجاءتهم صيحة من السماء). قوله: {أَوْفُواْ ٱلْكَيْلَ وَلاَ تَكُونُواْ مِنَ ٱلْمُخْسِرِينَ} الناقصين لحقوق الناس بالكيل والوزن. واعلم أنَّ الكيل على ثلاثة أضرب: وافٍ، وطفيف، وزائد. فأمر بالواجب الذي هو الإيفاء بقوله: "أَوْفُوا الكَيْلَ" ونهى عن المحرم الذي هو التطفيف بقوله: {وَلاَ تَكُونُواْ مِنَ ٱلْمُخْسِرِينَ}، ولم يذكر الزائد، لأنه إن فعله فقد أحسن، وإن لم يفعله فلا إثم عليه. ثم لما أمر بالإيفاء بين كيف يفعل، فقال: {وَزِنُواْ بِٱلْقِسْطَاسِ ٱلْمُسْتَقِيمِ}. قرىء: "بالقُسْطَاسِ" مضموماً ومكسوراً، وهو: الميزان وقيل: القَرَسْطُون {وَلاَ تَبْخَسُواْ ٱلنَّاسَ أَشْيَآءَهُمْ}. يقال بخسه حقه: إذا نقصه إياه، وهذا عام في كل حق. {وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي ٱلأَرْضِ مُفْسِدِينَ} وقد تقدم. قوله: "وَالجِبِلَّةَ" العامة على كسر الجيم والباء وشد اللام. وأبو حصين والأعمش والحسن بضمّهما وشد اللام. والسُّلمي بفتح الجيم أو كسرها مع سكون الباء وهذه لغات في هذا الحرف، ومعناه: الخلق المتَّحد الغليظ، مأخوذٌ من الجبل قال الشاعر: شعر : 3923 - وَالمَـوْتُ أَعْظَـمُ حَـادِثٍ مِمَّـا يَمُـرُّ علــى الجِبِلَّــهْ تفسير : وقال الهروي: الجِبِلُّ والجُبُلُّ والجَبْلُ لغات، وهو الجمع الكثير العدد من الناس. وقيل: "الجِبِلَّةُ" من قولهم: جُبِلَ على كذا، أي: خُلِقَ وطُبِعَ عليه.، وسيأتي في "يس" إن شاء الله تعالى تمام الكلام على ذلك عند قوله: "جِبِلاًّ كَثِيراً". والمراد بـ "الجِبِلَّةِ الأَوَّلِينَ": الأمم المتقدمين، أي: أنه المنفرد بخلقهم وخلق من تقدمهم. قوله: {قَالُوۤاْ إِنَّمَآ أَنتَ مِنَ ٱلْمُسَحَّرِينَ وَمَآ أَنتَ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا}. جاء في قصة هود "مَا أَنْتَ" بغير واو، وهاهنا بالواو. فقال الزمخشري: إذا دخلت الواو فقد قصد معنيان كلاهما مخالف للرسالة عندهم: التَّسحير والبشرية، وأنَّ الرسول لا يجوز أن يكون مُسَحَّراً ولا بَشَراً، وإذا تركت الواو فلم يقصد إلا معنى واحد، وهو كونه مسحَّراً، ثم (قرر) بكونه بَشَراً. ثم قالوا: {وَإِن نَّظُنُّكَ لَمِنَ ٱلْكَاذِبِينَ} ومعناه ظاهر. ثم إنَّ شعيباً - عليه السلام - كان يتوعدهم بالعذاب إن لم يؤمنوا فقالوا: {فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفاً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ} وقد تقدم كلام في "كِسَفاً" واشتقاقه في الإسراء. وإنما طلبوا ذلك لاسبتعادهم وقوعه فقال شعيب: {رَبِّيۤ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ} أي: من نقصان الكيل والوزن، وهو مجازيكم بأعمالكم، وليس العذاب إليَّ، وما عليّ إلا الدعوة. فلم يدع عليهم، بل فوض الأمر فيه إلى الله تعالى. قوله: {فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ ٱلظُّلَّةِ}. وذلك أنَّه أخذهم حرّ شديد، فكانوا يدخلون الأسراب فيجدونها أشد حرّاً، فخرجوا، فأظلتهم سحابة، وهي الظُّلَّة، فاجتمعوا تحتها فأمطرت عليها ناراً فاحترقوا. فإن قيل: لم لا يجوز أن يقال: إنَّ العذاب النازل بعاد وثمود وقوم لوط وغيرهم ما كان بسبب كفرهم، بل بسبب تأثيرات الكواكب واتصالاتها على ما أتفق عليه المنجمون؟ وإذا قام هذا الاحتمال لم يحصل الاعتبار بهذه القصص، لأنَّ الاعتبار إنما يحصل إذا علمنا أنَّ نزول العذاب كان بسبب كفرهم، وأيضاً فيحتمل أن ينزل العذاب محنة للمكلّفين كما قال: {أية : وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّىٰ نَعْلَمَ ٱلْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَٱلصَّابِرِينَ}تفسير : [محمد: 31] وقد ابتلي المؤمنون بالبلاء العظيم في مواضع كثيرة، وإذا كان كذلك لم يدلّ نزول البلاء بهم على كونهم مبطلين؟ فالجواب: هذا سؤال باطل، لأنه يقال: ما الاتصالات التي أوجبت نجاة بني إسرائيل من البحر وأغرقت فرعون وقومه في ساعة واحدة، وما الاتصالات التي أوجبت الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم على القبط دون بني إسرائيل وهم معهم في بلد واحد، وما الاتصالات التي نجّت لوطاً ومن معه وأهلكت قومه وهم قريب منهم، وما الاتصالات التي أوجبت حمل الطير الأبابيل حجارة من سجيل ورمت بها أصحاب الفيل دون غيرهم، وما الاتصالات التي فرقت البحر اثني عشر فرقاً بعدد أسباط بني إسرائيل، وقلبت العصا حية تسعى، وتلقفت ما صنعته السحرة، ونتقت الجبل فوق بني إسرائيل كأنه ظلّة، وأخرجت الناقة من الحجر، وأطفأت نار إبراهيم، وكل ذلك ثابت بالتواتر لا يمكن إنكاره. وأيضاً فإنَّ الله تعالى أنزل هذه القصص على محمد - عليه السلام - تسلية له وإزالة للحزن عن قلبه. فلما أخبر الله تعالى محمداً أنه هو الذي أنزل العذاب عليهم جزاءً على كفرهم علم أنَّ الأمر كذلك، وحينئذ حصل له التسلي.

السيوطي

تفسير : أخرج عبد بن حميد عن مجاهد قال ‏{‏الأيكة‏}‏ ‏.‏ وأخرج إسحاق بن بشر وابن عساكر عن ابن عباس في قوله ‏{‏كذب أصحاب الأيكة المرسلين‏}‏ قال‏:‏ كانوا أصحاب غيضة بين ساحل البحر إلى مدين، وقد أهلكوا فيما يأتون‏.‏ وكان أصحاب الأيكة مع ما كانوا فيه من الشرك استنوا سنة أصحاب مدين‏.‏ فقال لهم شعيب ‏ {‏إني لكم رسول أمين‏} ‏، ‏{‏فاتقوا الله وأطيعون‏}‏ ، ‏ {‏وما أسألكم‏}‏ على ما أدعوكم عليه أجراً في العاجل في أموالكم ‏ {إن أجري إلا على رب العالمين‏} ‏، ‏ {‏واتقوا الذي خلقكم والجبلة‏} ‏ يعني وخلق الجبلة ‏{‏الأولين‏}‏ يعني القرون الأولين الذين أهلكوا بالمعاصي ولا تهلكوا مثلهم ‏ {‏قالوا إنما أنت من المسحرين‏} ‏ يعني من المخلوقين ‏ {‏وما أنت إلا بشر مثلنا وإن نظنك لمن الكاذبين‏}‏ ، ‏ {‏فأسقط علينا كسفاً من السماء‏}‏ يعني قطعاً من السماء ‏ {‏فأخذهم عذاب يوم الظلة‏} ‏ أرسل الله عليهم سموماً من جهنم، فأطاف بهم سبعة أيام حتى انضجهم الحر، فحميت بيوتهم، وغلت مياههم في الآبار والعيون، فخرجوا من منازلهم ومحلتهم هاربين والسموم معهم، فسلط الله عليهم الشمس من فوق رؤوسهم فتغشتهم حتى تقلقلت فيها جماجمهم، وسلط الله عليهم الرمضاء من تحت أرجلهم حتى تساقطت لحوم أرجلهم، ثم أنشأت لهم ظلة كالسحابة السوداء، فلما رأوها ابتدروها يستغيثون بظلها حتى إذا كانوا تحتها جميعاً؛‏ أطبقت عليهم فهلكوا ونجَّى الله شعيباً والذين آمنوا به‏. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ‏ {‏والجبلة الأولين‏}‏ قال‏:‏ الخلق الأولين‏.‏ وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد ‏ {‏والجبلة الأولين‏}‏ قال‏:‏ الخليقة‏. وأخرج عبد بن حميد عن قتادة ‏ {‏فأسقط علينا كسفاً من السماء‏} ‏ قال‏:‏ قطعاً من السماء‏.‏ وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن محمد بن كعب القرظي قال‏:‏ إن أهل مدين عذبوا بثلاثة أصناف من العذاب‏:‏ أخذتهم الرجفة في دارهم حتى خرجوا منها، فلما خرجوا منها، أصابهم فزع شديد ففرقوا أن يدخلوا البيوت أن تسقط عليهم‏.‏ فأرسل الله عليهم الظلة فدخل تحتها رجل قال‏:‏ ما رأيت كاليوم ظلاً أطيب ولا ابرد هلموا أيها الناس، فدخلوا جميعاً تحت الظلة، فصاح فيهم صيحة واحدة، فماتوا جميعاً‏.‏ وأخرج ابن المنذر عن قتادة قال‏:‏ ‏{‏أصحاب الأيكة‏}‏ أصحاب شجر وهم قوم شعيب، وأصحاب الرس‏:‏ أصحاب آبار وهم قوم شعيب‏. وأخرج ابن المنذر عن السدي قال‏:‏ بعث شعيباً إلى أصحاب الأيكة - والايكة غيضة - فكذبوه فأخذهم عذاب يوم الظلة‏.‏ قال‏:‏ فتح الله عليهم باباً من أبواب جهنم، فغشيهم من حره ما لم يطيقوه، فتبردوا بالماء وبما قدروا عليه، فبينما هم كذلك إذ رفعت لهم سحابة فيها ريح باردة طيبة، فلما وجدوا بردها ساروا نحو الظلة، فاتوها يتبردون بها فخرجوا من كل شيء كانوا فيه، فلما تكاملوا تحتها طبقت عليهم بالعذاب‏.‏ فذلك قوله ‏ {فأخذهم عذاب يوم الظلة‏}‏ ‏.‏ وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن الحسن قال‏:‏ سلط الله الحر على قوم شعيب سبعة أيام ولياليهن حتى كانوا لا ينتفعون بظل بيت ولا ببرد ماء، ثم رفعت لهم سحابة في البرية فوجدوا تحتها الروح، فجعلوا يدعوا بعضهم بعضا‏ً.‏ حتى إذا اجتمعوا تحتها أشعلها الله عليهم ناراً‏.‏ فذلك قوله ‏ {فأخذهم عذاب يوم الظلة‏}‏ ‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم عن ابن عباس أنه سئل عن قوله ‏ {فأخذهم عذاب يوم الظلة‏} ‏ فقال‏:‏ بعث الله عليهم وهدة وحراً شديداً، فأخذ بأنفاسهم، فدخلوا أجواف البيوت، فدخل عليهم أجواف البيوت، فأخذ بأنفاسهم فخرجوا من البيوت هراباً إلى البرية‏.‏ فبعث الله عليهم سحابة فاظلتهم من الشمس، فوجدوا لها برداً ولذة، فنادى بعضهم بعضاً حتى إذا اجتمعوا تحتها أسقطها الله عليهم ناراً‏.‏ فذلك قوله ‏{‏عذاب يوم الظلة‏}‏ ‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن قتادة ‏ {فأخذهم عذاب يوم الظلة‏} ‏ قال‏:‏ ذكر لنا أنه سلط الله عليهم الحر سبعة أيام لا يظلهم ظل ولا ينفعهم منه شيء، فبعث الله عليهم سحابة، فلحقوا إليها يلتمسون الروح في ظلها‏.‏ فجعلها الله عليهم عذاباً فأحرقتهم.‏ بعثت عليهم ناراً فاضطرمت فاكلتهم‏.‏ فذلك عذاب يوم الظلة‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن علقمة ‏{فأخذهم عذاب يوم الظلة‏} ‏ قال‏:‏ أصابهم الحر حتى أقلقهم من بيوتهم فخرجوا، ورفعت لهم سحابة فانطلقوا إليها، فلما استظلوا بها، أرسلت إليهم فلم ينفلت منهم أحد‏. وأخرج الحاكم عن زيد بن أسلم قال‏:‏ كان ينهاهم عن قطع الدراهم ‏{فأخذهم عذاب يوم الظلة‏} ‏ حتى إذا اجتمعوا كلهم كشف الله عنهم الظلة، وأحمى عليهم الشمس، فاحترقوا كما يحترق الجراد في المقلى‏. وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم عن مجاهد في قوله ‏ {فأخذهم عذاب يوم الظلة‏}‏ قال‏:‏ ظلل من العذاب اتاهم‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم عن ابن عباس قال‏:‏ من حدثك من العلماء‏:‏ ما عذاب يوم الظلة‏.‏ فكذبه‏.‏ وأخرج الفريابي وابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم عن ابن عباس قال‏:‏ من حدثك من العلماء ما عذاب يوم الظلة قال‏:‏ أخذهم حر أقلقهم من بيوتهم، فانشئت لهم سحابة فأتوها فصيح بهم فيها والله أعلم‏.

اسماعيل حقي

تفسير : {كذب اصحاب الايكة المرسلين} اى شعيبا ومن قبله عليهم السلام. والايكة الغيضة التى تنبت ناعم الشجر كالسدر والادراك وهى غيضة بقرب مدين يسكنها طائفة فبعث الله اليهم شعيبا بعد بعثه الى مدين ولكن لما كان اخا مدين فى النسب قال تعالى {أية : والى مدين اخاهم شعيبا}تفسير : ولما كان اجنيبا من اصحاب الايكة قال {اذ قال لهم شعيب} ولم يقل اخوهم شعيب وهو شعيب بن تويب بن مدين بن ابراهيم او ابن ميكيك بن يشجر بن مدين ابن ابراهيم وام ميكيك بنت لوط {ألا تتقون} [آيا نمى ترسيد از عذاب حضرت بروردكار خودكه بدو شرط مى آريد] {انى لكم رسول امين} بينكم وعلى الرسالة ايضا لا اطلب الاصلاح حالكم {فاتقوا الله وأطيعون} فيما أمركم به فان امرى امر عن الله واطاعتى اطاعة له فى الحقيقة {وما اسألكم} [ونمى خواهيم ازشما] {عليه} اى على اداء الرسالة والتبليغ المدلول عليه بقوله رسول {من اجر} ومكافأة {ان} ما {اجرى} ثواب عملى واجرة خدمتى {الا على رب العالمين} فان الفيض حسن التربية منه تعالى على الكل خصوصا على من كان مأمورا بامر من جانبه

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جل جلاله: {كَذَّبَ أَصْحَابُ الأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ} وهي: الغيضة التي تنبت الشجر، والمراد بها: غيضة بقرب مدين، يسكنها طائفة منهم، وكانوا ممن بعث إليهم شعيب عليه السلام، وكان أجنبياً منهم، ولذلك قيل: {إذ قال لهم شُعيبٌ} ولم يقل: أخوهم، بخلاف مدين، فإنه منهم، ولذلك قال: {أية : أَخَاهُمْ شُعَيْباً} تفسير : [الأعراف: 85 وهود: 84 والعنكبوت: 36] وقيل: الأيكة: الشجر الملتف، وكان شجرهم المقل، وهو الدوم. قال قتادة: بعث الله شعيباً إلى أمتين؛ أصحاب الأيكة وأصحاب مدين. فأهلك الله أصحابَ الأيكة بالظُلة، وأما أهل مدين فصاح بهم جبريل صيحة فهلكوا. وقرئ: "لَيْكَةِ"؛ بحذف الهمزة، وإلقاء حركتها على اللام، وإنما كتبت هنا وفي "ص" باللام؛ اتباعاً للفظ. {إِذْ قَالَ لهم شُعيبٌ أَلا تَتَّقُون} الله، فتوحدوه ولا تُطففوا، {إني لكم رسول امين فاتقوا الله وأطيعون وما أسألكم عليه} أي: التبليغ؛ {من أجرٍ إنْ أجريَ إلا على رب العالمين، أوْفُوا الكَيْلَ} أي: أتموه {ولا تكونوا من المخْسِرين} أي: حقوق الناس بالتطفيف، {وزِنُوا} أشياءكم التي تبيعونها {بالقِسْطَاسِ المستقيم} السوي. والقسطاس - بضم القاف وكسرها: الميزان، فإن كان من القسط - وهو العدل، وجعلت العين مكررة - فوزنه: فُعْلاَس، وإلا فهو رباعي، ووزنه: فُعْلاَلٌ. وقيل: عجمي. {ولا تبخسوا الناس أشياءَهم} أي: لا تنقصوا شيئاً من حقوقهم، أيّ حق كان، يقال: بخسه حقه: إذا انتقصه. وقيل: نهاهم عن نقص الدراهم والدنانير بقطع أطرافها. فالكيل على ثلاثة أقسام: واف، وزائد وناقص. فأمر الحق تعالى بالوافي، ونهى عن الناقص، وسكت عن الزائد، فَتَرْكُهُ دَليلٌ على أنه إن فعله كان أحسن، وإن تركه فلا عليه. {ولا تَعْثَوا في الأرض مفسدين}؛ ولا تبالغوا فيها بالإفساد، وذلك نحو قطع الطريق، والغارة، وإهلاك الزروع. وكانوا يفعلون ذلك فنهُوا عنه، يقال: عَثِيَ كفرح، وعثا يعثو، كنصر. {واتقوا الذي خلقكم و} خلق {الجِبلّة الأولين} أي: الخلق الماضين، وهم من تقدمهم من الأمم، {قالوا إنما أنتَ من المسحَّرِين وما انت إلا بشرٌ مثلنا}، أدخل الواو بين الجملتين هنا؛ لدلالةٍ على أن كلا من التسحير والبشرية مناف للرسالة؛ مبالغة في التكذيب، فتكذيبهم أقبح من ثمود, حيث تركه فدل على معنى واحد, وهو كونه مسحوراً, وقرره بكونه بشراً. ثم قالوا: {وإنْ نظنك} "إن": مخففة، أي: وإنه، أي: الأمر والشأن لنظنك {لمن الكاذبين} فيما تدعيه من النبوة. ثم استعجلوا العذاب بقولهم: {فَأَسْقِطْ علينا كِسفاً من السماء} أي: قطعاً، جمع كِسْفة، وقرئ بالسكون. أي: جُزءاً منه، والمراد بالسماء: إما السحاب، أو: السماء المظلة، {إن كنت من الصادقين} في دعواك الرسالة، ولم يكن طلبهم ذلك إلا لتصميمهم على الجحود والتكذيب، وإلا لما أخطروه ببالهم فضلاً عن أن يطلبوه. {قال} شعيب عليه السلام: {ربي أعلمُ بما تعملون} من الكفر والمعاصي، وبما تستحقونه من العذاب، فينزله عليكم في وقته المقدر له لا محالة، {فكذّبوه} أي: فتمادوا على تكذيبه، وأَصروا عليه {فأخذهم عذابُ يومِ الظُّلَّة} حسبما اقترحوه. وذلك بأن سلط عليهم الحر سبعة أيام بلياليها، فأخذ بأنفاسهم، فلم ينفعهم ظل ولا ماء ولا شرب، فاضطروا إلى أن خرجوا إلى البرية، فأظلتهم سحابة، وجدوا فيها برداً ونسيماً، فاجتمعوا تحتها، فأمطرت عليهم ناراً فاحترقوا جميعاً. وقيل: رفع لهم جبل، فاجتمعوا تحته، فوقع عليهم، وهو الظلة. وقيل: لما ساروا إلى السحابة صيح بهم فهلكوا. {إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يومٍ عظيمٍ} أي: في الشدة والهول، وفظاعة ما وقع فيه من الطامة والداهية التامة. {إن في ذلك لآيةً وما كان أَكْثرُهُمْ مؤمنين} قيل: آمن بشعيب من القِسْمَيْنِ - مدين والأيكة - تسعمائة إنسان، أو: وما أكثر قريش بمؤمنين بهذا، {وإن ربك لهو العزيز الرحيم}. هذا آخر القصص السبع التي أُوحيت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لصرفه - عليه الصلاة والسلام - عن الحرص على إسلام قومه ودفع تحسر فواته، تحقيقاً لمضمون ما مر في مطلع السورة الكريمة من قوله: {أية : لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ...} تفسير : [الشعراء: 3]. إلخ، {أية : وَمَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مِّنَ ٱلرَّحْمَـٰنِ مُحْدَثٍ إِلاَّ كَانُواْ عَنْهُ مُعْرِضِينَ فَقَدْ كَذَّبُواْ} تفسير : [الشعراء: 5، 6] الآية، فإن كل واحدة من هذه القصص ذكر متجدد النزول، قد أتاهم من جهته تعالى، بموجب رحمته الواسعة. {وما كان أكثرهم مؤمنين} بعد ما سمعوها على التفصيل، قِصَّةً بعد قصةٍ، ليتدبروا فيها، ويعتبروا بما في كل واحدة من الدواعي إلى الإيمان، والزجر عن الكفر والطغيان، وبأن يتأملوا في شأن الآيات الكريمة، الناطقة بتلك القصص، على ما هي عليه، مع علمهم بأنه - عليه الصلاة والسلام - لم يسمع شيئاً من ذلك من أحدٍ أصلاً، فلم يفعلوا شيئاً من ذلك واستمروا على ما كانوا عليه من الكفر والضلال. وبالله التوفيق. الإشارة: كما أمر الله تعالى بوفاء المكيال، أمر بالوفاء في الأعمال، ووفاؤها: إتقانها وإخلاصها، وتخليصها من شوائب النقص، في الظاهر والباطن. وكما أمر بالعدل في الميزان الحسي بقوله: {وزنوا بالقسطاس المستقيم}، أمر بالعدل في الميزان المعنوي، وهو وزن الخواطر بالقسطاس الشرعي، فكل خاطر يخطر بالقلب يريد أن يفعله أو يتكلم به، لا يُخرجه، حتى يزنه بميزان الشرع، فإن كان فيه نفع أخرجه كما كان، أو غيَّره، وإن كان فيه ضررٌ بادَرَ إلى محوه من قلبه، قبل أن يصير هماً أو عزماً، فيعسر رده. وبالله التوفيق. ثم ذكر شواهد حقية القرآن، فقال: {وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ...}

الطوسي

تفسير : قرأ ابن كثير ونافع وابن عامر {أصحاب اليكة} على انه اسم المدينة معرفة لا ينصرف. قال ابو علي الفارسي: الاجود أن يكون ذلك على تخفيف الهمزة، مثل لحمر ونصبه يضعف، لانه يكون نصب حرف الاعراب في موضع الجر، مع لام التعريف، وذلك لا يجوز. وحجة من قرأ بذلك أنه في المصحف بلا ألف. وقالوا هو اسم المدينة بعينها. الباقون {أصحاب الأيكة} بالألف واللام مطلقاً مضافاً. ومثله الخلاف في ص. وقرأ ابوا حفص {كسفاً} بفتح السين - ها هنا - وفى (سبأ). الباقون باسكانها. حكى الله تعالى أن قوم شعيب، وهم أصحاب الأيكة كذبوا المرسلين في دعائهم إلى خلع الانداد وإخلاص العبادة لله. والايكة الغيضة ذات الشجر الملتف. وجمعه الايك، قال النابغة الذبياني: شعر : تجلو بقادمتي حمامة أيكة برداً أسف لشاته بالاثمد تفسير : وقال ابن عباس وابن زيد: اصحاب الأيك هم أهل مدين. وانما قال {إذ قال لهم شعيب} ولم يقل أخوهم كما قال في سائر من تقدم من الانبياء لانه لم يكن منهم في النسب، وسائر من تقدم كانوا منهم في النسب، إلا موسى فانه كان من بني اسرائيل، وكانوا هم قبطاً ولم يسمه الله بأنه أخوهم. ثم حكى عن شعيب انه قال لقومه مثل ما قاله سائر الانبياء وقد فسرناه. ثم قال لهم {أوفوا الكيل} أي اعطوا الواجب وافياً غير ناقص ويدخل الوفاء في الكيل والذرع والعدد، يقال: أوفى يوفي إيفاء ووفاء. ونهاهم أن يكونوا من المخسرين، فالمخسر المعرض للخسران في رأس المال بالنقصان أخسر يخسر إخساراً إذا جعله يخسر في ماله، وخسر هو يخسر خسراناً واخسره نقيض أربحه. وأمرهم أن يزنوا بالقسطاس المستقيم، فالوزن وضع شي بازاء المعيار، لما يظهر منزلته منه في ثقل المقدار إما بالزيادة أو النقصان او التساوي. والقسطاس العدل في التقويم على المقدار، وهو على وزن (قرطاط) وجمعه قساطيس. وقال الحسن: القسطاس القبان. وقال غيره هو الميزان. وقال قوم هو العدل والسواء. ذكره ابو عبيدة. ثم قال لهم {ولا تبخسوا الناس أشياءهم} أي لا تنقصوها، {ولا تعثوا في الأرض مفسدين} قال قوم: لا تعثوا فيها بالمعاصي. وقال سعيد ابن المسيب: معناه لا تفسدوا فيها بعد اصلاحها. وقال ابو عبيدة: عثا يعثا عثواً وهو أشد الفساد بالخراب. وقال غيره: عثا يعثوا عثواً، وعاث يعيث عيثاً. ثم قال لهم {واتقوا الذي خلقكم} وأوجدكم بعد العدم {والجبلة الأولين} فالجبلة الخليقة التي طبع عليها الشيء - بكسر الجيم - وقيل ايضاً بضمها ويسقطون الهاء أيضاً فيخففون. ومنه قوله {أية : ولقد أضل منكم جبلاً كثيراً} تفسير : وقال ابو ذؤيب: شعر : منايا يقربن الحتوف لاهلها جهاراً ويستمتعن بالانس الجبل تفسير : ومعناه اتقوا خليقة الأولين في عبادة غير الله والاشراك معه، فهو عطف على (الذي) فيها، ولا يجوز أن يكون منصوباً بـ {خلقكم} لأن الله تعالى لم يخلق كفرهم، ولا ضلالهم، وإن جعلته منصوباً بـ {خلقكم} على أن يكون المعنى اتقوا الله الذي خلقكم وخلق الخلق الأولين، كان جائزاً، واخلصوا العبادة لله. فقالوا في الجواب له {إنما أنت من المسحرين} وقد فسرناه. {وما أنت إلا بشر مثلنا} أي مخلوقاً من الناس مثلنا، ولست بملك حتى يكون لك فضل علينا. والبشر هو الانسان، والانسان مشتق من الانس ووزنه (فعليان) والاصل إنسيان غير أنه حذف منه الياء، فلما صغر رد إلى أصله، فقيل: انسيان. والبشر من البشرة الظاهرة. والمثل والشبه واحد. {وإن نظنك لمن الكاذبين} معناه إنا نحسبك كاذباً من جملة الكاذبين. و {إن} هي المخففة من الثقيلة. ولذلك دخلت اللام في الخبر. ثم قالوا له: إن كنت صادقاً ومحقاً في دعواك {فأسقط علينا كسفاً من السماء} أي قطعاً - في قول ابن عباس - وهو جمع كسفة، ومثله نمرة وتمر، فقال لهم في الجواب عن ذلك {ربي أعلم بما تعملون} ومعناه إنه إن كان في معلومه أنه: متى بقاكم انكم تتوبون أو يتوب تائب منكم، لم يقتطعكم بالعذاب، وإن كان في معلومه انه لا يفلح واحد منكم، فسيأتيكم عذاب الاستئصال. ثم قال تعالى {فكذبوه} يعني قوم شعيب كذبوا شعيباً، فعاقبهم الله بعذاب يوم الظلة، وهي سحابة رفعت لهم، فلما خرجوا اليها طلبا لبردها من شدة ما أصابهم من الحر مطرت عليهم ناراً فاحرقتهم، فهؤلاء أصحاب الظلة، وهم غير أهل مدين - في قول قتادة - قال: أرسل شعيب إلى أمّتين. {إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين وإن ربك لهو العزيز الرحيم} وقد فسرناه وانما كر، {وإن ربك لهو العزيز الرحيم} للبيان عن انه رحيم بخلقه عزيز في انتقامه من الكفار.

اطفيش

تفسير : {كذَّب أصحابُ لئيْكةِ} بمنع الصرف للعلمية والتأنيث، قيل العجمة بوزن ليلة، ولو كان مختصراً من الآيكة بكسر، وقيل ليْكة، والأيكة البلاد، وقيل علم على جنة {المُرْسلين} كلهم بنفى الرسالة عن الانسان مطلقاً، أو بنفيها عن رسول لهم شعيب، وكأنهم نفوها عن غيره لاتحاد الدعوة الجنة، ومشتملة على شجر ناعم بساحل البحر، قرب مدين، أرسل إليهم شعيب، وقيل الأيكة الشجر الملتف، فقيل هو الدوم، وهو المقل، وهم غير أهل مدين ولذلك قال: {إذْ قَال لَهُم شُعيبٌ} ولم يقل أخوهم، نزلوا غيضة بعينها فى البادية، وعن ابن عباس: هم أهل مدين التجأوا الى غيضة إذ ألح عليهم الوهج، وفى الحديث: "حديث : إن شعيباً أخا مدين أرسل إليهم وإلى أصحاب الأيكة"تفسير : {ألا تَتَّقُون * إنِّى لَكُم رسولٌ أمينٌ * فاتَّقوا اللهَ وأطيعون* وما أسألكم عليه من أجْر إن أجْرى إلاَّ على ربِّ العالمين* أوفُوا الكيْل} أتموه {ولا تكُونُوا من المخْسِرينَ} بالنقص فيه، والأصل ولا تكونوا مخسرين، فعدل الى من المخسرين بياناً لتقدم من يخسر قبلهم قليلا، وهم أكثر إخساراً، أى من المخسرين بياناً لتقدم من يخسر قبلهم قليلاً، وهم أكثر إخساراً، أى لا تستنوا بهم لا للمبالغة، وفى الجملة تأكد لقوله: {أوفوا الكيل}.

سيد قطب

تفسير : وهذه قصة شعيب ـ ومكانها التاريخي قبل قصة موسى ـ تجيء هنا في مساق العبرة كبقية القصص في هذه السورة. وأصحاب الأيكة هم ـ غالباً ـ أهل مدين. والأيكة الشجر الكثيف الملتف. ويبدو أن مدين كانت تجاورها هذه الغيضة الوريفة من الأشجار. وموقع مدين بين الحجاز وفلسطين حول خليج العقبة. وقد بدأهم شعيب بما بدأ به كل رسول قومه من أصل العقيدة والتعفف عن الأجر، ثم أخذ يواجههم بما هو من خاصة شأنهم: {أوفوا الكيل ولا تكونوا من المخسرين، وزنوا بالقسطاس المستقيم، ولا تبخسوا الناس أشياءهم، ولا تعثوا في الأرض مفسدين}. وقد كان شأنهم ـ كما ذكر في سورتي الأعراف وهود ـ أن يطففوا في الميزان والمكيال، وأن يأخذوا بالقسر والغصب زائداً عن حقهم، ويعطوا أقل من حق الناس، ويشتروا بثمن بخس ويبيعوا بثمن مرتفع. ويبدو أنهم كانوا في ممر قوافل التجارة، فكانوا يتحكمون فيها. وقد أمرهم رسولهم بالعدل والقسط في هذا كله، لأن العقيدة الصحيحة يتبعها حسن المعاملة. ولا تستطيع أن تغضي عن الحق والعدل في معاملات الناس. ثم استجاش شعيب مشاعر التقوى في نفوسهم، وهو يذكرهم بخالقهم الواحد. خالق الأجيال كلها والسابقين جميعاً: {واتقوا الذي خلقكم والجبلة الأولين}. فما كان منهم إلا أن يطلقوا عليه الاتهام بأنه مسحور، فهو يخلط ويهذي بما يقول: {قالوا: إنما أنت من المسحرين}.. وإلا أن يستنكروا رسالته. فهو بشر مثلهم، وما هكذا ـ في زعمهم ـ يكون الرسول. ويرمونه بالكذب فيما يقول: {وما أنت إلا بشر مثلنا. وإن نظنك لمن الكاذبين}. وإلا أن يتحدوه أن يأتيهم بما يخوفهم به من العذاب إن كان صادقاً فيما يدعيه؛ وأن يسقط عليهم رجوماً من السماء، أو يحطمها عليهم ويسقطها قطعاً: {فأسقط علينا كسفاً من السماء إن كنت من الصادقين}.. وهو تحدي المستهتر الهازئ المستهين! وهو شبيه بتحدي المشركين للرسول الكريم.. {قال: ربي أعلم بما تعملون}.. ويعجل السياق بالنهاية دون تفصيل ولا تطويل. {فكذبوه. فأخذهم عذاب يوم الظلة. إنه كان عذاب يوم عظيم}.. قيل: أخذهم حر خانق شديد يكتم الأنفاس ويثقل الصدور. ثم تراءت لهم سحابة، فاستظلوا بها؛ فوجدوا لها برداً، ثم إذا هي الصاعقة المجلجلة المدوية تفزعهم وتدمرهم تدميراً. وكان ذلك {يوم الظلة} فالظلة كانت سمة اليوم المعلوم! ثم يجيء التعقيب المكرور: {إِن في ذلك لآية. وما كان أكثرهم مؤمنين. وإن ربك لهو العزيز الرحيم}. ويختم القصص في السورة ليجيء على إثره التعقيب الأخير..

ابن عاشور

تفسير : استئنافُ تعدادٍ وتكرير كما تقدم في جملة: {أية : كذبت عادٌ المرسلين}تفسير : [الشعراء: 123]. ولم يقرن فعل {كذب} هذا بعلامة التأنيث لأن {أصحاب} جمعُ صاحب وهو مذكر معنىً ولفظاً بخلاف قوله: {أية : كذبت قوم لوط}تفسير : [الشعراء: 160] فإن (قوم) في معنى الجماعة والأمة كما تقدم في قوله: {أية : كذبت قوم نوح المرسلين}تفسير : [الشعراء: 105]. وقرأ نافع وابن كثير وابن عامر وأبو جعفر {لَيْكَةَ} بلام مفتوحة بعدها ياء تحتية ساكنة ممنوعاً من الصرف للعلمية والتأنيث. وقرأه الباقون {الأيكة} بحرف التعريف بعده همزة مفتوحة وبجر آخره على أنه تعريف عهد لأَيكةٍ معروفة. والأيكة: الشجر الملتف وهي الغيضة. وعن أبي عبيد: رأيتها في الإمام مصحف عثمان رضي الله عنه في الحِجر وق {الأيكة} وفي الشعراء وص {لَيكة} واجتمعت مصاحف الأمصار كلها بعد ذلك ولم تختلف. وأصحاب لَيكة: هم قوم شعيب أو قبيلة منهم. قالوا: وكانت غيضتهم من شجر المُقْل (بضم الميم وسكون القاف وهو النبق) ويقال له الدَّوم (بفتح الدال المهملة وسكون الواو). وإفرادها بتاء الوحدة على إرادة البقعة واسم الجمع: أيك، واشتهرت بالأيكة فصارت علماً بالغلبة معرفاً باللام مثل العَقبة. ثم وقع فيه تغيير ليكون علماً شخصياً فحذفت الهمزة وألقيت حركتها على لام التعريف وتنوسي معنى التعريف باللام. وعن الزجاج: جاء في التفسير أن اسم المدينة التي أرسل إليها شعيب كان ليكة. وعن أبي عبيد: وجدنا في بعض كتب التفسير أن لَيْكة اسم القرية والأيكة البلاد كلها كمكة وبَكة. وهذا من التغيير لأجل التسمية، كما سموا شُمْساً بضم الشين ليكون علماً وأصله الشمس علماً بالغلبة. والتغيير لأجل النقل إلى العلمية وارد بكثرة، ذكره ابن جنّي في «شرح مشكل الحماسة» عند قول تأبط شراً:شعر : إني لمُهْدٍ من ثنائي فقاصد به لابن عم الصدق شُمْس بن مالك تفسير : وذكره في «الكشاف» في سورة أبي لهب. وقد تقدم بيانه عند الكلام على البسملة قبل سورة الفاتحة، فلما صار اسم ليكة علماً على البلاد جاز منعه من الصرف لذلك، وليس ذلك لمجرد نقل حركة الهمزة على اللام كما توهمه النحّاس، ولا لأن القراءة اغترار بخط المصحف كما تعسّفه صاحب «الكشاف» على عادته في الاستخفاف بتوهيم القراء، وقد علمتم أن الاعتماد في القراءات على الرواية قبل نسخ المصاحف كما بيناه في المقدمة السادسة من مقدمات هذا التفسير فلا تتبعوا الأوهام المخطئة. وقد اختلف في أن أصحاب ليكة هم مدين أو هم قوم آخرون ساكنون في ليكة جوار مدين أرسل شعيب إليهم وإلى أهل مدين. وإلى هذا مال كثير من المفسرين. روى عبد الله بن وهب عن جبير بن حازم عن قتادة قال: أُرسل شعيب إلى أمتين: إلى قومه من أهل مدين وإلى أصحاب الأيكة. وقال جابر بن زيد: أرسل شعيب إلى قومه أهل مدين وإلى أهل البادية وهم أصحاب الأيكة. وفي «تفسير ابن كثير»: روى الحافظ ابن عساكر في ترجمة شعيب عليه السلام من طريق محمد بن عثمان بن أبي شيبة بسنده إلى عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : إن قوم مدين وأصحاب الأيكة أمتان بعث الله إليهما شعيباً النبي»تفسير : ، وقال ابن كثير: هذا غريب، وفي رفعه نظر، والأشبه أنه موقوف. وروى ابن جريج عن ابن عباس أن أصحاب الأيكة هم أهل مدين. والأظهر أن أهل الأيكة قبيلة غير مدين فإن مدين هم أهل نسب شعيب وهم ذرية مَدين بن إبراهيم من زوجه «قطورة» سكَن مدينُ في شرق بلد الخليل كما في التوراة، فاقتضى ذلك أنه وجده بلَداً مأهولاً بقوم فهم إذن أصحاب الأيكة فبنى مدين وبنُوه المدينةَ وتركوا البادية لأهلها وهم سكان الغيضة. والذي يشهد لذلك ويرجحه أن القرآن لمَّا ذكرَ هذه القصةَ لأهل مدين وصف شعيباً بأنه أخوهم، ولما ذكرها لأصحاب ليكة لم يصف شعيباً بأنه أخوهم إذ لم يكن شعيب نسيباً ولا صهراً لأصحاب ليكة، وهذا إيماء دقيق إلى هذه النكتة. ومما يرجح ذلك قوله تعالى في سورة الحجر (78، 79) {أية : وإن كان أصحاب الأيكة لظالمين فانتقمنا منهم وإنهما لبإمام مبين}تفسير : ، فجعل ضميرهم مثنى باعتبار أنهم مجموع قبيلتين: مدين وأصحاب ليكة. وقد بيّنّا ذلك في سورة الحجر. وإنما تُرسل الرسل من أهل المدائن قال تعالى: {أية : وما أرسلنا من قبلك إلا رجالاً يُوحَى إليهم من أهل القرى}تفسير : [يوسف: 109] وتكون الرسالة شاملة لمن حول القرية. وافتتح شعيب دعوته بمثل دعوات الرسل من قبله للوجه الذي قدمناه. وشمل قوله: {ألا تتقون} النهي عن الإشراك فقد كانوا مشركين كما في آية سورة هود.

الشنقيطي

تفسير : قال أكثر أهل العلم: إن أصحاب الأيكة هم مدين. قال ابن كثير: وهو الصحيح، وعليه فتكون هذه الآية بينتها الآيات الموضحة قصة شعيب مع مدين، ومما استدل به أهل هذا القول أنه قال هنا لأصحاب الأيكة {أية : أَوْفُواْ ٱلْكَيْلَ وَلاَ تَكُونُواْ مِنَ ٱلْمُخْسِرِينَ وَزِنُواْ بِٱلْقِسْطَاسِ ٱلْمُسْتَقِيمِ وَلاَ تَبْخَسُواْ ٱلنَّاسَ أَشْيَآءَهُمْ وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي ٱلأَرْضِ مُفْسِدِينَ} تفسير : [الشعراء: 181ـ183] وهذا الكلام ذكر الله عنه أنه قاله لمدين في مواضع متعددة كقوله في هود {أية : وَإِلَىٰ مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً قَالَ يٰقَوْمِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ وَلاَ تَنقُصُواْ ٱلْمِكْيَالَ وَٱلْمِيزَانَ إِنِّيۤ أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّيۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُّحِيطٍ وَيٰقَوْمِ أَوْفُواْ ٱلْمِكْيَالَ وَٱلْمِيزَانَ بِٱلْقِسْطِ وَلاَ تَبْخَسُواْ ٱلنَّاسَ أَشْيَآءَهُمْ وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي ٱلأَرْضِ مُفْسِدِينَ بَقِيَّةُ ٱللَّهِ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} تفسير : [هود: 84ـ86] إلى غير ذلك من الآيات. وقد قدمنا في سورة الأعراف قولنا: فإن قيل الهلاك الذي أصاب قوم شعيب ذكر الله جل وعلا في الأعراف أنه رجفة، وذكر في هود أنه صيحة، وذكر في الشعراء أنه عذاب يوم الظلة. فالجواب ما قاله ابن كثير رحمه الله في تفسيره قال: وقد اجتمع عليهم ذلك كله؛ أصابهم عذاب ويوم الظلة، وهي سحابة أظلتهم فيها شرر من نار ولهب، ووهج عظيم، ثم جاءتهم صيحة من السماء، ورجفة من الأرض شديدة من أسفل منهم فزهقت الأرواح، وفاضت النفوس، وخمدت الأجسام. انتهى، وعلى القول بأن شعيباً أرسل إلى أمتين: مدين وأصحاب الأيكة، وأن مدين ليسوا هم أصحاب الأيكة فلا إشكال. وقد جاء ذلك في حديث ضعيف عن عبد الله بن عمرو، وممن روى عنه هذا القول قتادة وعكرمة، وإسحاق بن بشر. وقد قدمنا بعض الآيات الموضحة لهذا في سورة الحجر في الكلام على قوله تعالى: {أية : وَإِن كَانَ أَصْحَابُ ٱلأَيْكَةِ لَظَالِمِينَ فَٱنتَقَمْنَا مِنْهُمْ} تفسير : [الحجر: 78ـ79] وأوضحنا هنالك أن نافعاً، وابن عامر، وابن كثير قرأوا ليكة في سورة الشعراء، وسورة (ص) بلام مفتوحة أول الكلمة، وتاء مفتوحة آخرها من غير همز: ولا تعريف على أنه اسم للقرية غير منصرف، وأن الباقين قرأوا: الأيكة بالتعريف، والهمز وكسر التاء وأن الجميع اتفقوا على ذلك في (ق والحجر). وأوضحنا هنالك توجيه القراءتين في الشعراء و (ص) ومعنى الأيكة في اللغة مع بعض الشواهد العربية.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: أصحاب الأيكة: أي الغيضة وهي الشجر الملتف. إذ قال لهم شعيب: النبي المرسل شعيب عليه السلام. أوفوا الكيل: أي أتموه. ولا تكونوا من المخسرين: الذين ينقصون الكيل والوزن. بالقسطاس المستقيم: أي الميزان السوي المعتدل. ولا تبخسوا الناس أشياءهم: أي لا تنقصوهم من حقوقهم شيئاً. ولا تعثوا في الأرض مفسدين: أي بالقتل والسلب والنهب. والجبلة الأولين: أي والخليقة أي الناس من قبلكم. معنى الآيات: هذه بداية قصص شعيب عليه السلام مع أصحاب الأيكة والأيكة الشجرة الملتف كشجر الدوم وهذه الغيضة قريبة من مدينة وشعيب أرسل لهما معاً وفي سورة هود {أية : وَإِلَىٰ مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً}تفسير : [الآية: 84] لأنه منهم ومن مدينتهم فقيل له أخوهم، وأما أصحاب الأيكة جماعة من بادية مدين كانت لهم أيكة من الشجرة يعبدونها تحت أي عنوان كعبدة الأشجار والأحجار في كل زمان ومكان، فبعث الله تعالى إليهم شعيباً فدعاهم إلى عبادة الله وحده وترك عبادة ما سواه فكذبوه وهو قوله تعالى {كَذَّبَ أَصْحَابُ لْئَيْكَةِ ٱلْمُرْسَلِينَ إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلاَ تَتَّقُونَ} أي اتقوا الله وخافوا عقابه {إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ} فاتقوا الله بعبادته وترك عبادة ما سواه وأطيعون أهدكم إلى ما فيه كمالكم وسعادتكم {وَمَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ} أي على بلاغ رسالة ربي إليكم أجراً أي جزاء وأجرة {إِنْ أَجْرِيَ} أي ما أجري إلا على ربي العالمين: وأمرهم بترك أشهر معصية كانت شائعة بينهم وهي تطفيف الكيل والوزن فقال لهم {أَوْفُواْ ٱلْكَيْلَ} أي أتموها ولا تنقصوها {وَلاَ تَكُونُواْ مِنَ ٱلْمُخْسِرِينَ} أي الذين ينقصون الكيل والوزن {وَزِنُواْ} أي إذا وزنتم {بِٱلْقِسْطَاسِ ٱلْمُسْتَقِيمِ} أي بالميزان العادل، {وَلاَ تَبْخَسُواْ ٱلنَّاسَ أَشْيَآءَهُمْ} أي لا تنقصوهم من حقوقهم شيئاً فما يساوي ديناراً لا تعطوا فيه نصف دينار وما يساوي عشرة لا تأخذوه بخمسة مثلاً ومن أجرته اليومية عشرون لا تعطوه عشرة مثلاً، {وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي ٱلأَرْضِ مُفْسِدِينَ} أي ولا تفسدوا في البلاد بأي نوع من الفساد كالقتل والسلب ومنع الحقوق وارتكاب المعاصي والذنوب {وَٱتَّقُواْ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ} أي الله فخافوا عقابه {وَٱلْجِبِلَّةَ ٱلأَوَّلِينَ} أي وخلق الخليقة من قبلكم اتقوه بترك الشرك والمعاصي تنجوا من عذابه، وتظفروا برضاه وإنعامه. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- الأمر بالتقوى فريضة كل داع إلى الله تعالى وسنة الدعاة والهداة إذ طاعة الله واجبة. 2- لا يصح لداع إلى الله أن يطلب أجره ممن يدعوهم فإن ذلك ينفرهم. 3- وجوب توفية الكيل والوزن وحرمة التطفيف فيهما. 4- حرمة بخس الناس حقوقهم ونقصها بأي حال من الأحوال. 5- حرمة الفساد في الأرض بارتكاب المعاصي وغشيان الذنوب.

القطان

تفسير : الأيكة: الشجر الكثيف، وهي غَيضة قرب مَدْيَنَ في شمال الحجاز. المخسِرين: هم الذين يأخذون من الناس اكثر مما لهم. القسطاس: الميزان. لا تعثوا: لا تفسدوا. لا تبخسوا الناس أشياءهم: لا تنقصوا حقوق الناس. الجبلّة: الطبيعة والخلقة، يقال جُبل فلان على كذا: خُلق. كسفا: قطعا، جمع كسفة. الظلّة: السحابة التي جاءت بالعذاب. تقدمت قصة شعيب في سورة الأعراف، وفي سورة هود. وكان اصحاب الأيكة يسكنون في غابةٍ قرب "مدين" أرسل الله اليهم شُعيباً فكذّبوه. ونصحهم وقال لهم: أوفوا الكيلَ وزِنوا للناس دون زيادة او نقصان، ولا تنقصوا حقوق الناس، ولا تفسدوا في الارض بقتل الناس وقطع الطرقات، اتقوا الله الذي خلقكم والذين من قبلكم. فقالوا له: أنت رجل مسحور مختلّ العقل، ولستَ الا بشراً مثلنا، ونحن نعتقد أنك كاذب، لم يرسلك الله إلينا. أسقطْ علينا قطعاً من السماء ان كنت من الصادقين! فقال لهم: ان ربي عليم بما تَعملون من سيئات، وبما تستحقونه من العذاب. فكذّبوه، فأهلكهم الله بتسليط الحر الشديد، وأظلّتهم سحابة فاجتمعوا تحتها فأسقطها الله عليهم ناراً فاهلكتهم جميعا، في يوم شديد الهول. {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ}. انتهى قصص الانبياء.... ويلاحَظ انه لم يأت القصص حسب التواريخ والاقدمية، وقد جاء اكثرها مختصرا حسب سياق السورة. والمقصود بذلك كله هو الانذارُ والتذكير، وتسلية الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام. قراءات: قرأ ابن كثير ونافع وابن عامر: اصحاب ليكة بدون الف. والباقون: الأيكة.

د. أسعد حومد

تفسير : {أَصْحَابُ} {ٱلأَيْكَةِ} (176) - أهْلُ الأَيْكَةِ هُمْ أصْحَابُ مَدْيَنَ، والأَيْكَةُ هيَ الشَّجَرُ المُلْتَفُّ كَالغَيْضَةِ، كَانُوا يَعْبُدونَها. وَمَدْينُ تَقَعُ جَنُوبِيِّ الأُرْدُنِّ قَرِيباً مِنَ العَقَبَةِ. وَنبيُّهُمْ شُعيبٌ عليهِ السلامُ، وَهُوَ مِنْهُمْ، وَقَدْ أرْسَلَهُ اللهُ إليهِمْ ليَدْعُوَهُمْ إلى عِبَادَةِ اللهِ، وَتَرْكِ مَا هُمْ عَليهِ مِنَ الفَسَادِ والضَّلالِ فَكَذَّبُوهُ. الأيْكَةِ -الغَيْضَةِ المُلْتَفَّةِ الأشْجَارِ.

الثعلبي

تفسير : {كَذَّبَ أَصْحَابُ ٱلأَيْكَةِ} الغيضة وهم قوم شعيب والليكة والأيكة لغتان قرئتا جميعاً {ٱلْمُرْسَلِينَ}. قال أبو زيد: بعث الله سبحانه شعيباً إلى قومه وأهل مدين وإلى أهل البادية وهم أصحاب الأيكة. {إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلاَ تَتَّقُونَ} ولم يقل أخوهم شعيب لأنّه لم يكن من أصحاب الأيكة في النسب، فلمّا ذكر مدين قال: {أية : أَخَاهُمْ شُعَيْباً}تفسير : [الأعراف: 85] [هود: 84] [العنكبوت: 36]لأنه كان منهم. {إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ * فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ * وَمَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَىٰ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} وإنّما دعوة هؤلاء الأنبياء كلّهم فيما حكى الله سبحانه عنهم على صيغة واحدة للإخبار بأنّ الحقّ الذي يدعون إليه واحد، وأنّهم متّفقون على الأمر بالتقوى والطاعة والإخلاص في العبادة والامتناع من أخذ الأجر على الدعوة وتبليغ الرسالة. {أَوْفُواْ ٱلْكَيْلَ وَلاَ تَكُونُواْ مِنَ ٱلْمُخْسِرِينَ} الناقصين للكيل والوزن. {وَزِنُواْ بِٱلْقِسْطَاسِ ٱلْمُسْتَقِيمِ * وَلاَ تَبْخَسُواْ ٱلنَّاسَ أَشْيَآءَهُمْ وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي ٱلأَرْضِ مُفْسِدِينَ * وَٱتَّقُواْ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ وَٱلْجِبِلَّةَ} الخليقة {ٱلأَوَّلِينَ}. والجبلّ: الخلق، قال الشاعر: شعر : والموت أعظم حادث مما يمرّ على الجبلّة تفسير : {قَالُوۤاْ إِنَّمَآ أَنتَ مِنَ ٱلْمُسَحَّرِينَ * وَمَآ أَنتَ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا وَإِن نَّظُنُّكَ لَمِنَ ٱلْكَاذِبِينَ * فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفاً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّادِقِينَ * قَالَ رَبِّيۤ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ}وهو مُجازيكم به وما عليَّ إلاّالدعوة. {فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ ٱلظُّلَّةِ} وذلك أنّ الله سبحانه حبس عنهم الريح سبعة أيّام وسلّط عليهم الحرّ حتى أخذ بأنفاسهم ولم ينفعهم ظلّ ولا ماء، وكانوا يدخلون الأسراب ليتبرّدوا فيها فإذا دخلوها وجدوها أشدّ حراً من الظاهر، فخرجوا هراباً الى البرية فأظلّتهم سحابة وهي الظلّة، فوجدوا لها برداً ونسيماً فنادى بعضهم بعضاً حتى إذا اجتمعوا تحتها أمطرت عليهم ناراً فاحترقوا. قال قتادة: بعث الله سبحانه شعيباً إلى أُمّتين: أصحاب الأيكة وأهل مدين، فأمّا أصحاب الأيكة فأُهلكوا بالظلّة وأمّا أهل مدين فأخذتهم الصيحة، صاح بهم جبرئيل صيحة فهلكوا جميعاً. أخبرني الحسين بن محمد قال: حدّثنا موسى بن محمد قال: حدّثنا الحسن بن علويه قال: حدّثنا إسماعيل بن عيسى قال: حدّثنا المسيّب عن برد الجريري قال: سلّط الحرّ عليهم سبعة أيام ولياليهن، ثم رفع لهم جبل من بعيد، فأتاه رجل منهم فإذا تحته أنهار وعيون وماء بارد فتمكّن تحته وأخذ ما يكفيه ثم جاء إلى أهل بيته فآذنهم فجاؤوا فأخذوا ما يكفيهم وتمكّنوا، ثم آذن بقيّة الناس فاجتمعوا تحته كلّهم فلم يغادر منهم أحداً، فوقع ذلك الجبل عليهم فذلك قوله سبحانه {فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ ٱلظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ * إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ * وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ}.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : الأيكة: هي المكان الخِصْب الذي بلغ من خصوبته أنْ تلتفّ أشجاره، وتتشابك أغصانها، وقال هنا أيضاً {ٱلْمُرْسَلِينَ} [الشعراء: 176] مع أنهم ما كذَّبوا إلا رسولهم؛ لأن تكذيب رسول واحد كتكذيب كُلِّ الرسل؛ لأنهم جميعاً جاءوا بمنهج واحد في العقيدة والأخلاق.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {كَذَّبَ أَصْحَابُ لْئَيْكَةِ ٱلْمُرْسَلِينَ} معناه الغَيْضَةُ.

الجيلاني

تفسير : ثمَّ قال سبجانه: {كَذَّبَ أَصْحَابُ لْئَيْكَةِ ٱلْمُرْسَلِينَ} [الشعراء: 176]. {إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ} حين رأى منهم أمارات الميل والانحراف عن القسطاس المستقيم، الموضوع من عند العزيز العليم، المبنئ عن الاعتدال المعنوي: {أَلاَ تَتَّقُونَ} [الشعراء: 177] وتحذرون عن بطش الله إياها، المتجاوزون عن حدوده. {إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ} من عنده {أَمِينٌ} [الشعراء: 178] موصل لكم أمانته. {فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} ولا تنقصوا المكيال والميزان {وَأَطِيعُونِ} [الشعراء: 179] فيما أرسلت به. {وَ} لا تخافوا عن أخذ الجعل والرشا؛ إذ {مَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَىٰ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} [الشعراء: 180] يعطيني جزاء إرشادي وإبلاغي، ويوصلني إلى منتهى أملي ومرادي. وعليكم أيها المكلفون المنحرفون عن جادة العدالة الإلهية إيفاء الكيل {أَوْفُواْ ٱلْكَيْلَ} إبقاءً تاماً كاملاً {وَلاَ تَكُونُواْ} بتنقيصه وتطفيفه {مِنَ ٱلْمُخْسِرِينَ} [الشعراء: 181] الناقصين حقوق عباد الله؛ حتى لا يخسركم رحمته. {وَزِنُواْ} وقت وزنكم لغيركم من عباد الله {بِٱلْقِسْطَاسِ} والميزان {ٱلْمُسْتَقِيمِ} [الشعراء: 182] العدل السوي بحيث لا يميل إلى جانب أصلاً. {وَ} عليكم أيضا أن {لاَ تَبْخَسُواْ} ولا تنقصوا {ٱلنَّاسَ أَشْيَآءَهُمْ} ولا تكسروا سلعهم {وَ} بالجملة: {لاَ تَعْثَوْاْ فِي ٱلأَرْضِ} أي: لا تمشوا عليها بالظلم {مُفْسِدِينَ} [الشعراء: 183] بأنواع الفساد. {وَ} كيف تفسدون فيها، وتظلمون من عليها {ٱتَّقُواْ} القادر المقتدر {ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ} وأظهركم من كتم العدم {وَ} كذا خق {ٱلْجِبِلَّةَ ٱلأَوَّلِينَ} [الشعراء: 184] وذوي الخلقة من المتقدمين من أسلافكم وغيرهم أيضاً. وبعدما سمعوا منه ما سمعوا من الحكم والتذكيرات {قَالُوۤاْ} متهكمين مستهزئين: {إِنَّمَآ أَنتَ} يا شعيب {مِنَ ٱلْمُسَحَّرِينَ} [الشعراء: 185] الذين ضاعت عقولهم بالسحر والافتتان. {وَ} كيف تكون أنت من المرسلين {مَآ أَنتَ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا} ومن أين يتيسر لبشر أن يكون مرسلاً من رب العالمين {وَإِن نَّظُنُّكَ} في دعواك الرسالة {لَمِنَ ٱلْكَاذِبِينَ} [الشعراء: 186] المفترين؟!. {فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفاً} قطعاً {مِّنَ ٱلسَّمَآءِ} من بعض إقطاعها تهلكنا بها {إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّادِقِينَ} [الشعراء: 187] في أمرك هذا ورسالتك. وبعدما آيس شعيب عليه السلام عن إيمانهم {قَالَ} لهم مشتكياً إلى الله: {رَبِّيۤ أَعْلَمُ} بعلمه الحضوري {بِمَا تَعْمَلُونَ} [الشعراء: 188] من أنواع الفسادات، وبمقدار ما تستحقون عليها من الجزاء والعذاب. وبالجملة {فَكَذَّبُوهُ} تكذيباً شديداً، وأنكروا عليه إنكاراً بليغاً، ولم يقبلوا قوله واستحقوا العذاب {فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ ٱلظُّلَّةِ} على الوجه الذي اقترحوا منه، شدد الله عليهم بالحرِّ؛ حيث اضطروا إلى الاستظلال، وذلك يوم غلت المياة في الأنهار، وظلتهم السحابة بغتةً فازدحموا تحتها مستظلين، فأمطر الله عليهم ناراً فاحترقوا بالمرة {إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} [الشعراء: 189] لعظم جرمهم وعذابهم فيه. {إِنَّ فِي ذَلِكَ} الأخذ والإنزال والإظلال {لآيَةً} دالة على كمال قهرنا إياهم وزجرنا وانتقامنا عنهم {وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ} [الشعراء: 190] بقهرنا وغضبنا متقضيات أوصافنا الجلالية. {وَإِنَّ رَبَّكَ} يا أكمل الرسل {لَهُوَ ٱلْعَزِيزُ} الغالب على عموم المرادات والمقدورات من الثواب والعقاب، والإنعام والانتقام {ٱلرَّحِيمُ} [الشعراء: 191] على من فقهم إلى مقتضى ما رضي عنهم، ويسر لهم الامتثال بما أمرهم ونهاهم. هذا آخر القصص السبع المذكورة؛ لتسلية رسول الله من أن المكذبين للرسل مأخوذون بأنواع العذاب، مستهلكون بأصناف النكال، إنما ذكر سبحانه؛ ليعتبر منها المعتبرون من المؤمنين، ويتفطن المكذبون ما سيلحقهم من العذاب لو أصروا على ما هم عليه من التكذيب.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : { كَذَّبَ أَصْحَابُ الأيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ } . أصحاب الأيكة: أي: البساتين الملتفة أشجارها وهم أصحاب مدين، فكذبوا نبيهم شعيبا، الذي جاء بما جاء به المرسلون. { إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلا تَتَّقُونَ } الله تعالى، فتتركون ما يسخطه ويغضبه، من الكفر والمعاصي. { إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ } يترتب على ذلك، أن تتقوا الله وتطيعون. وكانوا - مع شركهم - يبخسون المكاييل والموازين، فلذلك قال لهم: { أَوْفُوا الْكَيْلَ } أي: أتموه وأكملوه { وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ } الذين ينقصون الناس أموالهم ويسلبونها ببخس المكيال والميزان. { وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ } أي: بالميزان العادل، الذي لا يميل. { وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الأوَّلِينَ } أي: الخليقة الأولين، فكما انفرد بخلقكم، وخلق من قبلكم من غير مشارك له في ذلك، فأفردوه بالعبادة والتوحيد، وكما أنعم عليكم بالإيجاد والإمداد بالنعم، فقابلوه بشكره. قالوا له، مكذبين له، رادين لقوله: { إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ } فأنت تهذي وتتكلم كلام المسحور، الذي غايته أن لا يؤاخذ به. { وَمَا أَنْتَ إِلا بَشَرٌ مِثْلُنَا } فليس فيك فضيلة، اختصصت بها علينا، حتى تدعونا إلى اتباعك، وهذا مثل قول من قبلهم ومن بعدهم، ممن عارضوا الرسل بهذه الشبهة، التي لم يزالوا، يدلون بها ويصولون، ويتفقون عليها، لاتفاقهم على الكفر، وتشابه قلوبهم. وقد أجابت عنها الرسل بقولهم: { إن نحن إلا بشر مثلكم ولكن الله يمن على من يشاء من عباده }. { وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ } وهذا جراءة منهم وظلم، وقول زور، قد انطووا على خلافه، فإنه ما من رسول من الرسل، واجه قومه ودعاهم، وجادلهم وجادلوه، إلا وقد أظهر الله على يديه من الآيات، ما به يتيقنون صدقه وأمانته، خصوصا شعيبا عليه السلام، الذي يسمى خطيب الأنبياء، لحسن مراجعته قومه، ومجادلتهم بالتي هي أحسن، فإن قومه قد تيقنوا صدقه، وأن ما جاء به حق، ولكن إخبارهم عن ظن كذبه، كذب منهم. { فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ } أي: قطع عذاب تستأصلنا. { إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ } كقول إخوانهم { وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ } أو أنهم طلبوا بعض آيات الاقتراح، التي لا يلزم تتميم مطلوب من سألها. { قَالَ } شعيب عليه السلام: { رَبِّي أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ } أي: نزول العذاب، ووقوع آيات الاقتراح، لست أنا الذي آتي بها وأنزلها بكم، وليس علي إلا تبليغكم ونصحكم وقد فعلت، وإنما الذي يأتي بها ربي، العالم بأعمالكم وأحوالكم، الذي يجازيكم ويحاسبكم. { فَكَذَّبُوهُ } أي: صار التكذيب لهم، وصفا والكفر لهم ديدنا، بحيث لا تفيدهم الآيات، وليس بهم حيلة إلا نزول العذاب. { فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ } أظلتهم سحابة فاجتمعوا تحتها مستلذين، لظلها غير الظليل، فأحرقتهم بالعذاب، فظلوا تحتها خامدين، ولديارهم مفارقين، ولدار الشقاء والعذاب نازلين. { إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ } لا كرة لهم إلى الدنيا، فيستأنفوا العمل، ولا يفتر عنهم العذاب ساعة، ولا هم ينظرون. { إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً } دالة على صدق شعيب، وصحة ما دعا إليه، وبطلان رد قومه عليه، { وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ } مع رؤيتهم الآيات، لأنهم لا زكاء فيهم، ولا خير لديهم { وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ }. { وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ } الذي امتنع بقدرته، عن إدراك أحد، وقهر كل مخلوق. { الرَّحِيمُ } الذي الرحمة وصفه ومن آثارها، جميع الخيرات في الدنيا والآخرة، من حين أوجد الله العالم إلى ما لا نهاية له. ومن عزته أن أهلك أعداءه حين كذبوا رسله، ومن رحمته، أن نجى أولياءه ومن اتبعهم من المؤمنين.