Verse. 3113 (AR)

٢٦ - ٱلشُّعَرَاء

26 - Ash-Shu'ara (AR)

اَوْفُوا الْكَيْلَ وَلَا تَكُوْنُوْا مِنَ الْمُخْسِرِيْنَ۝۱۸۱ۚ
Awfoo alkayla wala takoonoo mina almukhsireena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«أوْفوا الكيل» أتموه «ولا تكونوا من المخسرين» الناقصين.

181

Tafseer

ابن كثير

تفسير : يأمرهم عليه السلام بإيفاء المكيال والميزان، وينهاهم عن التطفيف فيهما، فقال: {أَوْفُواْ ٱلْكَيْلَ وَلاَ تَكُونُواْ مِنَ ٱلْمُخْسِرِينَ} أي: إذا دفعتم للناس، فكملوا الكيل لهم، ولا تبخسوا الكيل فتعطوه ناقصاً، وتأخذوه إذا كان لكم تاماً وافياً، ولكن خذوا كما تعطون، وأعطوا كما تأخذون {وَزِنُواْ بِٱلقِسْطَاسِ ٱلْمُسْتَقِيمِ} والقسطاس هو الميزان، وقيل: هو القبان. قال بعضهم: هو معرب من الرومية. قال مجاهد: القسطاس المستقيم هو العدل بالرومية. وقال قتادة: القسطاس: العدل. وقوله: {وَلاَ تَبْخَسُواْ ٱلنَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ} أي: لا تنقصوهم أموالهم، {وَلاَ تَعْثَوْاْ فِى ٱلأَرْضِ مُفْسِدِينَ} يعني: قطع الطريق؛ كما قال في الآية الأخرى: {أية : وَلاَ تَقْعُدُواْ بِكُلِّ صِرَٰطٍ تُوعِدُونَ} تفسير : [الأعراف: 86]. وقوله: {وَٱتَّقُواْ ٱلَّذِى خَلَقَكُمْ وَٱلْجِبِلَّةَ ٱلأَوَّلِينَ} يخوفهم بأس الله الذي خلقهم وخلق آباءهم الأوائل، كما قال موسى عليه السلام: {أية : رَبُّكُمْ وَرَبُّ ءَابَآئِكُمُ ٱلأَوَّلِينَ} تفسير : [الشعراء: 26] قال ابن عباس ومجاهد والسدي وسفيان بن عيينة وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم: {وَٱلْجِبِلَّةَ ٱلأَوَّلِينَ} يقول: خلق الأولين، وقرأ ابن زيد: {أية : وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلاًّ كَثِيراً} تفسير : [يس: 61].

المحلي و السيوطي

تفسير : {أَوْفُواْ ٱلْكَيْلَ } أَتِمُّوه {وَلاَ تَكُونُواْ مِنَ ٱلْمُخْسِرِينَ } الناقصين.

البقاعي

تفسير : ولما كان كأنه قيل: ما الذي تنعى فيه؟ قال: مبيناً أن داءهم حب المال، المفضي لهم إلى سوء الحال، {أوفوا الكيل} أي أتموه إتماماً لا شبهة فيه إذا كلتم كما توفونه إذا اكتلتم لأنفسكم. ولما أمرهم بالإيفاء نهاهم عن النقص على وجه أعم فقال: {ولا تكونوا} أي كوناً هو كالجبلة، ولعله إشارة إلى ما يعرض من نحو ذلك من الخواطر أو الهيئات التي يغلب الإنسان فيها الطبع ثم يرجع عنها رجوعاً يمحوها، ولذلك قال: {من المخسرين*} أي الذين يخسرون - أي ينقصون - أنفسهم أديانها بإخسار الناس دنياهم بنقص الكيل أو غيره من أنواع النقص من كل ما يوجب الغبن، فتكونوا مشهورين بذلك بين من يفعله. ولما أمر بوفاء الكيل، أتبعه بمثل ذلك في الوزن، ولم يجمعهما لما للتفريق من التعريف بمزيد الاهتمام فقال: {وزنوا} أي لأنفسكم وغيركم {بالقسطاس} أي الميزان الأقوم؛ وأكد معناه بقوله: {المستقيم*}. ولما أمر بالوفاء في الوزن، أتبعه نهياً عن تركه عاماً كما فعل في الكيل ليكون آكد فقال: {ولا تبخسوا} أي تنقصوا {الناس أشياءهم} أي في كيل أو وزن أو غيرهما نقصاً يكون كالسبخة لا فائدة فيه. ثم أتبع ذلك بما هو أعم منه فقال: {ولا تعثوا} أي تتصرفوا {في الأرض} عن غير تأمل حال كونكم {مفسدين*} أي في المال أو غيره، قاصدين بذلك الإفساد - كما تقدم بيانه في سورة هود عليه السلام. ولما وعظهم فابلغ في وعظهم بما ختمه بالنهي عن الفساد، خوفهم من سطوات الله تعالى ما أحل بمن هو أعظم منهم فقال: {واتقوا الذي خلقكم} أي فإعدامكم أهون شيء عليه، وأشار إلى ضعفهم وقوة من كان قبلهم بقوله: {والجبلة} أي الجماعة والأمة {الأولين*} الذين كانوا على خلقة وطبيعة عظيمة كأنها الجبال قوة وصلابة لا سيما قوم هود عليه السلام الذين هم عرب مثلكم، وقد بلغت بهم الشدة في أبدانهم، والصلابة في جميع أركانهم، إلى أن قالوا {أية : من أشد منا قوة} تفسير : [فصلت: 15] وقد بلغكم ما أنزل بهم سبحانه من بأسه، لأن العرب أعلم الناس بأخبارهم. ولما كان الحاصل ما مضى الإعلام بالرسالة، والتحذير من المخالفة، لأنها تؤدي إلى الضلالة إلى أن ختم ذلك بالإشارة بالتعبير بالجبلة إلى أن عذابه تعالى عظيم، لا يستعصي عليه صغير ولا كبير، أجابوه بالقدح في الرسالة أولاً، وباستصغار الوعيد ثانياً، بأن {قالوا إنما أنت من المسحرين*} أي الذين كرر سحرهم مرة بعد أخرى حتى اختبلوا، فصار كلامهم على غير نظام، أو من المعللين بالطعام والشراب كما مضى في صالح عليه السلام، أي فأنت بعيد من الصلاحية للرسالة: ثم أشاروا إلى عدم صلاحية البشر مطلقاً لها ولو كانوا أعقل الناس وأبعدهم عن الآفة بقولهم، عاطفين بالواو إشارة إلى عراقته فيما وصفوه به من جهة السحر والسحر، وأنه لا فرق بينه وبينهم: {وما أنت إلا بشر مثلنا} أي فلا وجه لتخصيصك عنا بذلك، والدليل على أن عطف ذلك أبلغ من إتباعه من غير عطف جزمهم بظن كذبه في قولهم؛ {وإن} أي وإنّا {نظنك لمن الكاذبين*} أي العريقين في الكذب - هذا مذهب البصريين في أن {إن} مخففة من الثقيلة، والذي يقتضيه السياق ترجح مذهب الكوفيين هنا في أن {إن} نافية، فإنهم أرادوا بإثبات الواو في {وما} المبالغة في نفي إرساله بتعداد ما ينافيه، فيكون مرادهم أنه ليس لنا ظن يتوجه إلى غير الكذب، وهو أبلغ من إثبات الظن به، ويؤيده تسبيبهم عنه سؤاله استهزاء به وتعجيزاً له إنزال العذاب بخلاف ما تقدم عن قوم صالح عليه السلام، فقالوا: {فأسقط علينا كسفاً} بإسكان السين على قراءة الجماعة وفتحها في رواية حفص، وكلاهما جمع كسفة، أي قطعاً {من السماء} أي السحاب، أو الحقيقة، وهذا الطلب لتصميمهم على التكذيب، ولو كان فيهم أدنى ميل إلى التصديق لما أخطروه ببالهم فضلاً عن طلبه ولا سيما كونه على وجه التهكم، ولذلك قالوا: {إن كنت} أي كوناً هو لك كالجبلة {من الصادقين*} أي العريقين في الصدق، المشهورين فيما بين أهله، لنصدقك فيما لزم من أمرك لنا باتخاذ الوقاية من العذاب من التهديد بالعذاب، وما أحسن نظره إلى تهديده لهم بما لله عليهم من القدرة في خلقهم وخلق من كانوا أشد منهم قوة وإهلاكهم بأنواع العذاب لما عصوه بتكذيب رسله. ولما كان عذاب العاصي يتوقف على العلم المحيط بأعماله، والقدرة على نكاله، استأنف تعالى الحكاية عنه في تنبيهه لهم على ذلك بقوله: {قال} مشيراً إلى أنه لا شيء من ذلك إلا إلى من أرسله، وهو متصف بكلا الوصفين، وأما هو فإنه وإن كان عالماً فهو قاصر العلم فهو غير قادر: {ربي أعلم} أي مني {بما تعملون*} لأنه محيط العلم فهو شامل القدرة، فهو يعلم استحقاقكم للعذاب، ومقدار ما تستحقون منه ووقت إنزاله، فإن شاء عذبكم، وأما أنا فليس عليّ إلا البلاغ وأنا مأمور به، فلم أخوفكم من نفسي ولا ادعيت قدرة على عذابكم، فطلبكم ذلك مني ظلم منكم مضموم إلى ظلمكم بالتكذيب. ولما كان محط كلامهم كله على تكذيبهم له من غير قدح في قدرة الخالق، سبب العذاب عن تكذيبهم فقال: {فكذبوه} أي استمروا على تكذيبه {فأخذهم} أي أخذ ملاك {عذاب يوم الظلة} وهي سحابة على نحو ما طلبوا من قطع السماء، أتتهم بعد حر شديد نالهم حتى من الأسراب في داخل الأرض أشد مما نالهم من خارجها ليعلم أن لا فاعل إلا الله، وأنه يتصرف كيف شاء على مقتضى العادة وغير مقتضاها فوجدوا من تلك الظلة نسيماً بارداً، وروحاً طيباً، فاجتمعوا تحتها استرواحاً إليها واستظلالاً بها، فأمطرت عليهم ناراً فاحترقوا بنحو مما اقترحوا وأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا، فنفذت فيهم سهام القدرة. ولم يجدوا من دونها وقاية ولا سترة من غير أن تدعو حاجة إلى سقوط شيء من جرم السماء، ولا بما دونها من العماء. ولما كان الحال موجباً للسؤال عن يوم الظلة، قال تعالى مهوّلاً لأمره ومعظماً لقدره: {إنه كان} فأكد بـ "إن" وعظم بـ "كان" {عذاب يوم عظيم*} وزاده عظماً بنسبته إلى اليوم فصار له من الهول، ببديع هذا القول، ما تجب له القلوب وتعظم الكروب.

اسماعيل حقي

تفسير : {اوفوا الكيل} اتموه: وبالفارسية [تمام بيماييد بيمانه را] {ولا تكونوا من المخسرين} حقوق الناس بالتطفيف: وبالفارسية[ومباشيد از كاهندكان وزيان رسانندكان بحقوق مردمان] يقال خسرته واخسرته نفقصته {وزنوا} الموزونات: وبالفارسية [وى سنجيد] وهو اى زنوا امر من وزن يزن وزنا وزنة والوزن معرفة قدر الشىء {بالقسطاس المستقيم} اى بالميزان السوى العدل. قال فى القاموس القسطاس بالضم والكسر الميزان او اقوم الموازين او هو ميزان العدل أى ميزان كان كالقسطاس او رومى معرب {ولا تبخسوا الناس اشياءهم} يقال بخس حقه اذا نقصه اياه وهو تعميم بعد تخصيص. قال فى كشف الاسرار ذكر باعم الالفاظ يخاطب به القافلة والوزان والنخاس والمحصى والصيرفى انتهى اى ولاتنقصوا شيئا من حقوقهم أى حق كان كنقص العد الزرع ودفع الزيف مكان الجيد والغصب والسرقة والتصرف بغير اذن صاحبه ونحو ذلك {ولا تعثوا فى الارض مفسدين} بالقتل والغارة وقطع الطريق. والعثى اشد الفساد فما لايدرك حسا وقوله مفسدين حال مقيدة اى لاتعتدوا حال افسادكم وانما قيده وان غلب العثى فى الفساد لانه قد يكون منه ماليس بفساد كمقابلة الظالم المعتدى بفعله ومنه ما يتضمن صلاحا راجحا كقتل الخضر الغلام وخرقه السفينة

ابن عاشور

تفسير : استئناف من كلامه انتقل به من غرض الدعوة الأصلية بقوله: {أية : ألا تَتّقون}تفسير : [الشعراء: 177] إلى آخره إلى الدعوة التفصيلية بوضع قوانين المعاملة بينهم، فقد كانوا مع شركهم بالله يطفّفون المكيال والميزان ويبخسون أشياء الناس إذا ابتاعوها منهم، ويفسدون في الأرض. فأما تطفيف الكيل والميزان فظلمٌ وأكل مال بالباطل، ولما كان تجارهم قد تمالؤوا عليه اضطر الناس إلى التبايع بالتطفيف. و{أوفوا} أمر بالإيفاء، أي جعل الشيء وافياً، أي تاماً، أي اجعلوا الكيل غير ناقص. والمُخْسِر: فاعل الخسارة لغيره، أي المُنقص، فمعنى {ولا تكونوا من المخسرين} لا تكونوا من المطفّفين. وصوغ {من المخسرين} أبلغ من: لا تكونوا مُخسرين. لأنه يدل على الأمر بالتبرُّؤ من أهل هذا الصنيع، كما تقدم آنفاً في عدة آيات منها قوله: {أية : لتكونَنَّ من المرجومين}تفسير : [الشعراء: 116] في قصة نوح. والقُسطاس: بضم القاف وبكسرها من أسماء العدل، ومن أسماء الميزان، وتقدم في قوله تعالى: {أية : وزِنُوا بالقسطاس المستقيم ذلك خيرٌ وأحسن تأويلاً} تفسير : في سورة الإسراء (35)، حمل على المعنيين هنا كما هنالك وإن كان الوصف بــــ{المستقيم} يرجح أن المقصود به الميزان، وتقدم تفصيل ما يرجع إليه هذا التشريع في قصته في الأعراف. وقرأ الجمهور: {بالقُسطاس} بضم القاف. وقرأه حمزة والكسائي وحفص عن عاصم وخَلَفٌ بكسر القاف. وبخس أشياء الناس: غبن منافعها وذمُّها بغير ما فيها ليضطروهم إلى بيعها بغبن. وأما الفساد فيقع على جميع المعاملات الضارة. والبخس: النقص والذم. وتقدم في قوله: {أية : ولا يبخس منه شيئاً} تفسير : في سورة البقرة (282) ونظيره في سورة الأعراف. وقد تقدم نظير بقية الآية في سورة هود. ومن بخس الأشياء أن يقولوا للذي يعرض سلعة سليمة للبيع: إن سلعتك رديئة، ليصرف عنها الراغبين فيشتريها برُخص.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 181- أمرهم شعيب بإعطاء الكيل وافياً حيث كان يشيع بينهم بخس الكيل والميزان، ونقص حقوق الناس بالتطفيف والخسران. 182- وزِنُوا بين الناس بالميزان السوى حتى يأخذوا حقهم بالعدل المستقيم. 183- ولا تنقصوا الناس شيئاً من حقوقهم، ولا تعثوا فى الأرض مفسدين، بالقتل وقطع الطريق وارتكاب الموبقات وإطاعة الهوى. 184- واحذروا عقوبة الله الذى خلقكم، وخلق الأمم القوية العاتية المتقدمة. 185- قالوا: ما أنت إلا واحد من الذين أصابهم السحر إصابة شديدة، فذهب بعقولهم. 186- وما أنت إلا واحد منا مُساوٍ لنا فى البشرية، فكيف تتميز علينا بالرسالة؟! ونحن نعتقد أنك من الراسخين فى الكذب. 187- فأسقط علينا قطع عذاب من السماء إن كنت من الصادقين فى الرسالة. وهذا اقتراح تحته كل ألوان الإنكار. 188- قال شعيب: ربى بالغ العلم بما تعملونه من المعاصى، وبما تستحقونه من العذاب ينزله عليكم فى وقته المقدر له. وهذا منه منتهى التفويض لله وغايته التهديد لهم.

د. أسعد حومد

تفسير : (181) - ثمَّ أمرَهُمْ بإِيفَاءِ المِكْيَالِ والمِيزانِ، وَنَهَاهُمْ عن التَّطْفِيفِ، وقالَ لهمْ: إذا دَفَعْتُمْ للنَّاسِ فأوْفُوا الكَيلَ والمِيزانَ حقَّهُمَا، ولا تَبْخَسُوا الكَيْلَ فَتُعْطُوهُ ناقِصَاً، وَتَأْخُذُوهُ وَافياً إِذا كَانَ لَكُمْ، وَلكِنْ خُذُوا كَما تُعْطُوْنَ، وأعْطُوا كَمَا تأخُذُون. المُخْسِرِين - المُنْقِصينَ لِلحُقُوقِ بالتَّطفِيفِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : الكيل: آلة تُقدّر بها الأشياء التي تُكال، ووحدته: كَيْلة أو قَدح أو أردب. والميزان كذلك: آلة يُقدَّر بها ما يُوزَن. ومعنى {وَلاَ تَكُونُواْ مِنَ ٱلْمُخْسِرِينَ} [الشعراء: 181] المخسِر: هو الذي يتسبب في خسارة الطرف الآخر في مسألة الكيل، بأن يأخذ بالزيادة، وإنْ أعطى يُعطِي بالنقصان. وفي الوزن قال {بِٱلْقِسْطَاسِ ٱلْمُسْتَقِيمِ} [الشعراء: 182]. والقسطاس: يعني العدل المطلق في قدرة البشر وإمكاناتهم في تحرِّي الدّقّة في الوزن، مع مراعاة اختلاف الموزونات، فوزن الذهب غير وزن التفاح مثلاً، غير وزن العدس أو السمسم، فعليك أنْ تتحرّى الدقة قَدْر إمكانك، لتحقق هذا القسطاس المستقيم. لكن، لماذا خصَّ الكيل والوزن من وسائل التقدير والتقييم، ولم يذكر مثلاً القياس في المساحات والمسافات بالمتر أو بالذراع؟ قالوا: لأن الناس قديماً - وكانت أمماً بدائية - لا تتعامل فيما يُقاس، فلا يشترون القماش مثلاً: لأنه يُغزل، تغزله النساء ويغزله الرجال، ولم يكُنْ أحد يغزل لأحد أو يبيع له، فهذه صورة حضارية رأيناها فيما بعد. وقديماً، كان الناس يتعاملون بالتبادل والمقايضة، وفي هذه الحالة لا يوجد بائع على حِدَة ولا مُشْترٍ على حِدَة، فلا يتفرد البائع بالبيع، والمشتري بالشراء، إلا في حالة مبادلة السلعة بثمن، كما قال تعالى: {أية : وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ ..}تفسير : [يوسف: 20] أي: باعوه. أما في حالة المقايضة، فأنت تأخذ القمح تأكله، وأنا آخذ التمر آكله، فالانتفاع هنا انتفاع مباشر بالسلعة، فإنْ قدَّرْتَ أن كل واحد في الصفقة بائع ومشترْ. تقول: شَرَى وباع. وإنْ قدَّرْت الأثمان التي لا ينتفع بها انتفاعاً مباشراً كالذهب والفضة، أو أي معدن آخر، وهذه الأشياء لا تؤكل فهي ثمن، أمّا الأشياء الأخرى فصالحة أنْ تكون سلعة، وصالحة لأنْ تكون ثمناً. وقد أفرد القرآن الكريم سورة مخصوصة لمسألة الكيل والميزان هي "سورة المطففين"، يقول سبحانه: {أية : وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ * ٱلَّذِينَ إِذَا ٱكْتَالُواْ عَلَى ٱلنَّاسِ يَسْتَوْفُونَ * وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ}تفسير : [المطففين: 1-3]. نقول: كال له يعني: أعطاه، واكتال عليه يعني: أخذ منه. فإن أخذ أخذ وافياً، وإنْ أعطى أعطى بالنقص والخسارة. والقرآن لا ينعى عليه أن يستوفى حقّه، لكن ينعى عليه أن ينقص من حَقِّ الآخرين، ولو شيئاً يسيراً. فمعنى (المطففين) من الشيء الطفيف اليسير، فإذا كان الويل لمن يظلم في الشيء الطفيف، فما بال مَنْ يظلم في الكل؟ فاللوم هنا لمَنْ يجمع بين هذين الأمرين: يأخذ بالزيادة ويُعطي بالنقص، أما مَنْ يعطي بالزيادة فلا بأس، وجزاؤه على الله، وهو من المحسنين الذين قال الله فيهم: {أية : مَا عَلَى ٱلْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ ..}تفسير : [التوبة: 91]. ومع تطور المجتمعات بدأ الناس يهتمُّون بقياس دقة آلات الكيل والوزن والقياس، فَوُجِدت هيئات متخصصة في معايرتها والتفتيش عليها ومتابعة دِقّتها؛ لأنها مع مرور الزمن عُرْضة للنقص أو الزيادة، فمثلاً سنجة الحديد - التي نزن بها قد تزيد إنْ كانت في مكان بحيث تتراكم عليها الزيوت والتراب، وقد تنقص بالحركة مع مرور الوقت، كما تنقص مثلاً أكرة الباب من كثرة الاستعمال، فتراها لامعة، ولمعانها دليل النقص، وإنْ كان يسيراً. وفي فرنسا، نموذج للياردة وللمتر من معدن لا يتآكل، جُعِلَتْ كمرجعٍ يُقاس عليه، وتُضبط عليه آلات القياس. ورأينا الآن آلاتٍ دقيقة جداً للوزن وللقياس، تضمن لك منتهى الدقة، خاصة في وزن الأشياء الثمينة؛ لذلك نراهم يضعون الميزان الدقيق في صندوق من الزجاج، حتى لا تُؤثِّر فيه حركة الهواء من حوله. ثم يقول الحق سبحانه: {وَلاَ تَبْخَسُواْ ٱلنَّاسَ أَشْيَآءَهُمْ ...}.