Verse. 3124 (AR)

٢٦ - ٱلشُّعَرَاء

26 - Ash-Shu'ara (AR)

وَاِنَّہٗ لَتَنْزِيْلُ رَبِّ الْعٰلَمِيْنَ۝۱۹۲ۭ
Wainnahu latanzeelu rabbi alAAalameena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وإنه» أي القرآن «لتنزيل رب العالمين».

192

Tafseer

الرازي

تفسير : القول فيما ذكره الله تعالى من أحوال محمد عليه الصلاة والسلام اعلم أن الله تعالى لما ختم مااقتصه من خبر الأنبياء ذكر بعد ذلك ما يدل على نبوته صلى الله عليه وسلم وهو من وجهين: الأول: قوله: {وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ } وذلك لأنه لفصاحته معجز فيكون ذلك من رب العالمين، أو لأنه إخبار عن القصص الماضية من غير تعليم ألبتة، فلا يكون ذلك إلا بوحي من الله تعالى، وقوله بعده: {وإنه لَفِى زُبُرِ ٱلأَوَّلِينَ } كأنه مؤكد لهذا الاحتمال، وذلك لأنه عليه السلام لما ذكر هذه القصص السبع على ما هي موجودة في زبر الأولين من غير تفاوت أصلاً مع أنه لم يشتغل بالتعلم والاستعداد، دل ذلك على أنه ليس إلا من عند الله تعالى، فهذا هو المقصود من الآية. فأما قوله تعالى: {وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ } فالمراد بالتنزيل المنزل، ثم قد كان يجوز في القرآن وهذه القصص أن يكون تنزيلاً من الله تعالى إلى محمد صلى الله عليه وسلم بلا واسطة فقال: {نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلأَمِينُ } والباء في قوله: {نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ } و {نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ } على القراءتين للتعدية، ومعنى {نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ } جعل الله الروح نازلاً به {عَلَىٰ قَلْبِكَ } أي (حفظكه و) فهمك إياه وأثبته في قلبك إثبات ما لا ينسى كقوله تعالى: { أية : سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تَنسَىٰ } تفسير : [الأعلى: 6] والروح الأمين جبريل عليه السلام وسماه روحاً من حيث خلق من الروح، وقيل لأنه نجاة الخلق في باب الدين فهو كالروح الذي تثبت معه الحياة، وقيل لأنه روح كله لا كالناس الذين في أبدانهم روح وسماه أميناً لأنه مؤتمن على ما يؤديه إلى الأنبياء عليهم السلام، وإلى غيرهم. وأما قوله: {عَلَىٰ قَلْبِكَ } ففيه قولان: الأول: أنه إنما قال: {عَلَىٰ قَلْبِكَ } وإن كان إنما أنزله عليه ليؤكد به أن ذلك المنزل محفوظ للرسول متمكن في قلبه لا يجوز عليه التغيير فيوثق بالإنذار الواقع منه الذي بين الله تعالى أنه هو المقصود ولذلك قال: {لِتَكُونَ مِنَ ٱلْمُنْذِرِينَ } الثاني: أن القلب هو المخاطب في الحقيقة لأنه موضع التمييز والاختبار، وأما سائر الأعضاء فمسخرة له والدليل عليه القرآن والحديث والمعقول، أما القرآن فآيات إحداها قوله تعالى في سورة البقرة (97): { أية : فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَىٰ قَلْبِكَ } تفسير : وقال ههنا: {نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلأَمِينُ عَلَىٰ قَلْبِكَ } وقال: { أية : إِنَّ فِى ذٰلِكَ لَذِكْرَىٰ لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ } تفسير : [ق: 37]، وثانيها: أنه ذكر أن استحقاق الجزاء ليس إلا على ما في القلب من المساعي فقال: { أية : لاَّ يُؤَاخِذُكُمُ ٱللَّهُ بِٱلَّلغْوِ فِى أَيْمَـٰنِكُمْ وَلَـٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ } تفسير : [البقرة: 225] وقال: { أية : لَن يَنَالَ ٱللَّهَ لُحُومُهَا وَلاَ دِمَاؤُهَا وَلَـٰكِن يَنَالُهُ ٱلتَّقْوَىٰ مِنكُمْ } تفسير : [الحج: 37] والتقوى في القلب لأنه تعالى قال: { أية : أُوْلَـئِكَ ٱلَّذِينَ ٱمْتَحَنَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَىٰ } تفسير : [الحجرات: 3] وقال تعالى: { أية : وَحُصّلَ مَا فِى ٱلصُّدُورِ } تفسير : [العاديات: 10]. وثالثها: قوله حكاية عن أهل النار: { أية : لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِى أَصْحَـٰبِ ٱلسَّعِيرِ } تفسير : [الملك: 10] ومعلوم أن العقل في القلب والسمع منفذ إليه، وقال: { أية : إِنَّ ٱلسَّمْعَ وَٱلْبَصَرَ وَٱلْفُؤَادَ كُلُّ أُولـٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً } تفسير : [الإسراء: 36] ومعلوم أن السمع والبصر لا يستفاد منهما إلا ما يؤديانه إلى القلب، فكان السؤال عنهما في الحقيقة سؤالاً عن القلب وقال تعالى: { أية : يَعْلَمُ خَائِنَةَ ٱلأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِى ٱلصُّدُورُ } تفسير : [غافر: 19]، ولم تخف الأعين إلا بما تضمر القلوب عند التحديق بها ورابعها: قوله: {أية : وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلسَّمْعَ وَٱلأَبْصَـٰرَ وَٱلأَفْئِدَةَ قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ} تفسير : [السجدة: 9] فخص هذه الثلاثة بإلزام الحجة منها واستدعاء الشكر عليها، وقد قلنا لا طائل في السمع والأبصار إلا بما يؤديان إلى القلب ليكون القلب هو القاضي فيه والمتحكم عليه، وقال تعالى: { أية : وَلَقَدْ مَكَّنَـٰهُمْ فِيمَا إِن مَّكَّنَّـٰكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعاً وَأَبْصَـٰراً وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَىٰ عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلاَ أَبْصَـٰرُهُمْ وَلاَ أَفْئِدَتُهُمْ من شيء } تفسير : [الأحقاف: 26] فجعل هذه الثلاثة تمام ما ألزمهم من حجته، والمقصود من ذلك هو الفؤاد القاضي فيما يؤدي إليه السمع والبصر وخامسها: قوله تعالى: { أية : خَتَمَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ وَعَلَىٰ سَمْعِهِمْ وَعَلَىٰ أَبْصَـٰرِهِمْ } تفسير : [البقرة: 7] فجعل العذاب لازماً على هذه الثلاثة وقال: { أية : لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ ءاذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا } تفسير : [الأعراف: 179] وجه الدلالة أنه قصد إلى نفي العلم عنهم رأساً، فلو ثبت العلم في غير القلب كثباته في القلب لم يتم الغرض فهذه الآيات ومشاكلها ناطقة بأجمعها أن القلب هو المقصود بإلزام الحجة، وقد بينا أن ما قرن بذكره من ذكر السمع والبصر فذلك لأنهما آلتان للقلب في تأدية صور المحسوسات والمسموعات. وأما الحديث فما روى النعمان بن بشير قال سمعته عليه السلام يقول: « حديث : ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب » تفسير : وأما المعقول فوجوه: أحدها: أن القلب إذا غشي عليه فلو قطع سائر الأعضاء لم يحصل الشعور به وإذا أفاق القلب فإنه يشعر بجميع ما ينزل بالأعضاء من الآفات فدل ذلك على أن سائر الأعضاء تبع للقلب ولذلك فإن القلب إذا فرح أو حزن فإنه يتغير حال الأعضاء عند ذلك، وكذا القول في سائر الأعراض النفسانية وثانيها: أن القلب منبع المشاق الباعثة على الأفعال الصادرة من سائر الأعضاء وإذا كانت المشاق مبادىء للأفعال ومنبعها هو القلب كان الآمر المطلق هو القلب وثالثها: أن معدن العقل هو القلب وإذا كان كذلك كان الآمر المطلق هو القلب. أما المقدمة الأولى: ففيها النزاع فإن طائفة من القدماء ذهبوا إلى أن معدن العقل هو الدماغ والذي يدل على قولنا وجوه: الأول: قوله تعالى: { أية : أَوَلَمْ يَسيرُواْ فِى ٱلأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا } تفسير : [الحج: 46] وقوله: { أية : لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا } تفسير : [الأعراف: 179] وقوله: { أية : إِنَّ فِى ذٰلِكَ لَذِكْرَىٰ لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ } تفسير : [ق: 37] أي عقل، أطلق عليه اسم القلب لما أنه معدنه الثاني: أنه تعالى أضاف أضداد العلم إلى القلب، وقال: { أية : فِى قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ } تفسير : [البقرة: 10]، { أية : خَتَمَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ } تفسير : [البقرة: 7] وقولهم: { أية : قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ } تفسير : [النساء: 155]، { أية : يَحْذَرُ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ أن تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِم } تفسير : [التوبة: 64]، { أية : يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَّا لَيْسَ فِى قُلُوبِهِمْ } تفسير : [الفتح: 11]، { أية : كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ } تفسير : [المطففين: 14]، { أية : أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْءانَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا } تفسير : [محمد: 24]، { أية : فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى ٱلأَبْصَـٰرُ وَلَـٰكِن تَعْمَىٰ ٱلْقُلُوبُ ٱلَّتِى فِى ٱلصُّدُورِ } تفسير : [الحج: 46] فدلت هذه الآيات على أن موضع الجهل والغفلة هو القلب فوجب أن يكون موضع العقل والفهم أيضاً هو القلب الثالث: وهو أنا إذا جربنا أنفسنا وجدنا علومنا حاصلة في ناحية القلب، ولذلك فإن الواحد منا إذا أمعن في الفكر وأكثر منه أحس من قلبه ضيقاً وضجراً حتى كأنه يتألم بذلك، وكل ذلك يدل على أن موضع العقل هو القلب، وإذا ثبت ذلك وجب أن يكون المكلف هو القلب لأن التكليف مشروط بالعقل والفهم الرابع: وهو أن القلب أول الأعضاء تكوناً، وآخرها موتاً، وقد ثبت ذلك بالتشريح ولأنه متمكن في الصدر الذي هو أوسط الجسد، ومن شأن الملوك المحتاجين إلى الخدم أن يكونوا في وسط المملكة لتكتنفهم الحواشي من الجوانب فيكونوا أبعد من الآفات، واحتج من قال العقل في الدماغ بأمور: أحدها: أن الحواس التي هي الآلات للإدراك نافذة إلى الدماغ دون القلب وثانيها: أن الأعصاب التي هي الآلات في الحركات الاختيارية نافذة من الدماغ دون القلب وثالثها: أن الآفة إذا حلت في الدماغ اختل العقل ورابعها: أن في العرف كل من أريد وصفه بقلة العقل قيل إنه خفيف الدماغ خفيف الرأس وخامسها: أن العقل أشرف فيكون مكانه أشرف، والأعلى هو الأشرف وذلك هو الدماغ لا القلب فوجب أن يكون محل العقل هو الدماغ والجواب عن الأول: لم لا يجوز أن يقال الحواس تؤدي آثارها إلى الدماغ، ثم إن الدماغ يؤدي تلك الآثار إلى القلب، فالدماغ آلة قريبة للقلب للقلب والحواس آلات بعيدة فالحس يخدم الدماغ، ثم الدماغ يخدم القلب وتحقيقه أنا ندرك من أنفسنا أنا إذا عقلنا أن الأمر الفلاني يجب فعله أو يجب تركه، فإن الأعضاء تتحرك عند ذلك، ونحن نجد التعقلات من جانب القلب لا من جانب الدماغ وعن الثاني: أنه لا يبعد أن يتأدى الأثر من القلب إلى الدماغ، ثم الدماغ يحرك الأعضاء بواسطة الأعصاب النابتة منه، وعن الثالث: لا يبعد أن يكون سلامة الدماغ شرطاً لوصول تأثير القلب إلى سائر الأعضاء، وعن الرابع: أن ذلك العرف إنما كان لأن القلب إنما يعتدل مزاجه بما يستمد من الدماغ من برودته، فإذا لحق الدماغ خروج عن الاعتدال خرج القلب عن الاعتدال أيضاً، إما لازدياد حرارته عن القدر الواجب أو لنقصان حراراته عن ذلك القدر فحينئذ يختل العقل وعن الخامس: أنه لو صح ما قالوه لوجب أن يكون موضع العقل هو القحف، ولما بطل ذلك ثبت فساد قولهم والله أعلم. فرع: اعلم أن المعاني التي بينا كونها مختصة بالقلوب قد تضاف إلى الصدر تارة وإلى الفؤاد أخرى، أما الصدر فلقوله تعالى: { أية : وَحُصّلَ مَا فِى ٱلصُّدُورِ } تفسير : [العاديات: 10] وقوله: { أية : وَلِيَبْتَلِىَ ٱللَّهُ مَا فِى صُدُورِكُمْ } تفسير : [آل عمران: 154] وقوله تعالى: { أية : إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ } تفسير : [هود: 5]، { أية : وإِنْ تُخْفُواْ مَا فِى صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ } تفسير : [آل عمران: 29] وأما الفؤاد فقوله: { أية : وَنُقَلّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَـٰرَهُمْ } تفسير : [الأنعام:110] ومن الناس من فرق بين القلب والفؤاد فقال: القلب هو العلقة السوداء في جوف الفؤاد دون ما يكتنفها من اللحم والشحم، ومجموع ذلك هو الفؤاد ومنهم من قال القلب والفؤاد لفظان مترادفان، وكيف كان فيجب أن يعلم أن من جملة العضو المسمى قلباً وفؤاداً موضعاً هو الموضع في الحقيقة للعقل والاختيار، وأن معظم جرم هذا العضو مسخر لذلك الموضع، كما أن سائر الأعضاء مسخرة للقلب، فإن العضو قد تزيد أجزاؤه من غير ازدياد المعاني المنسوبة إليه أعني العقل والفرح والحزن وقد ينقص من غير نقصان في تلك المعاني، فيشبه أن يكون اسم القلب اسماً للأجزاء التي تحل فيها هذه المعاني بالحقيقة، واسم الفؤاد يكون اسماً لمجموع العضو، فهذا هو الكلام في هذا الباب والله الموفق للصواب. وأما قوله تعالى: {لِتَكُونَ مِنَ ٱلْمُنْذِرِينَ } فيدخل تحت الإنذار الدعاء إلى كل واجب من علم وعمل والمنع من كل قبيح لأن في الوجهين جميعاً يدخل الخوف من العقاب. وأما قوله تعالى: {بِلِسَانٍ عَرَبِىّ مُّبِينٍ } فالباء إما أن تتعلق بالمنذرين فيكون المعنى لتكون من الذين أنذروا بهذا اللسان، وهم خمسة هود وصالح وشعيب وإسماعيل ومحمد عليهم السلام، وإما أن تتعلق بنزل فيكون المعنى نزله باللسان العربي لينذر به لأنه لو نزله باللسان الأعجمي (لتجافوا عنه أهلاً و) لقالوا له ما نصنع بما لا نفهمه فيتعذر الإنذار به، وفي هذا الوجه أن تنزيله بالعربية التي هي لسانك ولسان قومك تنزيل له على قلبك لأنك تفهمه ويفهمه قومك، ولو كان أعجمياً لكان نازلاً على سمعك دون قلبك، لأنك تسمع أجراس حروف لا تفهم معانيها. وأما قوله تعالى: {وَإِنَّهُ لَفِى زُبُرِ ٱلأَوَّلِينَ } فيحتمل هذه الأخبار خاصة، ويحتمل أن يكون المراد صفة القرآن، ويحتمل صفة محمد صلى الله عليه وسلم، ويحتمل أن يكون المراد وجوه التخويف، لأن ذكر هذه الأشياء بأسرها قد تقدم.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ } عاد إلى ما تقدّم بيانه في أوّل السورة من إعراض المشركين عن القرآن. {نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلأَمِينُ عَلَىٰ قَلْبِكَ} {نَزَلَ} مخفَّفاً قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو. الباقون: «نَزَّلَ» مشدّداً «بِهِ الرُّوحَ الأَمِينَ» نصباً وهو اختيار أبي حاتم وأبي عبيد لقوله: {وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ} وهو مصدر نزل. والحجة لمن قرأ بالتخفيف أن يقول ليس هذا بمقدّر؛ لأن المعنى وإن القرآن لتنزيل رب العالمين نزل به جبريل إليك؛ كما قال تعالى: {أية : قُلْ مَن كَانَ عَدُوّاً لِّجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَىٰ قَلْبِكَ} تفسير : [البقرة: 97] أي يتلوه عليك فيعيه قلبك. وقيل: ليثبت قلبك. {لِتَكُونَ مِنَ ٱلْمُنْذِرِينَ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ} أي لئلا يقولوا لسنا نفهم ما تقول.{وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ ٱلأَوَّلِينَ } أي وإن ذكر نزوله لفي كتب الأوّلين يعني الأنبياء. وقيل: أي إن ذكر محمد عليه السلام في كتب الأوّلين. كما قال تعالى: {أية : يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي ٱلتَّوْرَاةِ وَٱلإِنْجِيلِ}تفسير : [الأعراف: 157] والزُّبُر الكتب الواحد زَبُور كرسول ورسل؛ وقد تقدّم.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى مخبراً عن الكتاب الذي أنزله على عبده ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم{وَإِنَّهُ} أي: القرآن، ذكره في أول السورة في قوله: {أية : وَمَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مِّنَ ٱلرَّحْمَـٰنِ مُحْدَثٍ} تفسير : [الأنبياء: 2] الآية {لَتَنزِيلُ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ} أي: أنزله الله عليك، وأوحاه إليك، {نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلأَمِينُ} وهو جبريل عليه السلام، قاله غير واحد من السلف: ابن عباس ومحمد بن كعب وقتادة وعطية العوفي والسدي والضحاك والزهري وابن جريج، وهذا مما لا نزاع فيه. قال الزهري: وهذه كقوله: {أية : قُلْ مَن كَانَ عَدُوّاً لِّجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَىٰ قَلْبِكَ بِإِذْنِ ٱللَّهِ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ} تفسير : [البقرة: 97] وقال مجاهد: من كلمه الروح الأمين، لا تأكله الأرض {عَلَىٰ قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ ٱلْمُنْذِرِينَ} أي: نزل به ملك كريم أمين ذو مكانة عند الله مطاع في الملأ الأعلى {عَلَىٰ قَلْبِكَ} يا محمد سالماً من الدنس والزيادة والنقص {لِتَكُونَ مِنَ ٱلْمُنْذِرِينَ} أي: لتنذر به بأس الله ونقمته على من خالفه وكذبه، وتبشر به المؤمنين المتبعين له. وقوله تعالى: {بِلِسَانٍ عَرَبِىٍّ مُّبِينٍ} أي: هذا القرآن الذي أنزلناه إليك، أنزلناه بلسانك العربي الفصيح الكامل الشامل؛ ليكون بيناً واضحاً ظاهراً، قاطعاً للعذر، مقيماً للحجة، دليلاً إلى المحجة. قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عبد الله بن أبي بكر العتكي، حدثنا عباد بن عباد المهلبي عن موسى بن محمد عن إبراهيم التيمي عن أبيه قال: بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أصحابه في يوم دجن، إذ قال لهم: «حديث : كيف ترون بواسقها؟» تفسير : قالوا: ما أحسنها وأشد تراكمها قال: «حديث : فكيف ترون قواعدها؟» تفسير : قالوا: ما أحسنها وأشد تمكنها قال: «حديث : فكيف ترون جونَها؟» تفسير : قالوا: ما أحسنه وأشد سواده قال: «حديث : فيكف ترون رحاها استدارت؟» تفسير : قالوا: ما أحسنها وأشد استدارتها قال «حديث : فكيف ترون برقها: أوميض أم خَفْوٌ، أم يشق شقاً؟» تفسير : قالوا: بل يشق شقاً، قال: «حديث : الحياء الحياء إن شاء الله»تفسير : . قال: فقال رجل: يا رسول الله بأبي وأمي، ما أفصحك ما رأيت الذي هو أعرب منك. قال: فقال: «حديث : حق لي وإنما أنزل القرآن بلساني، والله يقول: {بِلِسَانٍ عَرَبِىٍّ مُّبِينٍ}» تفسير : وقال سفيان الثوري: لم ينزل وحي إلا بالعربية، ثم ترجم كل نبي لقومه، واللسان يوم القيامة بالسريانية، فمن دخل الجنة تكلم بالعربية، رواه ابن أبي حاتم.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَإِنَّهُ } أي القرآن {لَتَنزِيلُ رَبِّ ٱلْعَٰلَمِينَ }.

الشوكاني

تفسير : قوله: {وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ } الضمير يرجع إلى ما نزله عليه من الأخبار أي وإن هذه الأخبار أو وإن القرآن، وإن لم يجر له ذكر للعلم به، قيل: وهو على تقدير مضاف محذوف أي: ذو تنزيل، وأما إذا كان تنزيل بمعنى منزل فلا حاجة إلى تقدير مضاف قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وحفص عن عاصم: {نَزَّلَ } مخففاً، وقرأه الباقون مشدّداً، و {وَٱلرُّوحُ ٱلأَمِينُ } على القراءة الثانية منصوب على أنه مفعول به، وقد اختار هذه القراءة أبو حاتم وأبو عبيد، والروح الأمين جبريل، كما في قوله: {أية : قُلْ مَن كَانَ عَدُوّا لِّجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَىٰ قَلْبِكَ } تفسير : [البقرة: 97]، ومعنى {عَلَىٰ قَلْبِكَ }: أنه تلاه على قلبه، ووجه تخصيص القلب، لأنه أوّل مدرك من الحواس الباطنة. قال أبو حيان: إن {على قلبك}، ولتكون متعلقان بنزل، وقيل: يجوز أن يتعلقا بتنزيل، والأوّل أولى، وقرىء: "نزّل" مشدّداً مبنياً للمفعول، والفاعل هو الله تعالى، ويكون الروح على هذه القراءة مرفوعاً على النيابة {لِتَكُونَ مِنَ ٱلْمُنْذِرِينَ } علة للإنزال أي أنزله لتنذرهم بما تضمنه من التحذيرات والإنذارات والعقوبات. {بِلِسَانٍ عَرَبِىّ مُّبِينٍ } متعلق بالمنذرين أي لتكون من المنذرين بهذا اللسان، وجوّز أبو البقاء أن يكون بدلاً من {به}، وقيل: متعلق بنزل، وإنما أخر للاعتناء بذكر الإنذار، وإنما جعل الله سبحانه القرآن عربياً بلسان الرسول العربي لئلا يقول مشركو العرب: لسنا نفهم ما تقوله بغير لساننا فقطع بذلك حجتهم وأزاح علتهم ودفع معذرتهم. {وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ ٱلأَوَّلِينَ } أي إن هذا القرآن باعتبار أحكامه التي أجمعت عليها الشرائع في كتب الأوّلين من الأنبياء، والزبر: الكتب، الواحد زبور، وقد تقدّم الكلام على تفسير مثل هذا. وقيل: الضمير لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وقيل: المراد بكون القرآن في زبر الأوّلين: أنه مذكور فيها هو نفسه، لا ما اشتمل عليه من الأحكام، والأوّل أولى. {أَوَلَمْ يَكُن لَّهُمْ ءَايَةً أَن يَعْلَمَهُ عُلَمَاء بَنِي إِسْرٰءيلَ } الهمزة للإنكار، والواو للعطف على مقدّر كما تقدّم مراراً، والآية العلامة والدلالة أي ألم يكن لهؤلاء علامة دالة على أن القرآن حق، وأنه تنزيل ربّ العالمين. وأنه في زبر الأوّلين، {أن يعلمه علماء بني إسرائيل} على العموم، أو من آمن منهم كعبد الله بن سلام، وإنما صارت شهادة أهل الكتاب حجة على المشركين؛ لأنهم كانوا يرجعون إليهم ويصدّقونهم. قرأ ابن عامر "تكن" بالفوقية، "وآية" بالرفع على أنها اسم كان، وخبرها أن يعلمه إلخ، ويجوز أن تكون تامة، وقرأ الباقون: "يكن" بالتحتية، و{آية} بالنصب على أنها خبر {يكن}، واسمها {أن يعلمه} الخ، قال الزجاج: {أن يعلمه} اسم {يكن}، و{آية} خبره. والمعنى: أو لم يكن لهم علم علماء بني إسرائيل أن محمداً نبيّ حقّ علامة ودلالة على نبوّته؛ لأن العلماء الذين آمنوا من بني إسرائيل كانوا يخبرون بوجود ذكره في كتبهم، وكذا قال الفراء، ووجها قراءة الرفع بما ذكرنا. وفي قراءة ابن عامر نظر، لأن جعل النكرة اسماً، والمعرفة خبراً غير سائغ، وإن ورد شاذاً في مثل قول الشاعر:شعر : فلا يك موقف منك الوداعا تفسير : وقول الآخر:شعر : وكان مزاجها عسل وماء تفسير : ولا وجه لما قيل: إن النكرة قد تخصصت بقولهم: {لَهُمْ } لأنه في محل نصب على الحال والحال صفة في المعنى؛ فأحسن ما يقال في التوجيه: ما قدّمنا ذكره من أن {يكن} تامة {وَلَوْ نَزَّلْنَـٰهُ عَلَىٰ بَعْضِ ٱلأَعْجَمِينَ } أي لو نزلنا القرآن على الصفة التي هو عليها على رجل من الأعجمين الذي لا يقدرون على التكلم بالعربية. {فَقَرَأَهُ عَلَيْهِم } قراءة صحيحة {مَّا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ } مع انضمام إعجاز القراءة من الرجل الأعجميّ للكلام العربيّ إلى إعجاز القرآن. وقيل: المعنى: ولو نزّلناه على بعض الأعجمين بلغة العجم، فقرأه عليهم بلغته لم يؤمنوا به، وقالوا: ما نفقه هذا، ولا نفهمه، ومثل هذا قوله: {أية : وَلَوْ جَعَلْنَـٰهُ قُرْءَاناً أعْجَمِيّاً لَّقَالُواْ لَوْلاَ فُصّلَتْ ءَايَـٰتُهُ } تفسير : [فصلت: 44] يقال: رجل أعجم، وأعجميّ: إذا كان غير فصيح اللسان، وإن كان عربياً، ورجل عجمي: إذا كان أصله من العجم، وإن كان فصيحاً، إلاّ أن الفراء أجاز أن يقال: رجل عجميّ بمعنى أعجميّ، وقرأ الحسن: "على بعض الأعجميين"، وكذلك قرأ الجحدري. قال أبو الفتح بن جني: أصل الأعجمين: الأعجميين، ثم حذفت ياء النسب، وجعل جمعه بالياء والنون دليلاً عليها. {كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ ٱلْمُجْرِمِينَ } أي مثل ذلك السلك سلكناه أي أدخلناه في قلوبهم: يعني: القرآن حتى فهموا معانيه وعرفوا فصاحته وأنه معجز. وقال الحسن وغيره: سلكنا الشرك والتكذيب في قلوب المجرمين. وقال عكرمة: سلكنا القسوة، والأوّل أولى، لأن السياق في القرآن، وجملة: {لاَ يُؤْمِنُونَ } تحتمل وجهين: الأوّل: الاستئناف على جهة البيان والإيضاح لما قبلها. والثاني: أنها في محل نصب على الحال من الضمير في {سلكناه}، ويجوز أن يكون حالاً من {المجرمين}. وأجاز الفراء الجزم في {لا يؤمنون}، لأن فيه معنى الشرط، والمجازاة، وزعم أن من شأن العرب إذا وضعت "لا" موضع "كيلا" مثل هذا ربما جزمت ما بعدها، وربما رفعت، فتقول: ربطت الفرس لا ينفلت بالرفع والجزم؛ لأن معناه: إن لم أربطه ينفلت، وأنشد لبعض بني عقيل:شعر : وحتى رأينا أحسن الفعل بيننا مساكنه لا يقرف الشر قارف تفسير : بالرفع، ومن الجزم قول الآخر:شعر : لطال مـا حللتماها لا ترد فخلياهـا والسجـال تبترد تفسير : قال النحاس: وهذا كله في {لا يؤمنون} خطأ عند البصريين، ولا يجوز الجزم بلا جازم {حَتَّىٰ يَرَوُاْ ٱلْعَذَابَ ٱلألِيمَ } أي لا يؤمنون إلى هذه الغاية، وهي مشاهدتهم للعذاب الأليم: {فَيَأْتِيَهُم } العذاب {بَغْتَةً } أي: فجأة والحال أنـهم {لاَ يَشْعُرُونَ } بإتيانه، وقرأ الحسن: "فتأتيهم" بالفوقية: أي الساعة، وإن لم يتقدّم لها ذكر، لكنه قد دلّ العذاب عليها. {فَيَقُولُواْ هَلْ نَحْنُ مُنظَرُونَ } أي مؤخرون، وممهلون، قالوا هذا تحسراً على ما فات من الإيمان، وتمنيا للرجعة إلى الدنيا، لاستدراك ما فرط منهم. وقيل: إن المراد بقولهم: {هَلْ نَحْنُ مُنظَرُونَ }: الاستعجال للعذاب على طريقة الاستهزاء لقوله: {أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ }، ولا يخفى ما في هذا من البعد والمخالفة للمعنى الظاهر، فإن معنى {هَلْ نَحْنُ مُنظَرُونَ }: طلب النظرة والإمهال، وأما قوله: {أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ } فالمراد به: الردّ عليهم، والإنكار لما وقع منهم من قولهم: {أية : فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مّنَ ٱلسَّمَاء أَوِ ٱئْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ } تفسير : [الأنفال: 32]، وقولهم: {أية : فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا } تفسير : [الأعراف: 70] {أَفَرَأَيْتَ إِن مَّتَّعْنَـٰهُمْ سِنِينَ } الاستفهام للإنكار، والفاء للعطف على مقدّر يناسب المقام كما مرّ في غير موضع، ومعنى أرأيت: أخبرني، والخطاب لكل من يصلح له أي أخبرني إن متعناهم سنين في الدنيا متطاولة، وطوّلنا لهم الأعمار {ثُمَّ جَاءهُم مَّا كَانُواْ يُوعَدُونَ } من العذاب، والهلاك {مَا أَغْنَىٰ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يُمَتَّعُونَ }: "ما" هي الاستفهامية، والمعنى أي شيء أغنى عنهم كونهم ممتعين ذلك التمتع الطويل، و «ما» في {مَّا كَانُواْ يُمَتَّعُونَ } يجوز أن تكون المصدرية، ويجوز أن تكون الموصولة، والاستفهام للإنكار التقريري، ويجوز أن تكون "ما" الأولى نافية، والمفعول محذوف أي لم يغن عنهم تمتيعهم شيئاً، وقرىء: "يمتعون" بإسكان الميم، وتخفيف التاء من أمتع الله زيداً بكذا {وَمَا أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلاَّ لَهَا مُنذِرُونَ }: "من" مزيدة للتأكيد أي وما أهلكنا قرية من القرى إلاّ لها منذرون. وجملة {إِلاَّ لَهَا مُنذِرُونَ } يجوز أن تكون صفة لقرية، ويجوز أن تكون حالاً منها، وسوّغ ذلك سبق النفي، والمعنى: ما أهلكنا قرية من القرى إلاّ بعد الإنذار إليهم، والإعذار بإرسال الرسل وإنزال الكتب، وقوله {ذِكْرِى } بمعنى تذكرة، وهي في محل نصب على العلة أو المصدرية. وقال الكسائي: {ذكرى} في موضع نصب على الحال. وقال الفراء، والزجاج: إنها في موضع نصب على المصدرية أي: يذكرون ذكرى. قال النحاس: وهذا قول صحيح، لأن معنى {إِلاَّ لَهَا مُنذِرُونَ }: إلا لها مذكرون. قال الزجاج: ويجوز أن يكون ذكرى في موضع رفع على أنها خبر مبتدأ محذوف أي إنذارنا ذكرى، أو ذلك ذكرى. قال ابن الأنباري: المعنى: هي ذكرى، أو يذكرهم ذكرى، وقد رجح الأخفش أنها خبر مبتدأ محذوف {وَمَا كُنَّا ظَـٰلِمِينَ } في تعذيبهم، فقد قدّمنا الحجة إليهم وأنذرناهم وأعذرنا إليهم. {وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ ٱلشَّيَـٰطِينُ } أي: بالقرآن، وهذا ردّ لما زعمه الكفرة في القرآن أنه من قبيل ما يلقيه الشياطين على الكهنة {وَمَا يَنبَغِي لَهُمْ } ذلك، ولا يصح منهم {وَمَا يَسْتَطِيعُونَ } ما نسبه الكفار إليهم أصلاً {إِنَّهُمْ عَنِ ٱلسَّمْعِ } للقرآن، أو لكلام الملائكة {لَمَعْزُولُونَ } محجوبون مرجومون بالشهب. وقرأ الحسن وابن السميفع والأعمش: "وما تنزلت به الشياطون" بالواو والنون إجراء له مجرى جمع السلامة. قال النحاس: وهذا غلط عند جميع النحويين. قال: وسمعت علي بن سليمان يقول: سمعت محمد بن يزيد يقول: هذا من غلط العلماء، وإنما يكون بشبهة لما رأى الحسن في آخره ياء ونوناً، وهو في موضع رفع؛ اشتبه عليه بالجمع السالم، فغلط. قال الفراء: غلط الشيخ يعني: الحسن، فقيل: ذلك للنضر بن شميل، فقال: إن جاز أن يحتجّ بقول رؤبة والعجاج وذويهما جاز أن يحتج بقول الحسن وصاحبه يعني محمد بن السميفع مع أنا نعلم أنهما لم يقرآ بذلك إلاّ وقد سمعا فيه شيئاً. وقال المؤرّج: إن كان الشيطان من شاط يشيط كان لقراءتهما وجه. قال يونس بن حبيب: سمعت أعرابياً يقول: دخلنا بساتين من ورائها بساتون. ثم لما قرّر سبحانه حقية القرآن، وأنه منزّل من عنده أمر نبيه صلى الله عليه وسلم بدعاء الله وحده فقال: {فَلاَ تَدْعُ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهاً ءَاخَرَ فَتَكُونَ مِنَ ٱلْمُعَذَّبِينَ }، وخطاب النبيّ صلى الله عليه وسلم بهذا مع كونه منزّهاً عنه معصوماً منه لحثّ العباد على التوحيد، ونهيهم عن شوائب الشرك، وكأنه قال: أنت أكرم الخلق عليّ، وأعزّهم عندي، ولو اتخذت معي إِلـٰهاً لعذبتك، فكيف بغيرك من العباد {وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ ٱلأَقْرَبِينَ } خص الأقربين؛ لأن الاهتمام بشأنهم أولى، وهدايتهم إلى الحق أقدم. قيل: هم قريش، وقيل: بنو عبد مناف، وقيل: بنو هاشم. وقد ثبت في الصحيح: أن هذه الآية لما نزلت دعا النبيّ صلى الله عليه وسلم قريشاً، فاجتمعوا فعمّ وخص، فذلك منه صلى الله عليه وسلم بيان للعشيرة الأقربين، وسيأتي بيان ذلك. {وَٱخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ } يقال: خفض جناحه إذا ألانه، وفيه استعارة حسنة. والمعنى: ألن جناحك وتواضع لمن اتبعك من المؤمنين، وأظهر لهم المحبة والكرامة وتجاوز عنهم. {فَإِنْ عَصَوْكَ } أي خالفوا أمرك، ولم يتبعوك {فَقُلْ إِنّي بَرِيء مّمَّا تَعْمَلُونَ } أي من عملكم، أو من الذي تعملونه، وهذا يدلّ على أن المراد بالمؤمنين المشارفون للإيمان المصدّقون باللسان، لأن المؤمنين الخلص لا يعصونه، ولا يخالفونه. ثم بيّن له ما يعتمد عليه عند عصيانهم له فقال: {فَتَوَكَّلْ عَلَى ٱلْعَزِيز ٱلرَّحِيمُ } أي: فوّض أمورك إليه، فإنه القادر على قهر الأعداء، وهو: الرحيم للأولياء، قرأ نافع، وابن عامر: "فتوكل" بالفاء. وقرأ الباقون {وتوكل} بالواو، فعلى القراءة الأولى يكون ما بعد الفاء كالجزء مما قبلها مترتباً عليه، وعلى القراءة الثانية يكون ما بعد الواو معطوفاً على ما قبلها عطف جملة على جملة من غير ترتيب. {ٱلَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ } أي: حين تقوم إلى الصلاة وحدك في قول أكثر المفسرين، وقال مجاهد: حين تقوم حيثما كنت {وَتَقَلُّبَكَ فِي ٱلسَّـٰجِدِينَ } أي ويراك إن صليت في الجماعة راكعاً وساجداً وقائماً، كذا قال أكثر المفسرين. وقيل: يراك في الموحدين من نبيّ إلى نبيّ حتى أخرجك في هذه الأمة. وقيل: المراد بقوله: {يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ} قيامه إلى التهجد، وقوله: {وَتَقَلُّبَكَ فِي ٱلسَّـٰجِدِينَ } يريد: تردّدك في تصفح أحوال المجتهدين في العبادة، وتقلب بصرك فيهم، كذا قال مجاهد. {إِنَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ } لما تقوله {ٱلْعَلِيمُ } به. ثم أكّد سبحانه معنى قوله {وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ ٱلشَّيَـٰطِينُ }، وبينه، فقال: {هَلْ أُنَبّئُكُمْ عَلَىٰ مَن تَنَزَّلُ ٱلشَّيَـٰطِينُ } أي على من تتنزّل، فحذف إحدى التاءين، وفيه بيان استحالة تنزّل الشياطين على رسول الله صلى الله عليه وسلم. {تَنَزَّلُ عَلَىٰ كُلّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ }. والأفاك: الكثير الإفك، والأثيم: كثير الإثم، والمراد بهم: كل من كان كاهناً، فإن الشياطين كانت تسترق السمع، ثم يأتون إليهم، فيلقونه إليهم، وهو معنى قوله: {يُلْقُونَ ٱلسَّمْعَ } أي: ما يسمعونه مما يسترقونه، فتكون جملة: {يُلْقُونَ ٱلسَّمْعَ } على هذا راجعة إلى الشياطين في محل نصب على الحال أي: حال كون الشياطين ملقين السمع أي ما يسمعونه من الملأ الأعلى إلى الكهان. ويجوز أن يكون المعنى: إن الشياطين يلقون السمع أي: ينصتون إلى الملأ الأعلى؛ ليسترقوا منهم شيئاً، ويكون المراد بالسمع على الوجه الأوّل المسموع، وعلى الوجه الثاني: نفس حاسة السمع. ويجوز أن تكون جملة: {يُلْقُونَ ٱلسَّمْعَ } راجعة إلى كل أفاك أثيم على أنها صفة، أو مستأنفة، ومعنى الإلقاء: أنهم يسمعون ما تلقيه إليهم الشياطين من الكلمات التي تصدق الواحدة منها، وتكذب المائة الكلمة كما ورد في الحديث، وجملة: {وَأَكْثَرُهُمْ كَـٰذِبُونَ } راجعة إلى كل أفاك أثيم أي وأكثر هؤلاء الكهنة كاذبون فيما يتلقونه من الشياطين، لأنهم يضمون إلى ما يسمعونه كثيراً من أكاذيبهم المختلقة، أو أكثرهم كاذبون فيما يلقونه من السمع أي المسموع من الشياطين إلى الناس، ويجوز أن تكون جملة: {وَأَكْثَرُهُمْ كَـٰذِبُونَ } راجعة إلى الشياطين أي: وأكثر الشياطين كاذبون فيما يلقونه إلى الكهنة مما يسمعونه؛ فإنهم يضمون إلى ذلك من عند أنفسهم كثيراً من الكذب، وقد قيل: كيف يصح على الوجه الأوّل وصف الأفاكين بأن أكثرهم كاذبون بعد ما وصفوا جميعاً بالإفك. وأجيب بأن المراد بالأفاك الذي يكثر الكذب لا الذي لا ينطلق إلاّ بالكذب. فالمراد بقوله: {وَأَكْثَرُهُمْ كَـٰذِبُونَ } أنه قلّ من يصدق منهم فيما يحكي عن الشياطين، والغرض الذي سيق لأجله هذا الكلام ردّ ما كان يزعمه المشركون من كون النبيّ صلى الله عليه وسلم من جملة من يلقي إليه الشيطان السمع من الكهنة ببيان أن الأغلب على الكهنة الكذب، ولم يظهر من أحوال محمد صلى الله عليه وسلم إلاّ الصدق، فكيف يكون كما زعموا؟ ثم إن هؤلاء الكهنة يعظمون الشياطين، وهذا النبيّ المرسل من عند الله برسالته إلى الناس يذمهم ويلعنهم ويأمر بالتعوّذ منهم. ثم لما كان قد قال قائل من المشركين: إن النبيّ صلى الله عليه وسلم شاعر، بيّن سبحانه حال الشعراء، ومنافاة ما هم عليه لما عليه النبيّ صلى الله عليه وسلم، فقال {وَٱلشُّعَرَاء يَتَّبِعُهُمُ ٱلْغَاوُونَ } والمعنى: أن الشعراء يتبعهم، أي يجاريهم ويسلك مسلكهم ويكون من جملتهم الغاوون أي الضالون عن الحق، والشعراء: جمع شاعر، والغاوون: جمع غاوٍ، وهم ضُلال الجن والإنس. وقيل: الزائلون عن الحق. وقيل: الذين يروون الشعر المشتمل على الهجاء وما لا يجوز، وقيل: المراد شعراء الكفار خاصة. قرأ الجمهور: {والشعراء} بالرفع على أنه مبتدأ وخبره ما بعده، وقرأ عيسى بن عمر: "الشعراء" بالنصب على الاشتغال، وقرأ نافع وشيبة، والحسن والسلمي: "يتبعهم" بالتخفيف، وقرأ الباقون بالتشديد. ثم بيّن سبحانه قبائح شعراء الباطل، فقال: {أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلّ وَادٍ يَهِيمُونَ }، والجملة مقرّرة لما قبلها، والخطاب لكل من تتأتى منه الرؤية، يقال: هام يهيم هيماً، وهيماناً: إذا ذهب على وجهه أي ألم تر أنهم في كل فنّ من فنون الكذب يخوضون، وفي كل شعب من شعاب الزور يتكلمون؟ فتارة يمزّقون الأعراض بالهجاء، وتارة يأتون من المجون بكل ما يمجه السمع، ويستقبحه العقل، وتارة يخوضون في بحر السفاهة والوقاحة، ويذمون الحق، ويمدحون الباطل، ويرغبون في فعل المحرّمات، ويدعون الناس إلى فعل المنكرات كما تسمعه في أشعارهم من مدح الخمر والزنا واللواط ونحو هذه الرذائل الملعونة، ثم قال سبحانه: {وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لاَ يَفْعَلُونَ } أي يقولون فعلنا وفعلنا وهم كذبة في ذلك، فقد يدلون بكلامهم على الكرم والخير، ولا يفعلونه، وقد ينسبون إلى أنفسهم من أفعال الشرّ ما لا يقدرون على فعله كما تجده في كثير من أشعارهم من الدعاوى الكاذبة والزور الخالص المتضمن لقذف المحصنات، وأنهم فعلوا بهنّ كذا وكذا، وذلك كذب محض، وافتراء بحت. ثم استثنى سبحانه الشعراء المؤمنين الصالحين الذين أغلب أحوالهم تحرّي الحق والصدق، فقال: {إِلاَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ } أي دخلوا في حزب المؤمنين، وعملوا بأعمالهم الصالحة، {وَذَكَرُواْ ٱللَّهَ كَثِيراً } في أشعارهم {وَٱنتَصَرُواْ مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ } كمن يهجو منهم من هجاء، أو ينتصر لعالم أو فاضل كما كان يقع من شعراء النبيّ صلى الله عليه وسلم، فإنهم كانوا يهجون من يهجوه، ويحمون عنه ويذبون عن عرضه، ويكافحون شعراء المشركين وينافحونهم، ويدخل في هذا من انتصر بشعره لأهل السنة وكافح أهل البدعة، وزيف ما يقوله شعراؤهم من مدح بدعتهم وهجو السنة المطهرة، كما يقع ذلك كثيراً من شعراء الرافضة ونحوهم، فإن الانتصار للحق بالشعر وتزييف الباطل به من أعظم المجاهدة، وفاعله من المجاهدين في سبيل الله، المنتصرين لدينه، القائمين بما أمر الله بالقيام به. واعلم أن الشعر في نفسه ينقسم إلى أقسام، فقد يبلغ ما لا خير فيه منه إلى قسم الحرام، وقد يبلغ ما فيه خير منه إلى قسم الواجب. وقد وردت أحاديث في ذمه وذمّ الاستكثار منه، ووردت أحاديث أخر في إباحته، وتجويزه، والكلام في تحقيق ذلك يطول، وسنذكر في آخر البحث ما ورد في ذلك من الأحاديث. ثم ختم سبحانه هذه السورة بآية جامعة للوعيد كله، فقال: {وَسَيَعْلَمْ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ أَىَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ }، فإن في قوله: {سيعلم} تهويلاً عظيماً، وتهديداً شديداً، وكذا في إطلاق {الذين ظلموا} وإبهام {أيّ منقلب ينقلبون}، وخصص هذه الآية بعضهم بالشعراء، ولا وجه لذلك، فإن الاعتبار بعموم اللفظ، وقوله: {أَيَّ مُنقَلَبٍ } صفة لمصدر محذوف أي ينقلبون منقلباً أيّ منقلب، وقدّم لتضمنه معنى الاستفهام، ولا يعمل فيه {سيعلم}؛ لأن الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله، بل هو معلق عن العمل فيه. وقرأ ابن عباس والحسن: "أيّ منفلت ينفلتون" بالفاء مكان القاف، والتاء مكان الباء من الانفلات بالنون والفاء الفوقية، وقرأ الباقون بالقاف، والباء من الانقلاب بالنون والقاف والموحدة، والمعنى على قراءة ابن عباس والحسن: أن الظالمين يطمعون في الانفلات من عذاب الله، والانفكاك منه، ولا يقدرون على ذلك. وقد أخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة: {وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ } قال: هذا القرآن {نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلأَمِينُ } قال: جبريل. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس: {نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلأَمِينُ } قال: جبريل. وأخرج أبو الشيخ في العظمة، وابن مردويه عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: {ٱلرُّوحُ ٱلأَمِينُ } قال: "حديث : الروح الأمين: جبريل، رأيت له ستمائة جناح من لؤلؤ قد نشرها فيها مثل ريش الطواويس"تفسير : . وأخرج ابن النجار في تاريخه عن ابن عباس في قوله: {بِلِسَانٍ عَرَبِيّ مُّبِينٍ } قال: بلسان قريش ولو كان غير عربيّ ما فهموه. وأخرج الحاكم وصححه، والبيهقي في الشعب عن بريدة في قوله: {بِلِسَانٍ عَرَبِيّ مُّبِينٍ } قال: بلسان جرهم. وأخرج مثله أيضاً عنه ابن المنذر، وابن أبي حاتم. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس قال: كان عبد الله بن سلام من علماء بني إسرائيل، وكان من خيارهم فآمن بكتاب محمد، فقال لهم الله: {أَوَلَمْ يَكُن لَّهُمْ ءَايَةً أَن يَعْلَمَهُ عُلَمَاء بَنِي إِسْرٰءيلَ }. وأخرج البخاري، مسلم، وغيرهما عن أبي هريرة قال: لما نزلت هذه الآية: {وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ ٱلأَقْرَبِينَ } دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم قريشاً وعمّ وخص فقال: «حديث : يا معشر قريش، أنقذوا أنفسكم من النار، فإني لا أملك لكم ضرًّا ولا نفعاً، يا معشر بني كعب بن لؤيّ أنقذوا أنفسكم من النار فإني لا أملك لكم ضرًّا ولا نفعاً، يا معشر بني كعب بن لؤيّ أنقذوا أنفسكم من النار فإني لا أملك لكم ضرًّا ولا نفعاً، يا معشر بني قصيّ أنقذوا أنفسكم من النار فإني لا أملك لكم ضرًّا ولا نفعاً، يا معشر بني عبد مناف أنقذوا أنفسكم من النار فإني لا أملك لكم ضراً ولا نفعاً، يا معشر بني عبد المطلب أنقذوا أنفسكم من النار، فإني لا أملك لكم ضرّاً ولا نفعاً، يا فاطمة بنت محمد أنقذي نفسك من النار فإني لا أملك لك ضرًّا ولا نفعاً إلاّ أن لكم رحماً وسأبلها ببلالها»تفسير : . وفي الباب أحاديث من طريق جماعة من الصحابة. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {ٱلَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ } قال: للصلاة. وأخرج ابن جرير، وابن مردويه عنه {ٱلَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ * وَتَقَلُّبَكَ فِي ٱلسَّـٰجِدِينَ } يقول: قيامك، وركوعك، وسجودك. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر عنه أيضاً: {وَتَقَلُّبَكَ فِي ٱلسَّـٰجِدِينَ } قال: يراك وأنت مع الساجدين تقوم وتقعد معهم. وأخرج ابن مردويه عنه أيضاً في قوله: {وَتَقَلُّبَكَ فِي ٱلسَّـٰجِدِينَ } قال: كان النبيّ صلى الله عليه وسلم إذا قام إلى الصلاة يرى من خلفه كما يرى من بين يديه. ومنه الحديث في الصحيحين، وغيرهما عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : هل ترون قبلتي ها هنا؟ فوالله ما يخفى عليّ خشوعكم، ولا ركوعكم، وإني لأراكم من وراء ظهري»تفسير : . وأخرج ابن أبي عمر العدني في مسنده والبزار وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه، وأبو نعيم في الدلائل عن ابن عباس في قوله: {وَتَقَلُّبَكَ فِي ٱلسَّـٰجِدِينَ } قال: من نبيّ إلى نبيّ حتى أخرجت نبياً. وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه وأبو نعيم عنه في الآية نحوه. وأخرج البخاري، ومسلم، وغيرهما عن عائشة قالت: سأل أناس النبيّ صلى الله عليه وسلم عن الكهان قال: حديث : إنهم ليسوا بشيءتفسير : ، قالوا: يا رسول الله إنهم يحدّثون أحياناً بالشيء يكون حقاً؟ قال: حديث : تلك الكلمة من الحق يخطفها الجني فيقذفها في أذن وليه، فيخلطون فيها أكثر من مائة كذبة»تفسير : ، وفي لفظ للبخاري: «حديث : فيزيدون معها مائة كذبة»تفسير : . وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس قال: تهاجى رجلان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أحدهما من الأنصار والآخر من قوم آخرين، وكان مع كلّ واحد منهما غواة من قومه وهم السفهاء، فأنزل الله: {وَٱلشُّعَرَاء يَتَّبِعُهُمُ ٱلْغَاوُونَ } الآيات. وأخرج ابن سعد وعبد بن حميد وابن أبي حاتم وابن عساكر عن عروة قال: لما نزلت {وَٱلشُّعَرَاء } إلى قوله: {مَا لاَ يَفْعَلُونَ } قال عبد الله بن رواحة: يا رسول الله قد علم الله أني منهم، فأنزل الله: {إِلاَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ } إلى قوله: {يَنقَلِبُونَ }، وروي نحو هذا من طرق. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس {يَتَّبِعُهُمُ ٱلْغَاوُونَ } قال: هم الكفار يتبعون ضلال الجنّ والإنس {فِي كُلّ وَادٍ يَهِيمُونَ } قال: في كلّ لغو يخوضون {وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لاَ يَفْعَلُونَ } أكثر قولهم يكذبون، ثم استثنى منهم فقال: {إِلاَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ وَذَكَرُواْ ٱللَّهَ كَثِيراً وَٱنتَصَرُواْ مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ } قال: ردّوا على الكفار كانوا يهجون المؤمنين. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه أيضاً نحوه. وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عنه أيضاً: {وَٱلشُّعَرَاء } قال: المشركون منهم الذين كانوا يهجون النبيّ صلى الله عليه وسلم {يَتَّبِعُهُمُ ٱلْغَاوُونَ } قال: غواة الجنّ في كلّ واد يهيمون في كلّ فنّ من الكلام يأخذون. ثم استثنى فقال: {إِلاَّ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ } الآية، يعني: حسان بن ثابت وعبد الله ابن رواحة وكعب بن مالك كانوا يذبون عن النبيّ صلى الله عليه وسلم وأصحابه بهجاء المشركين. وأخرج الفريابي وابن جرير وابن أبي حاتم عنه: {ٱلْغَاوُونَ } قال: هم الرواة. وأخرج ابن مردويه وابن عساكر عنه أيضاً: {إِلاَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ } الآية قال: أبو بكر وعمر وعليّ وعبد الله بن رواحة. وأخرج أحمد، والبخاري في تاريخه، وأبو يعلى وابن مردويه عن كعب بن مالك؛ أنه قال للنبيّ صلى الله عليه وسلم: إن الله قد أنزل في الشعراء ما أنزل فكيف ترى فيه؟ فقال: «حديث : إن المؤمن يجاهد بسيفه ولسانه، والذي نفسي بيده لكأنّ ما ترمونهم به نضح النبل»تفسير : . وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد عن أبي سعيد قال: بينما نحن نسير مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا عرض شاعر ينشد، فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : لأن يمتلىء جوف أحدكم قيحاً خير له من أن يمتلىء شعراً»تفسير : . وأخرج الديلمي عن ابن مسعود مرفوعاً: "حديث : الشعراء الذين يموتون في الإسلام يأمرهم الله أن يقولوا شعراً يتغنى به الحور العين لأزواجهنّ في الجنة، والذين ماتوا في الشرك يدعون بالويل والثبور في النار"تفسير : . وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن من الشعر لحكمة» تفسير : قال: وأتاه قريظة بن كعب وعبد الله بن رواحة وحسان بن ثابت فقالوا: إنا نقول الشعر، وقد نزلت هذه الآية، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : اقرؤوا"تفسير : ، فقرؤوا: {وَٱلشُّعَرَاء } إلى قوله: {إِلاَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ } فقال: "حديث : أنتم هم"تفسير : {وَذَكَرُواْ ٱللَّهَ كَثِيراً } فقال: حديث : أنتم هم»تفسير : . {وَٱنتَصَرُواْ مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ } فقال: حديث : أنتم همتفسير : . وأخرج ابن سعد وابن أبي شيبة عن البراء بن عازب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لحسان بن ثابت: «حديث : اهج المشركين، فإن جبريل معك»تفسير : . وأخرج ابن سعد عن البراء بن عازب قال: قيل: يا رسول الله، إن أبا سفيان بن الحارث بن عبد المطلب يهجوك، فقام ابن رواحة فقال: يا رسول الله، ائذن لي فيه، فقال: حديث : أنت الذي تقول ثبت الله؟ تفسير : فقال: نعم يا رسول، قلت:شعر : ثبت الله ما أعطاك من حسن تثبيت موسى ونصراً مثل ما نصرا تفسير : قال: حديث : وأنت، ففعل الله بك مثل ذلكتفسير : ، ثم وثب كعب فقال: يا رسول الله ائذن لي فيه؟ فقال: حديث : أنت الذي تقول همت؟ تفسير : قال: نعم يا رسول الله، قلت:شعر : همت سخينة أن تغالب ربها فلتغلبنّ مغالـب الغلاب تفسير : فقال: حديث : أما إن الله لم ينس ذلك لكتفسير : ، ثم قام حسان، فقال: يا رسول الله ائذن لي فيه، وأخرج لساناً له أسود، فقال: يا رسول الله لو شئت لفريت به المراد، ائذن لي فيه، فقال: حديث : اذهب إلى أبي بكر فليحدّثك حديث القوم وأيامهم وأحسابهم واهجهم وجبريل معك»تفسير : . وأخرج أحمد وابن سعد عن أبي هريرة قال: مرّ عمر بحسان وهو ينشد في المسجد فلحظ إليه فنظر إليه، فقال: قد كنت أنشد فيه، وفيه من هو خير منك، فسكت، ثم التفت حسان إلى أبي هريرة فقال: أنشدك بالله هل سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : أجب عني، اللهم أيده بروح القدس؟» تفسير : قال: نعم. وأخرج ابن سعد من حديث جابر مرفوعاً نحوه. وأخرج ابن أبي شيبة عن بريدة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن من الشعر حكماً»تفسير : . وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن مسعود، عن النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن من الشعر حكماً، ومن البيان سحراً»تفسير : . وأخرج مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لأن يمتلىء جوف أحدكم قيحاً يريه، خير من أن يمتلىء شعراً»تفسير : . وفي الصحيح من حديث أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لأن يمتلىء جوف أحدكم قيحاً خير له من أن يمتلىء شعراً»تفسير : . قال في الصحاح: وروى القيح جوفه يريه، وريا: إذا أكله، قال القرطبي: روى إسماعيل بن عَيَّاش عن عبد الله بن عون عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : حسن الشعر كحسن الكلام، وقبيح الشعر كقبيح الكلام»تفسير : . قال القرطبي: رواه إسماعيل عن عبد الله بن عون الشامي وحديثه عن أهل الشام صحيح، فيما قال يحيـى بن معين، وغيره. قال: وروى عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : الشعر بمنزلة الكلام حسنه كحسن الكلام، وقبيحه كقبيح الكلام»تفسير : . وأخرج مسلم من حديث عمرو بن الشريد عن أبيه قال: ردفت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: «حديث : هل معك من شعر أمية بن أبي الصلت؟ تفسير : قلت: نعم. قال: حديث : هيهتفسير : ، فأنشدته بيتاً، فقال: حديث : هيهتفسير : ، ثم أنشدته بيتاً، فقال: حديث : هيه تفسير : حتى أنشدته مائة بيت. وأخرج ابن أبي حاتم عن فضالة بن عبيد في قوله: {وَسَيَعْلَمْ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ أَىَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ } قال: هؤلاء الذين يخربون البيت.

الماوردي

تفسير : قوله تعالى: {نَزَلَ بِهِ} يعني القرآن. {الرُّوحُ الأمِينُ} يعني جبريل. {عَلَى قَلْبِكَ} يعني محمد صلى الله عليه وسلم. {لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ} يعني لأمتك. {بِلِسَانٍ عَرَبِّيٍ مُبِينٍ} يعني أن لسان القرآن عربي مبين لأن المنزل عليه عربي، والمخاطبون به عرب ولأنه تحدى بفصاحته فصحاء العرب. وفي اللسان العربي قولان: أحدهما: لسان جرهم، قاله أبو برزة. الثاني: لسان قريش، قاله مجاهد.

ابن عطية

تفسير : الضمير في {إنه} للقرآن، أي إنه ليس بكهانة ولا سحر وإنما هو من عند الله تعالى، و {الروح الأمين}، جبريل عليه السلام بإجماع، ونزل باللفظ العربي والمعاني الثابتة في الصدور والمصاحف، وعلى ذلك كله يعود الضمير في {به} و"اللسان"، عبارة عن اللغة، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وعاصم في رواية حفص "نزَل" خفيفة الزاي "الروحُ" رفع، وقرأ ابن عامر وأبو بكر عن عاصم وحمزة والكسائي بشد الزاي "الروحَ" نصباً ورجحها أبو حاتم بقوله تعالى: {أية : فإنه نزله على قلبك} تفسير : [البقرة: 97]. وبقوله {لتنزيل رب العالمين}. وقوله، {به} في موضع الحال كقوله تعالى: {أية : وقد دخلوا بالكفر وهم قد خرجوا به} تفسير : [المائدة: 61]، وقوله: {على قلبك} إشارة إلى حفظه إياه، وعلل النزول على قلبه بكونه {من المنذرين} لأنه لا يمكن أن ينذر به إلا بعد حفظه، وقوله: {بلسان} يمكن أن تتعلق الباء بــ {نزل به} وهذا على أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما كان يسمع من جبريل حروفاً عربية وهو القول الصحيح، وتكون صلصلة الجرس صفة لشدة الصوت وتداخل حروفه وعجلة مورده وإغلاظه، ويمكن أن يتعلق بقوله {لتكون} وتمسك بهذا من رأى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يسمع مثل صلصلة الجرس يتفهم له منه القرآن. قال القاضي أبو محمد: وهذا قول ضعيف مقتضاه أن بعض ألفاظ القرآن من لدن النبي عليه السلام وهذا مردود، وقوله {وإنه لفي زبر الأولين}، أي في كتبهم يريد القرآن أنه مذكور في الكتب المنزلة القديمة منبه عليه مشار إليه، وقرأ الجمهور "زبُر" بضم الباء، وقرأ الأعمش بسكونها ثم احتج عليهم بأنهم كان ينبغي أن يصحح عندهم أمره كون علماء بني إسرائيل يعلمونه كعبد الله بن سلام ونحوه قاله ابن عباس ومجاهد، وقال ابن عباس أيضاً فيما حكى عنه الثعلبي أن أهل مكة بعثوا إلى الأحبار بيثرب يسألونهم عن النبي عليه السلام فقالوا هذا زمانه ووصفوا نعته ثم خلطوا في أمر محمد عليه السلام فنزلت الآية في ذلك. قال القاضي أبو محمد: ويؤيد هذا كون الآية مكية، وقال مقاتل هذه الآية مدنية، فمن قال إنها مكية ذهب إلى أن علماء بني إسرائيل ذكروا في التوراة صفة النبي الأمي فهذه الإشارة إلى ذلك وكلهم قرأ {يكن} بالياء {آيةً} نصباً غير ابن عامر فإنه قرأ "تكن" بالتاء من فوق "آيةٌ" رفعاً وهي قراءة عاصم الجحدري، وقرأ جمهور الناس "أن يعلمه" بالياء من تحت، وقرأ الجحدري "تعلمه" بالتاء من فوق، ثم سلى محمداً صلى الله عليه وسلم عن صدود قومه عن الشرع بأن أخبر أن هذا القرآن العربي لو سمعوه من أعجمي أي من حيوان غير ناطق أو من جماد، و"الأعجم" كل ما لا يفصح، ما كانوا يؤمنون أي قد ختم الكفر عليهم فلا سبيل إلى إيمانهم، والأعجمون جمع أعجم وهو الذي لا يفصح وإن كان عربي النسب يقال له أعجم، وكذلك يقال للحيونات والجمادات ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم "جرح العجماء جبار"، وأسند الطبري عن عبد الله بن مطيع أنه قال حين قرأ هذه الآية وهو واقف بعرفة: جملي هذا أعجم فلو أنزل عليه ما كانوا يؤمنون، والعجمي هو الذي نسبه في العجم وإن كان أفصح الناس، وقرأ الحسن "الأعجميين". قال أبو حاتم أراد جمع الأعجمي المنسوب، وقال بعض النحويين "الأعجمون" جمع أعجم أضيف فقويت بالإضافة رتبته في الأسماء فجمع وليس بأعجمي النسبة إلى العجم، وقرأ جمهور الناس "أو لم يكن" بالياء "لهم آيةً" بالنصب، وقرأ "أو ليس لم يكن آية" ابن مسعود، والأعمش، وفي مصحف أبي "أليس" بغير واو، وقرأت فرقة "تكن" بالتاء من فوق "آيةٌ" رفعاً، وقرأ بعض من قرأ بالياء {آيةً} بالنصب وسائرهم بالرفع، وقد مضى ذكرها في السبع وذكر الطبري أن الضمير في قوله {وإنه لتنزيل} عائد على الذكر في قوله {أية : ما يأتيهم من ذكر من ربهم} تفسير : [الأنبياء: 2].

الثعالبي

تفسير : وقوله تعالى: {وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ} يعني القرآن. وقوله: {بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ} متعلق بـ {نَزَلَ}، أي: سمعه النبي صلى الله عليه وسلم من جبريل حروفاً عربيَّةً، وهذا هو القول الصحيح، وما سوى هذا فمردود. وقوله سبحانه: {وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ ٱلأَوَّلِينَ} أي: القرآن مذكور في الكتب المُنَزَّلَة القديمة، مُنَبَّهٌ عليه، مُشَارٌ إليه {أَوَلَمْ يَكُن لَّهُمْ ءَايَةً أَن يَعْلَمَهُ عُلَمَـٰؤُاْ بَنِي إِسْرَٰءِيلَ}؛ كَعَبْدِ اللّه بْنِ سَلاَمٍ ونحوه؛ قاله ابن عباس ومجاهد، قال مُقَاتِلٌ: هذه الآية مدنية، وَمَنْ قال إنَّ الآية مَكِّيَّةٌ ذهب إلى أنَّ علماء بني إسرائيل ذكروا لقريش أَنَّ في التوراة صفَةَ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ، وأَنَّ هذا زمانه، فهذا الإشارة إلى ذلك؛ وذلك أَنَّ قريشاً بعثت إلى الأحبار يسألونهم عن أمر النبي صلى الله عليه وسلم، ثم أخبر تعالى أَنَّ هذا القرآن لو سمعوه من أعجمَ، أي: من حيوان غير ناطق، أو من جماد، والأعجم: كل ما لا يُفْضِحُ ـــ ما كانوا يؤمنون، والأعجمون: جمع أَعْجَم، وهو الذي لا يُفْصِحُ، وإنْ كان عربيّ النَّسَبِ، وكذلك يقال للحيوانات والجمادات، ومنه الحديث: «حديث : جُرْحُ العَجْمَاءِ جُبَارٌ»تفسير : والعَجَمِيُّ هو الذي نسبه في العَجَمِ، وإن كان أفصح الناس، وقرأ الحسن: الأَعْجَمِيِّينَ. قال أبو حاتم: أراد جمع الأعجمي المنسوب إلى العجم. وقال الثعلبيُّ: معنى الآية: ولو نزلناه على رجل ليس لعربيِّ اللسان، فقرأه عليهم بغير لغة العرب ـــ لما آمنوا أَنَفَةً من اتباعه، انتهى.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ}. الهاء تعود على القرآن وإن لم يجر له ذكر للعلم به. و "تَنْزِيلٌ" بمعنى مُنَزَّلٌ، أو على حذف مضاف أي: ذُو تَنزيل، وقوله: "نَزَلَ" قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وحفص: "نَزَلَ" مخففاً، و "الرُّوحُ الأمينُ" مرفوعان على إسناد الفعل لـ"الروح" و "الأمِين" نعته، والمراد به جبريل. وباقي السبعة: بالتشديد مبنياً للفاعل، وهو الله تعالى، و "الرُّوح الأَمِين" منصوبان على المفعول به، و "الأَمِين" صفته أيضاً، وقرىء: "نُزِّلَ" مشدداً مبنياً للمفعول، و "الرُّوحُ الأَمِينُ" مرفوعان على ما لم يسم فاعله. و "بِهِ" إمَّا متعلق بـ "نَزَل" أو بمحذوف على أنه حال. قوله: {عَلَىٰ قَلْبِكَ لِتَكُونَ}. قال أبو حيان: الظاهر تعلُّق "عَلَى قَلْبِكَ" و "لِتَكُونَ" بـ "نَزَل". ولم يذكر ما يقابل هذا الظاهر. وأكثر ما يتخيَّل أنه يجوز أن يتعلقا بـ "تنزيل" أي: وإنه لتنزيل ربِّ العالمين على قلبك لتكون، ولكن فيه ضعفٌ من حيث الفصل بين المصدر ومعموله بجملة: {نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ}. وقد يجاب عنه بوجهين: أحدهما: أنَّ هذه الجملة اعتراضية، وفيها تأكيد وتشديد، فليست بأجنبية. والثاني: الاغتفار في الظرف وعديله. وعلى هذا فلا يبعد أن يجيء في المسألة باب الإعمال، فإن كلاًّ من "تَنْزِيل" و "نَزَل" يطلب هذين الجارين. فصل لما ذكر قصص الأنبياء لمحمد - عليه السلام - أتبعه بما يدل على نبوته فقال: {وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} لأنه لفصاحته معجز فيكون من رب العالمين. وأيضاً فلأنه إخبار عن الأمم الماضية من غير تعلم ألبتة، وذلك إلاَّ بوحي من الله تعالى. وأيضاً فقوله {وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ ٱلأَوَّلِينَ} مؤكد لما ذكرنا، لأن ذكر هذه القصص على ما هي في زبر الأولين من غير تفاوت أصلاً مع أنه لم يشتغل بالتعلم والاستفادة دليل على أنه ليس إلا من عند الله، {نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلأَمِينُ} عَلَى قَلْبِكَ يا محمد، أي: فهمك إياه وأثبته في قلبك كي لا تنساه كقوله: {أية : سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تَنسَىٰ}تفسير : [الأعلى: 6] {لِتَكُونَ مِنَ ٱلْمُنْذِرِينَ}: المخوِّفين. وسمي جبريل روحاً، لأنه خلق من الروح. وقيل: لأنه نجاة الخلق في باب الدين، فهو كالروح التي تستتبع الحياة. وقيل: لأنه روح كله، لا كالناس في أبدانهم روح. وسماه أميناً لأنه مؤتمن على ما يؤديه للأنبياء - (عليهم السلام) -. فصل روي أنَّ جبريل - عليه السلام - نزل على آدم - عليه السلام - اثنا عشرة مرة، وعلى إدريس أربع مرات، وعلى نوح خمسين مرة، وعلى إبراهيم اثنتين وأربعين مرة، وعلى موسى أربعمائة مرة، وعلى عيسى عشر مرات وعلى محمد - عليه السلام - أربع عشرة ألف مرة. فإن قيل: لم قال: "عَلَى قَلْبِكَ" وهو إنما أنزل عليه؟ فالجواب: ليؤكد أنّ ذلك المنزل محفوظ للرسول متمكن من قبله لا يجوز عليه التغيير، ولأنَّ القلب هو المخاطب في الحقيقة لأنه موضع التمييز والاختيار، وأما سائر الأعضاء فمسخّرة له، ويدل على ذلك القرآن والحديث والمعقول، أما القرآن فقوله تعالى: {أية : نَزَّلَهُ عَلَىٰ قَلْبِكَ}تفسير : [البقرة: 97]، {نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلأَمِينُ عَلَىٰ قَلْبِكَ}، {أية : إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَىٰ لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ}تفسير : [ق: 37] واستحقاق الجزاء ليس إلاَّ على ما في القلب، قال تعالى: {أية : لاَّ يُؤَاخِذُكُمُ ٱللَّهُ بِٱلَّلغْوِ فِيۤ أَيْمَانِكُمْ وَلَـٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ}تفسير : [البقرة: 225] {أية : لَن يَنَالَ ٱللَّهَ لُحُومُهَا وَلاَ دِمَآؤُهَا وَلَـٰكِن يَنَالُهُ ٱلتَّقْوَىٰ مِنكُمْ}تفسير : [الحج: 37] والتقوى في القلب لقوله تعالى: {أية : أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ ٱمْتَحَنَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَىٰ}تفسير : [الحجرات: 3] وقوله: {أية : وَحُصِّلَ مَا فِي ٱلصُّدُورِ}تفسير : [العاديات: 10]. وحكى عن أهل النار قولهم: {أية : لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِيۤ أَصْحَابِ ٱلسَّعِيرِ}تفسير : [الملك: 10] والعقل في القلب، والسمع منفذٌ إليه، وقال: {أية : إِنَّ ٱلسَّمْعَ وَٱلْبَصَرَ وَٱلْفُؤَادَ كُلُّ أُولـٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً}تفسير : [الإسراء: 36] والسمع والبصر لا يستفاد منهما إلا ما يؤديانه إلى القلب، وقال: {أية : يَعْلَمُ خَآئِنَةَ ٱلأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي ٱلصُّدُورُ}تفسير : [غافر: 19] ولم تخن الأعين إلا بما تضمر القلوب إلى غير ذلك من الآيات. وأما الحديث فقوله - عليه السلام -: "حديث : أَلاَ وَإِنَّ في الجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فسد الجَسَدُ كُلُّهُ، أَلاَ وَهِيَ القَلْبُ ". تفسير : وأما المعقول فإنَّ القلب إذا غشي عليه، فإذا قطع سائر الأعضاء لم يحصل به الشعور، وإذا أفاق القلب شعر بجميع ما ينزل بالأعضاء من الآفات. وأيضاً فإذا فرح القلب أو حزن فإنه يتغير حال الأعضاء عند ذلك. وأيضاً فإن القلب منبع المشيئات الباعثة على الأفعال الصادر عن سائر الأعضاء. قوله: "بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ". يجوز أن يتعلق بـ"المُنْذِرينَ" أي: لتكون من الذين أنذروا بهذا اللسان العربي، وهم: هود، وصالح، وشعيب، وإسماعيل، ومحمد - صلى الله عليه وسلّم - (و) يجوز أن يتعلق بـ"نَزَلَ" أي: نزل باللسان العربي لتنذر به، لأنه لو نزل بالأعجمي لقالوا: لم نزل علينا ما لا نفهمه؟ وجوز أبو البقاء أن يكون بدلاً من "بِهِ" بإعادة العامل، قال: أي نزل بلسان عربي، أي: برسالة أو لغة. قال ابن عباس: بلسان قريش ليفهموا ما فيه. قوله: {وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ ٱلأَوَّلِينَ}. أي: وإن القرآن. وقيل: وإن محمداً ونعته {لَفِي زُبُرِ ٱلأَوَّلِينَ} أي: كتب الأولين. وقيل: المراد وجوه التخويف، لأن ذكر هذه الأشياء بأسرها قد تقدم، وفيه التفات، إذ لو جرى على ما تقدم لقيل: "وإنك لفي زبر". وقرأ الأعمش: "زُبْرِ" بسكون الباء، وهي مخففة من المشهورة.

السيوطي

تفسير : أخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة ‏ {‏وإنه لتنزيل رب العالمين‏}‏ قال‏:‏ هذا القرآن ‏ {‏نزل به الروح الأمين‏} ‏ قال‏:‏ جبريل‏. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس ‏{‏نزل به الروح الأمين‏}‏ قال‏:‏ الروح الأمين‏:‏ جبريل رأيت له ستمائة جناح من لؤلؤ قد نشرها فهم مثل ريش الطواويس‏.‏ وأخرج ابن مردويه عن الحسن أظنه عن سعد قال‏:‏ قال النبي صلى الله عليه وسلم‏"حديث : الأوان الروح الأمين نفث في روعي أنه لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها وإن أبطأ عليها "‏‏. تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة عن عبد الله بن مسعود قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏"‏حديث : أيها الناس إنه ليس من شيء يقربكم من الجنة ويبعدكم من النار إلا قد أمرتكم به، وإنه ليس شيء يقربكم من النار ويبعدكم من الجنة إلا قد نهيتكم عنه، وأن الروح الأمين نفث في روعي أنه ليس من نفس تموت حتى تستوفي رزقها فاتقوا الله واجملوا في الطلب، ولا يحملنكم استبطاء الرزق على أن تطلبوه بمعاصي الله، فإنه لا ينال ما عند الله إلا بطاعته‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله ‏ {‏بلسان عربي مبين‏}‏ قال‏:‏ بلسان قريش‏.‏ ولو كان غير عربي ما فهموه‏.‏ وأخرج ابن النجار في تاريخه عن ابن عباس والبيهقي في شعب الإِيمان عن بريدة في قوله {‏بلسان عربي مبين‏} ‏ قال‏:‏ بلسان جرهم‏.‏ وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن بريدة‏،‏ مثله‏.‏ وأخرج ابن مردويه عن عبد الله بن سلام قال‏:‏ كان نفر من قريش من أهل مكة قدموا على قوم من يهود من بني قريظة لبعض حوائجهم، فوجدوهم يقرأون التوراة فقال القرشيون‏:‏ ماذا نلقى ممن يقرأ توراتكم هذه‏؟‏ لهؤلاء أشد علينا من محمد وأصحابه‏.‏ فقال اليهود‏:‏ نحن من أولئك برآء‏.‏ أولئك يكذبون على التوراة وما أنزل الله في الكتب إنما أرادوا عرض الدنيا‏.‏ فقال القرشيون‏:‏ فإذا لقيتموهم فسوِّدوا وجوههم وقال المنافقون‏:‏ وما يعلمه إلا بشر مثله‏.‏ وأنزل الله ‏ {‏وإنه لتنزيل رب العالمين‏}‏ إلى قوله ‏ {‏وإنه لفي زبر الأولين‏} ‏ يعني النبي صلى الله عليه وسلم، وصفته، ونعته، وأمره‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد ‏{‏وإنه لفي زبر الأولين‏}‏ يقول‏:‏ في الكتب التي أنزلها على الأولين‏.‏ وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله ‏ {‏وإنه لفي زبر الأولين‏}‏ قال‏:‏ كتب الأولين ‏ {‏أو لم يكن لهم آية أن يعلمه علماء بني إسرائيل‏}‏ قال‏:‏ يعني بذلك اليهود والنصارى، كانوا يعلمون أنهم يجدون محمداً مكتوباً عندهم في التوراة والإِنجيل أنه رسول الله‏. وأخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه قرأ ‏"‏أو لم يكن لهم آية"‏ بالياء‏.‏ وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله ‏ {‏أو لم يكن لهم آية أن يعلمه علماء بني إسرائيل‏}‏ قال‏:‏ عبد الله بن سلام وغيره من علماء بني إسرائيل، وكان من خيارهم, فآمن بكتاب محمد, فقال لهم الله{‏أو لم يكن لهم آية أن يعلمه علماء بني إسرائيل‏}‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن مبشر بن عبيد القرشي في قوله ‏ {‏أو لم يكن لهم آية‏} ‏ يقول‏:‏ أو لم يكن لهم القرآن آية‏.‏ وأخرج ابن سعد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عطية العوفي في قوله ‏{‏أو لم يكن لهم آية أن يعلمه علماء بني إسرائيل‏} ‏ قال‏:‏ كانوا خمسة؛‏ أسد، وأسيد، وابن يامين، وثعلبة، وعبد الله بن سلام‏. وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله ‏ {‏ولو نزلناه على بعض الأعجمين}‏ قال‏:‏ يقول لو نزلنا هذا القرآن على بعض الأعجمين لكانت العرب أشر الناس فيه،‏ لا يفهمونه ولا يدرون ما هو‏. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن قتادة ‏ {‏ولو نزلناه على بعض الأعجمين} ‏ قال‏:‏ لو أنزله الله عجمياً لكانوا أخسر الناس به لأنهم لا يعرفون العجمية‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله ‏{‏ولو نزلناه على بعض الأعجمين‏}‏ قال‏:‏ الفرس‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن الحسن في قوله ‏ {‏كذلك سلكناه‏} ‏ قال‏:‏ الشرك جعلناه ‏{‏في قلوب المجرمين‏}‏‏ .‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي جهضم قال ‏"‏حديث : رؤي النبي صلى الله عليه وسلم كأنه متحير فسألوه عن ذلك فقال‏:‏ ولم‏.‏‏.‏‏.‏‏!‏ ورأيت عدوّي يلون أمر أمتي من بعدي‏.‏ فنزلت ‏{‏أفرأيت إن متعناهم سنين‏}‏، ‏{‏ثم جاءهم ما كانوا يوعدون‏}‏، ‏{‏ما أغنى عنهم ما كانوا يمتعون‏}‏ فطابت نفسه "‏‏. تفسير : ‏وأخرج عبد بن حميد عن سليمان بن عبد الملك؛‏ أنه كان لا يدع أن يقول في خطبته كل جمعة‏:‏ إنما أهل الدنيا فيها على وجل لم تمض لهم نية، ولم تطمئن لهم دار حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك‏.‏ لا يدوم نعيمها، ولا تؤمن فجعاتها، ولا يبقى فيها شيء، ثم يتلو ‏ {‏أفرأيت إن متعناهم سنين‏}‏ ، ‏{‏ثم جاءهم ما كانوا يوعدون‏} ‏، ‏ {‏ما أغنى عنهم ما كانوا يمتعون‏}‏ ‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله ‏{‏وما أهلكنا من قرية إلا لها منذرون‏} ‏ قال‏:‏ الرسل‏.‏ وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله ‏{‏وما أهلكنا من قرية إلا لها منذرون‏} ‏ قال‏:‏ ما أهلك الله من قرية إلا من بعد ما جاءتهم الرسل، والحجة، والبيان من الله‏.‏ ولله الحجة على طلقة ‏ {‏ذكرى‏}‏ قال‏:‏ تذكرة لهم، وموعظة وحجة لله ‏ {‏وما كنا ظالمين‏} ‏ يقول‏:‏ ما كنا لنعذبهم إلا من بعد البينة والحجة والعذر‏.‏ حتى نرسل الرسل، وننزل الكتب، وفي قوله ‏{‏وما تنزلت به الشياطين‏}‏ يعني القرآن {‏وما ينبغي لهم أن ينزلوا به وما يستطيعون‏} ‏ يقول لا يقدرون على ذلك، ولا يستطيعونه ‏ {إنهم عن السمع لمعزولون‏} ‏ قال‏:‏ عن سمع السماء‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد في قوله ‏ {‏وما تنزلت به الشياطين‏}‏ قال‏:‏ زعموا أن الشياطين تنزلت به على محمد؛‏ فأخبرهم الله أنها لا تقدر على ذلك ولا تستطيعه، وما ينبغي لهم أن ينزلوا بهذا وهو محجور عليهم‏.

القشيري

تفسير : كلامُ اللَّهِ العزيز مُنَزّلٌ على قلب الرسول - صلى الله عليه وسلم - في الحقيقة بسفارة جبريل عليه السلام. والكلامُ من الله غيرُ منفصل، وبغير الله غير متصل.. وهو - على الحقيقة لا على المجاز - مُنَزّلٌ. ومعناه أن جبريل - عليه السلام - كان على السماء. فَسمِعَ من الربِّ، وحَفِظَ ونَزَلَ، وبَلَّغَ الرسولَ. فَمَرََّةً كان يُدْخِلُ عليه حالةً تأخذه عنه عند نزول الوحي عليه. ثم يُورِدُ جبريلُ ذلك على قلبه. ومرةً كان يتمثل له المَلَكُ فيُسْمِعهُ. والرسولُ - صلى الله عليه وسلم - يحفظه ويُؤدِّبه. والله - سبحانه ضَمِنَ له أنه سيُقْرِؤُه حتى لا ينساه. فكان يجمع اللَّهُ الحِفْظَ في قلبه. ويُسَهِّلُ له القراءةَ عند لفظه. ولمَّا عَجَزَ الناسُ بأجمعهم عن معارضته مع تحدِّيه إياهم بالإتيان بمثله.. عُلِمَ صِدْقُه في أنَّه مِنْ قِبَلِ الله.

اسماعيل حقي

تفسير : {وانه} راجع الى القرآن وان لم يجر له ذكر للعلم به {لتنزيل رب العالمين} صيغة التكثير تدل على ان نزوله كان بالدفعات فى مدة ثلاث وعشرين سنة وهو مصدر بمعنى المفعول سمى به مبالغة وفى وصفه تعالى بربوبية العالمين ايذان بان تنزيله من احكام تربيته تعالى ورأفته للكل. والمعنى ان القرآن الذى من جملته ماذكر من القصص السبع المنزل من جهته تعالى والا لما قدرت على الاخبار وثبت به صدقك فى دعوى الرسالة لان الاخبار من مثله لايكون الا بطريق الوحى

ابن عجيبة

تفسير : قلت: "آية" خبر "كان"، و"أَنْ يعلمه": اسمها، ومن قرأ "آية"؛ بالرفع؛ فآية اسمها، و {أن...} إلخ: خبر أو "كان": تامة، و"آية": فاعل، و "أن يعلمه": بدل منه. يقول الحق جل جلاله: {وإنه} أي: القرآن المشتمل على القصص المتقدمة، وكأنه تعالى عاد إلى ما افتتح به السورة من إعراض المشركين عما يأتيهم من الذكر، ليتناسب المفتتح والمختتم، أي: وإن القرآن الكريم {لتنزيلُ ربِّ العالمين} أي: منزل من جهته. ووصفه تعالى بربوبية العالمين؛ للإيذان بأن تنزيله من أحكام ربوبيته للعالمين ورأفته للكل. {نَزَلَ به} أي: أنزله {الروحُ الأمين} أي: جبريل عليه السلام، لأنه أمين على الوحي الذي فيه روح القلوب، ومن قرأ بالتشديد: فالفاعل هو الله، والروح: مفعول به, أي: جعل الله تعالى الروح الأمين نازلاً به. والباء؛ للتعدية, نزل به {على قلبك}, أي: حفظك وفهمك إياه، وأثبته في قلبك إثبات ما لا يُنْسَى، كقوله: {أية : سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تَنسَى} تفسير : [الأعلى:6]. {لتكونَ من المُنْذرِين} بما فيه من العقوبات الهائلة والمواعظ الزاجرة، {بلسان عربي}؛ بلغة قريش وجُرْهُم، فصيح بليغ، والباء: إما متعلق بمنذرين، أي: لتكون من الذين أَنْذَرُوا بهذا اللسان؛ وهم هود وصالح وشعيب وإسماعيل ـ عليهم السلام ـ أو: بنزل، أي: نزله بلسان عربي؛ لتُنذر به، لأنه لو نزل بلسان أعجمي لتجافوا عنه، ولقالوا: ما نصنع بما لا نفهمه؟ فيتعذر الإنذار به. وهذا أحسن لعمومه؛ أي: لتكون من جملة من أنذر قبلك، كنوح وإبراهيم وموسى، وغيرهم من الرسل، عربيين أو عجمين، وأشد الزواجر تأثيراً في قلوب المشركين: ما أنذره إبراهيم؛ لانتمائهم إليه، وادعائهم أنهم على ملته. {وإنه} أي: القرآن {لفي زُبُرِ الأَوَّلِينَ} يعني: أنه مذكور في سائر الكتب السماوية. وقيل: ثبت فيها معناه، فإن أحكامه التي لا تحتمل النسخ والتبديل، بحسب تبدل الأعصار، من التوحيد وسائر ما يتعلق بالذات والصفات مسطورة فيها، وكذا ما في تضاعيفه من المواعظ والقصص. قال النسفي: وفيه دليل على أن القرآن إذا ترجم عنه بغير العربية بقي قرآناً، ففيه دليل على جواز قراءة القرآن بالفارسية في الصلاة. هـ. وهو حنفي المذهب، وأما مذهب مالك: فلا. {أوَ لمْ يكن لهم آيةً} أي: أغفلوا ولم يكن لهم آية دالة على أنه تنزيل رب العالمين حقاً، {أن يعلمه علماءُ بني إسرائيل}، كعبد الله بن سلام، وغيره، لوجود ذكره في التوراة. قال تعالى: {أية : وَإِذَا يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ قَالُوۤاْ آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّنَآ إنَّا كُنَّا مِن قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ} تفسير : [القصص: 53]. والمعنى: أَوَ لَمْ يكفهم دليلاً على كون القرآن من عند الله عَلِم أَحْبَارِ بني إسرائيل به. ومعرفتهم له، كما يعرفون أبناءهم؛ لموافقته لما عندهم في كثير من القصص والأخبار، حتى إن سورة يوسف مذكورة في التوراة بمعنى واحد، وترتيب واحد، وما اختلف مع القرآن فيها إلا في كلمة واحدة: "وجاؤوا على قميصه بدم كذب"، عندهم في التوراة: وجاؤوا على قميصه بدم جدي. وكذا سورة طه: جُلهَا في التوراة. وقد تقدم الحديث: "حديث : أوتيت طه والطواسين والحواميم من ألواح موسى"تفسير : . وقد فسر بعض علماء هذه الأمة القرآن العظيم كله بالكتب المتقدمة، ينقل في كل آية ما يوافقها من الكتب السماوية. ثم قال تعالى: {ولو نزَّلناه على بعض الأَعْجَمِينَ} أي: ولو نزلناه كما هو بنظمه الرائق على بعض من لا يفهم العربية، ولا يقدر على التكلم بها، {فقرأه عليهم} قراءة صحيحة، خارقة للعادة، {ما كانوا به مؤمنين} مع انضمام إعجاز القراءة إلى إعجاز المقروء؛ لفرط عنادهم، وشدة شكيمتهم، قال النسفي: والمعنى: إنّا أنزلنا هذا القرآن على رجل عربيٍّ مبين، ففهموه، وعرفوا فصاحته وأنّه معجز، وانضم إلى ذلك اتفاق علماء أهل الكتاب قبله على البشارة بإنزاله، وصفته في كتبهم، وقد تضمّنت معانيه وقصصه، وصح بذلك أنها من عند الله، وليست بأساطير كما زعموا، فلم يؤمنوا به، وسمّوه شعراً تارة، وسحراً أخرى. ولو نزلناه على بعض الأعاجم، الذي لا يحسن العربية، فضلاً أن يقدر على نظم مثله، {فقرأه عليهم} هكذا معجزاً، لكفروا به، ولتمحّلوا لجحودهم عذراً، ولسموه: سحراً. هـ. والأعجمين: جمع الأعجمي، فإن أفعل، إذا كان للتفضيل، يجمع جمع سلامة إذا لم يكن معناه للتفضيل كأحمر، وأصل الأعجمين: الأعجمين، فحذفت ياؤه، وقيل: جمع أعجم، فلا حذف. {كذلك سَلَكْنَاه} أي: أدخلنا التكذيب والكفر، وهو مدلول قوله: {ما كانوا به مؤمنين}، {في قلوب المجرمين}: الكافرين الذين علمنا منهم اختيار الكفر والإصرار عليه. يعني: مثل هذا السَّلْكِ الغريب سلكناه في قلوبهم وقررناه فيها، فلا سبيل إلى أن يتغيروا عما هم عليه، من التكذيب والإصرار عليه، وهو حجتنا على المعتزلة في خلق أفعال العباد؛ خيرها وشرها. وقوله: {لا يؤمنون} توضيح وتقرير لما قبله. ويجوز أن يكون حالاً، أي: سلكناه فيها غير مؤمنين به، أو: مثل ذلك السلك البديع سلكناه، أي: أدخلنا القرآن في قلوب المجرمين، ففهموا معانيه، وعرفوا فصاحته وبلاغته، وأنه خارج عن القوة البشرية، من حَيْثُ النَّظْم المعجز والأخبار الغيبية. وقد انضم إليه اتفاق علماء أهل الكتاب على اتفاقه لما في أيديهم من الكتب السماوية. ومع ذلك {لا يؤمنون به}، ولا يتأثرون بأمثال تلك الأمور الداعية إلى الإيمان، بل يستمرون على ما هم عليه، {حتى يَرَوُا العذابَ الأليم} الملجئ إلى الإيمان، حين لا ينفعهم الإيمان، {فيأتيهم بَغْتَةً}؛ فجأة في الدنيا والآخرة {وهم لا يشعرون} بإتيانه، {فيقولون هل نحن مُنْظَرُون}؛ مُؤَخَّرُون ساعة. قالوه تَحَسُّراً على ما فات من الإيمان، وتمنياً للإمهال؛ لتلافي ما فرضوه. والله تعالى أعلم. الإشارة: إذا تطهر القلب من الأكدار والأغيار، وملئ بالمعارف والأسرار، كان مَهْبِطاً لوحي الإلهام ووحي الإعلام، ومحلاً لتنزل الملائكة الكرام، إذ كل ما أعطى للرسول كان لوارثه الحقيق منه شِرْبٌ ونصيب؛ ليكون من الواعظين بلسان عربي مبين، يُفصح عن جواهر الحقائق، ويواقيت العلوم، وما ينطق به من العلوم يكون موافقاً لما في زُبُر الأولين، وإن كان أمياً؛ لأن علوم الأذواق لا تختلف. أو لم يكن لهم آية على ولايته أن يعلمه علماء أهل فنه من المحققين. وقال الورتجبي على هذه الآية: أخبر الله سبحانه أن قلب محمد صلى الله عليه وسلم محل نزول كلامه الأزلي؛ لأنه مصفى من جميع الحدثان، بتجلي مشاهدة الرحمن، فكان قلبه ـ عليه الصلاة والسلام ـ صَدَف لآلِئَ خطابِ الحق، يسْبَح في بحار الكرم، فيتلقف كلام الحق من الحق بلا واسطة، وذلك سر عجيب وعلم غريب؛ لأنه يجمع كلام الحق وما اتصل به، وكلامه لم ينفصل عنه، وكيف تفارق الصفات الذات، لكن أبقى في قلبه ظاهره وعلمه وسره، فجبريل ـ عليه السلام ـ في البين: واسطة لجهة الحرمة، وذكر ذلك بقوله: {نزل به الروح الأمين على قلبك...}؛ لأن القلب معدن الإلهام والوحي والكلام والرؤية والعرفان، به يحفظ الكلام. وفائدة ذلك: الإعلام بسر وجود الإنسان، وأنه ليس شيء يليق بالخطاب ونزول الأنباء إلا قلبه، وكل قلب مسدود بعوارض البشرية لا يسمع خطاب الحق، ولا يرى جمال الحق. قال أبو بكر بن طاهر: ما أنزله على جبريل جعله محلاً للإنذار، لا التحقيق، والحقيقة هو ما تلقفه من الحق، فلم يخبر عنه، ولم يشرف عليه خلق من الجن والإنس والملائكة؛ لأنه ما أطاق ذلك أحد سواه. وما أنزل جبريل جعله للخلق، فقال: {لتكون من المنذرين} بما نزل به جبريل على قلبك المتحقق، فإنك متحقق بما كافحناك به، وخاطبناك على مقامٍ لو شاهدك فيه جبريل لاحترق. هـ. على تصحيف في النسخة. وبالله التوفيق. ثم هددّهم بنزول العذاب، فقال: {أَفَبِعَذَابِنَا ....}

الطوسي

تفسير : قرأ ابن عامر واهل الكوفة الا حفصاً ويعقوب {نزل} به بتشديد الزاي وفتحها {الروح الأمين} بالنصب فيهما، الباقون بالتخفيف والرفع فيهما. وقرأ ابن عامر {أولم تكن} بالتاء {آية} بالرفع. الباقون بالياء ونصب {آية} من شدد الزاي، فلقوله {أية : فإنه نزل على قلبك بإذن الله} تفسير : {وإنه لتنزيل رب العالمين} ومن خفف، فلان التنزيل فعل الله، وهذا فعل جبرائيل، يقال: نزل الله جبرائيل، ونزل جبرائيل. فاما قوله {فإنه نزله على قلبك بإذن الله مصدقاً} بالتشديد، فلأجل حذف الباء، لانك تقول نزلت به وأنزلته. ومن شدد فانه أضاف الفعل إلى الله. ومن خفف أضاف الفعل إلى جبرائيل (ع) ومن قرأ {أو لم تكن} بالتاء ورفع {آية} جعلها اسم (كان) وخبره {أن يعلمه} لأن (ان) مع الفعل بمنزلة المصدر، وتقديره: أو لم تكن لهم آية معجزة ودلالة ظاهرة علم بني اسرائيل بمحمد في الكتب. يعني كتب الانبياء (ع) قبله أنه نبي، وأن هذا القرآن من عند الله، لكنه لما جاءهم ما عرفوه على بصيرة كفروا به. ومن قرأ بالياء ونصب (آية) جعلها خبر (كان) واسمه (أن يعلمه) وهو الاقوى في العربية، لان (آية) نكرة، و (أن يعلمه) معرفة، وإذا اجتمعت معرفة ونكرة اختير أن يكون المعرفة اسم (كان) والنكرة خبرها، وسيبويه لا يجيز غير ذلك إلا في ضرورة الشعر كقول حسان: شعر : كأن سبيئة من بيت رأس يكون مزاجها عسل وماء تفسير : من بيت رأس معناه من بيت رئيس، فسمى السيد رأساً، قال عمرو ابن كلثوم: شعر : برأس من بني جشم بن عمرو تفسير : وبيت رأس بيت بالشام، تتخذ فيه الخمور. والهاء في قوله "نزله... وإنه لتنزيل" كناية عن القرآن في قول قتادة. وصفه الله تعالى أنه تنزيل من رب العالمين الذي خلق الخلائق. ووصفه بأنه تنزيل من رب العالمين، تشريف له وتعظيم لشأنه. ثم قال {نزل به الروح الأمين} من خفف أسند الفعل إلى جبرائيل، ولذلك رفعه. ومن ثقل أسنده إلى الله تعالى، ونصب {الروح الأمين} على انه مفعول به. والروح الأمين جبرائيل (ع). وانما قال {على قلبك} لأنه بقلبه يحفظه فكأنه المنزل عليه. و {الروح الأمين} جبرائيل (ع) في قول ابن عباس والحسن وقتادة والضحاك وابن جريج. ووصف بأنه (روح) من ثلاثة وجوه: احدها - انه تحيا به الأرواح بما ينزل من البركات. الثاني - لان جسمه روحاني. الثالث - ان الحياة عليه أغلب، فكأنه روح كله. وقوله {على قلبك لتكون من المنذرين} أي انزل هذا القرآن على قلبك لتخوف به الناس وتنذرهم. ثم عاد إلى وصفه فقال {وإنه لفي زبر الأولين} ومعناه إن ذكر القرآن في كتب الأولين على وجه البشارة به، لا لأن الله أنزله على غير محمد (صلى الله عليه وسلم). وواحد (الزبر) زبور، وهي الكتب، تقول: زبرت الكتاب أزبره زبراً إذا كتبته. واصله الجمع، ومنه الزبرة الكتبة، لانها مجتمعة. ثم قال تعالى {أولم يكن لهم آية} اي دلالة في علم بني اسرائيل واضحة على صحة أمره. ومن حيث أن مجيئه على ما تقدمت البشارة به بجميع أوصافه لا يكون إلا من جهة علام الغيوب. وقيل: من علماء بني اسرائيل عبد الله ابن سلام - في قول ابن مسعود وابن عباس ومجاهد - ثم قال {ولو نزلناه} يعني القرآن {على بعض الأعجمين} قيل: معناه على أعجم من البهائم أو غيره ما آمنوا به - ذكره عبد الله بن مطيع - وقيل: معناه {لو نزلناه على} رجل اعجم اللسان ما آمنوا به ولتكبروا عليه، لأنه من غيرهم، وأن المعجزة تفارقه، وفي ذلك تسلية للنبي (صلى الله عليه وسلم) حين لم يؤمنوا به، ولم يقبلوا منه. ونقيض الاعجم الفصيح، والاعجم الذي يمتنع لسانه من العربية. والعجمي نقيض العربي، وهو نسبة الولادة، قال الشاعر: شعر : من وائل لا حي يعدلهم من سوقة عرب ولا عجم تفسير : وإذا قيل أعجمي، فهو منسوب إلى أنه من الأعجمين الذين لا يفصحون كما قال العجاج: شعر : والدهر بالانسان دواري تفسير : فنسبه إلى أنه من الدوارين بالانسان. وقوله {كذلك سلكناه في قلوب المجرمين} فالهاء كناية عن القرآن. ومعناه أقررناه في قلوبهم باخطاره ببالهم لتقوم به الحجة عليهم، ولله لطف يوصل به المعنى في الدليل إلى القلب، فمن فكر فيه أدرك الحق به. ومن أعرض عنه كان كمن عرف الحق وترك العمل به في لزوم الحجة عليه. والفرق بين من ادرك الحق لسلوكه في القلب، وبين من ادرك الحق بالاضطرار اليه في القلب، أن الاضطرار اليه يوجد الثقة به فيكون، صاحبه عالماً به. واما بسلوكه، فيكون مع الشك فيه. وقال الحسن وابن جريج، وابن زيد: كذلك {سلكناه} أي الكفر. ولا وجه لذلك، لأنه لم يجر ذكره، ولا حجة فيه وانما الحجة في القرآن واخطاره بالبال، فهو أحسن في التأويل. وقوله {لا يؤمنون به حتى يروا العذاب الأليم} اخبار منه تعالى عن قوم من الكفار أنهم يموتون على كفرهم بأنهم لا يؤمنون حتى يشاهدوا العذاب المؤلم، فيصيرون عند ذلك ملجئين إلى الايمان، ومعنى {حتى يروا العذاب} أي حتى يشاهدوا أسبابه من نيران مؤججة لهم يساقون اليها، لا يردّهم عنها شيء. ويحتمل حتى يعلموه في حال حلوله بهم علم ملابسته لهم. ثم قال تعالى {فيأتيهم بغتة} ومعناه: إن العذاب الذي يتوقعونه ويستعجلونه يجيئهم فجأة. والبغتة حصول الأمر العظيم الشأن من غير توقع بتقديم الاسباب، وقيل البغتة الفجأة. والبادرة، بغته الأمر يبغته بغتاً وبغتة قال الشاعر: شعر : وافضع شيء حين يفجؤك البغت تفسير : واتاه الامر بغتة نقيض أتاه عن تقدمة {وهم لا يشعرون} أي لا يعلمون والشعور هو العلم بما يلطف، لطف الشعر. ثم اخبر تعالى انه إذا جاءهم العذاب بغتة قالوا {هل نحن منظرون} أي مؤخرون، فقال الله تعالى {أفبعذابنا يستعجلون} على وجه التوبيخ لهم والانكار عليهم. ثم قال لنبيه (صلى الله عليه وسلم) {أفرأيت} يا محمد {إن متعناهم سنين ثم جاءهم ما كانوا يوعدون} به من العذاب {ما أغنى عنهم ما كانوا يمتعون} معناه انه لم يغن عنهم ما كانوا يمتعون، لازديادهم من الآثام، واكتسابهم من الاجرام، أي أيّ شيء يغني عنهم ما يمتعون به من النعم، لانه فان كله، والاغناء عن الشيء صرف المكروه عنه بما يكفي عن غيره. والغنى به نقيض الغنى عنه، فالاغناء عنه الصرف عنه، والاغناء به الصرف به، والامتاع احضار النفس ما فيه اللذة بادراك الحاسة، يقال: أمتعه بالرياحين والطيب، وامتعه بالنزه والبساتين، وامتعه بالمال والبنين، وامتعه بالحديث الطريف الظريف.

الجنابذي

تفسير : عطف على السّابق باعتبار المعنى كأنّه قال: وانّ شعيباً لمن المرسلين وانّك لمن المرسلين وانّ القرآن او قرآن ولاية علىٍّ (ع) لتنزيل ربّ العالمين.

اطفيش

تفسير : {وَإِنَّهُ} أي القرآن كما يدل عليه السياق اللاحق. {لَتَنزِيلُ رَبِّ العَالَمِينَ} أي منزله أو أن تنزيله تنزيل رب العالمين، فعلى الأول هو مصدر بمعنى اسم مفعول أو مصدر سمي به وعلى الثاني مصدر صح الاخبار به عن الهاء لأن المضاف حينئذ مقدر قبل الهاء.

اطفيش

تفسير : {وإنَّه} أى القرآن، او تقرير لحقية تلك القصص، أو ما ذكر من القصص {لتَنْزيل} منزل {ربِّ العالمين} ففيه إعجاز القرآن، ورسالة محمد صلى الله عليه وسلم، إذ لا يعلم تلك القصص إلا بالوحى.

الالوسي

تفسير : وقوله سبحانه: {وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ } الخ عود لما في مطلع السورة الكريمة من التنويه بشأن القرآن العظيم ورد ما قال المشركون فيه فالضمير راجع إلى القرآن، وقيل: هو تقرير لحقية تلك القصص وتنبيه على إعجاز القرآن ونبوة محمد صلى الله عليه وسلم فإن الإخبار عنها ممن لم يتعلمها لا يكون إلا وحيا من الله عز وجل، فالضمير لما ذكر من الآيات الكريمة الناطقة بتلك القصص المحكية، وجوز أن يكون للقرآن الذي هي من جملته والإخبار عن ذلك بتنزيل للمبالغة. والمراد إنه لمنزل من الله تعالى ووصفه سبحانه بربوبية العالمين للإيذان بأن تنزيله من أحكام تربتيه عز وجل ورأفته بالكل.

سيد قطب

تفسير : انتهى القصص وكله يعرض قصة الرسل والرسالات. وقصة التكذيب والإعراض. وقصة التحدي والعقاب. وقد بدأ هذا القصص بعد مقدمة السورة. والحديث فيها خاص برسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ومشركي قريش: {لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين. إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية فظلت أعناقهم لها خاضعين. وما يأتيهم من ذكر من الرحمن محدث إلا كانوا عنه معرضين. فقد كذبوا فسيأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزئون}.. ثم سيق القصص، وكله نماذج للقوم يأتيهم أنباء ما كانوا يستهزئون. فلما انتهى القصص عاد السياق إلى موضوع السورة الذي تضمنته المقدمة؛ فجاء هذا التعقيب الأخير، يتحدث عن القرآن، فيؤكد أنه تنزيل رب العالمين ـ ومنه هذا القصص الذي مضت به القرون، فإذا القرآن ينزل به من رب العالمين، ويشير إلى أن علماء بني إسرائيل يعرفون خبر هذا الرسول وما معه من القرآن، لأنه مذكور في كتب الأولين. إنما المشركون يعاندون الدلائل الظاهرة؛ ويزعمون أنه سحر أو شعر، ولو أن أعجمياً لا يتكلم العربية نزل عليه هذا القرآن فتلاه عليهم بلغتهم ما كانوا به مؤمنين. لأن العناد هو الذي يقعد بهم عن الإيمان لا ضعف الدليل! وما تنزلت الشياطين بهذا القرآن على محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ كما تتنزل بالأخبار على الكهان. وما هو كذلك بشعر، فإن له منهجاً ثابتاً والشعراء يهيمون في كل واد وفق الانفعالات والأهواء. إنما هو القرآن المنزل من عند الله تذكيراً للمشركين، قبل أن يأخذهم الله بالعذاب، وقبل أن يأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزئون {وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون}.. {وإنه لتنزيل رب العالمين. نزل به الروح الأمين. على قلبك لتكون من المنذرين. بلسان عربي مبين}.. والروح الأمين جبريل ـ عليه السلام ـ نزل بهذا القرآن من عند الله على قلب رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهو أمين على ما نزل به، حفيظ عليه، نزل به على قلبه فتلقاه تلقياً مباشراً، ووعاه وعياً مباشراً. نزل به على قلبه ليكون من المنذرين بلسان عربي مبين. هو لسان قومه الذي يدعوهم به، ويتلو عليهم القرآن. وهم يعرفون مدى ما يملك البشر أن يقولوا؛ ويدركون أن هذا القرآن ليس من جنس كلام البشر، وإن كان بلغتهم؛ وأنه بنظمه، وبمعانيه، وبمنهجه، وبتناسقه. يشي بأنه آت من مصدر غير بشري بيقين. وينتقل من هذا الدليل الذاتي إلى دليل آخر خارجي: {وإنه لفي زبر الأولين. أو لم يكن لهم آية أن يعلمه علماء بني إسرائيل}.. فقد وردت صفة الرسول الذي ينزل عليه القرآن، كما وردت أصول العقيدة التي جاء بها في كتب الأولين. ومن ثم كان علماء بني إسرائيل يتوقعون هذه الرسالة، وينتظرون هذا الرسول، ويحسون أن زمانه قد أظلهم؛ ويحدث بعضهم بعضاً بهذا كما ورد على لسان سلمان الفارسي، ولسان عبدالله بن سلام ـ رضي الله عنهما ـ والأخبار في هذا ثابتة كذلك بيقين. إنما يكابر المشركون ويعاندون لمجرد المكابرة والعناد، لا لضعف الحجة ولا لقصور الدليل؛ فلو جاءهم به أعجمي لا ينطق العربية فتلاه عليهم قرآناً عربياً ما آمنوا به، ولا صدقوه، ولا اعترفوا أنه موحى به إليه، حتى مع هذا الدليل الذي يجبه المكابرين: {ولو نزلناه على بعض الأعجمين، فقرأه عليهم ما كانوا به مؤمنين}.. وفي هذا تسرية عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وتصوير لعنادهم ومكابرتهم في كل دليل. ثم يعقب على هذا بأن التكذيب مكتوب على القوم ملازم لهم بحكم عنادهم ومكابرتهم. فهكذا قضي الأمر أن يتلقوه بالتكذيب، كأنه طبع في قلوبهم لا يحول. حتى يأتيهم العذاب وهم في غفلة لا يشعرون: {كذلك سلكناه في قلوب المجرمين. لا يؤمنون به حتى يروا العذاب الأليم، فيأتيهم بغتة وهم لا يشعرون}.. والتعبير يرسم صورة حسية لملازمة التكذيب لهم. فيقول: إنه على هذه الهيئة. هيئة عدم الإيمان والتكذيب بالقرآن. على هذه الهيئة نظمناه في قلوبهم وأجريناه. فهو لا يجري فيها إلا مكذباً به. ويظل على هيئته هذه في قلوبهم {حتى يروا العذاب الأليم}.. {فيأتيهم بغتة وهم لا يشعرون}.. وقد بقي بعضهم فعلاً على هذا الوضع حتى فارق هذه الأرض بالقتل أو الموت، ومن ثم إلى العذاب الأليم.. وفي هذه اللحظة فقط يفيقون: {فيقولوا: هل نحن منظرون؟}.. هل نحن مؤجلون إلى فرصة أخرى، نصلح بها ما فات. وهيهات هيهات! ولقد كانوا يستعجلون عذاب الله، على سبيل الاستهزاء والاستهتار، واغتراراً بما هم فيه من متاع، يبلد حسهم، ويجعلهم يستبعدون النقلة منه إلى العذاب والنكال. شأنهم شأن ذوي النعمة قلما يخطر ببالهم أن تزول؛ وقلما يتصورون أن تحول. فهو يوقظهم هنا من هذه الغفلة، ويرسم لهم صورتهم حين يحل بهم ما يستعجلون: {أفبعذابنا يستعجلون؟ أفرأيت إن متعناهم سنين، ثم جاءهم ما كانوا يوعدون. ما أغنى عنهم ما كانوا يمتعون}.. فيضع صورة الاستعجال بالعذاب في جانب. وفي الجانب الآخر تحقق الوعيد. وإذا سنون المتاع ساقطة كأنها لم تكن، لا تغني عنهم شيئاً، ولا تخفف من عذابهم. وفي الحديث الصحيح: "حديث : يؤتى بالكافر فيغمس في النار غمسة، ثم يقال له: هل رأيت خيراً قط؟ هل رأيت نعيماً قط؟ فيقول: لا والله يا رب. ويؤتى بأشد الناس بؤساً كان في الدنيا، فيصبغ في الجنة صبغة، ثم يقال له: هل رأيت بؤساً قط؟ فيقول: لا والله يا رب " تفسير : ثم يخوفهم بأن الإنذار مقدمة الهلاك. وأن رحمة الله ألا يهلك قرية حتى يبعث فيها رسولاً، يذكرها بدلائل الإيمان: {وما أهلكنا من قرية إلا لها منذرون. ذكرى. وما كنا ظالمين}.. ولقد أخذ الله على البشر عهد الفطرة أن يوحدوه ويعبدوه. والفطرة بذاتها تحس بوجود الخالق الواحد ما لم تفسد وتنحرف. وبث دلائل الإيمان في الكون، كلها يوحي بوجود الخالق الواحد. فإذا نسي الناس عهد الفطرة؛ وأغفلوا دلائل الإيمان، جاءهم نذير يذكرهم ما نسوا، ويوقظهم إلى ما أغفلوا. فالرسالة ذكرى تذكر الناسين وتوقظ الغافلين. زيادة في العدل والرحمة {وما كنا ظالمين} في أخذ القرى بعد ذلك بالعذاب والهلاك. فإنما هو جزاء النكسة عن خط الهدى ومنهج اليقين. ثم يبدأ معهم جولة جديدة عن القرآن الكريم: {وما تنزلت به الشياطين. وما ينبغي لهم وما يستطيعون. إنهم عن السمع لمعزولون}.. لقد قرر في الجولة الماضية أنه تنزيل رب العالمين نزل به الروح الأمين؛ واستطرد مع تكذيبهم به، واستعجالهم ما يتوعدهم من عذاب فيه.. وها هو ذا ينفي دعواهم أنه من وحي الشياطين على طريقة الكهان، الذين كانوا يزعمون أن الشياطين تأتيهم بخبر الغيب، وبالسمع الذي يتكهنون فيه بالأخبار. وما يليق هذا القرآن بالشياطين. وهو يدعو إلى الهدى والصلاح والإيمان. والشياطين تدعو إلى الضلال والفساد والكفر. وما هم بمستطيعين أن يأتوا به. فهم معزولون عن سماع الوحي به من الله. إنما يتنزل به الروح الأمين، بإذن من رب العالمين. وليس هذا بميسور للشياطين. وهنا يلتفت بالخطاب إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يحذره من الشرك ـ وهو أبعد من يكون عنه ـ ليكون غيره أولى بالحذر. ويكلفه إنذار عشيرته الأقربين. ويأمره بالتوكل على الله، الذي يلحظه دائماً ويرعاه: {فلا تدع مع الله إلهاً آخر فتكون من المعذبين. وأنذر عشيرتك الأقربين. واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين. فإن عصوك فقل: إني بريء مما تعملون. وتوكل على العزيز الرحيم. الذي يراك حين تقوم. وتقلبك في الساجدين. إنه هو السميع العليم}.. وحين يكون الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ متوعداً بالعذاب مع المعذبين، لو دعا مع الله إلهاً آخر. وهذا محال ولكنه فرض للتقريب. فكيف يكون غيره؟ وكيف ينجو من العذاب من يدعو هذه الدعوة من الآخرين؟! وليس هنالك محاباة، والعذاب لا يتخلف حتى عن الرسول، لو ارتكب هذا الإثم العظيم! وبعد إنذار شخصه ـ صلى الله عليه وسلم ـ يكلف إنذار أهله. لتكون لمن سواهم عبرة، أن هؤلاء يتهددهم العذاب لو بقوا على الشرك لا يؤمنون: {وأنذر عشيرتك الأقربين}.. روى البخاري ومسلم أنه "حديث : لما نزلت هذه الآية أتى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ الصفا فصعد عليه ثم نادى: يا صاحباه! فاجتمع الناس إليه، بين رجل يجيء إليه، وبين رجل يبعث رسوله. فقال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: "يا بني عبد المطلب. يا بني فهر. يا بني لؤي. أرأيتم لو أخبرتك أن خيلاً بسفح الجبل تريد أن تغير عليكم صدقتموني؟" قالوا: نعم. قال: "فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد". فقال أبو لهب: تباً لك سائر اليوم! أما دعوتنا إلا لهذا؟ وأنزل الله: {تبت يدا أبي لهب وتب...} ". تفسير : وأخرج مسلم ـ بإسناده ـ عن عائشة ـ رضي الله عنها ـ قالت: "حديث : لما نزلت: {وأنذر عشيرتك الأقربين} قام رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقال: يا فاطمة ابنة محمد. يا صفية ابنة عبد المطلب. يا بني عبد المطلب. لا أملك لكم من الله شيئاً. سلوني من مالي ما شئتم" . تفسير : وأخرج مسلم والترمذي ـ بإسناده عن أبي هريرة ـ قال: حديث : لما نزلت هذه الآية. دعا رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قريشاً فعم وخص فقال: يا معشر قريش أنقذوا أنفسكم من النار. يا معشر بني كعب أنقذوا أنفسكم من النار. يا فاطمة بنت محمد أنقذي نفسك من النار. فإني والله لا أملك لكم من الله شيئاً. إلا أن لكم رحماً سأبلها ببلالها "... تفسير : فهذه الأحاديث وغيرها تبين كيف تلقى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ الأمر، وكيف أبلغه لعشيرته الأقربين، ونفض يده من أمرهم، ووكلهم إلى ربهم في أمر الآخرة، وبين لهم أن قرابتهم له لا تنفعهم شيئاً إذا لم ينفعهم عملهم، وأنه لا يملك لهم من الله شيئاً، وهو رسول الله.. وهذا هو الإسلام في نصاعته ووضوحه، ونفي الوساطة بين الله وعباده حتى عن رسوله الكريم. كذلك يبين الله لرسوله كيف يعامل المؤمنين الذين يستجيبون لدعوة الله على يديه: {واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين}.. فهو اللين والتواضع والرفق في صورة حسية مجسمة. صورة خفض الجناح، كما يخفض الطائر جناحيه حين يهم بالهبوط. وكذلك كان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ مع المؤمنين طوال حياته. فقد كان خلقه القرآن. وكان هو الترجمة الحية الكاملة للقرآن الكريم. وكذلك بين الله له كيف يعامل العصاة فيكلهم إلى ربهم، ويبرأ مما يعملون: {فإن عصوك فقل: إني بريء مما تعملون}.. وكان هذا في مكة، قبل أن يؤمر الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ بقتال المشركين. ثم يتوجه به ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلى ربه، يصله به صلة الرعاية الدائمة القريبة: {وتوكل على العزيز الرحيم. الذي يراك حين تقوم. وتقلبك في الساجدين. إنه هو السميع العليم}. دعهم وعصيانهم، متبرئاً من أعمالهم، وتوجه إلى ربك معتمداً عليه، مستعيناً في أمرك كله به. ويصفه ـ سبحانه ـ بالصفتين المكررتين في هذه السورة: العزة والرحمة. ثم يشعر قلب الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ بالأنس والقربى. فربه يراه في قيامه وحده للصلاة، ويراه في صفوف الجماعة الساجدة. يراه في وحدته ويراه في جماعة المصلين يتعهدهم وينظمهم ويؤمهم ويتنقل بينهم. يرى حركاته وسكناته، ويسمع خطراته ودعواته: {إنه هو السميع العليم}.. وفي التعبير على هذا النحو إيناس بالرعاية والقرب والملاحظة والعناية. وهكذا كان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يشعر أنه في كنف ربه، وفي جواره وقربه. وفي جو هذا الأنس العلوي كان يعيش.. والجولة الأخيرة في السورة حول القرآن أيضاً. ففي المرة الأولى أكد أنه تنزيل من رب العالمين. نزل به الروح الأمين. وفي المرة الثانية نفى أن تتنزل به الشياطين. أما في هذه المرة فيقرر أن الشياطين لا تتنزل على مثل محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ في أمانته وصدقه وصلاح منهجه؛ إنما يتنزل على كل كذاب آثم ضال من الكهان الذين يتلقون إيحاءات الشياطين ويذيعونها مع التضخيم والتهويل: {هل أنبئكم على من تنزل الشياطين؟ تنزل على كل أفاك أثيم. يلقون السمع وأكثرهم كاذبون}.. وكان في العرب كهان يزعمون أن الجن تنقل إليهم الأخبار، وكان الناس يلجأون إليهم ويركنون إلى نبوءاتهم. وأكثرهم كاذبون. والتصديق بهم جري وراء الأوهام والأكاذيب. وهم على أية حال لا يدعون إلى هدى، ولا يأمرون بتقوى، ولا يقودون إلى إيمان. وما هكذا كان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهو يدعو الناس بهذا القرآن إلى منهج قويم. ولقد كانوا يقولون عن القرآن أحياناً: إنه شعر، ويقولون عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ إنه شاعر. وهم في حيرتهم كيف يواجهون هذا القول الذي لا يعرفون له نظيراً، والذي يدخل إلى قلوب الناس، ويهز مشاعرهم، ويغلبهم على إرادتهم من حيث لا يملكون له رداً. فجاء القرآن يبين لهم في هذه السورة أن منهج محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ ومنهج القرآن غير منهج الشعراء ومنهج الشعر أصلاً. فإن هذا القرآن يستقيم على نهج واضح، ويدعو إلى غاية محددة، ويسير في طريق مستقيم إلى هذه الغاية. والرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ لا يقول اليوم قولاً ينقضه غداً، ولا يتبع أهواء وانفعالات متقلبة؛ إنما يصر على دعوة، ويثبت على عقيدة، ويدأب على منهج لا عوج فيه. والشعراء ليسوا كذلك. الشعراء أسرى الانفعالات والعواطف المتقلبة. تتحكم فيهم مشاعرهم وتقودهم إلى التعبير عنها كيفما كانت. ويرون الأمر الواحد في لحظة أسود. وفي لحظة أبيض. يرضون فيقولون قولاً، ويسخطون فيقولون قولاً آخر. ثم هم أصحاب أمزجة لا تثبت على حال! هذا إلى أنهم يخلقون عوالم من الوهم يعيشون فيها، ويتخيلون أفعالاً ونتائج ثم يخالونها حقيقة واقعة يتأثرون بها. فيقل اهتمامهم بواقع الأشياء، لأنهم يخلقون هم في خيالهم واقعاً آخر يعيشون عليه! وليس كذلك صاحب الدعوة المحددة، الذي يريد تحقيقها في عالم الواقع ودنيا الناس. فلصاحب الدعوة هدف، وله منهج، وله طريق. وهو يمضي في طريقه على منهجه إلى هدفه مفتوح العين، مفتوح القلب، يقظ العقل؛ لا يرضى بالوهم، ولا يعيش بالرؤى، ولا يقنع بالأحلام، حتى تصبح واقعاً في عالم الناس. فمنهج الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ ومنهج الشعراء مختلفان، ولا شبهة هناك، فالأمر واضح صريح: {والشعراء يتبعهم الغاوون. ألم تر أنهم في كل واد يهيمون. وأنهم يقولون ما لا يفعلون؟!}. فهم يتبعون المزاج والهوى ومن ثم يتبعهم الغاوون الهائمون مع الهوى، الذين لا منهج لهم ولا هدف. وهم يهيمون في كل واد من وديان الشعور والتصور والقول، وفق الانفعال الذي يسيطر عليهم في لحظة من اللحظات تحت وقع مؤثر من المؤثرات. وهم يقولون مالا يفعلون. لأنهم يعيشون في عوالم من صنع خيالهم ومشاعرهم، يؤثرونها على واقع الحياة الذي لا يعجبهم! ومن ثم يقولون أشياء كثيرة ولا يفعلونها، لأنهم عاشوها في تلك العوالم الموهومة، وليس لها واقع ولا حقيقة في دنيا الناس المنظورة! إن طبيعة الإسلام ـ وهو منهج حياة كامل معد للتنفيذ في واقع الحياة، وهو حركة ضخمة في الضمائر المكنونة وفي أوضاع الحياة الظاهرة ـ إن طبيعة الإسلام هذه لا تلائمها طبيعة الشعراء كما عرفتهم البشرية ـ في الغالب ـ لأن الشاعر يخلق حلماً في حسه ويقنع به. فأما الإسلام فيريد تحقيق الحلم ويعمل على تحقيقه، ويحول المشاعر كلها لتحقق في عالم الواقع ذلك النموذج الرفيع. والإسلام يحب للناس أن يواجهوا حقائق الواقع ولا يهربوا منها إلى الخيال المهوّم. فإذا كانت هذه الحقائق لا تعجبهم، ولا تتفق مع منهجه الذي يأخذهم به، دفعهم إلى تغييرها، وتحقيق المنهج الذي يريد. ومن ثم لا تبقى في الطاقة البشرية بقية للأحلام المهوّمة الطائرة. فالإسلام يستغرق هذه الطاقة في تحقيق الأحلام الرفيعة، وفق منهجه الضخم العظيم. ومع هذا فالإسلام لا يحارب الشعر والفن لذاته ـ كما قد يفهم من ظاهر الألفاظ. إنما يحارب المنهج الذي سار عليه الشعر والفن. منهج الأهواء والانفعالات التي لا ضابط لها؛ ومنهج الأحلام المهومة التي تشغل أصحابها عن تحقيقها. فأما حين تستقر الروح على منهج الإسلام، وتنضح بتأثراتها الإسلامية شعراً وفناً؛ وتعمل في الوقت ذاته على تحقيق هذه المشاعر النبيلة في دنيا الواقع؛ ولا تكتفي بخلق عوالم وهمية تعيش فيها، وتدع واقع الحياة كما هو مشوهاً متخلفاً قبيحاً! وأما حين يكون للروح منهج ثابت يهدف إلى غاية إسلامية، وحين تنظر إلى الدينا فتراها من زاوية الإسلام، في ضوء الإسلام، ثم تعبر عن هذا كله شعراً وفناً. فأما عند ذلك فالإسلام لا يكره الشعر ولا يحارب الفن، كما قد يفهم من ظاهر الألفاظ. ولقد وجه القرآن القلوب والعقول إلى بدائع هذا الكون، وإلى خفايا النفس البشرية. وهذه وتلك هي مادة الشعر والفن. وفي القرآن وقفات أمام بدائع الخلق والنفس لم يبلغ إليها شعر قط في الشفافية والنفاذ والاحتفال بتلك البدائع وذلك الجمال. ومن ثم يستثني القرآن الكريم من ذلك الوصف العام للشعراء: {إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات، وذكروا الله كثيراً، وانتصروا من بعد ما ظلموا}.. فهؤلاء ليسوا داخلين في ذلك الوصف العام. هؤلاء آمنوا فامتلأت قلوبهم بعقيدة، واستقامت حياتهم على منهج. وعملوا الصالحات فاتجهت طاقاتهم إلى العمل الخير الجميل، ولم يكتفوا بالتصورات والأحلام. وانتصروا من بعد ما ظلموا فكان لهم كفاح ينفثون فيه طاقتهم ليصلوا إلى نصرة الحق الذي اعتنقوه. ومن هؤلاء الشعراء الذين نافحوا عن العقيدة وصاحبها في إبان المعركة مع الشرك والمشركين على عهد رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ حسان بن ثابت، وكعب بن مالك وعبدالله بن رواحة ـ رضي الله عنهم ـ من شعراء الأنصار، ومنهم عبدالله بن الزبعرى، وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب وقد كانا يهجوان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في جاهليتهما، فلما أسلما حسن إسلامهما ومدحا رسول الله ونافحا عن الإسلام. وقد ثبت في الصحيح "حديث : أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال لحسان: اهجهم ـ أو قال هاجهم ـ وجبريل معك"تفسير : .. "حديث : وعن عبد الرحمـن بن كعب عن أبيه أنه قال للنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ إن الله عز وجل قد أنزل في الشعراء ما أنزل. فقال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: إن المؤمن يجاهد بسيفه ولسانه، والذي نفسي بيده لكأن ما ترمونهم به نضح النبل" تفسير : (رواه الإمام أحمد). والصور التي يتحقق بها الشعر الإسلامي والفن الإسلامي كثيرة غير هذه الصورة التي وجدت وفق مقتضياتها. وحسب الشعر أو الفن أن ينبع من تصور إسلامي للحياة في أي جانب من جوانبها، ليكون شعراً أو فناً يرضاه الإسلام. وليس من الضروري أن يكون دفاعاً ولا دفعاً؛ ولا أن يكون دعوة مباشرة للإسلام ولا تمجيداً له أو لأيام الإسلام ورجاله.. ليس من الضروري أن يكون في هذه الموضوعات ليكون شعراً إسلامياً. وإن نظرة إلى سريان الليل وتنفس الصبح، ممزوجة بشعور المسلم الذي يربط هذه المشاهد بالله في حسه لهي الشعر الإسلامي في صميمه. وإن لحظة إشراق واتصال بالله، أو بهذا الوجود الذي أبدعه الله، لكفيلة أن تنشىء شعراً يرضاه الإسلام. ومفرق الطريق أن للإسلام تصوراً خاصاً للحياة كلها، وللعلاقات والروابط فيها. فأيما شعر نشأ من هذا التصور فهو الشعر الذي يرضاه الإسلام. وتختم السورة بهذا التهديد الخفي المجمل: {وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون}.. السورة التي اشتملت على تصوير عناد المشركين ومكابرتهم، واستهتارهم بالوعيد واستعجالهم بالعذاب. كما اشتملت على مصارع المكذبين على مدار الرسالات والقرون. تنتهي بهذا التهديد المخيف. الذي يلخص موضوع السورة. وكأنه الإيقاع الأخير المرهوب؛ يتمثل في صور شتى، يتمثلها الخيال ويتوقعها. وتزلزل كيان الظالمين زلزالاً شديداً.

ابن عاشور

تفسير : عود إلى ما افتتحت به السورة من التنويه بالقرآن وكونه الآية العظمى بما اقتضاه قوله: {أية : تلك آيات الكتاب المبين}تفسير : [الشعراء: 2] كما تقدم لتختتم السورة بإطناب التنويه بالقرآن كما ابتُدئت بإجمال التنويه به، والتنبيه على أنه أعظم آية اختارها الله أن تكون معجزةً أفضل المرسلين. فضمير {وإنه} عائد إلى معلوم من المقام بعد ذكر آيات الرسل الأولين. فبواو العطف اتصلت الجملة بالجمل التي قبلها، وبضمير القرآن اتصل غرضها بغرض صدر السورة. فجملة: {وإنه لتنزيل رب العالمين} معطوفة على الجمل التي قبلها المحكية فيها أخبار الرسل المماثلة أحوالُ أقوامهم لحال قوم محمد صلى الله عليه وسلم وما أيدهم الله به من الآيات ليعلم أن القرآن هو آية الله لهذه الأمة، فعطفها على الجمل التي مثلها عطف القصة على القصة لتلك المناسبة. ولكن هذه الجملة متصلة في المعنى بجملة: {أية : تلك آيات الكتاب المبين}تفسير : [الشعراء: 2] بحيث لولا ما فصل بينها وبين الأخرى من طول الكلام لكانت معطوفة عليها. ووُجه الخطابُ إلى النبي صلى الله عليه وسلم لأن في التنويه بالقرآن تسلية له على ما يلاقيه من إعراض الكافرين عن قبوله وطاعتهم فيه. والتأكيد بــــ(إنَّ) ولاَم الابتداء لرد إنكار المنكرين. والتنزيل مصدر بمعنى المفعول للمبالغة في الوصف حتى كأنَّ المنزَّلَ نفسُ التنزيل. وجملة: {نزل به الروح الأمين} بيان لــــ{تنزيل رب العالمين}، أي كان تنزيله على هذه الكيفية. وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمَرو وحفص وأبو جعفر بتخفيف زاي {نزل} ورفع {الروحُ}. وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم ويعقوب وخلف {نَزَّل} بتشديد الزاي ونصب {الروح الأمينَ}، أي نزلّه الله به. و{الروح الأمين} جبريل وهو لقبه في القرآن، سمّي رُوحاً لأن الملائكة من عالم الروحانيات وهي المجردات. وتقدم الكلام على الروح في سورة الإسراء، وتقدم {أية : روح القدس}تفسير : في البقرة (87). ونزول جبريل إذنُ الله تعالى، فنزولُه تنزيل من رب العالمين. و{الأمين} صفة جبريل لأن الله أمنه على وحيه. والباء في قوله: {نزل به} للمصاحبة. والقلب: يطلق على ما به قبول المعلومات كما قال تعالى: {أية : إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلبٌ}تفسير : [ق: 37] أي إدراك وعقل. وقوله: {على قلبك} يتعلق بفعل {نزل}، و{على} للاستعلاء المجازي لأن النزول وصول من مكان عال فهو مقتض استقرار النازل على مكان. ومعنى نزول جبريل على قلب النبي عليهما السلام: اتصاله بقوة إدراك النبي لإلقاء الوحي الإلهي في قوَّته المتلقّية للكلام الموحى بألفاظه، ففعل (نزل) حقيقة. وحرف {على} مستعار للدلالة على التمكن مما سمي بقلب النبي مثل استعارته في قوله تعالى: {أية : أولئك على هدى من ربهم}تفسير : [البقرة: 5]. وقد وصَف النبي صلى الله عليه وسلم ذلك كما في حديث «الصحيحين» عن عائشة رضي الله عنها حديث : أن الحارث بن هشام سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله كيف يأتيك الوحي؟ فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم «أحياناً يأتيني مثلَ صَلْصَلَة الجَرَس فيَفْصِمُ عني وقد وَعَيتُ عنه ما قال، وأحياناً يتمثل لي الملَك رجلاً فيكلمني فأعِي ما يقول»تفسير : . وهذان الوصفان خاصّان بوحي نزول القرآن. وثمة وحي من قبيل إبلاغ المعنى وسمّاه النبي صلى الله عليه وسلم في حديث آخر نفْثاً. فقال: «حديث : إن روح القدس نَفَث في رُوعي أن نفساً لن تموت حتى تستوفي أجلها»تفسير : . فهذا اللفظ ليس من القرآن فهو وحي بالمعنى [والروع: العقل] وقد يكون الوحي في رؤيا النوم فإن النبي لا ينام قلبه، ويكون أيضاً بسماع كلام الله من وراء حجاب، وقد بيّنا في شرح الحديث النكتة في اختصاص إحدى الحالتين ببعض الأوقات. وأشعر قوله: {على قلبك} أن القرآن أُلقيَ في قلبه بألفاظه، قال تعالى: {أية : وما كنت تتْلُوا مِن قبله من كتاب}تفسير : [العنكبوت: 48]. ومعنى: {لتكون من المنذرين} لتكون من الرسل. واختير من أفعاله النذارة لأنها أخص بغرض السورة فإنها افتتحت بذكر إعراضهم وبإنذارهم. وفي: {من المنذرين} من المبالغة في تمكن وصف الرسالة منه ما تقدم غيرَ مرة في مثل هذه الصيغة في هذه القصص وغيرها. و{بلسان} حال من الضمير المجرور في {نزل به الروح الأمين}. والباء للملابسة. واللسان: اللغة، أي نزل بالقرآن ملابساً للغة عربية مبينة أي كائناً القرآن بلغة عربية. والمبين: الموضِّح الدلالة على المعاني التي يعنيها المتكلم، فإن لغة العرب أفصح اللغات وأوسعها لاحتمال المعاني الدقيقة الشريفة مع الاختصار، فإن ما في أساليب نظم كلام العرب من علامات الإعراب، والتقديم والتأخير، وغير ذلك، والحقيقة والمجاز والكناية، وما في سعة اللغة من الترادف، وأسماء المعاني المقيّدة، وما فيها من المحسنات، ما يلج بالمعاني إلى العقول سهلةً متمكنة، فقدّر الله تعالى هذه اللغة أن تكون هي لغة كتابه الذي خاطب به كافة الناس، فأنزل بادىء ذي بدء بين العرب أهل ذلك اللسان ومقاويل البيان ثم جعل منهم حمَلتَه إلى الأمم تترجم معانيَه فصاحتُهم وبيانُهم، ويتلقى أساليبَه الشادون منهم وولدانُهم، حين أصبحوا أمة واحدة يقوم باتحاد الدين واللغة كيانهم.

الشنقيطي

تفسير : أكد جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن هذا القرآن العظيم تنزيل رب العالمين، وأنه نزل به الروح الأمين الذي هو جبريل على قلب نبينا صلى الله عليهما وسلم، ليكون من المنذرين به، وأنه نزل عليه بلسان عربي مبين، وما ذكره جل وعلا هنا أوضحه في غير هذا الموضع، أما كون هذا القرآن تنزيل رب العالمين فقد أوضحه جل وعلا في آيات من كتابه كقوله تعالى: {أية : إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ لاَّ يَمَسُّهُ إِلاَّ ٱلْمُطَهَّرُونَ تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ ٱلْعَالَمِينَ} تفسير : [الواقعة: 77ـ80] وقوله تعالى: {أية : وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلاً مَّا تُؤْمِنُونَ وَلاَ بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ ٱلْعَالَمِينَ} تفسير : [الحاقة: 41ـ43] وقوله تعالى: {أية : طه مَآ أَنَزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْقُرْآنَ لِتَشْقَىٰ إِلاَّ تَذْكِرَةً لِّمَن يَخْشَىٰ تَنزِيلاً مِّمَّنْ خَلَق ٱلأَرْضَ وَٱلسَّمَاوَاتِ ٱلْعُلَى} تفسير : [طه: 1ـ4] وقوله تعالى: {أية : تَنزِيلُ ٱلْكِتَابِ مِنَ ٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَكِيمِ} تفسير : [الزمر: 1] وقوله: {أية : حـمۤ تَنزِيلٌ مِّنَ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً} تفسير : [فصلت: 1ـ3] الآية. وقوله تعالى: {أية : يسۤ وَٱلْقُرْآنِ ٱلْحَكِيمِ إِنَّكَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ تَنزِيلَ ٱلْعَزِيزِ ٱلرَّحِيمِ لِتُنذِرَ قَوْماً مَّآ أُنذِرَ آبَآؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ} تفسير : [يس: 1ـ6] والآيات بمثل ذلك كثيرة، وقوله: {نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلأَمِينُ} بينه أيضاً في غير هذا الموضع كقوله: {أية : قُلْ مَن كَانَ عَدُوّاً لِّجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَىٰ قَلْبِكَ بِإِذْنِ ٱللَّهِ} تفسير : [البقرة: 97] الآية، وقوله: {لِتَكُونَ مِنَ ٱلْمُنْذِرِينَ} أي نزل به عليك لأجل أن تكون من المنذرين به، جاء مبيناً في آيات أخر كقوله تعالى: {أية : الۤمۤصۤ كِتَابٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ فَلاَ يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنْهُ لِتُنذِرَ بِه} تفسير : [الأعراف: 1ـ2] الآية، أي أنزل إليك لتنذر به، وقوله تعالى: {أية : تَنزِيلَ ٱلْعَزِيزِ ٱلرَّحِيمِ لِتُنذِرَ قَوْماً مَّآ أُنذِرَ آبَآؤُهُمْ} تفسير : [يس: 5ـ6] الآية وقوله {بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ} ذكره أيضاً في غير هذا الموضع كقوله تعالى: {أية : لِّسَانُ ٱلَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَـٰذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ} تفسير : [النحل: 103] وقوله تعالى: {أية : كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآناً عَرَبِيّاَ} تفسير : [فصلت: 3] الآية. وقد بينا معنى اللسان العربي بشواهده في سورة النحل في الكلام على قوله تعالى {وَهَـٰذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِين} وقد أوضحنا معنى إنزال جبريل القرآن على قلبه صلى الله عليه وسلم بالآيات القرآنية في سورة البقرة في الكلام على قوله تعالى: {أية : قُلْ مَن كَانَ عَدُوّاً لِّجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَىٰ قَلْبِكَ بِإِذْنِ ٱللَّهِ} تفسير : [البقرة: 97] الآية.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: وإنه لتنزيل رب العالمين: أي القرآن الكريم تنزيل رب العالمين. الروح الأمين: جبريل عليه السلام أمين على وحي الله تعالى. وإنه لفي زبر الأولين: أي كتب الأولين، واحد الزبر: زبرة وكصفحة وصحف. أولم يكن لهم آية: أي علامة ودليلاً علم بني إسرائيل به. على بعض الأعجمين: الأعجمي من لا يقدر على التكلم بالعربية. كذلك سلكناه: أي التكذيب في قلوب المجرمين من كفار مكة. معنى الآيات: لقد أنكر كفار مكة أن يكون القرآن وحياً أوحاه الله تعالى وبذلك أنكروا أن يكون محمد رسول الله، ومن هنا ردوا عليه كل ما جاءهم به من التوحيد وغيره، فإيراد هذا القصص يتلوه محمد صلى الله عليه وسلم وهو لا يقرأ ولا يكتب دال دلالة قطعية على أنه وحي إلهي أوحاه إلى محمد صلى الله عليه وسلم وهو بذلك رسوله. فقوله تعالى {وَإِنَّهُ} أي القرآن الذي كذب به المشركون {لَتَنزِيلُ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلأَمِينُ} جبريل عليه السلام {عَلَىٰ قَلْبِكَ} أي الرسول لأن القلب هو الذي يتلقى الوحي إذ هو محط الإِدراك والوعي والحفظ، وقوله {لِتَكُونَ مِنَ ٱلْمُنْذِرِينَ} هو علة لنزول القرآن عليه وبه كان من الرسل المنذرين. وقوله {وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ ٱلأَوَّلِينَ} أي القرآن مذكور في الكتب الإِلهية التي سبقته كالتوراة والإِنجيل. وقوله تعالى {أَوَ لَمْ يَكُن لَّهُمْ} أي لكفار قريش {آيَةً} أي علامة على أن القرآن وحي الله وكتابه وأن محمداً عبد الله ورسوله {أَن يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ} أي علم بني إسرائيل به كعبد الله بن سلام فقد قال والله إني لأعلم أن محمداً رسول أكثر مما أعلم أن فلاناً ولدي، لأن ولدي في الإِمكان أن تكون أمه قد خانتني أما محمد فلا يمكن أن يكون غير رسول الله وفيهم قال تعالى {أية : يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ}تفسير : [البقرة: 146، الأنعام: 20] ومن عرف محمداً رسولاً عرف القرآن وحياً إلهياً. وقوله تعالى {وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَىٰ بَعْضِ ٱلأَعْجَمِينَ} أي وبلسان عربي مبين فكان ذلك آية، وقرأه عليهم الأعجمي، ما كانوا به مؤمنين. أي من أجل الأنفة والحمية إذ يقولون أعجمي وعربي؟ وقوله تعالى: {كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ} أي التكذيب وعدم الإِيمان {فِي قُلُوبِ ٱلْمُجْرِمِينَ} أي كما سلكنا التكذيب في قلوب المجرمين لو قرأ القرآن عليهم أعجمي سلكناه أي التكذيب في قلوب المجرمين إن قرأه عليهم محمد صلى الله عليه وسلم، والعلة في ذلك هي أن الإِجرام على النفس بارتكاب عظائم الذنوب من شأنه أن يحول بين النفس وقبول الحق لما ران عليها من الذنوب وأحاط بها من الخطايا. وقوله {لاَ يُؤْمِنُونَ بِهِ} تأكيد لنفي الإِيمان حتى يروا العذاب الأليم أي يستمر تكذيبهم بالقرآن والمنزل عليه حتى يروا العذاب الموجع، وحينئذ لا ينفعهم إيمانهم ولا هم ينظرون. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- تقرير معتقد الوحي الإِلهي والنبوة المحمدية. 2- بيان أن جبريل هو الذي كان ينزل بالوحي القرآني على النبي محمد صلى الله عليه وسلم. 3- تقرير النبوة المحمدية وأن محمداً من المنذرين. 4- بيان أن القرآن مذكور في الكتب السابقة بشهادة علماء أهل الكتاب. 5- إذا تراكمت آثار الذنوب والجرائم على النفس حجبتها عن التوبة ومنعتها من الإِيمان.

القطان

تفسير : الروح الأمين: جبريل عليه السلام. على قلبك: عليك وعلى روحك. زُبُر الاولين: كتب الاقدمين. الآية: الدليل والبرهان. الأعجمين: كل من لا يتكلم العربية. سلكناه: ادخلناه. بغتة: فجأة. منظَرون: مؤخرون. ذِكرى: تذكرة وعبرة. ما ينبغي لهم: لا يقدرون عليه، ولا يتيسر لهم. لمعزولون: لممنوعون. بعد ان اختتم سبحانه هذا القصص، وبيّن ما دار بين الأنبياء واقوامهم من الجدل، وذَكَر انه قد أهلك المكذّبين، فدالت دولةُ الباطل وانتصر الحق (وفي ذلك كله تسلية لرسوله الكريم) - وعد الله رسولَه بأنه منتصر على قومه مهما آذوه ولقي منهم من الشدائد: {أية : سُنَّةَ ٱللَّهِ فِي ٱلَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ ٱللَّهِ تَبْدِيلاً}تفسير : [الأحزاب:62]. بعد ذلك بين الله تعالى ان هذا القرآن الذي جاء بذلك القصص وحيٌ من عنده أنزله على عبده ورسوله بلسان عربيّ مبين، لينذر به ويبشّر عباده، وان ذكره في الكتب المتقدمة المأثورة عن الانبياء الذين بشروا به كما جاء على لسان عيسى بن مريم {أية : وَإِذْ قَالَ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ يٰبَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ ٱلتَّوْرَاةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي ٱسْمُهُ أَحْمَدُ}تفسير : [الصف:6]. وان العلماء من بني اسرائيل يجدون ذكره في كتبهم كما قال تعالى: {أية : ٱلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ٱلرَّسُولَ ٱلنَّبِيَّ ٱلأُمِّيَّ ٱلَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي ٱلتَّوْرَاةِ وَٱلإِنْجِيلِ}تفسير : [الاعراف:157]. وان قومك ايها الرسول سمعوا القرآن وعرفوا فصاحته، وأدركوا انه معجز لا يعارَضُ بكلام مثله، ومع هذا لم يؤمنوا به فلو أنّا انزلناه على بعض الاعجمين فقرأه عليهم لكفروا به. {كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ ٱلْمُجْرِمِينَ} بيَّنا لهم القرآن ودخل قلوبهم ولم يؤمنوا به. وهم لا يؤمنون به كفرا وعنادا منهم، حتى يأتيهم عذاب الله بغتة وهم لا يشعرون، فيتمنون عند ذلك ان يؤخَّروا حتى يؤمنوا. ولكن هيهات... فات الاوان. فقد جرت سنة الله ان لا يُهلك قوماً الا بعد ان يبعث فيهم مبشّرين ومنذرين. ثم ردّ على مشركي قريش الذين قالوا: ان لمحمدٍ تابعاً من الجنّ يخبره كما يخبر الكهف فقال: {وَمَآ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلاَّ لَهَا مُنذِرُونَ} يذكّرونهم وينذرونهم، وما كان شأننا الظلم فنعذّبَ أُمة قبل ان نبعث اليها رسولا. وما تنزلت الشياطينُ بهذا القرآن، وما يجوز لهم، وما يستطيعون. قراءات: قرأ ابن عامر وابو بكر وحمزة والكسائي: نزّلَ به الروحَ الأمينَ بتشديد الزاي المفتوحة ونصب الروح الامين، والباقون: نَزَلَ به الروح الامين: بفتح الزاي دون تشديد، ورفع الروح الامين. وقرأ ابن عامر: اولم تكن لهم آيةٌ، بالتاء ورفع آية، اسم تكن. والباقون: اولم يكن لهم آيةً بالياء ونصب آية، خبر يكن.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلْعَالَمِينَ} (192) - وإنَّ القرآنَ الذِيْ تَقَدَّمَ التَّنْوِيهُ بِهِ في أَوَّلِ السُّورَةِ {أية : وَمَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مِّنَ ٱلرَّحْمَـٰنِ}تفسير : أَنْزَلَهُ اللهُ ربُّ العالَمِين عليكَ يا مُحَمَّدُ، وأوْحَاهُ إِليكَ، وَهُوَ ربُّ العَالَمِين، فَخَبَرُهُ صَادِقٌ، وحُكْمُهُ نَافِذٌ.

الثعلبي

تفسير : {وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} يعني القرآن {نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلأَمِينُ} قرأ الحجازيّون وأبو عمر بتخفيف الزاي ورفع الحاء والنون يعنون جبرئيل (عليه السلام) بالقرآن، وقرأ الآخرون بتشديد الزاي وفتح الحاء والنون أي نزّل الله جبرئيل (عليه السلام)، وهو اختيار أبي عبيد وأبي حاتم لقوله {وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ} وهو مصدر نزّل، على قلبك يا محمد حتى وعيته. {لِتَكُونَ مِنَ ٱلْمُنْذِرِينَ * بِلِسَانٍ} يعني نزل بلسان {عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ * وَإِنَّهُ} يعني ذكر القرآن وخبره عن أكثر المفسرين وقال مقاتل: يعني ذكر محمد صلى الله عليه وسلم ونعته {لَفِي زُبُرِ} كتب {ٱلأَوَّلِينَ} وقرأ الأعمش زُبر بجزم الباء،وغيره بالرفع. {أَوَ لَمْ يَكُن لَّهُمْ آيَةً} قرأ ابن عامر تكن بالتاء {آيَةً} بالرفع، غيره تكن بالتاء آيةً بالنصب، ومعنى الآية أولم يكن لهؤلاء المنكرين دلالة وعلامة {أَن يَعْلَمَهُ} يعني محمداً {عُلَمَاءُ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ}. عبد الله بن سلام وأصحابه قال ابن عباس: بعث أهل مكة الى اليهود وهم بالمدينة فسألوهم عن محمد صلى الله عليه وسلم فقالوا: إن هذا لزمانه وإنّا نجد في التوراة نعته وصفته وكان ذلك آية لهم على صدقه. {وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ} يعني القرآن {عَلَىٰ بَعْضِ ٱلأَعْجَمِينَ} هو جمع الأعجم، وهو الذي لا يفصح ولا يحسن العربية وإن كان منسوباً الى العرب، وتأنيثه عجماء، وجمعه عجم، ومنه قيل للبهائم عجم أنها لا تتكلم. قال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : العجماء جرحها جُبار"تفسير : فإذا أردت أنه منسوب إلى العجم قلت: عجمي. وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن حنش قال: حدّثنا أبو القاسم بن الفضل قال: حدّثنا سهل بن علي قال: حدّثنا أبو عمر قال: حدّثنا شجاع بن أبي نصر عن عيسى بن عمر عن الحسن أنّه قرأ «ولو نزّلناه على بعض الأعجميين» مشدّدة بيائين، جعله نسبة ومعنى الآية: ولو نزّلناهُ على رجل ليس بعربي اللسان فقرأهُ عليهم بغير لغة العرب لما كانوا به مؤمنين، وقالوا: ما نفقه قولك نظيرهُ قوله سبحانه {أية : وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآناً أعْجَمِيّاً لَّقَالُواْ لَوْلاَ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ}تفسير : [فصلت: 44]، وقيل معناه: ولو نزّلناه على رجل ليس من العرب لما آمنوا به أنفة من اتّباعه. {كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ} أي أدخلنا القرآن {فِي قُلُوبِ ٱلْمُجْرِمِينَ} لتقوم الحجة عليهم، وقيل: يعني سلكنا الكفر في قلوب المجرمين {لاَ يُؤْمِنُونَ بِهِ}. قال الفرّاء: من شأن العرب إذا وضعت (لا) موضع (كي) في مثل هذا ربّما جزمت ما بعدها وربّما رفعت فتقول: ربطت الفرس لا ينفلت جزماً ورفعاً، وأوثقت العبد لا يأبق في الجزم على تأويل إن لم أربطه انفلت، وإن لم أُوثقه فرَّ، والرفع على أنّ الجازم غير ظاهر. أنشد بعض بني عقيل: شعر : وحتى رأينا أحسن الود بيننا مساكنة لا يقرف الشر قارف تفسير : ينشد رفعاً وجزماً، ومن الجزم قول الراجز: شعر : لطال ما حلأتماها لا ترد فخليّاها والسجال تبترد تفسير : {حَتَّىٰ يَرَوُاْ ٱلْعَذَابَ ٱلأَلِيمَ * فَيَأْتِيَهُم} قراءة العامة بالياء يعنون العذاب. أخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن حنش قال: أخبرنا أبو العباس عبد الرَّحْمن بن محمد ابن حماد الطهراني قال: أخبرنا أبو زكريا يحيى بن الفضل الحرمي قال: حدّثنا وهب بن عمرو النمري قال: أخبرنا هارون بن موسى العتكي قال: حدّثنا الحسام عن الحسن أنه قرأ {فَيَأْتِيَهُم بَغْتَةً} بالتاء فقال له رجل: يا أبا سعيد إنما يأتيهم العذاب بغتة فانتهره الحسن وقال: إنّما هي الساعة. {وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ * فَيَقُولُواْ هَلْ نَحْنُ مُنظَرُونَ}. قال مقاتل: فقال المشركون: يا محمد إلى متى توعدنا بالعذاب؟ فأنزل الله عزَّ وجل {أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ * أَفَرَأَيْتَ إِن مَّتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ} في الدنيا ولم نهلكهم {ثُمَّ جَآءَهُم مَّا كَانُواْ يُوعَدُونَ} يعني العذاب {مَآ أَغْنَىٰ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يُمَتَّعُونَ * وَمَآ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلاَّ لَهَا مُنذِرُونَ} رُسل ينذرونهم {ذِكْرَىٰ} أي ينذرونهم تذكرة محلّها نصب، وقيل رفع أي تلك ذكرى. {وَمَا كُنَّا ظَالِمِينَ} في تعذيبهم حيث قدّمنا الحجّة عليهم وأعذرنا إليهم. {وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ ٱلشَّيَاطِينُ} بل نزل به الروح الامين، وقراءة العامّة الشياطين بالياء في جميع القرآن لأن نونه سنخية وهجاؤه واحد كالدهاقين والبساتين. وقرأ الحسن البصري ومحمد بن السميدح اليماني: الشياطون بالواو وقال الفراء: غلط الشيخ يعني الحسن فقيل: ذلك النضر بن شميل فقيل: إن جاز أن يحتج بقول العجاج ورؤبة ودونهما فهلاّ جاز أن يحتج بقول الحسن وصاحبه؟ مع إنّا نعلم أنهما لم يقرآ ذلك إلاّوقد سمعا فيه. وقال المؤرّخ: إن كان اشتقاق الشياطين من شاط يشيط كان لقراءتهما وجه. وأخبرني عمر بن شبّه قال: سمعت أبا عبيد يقول: لم نعب على الحسن في قراءته إلاّ قوله: وما تنزّلت به الشياطون. وبإسناده عن عمر بن شبّه قال: حدّثنا أبو حرب البابي من ولد باب قال: جاء أعرابي إلى يونس بن حبيب فقال: أتانا شاب من شبابكم هؤلاء فأتى بنا هذا الغدير فأجلسنا في ذات جناحين من الخشب فأدخلنا بساتين من وراءها بساتون. قال يونس: ما أشبه هذا بقراءة الحسن. {وَمَا يَنبَغِي لَهُمْ} أن ينزلوا القرآن {وَمَا يَسْتَطِيعُونَ} ذلك {إِنَّهُمْ عَنِ ٱلسَّمْعِ} أي استراق السمع من السماء {لَمَعْزُولُونَ} وبالشهب مرجومون {فَلاَ تَدْعُ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهاً آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ ٱلْمُعَذَّبِينَ * وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ ٱلأَقْرَبِينَ}. أخبرني الحسين بن محمد بن الحسين قال: حدّثنا موسى بن محمد بن علي بن عبد الله قال: حدّثنا الحسن بن علي بن شبيب المعمر قال: حدّثني عبّاد بن يعقوب قال: حدّثنا علي بن هاشم عن صباح بن يحيى المزني عن زكريا بن ميسرة عن أبي إسحاق عن البراء قال: لمّا نزلت {وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ ٱلأَقْرَبِينَ} جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بني عبد المطلب وهم يومئذ أربعون رجلاً، الرجل منهم يأكل المسنّة ويشرب العس، فأمر عليّاً برِجْل شاة فأدمها ثم قال: ادنُوا باسم الله فدنا القوم عشرة عشرة فأكلوا حتى صدروا، ثم دعا بقعب من لبن فجرع منه جرعة ثم قال لهم: اشربوا باسم الله، فشرب القوم حتى رووا فبدرهم أبو لهب فقال: هذا ما يسحركم به الرجل، فسكت النبي صلى الله عليه وسلم يومئذ فلم يتكلّم. ثمَّ دعاهم من الغد على مثل ذلك من الطعام والشراب ثم أنذرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "حديث : يا بني عبد المطلب إنّي أنا النذير إليكم من الله سبحانه والبشير لما يجيء به أحد منكم، جئتكم بالدنيا والآخرة فأسلموا وأطيعوني تهتدوا، ومَن يواخيني ويؤازرني ويكون وليّي ووصيي بعدي، وخليفتي في أهلي ويقضي ديني؟ فسكت القوم، وأعاد ذلك ثلاثاً كلّ ذلك يسكت القوم، ويقول علي: أنا فقال: "أنت" فقام القوم وهم يقولون لأبي طالب: أطع ابنك فقد أُمِّر عليك . تفسير : وأخبرنا عبد الله بن حامد الاصفهاني ومحمد بن عبد الله بن حمدون قالا: أخبرنا أحمد ابن محمد بن الحسن قال: حدّثنا محمد بن يحيى قال: حدّثنا أبو اليمان قال: أخبرنا شعيب عن الزهري قال: أخبرني سعيد بن المسيّب وأبو سلمة بن عبد الرَّحْمن أنَّ أبا هريرة قال: حديث : قام النبي صلى الله عليه وسلم حين أنزل الله سبحانه {وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ ٱلأَقْرَبِينَ} قال: "يا معشر قريش اشتروا أنفسكم من الله، لا أُغني عنكم من الله شيئاً، يا بني عبد مناف لا أُغني عنكم من الله شيئاً، يا عباس بن عبد المطلب لا أُغني عنكم من الله شيئاً، يا فاطمة بنت محمد لا أُغني عنكِ من الله شيئاً، يا صفيّة عمّة رسول الله لا أُغني عنك من الله شيئاً، فسلوني من مالي ما شئتم" . تفسير : وأخبرني عبد الله بن حامد قال: أخبرنا مكي بن عبدان قال: حدّثنا عبد الله بن هاشم قال: حدّثنا عبد الله قال: حدّثنا الأعمش عن عبد الله بن مرّة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: حديث : لمّا أنزل الله سبحانه {وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ ٱلأَقْرَبِينَ} أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم الصفا فصعد عليه ثم نادى يا صباحاه، فاجتمع الناس إليه بين رجل يجيء وبين رجل يبعث رسولا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا بني عبد المطلب، يا بني فهر لو أخبرتكم أن خيلاً بسفح هذا الجبل تريد أن تغير عليكم صدقتموني؟ قالوا: نعم قال: فإني نذيركم بين يدي عذاب شديد فقال أبو لهب: تبّاً لك سائر اليوم، ما دعوتنا إلاّ لهذا، فأُنزلت { تَبَّتْ يَدَآ أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ} [المسد: 1] . تفسير : {وَٱخْفِضْ جَنَاحَكَ} فليّن جانبك {لِمَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ * فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيۤءٌ مِّمَّا تَعْمَلُونَ} من عبادة الأوثان ومعصية الرحمن. {وَتَوكَّلْ} بالفاء أهل المدينة والشام وكذلك هو في مصاحفهم، وغيرهم بالواو أي وتوكل {عَلَى ٱلْعَزِيزِ ٱلرَّحِيمِ} ليكفيك كيد أعدائك. {ٱلَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ} إلى صلاتك عن أكثر المفسّرين. وقال مجاهد: الذي يراك أينما كنت {وَتَقَلُّبَكَ} ويرى تقلّبك في صلوتك في حال قيامك وقعودك وركوعك وسجودك. قال عكرمة وعطيّة عن ابن عباس، وقال مجاهد: ويرى تقلّبك في المصلّين أي إبصارك منهم من هو خلفك كما تبصر من هو أمامك. قال: وكان يرى من خلفه كما يرى من بين يديه. أخبرنا عبد الله بن حامد قال: أخبرنا أحمد بن محمد بن أحمد بن الحسن قال: حدّثنا السلمي وأحمد بن حفص وعبد الله الفرّاء وقطن قالوا: حدّثنا حفص قال: حدّثنا إبراهيم بن طهمان عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن أنس أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حديث : اتمّوا الركوع والسجود فوالله إنّي لأراكم من بعد ظهري إذا ركعتم وسجدتم . تفسير : وقال قتادة وابن زيد ومقاتل والكلبي: يعني وتصرّفك مع المصلّين في أركان الصلاة في الجماعة قائماً وقاعداً وراكعاً وساجداً، وهي رواية عطاء الخراساني عن ابن عباس. وقال سعيد بن جبير: وتصرّفك في أحوالك كما كانت الأنبياء من قبلك تفعله، والساجدون في هذا القول: الأنبياء. وقال الحسن: يعني وتصرّفك وذهابك ومجيئك في أصحابك والمؤمنين. أخبرني أبو سهل عبد الملك بن محمد بن أحمد بن حبيب المقري قال: حدّثنا أبو بكر أحمد بن موسى، قال: حدّثنا زنجويه بن محمد، قال: حدّثنا علىّ بن سعيد النسوي أبو عاصم عن صهيب عن عكرمة عن ابن عباس {وَتَقَلُّبَكَ فِي ٱلسَّاجِدِينَ} قال: من نبي الى نبيّ حتى أخرجك في هذه الأُمة. وحدَّثنا أبو الحسن محمد بن علي بن سهل الماسرخسي الفقيه إملاءً قال: أخبرنا أبو سعيد أحمد بن محمد بن زياد البصري بمكة قال: حدّثنا الحسن بن بشر قال: حدّثنا سعدان بن الوليد عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس في قوله سبحانه {وَتَقَلُّبَكَ فِي ٱلسَّاجِدِينَ} قال: ما زال رسول الله صلى الله عليه وسلم يتقلب في أصلاب الأنبياء حتى ولدته أُمّهُ. {إِنَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ} لقراءتك {ٱلْعَلِيمُ} بعملك.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : {وَإِنَّهُ ..} [الشعراء: 192] على أيِّ شيء يعود هذا الضمير؟ المفروض أن يسبقه مرجع يرجع إليه هذا الضمير وهو لم يُسبَق بشيء. تقول: جاءني رجل فأكرمتُه فيعود ضمير الغائب في أكرمته على (رجل). وكما في قوله تعالى: {أية : قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ}تفسير : [الإخلاص: 1] فالضمير هنا يعود على لفظ الجلالة، مع أنه متأخر عنه، ذلك لاستحضار عظمته تعالى في النفس فلا تغيب. كذلك {وَإِنَّهُ ..} [الشعراء: 192] أي: القرآن الكريم وعرفناه من قوله سبحانه: {لَتَنزِيلُ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} [الشعراء: 192] وقُدِّم الضمير على مرجعه لشهرته وعدم انصراف الذِّهْن إلا إليه، فحين تقول: {أية : هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ}تفسير : [الإخلاص: 1] لا ينصرف إلا إلى الله، {وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} [الشعراء: 192] لا ينصرف إلا إلى القرآن الكريم. وقال: {لَتَنزِيلُ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} [الشعراء: 192]. أي: أنه كلام الله لم أقلْهُ من عندي، خاصة وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يسبق له أنْ وقف خطيباً في قومه، ولم يُعرف عنه قبل الرسالة أنه خطيب أو صاحب قَوْل. إذن: فهو بمقاييس الدنيا دونكم في هذه المسألة، فإذا كان ما جاء به من عنده فلماذا لم تأتُوا بمثله؟ وأنتم أصحاب تجربة في القول والخطابة في عكاظ وذي المجاز وذي المجنة، فإن كان محمد قد افترى القرآن فأنتم أقدر على الافتراء؛ لأنكم أهل دُرْبة في هذه المسألة. و{ٱلْعَالَمِينَ} [الشعراء: 190]: كل ما سوى الله عزَّ وجلَّ؛ لذلك كان صلى الله عليه وسلم رحمة للعالمين للإنس وللجن وللملائكة وغيرها من العوالم. لذلك لما نزلت: {أية : وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ}تفسير : [الأنبياء: 107] حديث : سأل سيدنا رسول الله جبريل عليه السلام: "أما لك من هذه الرحمة شيء يا أخي يا جبريل؟" فقال: نعم، كنت أخشى سوء العاقبة كإبليس، فلما أنزل الله عليك قوله: {ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِي ٱلْعَرْشِ مَكِينٍ} [التكوير: 20] أمنْتُ العاقبة، فتلك هي الرحمة التي نالتني . تفسير : وليس القرآن وحده تنزيلَ رب العالمين، إنما كل الكتب السابقة السماوية كانت تنزيلَ رب العالمين، لكن الفرق بين القرآن والكتب السابقة أنها كانت تأتي بمنهج الرسول فقط، ثم تكون له معجزة في أمر آخر تثبت صِدْقه في البلاغ عن الله. فموسى عليه السلام كان كتابه التوراة، ومعجزته العصا، وعيسى عليه السلام كان كتابه الإنجيل، ومعجزته إبراء الأكمه والأبرص بإذن الله، أما محمد صلى الله عليه وسلم فكان كتابه ومنهجه القرآن ومعجزته أيضاً، فالمعجزة هي عَيْن المنهج. فلماذا؟ قالوا: لأن القرآن جاء منهجاً للناس كافّةً في الزمان وفي المكان فلا بد - إذن - أن يكون المنهج هو عَيْن المعجزة، والمعجزة هي عَيْن المنهج، وما دام الأمر كذلك فلا يصنع هذه المعجزة إلا الله، فهو تنزيل رب العالمين. أما الكتب السابقة فقد كانت لأمة بعينها في فترة محددة من الزمن، وقد نزلتْ هذه الكتب بمعناها لا بنصِّها؛ لذلك عيسى - عليه السلام - يقول: "سأجعل كلامي في فمه" أي: أن كلام الله سيكون في فم الرسول بنصِّه ومعناه من عند الله، ما دام بنصِّه من عند الله فهو تنزيل رب العالمين. ثم يقول الحق سبحانه: {نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ...}.

الصابوني

تفسير : المنَاسَبَة: لما ذكر تعالى قصص الأنبياء لرسوله صلى الله عليه وسلم أتبعه بذكر ما يدل على نبوته من تنزيل هذا القرآن المعجز على قلب خاتم الأنبياء والمرسلين. اللغَة: {زُبُرِ} الزُّبُر: الكُتُب جمع زَبور كرسول ورُسُل {ٱلأَعْجَمِينَ} جمع أعجمي وهو الذي لا يُحسن العربية، يقال: رجل أعجمي إذا كان غير فصيح وإِن كان عربياً، ورجلٌ عجمي أي غير عربي وإِن كان فصيح اللسان {بَغْتَةً} فجأة {مُنظَرُونَ} مؤخرون وممهلون يقال: أنْظره أي أمهله {أَفَّاكٍ} كذَّاب {مُنقَلَبٍ} مصير. التفسِير: {وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} أي وإِن هذا القرآن المعجز لتنزيلُ ربّ الأرباب {نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلأَمِينُ} أي نزل به أمين السماء جبريل عليه السلام {عَلَىٰ قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ ٱلْمُنْذِرِينَ} أي أنزله على قلبك يا محمد لتحفظه وتُنذر بآياته المكذبين {بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ} أي بلسانٍ عربي فصيح هو لسان قريش، لئلا يبقى لهم عذر فيقولوا: ما فائدة كلامٍ لا نفهمه؟ قال ابن كثير: أنزلناه باللسان العربي الفصيح، الكامل الشامل، ليكون بيناً واضحاً، قاطعاً للعذر مقيماً للحجة، دليلاً إلى المحجة {وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ ٱلأَوَّلِينَ} أي وإِن ذكر القرآن وخبره لموجودٌ في كتب الأنبياء السابقين {أَوَ لَمْ يَكُن لَّهُمْ آيَةً} الاستفهام للتوبيخ والتقريع أي أولم يكن لكفار مكة علامة على صحة القرآن {أَن يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ} أي أن يعلم ذلك علماء بني إسرائيل الذين يجدون ذكر هذا القرآن في كتبهم كعبد الله بن سلام وأمثاله {وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَىٰ بَعْضِ ٱلأَعْجَمِينَ} أي لو نزلنا هذا القرآن بنظمه الرائق المعجز على بعض الأعجمين الذين لا يقدرون على التكلم بالعربية {فَقَرَأَهُ عَلَيْهِم مَّا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ} أي فقرأه على كفار مكة قراءة صحيحة فصيحة، وانضم إعجاز القرآن إلى إعجاز المقروء ما آمنوا بالقرآن لفرط عنادهم واستكبارهم {كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ ٱلْمُجْرِمِينَ} أي كذلك أدخلنا القرآن في قلوب المجرمين، فسمعوا به وفهموه، وعرفوا فصاحته وبلاغته، وتحققوا من إعجازه ثم لم يؤمنوا به وجحدوه {لاَ يُؤْمِنُونَ بِهِ} أي لا يصدّقون بالقرآن مع ظهور إعجازه {حَتَّىٰ يَرَوُاْ ٱلْعَذَابَ ٱلأَلِيمَ} أي حتى يشاهدوا عذاب الله المؤلم فيؤمنوا حيث لا ينفع الإِيمان {فَيَأْتِيَهُم بَغْتَةً} أي فيأتيهم عذاب الله فجأة {وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ} أي وهم لا يعلمون بمجيئه ولا يدرون {فَيَقُولُواْ هَلْ نَحْنُ مُنظَرُونَ} أي فيقولوا حين يفجأهم العذاب - تحسراً على ما فاتهم من الإِيمان وتمنياً للإمهال - هل نحن مؤخرون لنؤمن ونصدّق {أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ} إِنكارٌ وتوبيخ أي كيف يستعجل العذاب هؤلاء المشركون ويقولون {أية : ٱئْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ}تفسير : [الأنفال: 32] وحالُهم عند نزول العذاب أنهم يطلبون الإِمهال والنظرة؟ {أَفَرَأَيْتَ إِن مَّتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ} أي أخبرني يا محمد إن متعناهم سنين طويلة، مع وفور الصحة ورغد العيش {ثُمَّ جَآءَهُم مَّا كَانُواْ يُوعَدُونَ} أي ثم جاءهم العذاب الذي وُعدوا به {مَآ أَغْنَىٰ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يُمَتَّعُونَ}؟ أي ماذا ينفعهم حينئذٍ ما مضى من طول أعمارهم، وطيب معاشهم؟ هل ينفعهم ذلك النعيم في تخفيف الحزن، أو دفع العذاب؟ {وَمَآ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ} أي وما أهلكنا أهل قرية من القرى، ولا أُمةً من الأمم {إِلاَّ لَهَا مُنذِرُونَ} أي إلاّ بعدما ألزمناهم الحجة بإِرسال الرسل مبشرين ومنذرين {ذِكْرَىٰ} أي ليكون إهلاكهم تذكرةً وعبرة لغيرهم فلا يعصوا مثل عصيانهم {وَمَا كُنَّا ظَالِمِينَ} أي وما كنا ظالمين في تعذيبهم، لأننا أقمنا الحجة عليهم وأعذرنا إليهم.. ثم إنه تعالى بعد أن نبّه على إعجاز القرآن وصدق نبوة محمد عليه السلام ردَّ على قول من زعم من الكفار أن القرآن من إلقاء الجن والشياطين كسائر ما ينزل على الكهنة فقال {وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ ٱلشَّيَاطِينُ} أي وما تنزَّلت بهذا القرآن الشياطين، بل نزل به الروح الأمين {وَمَا يَنبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ} أي وما يصح ولا يستقيم أن يتنزل بهذا القرآن الشياطين، ولا يستطيعون ذلك أصلاً {إِنَّهُمْ عَنِ ٱلسَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ} أي لأنهم منعوا من استراق السمع منذ بعث محمد عليه اسلام، وحيل بينهم وبين السمع بالملائكة والشهب، فكيف يستطيعون أن يتنزلوا به؟ قال ابن كثير: ذكر تعالى أنه يمتنع ذلك عليهم من ثلاثة أوجه: أحدها أنه ما ينبغي لهم لأن سجاياهم الفساد، وإِضلال العباد، وهذا فيه نورٌ وهدى وبرهان عظيم، الثاني: أنه لو انبغى لهم لما استطاعوا ذلك، وهذا من حفظ الله لكتابه وتأييده لشرعه الثالث: أنه لو انبغى لهم واستطاعوا حمله وتأديته لما وصلوا إلى ذلك، لأنهم بمعزلٍ عن استماع القرآن، لأن السماء مُلئت حرساً شديداً وشهباً، فلم يخلص أحد من الشياطين لاستماع حرفٍ واحد منه لئلا يشتبه الأمر {فَلاَ تَدْعُ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهاً آخَرَ} الخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم والمراد غيره أي لا تعبد يا محمد مع الله معبوداً آخر {فَتَكُونَ مِنَ ٱلْمُعَذَّبِينَ} أي فيعذبك الله بنار جهنم قال ابن عباس: يُحذّر به غيره يقول: أنتَ أكرمُ الخلق عليَّ، ولو اتخذت من دوني إلهاً لعذبتك، ثم أمر تعالى رسوله بتبليغ الرسالة فقال {وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ ٱلأَقْرَبِينَ} أي خوِّف أقاربك الأقرب منهم فالأقرب من عذاب الله إن لم يؤمنوا، روي حديث : أنه صلى الله عليه وسلم قام حين نزلت عليه {وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ ٱلأَقْرَبِينَ} فقال: "يا معشر قريشٍ اشتروا أنفسكم من اللَّهِ لا أُغني عنكم من الله شيئاً، يا بني عبد مناف لا أغني عنكم من الله شيئاً، يا عباسُ بنَ عبدِ المطلب لا أغني عنك من الله شيئاً، يا صفيةُ عمةَ رسول الله لا أغني عنك من الله شيئاً، يا فاطمةُ بنتَ محمد سليني ما شئتِ لا أُغني عنك من الله شيئاً"" تفسير : قال المفسرون: وإِنما أُمر صلى الله عليه وسلم بإِنذار أقاربه أولاً لئلا يظن أحدٌ به المحاباه واللطف معهم فإِذا تشدَّد على نفسه وعلى أقاربه كان قوله أنفع، وكلامه أنجع {وَٱخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} أي تواضعْ وأَلِنْ جانبك لأتباعك المؤمنين {فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيۤءٌ مِّمَّا تَعْمَلُونَ} أي فإِن لم يطيعوك وخالفوا أمرك فتبرأ منهم ومن أعمالهم قال أبو حيان: لما كان الإِنذار يترتب عليه الطاعة أو العصيان جاء التقسيم عليهما فكأن المعنى: من اتبعك مؤمناً فتواضع له، ومن عصاك فتبرأ منهم ومن أعمالهم {وَتَوكَّلْ عَلَى ٱلْعَزِيزِ ٱلرَّحِيمِ} أي فوّض جميع أمورك إلى الله العزيز، الذي يقهر أعداءك بعزته، وينصرك عليهم برحمته {ٱلَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ} أي يراك حين تكون وحدك تقوم من فراشك أو مجلسك وقال ابن عباس: حين تقوم إلى الصلاة {وَتَقَلُّبَكَ فِي ٱلسَّاجِدِينَ} أي ويرى تقلُّبك مع المصلين في الركوع والسجود والقيام، والمعنى يراك وحدك ويراك في الجماعة {إِنَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ} أي إنه تعالى السميع لما تقوله، العليم بما تخفيه {هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَىٰ مَن تَنَزَّلُ ٱلشَّيَاطِينُ}؟ أي قل يا محمد لكفار مكة: هل أخبركم على من تتنزَّل الشياطين؟ وهذا ردٌّ عليهم حين قالوا إنما يأتيه بالقرآن الشياطين {تَنَزَّلُ عَلَىٰ كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ} أي تتنزَّل على كل كذَّابٍ فاجر، مبالغٍ في الكذب والعدوان، لا على سيّد ولد عدنان {يُلْقُونَ ٱلسَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ} أي تُلقي الشياطين ما استرقوه من السمع إلى أوليائهم الكهنة، وأكثرهم يكذبون فيما يوحون به إليهم وفي الحديث "حديث : تلك الكلمةُ من الحقِّ يخْطفها الجنيُّ فيقرقرها - أي يلقيها - في أُذن وليّه كقرقرة الدجاج، فيخلطون معها أكثر من مائة كذبه" تفسير : قال الزمخشري: {يُلْقُونَ ٱلسَّمْعَ} هم الشياطين كانوا قبل أن يُحجبوا بالرجم يسمَّعون إلى الملأ الأعلى، فيختطفون بعض ما يتكلمون به مما اطلعوا عليه من الغيوب، ثم يوحون به إلى أوليائهم من الكهنة والمتنبئة "وأكثرهم كاذبون" فيما يوحون به إليهم، لأنهم يُسمعونهم ما لم يسمعوا، ثم ردَّ تعالى على من زعم أن محمداً شاعر فقال {وَٱلشُّعَرَآءُ يَتَّبِعُهُمُ ٱلْغَاوُونَ} أي يتبعهم الضالون لا أهل البصيرة والرشاد {أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ} أي ألم تر أيها السامع العاقل أنهم يسلكون في المديح والهجاء كل طريق، يمدحون الشيء بعد أن ذمّوه، ويعظّمون الشخص بعد أن احتقروه قال الطبري: وهذا مثلٌ ضربه الله لهم في افتتانهم في الوجوه التي يُفتنون فيها بغير حق، فيمدحون بالباطل قوماً ويهجون آخرين {وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لاَ يَفْعَلُونَ} أي يكذبون فينسبون لأنفسهم ما لم يعملوه قال أبو حيان: أخبر تعالى عن الشعراء بالأحوال التي تخالف حال النبوة، إذْ أمرهُم كما ذُكر من اتّباع الغُواة لهم، وسلوكهم أفانين الكلام من مدح الشيء وذمّه، ونسبة ما لا يقع منهم إليهم، وهذا مخالف لحال النبوة فإِنها طريقة واحدة لا يتبعها إلا الراشدون، ثم استثنى تعالى فقال {إِلاَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ} أي صدقوا في إيمانهم وأخلصوا في أعمالهم {وَذَكَرُواْ ٱللَّهَ كَثِيراً} أي لم يشغلهم الشعرُ عن ذكر الله ولم يجعلوه همَّهم وديدنهم {وَٱنتَصَرُواْ مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ} أي هجوا المشركين دفاعاً عن الحق ونصرةً للإِسلام {وَسَيَعْلَمْ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوۤاْ} وعيدٌ عام في كل ظالم، تتفتت له القلوب وتتصدع لهوله الأكباد أي وسيعلم الظالمون المعادون لدعوة الله ومعهم الشعراء الغاوون {أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ}؟ أي أيَّ مرجع يرجعون إليه؟ وأي مصيرٍ يصيرون إليه؟ فإِنَّ مرجعهم إلى العقاب وهو شرُّ مرجع، ومصيرهم إلى النار وهو أقبح مصير. البَلاَغَة: تضمنت الآيات وجوهاً من البلاغة والبديع نوجزها فيما يلي: 1- التأكيد بإِنَّ واللام {وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} لأن الكلام مع المتشككين في صحة القرآن فناسب تأكيده بأنواع من المؤكدات. 2- الاستفهام للتوبيخ والتبكيت {أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ}؟ 3- جناس الاشتقاق {يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ}. 4- المجاز المرسل {وَمَآ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ} المراد به أهلها. 5- أسلوب التهييج والإِلهاب {فَلاَ تَدْعُ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهاً آخَر} الخطابُ للرسول بطريق التهييج لزيادة إِخلاصه وتقواه. 6- الاستعارة التصريحية {وَٱخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ} شبه التواضع ولين الجانب بخفض الطائر جناحه عند إرادة الانحطاط فأطلق على المشبّه اسم الخفض بطريق الاستعارة المكنيَّة. 7- صيغتا المبالغة {أَفَّاكٍ أَثِيمٍ} لأن فعّال وفعيل من صيغ المبالغة أي كثير الكذب كثير الفجور. 8- الطباق بين {يَقُولُونَ.. ويَفْعَلُونَ} وبين {ٱنتَصَرُواْ.. وظُلِمُواْ}. 9- الاستعارة التمثيلية البديعة {فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ} مثَّل لذهابهم عن سنن الهدى وإِفراطهم في المديح والهجاء بالتائه في الصحراء الذي هام على وجه فهو لا يدري أين يسير، وهذا من ألطف الاستعارات، ومن أرشقها وأبدعها. 10- جناس الاشتقاق {مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ}. 11- مراعاة الفواصل مما يزيد في جمال الكلام ورونقه مثل {يَهِيمُونَ}، {يَنقَلِبُونَ}، {يَقُولُونَ مَا لاَ يَفْعَلُونَ} الخ. لطيفَة: ذُكر أن عمر بن عبد العزيز كان إذا أصبح أمسك بلحيته ثم قرأ قوله تعالى {أَفَرَأَيْتَ إِن مَّتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ * ثُمَّ جَآءَهُم مَّا كَانُواْ يُوعَدُونَ * مَآ أَغْنَىٰ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يُمَتَّعُونَ}؟ ثم يبكي وينشد: شعر : نهارُك يا مغرور سهْوٌ وغفلة وليلُك نومٌ والرَّدى لك لازم تُسرُّ بما يَفنى وتفرح بالمُنى كما سُرَّ باللَّذات في النوم حالمُ وتسْعى إلى ما سوف تكره غبَّه كذلك في الدنيا تعيشُ البهائم تفسير : تنبيه: الشعر بابٌ من الكلام حسنُه حسنٌ، وقبيحُه قبيحٌ، وإِنما ذمَّ تعالى الشعر لما فيه من المغالاة والإِفراط في المديح أو الهجاء، ومجاوزة حدِّ القصد فيه حتى يفضّلوا أجبن الناس على عنترة، وأشحَّهم على حاتم، ويبهتوا البريء ويفسّقوا التقي، وربما رفعوا شخصاً إلى الأوج ثم إِذا غضبوا عليه أنزلوه إلى الحضيض، وهذا مشاهد ملموس في أكثر الشعراء إلا من استثناهم الله عز وجل، والشاعر قد يمدح الشيء ويذمه بحلاوة لسانه وقوة بيانه، ومن ألطف ما سمعتُ من بعض شيوخي ما قاله بعض الشعراء في العسل: شعر : تقولُ: هذا مُجاجُ النَّحل تمدحُه وإِنْ تعب قلت: ذا قيءُ الزنابير مدحاً وذماً وما جاوزت وصفهما سحرُ البيان يرى الظلماء كالنور تفسير : لطيفَة: ذُكر أن الفرزدق أنشد أبياتاً عند "سليمان بن عبد الملك" وكان في ضمنها قوله في النساء العذارى: شعر : فبتْن كأنهنَّ مُصرَّعاتٌ وبتُّ أَفُضُّ أغلاقَ الخِتام تفسير : فقال له سليمان: قد وجب عليك الحد، فقال أمير المؤمنين إن الله قد درأ عني الحدَّ بقوله {أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ * وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لاَ يَفْعَلُونَ} فعفا عنه.

الأندلسي

تفسير : {وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} الآية الضمير في وإنه عائد على القرآن أي أنه ليس بكهانة ولا سحر بل هو من عند الله تعالى وكأنه عاد أيضاً إلى ما افتتح به السورة من إعراض المشركين عما يأتيهم من الذكر ليتناسب المفتتح والمختتم والروح هنا جبريل عليه السلام وتقدم في سورة مريم لم أطلق عليه الروح والظاهر تعلق. {عَلَىٰ قَلْبِكَ} ولتكون بنزل وخص القلب والمعنى عليك لأنه محل الوعي والتثبيت وليعلم أن المنزل على قلبه عليه الصلاة والسلام محفوظ لا يجوز عليه التبديل والتغيير وليكون عليه من التنزيل أو النزول اقتصر عليها لأن ذلك أزجر للسامع وإن كان القرآن نزله للإِنذار والتبشير والظاهر تعلق بلسان ينزل فكان يسمع من جبريل عليه السلام حروفاً عربية. {وَإِنَّهُ} أي القرآن. {لَفِي زُبُرِ ٱلأَوَّلِينَ} أي مذكور في الكتب المنزلة القديمة منبه عليه مشار إليه. {أَوَ لَمْ يَكُن لَّهُمْ آيَةً} أي علامة على صحته علم بني إسرائيل إذ كانت قريش ترجع في كثير من الأمور الثقيلة إلى بني إسرائيل ويسألونهم عنها ويقولون هم أصحاب الكتب الإِلهية وقد تهود كثير من العرب وتنصر كثير لاعتقادهم في صحة دينهم وذكر الثعلبي عن ابن عباس أن أهل مكة بعثوا إلى أحبار يثرب يسألونهم عن النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا هذا زمانه ووصفوا نعته وخلطوا في أمر محمد عليه الصلاة والسلام فنزلت الآية في ذلك ويؤيد هذا كون الآية مكية وقرىء يكن بالياء آية النصب خبر يكن وأن يعلمه أن مع الفعل بتأويل المصدر تقديره علم بني إسرائيل وهو إسم يكن وقرىء تكن بالتاء آية بالرفع وخرجه الزمخشري على أن آية إسم تكن وأن يعلمه الخبر فجعل النكرة إسم تكن وأن يعلمه المعرفة الخبر وهو عكس الإِعراب أعني جعل الإِسم نكرة والخبر معرفة وهو لا يجوز إلا في الشعر كقول الشاعر كان سبيئة من بيت رأس يكون مزاجها عسل وماء والأحسن في هذه القراءة أن يكون في تكن ضمير القصة إسماً لها وآية وأن يعلمه جملة في موضع خبر تكن. {وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ} بلغة العجم على رجل أعجمي فقرأه على العرب لم يؤمنوا به من حيث لم يفهموه واستنكفوا اتباعه وقال الفراء الأعجمين جمع أعجم أو أعجمي على حذف ياء النسب ما قالوا الأشعريين واحدهم أشعري. {فَقَرَأَهُ عَلَيْهِم} أي على العرب بلسان العجم والضمير في سلكناه عائد على ما عادت عليه الضمائر قيل وهو القرآن والمعنى مثل ذلك المثل وهو الإِدخال والتمكين والتفهم لمعانيه. {سَلَكْنَاهُ} أدخلناه ومكناه في قلوب المجرمين والمعنى ما ترتب على ذلك السلك من كونهم فهموه وأدركوه فلم يزدهم ذلك إلا عناداً أو جحوداً أو كفروا به ورؤيتهم للعذاب قيل في الدنيا وقيل يوم القيامة. {فَيَقُولُواْ} أي كل أمة معذبة. {هَلْ نَحْنُ مُنظَرُونَ} مؤخرون وهذا على جهة التمني منهم والرغبة حيث لا تنفع الرغبة ثم رجع لفظ الآية إلى توبيخ قريش على استعجالهم عذاب الله في طلبهم سقوط السماء كسفا وغير ذلك وقولهم للرسول أين الذي تعدنا به. {أَفَرَأَيْتَ إِن مَّتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ} خطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم بإِقامة الحجة عليهم في أن مدة الإِرجاء والإِمهال والإِملاء لا تغني إذ أنزل العذاب بعدها ثم أخبر تعالى أنه لم يهلك قرية من القرى إلا قد أرسل إليها من ينذرها عذاب الله إن هي عصت ولم تؤمن كما قال تعالى: {أية : وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولاً}تفسير : [الإسراء: 15] وجمع منذرون لأن من قرية عام في القرى الظالمة كأنه قيل وما أهلكنا القرى الظالمة والجملة من قوله لها منذرون في موضع الحال من قرية قال الزمخشري: فإِن قلت كيف عزلت الواو عن الجملة بعد إلا ولم تعزل عنها في قوله وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم قلت الأصل عزل الواو لأن الجملة صفة لقرية وإذا زيدت فلتأكيد وصل الصفة بالموصوف كما في قوله {أية : سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ} تفسير : [الكهف: 22] "انتهى" الإِعراب أن يكون لها في موضع الحال وارتفع منذرون بالمجرور أي إلا كائناً لها منذرون فتكون من مجيء الحال مفرد إلا جملة ولو قدرنا لها منذرون جملة لم يجز أن تجيء صفة بعد إلا ومذهب الجمهور أنه لا تجيء الصفة بعد إلا معتمدة على أداة الاستثناء نحو ما جاء في أحد إلا راكب وإذا سمع مثل هذا خرجوه على البدل أي إلا رجل ركب ويدعى على صحة هذا المذهب أن العرب تقول ما مررت بأحد إلا قائماً ولا يحفظ من كلامها مررت بأحد إلا قائم بالجر فلو كانت الجملة في موضع الصفة للنكرة لورد المفرد بعد إلا صفة لها فإِن كانت الصفة غير معتمدة على الأداة جاءت الصفة بعد إلا نحو ما جاءني أحد إلا زيد خير من عمرو والتقدير ما جاءني أحد خير من عمرو إلا زيد وأما كون الواو تزاد لتأكيد وصل الصفة بالموصوف فغير معهود في كلام النحويين لو قلت جاءني رجل وعاقل على أن يكون وعاقل صفة لرجل لم يجز وإنما تدخل الواو في الصفات جوازاً إذا عطف بعضها على بعض وتغاير مدلولها نحو مررت بزيد الكريم والشجاع والشاعر وأما ثامنهم كلبهم فقد تقدم الكلام عليه في موضعه. و{ذِكْرَىٰ} منصوب على المصدر والعامل فيه منذرون لأنه في معنى مذكرون وقال الزمخشري: ووجه آخر وهو أن تكون ذكرى متعلقة بأهلكنا مفعولاً له معنى والتقدير وما أهلكنا من أهل قرية ظالمة إلا بعد ما ألزمناهم الحجة بإرسال المنذرين إليهم ليكون تذكرة وعبرة لغيرهم فلا يعصوا مثل عصيانهم. {وَمَا كُنَّا ظَالِمِينَ} فنهلك قوماً غير ظالمين وهذا الوجه عليه المعول "انتهى" هذا لا معول عليه لأن مذهب الجمهور إن ما قبل إلا لا يعمل فيما بعدها إلا أن يكون مستثنى أو مستثنى منه أو تابعاً له غير معتمد على الأداة نحو ما مررت بأحد إلا زيد خير من عمرو والمفعول له ليس واحداً من هذه الثلاثة فلا يجوز أن يتعلق بأهلكنا ويتخرج جواز ذلك على مذهب الكسائي والأخفش وإن كانا لم ينصا على المفعول له بخصوصيته. {وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ ٱلشَّيَاطِينُ} الآية كان مشركو قريش يقولون ان لمحمد تابعاً من الجن يخبره كما يخبر الكهنة فنزلت والضمير في به يعود على القرآن بل نزل به الروح الأمين وما أحسن ما ترتب نفي هذه الجمل نفي أولاً تنزل الشياطين به والنفي في الغالب يكون في الممكن وإن كان هنا لا يمكن من الشياطين التنزل بالقرآن ثم نفى ابتغاء ذلك والصلاحية أي ولو فرض الإِمكان لم يكونوا أهلاً له ثم نفى قدرتهم على ذلك وأنه مستحيل في حقهم التنزل به فارتقى في نفي الإِمكان إلى نفي الصلاحية إلى نفي القدرة والإِستطاعة وذلك مبالغة مرتبة في نفي تنزيلهم به ثم علل انتفاء ذلك على استماع كلام أهل السماء مرجومون بالشهب ثم قال تعالى: {فَلاَ تَدْعُ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهاً آخَرَ} والخطاب في الحقيقة للسامع لأنه تعالى قد علم أن ذلك لا يمكن أن يكون من الرسول عليه الصلاة والسلام ولذلك قال المفسرون المعنى قل يا محمد لمن كفر لا تدع مع الله إلهاً آخر ثم أمره تعالى بإِنذار عشيرته والعشيرة تحت الفخذ وفوق الفصيلة ونبه على العشيرة وإن كان مأموراً بإِنذار الناس كافة لأن في إنذارهم وهم عشيرته عدم محاباة ولطف بهم وأنهم والناس في ذلك شرع واحد في التخويف والإِنذار. {وَٱخْفِضْ جَنَاحَكَ} تقدم الكلام على هذه الجملة في آخر الحجر وهو كناية عن التواضع نهاه عن التكبر بعد التواضع. و{مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} عام في عشيرته وغيرهم. {وَتَوكَّلْ} قرىء بالفاء والواو. و{حِينَ تَقُومُ} في التهجد والصلاة والقيام بالليل. {وَتَقَلُّبَكَ} معطوف على مفعول يراك أي ويرى تقلبك. {هَلْ أُنَبِّئُكُمْ} أي قل يا محمد هل أخبركم وهذا استفهام توقيف وتقرير. و{عَلَىٰ مَن} متعلق بتنزل والجملة المتضمنة معنى الإِستفهام في موضع نصب لأنبئكم لأنه بمعنى أعلمكم فإِن قدرتها متعدية لاثنين كانت سادة مسد المفعول الثاني وأن قدرتها متعدية لثلاثة كانت سادة مسد الاثنين. {عَلَىٰ كُلِّ أَفَّاكٍ} وهو الكثير الإِفك وهو الكذب. و{أَثِيمٍ} كثير الإِثم فأفاك وأثيم صيغتا مبالغة والمراد الكهنة والضمير في {يُلْقُونَ} يحتمل أن يكون عائد على الشياطين أي ينصتون ويصغون بأسماعهم ليسترقوا شيئاً مما تكلم به الملائكة حتى ينزلوا بها إلى الكهنة أو يلقون السمع أي المسموع إلى من يتنزلون عليه. {وَأَكْثَرُهُمْ} أي وأكثر الشياطين الملقين. {كَاذِبُونَ} فعلى معنى الإِنصات يكون استئناف اخبار وعلى إلقاء المسموع إلى الكهنة احتمل الاستئناف واحتمل أن يكون حالاً من الشياطين أي تنزل على كل أفاك أثيم ملقين ما سمعوا. {وَٱلشُّعَرَآءُ يَتَّبِعُهُمُ ٱلْغَاوُونَ} قيل هي أمية بن أبي الصلت وأبي عزة ومسافع الجمحي وهبيرة بن أبي وهب وأبي سفيان بن الحرث وابن الزبعري وقد أسلم ابن الزبعري وأبو سفيان والشعراء عام يدخل فيه كل شاعر والمذموم من يمدح ويهجو شهوة محرمة ويقذف المحصنات ويقول الزور وما لا يسوغ شرعاً والغاوون قال ابن عباس: الرواة وقال أيضاً: المستحسنون لأشعارهم المصاحبون لهم. {أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ} تمثيل لذهابهم في كل شعب من القول واعتسافهم وقلة مبالاتهم بالغلو في المنطق ومجاوزة الحد في القصد حتى يفضلوا أجبن الناس على عنترة وأشحهم على حاتم ويبهتوا البريء ويفسقوا التقي. {وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لاَ يَفْعَلُونَ} وذلك لغلوهم في أفانين الكلام ولهجهم في الفصاحة والمعاني اللطيفة قد ينسبون لأنفسهم ما لا يقع منهم وقد درأ الحد في الخمر عمر بن الخطاب عن النعمان بن عدي في شعر قاله لزوجته حين احتج عليه بهذه الآية وقد كان ولاه ميسان فعزله وأراد أن يحده والفرزدق أنشد سليمان بن عبد الملك فبتن كأنهم مصرعات * وبت أفض أغلاق الختام * فقال له سليمان لقد وجب عليك الحد فقال لقد درأ الله عني الحد بقوله: {وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لاَ يَفْعَلُونَ} أخبر تعالى عن الشعراء بالأحوال التي تخالف أمر النبوة إذ أمرهم كما ذكر والمراد بالمستثنين حسان وعبد الله بن رواحة وكعب بن مالك وكعب بن زهير ومن كان ينافح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال عليه الصلاة والسلام لكعب بن مالك حديث : أهجهم فوالذي نفسي بيده لهو أشد عليهم من النبل تفسير : وقال لحسان: حديث : قل وروح القدس معك تفسير : ولما ذكر: {وَٱنتَصَرُواْ مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ} توعد الظالمين هذا التوعد العظيم الهائل الصادع للأكياد وأبهم في قوله: {أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ} وكان السلف الصالح يتواعظون بها والمفهوم من الشريعة أن الذين ظلموا هم الكفار وقرأ ابن عباس وابن أرقم عن الحسن أي منفلت ينفلتون بفاءين وتاءين ومعناه بأن الذين ظلموا يطمعون أن ينفلتوا من عذاب الله تعالى وسيعلمون أن ليس لهم وجه من وجوه الإِنفلات وهو النجاة وسيعلم هنا معلقة وأي ومنقلب استفهام والناصب له ينقلبون وهو مصدر والجملة في موضع المعمول لسيعلم.

الجيلاني

تفسير : {وَإِنَّهُ} أي: القرآن {لَتَنزِيلُ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} [الشعراء: 192] كالكتب السالفة. {نَزَلَ بِهِ} بالتخفيف {ٱلرُّوحُ ٱلأَمِينُ} [الشعراء: 193] كما نزل سائر الكتب، وهو جبرائيل عليه السلام - سُمي به؛ لأمانته على الوحي الإلهي بأن أوصله إلى ما أنزل إليه بلا تغيير وتبديل أصلا - نزل به على قلبك يا أكمل الرسل؛ لتكون أنت أيضاً كسائر الرسل من المنذرين؛ لتنذر أهل الغفلة والغرور من قومك، كما أنذروا. لذلك أنزله سبحانه {بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ} [الشعراء: 195] ظاهر الدلالة وواضح الفحوى، مناسباً بلغة من أُرسلت إليهم، ولو أنزله على لغة العجم كالكتب السالفة لقالت العرب: ما نفهم معناه، ولا نعرف مقتضاه. {وَإِنَّهُ} أي: إنزال القرآن عليك يا أكمل الرسل عربياً {لَفِي زُبُرِ ٱلأَوَّلِينَ} [الشعراء: 196] أي: مثبتاً مزبوراً في كتبهم مع نعتك أيضاً وحليتك، وجميع أوصافك. {أَ} تنكرون صدق القرآن وصحة نزوله من عند الله على محمد صلى الله عليه وسلم {وَ لَمْ يَكُن لَّهُمْ} ولم تثبت عندهم {آيَةً} تدل على صدقه وحقيته، وصحة نزوله من عند الله، وهي {أَن} أي: إنه {يَعْلَمَهُ} ويعرفه {عُلَمَاءُ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ} [الشعراء: 197] وأحبارهم، يخبرون به ويقرؤون في كتبهم اسمه، واسم من أُنزل إليه ونعته وحليته. {وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ} أي: القرآن {عَلَىٰ بَعْضِ ٱلأَعْجَمِينَ} الشعراء: 198] {فَقَرَأَهُ عَلَيْهِم} بلسانهم وعلى لغتهم {مَّا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ} [الشعراء: 199] حينئذٍ، معللين بأنَّا لا نفهم معناه، ولا نعرف فحواه، فكيف عملنا به وامتثلنا به فيه؟. {كَذَلِكَ} أي: مثل ما قررنا القرآن وأدخلناه في قلوب المؤمنين {سَلَكْنَاهُ} وأدخلناه أيضاً {فِي قُلُوبِ ٱلْمُجْرِمِينَ} [الشعراء: 200] إلا أن المؤمنين آمنوا به وامتثلوا بما فيه؛ لصفاء طينتهم. والمجرمون {لاَ يُؤْمِنُونَ بِهِ} عناداً ومكابرةً؛ لخبث طينتهم {حَتَّىٰ يَرَوُاْ ٱلْعَذَابَ ٱلأَلِيمَ} [الشعراء: 201] المؤلم الملجء لهم إلى الإيمان في وقت لا ينفعهم إيمانهم. {فَيَأْتِيَهُم} العذاب الموعود لهم حينئذٍ من قبل الحق {بَغْتَةً} بلا تقديم مقدمة، وسبق مادة {وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ} [الشعراء: 202] نزوله. {فَيَقُولُواْ} بعدما نزل عليهم، ووقعوا فيه متحسرين متمنين: {هَلْ نَحْنُ مُنظَرُونَ} [الشعراء: 203] ممهلون زماناً؛ حتى نتدارك ما فوتنا على نفوسنا من الإيمان بالله وتصديق كتبه ورسله. قيل لهم حينئذٍ من قبل الحق: {أَ} تستمهلون وتستنظرون أيها المصرون المسرفون {فَبِعَذَابِنَا} هذا {يَسْتَعْجِلُونَ} [الشعراء: 204] فيما مضى مستهزئين متهكمين، قائلين لرسلنا: {أية : فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ...}تفسير : [الأحقاف: 22]، و{أية : فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً...}تفسير : [الأنفال: 32]، و{أية : فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفاً...}تفسير : [الشعراء: 187] وأمثال ذلك وحين نزل عليكم العذاب الموعود تستنظرون؟!.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : لما ذكر قصص الأنبياء مع أممهم، وكيف دعوهم، و [ما] ردوا عليهم به; وكيف أهلك الله أعداءهم، وصارت لهم العاقبة. ذكر هذا الرسول الكريم، والنبي المصطفى العظيم وما جاء به من الكتاب، الذي فيه هداية لأولي الألباب فقال: { وَإِنَّهُ لَتَنزيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ } فالذي أنزله، فاطر الأرض والسماوات، المربي جميع العالم، العلوي والسفلي، وكما أنه رباهم بهدايتهم لمصالح دنياهم وأبدانهم، فإنه يربيهم أيضا، بهدايتهم لمصالح دينهم وأخراهم، ومن أعظم ما رباهم به، إنزال هذا الكتاب الكريم، الذي اشتمل على الخير الكثير، والبر الغزير، وفيه من الهداية، لمصالح الدارين، والأخلاق الفاضلة، ما ليس في غيره، وفي قوله: { وَإِنَّهُ لَتَنزيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ } من تعظيمه وشدة الاهتمام فيه، من كونه نزل من الله، لا من غيره، مقصودا فيه نفعكم وهدايتكم. { نزلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ } وهو جبريل عليه السلام، الذي هو أفضل الملائكة وأقواهم { الأمِينُ } الذي قد أمن أن يزيد فيه أو ينقص. { عَلَى قَلْبِكَ } يا محمد { لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ } تهدي به إلى طريق الرشاد، وتنذر به عن طريق الغي. { بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ } وهو أفضل الألسنة، بلغة من بعث إليهم، وباشر دعوتهم أصلا اللسان البين الواضح. وتأمل كيف اجتمعت هذه الفضائل الفاخرة في هذا الكتاب الكريم، فإنه أفضل الكتب، نزل به أفضل الملائكة، على أفضل الخلق، على أفضل بضعة فيه وهي قلبه، على أفضل أمة أخرجت للناس، بأفضل الألسنة وأفصحها، وأوسعها، وهو: اللسان العربي المبين. { وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الأوَّلِينَ } أي: قد بشرت به كتب الأولين وصدقته، وهو لما نزل، طبق ما أخبرت به، صدقها، بل جاء بالحق، وصدق المرسلين. { أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً } على صحته، وأنه من الله { أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ } الذي قد انتهى إليهم العلم، وصاروا أعلم الناس، وهم أهل الصنف، فإن كل شيء يحصل به اشتباه، يرجع فيه إلى أهل الخبرة والدراية، فيكون قولهم حجة على غيرهم، كما عرف السحرة الذين مهروا في علم السحر، صدق معجزة موسى، وأنه ليس بسحر، فقول الجاهلين بعد هذا، لا يؤبه به. { وَلَوْ نزلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الأعْجَمِينَ } الذين لا يفقهون لسانهم، ولا يقدرون على التعبير لهم كما ينبغي. { فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ } يقولون: ما نفقه ما يقول، ولا ندري ما يدعو إليه، فليحمدوا ربهم، أن جاءهم على لسان أفصح الخلق، وأقدرهم على التعبير عن المقاصد، بالعبارات الواضحة، وأنصحهم، وليبادروا إلى التصديق به، وتلقيه بالتسليم والقبول، ولكن تكذيبهم له من غير شبهة، إن هو إلا محض الكفر والعناد، وأمر قد توارثته الأمم المكذبة، فلهذا قال: { كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ } أي: أدخلنا التكذيب، وأنظمناه في قلوب أهل الإجرام، كما يدخل السلك في الإبرة، فتشربته، وصار وصفا لها، وذلك بسبب ظلمهم وجرمهم، فلذلك: { لا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوْا الْعَذَابَ الألِيمَ } على تكذيبهم. { فَيَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ } أي: يأتيهم على حين غفلة، وعدم إحساس منهم، ولا استشعار بنزوله، ليكون أبلغ في عقوبتهم والنكال بهم. { فَيَقُولُوا } إذ ذاك: { هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ } أي: يطلبون أن ينظروا ويمهلوا، والحال إنه قد فات الوقت، وحل بهم العذاب الذي لا يرفع عنهم، ولا يفتر ساعة.

همام الصنعاني

تفسير : 2129- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله: {وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ}: [الآية: 192]، قال: هذا القرآن. {نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلأَمِينُ}: [الآية: 193].