Verse. 3142 (AR)

٢٦ - ٱلشُّعَرَاء

26 - Ash-Shu'ara (AR)

وَمَا تَنَزَّلَتْ بِہِ الشَّيٰطِيْنُ۝۲۱۰
Wama tanazzalat bihi alshshayateenu

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وما تنزلت به» بالقرآن «الشياطين».

210

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أنه تعالى لما احتج على صدق محمد صلى الله عليه وسلم بكون القرآن تنزيل رب العالمين، وإنما يعرف ذلك لوقوعه من الفصاحة في النهاية القصوى، ولأنه مشتمل على قصص المتقدمين من غير تفاوت، مع أنه عليه السلام لم يشتغل بالتعلم والاستفادة، فكان الكفار يقولون لم لا يجوز أن يكون هذا من إلقاء الجن والشياطين كسائر ما ينزل على الكهنة؟، فأجاب الله تعالى عنه بأن ذلك لا يتسهل للشياطين لأنهم مرجومون بالشهب معزولون عن استماع كلام أهل السماء، ولقائل أن يقول العلم بكون الشياطين ممنوعين عن ذلك لا يحصل إلا بواسطة خبر النبي الصادق، فإذا أثبتنا كون محمد صلى الله عليه وسلم صادقاً بفصاحة القرآن وإخباره عن الغيب، ولا يمكن إثبات كون الفصاحة والإخبار عن الغيب معجزاً إلا إذا ثبت كون الشياطين ممنوعين عن ذلك، لزم الدور وهو باطل وجوابه: لا نسلم أن العلم بكون الشياطين ممنوعين عن ذلك لا يستفاد إلا من قول النبي، وذلك لأنا نعلم بالضرورة أن الاهتمام بشأن الصديق أقوى من الاهتمام بشأن العدو، ونعلم بالضرورة أن محمداً صلى الله عليه وسلم كان يلعن الشياطين ويأمر الناس بلعنهم، فلو كان هذا الغيب إنما حصل من إلقاء الشياطين، لكان الكفار أولى بأن يحصل لهم مثل هذا العلم، فكان يجب أن يكون اقتدار الكفار على مثله أولى، فلما لم يكن كذلك علمنا أن الشياطين ممنوعون عن ذلك، وأنهم معزولون عن تعرف الغيوب، ثم إنه تعالى لما ذكر هذا الجواب ابتدأ بخطاب الرسول صلى الله عليه وسلم فقال: {فَلاَ تَدْعُ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهاً ءاخَرَ } وذلك في الحقيقة خطاب لغيره، لأن من شأن الحكيم إذا أراد أن يؤكد خطاب الغير أن يوجهه إلى الرؤساء في الظاهر، وأن كان المقصود بذلك هم الأتباع، ولأنه تعالى أراد أن يتبعه ما يليق بذلك، فلهذه العلة أفرده بالمخاطبة.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ ٱلشَّيَاطِينُ } يعني القرآن بل ينزل به الروح الأمين. {وَمَا يَنبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ * إِنَّهُمْ عَنِ ٱلسَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ } أي برمي الشهب كما مضى في سورة «الحِجرِ» بيانه. وقرأ الحسن ومحمد بن السَّمَيْقَع: {وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطُونُ} قال المهدي: وهو غير جائز في العربية ومخالف للخط. وقال النحاس: وهذا غلط عند جميع النحويين؛ وسمعت علي بن سليمان يقول سمعت محمد بن يزيد يقول: هذا غلط عند العلماء، إنما يكون بدخول شبهة؛ لما رأى الحسن في آخره ياء ونوناً وهو في موضع رفع اشتبه عليه بالجمع المسلّم فغلط، وفي الحديث: «حديث : احذروا زلّة العالم»تفسير : وقد قرأ هو مع الناس {أية : وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَىٰ شَيَاطِينِهِمْ} تفسير : [البقرة: 14] ولو كان هذا بالواو في موضع رفع لوجب حذف النون للإضافة. وقال الثعلبي قال الفراء: غلط الشيخ ـ يعني الحسن ـ فقيل ذلك للنضر بن شُمَيل فقال: إن جاز أن يحتج بقول رؤبة والعجاج وذويهما، جاز أن يحتج بقول الحسن وصاحبه. مع أنا نعلم أنهما لم يقرأا بذلك إلا وقد سمعا في ذلك شيئاً؛ وقال المؤرِّج: إن كان الشيطان من شاط يشيط كان لقراءتهما وجه. وقال يونس ابن حبيب: سمعت أعرابياً يقول دخلنا بساتين من ورائها بساتون؛ فقلت: ما أشبه هذا بقراءة الحسن. قوله تعالى: {فَلاَ تَدْعُ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهاً آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ ٱلْمُعَذَّبِينَ } قيل: المعنى قل لمن كفر هذا. وقيل: هو مخاطبة له عليه السلام وإن كان لا يفعل هذا؛ لأنه معصوم مختار ولكنه خوطب بهذا والمقصود غيره. ودلّ على هذا قوله: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ} أي لا يتكلون على نسبهم وقرابتهم فيدعون ما يجب عليهم.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى مخبراً عن كتابه العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد: أنه نزل به الروح الأمين المؤيد من الله، {وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ ٱلشَّيَـٰطِينُ}، ثم ذكر أنه يمتنع عليهم ذلك من ثلاثة أوجه: أحدها أنه ما ينبغي لهم، أي: ليس هو من بغيتهم ولا من طلبتهم؛ لأن من سجاياهم الفساد وإضلال العباد، وهذا فيه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ونور وهدى وبرهان عظيم، فبينه وبين الشياطين منافاة عظيمة، ولهذا قال تعالى: {وَمَا يَنبَغِى لَهُمْ}. وقوله تعالى: {وَمَا يَسْتَطِيعُونَ} أي: ولو انبغى لهم، ما استطاعوا ذلك، قال الله تعالى: {أية : لَوْ أَنزَلْنَا هَـٰذَا ٱلْقُرْءَانَ عَلَىٰ جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَـٰشِعاً مُّتَصَدِّعاً مِّنْ خَشْيَةِ ٱللهِ} تفسير : [الحشر: 21] ثم بين أنه لو انبغى لهم واستطاعوا حمله وتأديته، لما وصلوا إلى ذلك؛ لأنهم بمعزل عن استماع القرآن حال نزوله؛ لأن السماء ملئت حرساً شديداً وشهباً في مدة إنزال القرآن على رسول الله، فلم يخلص أحد من الشياطين إلى استماع حرف واحد منه؛ لئلا يشتبه الأمر، وهذا من رحمة الله بعباده، وحفظه لشرعه، وتأييده لكتابه ولرسوله، ولهذا قال تعالى: {إِنَّهُمْ عَنِ ٱلسَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ } كما قال تعالى مخبراً عن الجن: {أية : وَأَنَّا لَمَسْنَا ٱلسَّمَآءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وَشُهُباً وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَن يَسْتَمِعِ ٱلأَنَ يَجِدْ لَهُ شِهَاباً رَّصَداً} تفسير : ــــ إلى قوله ـــ {أية : أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً} تفسير : [الجن: 8 ــــ 10].

المحلي و السيوطي

تفسير : ونزل رداً لقول المشركين: {وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ } بالقرآن {ٱلشَّيٰطِينِ }.

الماوردي

تفسير : قوله تعالى: {إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنهم لمصروفون عن السمع للقرآن. الثاني: أنهم مصروفون عن فهمه وإن سمعوه. الثالث: أنهم مصروفون عن العمل به وإن سمعوه وفهموه.

ابن عطية

تفسير : لما كان بعض ما قال الكفار إن هذا القرآن كهانة نزلت هذه الآية مكذبة لذلك أي {ما تنزلت به الشياطين} لأنها قد عزلت عن السمع الذي كانت تأخذ له مقاعدها، وقوله {وما ينبغي لهم} أي ما يمكنهم، وقد تجيء هذه اللفظة عبارة عما لا يمكن وعبارة عما لا يليق وإن كان ممكناً، ولما جاء الله بالإسلام حرس السماء بالشهب الجارية إثر الشياطين فلم يخلص شيطان بشيء يلقيه كما كان يتفق لهم في الجاهلية، وقرأ الجمهور "الشياطين"، وروي عن الحسن أنه قرأ "الشياطون" وهي قراءة مردودة، قال أبو حاتم هي غلط منه أو عليه وحكاها الثعلبي أيضاً عن ابن السميفع، وذكر عن يونس ابن حبيب أنه قال سمعت أعرابياً يقول دخلت بساتين من ورائها بساتون قال يونس فقلت ما أشبه هذه بقراءة الحسن، ثم وصى عز وجل نبيه عليه السلام بالثبوت على توحيد الله تعالى وأمره بنذارة عشيرته تخصيصاً لهم إذ العشيرة مظنة المقاربة والطواعية. وإذ يمكنه معهم من الإغلاظ عليهم ما لا يحتمله غيرهم فإن البر بهم في مثل هذا الحمل عليهم والإنسان غير متهم على عشيرته. وكان هذا التخصيص مع الأمر العام بنذارة العالم، وروي عن ابن جريج أن المؤمنين من غير عشيرته في ذلك الوقت نالهم من هذا التخصيص وخروجهم منه فنزلت {واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين}، ولما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذه النذارة عظم موقع الأمر عليه وصعب ولكنه تلقاه بالجلد، وصنع أشياء مختلفة كلها بحسب الأمر، فمن ذلك أنه أمر علياً رضي الله عنه بأن يصنع طعاماً وجمع عليه بني جده عبد المطلب وأراد نذارتهم ودعوتهم في ذلك الجمع وظهر منه عليه السلام بركة في الطعام، قال علي وهم يومئذ أربعون رجلاً ينقصون رجلاً أو يزيدونه، فرماه أبو لهب بالسحر فوجم رسول الله صلى الله عليه وسلم وافترق جمعهم من غير شيء، ثم جمعهم كذلك ثانية وأنذرهم ووعظهم فتضاحكوا ولم يجيبوا، ومن ذلك أنه نادى عمه العباس وصفية عمته وفاطمة ابنته وقال لهم: "حديث : لا أغني عنكم من الله شيئاً إني لكم نذير بين يدي عذاب شديد" تفسير : في حديث مشهور، ومن ذلك أنه صعد على الصفا أو أبي قبيس ونادى "حديث : يا بني عبد مناف واصباحاه" فاجتمع إليه الناس من أهل مكة فقال يا بني فلان حتى أتى، على بطون قريش جميعاً، فلما تكامل خلق كثير من كل بطن. قال لهم "أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلاً بسفح هذا الجبل تريد الغارة عليكم أكنتم مصدقي" قالوا نعم، فإنا لم نجرب عليك كذباً، فقال لهم "فإني لكم نذير بين يدي عذاب شديد" تفسير : ، فقال له أبو لهب ألهذا جمعتنا تباً لك سائر اليوم فنزلت {أية : تبت يدا أبي لهب} تفسير : [المسد: 1] السورة، و"العشيرة" قرابة الرجل وهي في الرتبة تحت الفخذ وفوق الفصيلة، وخفض الجناح استعارة معناه لين الكلمة وبسط الوجه والبر، والضمير في {عصوك} عائد على عشيرته من حيث جمعت رجالاً فأمره الله بالتبري منهم وفي هذه الآية موادعة نسختها آية السيف.

ابن عادل

تفسير : قوله: {وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ ٱلشَّيَاطِينُ}. العامة على الياء ورفع النون، وهو جمع تكسير. وقرأ الحسن البصري وابن السميفع والأعمش بالواو مكان الياء والنون مفتوحة، إجراء له مجرى جمع السلامة وهذه القراءة (قَدْ ردَّها) جمع كثير من النحويين. قال الفراء: غلط الشَّيخ، ظنَّ أنَّها النون التي على هجائين. فقال النضر بن شميل: إن جاز أن يحتجَّ بقول العجاج ورؤبة فهلا جاز أن يحتجَّ بقول الحسن وصاحبه - يعني: محمد بن السميفع - مع أنا نعلم أنهما لم يقرآ به إلاَّ وقد سمعا فيه. وقال النحاس: هو غلظ عند جميع النحويين. وقال المهدوي: هو غير جائز في العربية. وقال أبو حاتم: هي غلطٌ منه أو عليه. وقد أثبت هذه القراءة جماعة من أهل العلم ودفعوا عنها الغلط، فإنَّ القارىء بها من العلم بمكان مكينٍ. وأجابوا عنها بأجوبة صالحة. فقال النضر بن شميل: قال يونس بن حبيب: سمعت أعرابياً يقول: دخلت بساتين من ورائها بَسَاتُون. فقلت: ما أشبه هذا بقراءة الحسن. وخرَّجها بعضهم على أنها جمع (شَيَّاطٍ) بالتشديد، مثال مبالغة. مثل: (ضَرَّاب وقَتَّال) على أن يكون مشتقاً من: شَاطَ يَشِيطُ، أي: أُحرق، ثم جُمِع جمع سلامة مع تخفيف الياء، فوزنه: (فَعَالُونَ) مخففا من (فَعَّالِينَ) بتشديد العين. ويدل على ذلك أنَّهما وغيرهما قرءوا بذلك، أعني: بتشديد الياء، وهذا منقول عن مؤرج السَّدوسيّ. ووجَّهها آخرون بأنَّ (آخره لما) كان يشبه يبرين، وفلسطين، أجري إعرابه تارة على النون، وتارة بالحرف، كما قالوا: هذه يبرين وفلسطين ويبرون وفلسطون، وتقدم القول في ذلك في البقرة. والهاء في "بِه" تعود على القرآن. وجاءت هذه الجمل الثلاثة منفية على أحسن ترتيب، نَفَى أوَّلاً تنزيل الشياطين به، لأنَّ النفي في الغالب يكون في الممكن، وإن كان الإمكان هنا منتفياً ثم نفى ثانياً ابتغاء ذلك، أي: ولو فرض الإمكان لم يكونوا أهلاً له. ثم نفى ثالثاً الاستطاعة والقدرة، ثم ذكر علة ذلك وهي انعزالهم عن السماع من الملأ الأعلى، لأنهم يرجمون بالشهب لو (تَسَمَّعُوا). فصل لما احتج على صدق محمد - عليه السلام - بكون القرآن تنزيل رب العالمين، لوقوعه في الفصاحة القصوى، ولاشتماله على قصص المتقدمين من غير تفاوت، مع أنه - عليه السلام - لم يتعلم من أحد، وكان الكفار يقولون: هذا من إلقاء الجنّ والشياطين كسائر ما ينزل به على الكهنة، فأجاب الله تعالى بأنَّ ذلك لا يتسهل للشياطين، لأنهم معزولون عن استماع كلام اهل السماء برجمهم بالشهب. فإن قيل: العلم بكون الشياطين ممنوعين عن ذلك لا يحصل إلا بخبر النبي الصادق فإذا أثبتنا كون محمد - عليه السلام - صادقاً بفصاحة القرآن، وإخباره عن الغيب، ولا يثبت كون الفصاحة والإخبار عن الغيب معجزاً إلا إذا ثبت كون الشياطين ممنوعين عن ذلك. (فلزم الدور. فالجواب: لا نسلم أن العلم بكون الشياطين ممنوعين عن ذلك) لا يستفاد إلا من قول النبيّ - صلى الله عليه وسلم - لأنا نعلم بالضرورة أن النبيّ - صلى الله عليه وسلم - كان يلعن الشياطين، ويأمر الناس بلعنهم، فلو كان ذلك إنما حصل من إلقاء الشياطين لكان الكفار أولى بأن يحصل لهم مثل هذا العلم، فيجب أن يكون اقتدار الكفار على مثله أولى. ولما لم يكن كذلك علمنا أن الشياطين ممنوعون، لأنهم معزولون عن تعرف الغيوب. ثم إنه تعالى لما ذكر هذا الجواب خاطب الرسول - عليه السلام - فقال: {فَلاَ تَدْعُ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهاً آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ ٱلْمُعَذَّبِينَ}. قال ابن عباس: يحذر به غيره، يقول: أنت أكرم الخلق عليَّ ولو اتخذت إلهاً غيري لعذبتك. وقوله: "فَتَكُونَ" منصوب في جواب النهي.

ابو السعود

تفسير : {وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ ٱلشَّيَـٰطِينُ} ردٌّ لما زعمه الكفرةُ في حقِّ القرآنِ الكريمِ من أنه من قبـيلِ ما يُلقيه الشَّيطانُ على الكَهنةِ بعد تحقيقِ الحقِّ ببـيان أنه نزل به الرُّوحُ الأمينُ. {وَمَا يَنبَغِى لَهُمْ} أي وما يصحُّ وما يستقيمُ لهم ذلك {وَمَا يَسْتَطِيعُونَ} ذلك أصلاً. {إِنَّهُمْ عَنِ ٱلسَّمْعِ} لكلامِ الملائكةِ {لَمَعْزُولُونَ} لاتنفاءِ المشاركةِ بـينهم وبـين الملائكةِ في صفاء الذَّواتِ والاستعداد لقبولِ فيضان أنوار الحقِّ والانتقاش بصور العلومِ الرَّبانيةِ والمعارف النُّورانيةِ، كيف لا ونفوسُهم خبـيثةٌ ظلمانية شريرةٌ بالذَّاتِ غير مستعدة إلا لقبولِ ما لا خيرَ فيه أصلاً من فنُون الشُّرورِ فمن أين لهم أنْ يحومُوا حولَ القرآن الكريم المنطوي على الحقائقِ الرَّائقةِ الغيبَّـيةِ التي لا يمكن تلقِّيها إلا من الملائكةِ عليهم الصَّلاة والسَّلام. {فَلاَ تَدْعُ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهاً ءاخَرَ فَتَكُونَ مِنَ ٱلْمُعَذَّبِينَ} خُوطب به النبـيُّ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ تهيـيجاً وحثاً على ازديادِ الإخلاصِ ولطفاً لسائرِ المكلَّفين ببـيانِ أنَّ الإشراكَ من القُبح والسُّوء بحيث يُنهى عنه مَن لا يمكن صدورُه عنه فكيفَ بمن عداهُ. {وَأَنذِرِ} العذابَ الذي يستتبعهُ الشِّركُ والمُعاصي {عَشِيرَتَكَ ٱلأَقْرَبِينَ} الأقربَ منهم فالأقربَ فإنَّ الإهتمامَ بشأنِهم أهمُّ. رُوي أنَّه لمَّا نزلتْ صعدَ الصَّفا وناداهم فَخِذاً فَخِذاً حتى اجتمعُوا إليه فقال: « حديث : "لو أخبرتُكم أنَّ بسفح هذا الجبلِ خيلاً أكنتُم مُصدِّقِيّ" قالوا: نعمَ، قال: "فإنيِّ نذيرٌ لكم بـين يَديَّ عذابٍ شديدٍ" » تفسير : ورُوي أنَّه قال: « حديث : يابني عبدِ المطَّلبِ يا بني هاشمِ يا بني عبدِ منافٍ افتدُوا أنفسَكم من النَّارِ فإنِّي لا أُغني عنكم شيئاً » تفسير : ثم قالَ: « حديث : يا عائشةُ بنت أبـي بكرٍ ويا حفصةُ بنتَ عمرَ ويا فاطمةُ بنتَ محمَّدٍ ويا صفيَّةُ عمَّة محمَّدٍ اشترينَ أنفسكنًّ من النَّارِ فإنِّي لا أُغني عنكُنَّ شيئاً ". تفسير : {وَٱخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} أي ليِّن جانَبك لهم. مستعارٌ من حال الطَّائرِ فإنَّه إذا أرادَ أنْ ينحطَّ خفضَ جناحَه، ومن للتَّبـيـين لأنَّ من اتبَّع أعمّ ممَّن اتبع لدينِ أو غيره أو للتَّبعيض على أن المراد بالمؤمنينَ المشارفون للإيمانِ أو المصدِّقون باللَّسانِ فحسب.

اسماعيل حقي

تفسير : {وما تنزلت به الشياطين} يقال تنزل نزل فى مهلة والباء للتعدية. والمعنى بالفارسية [وهركز ديوان اين قرآن فرونياوردند] او للملابسة. والمعنى [وفرونيايند بقرآن ديوان. مقاتل كفت مشركان قريش كفتند محمد كاهن است وباوى كسى ا ست از جن كه اين قرآن كه دعوى ميكند كه كلام خداست آن كسى برزبان وى مى افكند همجنانكه برزبان كاهن افكند واين از آنجا كفتندكه در جاهلية بيش از معبث رسول الله صلى الله عليه وسلم باهركاهنى رئى بوز از جن كه استراق سمع كردند بدر آسمان وخبر هاى دوزخ وراست برزبان كاهن افكندند مشركان بنداشتندكه وحى قرآن هم ازان جنس است تارب المعالمين ايشانرا دروغ زن كرد كفت] {وما تنزلت به الشياطين} بل نزل به الروح الامين

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جل جلاله: {وما تنزلت به}؛ بالقرآن، {الشياطينُ}، رداً لما يزعمه الكفرة من أنه من قبيل ما تلقيه الشياطين على الكهنة، بعد تحقيق الحق فيه، ببيان أنه نزل به الروح الأمين. {ما ينبغي لهم} أي: وما يصح وما يستقيم لهم ذلك، {وما يستطيعون} إنزاله أصلاً، {إنهم عن السمع} أي: عن استراقة السمع من الملائكة {لمعْزولُونَ}؛ لممنوعون بالشهب، أو: لانتفاء المشاركة بينهم وبين الملائكة في قبول الاستعداد؛ لفيضان أنوار الحق، والانتعاش بأنوار العلوم الربانية والمعارف القدسية؛ لأن نفوس الشياطين خبيثة ظلمانية شريرة، ليست مستعدة إلا لقبول ما لا خير فيه، من فنون الشرور، فمن أين لهم أن يحوموا حول القرآن الكريم، المنطوي على الحقائق الرائقة الغيبية، التي لا يمكن تلقيتها إلا من الملائكة الكرام - عليهم السلام؟. {فلا تدعُ مع الله إلهاً آخر}؛ كما هو شأن الأنفس الخبيثة الشيطانية، {فتكونَ من المعذِّبين}، تهديد لغيره على سبيل التعريض، وتحريك له على زيادة الإخلاص، وتنبيه لسائر المكلفين على أن الإشراك بلغ من القبح والسوء، بحيث ينهى عنه من لا يمكن صدوره منه، فكيف بمن عداه. والله تعالى أعلم. الإشارة: وحي الإلهام الذي يتنزل على القلوب الصافية من الأغيار، كوحي الأحكام، ما تتنزل به الشياطين، وما ينبغي لهم وما يستطيعون؛ لأنهم ممنوعون من قلوب العارفين؛ لِمَا احتفت به من الأنوار، وما صانها من الأسرار، أعني أنوار التوحيد وأسرار التفريد. وقال في لطائف المنن: إذا كان الحق تعالى حرس السماء من الشياطين بالشُهب، فقلوب أوليائه أولى بأن يحرسها من الأغيار. هـ. بالمعنى: فلا تدع مع الله إلهاً آخر، وهو ما سوى الله، فتكون من المعذبين بوساوس الشياطين والخواطر والشكوك؛ لأن القلب إذا مال إلى غير الله سلط الله عليه الشيطان، فيكون ذلك القلب جراباً للشيطان، يحشو فيه ما يشاء. والعياذ بالله. ثم أمر نبيّه بالإنذار والتذكير، فقال: {وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ...}

الجنابذي

تفسير : {وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ} اى بالقرآن او قرآن ولاية علىٍّ (ع) {ٱلشَّيَاطِينُ} كما زعم المشركون انّ القرآن النّازل على محمّدٍ (ص) من قبيل ما يلقيه الشّيطان على الكهنة.

الأعقم

تفسير : {وما تنزلت به الشياطين} يعني ما أنزل القرآن بعض الشياطين على الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، وقيل: بعض الكفار قالوا: أن محمداً تابعه من الشياطين تأتيه بالأخبار من السماء وتلقيه على لسانه، فأنزل وما تنزلت به الشياطين {وما ينبغي لهم} أي لا يجوز كونه منهم {وما يستطيعون} أي ليس في قدرتهم ذلك لأنه غير مقدور للبشر {إنهم عن السمع لمعزولون}، قيل: عن استراق السمع عن السماء ممنوعون وبالشهب مرجومون، يعني عن استماع كلام أهل السماء لمعزولون {فلا تدع مع الله إلهاً آخر فتكون من المعذبين} الخطاب له والمراد غيره، وعن أبي هريرة: لما نزل قوله: {أية : وأنذر عشيرتك الأقربين} تفسير : [الشعراء: 214] جمع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وقال: "حديث : يا معاشر قريش، يا بني عبد مناف"تفسير : ، وروي أنه صعد الصفا فنادى: "حديث : الأقرب الأقرب فخذاً فخذاً"تفسير : ، وقال: "حديث : يا بني عبد المطلب، يا بني هاشم، يا بني عبد مناف، يا عباس عمّ النبي، يا صفية عمة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، إني لا أملك لكم من الله شيئاً" تفسير : وعن البراء بن عازب: "حديث : لما نزل قوله: {وأنذر عشيرتك الأقربين} جمع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بني عبد المطلب وهم يومئذ أربعون رجلاً، الرجل منهم يأكل الجذعة، ويشرب العس على رجل شاة وقعب من اللبن، فأكلوا وشربوا حتى رَوَوْا، ثم أنذرهم ودعاهم الإِيمان وقال: "من يوآزرني ويؤاخيني ويكون وليي ووصيي بعدي وخليفتي في أهلي؟" فسكت القوم، فأعادها ثلاثاً والقوم سكوت، وعليٌّ يقول: "أنا" فقال المرة الثالثة: "أنت" فقاموا يقولون لأبي طالب: أطع ابنك فقد أمره عليك"تفسير : ، روي الكلام المتقدم في الحاكم لا غير، وروي أنها لما نزلت قال: "حديث : يا بني عبد المطلب، يا بني هاشم، يا بني عبد مناف، افتدوا نفوسكم من النار فإني لا أغني عنكم من الله شيئاً"تفسير : ، وقيل: خصّهم بالذكر لتعريف أنه لا يغني عنهم من عذاب الله شيئاً إن عصوه، قوله تعالى: {واخفض جناحك} يعني ألن جنابك {لمن اتبعك من المؤمنين} وإنما خصَّ المؤمنين لأن فيمن اتبعه منافقين {فإن عصوك} فيما تدعوهم إليه يعني العشيرة، وقيل: هو عام {فقل إني بريء مما تعملون} من عبادة غير الله ومعاصيه فـ {توكل على العزيز الرحيم} يكفيك شر من يعصيك منهم وغيرهم، والتوكل: تفويض الرجل أمره إلى من يملك أمره ويقدر على نفعه وضره {العزيز الرحيم} الذي يقهر أعداءك بعزته وينصرك عليهم {الذي يراك حين تقوم} للصلاة الناس جماعة {وتقلبك في الساجدين} المصلون، وقيل: تصرفه فيما بينهم بقلبه وركوعه وسجوده وقعوده، ويحتمل إنه لا يخفى عليه حالك، وقيل: تصرفك في أصحابك، وقيل: هو تقلب بصره فيمن يصلي خلفه من قوله (عليه السلام): "حديث : أتمّوا الركوع والسجود فوالله إني لأراكم من خلف ظهري إذ ركعتم وسجدتُّم" تفسير : {إنه هو السميع العليم} يسمع لما قالوا، العليم بنا ينوونه ويعلمه.

الهواري

تفسير : قوله: {وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ} قال بعضهم: [وما تنزلت بكتاب الله] يعني القرآن {وَمَا يَنبَغِي لَهُمْ} أن ينزلوا به {وَمَا يَسْتَطِيعُونَ} ذلك. قال: {إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ}. وكانوا قبل أن يبعث النبي عليه السلام يستمعون أخباراً من أخبار السماء، وأما الوحي فلم يكونوا يقدرون على أن يسمعوه. فلما بعث النبي عليه السلام منعوا من تلك المقاعد التي كانوا يستمعون فيها إلا ما يسترق أحدهم فيرمى بالشهاب. ذكروا عن أبي رجاء العطاردي أنه كان يقول: كنا قبل أن يبعث النبي عليه السلام ما نرى نجماً يُرمى به. فلما كان ذات ليلة إذا النجوم قد رُمِيَ بها، فقلنا: ما هذا الذي نرى؛ إنْ هذا إلا أمر حدث؛ فجاءنا أن النبي عليه السلام قد بُعث؛ فأنزل الله في سورة الجن: (أية : وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَن يَسْتَمِعِ الأَنَ يَجِدْ لَهُ شِهَاباً رَّصَداً) تفسير : [الجن: 9]. قوله: {فَلاَ تَدْعُ مَعَ اللهِ إِلهاً آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ المُعَذَّبِينَ} وقد عصمه الله من ذلك. قوله: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَن اتَّبَعَكَ مِنَ المؤْمِنِينَ}. قال الكلبي: حديث : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج حتى قام على الصفا، وقريش في المسجد، ثم نادى: يا صباحاه، ففزع الناس فخرجوا فقالوا: ما لك يا ابن عبد المطلب؟ فقال: يا آل غالب، فقالوا: هذه غالب عندك. ثم نادى: يا آل لؤي، ثم نادى: يا آل كعب، ثم نادى: يا آل مرة، ثم نادى: يا آل كلاب، ثم نادى: يا آل قصي. فقالت قريش: أنذر الرجل عشيرته الأقربين. انظروا الرجل ماذا يريد. فقال أبو لهب: هذه عشيرتك قد حضروا، فماذا تريد؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أرأيتم لو أنذرتكم جيشاً يصبّحكم أتصدقونني؟ قالوا: نعم. قال: فإني أنذركم النار، وإني لا أملك لكم من الدنيا منفعة ولا من الآخرة نصيباً إلا أن تقولوا: لا إله إلا الله تفسير : فقال أبو لهب: تبّت يداك، ألهذا جمعتنا؟ فأنزل الله: (أية : تَبَّتْ يَدَآ أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ)تفسير : [المسد: 1]. فتفرّقت قريش عنه وقالوا: مجنون يهذي من أم رأسه. فأنزل الله: {فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تَعْمَلُونَ}. ذكروا عن الحسن أن هذه الآية لما نزلت حديث : دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عشيرته بطناً بطناً، ثم انتهى إلى بني عبد المطلب فقال: يا بني عبد المطلب، إني رسول الله إليكم، لي عملي ولكم عملكم. إني لا أملك لكم من الله شيئاً، إنما أوليائي منكم المتقون. ألا لا أعرفنكم تأتونني تحملون الدنيا على رقابكم ويأتي الناس يحملون الآخرة .

اطفيش

تفسير : {وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ} أي بالقرآن. {الشَّيَاطِينُ} وقرأ الحسن (الشياطون) اجراء له مجرى فلسطين وفلسطون في الأعراب بالواو تارة وعلى النون بعد الياء أخرى وعن الفراء قراءته غلط فانه جمع تكسير لا جمع مذكر سالم وقال النظر بن شميل أن جاز الاحتجاج يقول العجاج بن وربة جاز الاحتجاج بقول الحسن وصاحبه محمد بن السميقع مع انهما لم يقرءا به إلا وقد سمعا فيه وكان صاحبه محمد يقرأ (الشياطون) مثله.

اطفيش

تفسير : {وما تَنزَّلتْ به} بالقرآن {الشياطين} عليه من الجو كقوله: "أية : وإنه لتنزيل رب العالمين"تفسير : [الشعراء: 192] رد لقول قريش: إن له تابعاً من الجن يلقى اليه ما يقول لنا.

الالوسي

تفسير : متعلق بقوله تعالى: {أية : وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ }تفسير : [الشعراء: 192] الخ وهو رد لقول مشركي قريش إن لمحمد صلى الله عليه وسلم تابعاً من الجن يخبره كما تخبر الكهنة وأن القرآن مما ألقاه إليه عليه الصلاة والسلام. والتعبير بالتفعيل لأن النزول لو وقع لكان بالاستراق التدريجي، وقرأ الحسن وابن السميقع {الشياطون} فقال أبو حاتم: هو غلط من الحسن أو عليه، وقال النحاس: هو غلط عند جميع النحويين. وقال المهدوي: هو غير جائز في العربية، وقال الفراء: غلط الشيخ ظن أنها النون التي على هجائين، وقال النضر بن شميل: إن جاز أن يحتج بقول العجاج ورؤبة فهلا جاز أن يحتج / بقول الحسن وصاحبه مع أنا نعلم أنهما لم يقرآ به إلا وقد سمعا فيه، وقال يونس بن حبيب. سمعت أعرابياً يقول دخلت بساتين من ورائها بساتون فقلت: ما أشبه هذا بقراءة الحسن انتهى. ووجهت هذه القراءة بأنه لما كان آخره كآخر يبرين وفلسطين وقد قيل فيهما يبرون وفلسطون أجري فيه نحو ما أجري فيهما فقيل الشياطون. وحقه على هذا على ما في «الكشاف» أن يشتق من الشيطوطة وهي الهلاك، وفي «البحر» نقلاً عن بعضهم إن كان اشتقاقه من شاط أي احترق يشيط شوطة كان لقراءتهما وجه. قيل: ووجهها أن بناء المبالغة منه شياط وجمعه الشياطون فخففا الياء وقد روي عنهما التشديد وقرأ به غيرهما، وقال بعض: إنه جمع شياط مصدر شاط كخاط خياطاً كأنهما ردا الوصف إلى المصدر بمعناه مبالغة ثم جمعا والكل كما ترى، وقال صاحب «الكشف»: لا وجه لتصحيح هذه القراءة البتة. وقد أطنب ابن جني في تصحيحها ثم قال: وعلى كل حال فالشياطون غلط. وأبو حيان لا يرضى بكونه غلطاً ويقول: قرأ به الحسن وابن السميقع والأعمش ولا يمكن أن يقال: غلطوا لأنهم من العلم ونقل القرآن بمكان والله تعالى أعلم. والذي أراه أنه متى صح رفع هذه القراءة إلى هؤلاء الأجلة لزم توجيهها فإنهم لا يقرؤون إلا عن رواية كغيرهم من القراء في جميع ما يقرؤونه عندنا، وزعم المعتزلة أن بعض القراءات بالرأي.

ابن عاشور

تفسير : عطف على جملة: {أية : وإنه لتنزيل ربّ العالمين}تفسير : [الشعراء: 192] وما بينهما اعتراض استدعاه تناسب المعاني وأخذُ بعضها بحُجز بعض تفنناً في الغرض. وهذا رد على قولهم في النبي صلى الله عليه وسلم هو كاهن قال تعالى: {أية : فذكّر فما أنت بنعمت ربّك بكاهن ولا مجنون}تفسير : [الطور: 29]، وزعمهم أن الذي يأتيه شيطان؛ فقد قالت العوراء بنت حرب امرأةُ أبي لهب لما تخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قيام الليل ليلتين لِمرض: أرجو أن يكون شيطانك قد تركك. ولذلك كان من جملة ما راجعهم به الوليد بن المغيرة حين شاوره المشركون فيما يصفون النبي صلى الله عليه وسلم وقالوا: نقول: كلامه كلام كاهن، فقال: والله ما هو بزمزمته. وكلام الكهان في مزاعمهم من إلقاء الجن إليهم وإنما هي خواطر نفوسهم ينسبونها إلى شياطينهم المزعومة. نُفي عن القرآن أن يكون من ذلك القبيل، أي الكهان لا يجيش في نفوسهم كلام مثل القرآن فما كان لشياطين الكهان أن يفيضوا على نفوس أوليائهم مثلَ هذا القرآن. فالكهانة من كذب الكهان وتمويههم، وأخبار الكهان كلها أقاصيص وسَّعها الناقلون. فالتعريف في {السمع} للعهد وهو ما يعتقده العرب من أن الشياطين تسترق السمع، أي تتحيّل على الاتصال بعلم ما يجري في الملإ الأعلى. ذلك أن الكهان كانوا يزعمون أن الجن تأتيهم بأخبار ما يقدّر في الملأ الأعلى مما سيظهر حدوثه في العالم الأرضي، فلذلك نُفي هنا تنزُّلُ الشياطين بكلام القرآن بناء على أن المشركين يزعمون أن الشياطين تنزل من السماء بأخبار ما سيكون. وبيان ذلك تقدم في سورة الحجر ويأتي في سورة الصافات. ومعنى: {وما ينبغي لهم} ما يستقيم وما يصح، أي لا يستقيم لهم تلقي كلام الله تعالى الذي الشأن أن يتلقاه الروح الأمين، وما يستطيعون تلقيه لأن النفوس الشيطانية ظلمانية خبيثة بالذات فلا تقبل الانتقاش بصورِ ما يجري في عالم الغيب، فإن قبول فيضان الحق مشروط بالمناسبة بين المبدأ والقابل. فضمير {ينبغي} عائد إلى ما عاد عليه ضمير {به}، أي ما ينبغي القرآن لهم، أي ما ينبغي أن ينزلوا به كما زعم المشركون. ومفعول {يستطيعون} محذوف، أي ما يستطيعونه. وأعيدت الضمائر بصيغة العقلاء بعد أن أضمر لهم بضمير غير العقلاء في قوله: {وما تنزلت} اعتباراً بملابسة ذلك للكهان. وقد تقدم في سورة الحجر أن صنفاً من الشياطين يتهيّأ للتلقي بما يسمَّى استراق السمع وأنه يصرف عنه بالشُّهب. واستؤنف بــــ{إنهم عن السمع لمعزولون} فكان ذلك كالفذلكة لما قبله وهو بعمومه يتنزل منزلة التذييل. والمعزول: المبعد عن أمر فهو في عُزلة عنه. وفي هذا إبطال للكهانة من أصلها وهي وإن كانت فيها شيء من الاتصال بالقوى الروحية في سالف الزمان فقد زال ذلك منذ ظهور الإسلام.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلشَّيَاطِينُ} (210) - ثُمَّ يَرُدُّ اللهُ تَعالى عَلَى قَولِ مَنْ قَالَ من المُشْرِكِينَ إنَّ مُحَمَّداً كَاهنٌ، وإِنَّ ما يَأْتِيهِ هُوَ مِنْ نَوْعِ ما تَأْتِي بهِ الشَّياطِينُ إلى الكَهَنَةِ.. فَيَقُولُ لَهُمْ تَعالى: إنَّ القرآنَ لم تَتَنَزَّلْ بهِ الشياطيِنُ ليكونَ كَهَانَةً وسِحْراً.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : لأنهم قالوا: إنما تنزَّلت الشياطين على محمد بالقرآن، وكانوا يقولون ذلك لكل شاعر ماهر بشعره عندهم، فلكل شاعر شيطان يُمليه الشِّعْر، وعندهم وادٍ يُسمَّى وادي "عبقر" هو وادي الجن، فيقولون: فلان عبقري أي: موصول بالجن في هذا الوادي. لكن، كيف والكتاب نزل على محمد عدو للشياطين، يلعنهم في كل مناسبة، ويُحذِّر أتباعه منهم: {أية : ٱلشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ ٱلْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِٱلْفَحْشَآءِ ..}تفسير : [البقرة: 268] ويقول الحق سبحانه: {أية : إِنَّ ٱلشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَٱتَّخِذُوهُ عَدُوّاً إِنَّمَا يَدْعُواْ حِزْبَهُ لِيَكُونُواْ مِنْ أَصْحَابِ ٱلسَّعِيرِ}تفسير : [فاطر: 6]. فكيف - إذن - يمده الشيطان ويُمليه عليه، وهو عدوه؟ ولماذا لم يأتكم وأنتم أحباؤه؟ هذه واحدة. الأخرى: {وَمَا يَنبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ} [الشعراء: 211] إن الله جعل القرآن مُعْجزاً ومنهجاً، والمعجزة لا يتسلَّط عليها إنس ولا جن فيفسدها، لذلك قال سبحانه: {أية : إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}تفسير : [الحجر: 9]. أما الكتب السابقة فقد طلبتْ من المؤمنين بها أنْ يحفظوها، وفَرْق بين الحفظ مني، وطلب الحفظ منكم؛ لأن الطلب تكليف وهو عُرْضة لأنْ يُطاع ولأنْ يُعصَى، وقد جربنا حفظ البشر فلم يحافظوا على كتبهم السابقة؛ لذلك تولّى الحق - سبحانه وتعالى - حِفْظ قرآنه بنفسه، ولم يكِلْه إلى أحد من خَلْقه. لذلك تجد في هذا المجال كثيراً من العجائب والمفارقات، فمع تقدُّم الزمن وطغيان الحضارات المعادية للإسلام، والتي تُمطرنا كل يوم بوابل من الانحرافات والخروج عن تعاليم الدين، ومِنّا مَنْ ينساق خلفهم، وهذا كله ينقص من الأحكام المطبّقة من الإسلام. لكن مع هذا كله تجد القرآن يزداد توثيقاً، ويزداد حفظاً، ويتبارى حتى غير المسلمين في حِفْظ كتاب الله وتوثيقه، والتجديد في طباعته، حتى رأينا مصحفاً في ورقة واحدة، ومصحفاً في حجم عقلة الإصبع، ويفخر بعضهم الآن بأنه يملك أصغر مصحف في العالم .. إلخ بصرف النظر عن دوافعهم مِنْ وراء هذا. المهم أن الله تعالى يُسخِّر حتى أعداء القرآن لحِفْظ القرآن {أية : وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ وَمَا هِيَ إِلاَّ ذِكْرَىٰ لِلْبَشَرِ}تفسير : [المدثر: 31]. أليس من وسائل نَشْر القرآن والمحافظة عليه آلات التسجيل وآلات تكبير الصوت التي تنشر كلام الله في كل مكان؟ ولم يَلْق شيءٌ من الكتب السابقة مثل هذه العناية. إذن: فالعناية بالقرآن كنصٍّ لا تتناسب مع النقص في أحكامه وانصراف أهله عنها، وكأن الله - عز وجل - يقول لنا: سأحفظ هذا النصَّ بغير المؤمنين به، وسأجعلهم يُوثِّقونه ويهتمون به؛ ليكون ذلك حجة عليكم. لذلك كان عند الألمان قبل الحرب العالمية خزانة بها أدراج، في كل درج منها آية من القرآن، يُحفظ به كل ما كُتب عن هذه الآية بدايةً من تفسير ابن عباس إلى وقتها، وهذا دليل على أنهم مُسخَّرون بقوة خفية لا يقدر عليها إلا الله عز وجل {أية : إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}تفسير : [الحجر: 9]. وسبق أن قلنا: إن بعض النساء يَسِرْنَ في الشوارع كاشفات عن صدورهن، ومع ذلك تتحلّى بمصحف على صدرها، وليتها تستر صدرها ولا تُعلِّق المصحف. فكيف تقولون تنزلت به الشياطين، وقد جاء القرآن ليعلن لأهله عداءه لهم والحذر منهم؟ كيف والشياطين لا تتنزل إلا على كفَّار أثيم، وأنتم أوْلَى بأن تتنزَّل عليكم {أية : وَإِنَّ ٱلشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَىۤ أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ ..}تفسير : [الأنعام: 121]. ومعنى: {وَمَا يَسْتَطِيعُونَ} [الشعراء: 211] أن هذه المسألة فوق قدراتهم؛ لأن الحق تبارك وتعالى قال: {إِنَّهُمْ عَنِ ٱلسَّمْعِ ...}.

همام الصنعاني

تفسير : 2135- حدّثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ ٱلشَّيَاطِينُ}: [الآية: 210]، هو القرآن.