Verse. 3156 (AR)

٢٦ - ٱلشُّعَرَاء

26 - Ash-Shu'ara (AR)

وَالشُّعَرَاۗءُ يَتَّبِعُہُمُ الْغَاوٗنَ۝۲۲۴ۭ
WaalshshuAAarao yattabiAAuhumu alghawoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«والشعراء يتبعهم الغاوون» في شعرهم فيقولن به ويرونه عنهم فهم مذمومون.

224

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أن الكفار لما قالوا: لم لا يجوز أن يقال إن الشياطين تنزل بالقرآن على محمد كما أنهم ينزلون بالكهانة على الكهنة وبالشعر على الشعراء؟ ثم إنه سبحانه فرق بين محمد صلى الله عليه وسلم وبين الكهنة، فذكر ههنا ما يدل على الفرق بينه عليه السلام وبين الشعراء، وذلك هو أن الشعراء يتبعهم الغاوون، أي الضالون، ثم بين تلك الغواية بأمرين: الأول: {أَنَّهُمْ فِى كُلّ وَادٍ يَهِيمُونَ } والمراد منه الطرق المختلفة كقولك أنا في واد وأنت في واد، وذلك لأنهم قد يمدحون الشيء بعد أن ذموه وبالعكس، وقد يعظمونه بعد أن استحقروه وبالعكس، وذلك يدل على أنهم لا يطلبون بشعرهم الحق ولا الصدق بخلاف أمر محمد صلى الله عليه وسلم، فإنه من أول أمره إلى آخره بقي على طريق واحد وهو الدعوة إلى الله تعالى والترغيب في الآخرة والإعراض عن الدنيا الثاني: {أَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لاَ يَفْعَلُونَ } وذلك أيضاً من علامات الغواة، فإنهم يرغبون في الجود ويرغبون عنه، وينفرون عن البخل ويصرون عليه، ويقدحون في الناس بأدنى شيء صدر عن واحد من أسلافهم، ثم إنهم لا يرتكبون إلا الفواحش، وذلك يدل على الغواية والضلالة. وأما محمد صلى الله عليه وسلم فإنه بدأ بنفسه حيث قال الله تعالى له: { أية : فَلاَ تَدْعُ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهاً ءاخَرَ فَتَكُونَ مِنَ ٱلْمُعَذَّبِينَ } تفسير : [الشعراء: 213] ثم بالأقرب فالأقرب حيث قال الله تعالى له: { أية : وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ ٱلأَقْرَبِينَ } تفسير : [الشعراء: 214] وكل ذلك على خلاف طريقة الشعراء، فقد ظهر بهذا الذي بيناه أن حال محمد صلى الله عليه وسلم ما كان يشبه حال الشعراء، ثم إن الله تعالى لما وصف الشعراء بهذه الأوصاف الذميمة بياناً لهذا الفرق استثنى عنهم الموصوفين بأمور أربعة: أحدها: الإيمان وهو قوله: {إِلاَّ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ }، وثانيها: العمل الصالح وهو قوله: {وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَاتِ }، وثالثها: أن يكون شعرهم في التوحيد والنبوة ودعوة الخلق إلى الحق، وهو قوله: {وَذَكَرُواْ ٱللَّهَ كَثِيراً }، ورابعها: أن لا يذكروا هجو أحد إلا على سبيل الانتصار ممن يهجوهم، وهو قوله: {وَٱنتَصَرُواْ مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ } قال الله تعالى: { أية : لاَّ يُحِبُّ ٱللَّهُ ٱلْجَهْرَ بِٱلسُّوء مِنَ ٱلْقَوْلِ إِلاَّ مَن ظُلِمَ } تفسير : [النساء: 148] ثم إن الشرط فيه ترك الاعتداء لقوله تعالى: { أية : فَمَنِ ٱعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَٱعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا ٱعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ } تفسير : [البقرة: 194] وقيل المراد بهذا الاستثناء عبدالله بن رواحة وحسان بن ثابت وكعب بن مالك وكعب بن زهير لأنهم كانوا يهجون قريشاً، وعن كعب بن مالك: « حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: أهجهم، فوالذي نفسي بيده لهو أشد عليهم من رشق النبل » تفسير : وكان يقول لحسان بن ثابت « حديث : قل وروح القدس معك » تفسير : . فأما قوله تعالى: {وَسَيَعْلَمْ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ أَىَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ } فالذي عندي فيه والله أعلم أنه تعالى لما ذكر في هذه السورة ما يزيل الحزن عن قلب رسوله صلى الله عليه وسلم من الدلائل العقلية، ومن أخبار الأنبياء المتقدمين، ثم ذكر الدلائل على نبوته عليه السلام، ثم ذكر سؤال المشركين في تسميتهم محمداً صلى الله عليه وسلم تارة بالكاهن، وتارة بالشاعر، ثم إنه تعالى بين الفرق بينه وبين الكاهن أولاً ثم بين الفرق بينه وبين الشاعر ثانياً ختم السورة بهذا التهديد العظيم، يعني إن الذين ظلموا أنفسهم وأعرضوا عن تدبر هذه الآيات، والتأمل في هذه البينات فإنهم سيعلمون بعد ذلك أي منقلب ينقلبون وقال الجمهور: المراد منه الزجر عن الطريقة التي وصف الله بها هؤلاء الشعراء، والأول أقرب إلى نظم السورة من أولها إلى آخرها، والله أعلم. والحمد لله رب العالمين وصلواته على سيدنا محمد النبي الأمي وآله وصحبه أجمعين وعلى أزواجه أمهات المؤمنين وعلى التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَٱلشُّعَرَآءُ يَتَّبِعُهُمُ ٱلْغَاوُونَ } فيه ست مسائل: الأولى: قوله تعالى: {وَٱلشُّعَرَآءُ} جمع شاعر مثل جاهل وجهلاء؛ قال ابن عباس: هم الكفار {يَتَّبِعُهُمُ} ضلاّل الجن والإنس. وقيل: {الْغَاوُونَ} الزائلون عن الحق، ودلّ بهذا أن الشعراء أيضاً غاوون؛ لأنهم لو لم يكونوا غاوين ما كان أتباعهم كذلك. وقد قدمنا في سورة «النور» أن من الشعر ما يجوز إنشاده، ويكره، ويحرم. روى مسلم من حديث حديث : عمرو بن الشَّريد عن أبيه قال: ردِفت رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً فقال: «هل معك من شعر أمية بن أبي الصَّلْت شيء» قلت: نعم. قال: «هِيه» فأنشدته بيتاً. فقال: «هِيه» ثم أنشدته بيتاً. فقال: «هِيه» حتى أنشدته مائة بيتتفسير : . هكذا صواب هذا السند وصحيح روايته. وقد وقع لبعض رواة كتاب مسلم: عن عمرو بن الشَّريد عن الشَّريد أبيه؛ وهو وَهَم؛ لأن الشريد هو الذي أردفه رسول الله صلى الله عليه وسلم. واسم أبي الشَّريد سُوَيْد. وفي هذا دليل على حفظ الأشعار والاعتناء بها إذا تضمنت الحِكَم والمعاني المستحسنة شرعاً وطبعاً، وإنما استكثر النبي صلى الله عليه وسلم من شعر أمية؛ لأنه كان حكيماً؛ ألا ترى قوله عليه السلام: «حديث : وكاد أمية بن أبي الصَّلْت أن يسلم» تفسير : فأما ما تضمن ذكر الله وحمده والثناء عليه فذلك مندوب إليه، كقول القائل:شعر : الحمد لله العليّ المنان صار الثريد في رؤوس العيدان تفسير : أو ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم أو مدحه كقول العباس:شعر : مِن قبلها طِبْتَ في الظِّلال وفي مُسـ ـتودعٍ حيث يُخصَفُ الورقُ ثم هبطت البلاد لا بشرٌ أنـ ـتَ ولا مُضْغةٌ ولا عَلَقُ بل نطفة تركب السَّفِينَ وقد أَلْـ ـجَمَ نَسْراً وأهلَه الغَرَقُ تنقُل مِن صَالبٍ إلى رَحِمٍ إذا مَضَى عالَمٌ بَدَا طَبَقُ تفسير : فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : لا يفَضُضِ الله فاك»تفسير : . أو الذبّ عنه كقول حسان:شعر : هجوتَ محمداً فأجبتُ عنه وعند اللَّهِ في ذاك الجزاءُ تفسير : وهي أبيات ذكرها مسلم في صحيحه وهي في السير أتم. أو الصلاة عليه؛ كما روى زيد بن أسلم؛ خرج عمر ليلة يحرس فرأى مصباحاً في بيت، وإذا عجوز تنفش صوفاً وتقول:شعر : على محمدٍ صلاةُ الأبرار صلى عليه الطيِّبون الأخيارْ قد كنتَ قوّاماً بُكاً بالأسحارْ يا ليتَ شِعْري والمنايا أطوارْ هل يَـجـمـعنِّـي وحبـيـبـي الـدارْ تفسير : يعني النبي صلى الله عليه وسلم؛ فجلس عمر يبكي. وكذلك ذكر أصحابه ومدحهم رضي الله عنهم؛ ولقد أحسن محمد بن سابق حيث قال:شعر : إنِّي رضيتُ عليّاً للهُدَى عَلَماً كما رضيتُ عَتيقاً صاحبَ الغارِ وقد رضيتُ أبا حفصٍ وشيعَتُه وما رضيتُ بقتل الشيخِ في الدارِ كلُّ الصحابة عندي قُدوةٌ عَلَمٌ فهل عليّ بهذا القول من عارِ إن كنتَ تعلم أَنِّي لا أحبُّهُم إلا من أجلك فاعتقني من النار تفسير : وقال آخر فأحسن:شعر : حُبُّ النبيِّ رسول الله مُفْتَرضٌ وحُبُّ أصحابِه نورٌ ببرهانِ من كان يعلم أن الله خالقه لا يَرمينَّ أبا بكرٍ ببهتانِ ولا أبا حفصٍ الفاروقَ صاحبَه ولا الخليفة عثمان بن عفانِ أمّا عليٌّ فمشهورٌ فضائلُه والبيت لا يَستوِي إلا بأركانِ تفسير : قال ابن العربي: أما الاستعارات في التشبيهات فمأذون فيها وإن استغرقت الحد وتجاوزت المعتاد؛ فبذلك يضرِب الْملك الموكَّل بالرؤيا المثَلَ، وقد أنشد كعب بن زهير النبي صلى الله عليه وسلم:شعر : بانت سعادُ فقلبي اليوم مَتْبُولُ مُتَيَّمٌ إِثْرَها لم يُفْدَ مَكْبُولُ وما سُعادُ غَداةَ البَيْن إذ رَحَلُوا إلا أَغَنُّ غَضيضُ الطَّرْفِ مَكحولُ تَجلُو عَوَارِضَ ذِي ظَلْمٍ إذا ابتسمتْ كأنَّه مُنْهَلٌ بالرَّاح مَعْلولُ تفسير : فجاء في هذه القصيدة من الاستعارات والتشبيهات بكل بديع، والنبي صلى الله عليه وسلم يسمع ولا ينكر في تشبيهه ريقها بالراح. وأنشد أبو بكر رضي الله عنه:شعر : فَقَدْنا الوحيَ إذ ولَّيتَ عنّا وودَّعَنَا من الله الكلامُ سوى ما قد تركتَ لنا رهيناً تَوارثَه القَرَاطِيسُ الكرامُ فقد أورثتنا ميراثَ صدقٍ عليك به التحيةُ والسلامُ تفسير : فإذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسمعه وأبو بكر ينشده، فهل للتقليد والاقتداء موضع أرفع من هذا. قال أبو عمر: ولا ينكر الحسنَ من الشعر أحدٌ من أهل العلم ولا من أولي النُّهى، وليس أحد من كبار الصحابة وأهل العلم وموضع القدوة إلا وقد قال الشعر، أو تمثل به أو سمعه فرضيه ما كان حكمة أو مباحاً، ولم يكن فيه فحش ولا خنا ولا لمسلم أذى، فإذا كان كذلك فهو والمنثور من القول سواء لا يحلّ سماعه ولا قوله؛ وروى أبو هريرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر يقول: «حديث : أصدق كلمة ـ أو أشعر كلمة ـ قالتها العرب قول لبِيد: أَلاَ كـلُّ شـيءٍ مـا خـلا اللَّهَ بـاطـلُ تفسير : أخرجه مسلم وزاد «حديث : وكاد أمية بن أبي الصَّلْت أن يُسلِم»تفسير : وروي عن ابن سيرين أنه أنشد شعراً فقال له بعض جلسائه: مثلك ينشد الشعر يا أبا بكر. فقال: ويلك يا لُكَعٰ وهل الشعر إلا كلام لا يخالف سائر الكلام إلا في القوافي، فحسنه حسن وقبيحه قبيح! قال: وقد كانوا يتذاكرون الشعر. قال: وسمعت ابن عمر ينشد:شعر : يُحِبُّ الخمرَ من مال النَّدامَى ويَكرهُ أن يفارقَهُ الغَلُوسُ تفسير : وكان عبيد الله بن عبد الله بن عُتْبة بن مسعود أحد فقهاء المدينة العشرة ثم المشيخة السبعة شاعراً مجيداً مقدَّماً فيه. وللزبير بن بكار القاضي في أشعاره كتاب، وكانت له زوجة حسنة تسمى عَثْمة فعتب عليها في بعض الأمر فطلقها، وله فيها أشعار كثيرة؛ منها قوله:شعر : تَغلغَل حُبُّ عَثْمة في فؤادي فباديه مع الخافي يسيرُ تَغلغَل حيث لم يبلغ شَرابٌ ولا حزنٌ ولم يبلغ سرورُ أكاد إذا ذكرتُ العهد منها أطير لو أن إنساناً يَطيرُ تفسير : وقال ابن شهاب: قلت له تقول الشعر في نسكك وفضلكٰ فقال: إن المصدور إذا نفث برأ. الثانية: وأما الشعر المذموم الذي لا يحلّ سماعه وصاحبه ملوم، فهو المتكلم بالباطل حتى يفضّلوا أجبن الناس على عنترة، وأشحّهم على حاتم، وأن يبهتوا البريء ويفسقوا التقيّ، وأن يفرطوا في القول بما لم يفعله المرء؛ رغبة في تسلية النفس وتحسين القول؛ كما روي عن الفرزدق أن سليمان بن عبد الملك سمع قوله:شعر : فبِتْنَ بجانبيَّ مُصَرَّعاتٍ وبِتُّ أَفُضُّ أغلاقَ الختَامِ تفسير : فقال: قد وجب عليك الحد. فقال: يا أمير المؤمنين قد درأ الله عني الحد بقوله: {وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لاَ يَفْعَلُونَ}. وروي أن النعمان بن عدِيّ بن نَضْلة كان عاملاً لعمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال:شعر : مَنْ مُبْلِغُ الحسناءِ أنّ حليلَها بمَيْسَانَ يُسقَى في زُجاجٍ وحَنْتَمِ إذا شئتُ غنتني دَهاقينُ قريةٍ ورقَّاصةٌ تَجْذو على كلّ مَنْسِمِ فإن كنت نَدْمانِي فبالأكبر اسقنِي ولا تَسقنِي بالأصغر المتثلِّمِ لعلّ أميرَ المؤمنين يَسوءُه تَنادُمنا بالْجَوْسِق المتهدِّمِ تفسير : فبلغ ذلك عمر فأرسل إليه بالقُدوم عليه. وقال: إي والله إني ليسوءني ذلك. فقال: يا أمير المؤمنين ما فعلت شيئاً مما قلت؛ وإنما كانت فضلة من القول، وقد قال الله تعالى: {وَٱلشُّعَرَآءُ يَتَّبِعُهُمُ ٱلْغَاوُونَ * أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ * وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لاَ يَفْعَلُونَ } فقال له عمر: أما عذرك فقد درأ عنك الحد؛ ولكن لا تعمل لي عملاً أبداً وقد قلت ما قلتَ. وذكر الزبير بن بكار قال: حدّثني مصعب ابن عثمان أن عمر بن عبد العزيز لما ولي الخلافة لم يكن له هم إلا عمر بن أبي ربيعة والأحوص فكتب إلى عامله على المدينة: إني قد عرفت عمر والأحوص بالشر والخبث فإذا أتاك كتابي هذا فاشدد عليهما واحملهما إليّ. فلما أتاه الكتاب حملهما إليه، فأقبل على عمر؛ فقال: هيهشعر : فلم أَرَ كالتَّجميرِ منظَرَ ناظر ولا كليالي الحج أَفْلَتْن ذَاهَوَى وكم مالىءٍ عينيه من شيءِ غيرِه إذا راح نحو الجمرةِ البيضُ كالدُّمَى تفسير : أما والله لو اهتممت بحجك لم تنظر إلى شيء غيرك؛ فإذا لم يفلت الناس منك في هذه الأيام فمتى يفلتونٰ ثم أمر بنفيه. فقال: يا أمير المؤمنينٰ أو خير من ذلك؟ فقال: ما هو؟ قال: أعاهد الله إني لا أعود إلى مثل هذا الشعر، ولا أذكر النساء في شعر أبداً. وأجدّد توبة؛ فقال: أو تفعل؟ قال: نعم؛ فعاهد الله على توبته وخلاه؛ ثم دعا بالأحوص، فقال هيه!شعر : الله بيني وبينَ قَيِّمِها يَفِر منِّي بها وأَتَّبِعُ تفسير : بل الله بين قيمِها وبينكٰ ثم أمر بنفيه؛ فكلمه فيه رجال من الأنصار فأبى، وقال: والله لا أردّه ما كان لي سلطان، فإنه فاسق مجاهر. فهذا حكم الشعر المذموم وحكم صاحبه، فلا يحلّ سماعه ولا إنشاده في مسجد ولا غيره، كمنثور الكلام القبيح ونحوه. وروى إسماعيل بن عَيَّاش عن عبد الله بن عون عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : حَسنُ الشعر كحسَن الكلام وقبيحه كقبيح الكلام»تفسير : رواه إسماعيل عن عبد الله الشامي وحديثه عن أهل الشام صحيح فيما قال يحيـى بن معين وغيره. وروى عبد الله بن عمرو بن العاص قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : الشعر بمنزلة الكلام حسنه كحسن الكلام وقبيحه كقبيح الكلام".تفسير : الثالثة: روى مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال! قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لأَنْ يمتلىءَ جوفُ أحدكم قيحاً حتى يَرِيَه خيرٌ من أن يمتلىء شعراً» تفسير : وفي الصحيح أيضاً عن أبي سعيد الخدري قال: بينا نحن نسير مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا عرض شاعر يُنشد فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : خذوا الشيطان ـ أو أمسكوا الشيطان ـ لأَن يمتلىءَ جوفُ رجلٍ قيحاً خيرٌ له من أن يمتلىءَ شعراً» تفسير : قال علماؤنا: وإنما فعل النبي صلى الله عليه وسلم هذا مع هذا الشاعر لما علم من حاله؛ فلعلّ هذا الشاعر كان ممن قد عرف من حاله أنه قد اتخذ الشعر طريقاً للتكسب، فيفرط في المدح إذا أعطي، وفي الهجو والذم إذا مُنع، فيؤذي الناس في أموالهم وأعراضهم. ولا خلاف في أن من كان على مثل هذه الحالة فكل ما يكتسبه بالشعر حرام. وكل ما يقوله من ذلك حرام عليه، ولا يحل الإصغاء إليه، بل يجب الإنكار عليه؛ فإن لم يمكن ذلك لمن خاف من لسانه قطعاً تعيّن عليه أن يداريه بما استطاع، ويدافعه بما أمكن، ولا يحلّ له أن يعطى شيئاً ابتداء، لأن ذلك عون على المعصية؛ فإن لم يجد من ذلك بدًّا أعطاه بنية وقاية العِرض؛ فما وَقَى به المرءُ عرضه كُتب له به صدقة. قوله: «حديث : لأَنْ يَمتلىءَ جوفُ أحدكم قيحاً حتى يَرِيَه»تفسير : القيح المِدّة يخالطها دم. يقال منه: قاح الجُرْح يَقِيح وتَقيّح وقَيَّح. و«يَرِيه» قال الأصمعي: هو من الوَرْي على مثال الرمي وهو أن يَدْوَى جوفُه، يقال منه: رجل مَوْريّ مشدّد غير مهموز. وفي «الصحاح»: ورى القيح جوفه يرِيه وريا إذا أكله. وأنشد اليزيدي:شعر : قـالـت لـه وَرْيـاً إذا تَـنـحـنـحَـا تفسير : وهذا الحديث أحسن ما قيل في تأويله: إنه الذي قد غلب عليه الشعر، وامتلأ صدره منه دون علم سواه ولا شيء من الذكر ممن يخوض به في الباطل، ويسلك به مسالك لا تحمد له، كالمكثر من اللغط والهذر والغيبة وقبيح القول. ومن كان الغالب عليه الشعر لزمته هذه الأوصاف المذمومة الدنية، لحكم العادة الأدبية. وهذا المعنى هو الذي أشار إليه البخاري في صحيحه لما بوّب على هذا الحديث «باب ما يكره أن يكون الغالب على الإنسان الشعر». وقد قيل في تأويله: إن المراد بذلك الشعر الذي هُجيَ به النبيّ صلى الله عليه وسلم أو غيره. وهذا ليس بشيء، لأن القليل من هجو النبيّ صلى الله عليه وسلم وكثيره سواء في أنه كفر ومذموم، وكذلك هجو غير النبيّ صلى الله عليه وسلم من المسلمين محرّم قليله وكثيره، وحينئذٍ لا يكون لتخصيص الذم بالكثير معنى. الرابعة: قال الشافعي: الشعر نوع من الكلام حسنه كحسن الكلام وقبيحه كقبيح الكلام، يعني أن الشعر ليس يكره لذاته وإنما يكره لمضمّناته، وقد كان عند العرب عظيم الموقع. قال الأوَل منهم:شعر : وجُـرح الـلسـانِ كـجُـرْح الـيـدِ تفسير : حديث : وقال النبيّ صلى الله عليه وسلم في الشعر الذي يرد به حسان على المشركين: «إنه لأسرع فيهم من رشق النَّبْل»تفسير : أخرجه مسلم. وروى الترمذي وصححه عن ابن عباس حديث : أن النبيّ صلى الله عليه وسلم دخل مكة في عُمرة القضاء وعبد الله بن رَوَاحة يمشي بين يديه ويقول: شعر : خَلُّوا بني الكفَّار عن سبِيله اليومَ نَضربْكُمْ على تنزِيله ضرباً يزيلُ الهامَ عن مَقِيلِه ويُذهِلُ الخليلَ عن خلِيله حديث : فقال عمر: يا ابن رَوَاحة! في حرم الله وبين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خل عنه يا عمر فلهو أسرعُ فيهم من نَضح النَّبْل».تفسير : الخامسة: قوله تعالى: {وَٱلشُّعَرَآءُ يَتَّبِعُهُمُ ٱلْغَاوُونَ } لم يختلف القراء في رفع {وَالشُّعَرَاءُ} فيما علمت. ويجوز النصب على إضمار فعل يفسره {يَتَّبِعُهُمُ} وبه قرأ عيسى ابن عمر؛ قال أبو عبيد: كان الغالب عليه حب النصب؛ قرأ: {أية : وَٱلسَّارِقُ وَٱلسَّارِقَةُ} تفسير : [المائدة: 38] و{أية : حَمَّالَةَ ٱلْحَطَبِ} تفسير : [المسد: 4] و{أية : سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا}تفسير : [النور: 1/]. وقرأ نافع وشيبة والحسن والسّلَميّ: {يَتْبَعُهُمْ} مخففاً. الباقون {يَتَّبِعُهُمُ}. وقال الضحاك: تهاجى رجلان أحدهما أنصاريّ والآخر مهاجريّ على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم مع كل واحد غواةُ قومه وهم السفهاء فنزلت؛ وقاله ابن عباس. وعنه هم الرواة للشعر. وروى عنه عليّ بن أبي طلحة أنهم هم الكفار يتبعهم ضُلاَّل الجن والإنس؛ وقد ذكرناه. وروى غُضَيْف عن النبيّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : من أحدث هجاء في الإسلام فاقطعوا لسانه»تفسير : وعن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم لما افتتح مكة رنّ إبليس رنه وجمع إليه ذريته؛ فقال ايئسوا أن تريدوا أمة محمد على الشرك بعد يومكم هذا ولكن أفشوا فيهما ـ يعني مكة والمدينة ـ الشِّعْر. السادسة: قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ } يقول: في كل لغو يخوضون، ولا يتبعون سنَنَ الحق؛ لأن من اتبع الحق وعلم أنه يكتب عليه ما يقوله تثبت، ولم يكن هائماً يذهب على وجهه لا يبالي ما قال. نزلت في عبد الله بن الزِّبَعْريّ ومُسافِع بن عبد مناف وأميّة بن أبي الصلت. {وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لاَ يَفْعَلُونَ } يقول: أكثرهم يكذبون؛ أي يدلون بكلامهم على الكرم والخير ولا يفعلونه. وقيل: إنها نزلت في أبي عزة الجُمَحيّ حيث قال:شعر : أَلاَ أبلغا عنّي النبيّ محمداً بأنَّكَ حَقٌّ والمليكُ حميدُ ولَكنْ إذا ذُكِّرتُ بَدْراً وأهلَهُ تَأَوَّهَ منّي أعظمٌ وجلودُ تفسير : ثم استثنى شعر المؤمنين: حسان بن ثابت وعبد الله بن رَوَاحة وكعب بن مالك وكعب بن زهير ومن كان على طريقهم من القول الحق؛ فقال: {إِلاَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ وَذَكَرُواْ ٱللَّهَ كَثِيراً} في كلامهم {وَٱنتَصَرُواْ مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ} وإنما يكون الانتصار بالحق، وبما حدّه الله عز وجل، فإن تجاوز ذلك فقد انتصر بالباطل. وقال أبو الحسن البرَّاد.حديث : لما نزلت: {وَالشعَرَاءُ} جاء حسان وكعب بن مالك وابن رواحة يبكون إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا: يا نبي اللهٰ أنزل الله تعالى هذه الآية، وهو تعالى يعلم أنا شعراء؟ فقال: «اقرؤوا ما بعدها {إِلاَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ} ـ الآية ـ أنتم {وَٱنتَصَرُواْ مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ} أنتم» تفسير : أي بالرد على المشركين. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : انتصِروا ولا تقولوا إلا حقاً ولا تذكروا الآباء والأمهات»تفسير : فقال حسان لأبي سفيان:شعر : هجوتَ محمداً فأجبتُ عنه وعندَ الله في ذاك الجزاءُ وإنّ أبي ووالدتي وعِرْضي لعِرضِ محمد منكم وِقاءُ أتشتمه ولستَ له بكفءٍ فشركما لخيركما الفِداءُ لساني صارمٌ لا عيبَ فيهِ وبحري لا تُكدِّره الدِّلاءُ حديث : وقال كعب: يا رسول اللهٰ إن الله قد أنزل في الشعر ما قد علمت فكيف ترى فيه؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن المؤمن يجاهد بنفسه وسيفه ولسانه والذي نفسي بيده لكأنّ ما ترمونهم به نَضْح النّبل». وقال كعب:شعر : جاءت سَخِينةُ كي تُغالبَ ربَّهَا وَلَيُغْلَبَنَّ مُغَالِبُ الغَلاَّبِ حديث : فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «لقد مدحك الله يا كعب في قولك هذا»تفسير : . وروى الضحاك عن ابن عباس أنه قال في قوله تعالى: {وَٱلشُّعَرَآءُ يَتَّبِعُهُمُ ٱلْغَاوُونَ} منسوخ بقوله: {إِلاَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ}. قال المهدوي: وفي «الصحيح» عن ابن عباس أنه استثناء. {وَسَيَعْلَمْ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوۤاْ أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ} في هذا تهديد لمن انتصر بظلم (أي) سيعلم الظالمون كيف يخلصون من بين يدي الله عز وجل؛ فالظالم ينتظر العقاب، والمظلوم ينتظر النصرة. وقرأ ابن عباس: {أَي مُنْفَلَتٍ يَنْفَلِتُونَ} بالفاء والتاء ومعناهما واحد.الثعلبي: ومعنى {أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ} أي مصير يصيرون وأي مرجع يرجعون؛ لأن مصيرهم إلى النار، وهو أقبح مصير، ومرجعهم إلى العقاب وهو شر مرجع. والفرق بين المنقلب والمرجع أن المنقلب الانتقال إلى ضدّ ما هو فيه، والمرجع العود من حال هو فيها إلى حال كان عليها فصار كل مرجع منقلباً، وليس كل منقلب مرجعاً؛ والله أعلم؛ ذكره الماوردي. و{أَيَّ} منصوب بـ{ـيَنْقَلِبُونَ} وهو بمعنى المصدر، ولا يجوز أن يكون منصوباً بـ«ـسَيَعْلَمُ» لأن أياً وسائر أسماء الاستفهام لا يعمل فيها ما قبلها فيما ذكر النحويون؛ قال النحاس: وحقيقة القول في ذلك أن الاستفهام معنى وما قبله معنى آخر فلو عمل فيه ما قبله لدخل بعض المعاني في بعض.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَٱلشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ ٱلْغَاوُونَ } في شعرهم فيقولون به ويروونه عنهم فهم مذمومون.

ابن عبد السلام

تفسير : {وَالشُّعَرَآءُ} يعني الذين إذا غضبوا سَبُّوا، وإذا قالوا كذبوا {يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُنَ} الشياطين، أو المشركون، أو السفهاء، أو الرواة "ع".

النسفي

تفسير : {وَٱلشُّعَرَاء } مبتدأ خبره {يَتَّبِعُهُمُ ٱلْغَاوُونَ } أي لا يتبعهم على باطلهم وكذبهم وتمزيق الأعراض والقدح في الأنساب ومدح من لا يستحق المدح، ولا يستحسن ذلك منهم إلا الغاوون أي السفهاء أو الراوون أو الشياطين أو المشركون. قال الزجاج: إذا مدح أو هجا شاعر بما لا يكون وأحب ذلك قوم وتابعوه فهم الغاوون {يتبعهم} نافع {أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِى كُلّ وَادٍ } من الكلام {يَهِيمُونَ } خبر «أن» أي في كل فن من الكذب يتحدثون أو في كل لغو وباطل يخوضون، والهائم الذاهب على وجهه لا مقصد له وهو تمثيل لذهابهم في كل شعب من القول واعتسافهم حتى يفضلوا أجبن الناس على عنترة وأبخلهم على حاتم. عن الفرزدق أن سليمان بن عبد الملك سمع قوله شعر : فبتن بجانبيّ مصرعات وبت أفض أغلاق الختام تفسير : فقال: وجب عليك الحد. فقال: قد درأ الله عني الحد بقوله

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {وَٱلشُّعَرَآءُ يَتَّبِعُهُمُ ٱلْغَاوُونَ}. قد تقدم أن نافعاً بتخفيف التاء ساكنة وفتح الباء في سورة الأعراف عند قوله: "لا يَتَّبِعُوكُمْ" والفرق بين المخفف والمثقل. وسكن الحسنُ العينَ، ورويت عن أبي عمرو، وليست ببعيدة عنه كـ "يَنْصُرْكُمْ" وبابه وروى هارون عن بعضهم نصب العين، وهي غلط، والقول بأن الفتحة للإتباع خطأ، والعامة على رفع "الشُّعَرَاءُ" بالابتداء، والجملة بعده الخبر. وقرأ عيسى بالنصب على الاشتغال. فصل لمّا قال الكفار: لم لا يجوز أن يقال: الشياطين تنزل بالقرآن على محمد، كما أنهم ينزلون بالكهانة على الكهنة، وعلى الشعراء بالشعر؟ ثم إنه تعالى فرق بين محمد - عليه السلام - وبين الكهنة، ذكر هاهنا ما يدل على الفرق بينه وبين الشعراء: بأن الشعراء يتبعهم الغاوون، وهم: الضالون: ثم بيَّن أنَّ ذلك لا يمكن القول به لأمرين: الأول: {أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ} والمراد منه: الطرق المختلفة، كقولك: أنا في واد وأنت في واد, وذلك بأنهم قد يمدحون الشيء بعد أن ذمّوه, وبالعكس, وقد يعظمونه بعدما يستحقرونه وبالعكس وذلك يدل على أنهم لا يطلبون بشعرهم الحق ولا الصدق، بخلاف أمر محمد - عليه السلام - فإنه من أول أمره إلى آخره بقي على طريق واحدة، وهو الدعوة إلى الله، والترغيب في الآخرة، والإعراض عن الدنيا. والثاني: {وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لاَ يَفْعَلُونَ}. وذلك أيضاً من علامات الغواية، فإنهم يرغِّبُون في الجود، ويرغبون عنه، وينفرون عن البخل ويصيرون إليه، ويقدحون في الناس بأدنى شيء صدر عنهم وعن واحد من أسلافهم. ثم إنهم لا يرتكبون إلا الفواحش، وذلك يدل على الغواية والضلالة، وأما محمد - عليه السلام - فإنه بدأ بنفسه {أية : فَلاَ تَدْعُ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهاً آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ ٱلْمُعَذَّبِينَ}تفسير : [الشعراء: 213] ثم بالأقرب فالأقرب فقال: {أية : وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ ٱلأَقْرَبِينَ}تفسير : [الشعراء: 214] وكل ذلك خلاف طريقة الشعراء، فظهر بهذا البيان أنَّ حال محمد - عليه السلام - لم يشبه حال الشعراء. قوله: "يَهِيمُونَ". يجوز أن تكون هذه الجملة خبر "أَنَّ" وهذا هو الظاهر، لأنه محط الفائدة، و {فِي كُلِّ وَادٍ} متعلق به. ويجوز أن يكون {فِي كُلِّ وَادٍ} هو الخبر، و "يَهِيمُونَ" حال من الضمير في الخبر, والعامل ما تعلق به هذا الخبر, أو نفس الجار كما تقدم في نظيره. ويجوز أن تكون الجملة خبراً بعد خبر عند من يَرَى تَعَدُّد الخبر مطلقاً. وهذا من باب الاستعارة البليغة، والتمثيل الرائع، شبَّه جَوَلاَنَهم في أفانين القول، وطرائق المدح والذم، والتشبيب، وأنواع الشعر بِهَيْمِ الهائم في كل وجهٍ وطريق. وقيل: أراد بـ "كُلِّ وَادٍ" أي: على كل حرف من حروف الهجاء يصوغون (القوافي). والهائم: الذي: يَخبِطُ في سَيْرِهِ ولا يقصد موضعاً معيناً، يقال هام على وجهه، أي: ذهب والهائم: العاشق من ذلك، والهَيْمَان: العطشان والهُيَامُ داءٌ يأخذ الإبلَ من العطش، وجَمَلٌ أَهْيَمُ وناقةٌ هَيْمَاءُ والجمع فيهما هِيمٌ قال تعالى: "شُرْبَ الهِيمِ" والهُيَامُ من الرمل: اليابس، فإنهم يخيلون فيه معنى العطش. فصل قال المفسرون: أراد شعراء الكفار، وكانوا يهجون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وذكر مقاتل أسمائهم فقال: منهم عبد الله بن الزِّبعرَى السهمي، وهبيرة بن أبي وهب المخزومي، ومسافع بن عبد مناف، وأبو عزة عمرو بن عبد الله الجمحي، وأمية بن أبي الصلت الثقفي تكلموا بالكذب والباطل، وقالوا: نحن نقول كما قال محمد، وقالوا الشعر، واجتمع إليهم غواة من قومهم يسمعون أشعارهم حين يهجون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه، ويروون عنهم ذلك فذلك قوله: "يَتَّبِعُهُمُ الغَاوُونَ" وهم الرواة الذين يريدون هجاء المسلمين. وقال قتادة: هم الشياطين. ثم إنه تعالى لما وصف شعراء الكفار بهذه الأوصاف استثنى شعراء المسلمين الذي كانوا يجيبون شعراء الجاهلية، ويهجون الكفار ويكافحون عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه منهم حسان بن ثابت، وعبد الله بن رواحة، وكعب بن مالك، فقال: {إِلاَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ}. روي عن كعب بن مالك أنه قال للنبي - صلى الله عليه وسلم - حديث : إِنَّ اللَّهَ قد أنزل في الشعراء ما أنزل، فقال: النبي صلى الله عليه وسلم -: "إِنَّ المؤمن يجاهد بسيفه ولسانه، والذي نفسي بيده لكأن ما ترمونهم به نصح النبل""تفسير : وفي رواية قال له: "حديث : اهْجُهُمْ فوالذي نفسي بيده هو أشد عليهم من النبل ". تفسير : وكان يقول لحسان: "حديث : قُلْ فإنَّ روح القدس معك ". تفسير : واعلم أن الله تعالى وصفهم بأمور: الأول: الإيمان، وهو قوله: {إِلاَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ}. وثانيها: العمل الصالح، وهو قوله: {وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ}. وثالثها: أن يكون شعرهم في التوحيد والنبوة، ودعوة الحق، وهو قوله: [{وَذَكَرُواْ ٱللَّهَ كَثِيراً}]. ورابعها: أنْ لا يذكروا هجواً إلا على سبيل الانتصار ممن يهجوهم وهو] {وَٱنتَصَرُواْ مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ} قال الله تعالى: {أية : لاَّ يُحِبُّ ٱللَّهُ ٱلْجَهْرَ بِٱلسُّوۤءِ مِنَ ٱلْقَوْلِ إِلاَّ مَن ظُلِمَ}تفسير : [النساء: 148]. وروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "حديث : إِنَّ مِنَ الشِّعْرِ حِكْمَةً"تفسير : وقالت عائشة: الشعر كلام فمنه حسن ومنه قبيح فخذ الحسن ودع القبيح. وقال الشعبي: كان أبو بكر يقول الشعر، [وكان عمر يقول الشعر]، وكان عليٌّ أشعر الثلاثة. وروي عن ابن عباس أنه كان ينشد الشعر في المسجد ويستنشده. وقوله: {وَذَكَرُواْ ٱللَّهَ كَثِيراً} أي: لم يشغلهم الشعر عن ذكر الله، {وَٱنتَصَرُواْ مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ} أي: انتصروا من المشركين، لأنهم بدأوا بالهجاء، ثم أوعد شعراء المشركين فقال: {وَسَيَعْلَمْ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوۤاْ} أشركوا وهجوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - {أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ} أيّ مرجع يرجعون بعد الموت. قال ابن عباس: إلى جهنم والسعير. قوله: "أَيَّ مُنْقَلَبٍ" منصوب على المصدر، والناصب له "يَنْقَلِبُونَ" وقُدِّم، لتضمنه معنى الاستفهام، وهو معلق لـ "سَيَعْلَمُ" سادّاً مسدّ مفعوليها. وقال أبو البقاء: "أيَّ مُنْقَلَبٍ" صفة لمصدر محذوف، أي: ينقلبون انقلاباً أي منقلب، ولا يعمل في "سَيَعْلَمُ" لأنَّ الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله. وهذا مردود بأن أيّاً الواقعة صفة لا تكون استفهامية، وكذلك الاستفهامية لا تكون صفة لشيء بل كل منهما قسم برأسه. و "أي" تنقسم إلى أقسام كثيرة، وهي: الشرطية، والاستفهامية، والموصولة، والصفة، والموصوفة عند الأخفش خاصة، والمناداة نحو: يا أيهذا والمُوصّلة لنداء ما فيه (أل) نحو: يا أيُّهَا الرجلُ. عند غير الأخفش، والأخفش يجعلها في النداء موصولة. وقرأ ابن عباس والحسن "أَيَّ مُنْفَلَتٍ يَنْفَلِتُونَ" بالفاء والتاء من فوق من الانفلات. روى الثعلبي في تفسيره عن ابن عباس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "حديث : أُعْطيتُ السورة التي يذكر فيها البقرة من الذكر الأول، وأعطيت طه والطواسين من ألواح موسى، وأعطيت فواتح القرآن وخواتيم السورة التي يذكر فيها البقرة من تحت العرش، وأعطيت المفصل نافلة ". تفسير : وعن أنس أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:"حديث : إنَّ اللَّه تعالى أعطاني السبع مكان التوراة، وأعطاني الطواسين مكان الزبور، وفضلني بالحواميم والمفصل، ما قرأهن نبي قبلي ". تفسير : وعن أبي أمامة عن أُبيّ بن كعب قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"حديث : من قرأ سورة الشعراء كان له من الأجر عشر حسنات بعدد من صدق بنوح وكذب به، وهود, وشعيب، وصالح، وإبراهيم، وبعدد من كذب بعيسى، وصدق بمحمد - صلى الله عليه وسلم - ".

السيوطي

تفسير : أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس قال‏:‏ تهاجى رجلان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم‏، أحدهما من الأنصار؛‏ والآخر من قوم آخرين، وكان مع كل واحد منهما غواة من قومه وهم السفهاء‏ فأنزل الله ‏ {‏والشعراء يتبعهم الغاوون‏.‏‏.‏‏} ‏ الآيات‏.‏ وأخرج ابن جرير عن الضحاك،‏ مثله‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة قال‏:‏ تهاجى شاعران في الجاهلية وكان مع كل واحد منهما فئام من الناس‏.‏ فأنزل الله ‏ {‏والشعراء يتبعهم الغاوون‏}‏ ‏.‏ وأخرج ابن سعد وعبد بن حميد وابن أبي حاتم وابن عساكر عن عروة قال‏:‏ لما نزلت ‏{‏والشعراء‏}‏ إلى قوله ‏ {‏ما لا يفعلون‏}‏ قال عبد الله بن رواحة‏:‏ يا رسول الله قد علم الله أني منهم‏.‏ فأنزل الله ‏ {‏إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات‏}‏ إلى قوله ‏{‏ينقلبون‏}‏‏ .‏ وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وأبو داود في ناسخه وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن أبي حسن سالم البراد قال‏:‏ لما نزلت ‏{‏والشعراء‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ جاء عبد الله بن رواحة، وكعب بن مالك، وحسان بن ثابت، وهم يبكون فقالوا‏:‏ يا رسول الله لقد أنزل الله هذه الآية وهو يعلم انا شعراء أهلكنا‏؟‏ فأنزل الله‏ {‏إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات‏} ‏ فدعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فتلاها عليهم‏. وأخرج عبد بن حميد والحاكم عن أبي الحسن مولى بني نوفل؛‏ أن عبد الله بن رواحة، وحسان بن ثابت، أتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم حين نزلت الشعراء يبكيان وهو يقرأ ‏{‏والشعراء يتبعهم الغاوون‏} ‏ حتى بلغ ‏{‏إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات‏} ‏ قال‏:‏ أنتم ‏ {‏وذكروا الله كثيرا‏ً}‏ قال‏:‏ أنتم ‏ {‏وانتصروا من بعد ما ظلموا‏}‏ قال‏:‏ أنتم ‏ {‏وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون‏} ‏ قال‏:‏ الكفار‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس ‏ {‏يتبعهم الغاوون‏}‏ قال‏:‏ هم الكفار،‏ يتبعون ضلال الجن والإِنس ‏ {‏في كل وادٍ يهيمون‏} ‏ في كل لغو يخوضون ‏ {‏وأنهم يقولون ما لا يفعلون‏}‏ أكثر ولهم مكذبون، ثم استثنى منهم فقال ‏ {‏إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيرا‏ً} ‏ في كلامهم ‏ {‏وانتصروا من بعد ما ظلموا‏} ‏ قال‏:‏ ردوا على الكفار الذين كانون يهجون المؤمنين‏. وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس ‏{‏والشعراء‏} ‏ قال‏:‏ المشركون منهم الذين كانوا يهجون النبي صلى الله عليه وسلم ‏ {‏يتبعهم الغاوون‏}‏ غواة الجن ‏ {‏في كل واد يهيمون‏}‏ في كل فن من الكلام يأخذون، ثم استثنى فقال ‏{‏إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات‏}‏ يعني حسان بن ثابت، وعبد الله بن رواحة، وكعب بن مالك، كانوا يذبون عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه هجاء المشركين‏.‏ وأخرج الفريابي وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس ‏ {‏يتبعهم الغاوون‏} ‏ قال‏:‏ هم الرواة‏.‏ وأخرج البخاري في الأدب وأبو داود في ناسخه عن ابن عباس قال ‏ {‏الشعراء يتبعهم الغاوون‏} ‏ فنسخ من ذلك واستثنى فقال ‏ {‏إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيرا‏ً}‏ ‏. وأخرج ابن مردويه وابن عساكر عن ابن عباس ‏{‏إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيرا‏ً} ‏ قال‏:‏ أبو بكر، وعمر، وعلي، وعبد الله بن رواحة‏. وأخرج أحمد والبخاري في تاريخه وأبو يعلى وابن مردويه عن كعب بن مالك أنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ إن الله قد أنزل في الشعراء ما أنزل فكيف ترى فيه‏؟‏ فقال ‏"‏حديث : إن المؤمن يجاهد بسيفه ولسانه - والذي نفسي بيده - لكأنما بوجههم مثل نضج النبل‏ "‏‏. تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد عن أبي سعيد قال‏:‏ بينما نحن نسير مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ عرض شاعر ينشد فقال النبي صلى الله عليه وسلم‏"حديث : ‏لأن يمتلىء جوف أحدكم قيحاً خير له من أن يمتلىء شعراً ‏"‏‏. تفسير : وأخرج الديلمي عن ابن مسعود مرفوعا‏ً:‏حديث : الشعراء الذين يموتون في الإِسلام يأمرهم الله أن يقولوا شعراً تتغنى به الحور العين لأزواجهن في الجنة، والذين ماتوا في الشرك يدعون بالويل والثبور في النار ‏. تفسير : وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏"حديث : إن من الشعر حكمة قال‏:‏ وأتاه قرظة بن كعب، وعبد الله بن رواحة، وحسان بن ثابت فقالوا‏:‏ إنا نقول الشعر، وقد نزلت هذه الآية‏.‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم اقرأوا ‏{‏والشعراء‏}‏ إلى قوله ‏{‏إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات‏} قال‏:‏ أنتم هم ‏{‏وذكروا الله كثيراً‏} قال‏:‏ أنتم هم ‏{‏وانتصروا من بعد ما ظلموا‏}‏ قال‏: أنتم هم‏ "‏‏. تفسير : وأخرج الفريابي وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عكرمة في قوله ‏{‏والشعراء يتبعهم الغاوون‏} ‏ قال‏:‏ كان الشاعران يتقاولان ليكون لهذا تبع ولهذا تبع‏. وأخرج الفريابي وابن أبي شيبه وعبد بن حميد وابن جرير عن عكرمة ‏ {‏والشعراء يتبعهم الغاوون‏}‏ قال‏:‏ هم عصاة الجن‏.‏ وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة ‏ {‏والشعراء يتبعهم الغاوون‏} ‏ قال‏:‏ الشياطين ‏ {‏ألم تر أنهم في كل وادٍ يهيمون‏}‏ قال‏:‏ يمدحون قوماً بباطل، ويشتمون قوماً بباطل‏. وأخرج الفريابي وابن جرير وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد ‏ {‏والشعراء يتبعهم الغاوون‏} ‏ قال‏:‏ الشياطين ‏{‏ألم تر أنهم في كل وادٍ يهيمون‏} ‏ قال‏:‏ في كل فن يفتنون ‏ {‏إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات‏.‏‏.‏‏.‏‏} ‏ قال‏:‏ عبد الله بن رواحة، وأصحابه‏. وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن قتادة ‏في قوله {‏إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات‏} ‏ قال‏:‏ هذه ثنية الله من الشعراء ومن غيرهم ‏{و‏ذكروا الله كثيراً وانتصروا من بعد ما ظلموا‏}‏ قال‏:‏ في بعض القراءة ‏{‏وانتصروا بمثل ما ظلموا‏}‏ قال‏:‏ نزلت هذه الآية في رهط من الأنصار هاجوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم كعب بن مالك، وعبد الله بن رواحة، وحسان بن ثابت ‏ {‏وسيعلم الذين ظلموا‏} ‏ من الشعراء وغيرهم ‏ {‏أي منقلب ينقلبون‏}‏‏ . وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه في قوله ‏ {‏إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ قال‏:‏ نزلت في عبد الله بن رواحة‏،‏ وفي شعراء الأنصار‏. وأخرج ابن سعد وابن أبي شيبة عن البراء بن عازب رضي الله عنه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لحسان بن ثابت ‏"حديث : ‏اهج المشركين فإن جبريل معك‏‏ "‏‏. تفسير : وأخرج ابن سعد عن البراء بن عازب رضي الله عنه قال‏"حديث : ‏قيل يا رسول الله إن أبا سفيان بن الحرث بن عبد المطلب يهجوك، فقام ابن رواحة، فقال‏:‏ يا رسول الله ائذن لي فيه قال‏:‏ أنت الذي تقول ثبت الله‏؟ قال‏:‏ نعم‏.‏ يا رسول الله قلت‏: شعر : ثبت الله ما أعطاك من حسن تثبيت موسى ونصراً مثل ما نصرا حديث : قال‏: وأنت يفعل الله بك مثل ذلك، ثم وثب كعب فقال‏:‏ يا رسول الله ائذن لي فيه فقال‏: أنت الذي تقول همت‏؟‏ قال‏:‏ نعم يا رسول الله قلت‏: شعر : همت سخينة أن تغالب ربها فليغلبن مغالب الغلاب حديث : قال‏: أما إن الله لم ينس لك ذلك، ثم قام حسان الحسام فقال‏:‏ يا رسول الله ائذن لي فيه، وأخرج لساناً له اسود فقال‏:‏ يا رسول الله ائذن لي فيه فقال‏: اذهب إلى أبي بكر فليحدثك حديث القوم، وأيامهم، وأحسابهم واهجهم وجبريل معك‏ "‏‏. تفسير : وأخرج ابن سعد عن ابن بريدة‏،‏ أن جبريل أعان حسان بن ثابت على مدحته النبي صلى الله عليه وسلم بسبعين بيتا‏ً.‏ وأخرج ابن سعد وأحمد عن أبي هريرة قال‏:‏ مر عمر بحسان وهو ينشد في المسجد فلحظ إليه‏.‏ فنظر إليه فقال‏:‏ قد كنت أنشد فيه، وفيه من هو خير منك‏.‏ فسكت‏.‏ ثم التفت حسان إلى أبي هريرة فقال‏:‏ أنشدك بالله هل سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏"حديث : ‏أجب عني اللهم أيده بروح القدس‏"‏‏تفسير : ؟‏ قال‏:‏ نعم‏. وأخرج ابن سعد عن ابن سيرين قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة وهم في سفر‏"حديث : ‏أين حسان بن ثابت‏؟ فقال‏:‏ لبيك يا رسول الله وسعديك قال‏:‏ أحد‏. فجعل ينشده ويصغي إليه حتى فرغ من نشيده فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لهذا أشد عليهم من وقع النبل‏‏ "‏‏. تفسير : وأخرج ابن عساكر عن حسن بن علي قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏"حديث : ‏لعبد الله بن رواحة: "ما الشعر"؟‏ قال‏:‏ شيء يختلج في صدر الرجل فيخرجه على لسانه شعراً‏ ‏"‏‏. تفسير : وأخرج ابن سعد عن مدرك بن عمارة قال‏:‏ حديث : قال عبد الله بن رواحة‏:‏ قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم‏: كيف تقول الشعر إذا أردت أن تقول - كأنه يتعجب لذاك - ‏!‏ قلت‏:‏ انظر في ذاك ثم أقول‏.‏ قال‏: فعليك بالمشركين ‏.‏ تفسير : وأخرج ابن سعد عن جابر بن عبد الله قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏"‏ حديث : من يحمي أعراض المسلمين فقال عبد الله بن رواحة‏:‏ أنا‏.‏ وقال كعب بن مالك‏:‏ أنا‏.‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ إنك تحسن الشعر‏. وقال حسان بن ثابت‏:‏ أنا‏.‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏: أهجهم فإن روح القدس سيعينك ‏"‏‏. تفسير : وأخرج ابن سعد عن محمد بن سيرين رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ‏"حديث : ‏إذا نصر القوم بسلاحهم أنفسهم فألسنتهم أحق‏.‏ فقام رجل فقال‏:‏ يا رسول الله أنا‏.‏ قال‏: لست هناك. فجلس فقام آخر فقال‏:‏ يا رسول الله أنا‏.‏ فقال بيده معنى اجلس‏.‏ فقام حسان فقال‏:‏ يا رسول الله ما يسرني به مقولاً بين صنعاء وبصرى، وإنك ما سببت قوماً قط بشيء هو أشد عليهم من شيء يعرفونه، فمر بي إلى من يعرف أيامهم وبيوتاتهم حتى أضع لساني، فأمر به إلى أبي بكر ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن سعد عن محمد بن سيرين رضي الله عنه قال‏:‏ حديث : هجا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ثلاثة من كفار قريش:‏ أبو سفيان بن الحرث، وعمرو بن العاص، وابن الزبعري، قال قائل لعلي: أهج عنا هؤلاء القوم الذين قد هجونا فقال علي‏:‏ إن أذن لي رسول الله صلى الله عليه وسلم فعلت‏.‏ فقال‏:‏ الرجل‏:‏ يا رسول الله ائذن لعلي كيما يهجو عنا هؤلاء القوم الذين هجونا فقال‏:‏ ليس هناك. ثم قال للأنصار‏: ما يمنع القوم الذين قد نصروا رسول الله صلى الله عليه وسلم بسلاحهم وأنفسهم أن ينصروه بألسنتهم‏؟‏ فقال حسان بن ثابت‏:‏ أنا لها يا رسول الله، وأخذ بطرف لسانه فقال‏: والله ما يسرني بهم مقولاً بين بصرى وصنعاء فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ وكيف تهجوهم وأنا منهم‏؟ فقال‏:‏ إني أسُلّكَ منهم كما تسل الشعرة من العجين، فكان يهجوهم ثلاثة من الأنصار يجيبونهم‏:‏ حسان بن ثابت، وكعب بن مالك، وعبد الله بن رواحة‏. فكان حسان وكعب يعارضانهم بمثل قولهم بالوقائع، والأيام، والمآثر، ويعيرونهم بالمناقب، وكان ابن رواحة يعيرهم بالكفر وينسبهم إلى الكفر، ويعلم أنه ليس فيهم شيء شراً من الكفر‏.‏ وكانوا في ذلك الزمان أشد القول عليهم قول حسان وكعب، وأهون القول عليهم قول ابن رواحة، فلما أسلموا وفقهوا الإِسلام كان أشد القول عليهم قول ابن رواحة . تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة عن بريدة قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏"حديث : ‏إن من الشعر حكما‏‏ً "‏‏. تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول"حديث : إن من الشعر حكما‏ً "‏‏. تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ‏"حديث : إن من الشعر حكماً، وإن من البيان سحراً‏ "‏‏. تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم عن فضالة بن عبيدة في قوله ‏ {‏وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون‏} ‏ قال‏:‏ هؤلاء الذين يخربون البيت‏. وأخرج أحمد عن أبي أمامة بن سهل حنيف قال‏:‏ سمعت رجلاً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ أتركوا الحبشة ما تركوكم، فإنه لا يستخرج كنز الكعبة إلا ذو السويقتين من الحبشة‏. وأخرج ابن أبي شيبة والحاكم وصححه عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ‏"حديث : ‏يبايع رجل بين الركن والمقام، ولن يستحل هذا البيت إلا أهله، فإذا استحلوه فلا تسأل عن هلكة العرب، ثم تجيء الحبشة فتخربه خراباً لا يعمر بعده أبداً، وهم الذين يستخرجون كنزه‏ "‏‏. تفسير : وأخرج الحاكم وصححه عن عبد الله بن عمرو أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ‏"‏حديث : اتركوا الحبشة ما تركوكم فإنه لا يستخرج كنز الكعبة إلا ذو السويقتين من الحبشة‏‏ "‏‏. تفسير : وأخرج الحاكم وصححه عن عبد الله بن عمرو قال‏:‏ من آخر أمر الكعبة أن الحبشة يغزون البيت، فيتوجه المسلمون نحوهم، فيبعث الله عليهم ريحاً شرقية فلا تدع لله عبداً في قلبه مثقال ذرة من تقى إلا قبضته حتى إذا فرغوا من خيارهم بقي عجاج من الناس‏. وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري ومسلم والنسائي عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ‏"حديث : ‏يخرب الكعبة ذو السويقتين من الحبشة‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة عن علي بن أبي طالب قال كأني أنظر إلى رجل من الحبش‏؛ أصلع، أجمع، حمش الساقين، جالس عليها وهو يهدمها‏. وأخرج ابن أبي شيبة عن عبد الله بن عمرو قال‏:‏ كأني به‏: أصيلع، أفيدع، قائم عليها، يهدمها بمسحاته‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن عائشة قالت‏:‏ كتب أبي في وصيته سطرين بسم الله الرحمن الرحيم‏.‏ هذا ما أوصى به أبو بكر بن أبي قحافة عند خروجه من الدنيا حين يؤمن الكافر، ويتقي الفاجر، ويصدق الكاذب‏.‏ إني استخلفت عليكم عمر بن الخطاب فإن يعدل فذلك ظني به ورجائي فيه، وإن يجر ويبدل فلا أعلم الغيب ‏ {‏وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون‏}‏ ‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة عن عبد الله بن رباح قال‏:‏ كان صفوان بن مجرز إذا قرأ هذه الآية بكى ‏ {‏وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون‏}‏‏ .

ابو السعود

تفسير : {وَٱلشُّعَرَاء يَتَّبِعُهُمُ ٱلْغَاوُونَ} استئنافٌ مسوقٌ لإبطال ما قالُوا في حقِّ القُرآنِ العظيمِ منْ أنَّه من قبـيلِ الشِّعرِ، وأنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم من الشعراء ببـيان حال الشعراء المنافية لحاله عليه الصلاة والسلام بعد إبطالِ ما قالُوا إنَّه من قبـيلِ ما يلقي الشَّياطينُ على الكهنةِ من الأباطيلِ بما مرَّ من بـيانِ أحوالِهم المضادة لأحوالِه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ والمعنى أنَّ الشُّعراءَ يتَّبعُهم أي يُجاريهم ويسلكُ مسلكَهم ويكونُ من جُملتهم الغاوون الضَّالُّون عن السَّنَنِ الحائرون فيما يأتُون وما يَذَرُون لا يستمرُّون على وَتيرةٍ واحدةٍ في الأفعالِ والأقوالِ والأحوالِ لا غيرُهم من أهلِ الرُّشدِ المهتدينَ إلى طريقِ الحقِّ الثَّابتينِ عليهِ.

القشيري

تفسير : لمَّا ذَكَرَ الوحيَ وما يأتي به الملائكةُ من قِبَلِ الله ذكر ما يوسوس به الشياطينُ إلى أوليائه، وألَحْقَ بهم الشعراءَ الذين في الباطل يهيمون، وفي أعراض الناس يقعون، وفي التشبيهات - عن حدِّ الاستقامة - يخرجون، ويَعِدُون من أنفسهم بما لا يُوفُون، وسبيلَ الكذبِ يسلكون.

اسماعيل حقي

تفسير : {والشعراء يتبعهم الغاوون} يعنى ليس القرآن بشعر ولا محمد بشاعر لان الشعراء يتبعهم الضالون والسفهاء واتباع محمد ليسوا كذلك بل هم الراشدون المراجيح الرزان وكان شعراء الكفار يهجون رسول الله واصحابه ويعيبون الاسلام فيتبعهم سفهاء العرب حيث كانوا يحفظون هجاءهم وينشدون فى المجالس ويضحكون. ومن لواحق هذا المعنى ما قال ابن الخطيب فى روضته ذهب جماعة من الشعراء الى خليفة وتبعهم طفيلى فلما دخلوا على الخليفة قرأوا قصائدهم واحدا بعد واحد واخذوا العطاء فبقى الطفيلى متحيرا فقيل له اقرأ شعرك قال لست انا بشاعر وانما انا رجل ضال كما قال الله تعالى {والشعراء يتبعهم الغاوون} فضحك الخليفة كثيرا فامر له بانعام. وقال بعضهم معنى الآية ان الشعراء تسلك مسلكهم وتكون من جملتهم الضالون عن سنن الحق لاغيرهم من اهل الرشد. وفى التأويلات النجمية يشير لى ان الشعراء بحسب مقاماتهم ومطرح نظرهم ومنشأ قصدهم ونياتهم اذا سلكوا على اقدام التفكر مفاوز التذكر فى طلب المعانى ونظمها وترتيب عروضها وقوافيها وتدبير تجنيسها واساليبها تتبعهم الشياطين بالاغواء والاضلال ويوقعونهم فى الاباطيل والاكاذيب. قال فى المفردات شعرت اصبت الشعر ومنه استعير شعرت كذا اى علمته فى الدقة كاصابة الشعر. قيل وسمى الشاعر شاعرا لفطنته ودقة معرفته فالشعر فى الاصل اسم للعلم الدقيق فى قولهم ليت شعرى وصار فى التعارف اسما للموزون المقفى من الكلام والشاعر المختص بصناعته وقوله تعالى {أية : بل افتراه بل هو شاعر}تفسير : حمله كثير من المفسرين على انهم رموه بكونه آتيا بشعر منظوم مقفى حتى تأولوا ما جاء فى القرآن من كل لفظ يشبه الموزون من نحو وجفان كالجوابى وقدور راسيات. وقال بعض المحصلين لم يقصدوا هذا المقصد فيما رموه به وذلك انه ظاهر من هذا الكلام انه ليس على اساليب الشعر ولايخفى ذلك على الاغتام من العجم فضلا عن بلغاء العرب وانما رموه بالكذب فان الشعر يعبر به عن الكذب والشاعر الكاذب حتى سمى قوم الادلة الكاذبة شعرا ولهذا قال تعالى فى وصف عامة الشعراء {والشعراء يتبعهم الغاوون} الى آخر السورة انتهى. قال الامام المرزوقى شارح الحماسة تأخر الشعراء عن البلغاء لتأخر المنظوم عند العرب لان ملوكهم قبل الاسلام وبعده يتبجحون بالخطابة ويعدونها اكمل اسباب الرياسة ويعدون الشعر دناءة لان الشعر كان مكسبة وتجارة وفيه وصف اللئيم عند الطمع بصفة الكريم والكريم عند تأخر صلته بوصف اللئيم ومما يدل على شرف النثر ان الاعجاز وقع فى النثر دون النظم لان زمن النبى عليه السلام زمن فصاحة

الجنابذي

تفسير : {وَٱلشُّعَرَآءُ} جمع الشّاعر والشّاعر من شعر به كنصر وكرم شعراً بالكسر وشعرا بالفتح علم به وفطن له وعقله، ولمّا كان الشّاعر الآتى بالكلام الموزون سريع التّفطّن بالالفاظ المتناسبة المتناسقة والمعانى الدّقيقة غلّب فى العرف اسم الشّعر على كلامه الموزون؛ واسم الشّاعر عليه، ولمّا كان الاغلب انّ الشّعراء يظهرون الاباطيل والاكاذيب بصورة الحقّ بتمويهاتٍ وتزييناتٍ نقل عن الشّعر والشّاعر اسم الشّعر والشّاعر الى كلام باطل مموّه ظاهر بصورة الحقّ والى قائله، ومنه القياسات الشّعريّة للقياسات الوهميّة الباطلة المموّهة الظّاهرة بصورة القياس الحقّ الصّادق، ولمّا كان القرآن ذا وجوهٍ بحسب طبقات النّاس ويراد منه كلّ وجوهه بحسب طبقات النّاس والمراد بالحمل على احسن الوجوه كما مضى فى المقدّمات الحمل على أحسن الوجوه الاضافىّ صحّ تفسير قوله تعالى: {وَٱلشُّعَرَآءُ يَتَّبِعُهُمُ ٱلْغَاوُونَ} بالّذين يأتون بالكلام المنظوم كما نقل انّ المراد شعراء العرب كانوا يأتون بالكذب والاباطيل وكانوا يهجون النّبىّ (ص) وكان جمع من الغاوين يجتمعون اليهم ويستمعون كلامهم وذكروا اسماءهم وعددهم، وصحّ تفسيره بالقصّاص الّذين كانوا فى الاسواق والمحافل ينقلون الحكايات والاسمار الّتى لا اصل لها ولا حقيقة، وصحّ تفسيره بالوعّاظ الّذين يعظون ولا يتّعظون، وبالفقهاء والقضاة الّذين يفتون ويقضون بين النّاس من غير اذنٍ واجازة من الله او من خلفائه كفقهاء العامّة وقضاتهم فانّهم ايضاً يقولون ولا يفعلون ما يقولون، وعن الصّادق (ع) هم القصّاص، وعنه (ع): هم قوم تعلّموا وتفقّهوا بغير علم فضلّوا واضلّوا، وعنه (ع) نزلت فى الّذين غيّروا دين الله وخالفوا امر الله، هل رأيت شاعراً قطّ يتّبعه احدٌ؟! انّما عنى بذلك الّذين وضعوا ديناً بآرائهم فتبعهم على ذلك النّاس، وعن الباقر (ع): هل رأيت شاعراً يتّبعه احدٌ؟! انّما هم قوم تفقّهوا لغير الله فضلّوا واضلّوا.

اطفيش

تفسير : {وَالشُّعَرَآءُ} وقرأ عيسى بن عمرو بالنصب على الاشتغال. {يَتَّبِعُهُمُ الغَاوُونَ} واتباع محمد ليسوا، لغواة فليس محمد شاعرا وقريء {يتبعهم} بتشديد التاء وكسر الباء وضم العين وقريء بالتخفيف وإسكان العين مع فتح الباء وزعم بعضهم أن هذه قراءة نافع ووجه الاسكان التشبيه بجواب الشرط أو تشبيه الباء والعين والهاء بعضد فسكنت العين كما تسكن ضاد عضد تخفيفا، والمراد بالشعراء شعراء المشركين الذين يهجون رسول الله صلى الله عليه وسلم كعبدالله بن الزبعري السهمي وهبيرة بن وهب المحزمي ومسافع بن عبدمناف وأبي عزة بن عبدالله الحجمي وامية بن أبي الصلت الثقفي يقولون الشعر ويقولون نحن نقول كما يقول محمد ويهجونه وأصحابه والذين يتبعهم الموصوفون بالغواية هم الأعراب الذين يجتمعون اليهم من قومهم يستمعون أشعارهم وأماجيهم ويروونها عنهم قاله عكرمة: وقال ابن عباس المتحسنون لاشعارهم المصاحبون لهم وعن عكرمة السفهاء الضالون وقيل الشياطين ويدخل في ذلك بالمعنى كل من يقول شعرا في ذم من لا يستحق أو مدح من لا يستحق أو القذف أو نحوه من المعاصي وكل من يستحسنه ويحضره أو يرويه إبقاء لمعناه وقيل: إن رجلين من الأنصار تهاجا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم مع كل منهما رغواة من قومه فنزلت الآية.

اطفيش

تفسير : {والشعراءُ} الهاجون بشعرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، كبعد الله بن الزبعرى السهمى، وهبيرة بن وهب المخزومى، ومسافع بن عبد مناف، وأبى عمرو بن عبد الله الجمحى، وأميه بن أبى الصلت الثقفى، وروى أن رجلين تهاجيا وأحدهما من الأنصار، ومع كل واحد غواه قومه، فنزلت الآية، قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحاً خير من أن يمتلئ شعراً"تفسير : {يتَّبعُهم الغَاوُون} الضالون عن الصواب، ومن ضلالهم رواية شعر الشعراء، والابتهاج به، واستحسانه، ولو كان باطلا، وإن لم يروه. وقيل: الشياطين ولا بأس بروايته لتعلم العربية، فليس القرآن شعراً كما تزعمون، ولا رسول الله صلى الله عليه وسلم شاعراً ولا تابعاً لشاعر، ولا أتباعه غاوون، وهو أبعد الناس عن الشعر، ولا يقدر أن يحكم بيتاً واحداً عن غيره موزوناً، وما كان فى القرآن موزوناً فقد علم الله به، وأنزله على أن يقرأ نثراً، ولا يتفطن له صلى الله عليه وسلم كقوله تعالى: "أية : ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين"تفسير : [التوبة: 14] كبيت من الوافر، وقوله تعالى: "أية : ولا تقتلوا النفس التى حرم الله"تفسير : [الأنعام: 151، الإسراء: 33] كشطر بيت من الطويل، وقوله عز وجل: "أية : إنَّ قارون كان من قوم موسى"تفسير : [القصص: 76] كشطر بيت من الخفيف، وقوله سبحانه: {فأصبحوا لا تُرى إلا مساكنهم} كشطر بيت من البسيط، وقوله عز وجل: "أية : ألا بعداً لعاد قوم هود"تفسير : [هود: 60] كشطر بيت من الوافر، وقوله تبارك وتعالى: "أية : صلوا عليه وسلموا تسليماً" تفسير : [الأحزاب: 56] كشطر بيت من الكامل، وليس قول المشركين إنه شاعر قصداً لهذه الآيات، بل كان بهتاً وتشبيها فى دقة المعنى، أو فى تخيل الشىء فى كلام الشعراء بلا تحقق، ويزعمون ان القرآن مخيل وأوهام. وروى: أن عائشة كانت فى عرس، ولما رجعت قال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : هل قلت شيئاً؟" تفسير : قالت: نعم. قلت: شعر : أتيناكم أتيناكم فحيونا نحييكم ولولا العجوة السوداء لما كنا بواديكم تفسير : فقال صلى الله عليه وسلم هلا قلت: شعر : ولولا طاعة الرحمن لما كنا بواديكم تفسير : يقرؤه نثراً.

الالوسي

تفسير : وقوله تعالى: {وَٱلشُّعَرَاء يَتَّبِعُهُمُ ٱلْغَاوُونَ } مسوق لتنزيهه عليه الصلاة والسلام أيضاً عن أن يكون وحاشاه من الشعراء وإبطال زعم الكفرة أن القرآن من قبيل الشعر. والمتبادر منه الكلام المنظوم المقفى ولذلك قال كثير من المفسرين: إنهم رموه عليه الصلاة والسلام بكونه آتياً بشعر منظوم مقفى حتى تأولوا عليه ما جاء في القرآن مما يكون موزوناً بأدنى تصرف كقوله تعالى: {أية : وَلاَ تَقْتُلُواْ ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِى حَرَّمَ ٱللَّهُ } تفسير : [الإسراء: 33] ويكون بهذا الاعتبار شطراً من الطويل وكقوله سبحانه: {أية : إِنَّ قَـٰرُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَىٰ } تفسير : [القصص: 76] ويكون من المديد، وكقوله عز وجل: {أية : فَأْصْبَحُواْ لاَ يُرَىٰ إِلاَّ مَسَـٰكِنُهُمْ } تفسير : [الأحقاف: 25] ويكون من البسيط، وقوله تبارك وتعالى: {أية : أَلاَ بُعْدًا لّعَادٍ قَوْمِ هُودٍ } تفسير : [هود: 60] ويكون من الوافر، وقوله جل وعلا: {أية : صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلّمُواْ تَسْلِيماً } تفسير : [الأحزاب: 56] ويكون من الكامل إلى غير ذلك مما استخرجوه منه من سائر البحور، وقد استخرجوا منه ما يشبه البيت التام كقوله تعالى: {أية : وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ } تفسير : [التوبة: 14]. وتعقب ذلك بأنهم لم يقصدوا هذا المقصد فيما رموه به صلى الله عليه وسلم إذ لا يخفى على الأغبياء من العجم فضلاً عن بلغاء العرب أن القرآن الذي جاء به صلى الله عليه وسلم ليس على أساليب الشعر وهم ما قالوا فيه عليه الصلاة والسلام شاعر إلا لما جاءهم بالقرآن واستخراج ما ذكر ونحوه منه ليس إلا لمزيد فصاحته وسلاسته ولم يؤت به لقصد النظم. ولو اعتبر في كون الكلام شعراً إمكان استخراج كلام منظوم منه لكان كثير من الأطفال شعراء فإن كثيراً / من كلامهم يمكن فيه ذلك، والظاهر أنهم إنما قصدوا رميه صلى الله عليه وسلم بأنه وحاشاه ثم حاشاه يأتي بكلام مخيل لا حقيقة له، ولما كان ذلك غالباً في الشعراء الذين يأتون بالمنظوم من الكلام عبروا عنه عليه الصلاة والسلام بشاعر وعما جاء به بالشعر، ومعنى الآية والشعراء يجاريهم ويسلك مسلكهم ويكون من جملتهم الغاوون الضالون عن السنن الحائرون فيما يأتون ومايذرون ولا يستمرون على وتيرة واحدة في الأفعال والأقوال والأحوال لا غيرهم من أهل الرشد المهتدين إلى طريق الحق الثابتين عليه، والحصر مستفاد من بناء {يَتَّبِعُهُمُ } الخ على الشعراء عند الزمخشري كما قرره في تفسير قوله تعالى: {أية : ٱللَّهُ يَسْتَهْزِىء بِهِمْ} تفسير : [البقرة: 15] وقوله سبحانه: {أية : وَٱللَّهُ يُقَدّرُ ٱلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ } تفسير : [المزمل: 20] ومن لا يرى الحصر في مثل هذا التركيب يأخذه من الوصف المناسب أعني أن الغواية جعلت علة للاتباع فإذا انتفت انتفى وقوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِى كُلّ وَادٍ يَهِيمُونَ} استشهاد على أن الشعراء إنما يتبعهم الغاوون وتقرير له. والخطاب لكل من تتأتى منه الرؤية للإشارة إلى أن حالهم من الجلاء والظهور بحيث لا يختص برؤيته راء دون راء. وضمير الجمع للشعراء أي ألم تر أن الشعراء في كل واد من أودية القيل والقال وفي كل شعب من شعاب الوهم والخيال وفي كل مسلك من مسالك الغي والضلال يهيمون على وجوههم لا يهتدون إلى سبيل معين من السبل بل يتحيرون في سباسب الغواية والسفاهة ويتيهون في تيه الصلف والوقاحة ديدنهم تمزيق الأعراض المحمية والقدح في الأنساب الطاهرة السنية والنسيب بالحرم والغزل والابتهار والتردد بين طرفي الإفراط والتفريط في المدح والهجاء.

ابن عاشور

تفسير : كان مما حوته كِنانةُ بهتان المشركين أن قالوا في النبي صلى الله عليه وسلم هو شاعر، فلما نَثلَتْ الآيات السابقة سِهام كنانتهم وكسرتها وكان منها قولهم: هو كاهن، لم يبق إلا إبطالُ قولهم: هو شاعر، وكان بين الكهانة والشعر جامع في خيال المشركين إذ كانوا يزعمون أن للشاعر شيطاناً يملي عليه الشعر وربما سموه الرَّئِيّ، فناسب أن يقارَن بين تزييف قولهم في القرآن: هو شعر، وقولهم في النبي صلى الله عليه وسلم هو شاعر، وبين قولهم: هو قول كاهن، كما قرن بينهما في قوله تعالى: {أية : وما هو بقول شاعِر قليلاً ما تُؤمنون ولا بقولِ كاهن قليلاً ما تذّكّرون}تفسير : [الحاقة: 41، 42]؛ فعُطف هنا قوله: {والشعراء يتبعهم الغاون} على جملة: {أية : تنزل على كل أفّاك أثيم}تفسير : [الشعراء: 222]. ولمّا كان حال الشعراء في نفس الأمر مخالفاً لحال الكهان إذ لم يكن لملكة الشعر اتصال مّا بالنفوس الشيطانية وإنما كان ادعاء ذلك من اختلاق بعض الشعراء أشاعوه بين عامة العرب، اقتصرت الآية على نفي أن يكون الرسول شاعراً، وأن يكون القرآنُ شعراً. دون تعرض إلى أنه تنزيل الشياطين كما جاء في ذكر الكهانة. وقد كان نفر من الشعراء بمكة يهجون النبي صلى الله عليه وسلم وكان المشركون يُعْنَون بمجالسهم وسماعِ أقوالهم ويجتمع إليهم الأعراب خارج مكة يستمعون أشعارهم وأهاجيَهم، أدمجت الآية حال من يتَّبع الشعراء بحالهم تشويهاً للفريقين وتنفيراً منهما. ومن هؤلاء: النضْر بن الحارث، وهبيرة بن أبي وهب ومُسافع بن عبد مناف، وأبو عَزة الجمحِي، وابن الزِّبَعْرَى، وأميةُ بن أبي الصَّلْت، وأبو سفيان ابن الحارث، وأمُّ جميل العوراء بنت حرب زوجُ أبي لهب التي لَقبها القرآن: {أية : حمَّالة الحطب}تفسير : [المسد: 4] وكانت شاعرة وهي التي قالت:شعر : مُذَمَّماً عَصَيْنا وأمرَه أبينا ودينَه قَلَيْنَا تفسير : فكانت هذه الآية نفياً للشعر أن يكون من خُلُق النبي صلى الله عليه وسلم وذماً للشعراء الذين تصدوا لهجائه. فقوله: {يتبعهم الغاوون} ذمّ لأتباعهم وهو يقتضي ذم المتبوعين بالأحرى. والغاوي: المتصف بالغي والغواية، وهي الضلالة الشديدة، أي يتبعهم أهل الضلالة والبطالة الراغبون في الفسق والأذى. فقوله: {يتبعهم الغاوون} خبر، وفيه كناية عن تنزيه النبي صلى الله عليه وسلم أن يكون منهم فإن أتباعه خيرة قومهم وليس فيهم أحد من الغاوين، فقد اشتملت هذه الجملة على تنزيه النبي صلى الله عليه وسلم وتنزيه أصحابه وعلى ذم الشعراء وذمّ أتباعهم وتنزيه القرآن عن أن يكون شعراً. وتقديمُ المسند إليه على المسند الفعلي هنا يظهر أنه لمجرد التقوّي والاهتمام بالمسند إليه للفت السمع إليه والمقام مستغن عن الحصر لأنه إذا كانوا يتبعهم الغاوون فقد انتفى أتباعهم عن الصالحين لأن شأن المجالس أن يتحد أصحابها في النزعة كما قيل:شعر : عن المرء لا تَسْألْ وسَلْ عن قرينه تفسير : وجعله في «الكشاف» للحصر، أي لا يتبعهم إلاّ الغاوون، لأنه أصرح في نفي اتِّباع الشعراء عن المسلمين. وهذه طريقتُهُ باطراد في تقديم المسند إليه على الخبر الفعلي أنه يفيد تخصيصه بالخبر، أي قصْر مضمون الخبر عليه، أي فهو قصر إضافي كما تقدم بيانه عند قوله تعالى: {أية : الله يستهزىء بهم} تفسير : في سورة البقرة (15). والرؤية في {ألم تر} قلبية لأن الهُيام والوادي مستعاران لمعاني اضطراب القول في أغراض الشعر وذلك مما يُعلم لا مما يُرى. والاستفهام تقريري، وأجري التقرير على نفي الرؤية لإظهار أن الإقرار لا محيد عنه كما تقدم في قوله: {أية : قال ألم نُربِّك فينا وليداً}تفسير : [الشعراء: 18]، والخطاب لغير معين. وضمائر (إنهم و يهيمون و يقولون و يفعلون) عائدة إلى الشعراء. فجملة: {ألم تر أنهم في كل واد يهيمون} وما عطف عليها مؤكدة لما اقتضته جملة: {يتبعهم الغاوون} من ذم الشعراء بطريق فحوى الخطاب. ومثلت حال الشعراء بحال الهائمين في أودية كثيرة مختلفة لأن الشعراء يقولون في فنون من الشعر من هجاء واعتداء على أعراض الناس، ومن نسيب وتشبيب بالنساء، ومدح من يمدحُونه رغبة في عطائه وإن كان لا يستحق المدح، وذمِّ من يمنعهم وإن كان من أهل الفضل، وربما ذمّوا من كانوا يمدحونه ومدحوا من سَبق لهم ذمه. والهيام: هو الحيرة والتردد في المرعى. والوادُ: المنخفض بين عُدوتين. وإنما ترعى الإبل الأودية إذا أقحلت الرُبى، والربى أجود كلأ، فمُثّل حال الشعراء بحال الإبل الراعية في الأودية متحيرة، لأن الشعراء في حرص على القول لاختلاب النفوس. و{كل} مستعمل في الكثرة. رُوي أنه اندسّ بعض المزَّاحين في زمرة الشعراء عند بعض الخلفاء فعرف الحَاجب الشعراء، وأنكر هذا الذي اندسّ فيهم، فقال له: هؤلاء الشعراء وأنتَ من الشعراء؟ قال: بل أنا من الغاوين، فاستطرفها. وشفَّع مذمتهم هذه بمذمة الكذب فقال: {وأنهم يقولون ما لا يفعلون}، والعرب يتمادحون بالصدق ويعيرون بالكذب، والشاعر يقول ما لا يعتقد وما يخالف الواقع حتى قيل: أحسن الشعر أكذبه، والكذب مذموم في الدين الإسلامي فإن كان الشعر كذباً لا قرينة على مراد صاحبه فهو قبيح، وإن كان عليه قرينة كان كذباً معتذَراً عنه فكان غير محمود. وفي هذا إبداء للبَون الشاسع بين حال الشعراء وحال النبي صلى الله عليه وسلم الذي كان لا يقول إلا حقاً ولا يصانع ولا يأتي بما يضلّل الأفهام. ومن اللطائف أن الفرزدق أنشد عند سليمان بن عبد الملك قوله:شعر : فبِتْن بجانبيَّ مصرَّعاتٍ وبتُّ أفضّ أغلاق الختام تفسير : فقال سليمان: قد وجب عليك الحد. فقال: يا أمير المؤمنين قد دَرَأ الله عَني الحد بقوله: {وأنهم يقولون ما لا يفعلون}. وروي أن النعمان بن عدي بن نضلة كان عاملاً لعمر بن الخطاب فقال شعراً:شعر : مَن مُبلِغُ الحسناءِ أن حليلها بميسان يُسقى في زُجاج وحنتم تفسير : إلى أن قال:شعر : لعل أميرَ المؤمنين يسوءه تنادُمُنا بالجَوْسَقِ المتهدم تفسير : فبلغ ذلك عمرَ فأرسل إليه بالقُدوم عليه وقال له: أي والله إني ليسوءني ذلك وقد وجب عليك الحدّ، فقال: يا أمير المؤمنين ما فعلتُ شيئاً مما قلتُ وإنما كان فضلةً من القول، وقد قال الله تعالى: {وأنهم يقولون ما لا يفعلون} فقال له عمر: أمّا عذرك فقد درأ عنك الحد ولكن لا تعمل لي عملاً أبداً وقد قلتَ ما قلت. وقد كُني باتباع الغاوين إياهم عن كونهم غاوين، وأفيد بتفظيع تمثيلهم بالإبل الهائمة تشويه حالتهم، وأن ذلك من أجل الشعر كما يؤذن به إناطة الخبر بالمشتق، فاقتضى ذلك أن الشعر منظور إليه في الدين بعين الغضّ منه، واستثناء {إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات} الخ... من عموم الشعراء، أي من حكم ذمّهم. وبهذا الاستثناء تعيّن أن المذمومين هم شعراء المشركين الذين شغلهم الشعر عن سماع القرآن والدخول في الإسلام. ومعنى: {وذكروا الله كثيراً} إي كان إقبالهم على القرآن والعبادة أكثر من إقبالهم على الشعر. {وانتصروا من بعد ما ظلموا} وهم مَن أسلموا من الشعراء وقالوا الشعر في هجاء المشركين والانتصارِ للنبيء صلى الله عليه وسلم مثل الذين أسلموا وهاجروا إلى الحبشة، فقد قالوا شعراً كثيراً في ذم المشركين. وكذلك من أسلموا من الأنصار كعبد الله بن رَواحة، وحسانَ بن ثابت ومن أسلم بعدُ من العرب مثل لَبيد، وكعب بن زهير، وسُحيم عبد بني الحسحاس، وليس ذكر المؤمنين من الشعراء بمقتضي كون بعض السُّورة مدنيّاً كما تقدم في الكلام على ذلك أول السورة. وقد دلت الآية على أن للشعر حالتين: حالة مذمومة، وحالة مأذونة، فتعين أن ذمه ليس لكونه شعراً ولكن لما حفّ به من معان وأحوال اقتضت المذمة، فانفتح بالآية للشعر بابُ قبول ومدح فحقّ على أهل النظر ضبط الأحوال التي تأوي إلى جانب قبوله أو إلى جانب مدحه، والتي تأوي إلى جانب رفضه. وقد أومأ إلى الحالة الممدوحة قوله: {وانتصروا من بعد ما ظلموا}، وإلى الحالة المأذونة قوله: {وعملوا الصالحات}. وكيف وقد أثنى النبي صلى الله عليه وسلم على بعض الشعر مما فيه محامد الخصال واستنصتَ أصحابُه لشعر كعب بن زهير مما فيه دقة صفات الرواحل الفارهة، على أنهحديث : أذِن لحسان في مهاجاة المشركين وقال له: «كلامك أشد عليهم من وقع النبل..» وقال له: «قل ومعك روح القدس»تفسير : . وسيأتي شيء من هذا عند قوله تعالى: {أية : وما علمناه الشعر وما ينبغي له}تفسير : في سورة يس (69). حديث : وأجاز عليه كما أجاز كعبَ بن زهير فخلع عليه بردتهتفسير : ، فتلك حالة مقبولة لأنه جاء مؤمناً. حديث : وقال أبو هريرة: سمعت رسول الله يقول على المنبر: أصدَقُ كلمةٍ، أو أشْعَر كلمة قالتها العرب كلمةُ لبيد: * ألا كُلُّ شيء ما خلا الله باطل * وكان يستنشد شعر أمية بن أبي الصلت لما فيه من الحكمة وقال: كاد أميةُ أن يُسلم، وأمر حسّاناً بهجاء المشركين وقال له: قُل ومعك رُوح القدس. وقال لكعبِ بن مالك: لكلامُك أشد عليهم من وقْع النبْلتفسير : . روى أبو بكر ابن العربي في (أحكام القرآن) بسنده إلى حديث : خُريم بن أوس بن حارثة أنه قال: هاجرت إلى رسول الله بالمدينة منصرَفَه من تبوك فسمعت العباس قال: يا رسول الله إني أريد أن أمتدحك. فقال: قُل لا يفضُض الله فاك. فقال العباس: * من قبلِها طبتَ في الظلال وفي * مُستَوْدَع حيثُ يخصف الوَرق* الأبيات السبعة. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم«لا يفضض الله فاك»تفسير : . وروى الترمذي عن أنسحديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل مكة في عمرة القضاء وعبدُ الله بن رواحة يمشي بين يديه يقول: * خَلُّوا بني الكفار عن سبيله * اليومَ نضربكم على تنزيله * ضَرباً يُزيل الهامَ عن مقيله * ويُذهل الخليلَ عن خليله * فقال له عُمر: يا ابن رواحة في حرم الله وبين يدي رسول الله تقول الشعر فقال له النبي صلى الله عليه وسلم «خَلِّ عنه يا عمر فإنه أسرع فيهم من نَضْح النبْل»تفسير : . وعن الزهري حديث : أن كعب بن مالك قال: يا رسول الله ما تقول في الشعر؟ قال: «إن المؤمن يجاهد بسيفه ولسانه، والذي نفسي بيده لكأنما تنضحونهم بالنبل»تفسير : . ولعلي بن أبي طالب شعر كثير، وكثير منه غير صحيح النسبة إليه. وقد بين القرطبي في «تفسيره» في هذه السورة وفي سورة النور القول في التفرقة بين حالي الشعر. وكذلك الشيخ عبد القاهر الجرجاني في أول كتاب «دلائل الإعجاز». ووجب أن يكون النظر في معاني الشعر وحال الشاعر، ولم يزل العلماء يعنَون بشعر العَرب ومَن بعدهم، وفي ذلك الشعر تحبيب لفصاحة العربية وبلاغتها وهو آيل إلى غرض شرعي من إدراك بلاغة القرآن. ومعنى: {من بعد ما ظلموا} أي من بعد ما ظلمهم المشركون بالشتم والهجاء. {ظُلِمُواْ وَسَيَعْلَمْ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوۤاْ أَىَّ مُنقَلَبٍ}. ناسب ذكر الظلم أن ينتقل منه إلى وعيد الظالمين وهم المشركون الذين ظلموا المسلمين بالأذى والشتم بأقوالهم وأشعارهم. وجُعلت هذه الآية في موقع التذييل فاقتضت العموم في مسمى الظلم الشامل للكفر وهو ظلم المرء نفسه وللمعاصي القاصرة على النفس كذلك، وللاعتداء على حقوق الناس. وقد تلاها أبو بكر في عهده إلى عمر بالخلافة بعده، والواو اعتراضية للاستئناف. وهذه الآية تحذير عن غمص الحقوق وحثّ عن استقصاء الجهد في النصح للأمة وهي ناطقة بأهيب موعظة وأهول وعيد لمن تدبرها لما اشتملت عليه من حرف التنفيس المؤذن بالاقتراب، ومن اسم الموصول المؤذن بأن سوء المنقلب يترقب الظالمين لأجل ظلمهم، ومن الإبهام في قوله: {أي منقلب ينقلبون} إذ ترك تبيينه بعقاب معيّن لتذهل نفوس المُوعَدِين في كل مذهب ممكن من هول المنقلب وهو على الإجمال منقلَب سوء. والمنقلب: مصدر ميمي من الانقلاب وهو المصير والمآلُ، لأن الانقلاب هو الرجوع. وفعل العلم معلق عن العمل بوجود اسم الاستفهام بعده. واسم الاستفهام في موضع نصب بالنيابة عن المفعول المطلق الذي أضيف هو إليه. قال في «الكشاف»: وكان السلف الصالح يتواعظون بها ويتناذرون شدتها.

الشنقيطي

تفسير : الشعراء: جمع شاعر كجاهل وجهلاء، وعالم وعلماء، والغاوون: جمع غاو وهو الضال، وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة {يَتَّبِعُهُمُ ٱلْغَاوُونَ} يدل على أن اتباع الشعراء من أتباع الشيطان بدليل قوله تعالى: {أية : إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلاَّ مَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلْغَاوِينَ} تفسير : [الحجر: 42] وقرأ هذا الحرف نافع وحده: يتبعهم بسكون التاء المثناة، وفتح الباء الموحدة، وقرأه الباقون يتبعهم بتشديد المثناة، وكسر الموحدة ومعناهما واحد. وما ذكره تعالى في هذه الآية الكريمة في قوله: {وَٱلشُّعَرَآءُ يَتَّبِعُهُمُ ٱلْغَاوُونَ} يدل على تكذيب الكفار في دعواهم، أن النبي صلى الله عليه وسلم شاعر، لأن الذين يتبعهم الغاوون لا يمكن أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم منهم. ويوضح هذا المعنى ما جاء من الآيات مبيناً أنهم ادعوا عليه صلى الله عليه وسلم أنه شاعر وتكذيب الله لهم في ذلك، أما دعواهم أنه صلى الله عليه وسلم شاعر، فقد ذكره تعالى في قوله عنهم: {أية : بَلْ قَالُوۤاْ أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ بَلِ ٱفْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ} تفسير : [الأنبياء: 5] الآية، وقوله تعالى: {أية : وَيَقُولُونَ أَإِنَّا لَتَارِكُوۤ آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَّجْنُونٍ} تفسير : [الصافات: 36] وقوله تعالى: {أية : أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَّتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ ٱلْمَنُونِ} تفسير : [الطور: 30] وأما تكذيب الله لهم في ذلك، فقد ذكره في قوله تعالى: {أية : وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلاً مَّا تُؤْمِنُونَ} تفسير : [الحاقة: 41] الآية، وقوله تعالى: {أية : وَمَا عَلَّمْنَاهُ ٱلشِّعْرَ وَمَا يَنبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُّبِينٌ} تفسير : [يس: 69]، وقوله تعالى: {أية : وَيَقُولُونَ أَإِنَّا لَتَارِكُوۤ آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَّجْنُونٍ بَلْ جَآءَ بِٱلْحَقِّ وَصَدَّقَ ٱلْمُرْسَلِينَ} تفسير : [الصافات: 36ـ37]، لأن قوله تعالى: {بَلْ جَآءَ بِٱلْحَقّ} الآية. تكذيب لهم في قولهم إنه: {لِشَاعِرٍ مَّجْنُونٍ}. مسألتان تتعلقان بهذه الآية الكريمة المسألة الأولى: اعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم ثبت عنه أنه قال: "حديث : لأن يمتلئ جوف رجل قيحاً يريه خير له من أن يمتلئ شعراً" تفسير : رواه الشيخان في صحيحيهما من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وقوله في الحديث، يريه بفتح المثناة التحتية وكسر الراء بعدها ياء، مضارع ورى القيح جوفه، يريه، وريا إذا أكله وأفسده، والأظهر أن أصل وراه أصاب رئته بالإفساد. واعلم أن التحقيق الذي لا ينبغي العدول عنه أن الشعر كلام حسنه حسن، وقبيحه قبيح. ومن الأدلة القرآنية على ذلك أنه تعالى لما ذم الشعراء بقوله: {أية : وَٱلشُّعَرَآءُ يَتَّبِعُهُمُ ٱلْغَاوُونَ أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لاَ يَفْعَلُونَ} تفسير : [الشعراء: 224ـ226] استثنى من ذلك الذين آمنوا وعملوا الصالحات في قوله: {أية : إِلاَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ وَذَكَرُواْ ٱللَّهَ كَثِيراً} تفسير : [الشعراء: 227] الآية. وبما ذكرنا تعلم أن التحقيق أن الحديث الصحيح المصرح بأن امتلاء الجوف من القيح المفسد له خير من امتلائه من الشعر، محمول على من أقبل على الشعر، واشتغل به عن الذكر، وتلاوة القرآن، وطاعة الله تعالى، وعلى الشعر القبيح المتضمن للكذب، والباطل كذكر الخمر ومحاسن النساء الأجنبيات ونحو ذلك. المسألة الثانية: اعلم أن العلماء اختلفوا في الشاعر إذا اعترف في شعره بما يستوجب حداً، هل يقام عليه الحد؟ على قولين: أحدهما: أنه يقام عليه لأنه أقر به والإقرار تثبت به الحدود. والثاني: أنه لا يحد بإقراره في الشعر لأن كذب الشاعر في شعره أمر معروف معتاد واقع لا نزاع فيه. قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: أظهر القولين عندي: أن الشاعر إذا أقر في شعره بما يستوجب الحد، لا يقام عليه الحد، لأن الله جل وعلا صرح هنا بكذبهم في شعرهم في قوله: {أية : وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لاَ يَفْعَلُونَ} تفسير : [الشعراء: 226] فهذه الآية الكريمة تدرأ عنهم الحد، ولكن الأظهر أنه إن أقر بذلك استوجب بإقراره به الملام والتأديب وإن كان لا يحد به، كما ذكره جماعة من أهل الأخبار في قصة عمر بن الخطاب رضي الله عنه المشهورة مع النعمان بن عدي بن نضلة. قال ابن كثير رحمه الله في تفسير هذه الآية الكريمة وقد ذكر محمد بن إسحاق، ومحمد بن سعد في الطبقات، والزبير بن بكار في كتاب الفكاهة: أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه استعمل النعمان بن عدي بن نضلة على ميسان من أرض البصرة، وكان يقول الشعر فقال: شعر : ألا هل أتى الحسناء أن حليلها بميسان يسقى في زجاج وحنتم إذا شئت غنتني دهاقين قرية ورقاصة تجذو على كل منسم فإن كنت ندماني فبالأكبر اسقني ولا تسقني بالأصغر المتثلم لعل أمير المؤمنين يسوءه تنادمنا بالجوسق المتهدم تفسير : فلما بلغ ذلك عمر بن الخطاب رضي الله عنه: قا ل: إي والله إنه ليسوءني ذلك، ومن لقيه فليخبره أني قد عزلته، وكتب إليه عمر: بسم الله الرحمن الرحيم {أية : حـمۤ تَنزِيلُ ٱلْكِتَابِ مِنَ ٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْعَلِيمِ غَافِرِ ٱلذَّنبِ وَقَابِلِ ٱلتَّوْبِ شَدِيدِ ٱلْعِقَابِ ذِي ٱلطَّوْلِ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ إِلَيْهِ ٱلْمَصِيرُ} تفسير : [غافر: 1ـ3] أما بعد: فقد بلغني قولك: شعر : لعل أمير المؤمنين يسوءه تنادمنا بالجوسق المتهدم تفسير : وأيم الله إنه ليسوءني، وقد عزلتك، فلما قدم على عمر بكته بهذا الشعر، فقال: والله يا أمير المؤمنين ما شربتها قط، وما ذلك الشعر إلا شيء طفح على لساني، فقال عمر: أظن ذلك، ولكن والله لا تعمل لي عملاً أبداً، وقد قلت ما قلت فلم يذكر أنه حده على الشراب، وقد ضمنه شعره لأنهم يقولون ما لا يفعلون، ولكنه ذمه عمر ولامه على ذلك وعزله به. انتهى محل الغرض، من كلام ابن كثير وهذه القصة يستأنس بها لما ذكرنا. وقد ذكر غير واحد من المؤرخين أن سليمان بن عبد الملك لما سمع قول الفرزدق: شعر : فبتن بجانبي مصرعات وبت أفض أغلاق الختام تفسير : قال له: قد وجب عليك الحد، فقال الفرزدق: يا أمير المؤمنين قد درأ الله عني الحد بقوله: {أية : وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لاَ يَفْعَلُونَ} تفسير : [الشعراء: 226] فلم يحده مع إقراره بموجب الحد.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 224- قال الكفار: إن القرآن شعر، ومحمد شاعر. فأبطل الله هذا بإثبات أن القرآن ملئ بالحكم والأحكام، فأسلوبه ينافى أسلوب الشعر الذى يقوم على الباطل والكذب، وبين أن حال محمد - صلى الله عليه وسلم - ينافى حال الشعراء، فهو ينطق بالحكمة، وهم ينطقون بالزور، وهذا حال أغلب الشعراء. 225- ألم تر أنهم فى كل واد من أودية القول يهيمون على وجوههم، فلا يهتدون إلى الحق؟ 226- وأنهم يقولون بألسنتهم ما لا يلتزمونه فى عملهم. 227- لكن الذين اهتدوا بهدى الله وعملوا الصالحات حتى تمكنت فيهم ملكات فاضلة، وذكروا الله كثيراً حتى تمكنت خشيته من قلوبهم، هؤلاء يجعلون الشعر كالدواء يصيب الداء، وينتصرون لدينهم وإقامة الحق إذا جور على الحق، وسيعلم الذين ظلموا أنفسهم بالشرك وهجاء الرسول أى مرجع من مراجع الشر والهلاك يرجعون إليه.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلْغَاوُونَ} (224) - قَالَ المُشْرِكُونَ: إنَّ مُحَمَّداً لَشاعرٌ، وقالوا: إن القرآنُ شِعْرٌ فأنزَلَ اللهُ تَعالى هذهِ الآيةَ الكريمةَ يَرُدُّ بها على افْتِرَائِهِمْ هَذا، ويقولُ لهمْ إنَّ القرآنَ فيما حَوَاه من حِكَمٍ وأحْكَامٍ، وفي أُسْلُوبِه يَتَنَاقَضُ مع الشِّعْرِ. وإنَّ حَالَ مُحَمَّدٍ يَتَنَافَى مَعَ حَالِ الشُّعَراءِ، فهوَ لا يَنْطِقُ إلا بالحَقِّ والحِكْمَةِ، والصِّدْقِ، ويَتَّبِعُهُ الصَّادِقُونَ المُخْلِصُونَ. والشُّعراءُ يقولونَ الباطِلَ والزُّورَ، ولا يَتَّبِعُهُمْ إلا الضَّالُّونَ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : الشعراء: جمع شاعر، وهو مَنْ يقول الشعر، وهو الكلام الموزون المُقفَّى، وقد اتهم الكفار رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه شاعر، وردَّ عليهم القرآن الكريم في عدة مواضع، منها قوله تعالى: {أية : وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلاً مَّا تُؤْمِنُونَ}تفسير : [الحاقة: 41]. وعجيب من كفار مكة، وهم العرب أهل اللسان والبلاغة والبيان، وأهل الخبرة في الكلام الموزون المُقفَّى، بحيث كانوا يجعلون للشعر أسواقاً في ذي المجاز وذي المجنَّة وعكاظ، ويُعلِّقون أجود أشعارهم على أستار الكعبة، ومع ذلك لا يستطيعون التمييز بين الشعر وأسلوب القرآن الكريم. إذن: هم يعرفون الفَرْق، لكن يقصدون بقولهم كما حكاه القرآن: {أية : أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَّتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ ٱلْمَنُونِ}تفسير : [الطور: 30] يقصدون بالشعر الكلام العَذْب الذي يستميل النفس، ويُؤثِّر في الوجدان، ولو كان نثراً. وهذه ينادى بها الآن أصحاب الشعر الحر؛ لأنهم يقولون شعراً، لكنه غير موزون، وغير مُقفَّىً. ومعنى {ٱلْغَاوُونَ} [الشعراء: 224] جمع غاوٍ. وهو الضال، وهؤلاء يتبعون الشعراء. لأنهم يؤيدون مذهبهم في الحياة بما يقولون من أشعار؛ ولأنهم لا يحكم منطقهم مبدأ ولا خُلُق، بل هواهم هو الذي يحكم المبدأ والخلق، فإنْ أحبُّوا مدحوا، وإنْ كرِهوا ذَمُّوا. والدليل على ذلك: {أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ ...}.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {وَٱلشُّعَرَآءُ يَتَّبِعُهُمُ ٱلْغَاوُونَ} معناه عُصاةُ الجنِّ وقال: هما الشَّاعران يَتَهاجيان؛ فيكونُ لهذَا أتباعٌ، ولِهذَا أتباعٌ؛ فَهُمْ الغُواةُ. وقال: هُمُ الرِّواةُ.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : ثم أخبر عن أهل الكذب والافتراء أكثرهم من الشعراء بقوله تعالى: {وَٱلشُّعَرَآءُ يَتَّبِعُهُمُ ٱلْغَاوُونَ * أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ} [الشعراء: 224-225] يشير إلى أن الشعراء بحسب مقامتهم ومطره نظرهم ومنشأ قصدهم ونياتهم إذا اسلكوا على أقدام التفكر مفاوز التذكر في طلب المعاني ونظمها وترتيب عروضها وقوافيها، وتدبير تجنيسها وأساليبها يتبعهم الشياطين الغاوون ويوقعونهم في الأباطيل والأكاذيب فيهيمون في كل وادٍ من المدح والذم والهجاء والكذب والفحش والشتم واللعن والافتراء والدعاء والتكبر والتفاخر والتجاسر والعجب والإرادة وإظهار الفضل والدناءة والخسة والطمع والتكدي والذلة والمهانة وأصنافه والأخلاق الرذائل والطعن في الأنساب والأغراض وغيرك من الآفات التي من توابع الشعر ليوصلوا بها إلى أسفل دركات الجحيم وبأنهم يقولون عند التصلف والدعاوي ما يفعلون. وبقوله: {إِلاَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} [الشعراء: 227] إلى قوله: {مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ} [الشعراء: 227] يُشير إلى أنه كمال أرباب النفوس في الشر سلوك على أقدام التفكر؛ ليصلوا إلى أسفل دركات الجحيم كذلك لأرباب القلوب في الشعر سلوك على أقدام التفكر بنور الإيمان وقوة العمل الصالح وتأييد الذكر الكثير ليصلوا إلى أعلى درجات القرب، وتؤيدهم الملائكة بدقائق المعاني بل يوفقهم الله لاستخلاف الحقائق ويلهمهم بالألفاظ [الدقائق التي] فيه الإلهام في كل واد من المواعظ وتحبيبهم إلى الله وتحبيب الله إليهم وشرح المعارف، وبيان الوصول والحشر على السير والتحذير عن الآفات القاطعة للسير، وذكر الله وثنائه ومدح النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة وهجاء الكفار استنفاراً كما قال صلى الله عليه وسلم لحسان: "حديث : اهجي المشركين قال جبريل معك"تفسير : : {وَسَيَعْلَمْ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوۤاْ} [الشعراء: 227] بالشعر المنهي عنه {أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ} [الشعراء: 227] يرجعون.

عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي

تفسير : 750 : 9 : 6 - سفين عن سلمة بن كهيل عن عكرمة في قوله {وَٱلشُّعَرَآءُ يَتَّبِعُهُمُ ٱلْغَاوُونَ} قال، عصاة الجن. [الآية 224].

همام الصنعاني

تفسير : 2143- حدّثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة في قوله تعالى: {يَتَّبِعُهُمُ ٱلْغَاوُونَ}: [الآية: 224]، قال: يتّبعهم الشياطين.