Verse. 3184 (AR)

٢٧ - ٱلنَّمْل

27 - An-Naml (AR)

اَلَّا يَسْجُدُوْا لِلہِ الَّذِيْ يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمٰوٰتِ وَالْاَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُوْنَ وَمَا تُعْلِنُوْنَ۝۲۵
Alla yasjudoo lillahi allathee yukhriju alkhabaa fee alssamawati waalardi wayaAAlamu ma tukhfoona wama tuAAlinoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ألاً يسجدوا لله» أي: أن يسجدوا له فزيدت لا وأدغم فيها نون أن كما في قوله تعالى: (لئلا يعلم أهل الكتاب) والجملة في محل مفعول يهتدون بإسقاط إلى «الذي يخرج الخبء» مصدر بمعنى المخبوء من المطر والنبات «في السماوات والأرض ويعلم ما يخفون» في قلوبهم «وما يعلنون» بألسنتهم.

25

Tafseer

الرازي

تفسير : وفيه مسائل: المسألة الأولى: اعلم أن في قوله تعالى: {أَلاَّ يَسْجُدُواْ } قراءات أحدها قراءة من قرأ بالتخفيف (ألا) للتنبيه ويا حرف النداء ومناداه محذوف، كما حذفه من قال: شعر : ألا يا اسلمى يا دار ميَّ على البلى (ولا زال منهلاً بجرعائك القطر) تفسير : وثانيها: بالتشديد أراد فصدهم عن السبيل لئلا يسجدوا، فحذف الجار مع أن ويجوز أن تكون لا مزيدة، ويكون المعنى فهم لا يهتدون (إلا) أن يسجدوا وثالثها: وهي حرف عبدالله و(هي) قراءة الأعمش هلا بقلب الهمزة هاء، وعن عبدالله هلا تسجدون بمعنى ألا تسجدون على الخطاب ورابعها: قراءة أبي {ألا يَسْجُدُونَ للَّهِ ٱلَّذِى يُخْرِجُ ٱلْخَبْء (فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ) وَٱلأَرْضَ وَيَعْلَمَ سِرَّكُمْ وَمَا تُعْلِنُونَ }. المسألة الثانية: قال أهل التحقيق قوله: {أَلاَّ يَسْجُدُواْ } يجب أن يكون بمعنى الأمر لأنه لو كان بمعنى المنع من السجدة لم يكن لوصفه تعالى بما يوجب أن يكون السجود له وهو كونه قادراً على إخراج الخبء عالماً بالأسرار معنى. المسألة الثالثة: الآية دلت على وصف الله تعالى بالقدرة والعلم، أما القدرة فقوله: {يُخْرِجُ ٱلْخَبْء فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ } وسمي المخبوء بالمصدر، وهو يتناول جميع أنواع الأرزاق والأموال وإخراجه من السماء بالغيث، ومن الأرض بالنبات. وأما العلم فقوله: {وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ }. واعلم أن المقصود من هذا الكلام الرد على من يعبد الشمس وتحرير الدلالة هكذا: الإله يجب أن يكون قادراً على إخراج الخبء وعالماً بالخفيات، والشمس ليست كذلك فهي لا تكون إلهاً وإذا لم تكن إلهاً لم يجز السجود لها، أما أنه سبحانه وتعالى يجب أن يكون قادراً عالماً على الوجه المذكور، فلما أنه واجب لذاته فلا تختص قادريته وعالميته ببعض المقدورات والمعلومات دون البعض، وأما أن الشمس ليست كذلك فلأنها جسم متناه، وكل ما كان متناهياً في الذات كان متناهياً في الصفات، وإذا كان كذلك فحينئذ لا يعلم كونها قادرة على إخراج الخبء عالمة بالخفيات، فإذا لم يعلم من حالها ذلك لم يعلم من حالها كونها قادرة على جلب المنافع ودفع المضار، فرجع حاصل الدلالة إلى ما ذكره إبراهيم عليه السلام في قوله: { أية : لِمَ تَعْبُدُ مَا لاَ يَسْمَعُ وَلاَ يَبْصِرُ وَلاَ يُغْنِى عَنكَ شَيْئاً } تفسير : [مريم: 42] وفي قوله: {للَّهِ ٱلَّذِى يُخْرِجُ ٱلْخَبْء فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ } وجه آخر وهو أن هذا إشارة إلى ما استدل به إبراهيم عليه السلام في قوله: { أية : رَبّيَ ٱلَّذِى يُحْىِ وَيُمِيتُ } تفسير : [البقرة: 258] وفي قوله: { أية : إِنَّ ٱللَّهَ يَأْتِى بِٱلشَّمْسِ مِنَ ٱلْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ ٱلْمَغْرِبِ } تفسير : [البقرة: 258] وذلك لأنه سبحانه وتعالى هو الذي يخرج الشمس من المشرق بعد أفولها في المغرب فهذا هو إخراج الخبء في السموات وهو المراد من قول إبراهيم عليه السلام: { أية : لا أُحِبُّ ٱلآفِلِينَ } تفسير : [الأنعام: 76] ومن قوله: {فَإِنَّ ٱللَّهَ يَأْتِى بِٱلشَّمْسِ مِنَ ٱلْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ ٱلْمَغْرِبِ } ومن قوله موسى عليه السلام: { أية : رَّبُّ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ } تفسير : [الشعراء: 28] وحاصله يرجع إلى أن أفول الشمس وطلوعها يدلان على كونها تحت تدبير مدبر قاهر فكانت العبادة لقاهرها والمتصرف فيها أولى، وأما إخراج الخبء من الأرض فهو يتناول إخراج النطفة من الصلب والترائب وتكوين الجنين منه، فإن قيل إن إبراهيم وموسى عليهما السلام قدما دلالة الأنفس على دلالة الآفاق فإن إبراهيم قال: {رَبّيَ ٱلَّذِى يُحْىِ وَيُمِيتُ } ثم قال: {فَإِنَّ ٱللَّهَ يَأْتِى بِٱلشَّمْسِ مِنَ ٱلْمَشْرِقِ } وموسى عليه السلام قال: { أية : رَبُّكُمْ وَرَبُّ ءابَائِكُمُ ٱلأَوَّلِينَ } تفسير : [الشعراء: 26] ثم قال: {رَّبُّ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ } فلم كان الأمر ههنا بالعكس فقدم خبء السموات على خبء الأرض؟ جوابه: أن إبراهيم وموسى عليهما السلام ناظراً مع من ادعى إلهية البشر، فلا جرم ابتدأ بإبطال إلهية البشر ثم انتقلا إلى إبطال إلهية السموات، وههنا المناظرة مع من ادعى إلهية الشمس لقوله: {وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ ٱللَّهِ } فلا جرم ابتدأ بذكر السماويات ثم بالأرضيات. أما قوله: {ٱللَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ ٱلْعَرْشِ ٱلْعَظِيمِ } فالمراد منه أنه سبحانه لما بين افتقار السموات والأرض وما بينهما إلى المدبر ذكر بعد ذلك أن ما هو أعظم الأجسام فهي مخلوقة ومربوبة وذلك يدل على أنه سبحانه هو المنتهى في القدرة والربوبية إلى ما لا يزيد عليه، والله أعلم. المسألة الرابعة: قيل من {أَحَطتُ } إلى {ٱلْعَظِيمِ } كلام الهدهد وقيل كلام رب العزة. المسألة الخامسة: الحق أن سجدة التلاوة واجبة في القراءتين جميعاً وهو قول الشافعي وأبي حنيفة رحمة الله عليهما لأنهم أجمعوا على أن سجدات القرآن أربع عشرة سجدة، وهذا واحد منها ولأن مواضع السجدة إما أمر بها أو مدح لمن أتى بها أو ذم لمن تركها، وإحدى القراءتين أمر بالسجود والأخرى ذم للتارك فثبت أن الذي ذكره الزجاج من وجوب السجدة مع التخفيف دون التشديد غير ملتفت إليه. المسألة السادسة: يقال هل يفرق الواقف بين القراءتين؟ جوابه: نعم إذا خفف وقف على { أية : فَهُمْ لاَ يَهْتَدُونَ } تفسير : [النمل: 24] ثم ابتدأ بألا يسجدوا وإن شاء وقف على ألا يا ثم ابتدأ اسجدوا وإذا شدد لم يقف إلا على (العرش العظيم). أما قوله: {سَنَنظُرُ } فمن النظر الذي هو التأمل، وأراد صدقت أم كذبت إلا أن {أَمْ كُنتَ مِنَ ٱلْكَـٰذِبِينَ } أبلغ، لأنه إذا كان معروفاً بالكذب كان متهماً بالكذب فيما أخبر به فلم يوثق به، وإنما قال: {فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ } على لفظ الجمع لأنه قال: { أية : وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ } تفسير : [النمل: 24] فقال: {فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ } أي إلى الذين هذا دينهم. أما قوله: {ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ } أي تنح عنهم إلى مكان قريب تتوارى فيه ليكون ما يقولونه بمسمع منك و {يَرْجِعُونَ } من قوله تعالى: { أية : يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ ٱلْقَوْلَ } تفسير : [سبأ: 30] ويقال دخل عليها من كوة وألقى إليها الكتاب وتوارى في الكوة.

المحلي و السيوطي

تفسير : {أَلاَّ يَسْجُدُواْ للَّهِ } أي:أن يسجدوا له، فزيدت لا وأدغم فيها نون أن كما في قوله تعالى «أية : لئلا يعلم أهل الكتاب »تفسير : [29:57] والجملة في محل مفعول يهتدون بإسقاط إلى {ٱلَّذِى يُخْرِجُ ٱلْخَبْءَ } مصدر بمعنى المخبوء من المطر والنبات {فِي ٱلسَّمَٰوَاتِ وَٱلاْرْضِ وَيَعْلَمُ مَا يَخَٰفُونَ } في القلوب {وَمَا تُعْلِنُونَ } بالألسنة.

ابن عبد السلام

تفسير : {الْخَبْءَ} غيب السماوات والأرض، أو خبء السماوات المطر وخبء الأرض: النبات، والخبء المخبوء وصفه بالمصدر، والخبء في اللغة ما غاب واستتر. {أَلا يَسْجُدُواْ} من قول الله، أمر خلقه بالسجود أو من قول الهدهد تقديره يا هؤلاء اسجدوا.

الثعالبي

تفسير : وقوله: {أَلاَّ يَسْجُدُواْ لِلَّهِ} إلى قوله {ٱلْعَظِيمِ}، ظاهرُه: أنه من قول الهدهد؛ وهو قول ابن زيد وابن إسحاق، ويحتملُ أنْ يكونَ من قول اللّه تعالى اعتراضاً بيْنَ الكَلاَمَيْن، وقراءةُ التشديدِ في {أَلاَّ} تعطى: أن الكلامَ للهدهدِ؛ وهي قراءةُ الجمهورِ، وقراءة التخفيفِ؛ وهي للكسائي تَمْنَعَهُ وتقوِّي الآخرَ؛ فتأملْه، وقرأ الأعمشُ {هَلاَّ يَسْجُدُونَ} وفي حرف عبد اللّه «أَلاَ هَلْ تَسْجُدُونَ» بالتَّاء، و{ٱلْخَبْءَ}: الخفيُّ من الأمور؛ وهو من خَبَأْتُ الشيءَ، واللفظةُ تَعُمّ كل ما خَفِي من الأمور؛ وبه فسر ابن عباس. وقرأ الجمهورُ: «يُخْفُونَ وَيُعْلِنون» بياء الغائب؛ وهذه القراءة تُعْطى أنَّ الآيةَ من كلامِ الهدهد. وقرأ الكسائيُّ وحفصٌ عن عاصم «تُخْفُونَ وَتُعْلِنُونَ» بتاء الخطاب؛ وهذه القراءة تعطى أنَّ الآية من خطاب اللّه تعالى لأمة سيِّدنا محمَّد صلى الله عليه وسلم. قوله: {فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ}، قال وهب بن مُنَبِّه: أمره بالتولِّي حُسنُ أدب ليَتَنَحَّى حَسْبَ ما يُتأَدَّبُ به مع الملوك، بمعنى: وكنْ قريباً حتى ترى مراجعاتهم، ولكيلَ الأمر، إلى حُكْمِ ما في الكتابِ دونَ أن تكونَ للرسولِ ملازمةٌ ولا إلحاحٌ. ورَوَى وهب بن منبِّه في قصص هذه الآية: أن الهدهدَ وصل؛ فَوَجَدَ دون هذه المَلِكَةِ حُجُبَ جدراتٍ، فَعَمَدَ إلَى كُوَّةٍ كانتْ بلقيسُ صَنَعَتْهَا، لتَدْخُلَ منها الشمسُ عند طلوعها؛ لمعنَىٰ عبادَتِهَا إيَّاهَا؛ فدخل منها وَرَمَىٰ بالكتابِ إليها؛ فقرأتْه وجَمَعَتْ أهْلَ مُلْكِها؛ فخاطبتهم بما يأتي بعدُ. {قَالَتْ يَٰأَيُّهَا ٱلْمَلأُ} تعني: الأشراف: {إِنِّيۤ أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ} وصَفَتِ الكتابَ بالكريمِ إما لأنه من عند عظيمٍ، أو لأنه بُدِىء باسمٍ كريمٍ. ثم أخذتْ تصف لهم ما في الكتابِ، ثم أخذتْ في حسْنِ الأدَبِ مَعَ رجَالِها ومشاورتهم في أمرها؛ فراجعها قومُها بما يُقِرُّ عَيْنَها مِنْ إعلامِهم إيَّاها بالقوة، والبأس. ثم سلَّمُوا الأمر إلى نَظَرِها؛ وهذه محاورةٌ حسنة من الجميع. وفي قراءة عبد اللّه: «ما كُنْتُ قَاضِيَةً أَمْراً» بالضاد من القضاء، ثم أخبرتْ بلقيسُ بفِعلِ الملوكِ بالقُرَى التي يَتَغَلَّبُونَ عليها، وفي كلامها خوفٌ على قومِها وحَيْطَة لهم، قال الدَّاوُودِيُّ: وعن ابن عباس: رضي اللّه عنه {إِذَا دَخَلُواْ قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا} قال: إذا أخذوهَا عَنْوَةً، أخربوها، انتهى. وقوله: {وَكَذٰلِكَ يَفْعَلُونَ} قالت فرقة: هو من قول بقليس، وقال ابن عباس: هو من قول اللّه تعالى معرِّفاً لمحمَّدٍ عليه السلام وأمَّتِهِ بذلك. {وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ...} الآية، روي أن بلقيس قالت لقومها: إني أُجَرِّبُ هذا الرجلَ بهدية فيها نفائسُ الأموالِ، فَإنْ كَانَ مَلِكاً دُنْيَوِيّاً أرضاه المال؛ وإن كان نَبِيّاً لم يقبل الهديةَ، ولم يُرْضِهِ مِنّا إلا أن نَتَّبِعَه على دينه، فينبغي أن نؤمِنَ به، ونتبعه على دينه، فبعثت إليه بهدية عظيمة.

البقاعي

تفسير : ولما كان هذا الضلال عجباً في نفسه فضلاً عن أن يكون من قوم يجمعهم جامع ملك مبناه السياسة التي محطها العقل الذي هو نور الهداية، ودواء الغواية، علله بانتفاء أعظم مقرب إلى الله: السجود، تعظيماً له وتنويهاً به فقال: {ألا} أي لئن لا {يسجدوا} أي حصل لهم هذا العمى العظيم الذي استولى به عليهم الشيطان لانتفاء سجودهم، ويجوز أن يتعلق بالتزيين، أي زين لهم لئلا يسجدوا {لله} أي يعبدوا الذي له الكمال كله بالسجود الذي هو محل الإنس، ومحط القرب، ودارة المناجاة، وآية المعافاة، فإنهم لو سجدوا له سبحانه لاهتدوا، فإن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، ففات الشيطان ما يقصده منهم من الضلال، وعلى قراءة الكسائي وأبي جعفر بالتخفيف وإشباع فتح الياء يكون استئنافاً، بدىء بأداة الاستفتاح تنبيهاً لهم على عظم المقام لئلا يفوت الوعظ أحداً منهم بمصادفته غافلاً، ثم نادى لمثل ذلك وحذف المنادى إيذاناً بالاكتفاء بالإشارة لضيق الحال، خوفاً من المبادرة بالنكال عن استيفاء العبارة التي كان حقها:: ألا يا هؤلاء اسجدوا لله، أي لتخلصوا من أسر الشيطان، فإن السجود مرضاة للرحمن، ومجلاة للعرفان، ومجناة لتمام الهدى والإيمان. ولما كانت القصة في بيان علمه سبحانه السابق لعلم الخلائق المستلزم للحكمة، وصفه بما يقتضي ذلك فقال: {الذي يخرج الخبء} وهوالشيء المخبوء بالفعل المخفي في غيره، وهو ما وجد وغيب عن الخلق كالماء الذي في بطن الأرض، أو بالقوة وهو ما لم يوجد أصلاً، وخصه بقوله: {في السماوات والأرض} لأن ذلك منتهى مشاهدتنا، فننظر ما يتكون فيهما بعد أن لم يكن من سحاب ومطر ونبات وتوابع ذلك من الرعد والبرق وغيرهما، وما يشرق من الكواكب ويغرب - إلى غير ذلك من الرياح، والبرد والحر، الحركة والسكون، والنطق والسكوت، وما لا يحصيه إلا الله تعالى، والمعنى أنه يخرج ما هو في عالم الغيب فيجعله في عالم الشهادة. ولما كان ذلك قد يخص بما لم يضمر في القلوب كالماء الذي كان يخرجه الهدهد وكان ذلك قد يعرف بأمارات، وكان ما تضمره القلوب أخفى، قال: {ويعلم ما تخفون} ولما كان هذا مستزماً لعلم الجهر، وكان التصريح ما ليس لغيره من المكنة والطمأنينة، مع أن الإعلان ربما كان فيه من اللغط واختلاط الأصوات ما يمنع المستمع من العلم، قال: {وما تعلنون*} أي يظهرون. ولما كان هذا الوصف موجباً لأن يعبد سبحانه وحده، صرح بما يقتضيه في قوله؛ {الله} أي الملك الأعظم الذي لا كفوء له؛ ولما كان هذا إشارة إلى أنه لا سمي له، أتبعه التصريح بأنه لا كفوء له فقال: {لا إله إلا هو} ولما كان وصف عرشها بعظم ما، قال: {رب} أي مبدع ومدبر {العرش العظيم*} أي الكامل في العظم الذي لا عظيم يدانيه، وهو محتو على جميع الأكوان، وقد ثبت أن صاحبه أعظم منه ومن كل عظيم بآية الكرسي وبغيرها، فقطع ذلك لسان التعنت عند ذكره مع مزيد اقتضاء السياق له لأنه للانفراد بالإلهية المقتضية للقهر والكبر بخلاف آية المؤمنون، وهذه آية سجدة على كل القراءتين، لأن مواضع السجود إما مدح لمن أتى بها، أو ذم لمن تركها، كقراءة التشديد، أو أمر بالسجود كقراءة التخفيف، والكل ناظر إلى العظمة. ولما صح قوله في كون هذا خبراً عظيماً، وخطباً جسيماً، حصل التشوق إلى جوابه فقيل: {قال} أي سليمان عليه السلام للهدهد: {سننظر} أي نختبر ما قلته {أصدقت} أي فيه فنعذرك. ولما كان الكذب بين يديه - لما أوتيه من العظمة بالنبوة والملك الذي لم يكن لأحد بعده - يدل على رسوخ القدم فيه، قال: {أم كنت} أي كوناً هو كالجبلة {من الكاذبين*} أي معروفاً بالانخراط في سلكهم، فإنه لا يجترىء على الكذب عندي إلا من كان عريقاً في الكذب دون "أم كذبت" لأن هذا يصدق بمرة واحدة. ثم شرع فيما يختبره به، فكتب له كتاباً على الفور في غاية الوجازة قصداً للإسراع في إزالة المنكر على تقدير صدق الهدهد بحسب الاستطاعة، ودل على إسراعه في كتابته بقوله جواباً له: {اذهب بكتابي هذا} قول من كان مهيئاً عنده ودفعه إليه. ولما كان عليه السلام قد زاد قلقه بسجودهم لغير الله، أمره بغاية الإسراع، وكأنه كان أسرع الطير طيراناً وأمده الله زيادة على ذلك بمعونة منه إكراماً لنبيه صلى الله عليه وسلم فصار كأنه البرق، فأشار إلى ذلك بالفاء في قوله: {فألقه} ولما لم يخصها في الكتاب دونهم بكلام لتصغر إليهم أنفسهم بخطابه مع ما يدلهم على عظمته، جمع فقال: {إليهم} أي الذين ذكرت أنهم يعبدون الشمس، وذلك للاهتمام بأمر الدين. ولما كان لو تأخر عنهم بعد إلقائه إلى موضع يأمن فيه على نفسه على ما هو فيه من السرعة لداخلهم شك في أنه هو الملقى له، أمره بأن يمكث بعد إلقائه يرفرف على رؤوسهم حتى يتحققوا أمره، فأشار سبحانه إلى ذلك بأداة التراخي بقوله، {ثم} أي بعد وصولك وإلقائك {تول} أي تنح {عنهم} إلى مكان تسمع فيه كلامهم ولا يصلون معه إليك {فانظر} عقب توليك {ماذا يرجعون*} أي من القول من بعضهم إلى بعض بسبب الكتاب. ولما كان العلم واقعاً بأنه يفعل ما أمر به لا محالة، وأنه لا يدفعه إلا إلى الملكة التي بالغ في وصفها، تشوفت النفس إلى قولها عند ذلك، فكان كأنه قيل: فأخذ الكتاب وذهب به، فلما ألقاه إليها وقرأته، وكانت قارئة كاتبة من قوم تبع {قالت} لقومها بعد أن جمعتهم معمظمة لهم، أو لأشرافهم فقط: {يا أيها الملأ} أي الأشراف. ولما كان من شأن الملوك أن لا يصل إليهم أحد بكتاب ولا غيره إلا على أيدي جماعتهم، عظمت هذا الكتاب بأنه وصل إليها على غير ذلك المنهاج فبنت للمفعول قولها: {إني ألقي إليَّ} أي بإلقاء ملق على وجه غريب {كتاب} أي صحيفة مكتوب فيها كلام وجيز جامع. ولما كان الكريم كما تقدم في الرعد - من ستر مساوىء الأخلاق بإظهار معاليها لأنه ضد اللئيم، وكان هذا الكتاب قد حوى من الشرف أمراً باهراً لم يعهد مثله من جهة المرسل والرسول والافتتاح بالاسم الأعظم إلى ما له من وجازة اللفظ وبلوغ المعنى، قالت: {كريم*} ثم بينت كرمه أو استأنفت جواباً لمن يقول: ممن هو وما هو؟ فقالت: {إنه} أي الكتاب {من سليمان} وفيه دلالة على أن الابتداء باسم صاحب الكتاب لا يقدح في الابتداء بالحمد {وإنه} أي المكتوب فيه {بسم الله الرحمن الرحيم*} فحمد المستحق للحمد وهو الملك الأعلى المحيط عظمه بدائرتي الجلال والإكرام، العام الرحمة بك نعمة، فملك الملوك من فائض ما له من الإنعام الذي يخص بعد العموم من يشاء بما يشاء مما ترضاه ألوهيته من إنعامه العام، بعد التعريف باسمه إشارة إلى أنه المدعو إليه للعبادة بما وجب له لذاته وما استحقه بصفاته، وذلك كله بعد التعريف بصاحب الكتاب ليكون ذلك أجدر بقبوله، لأن أكثر الخلق إنما يعرف الحق بالرجال، ولما في كتابه من الدلالة على نبوته، فسر مراده بأمر قاهر فقال: {ألا تعلوا عليّ} أي لا تمتنعوا من الإجابة لي، والإذعان لأمري، كما يفعل الملوك، بل اتركوا علوهم، لكوني داعياً إلى الله الذي أعلمت في باء البسملة بأنه لا تكون حركة ولا سكون إلا به، فيجب الخضوع له لكونه رب كل شيء {وأتوني مسلمين*} أي منقادين خاضعين بما رأيتم من معجزتي في أمر الكتاب. ولما تشوفت النفس غلى جوابهم، اعلم سبحانه بأنهم بهتوا فقال: {قالت يا أيها الملأ} ثم بينت ما داخلها من الرعب من صاحب هذا الكتاب بقولها: {أفتوني} أي تكرموا عليّ بالإبانة عما أفعله {في أمري} هذا الذي أجيب به عن هذا الكتاب، جعلت المشورة فتوى توسعاً، لأن الفتوى الجواب في الحادثة، والحكم بما هو صواب مستعار من الفتاء في السن الذي صفرة العمر؛ ثم عللت أمرها لهم بذلك بأنها شأنها دائماً مشاورتهم في كل جليل وحقير، فكيف بهذا الأمر الخطير، وفي ذلك استعطافهم بتعظيمهم وإجلالهم وتكريمهم، فقال: {ما كنت} أي كوناً ما {قاطعة أمراً} أي فاعلته وفاصلته غير مترددة فيه {حتى تشهدون*} وقد دل على غزارة عقلها وحسن أدبها، ولذلك جنت ثمرة أمثال ذلك طاعتهم لها في المنشط والمكره، فاستأنف تعالى الإخبار عن جوابهم بقوله: {قالوا} أي الملأ مائلين إلى الحرب: {نحن أولوا قوة} أي بالمال والرجال {وأولوا بأس} أي عزم في الحرب {شديد والأمر} راجع وموكول {إليك} أي كل من المسالمة والمصادمة {فانظري} بسبب أنه لا نزاع معك {ماذا تأمرين*} أي به فإنه مسموع.

اسماعيل حقي

تفسير : {ألا يسجدوا} مفعول له للصد على حذف اللام منه اى فسدهم لئلا يسجدوا وهو ذم لهم على ترك السجود فلذا وجب السجود عند تمام هذه الآيات {لله الذى يخرج الخبأ فى السموات والارض} الخبأ يقال للمدخر المستور اى يظهر ماهو مخبوء ومخفى فيها كائنا ماكان كالثلج والمطر والنبات والماء ونحوها {ويعلم ما تخفون} فى القلوب {وما تعلنون} بالالسنة والجوارح وذكر ماتعلنون لتوسيع دائرة العلم للتنبيه على تساويهما بالنسبة الى العلم الالهى شعر : برو علم يك ذره بوشيده نيست كه بنهان وبيدا بنزدش يكيست

الجنابذي

تفسير : {أَلاَّ يَسْجُدُواْ} قرئ بتخفيف الّلام من الاعلى انّه كان يا قوم اسجدوا فحذف المنادى وحينئذٍ يكون من كلام الهدهد بتقدير القول جواباً لسؤالٍ مقدّرٍ كأنّه قيل: ما قلت لهم؟- فقال: قلت لهم: يا قوم اسجدوا او من كلام سليمان (ع) خطاباً لقومه بعدما ذكر الهدهد اهل سبا وسجدتهم للشّمس او من الله خطاباً لقوم سليمان (ع)، وقرئ بتشديد الّلام وحينئذٍ يجوز ان يكون ان تفسيريّةً ولا يسجدوا نهياً وتفسيراً لقوله تعالى: صدّهم فانّ الصّدّ القولىّ فى معنى القول كأنّه قيل: صدّهم بقولٍ اى لا يسجدوا، وان يكون ان ناصبة بدلاً من اعمالهم او بتقدير الّلام او الباء متعلّقاً بيسجدون او زيّن او صدّهم او لا يهتدون، او لفظة لا زائدة وهو بتقدير الى متعلّق بيهتدون، او بدون التّقدير بدل من السّبيل والمعنى فصدّهم عن السّبيل عن السّجدة {للَّهِ ٱلَّذِي يُخْرِجُ ٱلْخَبْءَ} الخبأ بالفتح والسّكون مصدر فى معنى ما يخفى او مشترك بين المصدر والوصف بمعنى المفعول كالخبيئ {فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ}. اعلم، انّ السّماوات تطلق على الكرات العلويّة المحيطة بالارض المشهودة بحركات كواكبها، وعلى نفس الكواكب وعلى المجرّدات عن المادّة من عالم المثال الى عالم المشيّة، والارض تطلق على الارض المحسوسة الواقعة فى حيّز المركز، وعلى جملة المادّيّات من البسائط والمواليد علويّةً كانت ام سفليّةً، وعلى مراتب الموادّ من الهيولى الاولى الى البشريّة الّتى تعدّ سبعاً ويعبّر عنها بالاراضى السّبع وعلى معنى يشمل المثاليّات العلويّة والسّفليّة وجملة الاستعدادات القريبة والبعيدة الّتى كانت للموادّ، والمواليد فى الحقيقة وجودات ضعيفة للمستعدذ لها فهى المستعدّ لها المستوردة فى الموادّ والمواليد لعدم بروزها بعدُ بحدودها ووجوداتها القويّة وجميع الفعليّات الفائضة من العلويّات والجهات الفاعلة على المادّيّات والجهات القابلة موجودة بنحو الاجمال والبساطة فى الجهات الفاعلة لكنّها مختفية بنحو التّفصيل والتّميز ومن حيث وجوداتها الخاصّة فى الجهات الفاعلة فلا اختصاص للمخبوءات بالحبوب والعروق المختفية تحت الارض ولا بالكواكب المختفية فى السّماء وقد اشير بالفارسيّة الى ما اشرنا بقوله: شعر : ايكه خاك شوره را تو نان كنى وايكه نان مرده را توجان كنى عقل وحس را روزى وايمان دهى ايكه خاك تيره را توجان دهى ميكنى جزو زمين را آسمان ميفزائى در زمين از اختران تفسير : {وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ} من الافعال والاحوال والاقوال والنّيّات والعزمات والخيالات والخطرات والمكمونات الّتى لا شعور لكم بها {وَمَا تُعْلِنُونَ} كذلك، وقرئ الفعلان بالغيبة يعنى الاّ يسجد والله الّذى يستحقّ العبادة لكمال دقّته ولطفه فى العمل بحيث يخرج جميع مكمونات الارواح والاجساد فيخرج جميع مكمونات وجودكم ويجازيكم عليها ولكمال دقّته ولطفه فى العلم بحيث يعلم جميع ما تخفونه علمتموها او لم تعلموها وجميع ما تعلمونه فيجازيكم عليها.

اطفيش

تفسير : {أَلا يَسْجُدُوا} بدل من الأعمال على ان لا نافية أو من السبيل على انها زائدة بدل بعض او التقدير الى الا يهتدوا فيعلق بيهتدون ولا زائدة او الاصل لان لا يسجدوا فيعلق يصد ولا نافية وقرأ الكسائي ويعقوب ألا يسجدوا بالتخفيف على أن (ألا) للتنبيه و (يا) للتنبيه أيضا تأكيدا أو حرف نداء والمنادى محذوف أي يا قوم حذف المنادي وحذف الف ياء للساكن بعده واسقط هو وهمزة الوصل من الخط كما أسقطا نطقا فوصلت الياء بالسين وفي مصحف ابن مسعود (هلا) بقلب الهمزة (هاء) وهي قراءة الأعمش وعن ابن مسعود (ألا تسجدون) بالتاء على الخطاب والتشديد وقرأه أبي (ألا تسجدون) بالتخفيف والخطاب. {للهِ الَّذِي يُخْرِجُ الخَبْءَ} مصدر مبعنى اسم مفعول أي المخبوء من المطر والنبات وغيرهما من جميع ما انشأه الله فانه قبل إيجاده غير موجود فضلا عن ان يوصف بالظهور. {فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا يُخْفُونَ وَمَا يُعْلِنُونَ} يظهرون وقرأ ابي (ويعلم سركم وما تعلنون) وقرأ الكسائي وحفص عن عاصم (ما تخفون وما تعلنون) بالخطاب والكسائي ويعقوب يقفان على ألا يا من قراءتها ألا يسجدوا قرأ الخب بحذف الهمزة والاعراب على الباء او بحذفها ونقل حركتها الى الباء وقرأ ابن مسعود ومالك ابن دينار الخبا بقلب الهمزة الفا والقراءتان تخفيف على لغة من يقول في الوقف هذا الخب ورأيت الخبا ومررت بالخب لا على لغة من يقول الكماه بالهمزة ولغة من يقول الكلمات بالالف فانها قيل ردية.

اطفيش

تفسير : {ألاَّ يسْجُدوا لله} لئلا يسْجُدوا فحذف لام التعليل متعلقة بزين، أو بصد أو لا تقدر اللام، فانتفاء السُّجود بدل من أعمالهم، وانتفاء السجود عمل، والقرآن حاكم بأن ترك العبادة عمل، وعمل سائر المعاصى عمل، وذلك عموم قوله تعالى: "أية : بما كانوا يعملون"تفسير : [الأنعام: 108] وقوله: "أية : بما كانوا يكسبون"تفسير : [الأنعام: 129] ونحو ذلك، وأجيز تقدير الى وزيادة لا متعلقاً بيهتدون، لا يهتدون الى أن يسجدوا، وأن يكون خبر المحذوف أى عادتهم أن لا يسجدوا {الَّذى يُخْرجُ الخبء فى السَّموات والأرْض} المخبوء فيهما، أى المغيب، فهو مصدر بمعنى مفعول، وفسره بعض بالمطر والنبات، وبعض بالماء، ولعل ذلك تمثيل، والمراد العموم. {ويعْلَمُ ما يخْفُون وما يعلنون} الواو للناس والجن والطير وسائر الحيوان، وذلك فى شأن علم الغيب مدحا به، أو للانس والجن، وذلك فى شأن الجزاء.

الالوسي

تفسير : وقوله تعالى {أَلاَّ يَسْجُدُواْ للَّهِ } أي لئلا يسجدوا واللام للتعليل وهو متعلق بصدهم أو بزين. والفاء في {فَصَدَّهُمْ } لا يلزم أن تكون سببية لجواز كونها تفريعية أو تفصيلية أي فصدهم عن ذلك لأجل أن لا يسجدوا لله عز وجل أو زين لهم ذلك لأجل أن لا يسجدوا له تعالى، وجوز أن تكون أن وما بعدها في تأويل مصدر وقع بدلاً من {أعمالهم} وما بينهما اعتراض كأنه قيل وزين لهم الشيطان عدم السجود لله تعالى، وتعقب بأنه ظاهر في عد عدم السجود من الأعمال وهو بعيد، وجوز أن يكون ذلك بدلاً من {السبيل} و {لا} زائدة مثلها في قوله تعالى: {أية : لّئَلاَّ يَعْلَمَ أَهْلُ ٱلْكِتَـٰبِ }تفسير : [الحديد: 29] كأنه قيل فصدهم عن السجود لله تعالى، وجوز أن يكون بتقدير إلى و {لا } زائدة أيضاً والجار والمجرور متعلق بيهتدون كأنه قيل فهم لا يهتدون إلى السجود له عز وجل، وأنت تعلم أن زيادة ـ لا ـ وإن وقعت في الفصيح خلاف الظاهر، وجوز أن لا يكون هناك تقدير والمصدر خبر مبتدأ محذوف أي دأبهم عدم السجود، وقيل: التقدير هي أي أعمالهم عدم السجود وفيه ما مر آنفاً. وقرأ ابن عباس وأبو جعفر والزهري والسلمي والحسن وحميد والكسائي {أَلا } بالتخفيف على أنها للاستفتاح ويا حرف نداء والمنادى محذوف أي ألا يا قوم اسجدوا كما في قوله:شعر : ألا يا اسلمى ذات الدمالج والعقد تفسير : ونظائره الكثيرة. وسقطت ألف يا وألف الوصل في اسجدوا وكتبت الياء متصلة بالسين على خلاف القياس. ووقف الكسائي في هذه القراءة على ياء وابتدأ باسجدوا وهو وقف اختيار، وفي «البحر» الذي أذهب إليه أن مثل هذا التركيب الوارد عن العرب ليست يا فيه للنداء والمنادى محذوف لأن المنادى عندي لا يجوز حذفه لأنه قد حذف الفعل العامل في النداء وانحذف فاعله لحذفه فلو حذفنا المنادى لكان في ذلك حذف جملة النداء وحذف متعلقه وهو المنادي وإذا لم نحذفه كان دليلاً على العامل فيه وهو جملة النداء وليس حرف النداء حرف جواب كنعم وبلى ولا وأجل فيجوز حذف الجملة بعده كما يجوز حذفها بعدهن لدلالة ما سبق من السؤال على الجملة المحذوفة. فيا عندي في تلك التراكيب حرف تنبيه أكد به {أَلا } التي للتنبيه وجاز ذلك لاختلاف الحرفين ولقصد المبالغة في التوكيد. وإذا كان قد وجد التأكيد في اجتماع الحرفين المختلفي اللفظ العاملين في قوله:شعر : فأصبحن لا يسألنني عن بما به تفسير : والمتفقي اللفظ العاملين أيضاً في قوله:شعر : فلا والله لا يلفي لما بـي ولا للما بهم أبداً دواء تفسير : وجاز ذلك وإن عدوه ضرورة أو قليلاً فاجتماع غير العاملين وهما مختلفا اللفظ يكون جائزاً. وليس - يا - في قوله:شعر : يا لعنة الله والأقوام كلهم تفسير : حرف نداء عندي بل حرف تنبيه جاء بعده المبتدا وليس مما حذف فيه المنادى لما ذكرناه انتهى، وللبحث فيه مجال. وعلى هذه القراءة يحتمل أن يكون الكلام استئنافاً من كلام الهدهد أما خطاباً لقوم سليمان عليه السلام للحث على عبادة الله تعالى أو لقوم بلقيس لتنزيلهم منزلة المخاطبين. ويحتمل أن يكون استئنافاً من جهة الله عز وجل أو من سليمان عليه السلام كما قيل وهو حينئذ بتقدير القول. ولعل الأظهر احتمال كونه استئنافاً من جهته عز وجل وخاطب سبحانه به هذه الأمة. والجملة معترضة ويوقف على هذه القراءة على {يَهْتَدُونَ } استحساناً ويوجب ذلك زيادة عدة آيات هذه السورة على ما قالوه فيها عند بعض، وقيل: لا يوجبها فإن الآيات توقيفية ليس مدارها على الوقف وعدمه فتأمل. والفرق بين القراءتين معنى أن في الآية على الأولى ذماً على ترك السجود وفيها على الثانية أمراً بالسجود. وأياً ما كان فالسجود واجب عند قراءة الآية، وزعم الزجاج وجوبه على القراءة الثانية وهو مخالف لما صرح به الفقهاء ولذا قال الزمخشري إنه غير مرجوع إليه. وقرأ الأعمش: {هلا يَسْجُدُونَ } على التحضيض وإسناد الفعل إلى ضمير الغائبين. وفي قراءة أبـي {ألا تسجدون } على العرض وإسناد الفعل إلى ضمير المخاطبين، وفي حرف عبد الله {ألا هل تسجدون} بألا الاستفتاحية وهل الاستفهامية. وإسناد الفعل إلى ضمير المخاطبين قاله ابن عطية. وفي «الكشاف» ما فيه مخالفة ما له والعالم بحقيقة الحال هو الله عز وجل. {الَّذِى يُخْرِجُ ٱلْخَبْء فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ } أي يظهر الشيء المخبوء فيهما كائناً ما كان فالخبء مصدر أريد به اسم المفعول. وفسره بعضهم هنا بالمطر والنبات، وروي ذلك عن ابن زيد. وأخرج ابن أبـي حاتم عن سعيد بن المسيب أنه فسره بالماء والأولى التعميم كما روى ذلك جماعة عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما. {وَفِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ } متعلق بالخبء، وعن الفراء أن {فِى } بمعنى من فالجار والمجرور على هذا متعلق بيخرج والظاهر ما تقدم. واختيار هذا الوصف لما أنه أوفق بالقصة حيث تضمنت ما هو أشبه شيء بإخراج الخبء وهو إظهار أمر بلقيس وما يتعلق به. وعلى هذا القياس اختيار ما ذكر بعد من صفاته عز وجل، وقيل: إن تخصيص هذا الوصف بالذكر لما أن الهدهد أرسخ في معرفته والإحاطة بأحكامه بمشاهدة آثاره التي من جملتها ما أودعه الله تعالى في نفسه من القدرة على معرفة الماء تحت الأرض. وأنت تعلم أن كون الهدهد أودع فيه القدرة على ما ذكر مما لم يجيء فيه خبر يعول عليه، وأيضاً التعليل المذكور لا يتسنى على قراءة ابن عباس والستة الذين معه {ألا يسجدوا} بالتخفيف إذا جعل الكلام استئنافاً من جهته عز وجل أو من جهة سليمان عليه السلام وقرأ أبـي وعيسى {الخب} بنقل حركة الهمزة إلى الباء وحذف الهمزة. وحكى ذلك سيبويه عن قوم من بني تميم وبني أسد. وقرأ عكرمة بألف بدل الهمزة فلزم فتح ما قبلها وهي قراءة عبد الله ومالك بن دينار، وخرجت على لغة من يقول في الوقف هذا الخبو ومررت بالخبـي ورأيت الخبا وأجرى الوصل مجرى الوقف. وأجاز الكوفيون أن يقال في المرأة والكمأه المراة والكماة بإبدال الهمزة ألفاً وفتح ما قبلها. وذكر أن هذا الإبدال لغة. وجوز أن يكون {ٱلْخَبْء } من ذلك ومنعه الزمخشري مدعياً أن ذلك لغة ضعيفة مسترذلة. وعلل بأن الهمزة إذا سكن ما قبلها فطريق تخفيفها الحذف لا القلب كما يقال في الكمء كمه. وتعقبه في «الكشف» فقال: تخريجه على الوقف فيه ضعفان لأن الوقف على ذلك الوجه ليس من لغة الفصحاء وأجراء الوصل مجرى الوقف فيما لا يكثر استعماله كذلك. وأما تلك اللغة فعن الكوفيين أنها قياس انتهى. وزعم أبو حاتم أن الخبا بالألف لا يجوز أصلاً وهو من قصور العلم. قال المبرد: كان أبو حاتم دون أصحابه في النحو ولم يلحق بهم إلا أنه إذا خرج من بلدتهم لم يلق أعلم منه. وأشير بعطف قوله تعالى: {وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ } على {يَخْرُجُ } إلى أنه تعالى يخرج ما في العالم الإنساني من الخفايا كما يخرج ما في العالم الكبير من الخبايا لما أن المراد يظهر ما تخفونه من الأحوال فيجازيكم بها وذكر ما تعلنون لتوسيع دائرة العلم أو للتنبيه على تساويهما بالنسبة إلى العلم الإلهي كذا قيل. ويشعر كلام بعضهم بأنه أشير بما تقدم إلى كمال قدرته تعالى وبهذا إلى كمال علمه عز وجل وأنه استوى فيه الباطن والظاهر. وقدم {مَا تُخْفُونَ } لذلك مع مناسبته لما قبله من الخبء، وقدم وصفه تعالى بإخراج الخبء من السماوات لأنه أشد ملاءمة للمقام، والخطاب على ما قيل إما للناس أو لقوم سليمان أو لقوم بلقيس. وفي الكلام التفات. وقرأ الحرميان والجمهور {ما يخفون وما يعلنون} بياء الغيبة، وفي «الكشاف» عن أبـي أنه قرأ {ألا تسجدون لله الذي يخرج الخبء من السماء والارض ويعلم سركم وما تعلنون}.

الشنقيطي

تفسير : تقدم إيضاحه بالآيات القرآنية في أول سورة هود في الكلام على قوله تعالى: {أية : أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُواْ مِنْهُ أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ} تفسير : [هود: 5] وقوله: {أَلاَّ يَسْجُدُواْ للَّهِ}. الآية كقوله تعالى: {أية : لاَ تَسْجُدُواْ لِلشَّمْسِ وَلاَ لِلْقَمَرِ وَٱسْجُدُواْ لِلَّهِ ٱلَّذِي خَلَقَهُنَّ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ} تفسير : [فصلت: 37] وقوله تعالى: {أية : فَٱسْجُدُواْ لِلَّهِ وَٱعْبُدُواْ} تفسير : [النجم: 62] وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة {ٱلَّذِي يُخْرِجُ ٱلْخَبْءَ} وقال بعض أهل العلم: الخبأ في السموات: المطر، والخبأ في الأرض: النبات، والمعادن، والكنوز، وهذا المعنى ملائم لقوله: {يُخْرِجُ ٱلْخَبْءَ} وقال بعض أهل العلم: الخبأ: السر والغيب أي يعلم ما غاب في السموات، والأرض، كما يدل عليه قوله بعده {وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ} وكقوله في هذه السورة الكريمة: {أية : وَمَا مِنْ غَآئِبَةٍ فِي ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ} تفسير : [النمل: 75] وقوله {أية : وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ فِي ٱلسَّمَآءِ وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذٰلِكَ وَلاۤ أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ} تفسير : [يونس: 61] كما أوضحناه في سورة هود، وقرأ هذا الحرف عامة القراء السبعة غير الكسائي: ألا يسجدوا لله بتشديد اللام في لفظه ألا، ولا خلاف على هذه القراءة أن يسجدوا فعل مضارع منصوب بأن المدغمة في لفظه لا، فالفعل المضارع على هذه القراءة، وأن المصدرية المدغمة في لا ينسبك منهما مصدر في محل نصب على الأظهر، وقيل في محل جر وفي إعرابه أوجه. الأول: أنه منصوب على أنه مفعول من أجله: أي وزين لهم الشيطان أعمالهم، من أجل ألا يسجدوا لله: أي من أجل عدم سجودهم لله، أو فصدهم عن السبيل، لأجل ألا يسجدوا لله، وبالأول قال الأخفش، وبالثاني قال الكسائي، وقال اليزيدي وغيره: هو منصوب على أنه بدل من أعمالهم: أي وزين لهم الشيطان أعمالهم، ألا يسجدوا أي عدم سجودهم، وعلى هذا فأعمالهم هي عدم سجودهم لله، وهذا الإعراب يدل على أن الترك عمل كما أوضحناه في سورة الفرقان في الكلام على قوله تعالى: {أية : وَقَالَ ٱلرَّسُولُ يٰرَبِّ إِنَّ قَوْمِي ٱتَّخَذُواْ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ مَهْجُوراً} تفسير : [الفرقان: 30] وقال بعضهم: إن المصدر المذكور في محل خفض على أنه بدل من السبيل. أو على أن العامل فيه فهم لا يهتدون، وعلى هذين الوجهين فلفظة لا صلة، فعلى الأول منهما. فالمعنى: فصدهم عن السبيل سجودهم لله، وعلى هذا فسبيل الحق الذي صدوا عنه، هو السجود لله، ولا زائدة للتوكيد، وعلى الثاني فالمعنى: فهم لا يهتدون لأن يسجدوا لله أي للسجود له، ولا زائدة أيضاً للتوكيد، ومعلوم في علم العربية أن المصدر المنسبك من فعل، وموصول حرفي إن كان الفعل منفياً ذكرت لفظة عدم قبل المصدر، ليؤدي بها معنى النفي الداخل على الفعل، فقولك مثلاً: عجبت من أن لا تقوم. إذا سبكت مصدره لزم أن تقول: عجبت من عدم قيامك، وإذا كان الفعل مثبتاً لم تذكر مع المصدر لفظة عدم، فلو قلت عجبت من أن تقوم، فإنك تقوم في سبك مصدره: عجبت من قيامك كما لا يخفى، وعليه فالمصدر المنسبك من قوله {أَلاَّ يَسْجُدُوا} يلزم أن يقال فيه عدم السجود إلا إذا اعتبرت لفظة لا زائدة، وقد أشرنا في سورة الأعراف في الكلام على قوله تعالى: {أية : قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ} تفسير : [الأعراف: 12] إلى أنا أوضحنا الكلام على زيادة لا لتوكيد الكلام في كتابنا [دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب] في أول سورة البلد في الكلام، على قوله تعالى: {أية : لاَ أُقْسِمُ بِهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ} تفسير : [البلد: 1] وسنذكر طرفاً من كلامنا فيه هنا. فقد قلنا فيه: الأول وعليه الجمهور. أن لا هنا صلة على عادة العرب فإنها ربما لفظت بلفظة لا، من غير قصد معناها الأصلي بل لمجرد تقوية الكلام، وتوكيده كقوله تعالى: {أية : مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوۤاْ أَلاَّ تَتَّبِعَنِ} تفسير : [طه: 92] يعني أن تتبعني، وقوله تعالى: {أية : مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ} تفسير : [ص: 75] أي أن تسجد على أحد القولين. ويدل له قوله تعالى في سورة ص {أية : مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} تفسير : [ص: 75] وقوله تعالى: {أية : لِّئَلاَّ يَعْلَمَ أَهْلُ ٱلْكِتَابِ} تفسير : [الحديد: 29] وقوله تعالى: {أية : فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ} تفسير : [النساء: 65] الآية أي فوربك، وقوله تعالى: {أية : وَلاَ تَسْتَوِي ٱلْحَسَنَةُ وَلاَ ٱلسَّيِّئَةُ} تفسير : [فصلت: 34] أي والسيئة، وقوله تعالى: {أية : وَحَرَامٌ عَلَىٰ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَآ أَنَّهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ} تفسير : [الأنبياء: 95] على أحد القولين، وقوله تعالى: {أية : وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَآ إِذَا جَآءَتْ لاَ يُؤْمِنُونَ} تفسير : [الأنعام: 109] على أحد القولين، وقوله تعالى: {أية : قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُواْ} تفسير : [الأنعام: 151] الآية. على أحد الأقوال الماضية، وكقول أبي النجم: شعر : فما ألوم البيض ألا تسخرا لما رأين الشمط القفندرا تفسير : يعني أن تسخر، وقول الآخر: شعر : وتلحينني في اللهو ألا أحبه وللهو داع دائب غير سافل تفسير : يعني أن أحبهن ولا زائدة، وقول الآخر: شعر : أبي جوده لا البخل واستعجلت به نعم من فتى لا يمفع الجود قاتله تفسير : يعني أبا جوده البخل، ولا زائدة على خلاف في زيادتها في هذا البيت الأخير، ولا سيما على رواية البخل بالجر، لأن لا عليها مضاف بمعنى لفظة لا، فليست زائدة على رواية الجر وقول امرئ القيس: شعر : فلا وأبيك أنبت العامري لا يدعي القوم أني أفر تفسير : يعني وأبيك، وأنشد الفراء لزيادة لا في الكلام الذي فيه معنى الجحد قول الشاعر: شعر : ما كان يرضى رسول الله دينهم والأطيبان أبو بكر ولا عمر تفسير : يعني وعمر ولا صلة، وأنشد الجوهري لزيادتها قول العجاج: شعر : في بئر لا حور سرى وما شعر بإفكه حتى رأى الصبح جشر تفسير : والحور الهلكة يعني في بئر هلكة ولا صلة. قاله أبو عبيدة وغيره. وأنشد الأصمعي لزيادتها قول ساعدة الهذلي: شعر : أفعنك لا برق كان وميضه غاب تسنمه ضرام مثقب تفسير : ويروى أفمنك وتشيمه بدل أفعنك وتسنمه، يعني أفعنك برق، ولا صلة، ومن شواهد زيادتها قول الشاعر: شعر : تذكرت ليلى فاعترتني صبابة وكاد صميم القلب لا يتقطع تفسير : يعني كاد يتقطع، وأما استدلال أبي عبيدة لزيادتها بقول الشماخ: شعر : أعائش ما لقومك لا أراهم يضيعون الهجان مع المضيع تفسير : فغلط منه، لأن لا في بيت الشماخ هذا نافية لا زائدة، ومقصوده أنها تنهاه عن حفظ ماله، مع أن أهلها يحفظون مالهم، أي لا أرى قومك يضيعون مالهم وأنت تعاتبينني في حفظ مالي، وما ذكره الفراء من أن لفظة لا لا تكون صلة إلا في الكلام الذي فيه معنى الجحد، فهو أغلبي لا يصح على الإطلاق، بدليل بعض الأمثلة المتقدمة التي لا جحد فيها كهذه الآية، على القول بأن لا فيها صلة، وكبيت ساعدة الهذلي، وما ذكره الزمخشري من زيادة لا في أول الكلام دون غيره، فلا دليل عليه. انتهى محل الغرض من كتابنا: [دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب]. وقرأ هذا الحرف الكسائي وحده من السبعة: ألا يسجدوا بتخفيف اللام من قوله ألا، وعلى قراءة الكسائي هذه، فلفظة ألا حرف استفتاح، وتنبيه ويا حرف نداء، والمنادى محذوف تقديره ألا يا هؤلاء اسجدوا، واسجدوا فعل أمر ومعلوم في علم القراءات، أنك إذا قيل لك: قف على كل كلمة بانفرادها في قراءة الكسائي أنك تقف في قوله: ألا يسجدوا ثلاث وقفات الأولى: أن تقف على ألا. والثانية: أن تقف على يا، والثالثة: أن تقف على اسجدوا، وهذا الوقف وقف اختبار لا وقف اختيار وأما على قراءة الجمهور، فإنك تقف وقفتين فقط. الأولى: على ألا، ولا تقف على أن لأنها مدغمة في لا، والثانية: أنك تقف على يسجدوا. واعلم أنه على قراءة الكسائي قد حذف في الخط ألفان، الأولى: الألف المتصلة بياء النداء، والثانية: ألف الوصل في قوله: اسجدوا، ووجه بعض أهل العلم إسقاطهما في الخط، بأنهما لما سقطتا في اللفظ، سقطتا في الكتابة قالوا ومثل ذلك في القرآن كثير. واعلم أن جمهور أهل العلم على ما ذكرنا في قراءة الكسائي من أن لفظة ألا للاستفتاح والتنبيه، وأن يا حرف نداء حذف منه الألف في الخط، واسجدوا فعل أمر قالوا، وحذف المنادى مع ذكر أداة النداء أسلوب عربي معروف، ومنه قول الأخطل: شعر : ألا يا اسلمي يا هند هند بني بكر وإن كان حيانا عدى آخر الدهر تفسير : وقول ذي الرمة: شعر : ألا يا اسلمي يا دارمي على البلا ولا زال منهلاً بجر عائك القطر تفسير : فقوله في البيتين ألا اسلمي: أي يا هذه اسلمي، وقول الآخر: شعر : ألا يا اسلمي ذات الدماليج والعقد تفسير : وقول الشماخ: شعر : ألا يا صحبي أصبحاني قبل غارة سنجالي وقبل منايا قد حضرن وآجالي تفسير : يعني ألا يا صحبي أصبحاني، ونظيره قول الآخر: شعر : ألا يا اسقياني قبل خيل أبي بكر تفسير : ومنه قول الآخر: شعر : فقالت ألا يا اسمع أعظك بخطبة فقلت سمعنا فانطقي وأصيبي تفسير : يعني ألا يا هذا اسمع، وأنشد سيبويه لحذف المنادى مع ذكر أداته قول الشاعر: شعر : يا لعنة الله والأقوام كلهم والصالحين على سمعان من جار تفسير : بضم التاء من قوله: لعنة الله، ثم قال فيالغير اللعنة يعني أن المراد: يا قوم لعنة الله إلى آخره، وأنشد صاحب اللسان لحذف المنادى، مع ذكر أداته مستشهداً لقراءة الكسائي المذكورة قول الشاعر: شعر : يا قاتل صبياناً تجيء بهم أم الهنينين من زند لها واري تفسير : ثم قال كأنه أراد قوم قاتل الله صبياناً، وقول الآخر: شعر : يا من رأى بارقاً أكفكفه بين ذراعي وجبهة الأسد تفسير : ثم قال كأنه دعا يا قوم يا إخواتي، فلما أقبلوا عليه قال من رأى، وأنشد بعضهم لحذف المنادى مع ذكر أداته قول عنترة في معلقته: شعر : يا شاة ما قنص لمن حلت له حرمت على وليتها لم تحرم تفسير : قالوا: التقدير: يا قوم انظروا شاة ما قنص. واعلم أن جماعة من أهل العلم قالوا: إن يا على قراءة الكسائي، وفي جميع الشواهد التي ذكرنا ليست للنداء، وإنما هي للتنبيه فكل من ألا ويا: حرف تنبيه كرر للتوكيد، وممن روى عنه هذا القول أبو الحسن بن عصفور، وهذا القول اختاره أبو حيان في البحر المحيط، قال فيه: والذي أذهب إليه أن مثل هذا التركيب الوارد عن العرب، ليست: يا فيه للنداء، وحذف المنادى، لأن المنادى عندي لا يجوز حذفه، لأنه قد حذف الفعل العامل في النداء، وانحذف فاعله لحذفه، ولو حذف المنادى لكان في ذلك حذف جملة النداء، وحذف متعلقة، وهو المنادى، فكان ذلك إخلالاً كبيراً، وإذا أبقينا المنادى ولم نحذفه كان ذلك دليلاً على العامل فيه جملة النداء وليس حرف النداء حرف جواب كنعم، ولا، وبلى، وأجل، فيجوز حذف الجمل بعدهن لدلالة ما سبق من السؤال، على الجمل المحذوفة، فيا عندي في تلك التراكيب حرف تنبيه أكد به ألا التي للتنبيه، وجاز ذلك لاختلاف الحرفين ولقصد المبالغة في التوكيد، وإذا كان قد وجد التوكيد في اجتماع الحرفين المختلفي اللفظ العاملين في قوله: فأصبحن لا يسألنني عن بما يه: والمتفقي اللفظ العاملين في قوله: شعر : ولا للما بهم أبداً دواء تفسير : وجاز ذلك، وإن عدوه ضرورة أو قليلاً فاجتماع غير العالمين، وهما مختلفا اللفظ يكون جائزاً، وليس يا في قوله: شعر : يا لعنة الله والأقوام كلهم تفسير : حرف نداء عندي، بل حرف تنبيه جاء بعده المبتدأ، وليس مما حذف منه المنادى لما ذكرناه. انتهى الغرض من كلام أَبي حيان، وما اختاره له وجه من النظر. قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: ومما له وجه من النظر عندي في قراءة، الكسائي، أن يكون قوله: يا اسجدوا فعل مضارع حذفت منه نون الرفع، بلا ناصب، ولا جازم، ولا نون توكيد، ولا نون وقاية. وقد قال بعض أهل العلم: إن حذفها لا لموجب مما ذكر لغة صحيحة. قال النووي في شرح مسلم في الجزء السابع عشر في صفحة 207 ما نصه: قوله: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف يسمعوا وأنى يجيبوا وقد جيفوا. كذا هو في عامة النسخ، كيف يسمعوا، وأنى يجيبوا من غير نون وهي لغة صحيحة، وإن كانت قليلة الاستعمال، وسبق بيانها مرات. ومنها الحديث السابق في كتاب الإيمان "حديث : لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا" تفسير : انتهى منه، وعلى أن حذف نون الرفع لغة صحيحة. فلا مانع من أن يكون قوله تعالى: {يَسْجُدُوا} في قراءة الكسائي فعل مضارع، ولا شك أن هذا له وجه من النظر، وقد اقتصرنا في سورة الحجر على أن حذفها مقصور على السماع، وذكرنا بعض شواهده. والعلم عند الله تعالى. تنبيهان الأول: اعلم أن التحقيق أن آية النمل هذه محل سجدة على كلتا القراءتين، لأن قراءة الكسائي فيها الأمر بالسجود، وقراءة الجمهور فيها ذم تارك السجود، وتوبيخه. وبه تعلم أن قول الزجاج، ومن وافقه أنها ليست محل سجدة على قراءة الجمهور، وإنما هي محل سجود على قراء الكسائي، خلاف التحقيق وقد نبّه على هذا الزمخشري وغيره. التنبيه الثاني: اعلم أنه على قراءة الجمهور، لا يحسن الوقف على قوله: {أية : لاَ يَهْتَدُونَ} تفسير : [النمل: 24] وعلى قراءة الكسائي، يحسن الوقف عليه. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة {وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ} قرأه حفص والكسائي بالتاء الفوقية على الخطاب، وقرأه الباقون: يخفون، ويعلنون بالتحتية على الغيبة، والعلم عند الله تعالى.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلسَّمَاوَاتِ} (25) - وقدْ صَدَّهُمُ الشَّيطَانُ عنِ السَّبيلِ السَّوِيِّ حَتَّى لا يَسْجُدُوا للهِ الذِي يُخرِجُ المَخْبُوءَ في السَّماواتِ والأَرضِ، وَمَا جَعَلَ فيها من الأَرْزَاقِ: المَطرِ، والماءِ مِنَ السَّماءِ، والنَّبَاتِ مِنَ الأرْضِ، وَيَعْلَمُ مَا يُخفِيهِ العِبَادُ، ومَا يُعْلِنُونَهُ مِنَ الأَقْوَالِ والأَفْعالِ. الخَبْءَ - المَخْبُوءَ، المَسْتُورَ أَياً كَانَ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : {أَلاَّ ..} [النمل: 25] مكوَّنة من أنْ، لا، وعند إدغامهما تُقلَبُ النون لاَماً فتصير: ألاَّ، فالمعنى: وزيَّن لهم الشيطان أعمالهم، لماذا؟ لألاَّ يسجدوا، فهنا حرف جر محذوف كما تقول: عجبتُ من أن يَقْدم علينا فلان، أو عجبت أن يقدم علينا فلان. وفي قراءة أخرى: (أَلاَ) للحثِّ والحضِّ. وقلنا: إنه اختار هذه الصفة بالذات {ٱلَّذِي يُخْرِجُ ٱلْخَبْءَ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ ..} [النمل: 25] لأنه خبير في هذه المسألة، حيث يرى الماء في باطن الأرض، كما يرى أحدكم الزيت في إنائه. والمراد بالخبْء في السماوات: المطر، والخبْء في الأرض. النبات، ومنهما تأتي مُقوِّمات الحياة، فمن ماء المطر وخصوبة الأرض يأتي النبات، وعلى النبات يتغذَّى الحيوان، ويتغذّى الإنسان. بل إن الحق سبحانه {وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ} [النمل: 25]، كما قال في آية أخرى: {أية : وَمَا يَخْفَىٰ عَلَى ٱللَّهِ مِن شَيْءٍ فَي ٱلأَرْضِ وَلاَ فِي ٱلسَّمَآءِ}تفسير : [إبراهيم: 38]، وفي آية أخرى يقول سبحانه: {أية : قُلْ إِن تُخْفُواْ مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ ٱللَّهُ ..}تفسير : [آل عمران: 29].

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {يُخْرِجُ ٱلْخَبْءَ} معناه المطرُ. وقال: الخَفَايا.