٢٧ - ٱلنَّمْل
27 - An-Naml (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
27
Tafseer
البيضاوي
تفسير : {قَالَ سَنَنظُرُ} سنعرف من النظر بمعنى التأمل. {أَصَدَقْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ ٱلْكَـٰذِبِينَ} أي أم كذبت والتغيير للمبالغة ومحافظة الفواصل. {ٱذْهَب بّكِتَابِي هَـٰذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ } ثم تنح عنهم إلى مكان قريب تتوارى فيه. {فَٱنْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ } ما يرجع بعضهم إلى بعض من القول. {قَالَتْ } أي بعد ما ألقى إليها. {يٰأَيُّهَا ٱلْمَلأُ إِنّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ} لكرم مضمونه أو مرسله، أو لأنه كان مختوماً أو لغرابة شأنه إذ كانت مستلقية في بيت مغلقة الأبواب فدخل الهدهد من كوة وألقاه على نحرها بحيث لم تشعر به. {إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ} استئناف كأنه قيل لها ممن هو وما هو فقالت إنه، أي إن الكتاب أو العنوان من سليمان {وَإِنَّهُ} أي وإن المكتوب أو المضمون. وقرىء بالفتح على الإِبدال من {كِتَابٌ } أو التعليل لكرمه. {بِسْمِ اللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ }. {أَلاَّ تَعْلُواْ عَلَيَّ} أن مفسرة أو مصدرية فتكون بصلتها خبر محذوف أي هو أو المقصود أن لا تعلوا أو بدل من {كِتَابٌ }. {وَأْتُونِى مُسْلِمِينَ} مؤمنين أو منقادين، وهذا كلام في غاية الوجازة مع كمال الدلالة على المقصود، لاشتماله على البسملة الدالة على ذات الصانع تعالى وصفاته صريحاً أو التزاماً، والنهي عن الترفع الذي هو أم الرذائل والأمر بالإِسلام الجامع لأمهات الفضائل، وليس الأمر فيه بالانقياد قبل إقامة الحجة على رسالته حتى يكون استدعاء للتقليد فإن إلقاء الكتاب إليها على تلك الحالة من أعظم الدلالة. {قَالَتْ يٰأَيُّهَا ٱلْمَلأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي} أجيبوني في أمري الفتي واذكروا ما تستصوبون فيه. {مَا كُنتُ قَـٰطِعَةً أَمْراً} ما أبت أمراً. {حَتَّىٰ تَشْهَدُونِ} إلا بمحضركم استعطفتهم بذلك ليمالئوها على الإِجابة. {قَالُواْ نَحْنُ أُوْلُواْ قُوَّةٍ } بالأجساد والعدد. {وَأُوْلُواْ بَأْسٍ شَدِيدٍ} نجدة وشجاعة. {وَٱلأَمْرُ إِلَيْكِ} موكول. {فَٱنظُرِى مَاذَا تَأْمُرِينَ } من المقاتلة أو الصلح نطعك ونتبع رأيك. {قَالَتْ إِنَّ ٱلْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُواْ قَرْيَةً} عنوة وغلبة. {أَفْسَدُوهَا} تزييف لما أحست منهم من الميل إلى المقاتلة بادعائهم القوى الذاتية والعرضية، وإشعار بأنها ترى الصلح مخافة أن يتخطى سليمان خططهم فيسرع إلى إفساد ما يصادفه من أموالهم وعماراتهم، ثم أن الحرب سجال لا تدري عاقبتها. {وَجَعَلُواْ أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً} بنهب أموالهم وتخريب ديارهم إلى غير ذلك من الإِهانة والأسر. {وَكَذٰلِكَ يَفْعَلُونَ} تأكيد لما وصفت من حالهم وتقرير بأن ذلك من عاداتهم الثابتة المستمرة، أو تصديق لها من الله عز وجل. {وَإِنّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ} بيان لما ترى تقديمه في المصالحة، والمعنى إني مرسلة رسلاً بهدية أدفعه بها عن ملكي. {فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ ٱلْمُرْسَلُونَ } من حاله حتى أعمل بحسب ذلك. روي أنها بعثت منذر بن عمرو في وفد وأرسلت معهم غلماناً على زي الجواري وجواري على زي الغلمان، وحُقاً فيه درة عذراء وجزعة معوجة الثقب وقالت: إن كان نبياً ميز بين الغلمان والجواري وثقب الدرة ثقباً مستوياً وسلك في الخرزة خيطاً، فلما وصلوا إلى معسكره ورأوا عظمة شأنه تقاصرت إليهم نفوسهم، فلما وقفوا بين يديه وقد سبقهم جبريل بالحال فطلب الحق وأخبر عما فيه، فأمر الأرضة فأخذت شعرة ونفذت في الدرة وأمر دودة بيضاء فأخذت الخيط ونفذت في الجزعة، ودعا بالماء فكانت الجارية تأخذ الماء بيدها فتجعله في الأخرى ثم تضرب به وجهها والغلام كما يأخذه يضرب به وجهه ثم رد الهدية. {فَلَمَّا جَاء سُلَيْمَانَ} أي الرسول أو ما أهدت إليه وقرىء «فلما جاؤوا». {قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ} خطاب للرسول ومن معه، أو للرسول والمرسل على تغليب المخاطب. وقرأ حمزة ويعقوب بالإِدغام وقرىء بنون واحدة وبنونين وحذف الياء. {فَمَا ءاتَـٰنِى ٱللَّهُ} من النبوة والملك الذي لا مزيد عليه، وقرأ نافع وأبو عمرو وحفص بفتح الياء والباقون بإسكانها وبإمالتها. الكسائي وحده. {خَيْرٌ مّمَّا ءَاتَـٰكُمْ} فلا حاجة لي إلى هديتكم ولا وقع لها عندي. {بَلْ أَنتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ } لأنكم لا تعلمون إلا ظاهراً من الحياة الدنيا فتفرحون بما يهدى إليكم حباً لزيادة أموالكم، أو بما تهدونه افتخاراً على أمثالكم، والإِضراب عن إنكار الإِمداد بالمال عليه وتقليله إلى بيان السبب الذي حملهم عليه، وهو قياس حاله على حالهم في قصور الهمة بالدنيا والزيادة فيها. {اْرجِعِ} أيها الرسول. {إِلَيْهِمُ} إلى بلقيس وقومها. {فَلَنَأْتِيَنَّهُم بِجُنُودٍ لاَّ قِبَلَ لَهُمْ بِهَا } لا طاقة لهم بمقاومتها ولا قدرة لهم على مقابلتها وقرىء «بهم». {وَلَنُخْرِجَنَّهُم مِّنْهَا} من سبأ. {أَذِلَّةً} بذهاب ما كانوا فيه من العز. {وَهُمْ صَـٰغِرُونَ} أسراء مهانون.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى مخبراً عن قيل سليمان للهدهد، حين أخبره عن أهل سبأ وملكتهم {قَالَ سَنَنظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ ٱلْكَـٰذِبِينَ} أي: صدقت في إخبارك هذا، {أَمْ كُنتَ مِنَ ٱلْكَـٰذِبِينَ} في مقالتك؛ لتتخلص من الوعيد الذي أوعدتك؟ {ٱذْهَب بِّكِتَابِي هَـٰذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَٱنْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ} وذلك أن سليمان عليه السلام كتب كتاباً إلى بلقيس وقومها، وأعطاه ذلك الهدهد، فحمله، قيل: في جناحه؛ كما هي عادة الطير، وقيل: بمنقاره، وجاء إلى بلادهم، فجاء إلى قصر بلقيس إلى الخلوة التي كانت تختلي فيها بنفسها، فألقاه إليها من كوة هنالك بين يديها، ثم تولى ناحية أدباً ورياسة، فتحيرت مما رأت، وهالها ذلك، ثم عمدت إلى الكتاب، فأخذته ففتحت ختمه وقرأته، فإذا فيه: {إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ أَلاَّ تَعْلُواْ عَلَىَّ وَأْتُونِى مُسْلِمِينَ} فجمعت عند ذلك أمراءها ووزراءها، وكبراء دولتها ومملكتها، ثم قالت لهم: {قَالَتْ يٰأَيُّهَا ٱلْمَلأُ إِنَّيۤ أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ} تعني بكرمه: ما رأته من عجيب أمره؛ كون طائر جاء به، فألقاه إليها، ثم تولى عنها أدباً، وهذا أمر لا يقدر عليه أحد من الملوك، ولا سبيل لهم إلى ذلك، ثم قرأته عليهم: {إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ أَلاَّ تَعْلُواْ عَلَيَّ وَأْتُونِى مُسْلِمِينَ} فعرفوا أنه من نبي الله سليمان عليه السلام، وأنه لا قبل لهم به، وهذا الكتاب في غاية البلاغة والوجازة والفصاحة، فإنه حصل المعنى بأيسر عبارة وأحسنها. قال العلماء: لم يكتب أحد: بسم الله الرحمن الرحيم قبل سليمان عليه السلام. وقد روى ابن أبي حاتم في ذلك حديثاً في تفسيره حيث قال: حدثنا أبي، حدثنا هارون بن الفضل أبو يعلى الحنّاط، حدثنا أبو يوسف عن سلمة بن صالح عن عبد الكريم أبي أمية عن ابن بريدة عن أبيه قال: كنت أمشي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «حديث : إني أعلم آية لم تنزل على نبي قبلي بعد سليمان بن داود» تفسير : قلت: يا نبي الله أي آية؟ قال: «حديث : سأعلمكها قبل أن أخرج من المسجد» تفسير : قال: فانتهى إلى الباب، فأخرج إحدى قدميه، فقلت: نسي، ثم التفت إلي وقال: «حديث : إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم» تفسير : هذا حديث غريب، وإسناده ضعيف. وقال ميمون بن مهران: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكتب: باسمك اللهم حتى نزلت هذه الآية، فكتب {بِسْمِ اللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ} وقوله: {أَلاَّ تَعْلُواْ عَلَيَّ} قال قتادة: يقول: لا تجبروا علي، {وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ} وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: لا تمتنعوا ولا تتكبروا علي، وأتوني مسلمين. قال ابن عباس: موحدين، وقال غيره: مخلصين، وقال سفيان بن عيينة: طائعين.
المحلي و السيوطي
تفسير : {قَالَ } سليمان للهدهد {سَنَنظُرُ أَصَدَقْتَ } فيما أخبرتنا به {أَمْ كُنتَ مِنَ ٱلْكَٰذِبِينَ } أي من هذا النوع؟ فهو أبلغ من أم كذبت فيه، ثم دلّهم على الماء فاستُخْرِجَ وارتووا وتوضؤوا وصلَّوا ثم كتب سليمان كتاباً صورته: «من عبد الله سليمان ابن داود إلى بلقيس ملكة سبأ، بسم الله الرحمن الرحيم، السلام على من اتبع الهدى أما بعد: فلا تعلوا عليّ وأتوني مسلمين» ثم طبعه بالمسك وختمه بخاتمه ثم قال للهدهد:
الشوكاني
تفسير : جملة {قَالَ سَنَنظُرُ } مستأنفة جواب سؤال مقدّر أي قال سليمان للهدهد: سننظر فيما أخبرتنا به من هذه القصة {أَصَدَقْتَ } فيما قلت {أَمْ كُنتَ مِنَ ٱلْكَـٰذِبِينَ } هذه الجملة الاستفهامية في محل نصب على أنها مفعول {سننظر}، وأم هي المتصلة، وقوله: {أَمْ كُنتَ مِنَ ٱلْكَـٰذِبِينَ } أبلغ من قوله: أم كذبت؛ لأن المعنى: من الذين اتصفوا بالكذب، وصار خلقاً لهم. والنظر: هو التأمل والتصفح، وفيه إرشاد إلى البحث عن الأخبار، والكشف عن الحقائق، وعدم قبول خبر المخبرين تقليداً لهم واعتماداً عليهم إذا تمكن من ذلك بوجه من الوجوه. ثم بيّن سليمان هذا النظر الذي وعد به فقال: {ٱذْهَب بّكِتَابِي هَـٰذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ } أي إلى أهل سبأ. قال الزجاج: في "ألقه" خمسة أوجه: إثبات الياء في اللفظ وحذفها، وإثبات الكسرة للدلالة عليها، وبضم الهاء وإثبات الواو، وبحذف الواو وإثبات الضمة للدلالة عليها، وبإسكان الهاء. وقرأ بهذه اللغة الخامسة أبو عمرو وحمزة وأبو بكر. وقرأ قالون بكسر الهاء فقط من غير ياء. وروي عن هشام وجهان: إثبات الياء لفظاً، وحذفها مع كسر الهاء. وقرأ الباقون بإثبات الياء في اللفظ. وقوله {بّكِتَابِي هَـٰذَا } يحتمل أن يكون اسم الإشارة صفة للكتاب، وأن يكون بدلاً منه، وأن يكون بياناً له، وخصّ الهدهد بإرساله بالكتاب؛ لأنه المخبر بالقصة، ولكونه رأى منه من مخايل الفهم والعلم ما يقتضي كونه أهلاً للرسالة {ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ } أي تنحّ عنهم، أمره بذلك لكون التنحي بعد دفع الكتاب من أحسن الآداب التي يتأدب بها رسول الملوك، والمراد: التنحي إلى مكان يسمع فيه حديثهم حتى يخبر سليمان بما سمع، وقيل: معنى التولي: الرجوع إليه، والأوّل أولى لقوله: {فَٱنْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ } أي تأمل وتفكر فيما يرجع بعضهم إلى بعض من القول وما يتراجعونه بينهم من الكلام. {قَالَتْ } أي: بلقيس {يٰأَيُّهَا ٱلْمَلأ إِنّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ } في الكلام حذف، والتقدير: فذهب الهدهد، فألقاه إليهم، فسمعها تقول: يا أيها الملأ إلخ، ووصفت الكتاب بالكريم لكونه من عند عظيم في نفسها، فعظمته إجلالاً لسليمان، وقيل: وصفته بذلك لاشتماله على كلام حسن، وقيل: وصفته بذلك لكونه وصل إليها مختوماً بخاتم سليمان، وكرامة الكتاب ختمه كما روي ذلك مرفوعاً. ثم بينت ما تضمنه هذا الكتاب، فقالت: {إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ } أي: وإن ما اشتمل عليه من الكلام، وتضمنه من القول مفتتح بالتسمية، وبعد التسمية {أَن لا تَعْلُواْ عَلَيَّ } أي لا تتكبروا كما يفعله جبابرة الملوك، و"أن" هي المفسرة، وقيل: مصدرية، ولا ناهية، وقيل: نافية، ومحل الجملة الرفع على أنها بدل من كتاب، أو خبر مبتدأ محذوف أي هو أن لا تعلوا. قرأ الجمهور: {إنه من سليمان وإنه} بكسرهما على الاستئناف، وقرأ عكرمة وابن أبي عبلة بفتحهما على إسقاط حرف الجرّ، وقرأ أبيّ: "إن من سليمان وإن بسم الله" بحذف الضميرين، وإسكان النونين على أنهما مفسرتان، وقرأ عبد الله بن مسعود: "وإنه من سليمان" بزيادة الواو، وروي ذلك أيضاً عن أبيّ، وقرأ أشهب العقيلي وابن السميفع: "أن لا تغلوا" بالغين المعجمة من الغلوّ، وهو تجاوز الحدّ في الكبر {وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ } أي منقادين للدين مؤمنين بما جئت به. {قَالَتْ يٰأَيُّهَا ٱلْمَلأَ أَفْتُونِي فِى أَمْرِي} الملأ: أشراف القوم، والمعنى: يا أيها الأشراف أشيروا علي، وبيّنوا لي الصواب في هذا الأمر، وأجيبوني بما يقتضيه الحزم، وعبرت عن المشورة بالفتوى لكون في ذلك حلّ لما أشكل من الأمر عليها، وفي الكلام حذف، والتقدير: فلما قرأت بلقيس الكتاب جمعت أشراف قومها، وقالت لهم: يا أيها الملأ إني ألقي إليّ، يا أيها الملأ أفتوني، وكرّر «قالت» لمزيد العناية بما قالته لهم، ثم زادت في التأدب، واستجلاب خواطرهم، ليمحضوها النصح، ويشيروا عليها بالصواب، فقالت: {مَا كُنتُ قَـٰطِعَةً أَمْراً حَتَّىٰ تَشْهَدُونِ } أي ما كنت مبرمة أمراً من الأمور حتى تحضروا عندي، وتشيروا عليّ. فقولوا مجيبين لها {نَحْنُ أُوْلُواْ قُوَّةٍ } في العدد والعدّة {وَأُوْلُواْ بَأْسٍ شَدِيدٍ } عند الحرب، واللقاء لنا من الشجاعة والنجدة ما نمنع به أنفسنا وبلدنا ومملكتنا. ثم فوّضوا الأمر إليها لعلمهم بصحة رأيها، وقوّة عقلها فقالوا: {وَٱلأَمْرُ إِلَيْكِ } أي موكول إلى رأيك ونظرك {فَٱنظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ } أي تأملي ماذا تأمرينا به فنحن سامعون لأمرك مطيعون له فلما سمعت تفويضهم الأمر إليها {قَالَتْ إِنَّ ٱلْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُواْ قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا } أي إذا دخلوا قرية من القرى خرّبوا مبانيها، وغيروا معانيها، وأتلفوا أموالها، وفرّقوا شمل أهلها {وَجَعَلُواْ أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً } أي أهانوا أشرافها، وحطوا مراتبهم، فصاروا عند ذلك أذلة، وإنما يفعلون ذلك لأجل أن يتمّ لهم الملك، وتستحكم لهم الوطأة، وتتقرّر لهم في قلوبهم المهابة. قال الزجاج: أي إذا دخلوها عنوة عن قتال وغلبة، والمقصود من قولها هذا تحذير قومها من مسير سليمان إليهم، ودخوله بلادهم، وقد صدقها الله سبحانه فيما قالت، فقال سبحانه: {وَكَذٰلِكَ يَفْعَلُونَ } أي مثل ذلك الفعل يفعلون. قال ابن الأنباري: الوقف على قوله: {وَجَعَلُواْ أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً } وقف تام، فقال الله عزّ وجلّ تحقيقاً لقولها {وَكَذٰلِكَ يَفْعَلُونَ }، وقيل: هذه الجملة من تمام كلامها، فتكون من جملة مقول قولها، وعلى القول الأوّل تكون هذه الجملة مستأنفة لا محل لها من الإعراب. ثم لما قدّمت لهم هذه المقدّمة، وبيّنت لهم ما في دخول الملوك إلى أرضهم من المفسدة، أوضحت لهم وجه الرأي عندها، وصرحت لهم بصوابه، فقالت: {وَإِنّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ } أي إني أجرّب هذا الرجل بإرسال رسلي إليه بهدية مشتملة على نفائس الأموال، فإن كان ملكاً أرضيناه بذلك وكفينا أمره، وإن كان نبياً لم يرضه ذلك، لأن غاية مطلبه ومنتهى أربه هو الدعاء إلى الدين، فلا ينجينا منه إلاّ إجابته ومتابعته والتدين بدينه وسلوك طريقته؛ ولهذا قالت: {فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ ٱلْمُرْسَلُونَ } الفاء للعطف على مرسلة، و{بم} متعلق بـ {يرجع}، والمعنى: إني ناظرة فيما يرجع به رسلي المرسلون بالهدية من قبول أو ردّ فعاملة بما يقتضيه ذلك، وقد طوّل المفسرون في ذكر هذه الهدية، وسيأتي في آخر البحث بيان ما هو أقرب ما قيل إلى الصواب والصحة. {فَلَمَّا جَاء سُلَيْمَانَ } أي فلما جاء رسولها المرسل بالهدية سليمان، والمراد بهذا المضمر: الجنس، فلا ينافي كونهم جماعة كما يدل عليه قولها: {بم يرجع المرسلون} وقرأ عبد الله "فلما جاؤوا سليمان" أي الرسل، وجملة {قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ } مستأنفة جواب سؤال مقدّر، والاستفهام للاستنكار أي قال منكراً لإمدادهم له بالمال مع علوّ سلطانه وكثرة ماله. وقرأ حمزة بإدغام نون الإعراب في نون الوقاية، والباقون بنونين من غير إدغام، وأما الياء، فإن نافعاً وأبا عمرو وحمزة يثبتونها وصلاً ويحذفونها وقفاً، وابن كثير يثبتها في الحالين، والباقون يحذفونها في الحالين. وروي عن نافع أنه يقرأ بنون واحدة {فَمَا ءاتَـٰنِي ٱللَّهُ خَيْرٌ مّمَّا ءاتَـٰكُمْ } أي ما آتاني من النبوّة والملك العظيم والأموال الكثيرة خير مما آتاكم من المال الذي هذه الهدية من جملته. قرأ أبو عمرو ونافع وحفص {آتاني الله} بياء مفتوحة وقرأ يعقوب بإثباتها في الوقف وحذفها في الوصل، وقرأ الباقون بغير ياء في الوصل والوقف. ثم إنه أضرب عن الإنكار المتقدّم، فقال: {بَلْ أَنتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ } توبيخاً لهم بفرحهم بهذه الهدية فرح فخر وخيلاء، وأما أنا فلا أفرح بها، وليست الدنيا من حاجتي، لأن الله سبحانه قد أعطاني منها ما لم يعطه أحداً من العالمين، ومع ذلك أكرمني بالنبوّة. والمراد بهذا الإضراب من سليمان بيان السبب الحامل لهم على الهدية مع الإزراء بهم، والحط عليهم. {ٱرْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُم بِجُنُودٍ لاَّ قِبَلَ لَهُمْ بِهَا } أي قال سليمان للرسول: ارجع إليهم أي إلى بلقيس وقومها، خاطب المفرد ها هنا بعد خطابه للجماعة فيما قبل، إما لأن الذي سيرجع هو الرسول فقط، أو خص أمير الرسل بالخطاب هنا وخاطبهم معه فيما سبق افتناناً في الكلام. وقرأ عبد الله بن عباس: "ارجعوا"، وقيل: إن الضمير يرجع إلى الهدهد، واللام في "لنأتيهم" جواب قسم محذوف. قال النحاس: وسمعت ابن كيسان يقول: هي لام توكيد ولام أمر ولام خفض، وهذا قول الحذاق من النحويين؛ لأنهم يردّون الشيء إلى أصله، وهذا لا يتهيأ إلاّ لمن درب في العربية، ومعنى {لاَّ قِبَلَ لَهُمْ }: لا طاقة لهم بها، والجملة في محل جرّ صفة لجنود {وَلَنُخْرِجَنَّهُم } معطوف على جواب القسم، أي لنخرجنهم من أرضهم التي هم فيها {أَذِلَّةٍ } أي حال كونهم أذلة بعد ما كانوا أعزّة، وجملة: {وَهُمْ صَـٰغِرُونَ } في محل نصب على الحال، قيل: وهي حال مؤكدة؛ لأن الصغار هو الذلة، وقيل: إن المراد بالصغار هنا: الأسر، والاستعباد، وقيل: إن الصغار الإهانة التي تسبب عنها الذلة. ولما رجع الرسول إلى بلقيس تجهزت للمسير إلى سليمان، وأخبر جبريل سليمان بذلك، فقال سليمان: {ياأَيُّهَا ٱلْمَلأ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا } أي عرش بلقيس الذي تقدّم وصفه بالعظم {قَبْلَ أَن يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ } أي قبل أن تأتيني هي وقومها مسلمين. قيل: إنما أراد سليمان أخذ عرشها قبل أن يصلوا إليه ويسلموا؛ لأنها إذا أسلمت وأسلم قومها لم يحلّ أخذ أموالهم بغير رضاهم. قال ابن عطية: وظاهر الروايات أن هذه المقالة من سليمان هي بعد مجيء هديتها وردّه إياها وبعثه الهدهد بالكتاب، وعلى هذا جمهور المتأوّلين. وقيل: استدعاء العرش قبل وصولها؛ ليريها القدرة التي هي من عند الله ويجعله دليلاً على نبوّته، وقيل: أراد أن يختبر عقلها، ولهذا قَال: {نَكّرُواْ لَهَا عَرْشَهَا}.... إلخ، وقيل: أراد أن يختبر صدق الهدهد في وصفه للعرش بالعظم، والقول الأوّل هو الذي عليه الأكثر. {قَالَ عِفْرِيتٌ مّن ٱلْجِنّ أَنَاْ ءَاتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ } قرأ الجمهور بكسر العين وسكون الفاء وكسر الراء وسكون المثناة التحتية وبالتاء، وقرأ أبو رجاء وعيسى الثقفي وابن السميفع، وأبو السمال: "عفريه" بفتح التحتية بعدها تاء تأنيث منقلبة هاء رويت هذه القراءة عن أبي بكر الصديق. وقرأ أبو حيان بفتح العين. والعفريت: المارد الغليظ الشديد. قال النحاس: يقال للشديد إذا كان معه خبث ودهاء: عفر وعفريه وعفريت. وقال قتادة: هو الداهية، وقيل: هو رئيس الجنّ. قال ابن عطية: وقرأت فرقة: "عفر" بكسر العين جمعه على عفار، ومما ورد من أشعار العرب مطابقاً لقراءة الجمهور ما أنشده الكسائي:شعر : فقال شيطان لهم عفريت ما لكم مكث ولا تبييت تفسير : ومما ورد على القراءة الثانية قول ذي الرمة:شعر : كأنه كوكب في إثر عفرية مصوّب في سواد الليل منقضب تفسير : ومعنى قول العفريت: أنه سيأتي بالعرش إلى سليمان قبل أن يقوم من مجلسه الذي يجلس فيه للحكومة بين الناس {وَإِنّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ } إني لقويّ على حمله أمين على ما فيه. قيل: اسم هذا العفريت: كودن ذكره النحاس عن وهب بن منبه، وقال السهيلي: ذكوان. وقيل: اسمه دعوان. وقيل: صخر. وقوله: {ءَاتِيكَ } فعل مضارع، وأصله ءَأتيك بهمزتين، فأبدلت الثانية ألفاً. وقيل: هو اسم فاعل. {قَالَ ٱلَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مّنَ ٱلْكِتَـٰبِ أَنَاْ ءَاتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ } قال أكثر المفسرين: اسم هذا الذي عنده علم من الكتاب آصف بن برخيا، وهو من بني إسرائيل، وكان وزيراً لسليمان، وكان يعلم اسم الله الأعظم الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى. قال ابن عطية، وقالت فرقة: هو سليمان نفسه، ويكون الخطاب على هذا للعفريت: كأن سليمان استبطأ ما قاله العفريت، فقال له تحقيراً له: {أَنَاْ ءاتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ}، وقيل: هو جبريل، وقيل: الخضر. والأوّل أولى. وقد قيل: غير ذلك بما لا أصل له. والمراد بالطرف: تحريك الأجفان، وفتحها للنظر وارتداده انضمامها. وقيل: هو بمعنى المطروف، أي الشيء الذي ينظره، وقيل: هو نفس الجفن عبر به عن سرعة الأمر كما تقول لصاحبك: افعل ذلك في لحظة. قاله مجاهد. وقال سعيد بن جبير: إنه قال لسليمان: انظر إلى السماء فما طرف حتى جاء به، فوضعه بين يديه، والمعنى: حتى يعود إليك طرفك بعد مدّه إلى السماء، والأول أولى هذه الأقوال. ثم الثالث {فَلَمَّا رَءاهُ مُسْتَقِرّاً عِندَهُ } قيل: في الآية حذف، والتقدير: فأذن له سليمان، فدعا الله، فأتى به، فلما رآه سليمان مستقرًّا عنده أي رأى العرش حاضراً لديه {هَـٰذَا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِيۤ أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ} الإشارة بقوله: {هَـٰذَا } إلى حضور العرش، {ليبلوني} أي ليختبرني أشكره بذلك، وأعترف أنه من فضله من غير حول مني ولا قوّة، أم أكفر بترك الشكر وعدم القيام به. قال الأخفش: المعنى: لينظر أأشكر أم أكفر، وقال غيره: معنى {لِيَبْلُوَنِي}: ليتعبدني، وهو مجاز، والأصل في الابتلاء الاختبار. {وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ }؛ لأنه استحق بالشكر تمام النعمة ودوامها، والمعنى: أنه لا يرجع نفع ذلك إلاّ إلى الشاكر {وَمَن كَفَرَ } بترك الشكر {فَإِنَّ رَبّي غَنِيٌّ } عن شكره {كَرِيمٌ } في ترك المعاجلة بالعقوبة بنزع نعمه عنه، وسلبه ما أعطاه منها، و"أم" في {أَمْ أَكْفُرُ } هي متصلة. وقد أخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {ٱذْهَب بّكِتَابِي هَـٰذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ } يقول: كن قريباً منهم {فَٱنْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ } فانطلق بالكتاب حتى إذا توسط عرشها ألقى الكتاب إليها، فقرىء عليها، فإذا فيه: {إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ }، وأخرج ابن مردويه عنه: {كِتَابٌ كَرِيمٌ } قال: مختوم، وأخرج ابن أبي حاتم عن ميمون بن مهران: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يكتب: «باسمك اللهم» حتى نزلت {إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ }. وأخرج أبو داود في مراسيله عن أبي مالك مرفوعاً مثله. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {أَفْتُونِي فِي أَمْرِي } قال: جمعت رؤوس مملكتها فشاورتهم في رأيها، فأجمع رأيهم ورأيها على أن يغزوه، فسارت حتى إذا كانت قريبة قالت: أرسل إليهم بهدية، فإن قبلها، فهو ملك أقاتله، وإن ردّها تابعته، فهو نبيّ، فلما دنت رسلها من سليمان علم خبرهم، فأمر الشياطين، فموّهوا ألف قصر من ذهب وفضة، فلما رأت رسلها قصور الذهب قالوا: ما يصنع هذا بهديتنا، وقصوره ذهب وفضة، فلما دخلوا عليه بهديتها قال: {أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ }، ثم قال سليمان: {أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَن يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ } فقال كاتب سليمان: ارفع بصرك، فرفع بصره، فلما رجع إليه طرفه فإذا هو بسرير {قَالَ نَكّرُواْ لَهَا عَرْشَهَا } فنزع منه فصوصه، ومرافقه، وما كان عليه من شيء فـ قيل لها: {أَهَكَذَا عَرْشُكِ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ} وأمر الشياطين فجعلوا لها صرحاً ممرّداً من قوارير، وجعل فيها تماثيل السمك، فقيل لها: {ٱدْخُلِي ٱلصَّرْحَ } فكشفت عن ساقيها فإذا فيها شعر، فعند ذلك أمر بصنعة النورة فصنعت. فقيل لها: {إِنَّهُ صَرْحٌ مُّمَرَّدٌ مّن قَوارِيرَ قَالَتْ رَبّ إِنّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَـٰنَ لِلَّهِ رَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ}. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه في قوله: {إِنَّ ٱلْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُواْ قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا } قال: إذا أخذوها عنوة أخربوها. وأخرج ابن أبي حاتم عنه أيضاً قال: يقول الربّ تبارك وتعالى: {وَكَذٰلِكَ يَفْعَلُونَ }. وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف، وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه أيضاً في قوله: {وَإِنّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ } قال: أرسلت بلبنة من ذهب، فلما قدموا إذا حيطان المدينة من ذهب فذلك قوله: {أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ } الآية. وقال ثابت البناني: أهدت له صفائح الذهب في أوعية الديباج. وقال مجاهد: جواري لباسهن لباس الغلمان، وغلمان لباسهم لباس الجواري. وقال عكرمة: أهدت مائتي فرس على كلّ فرس غلام وجارية، وعلى كلّ فرس لون ليس على الآخر. وقال سعيد بن جبير: كانت الهدية جواهر، وقيل غير ذلك مما لا فائدة في التطويل بذكره. وأخرج ابن المنذر من طريق عليّ بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله: {قَبْلَ أَن يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ } قال: طائعين. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عنه قال: اسم العفريت: صخر. وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه أيضاً: {قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ } قال: من مجلسك. وأخرج ابن أبي حاتم عنه أيضاً: {قَالَ ٱلَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مّنَ ٱلْكِتَـٰبِ } قال: هو آصف بن برخيا، وكان صديقاً يعلم الاسم الأعظم. وأخرج أبو عبيد، وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد قال: في قراءة ابن مسعود: "قال الذي عنده علم من الكتاب أنا أنظر في كتاب ربي، ثم آتيك به قبل أن يرتدّ إليك طرفك" قال: فتكلم ذلك العالم بكلام دخل العرش في نفق تحت الأرض حتى خرج إليهم. وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس في قوله: {قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ } قال: قال لسليمان: انظر إلى السماء، قال: فما أطرف حتى جاءه به فوضعه بين يديه. وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن عساكر، عن ابن عباس قال: لم يجر عرش صاحبة سبأ بين الأرض والسماء، ولكن انشقت به الأرض، فجرى تحت الأرض حتى ظهر بين يدي سليمان.
الماوردي
تفسير : قوله: {قَالَ سَنَنظُرُ أَصَدَقْتَ...} الآية، هذا قول سليمان للهدهد قال ابتلي فاختبر من ذلك فوجده صادقاً. {اذْهَبِ بِّكِتَابِي هَذَا إِلَيهِمْ} قال مجاهد أخذ الهدهد الكتاب بمنقاره فأتى بهوها فجعل يدور فيه فقالت ما رأيت خيراً منذ رأيت هذا الطير في بهوي فألقى الكتاب إليها. قال قتادة: فألقاه على صدرها وهي نائمة، قال يزيد بن رومان: كانت في ملك من مضى من أهلها وقد سيست وساست حتى أحكمها ذلك. {ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ} قال ابن عباس كن قريباً منهم. {فَانظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ} فيه تقديم وتأخير تقديره فألقه إليهم فانظر ماذا يرجعون ثم تول عنهم، حكاه ابن عيسى، وقاله الفراء. قوله: {قَالَتْ يَآ أَيُّهَأ المَلأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِليَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ} وفي صفتها الكتاب أنه كريم، أربعة أوجه: أحدها: لأنه مختوم، قاله السدي. الثاني: لحسن ما فيه، قاله قتادة. الثالث: لكرم صاحبه وأنه كان ملكاً، حكاه ابن بحر. الرابع: لتسخير الهدهد به بحمله. ويحتمل خامساً: لإلقائه عليها عالياً من نحو السماء. قوله تعالى: {إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ} الآية، أما قولها إنه من سليمان فلإعلامهم مرسل الكتابي وممن هو. وأما قولها: {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} فلاستنكار هذا الاستفتاح الذي لم تعرفه هي ولا قومها لأن أول من افتتح {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} سليمان. روى ابن بريدة عن أبيه قال كنت أمشي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "حديث : إِنِّي لأَعْلَمُ آيَةً لَمْ تَنْزِلْ عَلَى نَبِيٍ قَبْلِي بَعْدَ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ تفسير : ،قال: قلت يا رسول الله أي آية هي؟ قال: حديث : سَأُعَلِّمُكَهَا قَبْلَ أَنْ أَخْرُجَ مِنَ المَسْجِدِ تفسير : قال: فانتهى إلى الباب فأخرج إحدى قدميه فقلت: نسي ثم التفت إليّ فقال: حديث : إِنَّهُ مِنْ سُلَيمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ". تفسير : حكى عاصم عن الشعبي قال: كَانَتْ كُتُبُ رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعة كتب كان يكتب: باسمك الله، فلما نزلت {أية : بِسْمِ اللَّهِ مَجْرِيهَا} تفسير : [هود: 41] كتب: باسم الله، فلما نزلت {أية : قُلِ ادْعُواْ اللَّهَ أَوِ ادْعُواْ الرَّحْمَنَ} تفسير : [الإِسراء: 110] كتب: باسم الله الرحمن، فلما نزلت {إِنَّهُ مِن سُلَيمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ} كتب: بسم الله الرحمن الرحيم. قال عاصم قلت للشعبي أنا رأيت كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} قال ذلك الكتاب الثالث. وأما قوله: {ألا تعلواْ عليَّ وأتوني مسلمين} فهذه كتب الأنباء موجزة مقصورة على الدعاء إلى الطاعة من غير بسط ولا إٍسهاب. وفي {أَلاَّ تَعْلُواْ عَلَيَّ} ثلاثة أقاويل: أحدها: لا تخالفوا عليّ، قاله قتادة. الثاني: لا تتكبروا علي، قاله السدي وابن زيد. الثالث: لا تمتنعوا عليّ، قاله يحيى بن سلام. {وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ} فيه أربعة تأويلات: أحدها: مستسلمين، قاله الكلبي. الثاني: موحدين، قاله ابن عباس. الثالث: مخلصين، قاله زهير. الرابع: طائعين، قاله سفيان.
القشيري
تفسير : وفي هذا دلالة على أن خَبَرَ الواحدِ لا يوجِب العلمَ فيجب التوقفُ فيه على حدِّ التجويز، وفيه دلالة على أنه لا يُطْرَح بل يجب أن يُتَعَرَّفَ: هل هو صدق أم كذب؟ ولمَّا عَرَفَ سليمان هذا العُذْرَ تَرَكَ عقوبتَه وما تـَوَعَّدَه به.. وكذلك سبيلُ الوالي؛ فإنَّ عَدْلَه يمنعه من الحيفِ على رعيته، ويَقْبَلُ عُذْرَ مَنْ وَجَدَهُ في صورة المجرمين إذا صَدَقَ في اعتذاره.
اسماعيل حقي
تفسير : {قال} استئناف بيانى كأنه قيل فما فعل سليمان بعد فراغ الهدهد من كلامه فقيل قال {سننظر} فما اخبرتنا من النظر بمعنى التأمل والسين للتأكيد اى لنعرف بالتجربة البتة. وقال الكاشفى [زود باشدكه درنكريم وتأمل كنيم درين كه] {أصدقت} فيما قلت {ام كنت من الكاذبين} وفى هذا دلالة على ان خبر الواحد وهو الحديث الذى يرويه الواحد والاثنان فصاعدا مالم يبلغ حد الشهرة والتواتر لايوجب العلم فيجب التوقف فيه على حد التجويز. وفيه دليل على ان لايطرح بل يجب ان يتعرف هل هو صدق او كذب فان ظهرت امارات صدقه قبل والا لم يقبل. قال بعضهم سليمان عليه السلام [ملك ومال وجمال بلقيس بشنيد ودروى اثر نكرد وطمع در آن نيست بازجون حديث دين كردكه {أية : وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله}تفسير : متغير كشت ازمهر دين اسلام درخشتم شد كفت كاغد ودوات بياريد تنامه نويسم واورا بدين اسلام دعوت كنم]. فكتب اى فى المجلس او بعده كتابا الى بلقيس فقال فيه "من عبدالله سليمان بن داود الى ملكة سبأ بلقيس بسم الله الرحمن الرحيم السلام على من اتبع الهدى اما بعد فلا تعلوا علىّ وائتونى مسلمين" ثم طبعه بالمسك وختمه بخاتمه المنقوش على فصه اسم الله الاعظم ودفعه الى الهدهد فاخذه بمقاره او علقه بخيط وجعل الخيط فى عنقه وقال {اذهب بكتابى هذا} [ببراين نوشته مرا] فتكون الباء للتعدية وتخصيصه بالرسالة دون سائر ما تحت ملكه من ابناء الجن والاقوياء على التصرف والتعرف لما عاين فيه من علامات العلم والحكمة وصحة الفراسة ولئلا يبقى لها عذر. وفى التأويلات النجمية يشير الى انه لما صدق فيما اخبر وبذل النصح لملكه وراعى جانب لحق عوض عليه حتى اهل لرسالة رسول الحق على ضعف صورته ومعناه {فالقه اليهم} اى اطرحه على بلقيس وقومها لانه ذكرهم معها فى قوله وجدتها وقومها. وفى الارشاد وجمع الضمير لما ان مضمون الكتاب الكريم دعوة الكل الى الاسلام. قوله القه بسكون الهاء تخفيفا لغة صحيحة او على نية الوقف يعنى ان اصله القه بكسر القاف والهاء على انه ضمير مفعول راجع الى الكتاب فجزم لما ذكر {ثم تولى عنهم} اى اعرض عنهم بترك وليهم وقربهم وتبعد الى مكان تتوارى فيه وتسمع ما يجيبونه {فانظر} تأمل وتعرف {ماذا يرجعون} اى ماذا يرجع بعضهم الى بعض من القول [وسخن را برجه قرار ميدهند]. قال ابن الشيخ ماذا اسم واحد استفهام منصوب بيرجعون او مبتدأ وذا بمعنى الذى ويرجعون صلتها والعائد محذوف اى أى شىء الذى يرجعونه ـ روى ـ ان الهدهد اخذ الكتاب واتى بلقيس فوجدها راقدة فى قصرها بمأرب وكانت اذا رقدت غلقت الابواب ووضع المفاتيح تحت رأسها فدخل من كوة والقى الكتاب على نحرها وهى مستلقية وتأخر يسيرا فانتبهت فزعة وكانت قارئة كاتبة عربية من نسل تبع الحميرى فلما رأت الخاتم ارتعدت وخضعت لان ملك سليمان كان من خاتمه وعرفت ان الذى ارسل الكتاب اعظم ملكا منها لطاعة الطير اياه وهيئة الخاتم فعند ذلك {قالت} لاشراف قومها وهم ثلاثمائة وثلاثة عشرة او اثنا عشر الفا {يا ايها الملؤا} [اى كروه اشراف]. والملأ عظماء القوم الذين يملأون العيون مهابة والقلوب جلالة جمعه املاء كنبأ وانباء {انى القى الىّ كتاب كريم} مكرم على معظم لدى لكونه مختوما بخاتم عجيب واصلا على نهج غير معتاد كما قال فى الاسئلة المقحمة معجزة سليمان كانت فى خاتمه فختم الكتاب بالخاتم الذى فيه ملكه فاوقع الرعب فى قلبها حتى شهدت بكرم كتابه اظهارا لمعجزته انتهى. ويدل على ان الكريم هنا بمعنى المختوم قوله عليه السلام "حديث : كرم الكتاب ختمه"تفسير : وعن ابن عباس بزيادة وهو قوله تعالى {انى القى الى كتاب كريم} كما فى المقاصد الحسنة للسخاوى. وكان عليه السلام يكتب الى العجم فقيل انهم لايقبلون الا كتابا عليه خاتم فاتخذ لنفسه خاتما من فضة ونقش فيه محمد رسول الله وجعله فى خنصر يده اليسرى على مارواه انس رضى الله عنه. ويقال كل كتاب لايكون مختوما فهو مغلوب. وفى تفسير الجلالين كريم اى حسن مافيه انتهى كما قال ابن الشيخ فى اوائل سورة الشعراء كتاب كريم اى مرضى فى لفظه ومعانيه او كريم شريف لانه صدر بالبسلمة كما قال بعضهم [جون مضمون نامه نام خداوند بوده بس آن نامه بزركترين وشريفترين همه نامها باشد] شعر : اى نام توبهترين سر آغاز بى نام تو نامه جون كنم باز آرايش نامهاست نامت آسايش سينها كلامت تفسير : وفى التأويلات النجمية يشير الى ان الكتاب لما كان سببا لهدايتها وحصول ايمانها سمته كريما لانها بكرامته اهتدت الى حضرة الكريم. قال بعضهم لاحترامها الكتاب رزقت الهداية حتى آمنت كالسحرة لما قدموا فى قولهم ياموسى اما ان تلقى وراعوا الادب رزقوا الايمان ولما مزق كسرى كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم مزق الله ملكه وجازاه فى كفره وعناده
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جل جلاله: {قال} سليمانُ للهدهد: {سننظرُ} أي: نتأمل فيما أخبرتَ، فتعلمُ {أَصَدَقْتَ أم كنتَ من الكاذبين}، وهو أبلغُ من: أَكَذَبْتَ؛ لأنه إذا كان معروفاُ بالانخراط في سلك الكاذبين كان كاذباً، لا محالة، وإذا كان كاذباً اتّهم فيما أخبر به، فلا يُوثق به، ثم كتب: من عبد الله، سليمان بن داود، إلى بلقيس ملكة سبأ؛ بسم الله الرحمن الرحيم، السلام على من اتبع الهدى، أما بعد: فلا تعلوا عليّ وأتوني مسلمين. قال منصور: كان سليمان أبلغ الناس في كتابه، وأقلهم كلاماً فيه. ثم قرأ: {إنه من سليمان...} إلخ، والأنبياء كلهم كذلك، كانت تكتب جُملاً، لا يُطيلون ولا يُكثرون. وقال ابن جريج: لم يزد سليمان على ما قال الله تعالى: {إِنه من سليمان...} إلخ. ثم طَيَّبه بالمسك، وختمه بخاتمه، وقال للهدهد: {اذهب بكتابي هذا فَأَلْقِه إِليهم} أي: إلى بلقيس وقومها؛ لأنه ذكرهم معها في قوله: {وجدتها وقومها}، وبنى الخطاب على لفظ الجمع لذلك. {ثم تولّ عنهم} أي: تنح عنهم إلى مكان قريب، بحيث تراهم ولا يرونك، ليكون ما يقولون بمسمع منك، {فانظرْ ماذا يرجعون} أي: ما الذي يردُّون من الجواب، أو: ماذا يرجع بعضهم إلى بعض من القول. فأخذ الهدهدُ الكتابَ بمنقاره، ودخل عليها من كوّة، فطرح الكتاب على نحرها، وهي راقدةٌ، وتوارى في الكوة. وقيل: نقرها، فانتبهت فزعة، أو: أتاها الجنود حولها، فوقف ساعة يرفرف فوق رؤوسهم، ثم طرح الكتاب في حجرها، وكانت قارئة، فلما رأت الخاتم {قالت} لأشرف قومها وهي خائفة: {يا أيها الملأ إني أُلقي إليَّ كتابٌ كريمٌ}، وصفتْه بالكرم لكرم مضمونه؛ إذ هو حق، أو: لأنه من ملك كريم، أو: لكونه مختوماً. قال - عليه الصلاة والسلام -: "حديث : كَرَمُ الكتابِ خَتْمُهُ" تفسير : أو: لكونه مصدراً بالتسمية، أو: لغرابة شأنه، ووصوله إليها على وجه خرق العادة. ومضمونه والمكتوب فيه: {إنه من سليمانَ وإنه بسم الله الرحمن الرحيم}، وهذا تبيين لما أُلقي إليها, كأنها لما قالت: {أُلقي إليّ كتاب كريم} قيل لها: ممن هو وما هو؟ فقالت: {إنه من سليمانَ وإنه بسم الله الرحمن الرحيم ألا تعلُوا عليَّ}, "إن": مفسرة، أي: لا تترفعوا عليّ ولا تتكبروا، كما يفعل جبابرة الملوك، {وأْتُوني مسلمين}: مؤمنين، أو: منقادين، وليس فيه الأمر بالإسلام. وقيل: إقامة الحجة على رسالته؛ لأن إلقاء الكتاب على تلك الصفة معجزة باهرة. {قالت يا أيها الملاُ}، كررت حكاية قولها إيذاناً بغاية اعتنائها بما في حيزه: {أفتُوني في أمري} أي: أجيبوني في أمري، الذي حزبني وذكرتُه لكم، وعبّرت عن الجواب بالفتوى، الذي هو الجواب عن الحوادث المشكلة غالباً؛ تهويلاً للأمر، ورفعاً لمحلهم، بالإشعار بأنهم قادرون على حل المشكلات الملمة. ثم قالت: {ما كنتُ قاطعةً أمراً} من الأمور المتعلقة بالمملكة {حتى تََشهدُونِ} بكسر النون، ولا يصح الفتح؛ لأنه يُحذف للناصب. وأصله: تشهدونني، فحذفت الأولى للناصب وبقي نون الوقاية، أي: تحضروني، وتشهدوا أنه على صواب، أي: لا أقطع أمراً إلا بمحضركم. وقيل: كان أهل مشورتها ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً، كل واحد على عشرة آلاف. {قالوا} في جوابها: {نحنُ أولو قوةٍ وأولو بأس شديد} أي: نجدة وشجاعة، فأرادوا بالقوة: قوة الأجساد والآلات، وبالبأس: النجدة والبلاء في الحرب. {والأمرُ إليك} أي: هو موكل إليك {فانظري ماذا تأمرين}، فنحن مطيعون إليك، فمُرينا بأمرك، نمتثل أمرك، ولا نخالفك. كأنهم أشاروا عليها بالقتال، أو أرادوا: من أبناء الحرب، لا من أبناء الرأي والمشهورة، وأنت ذات الرأي والتدبير، فانظري ماذا تأمرين نتبع رأيك. فلما أحسنت منهم الميلَ إلى المحاربة مالتْ إلى المصالحة، فزيفت رأيهم، حيث {قالت إنَّ الملوك إِذا دخلوا قريةً} على منهاج المقاتلة والحرب، أو عنوة وقهراً {أفسدوها} بتخريب عمارتها، وإتلاف ما فيها من الأموال، {وجعلوا أَعِزَّةَ أهلها أذلةً} بالقتل والاسر والإجلاء، وغير ذلك من فنون الإهانة؛ ليستقيم لهم مُلْكُهم وحدهم. ثم قالت: {وكذلك يفعلون} أي: وهذه عادتهم المستمرة التي لاتتغير، لأنها كانت في بيت المملكة قديماً، أباً عن أب، فجربت الأمور، أو: يكون من قول الله تعالى، تصديقاً لقولها، أي: قال الله تعالى: وكذلك شأن الملوك إذا غلبوا وقهروا أفسدوا. وأنشدوا في هذا المعنى: شعر : إِنَّ الْمُلُوكَ بَلاَءٌ حَيثُمَا حَلُّوا فَلاَ يَكُن بكَ فِي أَكْنَافِهِمْ ظلُّ مَاذَا يُؤمَّل مِن قَوْمٍ إِذَا غَضِبُوا جَارُوا عَلَيْكَ وَإِن أَرْضَيْتهمُ مَلوا وَإِن صدقتهم خالوك تخدعهم واستثقلُوكَ كَمَا يُسْتَثْقَلُ الكُلّ فَاسْتَغْنِ بالله عن أبْوابِهِمْ أبداً إِنَّ الْوُقُوفَ عَلَى أَبْوَابِهِم ذُلُّ تفسير : ففي صحبة الملوك خطير كبير، وتعب عظيم، فمن قوي نوره، حتى يغلب على ظلمتهم، بحيث يتصرف فيهم، ولا يتصرفون فيه، فلا بأس بمعرفتهم، إن كان فيه نفع للناس بالشفاعة والنصيحة، وقد أقيم في هذا المقام الشيخ أبو حسن الشاذلي، وشيخ شيخنا مولاي العربي الدرقاوي - رضي الله عنهما - وكان تلميذاهما الشيخ أبو العباس المرسي، وشيخنا سيدي محمد البوزيدي الحسني - رضي الله عنهما - يفران من صحبتهم، أشد الفرار وهو أسلم. والله تعالى أعلم. الإشارة: قال صاحب الخصوصية لنفسه: سننظر أَصدقتِ في الخصوصية أم أنتِ من الكاذبين، اذهب بما معك من العلم، وذكّر به عباد الله، وألقه إليهم، ثم تولّ عنهم، وانظر ماذا يرجعون، فإن تأثروا بوعظك، وانتقش فيهم قولك، فأنتِ صادقة في ثبوت الخصوصية لديك؛ لأن أهل العلم بالله إذا تكلموا وقع كلامهم في قلوب العباد، فحييت به قلوبهم وأرواحهم. ومن لا خصوصية له صدت كلامه الآذان. قالت حين أرادت التذكير: يا أيها الملاُ إني أُلقي إليّ في قلبي كتابٌ كريمٌ، وعلمٌ عظيم، فلا تعل عليّ وأتوني مسلمين، منقادين لما آمركم به، وقالت - لَمَّا تطهرت من الأكدار، وتحررت من الأغيار، وأحدقت بها جنود الأنوار: يا أيها الملأ - تعني جنود الأنوار - أفتوني في أمري الذي أريد ان أفعله، ما كنت قاطعة أمراً من الأمور، التي تتجلى في القلب، حتى تشهدون، وتشهدوا أنه رشد وحق، قالو: نحن أولو قوة وأولو بأس شديد، والأمر إليك، حيث تطهرت، فانظري ماذا تأمرين؛ لأن النفس إذا تزكت وتخلصت وجب تصديقها فيما تهتم به، قالت: إن الملوك - أي: الواردات الإلهية التي تأتي من حضرة القهار، إذا دخلوا قرية، أي: قلب نفس، أفسدوا ظاهرها بالتخريب والتعذيب، وجعلوا أعزةَ أهلها أذلة، أي: أبدلوا عزها ذُلاً، وجاهها خمولاً، وغناها من الدنيا فقراً، وكذلك يفعلون. وفي الحِكَم العطائية: "متى وردت الواردات الإلهية عليك هدمت العوائد لديك، إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها، وجعلوا أعزة أهلها أذلة وكذلك يفعلون". فكل وارد نزل بالإنسان ولم يغير عليه عوائده فهو كاذب، قال في الحِكَمِ: "لا تزكين وارداً لم تعلم ثمرته، فليس المراد من السحابة الأمطار، وإنما المراد منها وجود الأثمار". وبالله التوفيق. ثم اشارت عليهم بإرسال الهدية لسليمان، كما قال تعالى: {وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ...}
الطوسي
تفسير : لما سمع سليمان ما اعتذر به الهدهد في تأخره بما قصه الله تعالى وذكرناه قال عند ذلك {سننظر أصدقت أم كنت من الكاذبين} في قولك الذي أخبرتنا به فأجازيك بحسب ذلك. وإنما لم يقل: أصدقت أم كذبت، وقال: أم كنت من الكاذبين، لأنه أليق في الخطاب، لأنه قد يكون من الكاذبين بالميل اليهم وقد يكون منهم بالقرابة التي بينه وبينهم. وقد يكون منهم بأن يكذب كما كذبوا ومثل ذلك في الخطاب ولينه قولهم: ليس الأمر على ما تقول، فهو ألين من كذبت، لأنه قد يكون ليس كما تقول من جهة الغلط الذي لا يوصف بالصدق ولا بالكذب. ثم أمر سليمان الهدهد بأن يذهب بكتابه الذي كتبه له وأشار اليه بقوله {هذا فألقه إليهم ثم تولى عنهم فانظر ماذا يرجعون} وقيل: في الكلام تقديم وتأخير، وتقديره فالقه اليهم فانظر ماذا يرجعون، ثم تولا عنهم، وهذا لا يحتاج اليه، لأن الكلام صحيح على ما هو عليه من الترتيب. والمعنى فألقه اليهم ثم تول عنهم قريباً منهم، فانظر ماذا يرجعون - على ما قال وهب بن منية وغيره - فانهم قالوا معنى {تول عنهم} استتر عنهم، وفي الكلام حذف، لان تقديره فمضى الهدهد بالكتاب. وألقاه اليهم، فلما رأته قالت لقومها {يا أيها الملأ} وهم أشراف اصحابها {إني ألقي إليّ كتاب كريم} ومعنى كريم أنه حقيق بأن يوصل الخير العظيم من جهته، فلما رأت آثار ذلك في كتاب سليمان وصفته بأنه كريم. وقيل: أرادت بـ (كريم) انه من كريم يطيعه الانس والجن والطير. والهاء في قوله {إنه من سليمان} كناية عن الكتاب، والهاء في قوله {وإنه بسم الله الرحمن الرحيم} كناية عما في الكتاب. وقيل: إنه كان مختوماً، فلذلك وصفته بأنه كريم. وقوله {بسم الله الرحمن الرحيم} حكاية ما قالته على المعنى باللغة العربية، وإن كانت لم تقل هي بهذا اللفظ، والحكاية على ثلاثة اوجه: حكاية على المعنى فقط، وحكاية على اللفظ فقط من غير أن يعلم معناه. وحكاية على اللفظ والمعنى وهو الأصل في الحكاية التي لا يجوز العدول عنها إلا بقرينة. وموضع {ان لا تعلوا} يجوز أن يكون رفعاً بالبدل من (كتاب) ويحتمل النصب على معنى بأن لا تعلوا. والعلو على الشيء طلب القهر له بما يكون به بحسب سلطانه "لا تعلوا علي" أي لا تطلبوا تلك الحال، فانكم لا تنالونها مني، {وأتوني مسلمين} يحتمل وجهين: احدهما - واتوني مؤمنين بالله ورسوله. الثاني - مستسلمين لأمري فيما أدعوكم اليه فاني لا أدعو إلا إلى الحق.
الجنابذي
تفسير : {قَالَ سَنَنظُرُ أَصَدَقْتَ} فى هذا الاخبار {أَمْ كُنتَ مِنَ ٱلْكَاذِبِينَ} لم يقل ام كذبت لانّه قلّما ينفكّ المخبر عن زيادة ونقيصة فى حكايته وليس مقصوده (ع) النّظر فى انّه ادخل فى اخباره كذباً بل مقصوده ان ينظر انّه كذب وهو متعمّد فى كذبه او صدق فى اصل اخباره دخل فيه كذبٌ ما او لم يدخل.
الهواري
تفسير : قوله: {قال سَنَنظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الكَاذِبِينَ} قال الحسن: فابتلى، أي: فاختبر منه ذلك فوجده صادقاً. قوله: {اذْهَب بِّكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِم ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُم} يقول انصرف عنهم {فَانظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ}. قال بعضهم: ذكر لنا أنها امرأة من أهل اليمن كانت في بيت مملكة يقال لها بلقيس بنت شرحبيل فهلك ملك قومها فمُلِّكت. ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : لن يفلح قوم تملكهم امرأة ". تفسير : قال: وكانت إذا رقدت غلّقت الأبواب وأخذت المفاتيح ووضعتها تحت رأسها. فلما غلّقت الأبواب وأوت إلى فراشها أتاها الهدهد حتى دخل من كوة بيتها، فقذف الصحيفة على بطنها أو بين ثدييها، فأخذت الصحيفة فقرأتها فقالت: {يَآأَيُّهَا المَلؤُا إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ} [أي: حسَن، حسن ما فيه] {إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ أَلاَّ تَعْلُوا عَلَيَّ} أي: لا تمتنعوا عليّ. وقال بعضهم: لا تخلفوا عليّ [وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ]. وكذلك كانت تكتب الأنبياء جملاً، لا يطيلون، ولا يكثرون. قوله: {وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ} يعني الإِسلام. وقال الكلبي: {وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ} أي: واتوني مقرّين بالطاعة مستسلمين، ليس يعني الإِسلام.
اطفيش
تفسير : {قَالَ} سليمان للهدهد. {سَنَنظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الكَاذِبِينَ} أي سنتأمل أصدقت فيما أخبرت أم كذبت وانما قال أم كنت من الكاذبين دون ام كذبت للفاصلة والمبالغة فانه اذا عرف بالانخراط في سلك الكاذبين كان كاذبا لا محالة واذا كان كاذبا اتهم بالكذب فيما اخبر فلم يوثق به ثم دلهم الهدهد على الماء فحفروا ورووا وأووا دوابهم وتوضوا وصلوا ثم كتب سليمان كتابا من عبدالله سليمان بن داود إلى بلقيس ملكة سبأ.. بسم الله الرحمن الرحيم السلام على من اتبع الهدى أما بعد ألا تعلوا عليّ وأتوني مسلمين ولم يزد على هذا وكانت الأنبياء توجز في الخطاب ولما كتبه طبعه بالمسك وختمه بخاتمه وقال للهدهد: {إذهب بكتابي...}
اطفيش
تفسير : {قال} سليمان للهدهد {سنَنْظرُ} نستعمل فكرنا فيما ذكرت لنا، والسين للاستقبال، لأن الأمر الفخيم هكذا لا يعاجل على فوره، ويجوز أن يكون لتأكيد اوله، وللاستقبال، والنون لسيلمان، ومن يتدبر معه أوله وحده إعظاما لما أعطاه الله لا لنفسه، ومعمول ننظر هو مجموع قوله: {أصَدقت أمْ كُنت من الكاذبينَ} وقدم الصدق لأنه الأصل، ولم يقل أم كذبة للفاصلة مع التلويح بانه لو كذب فيما قال مع النبوّة والملك الفخيم، لكان من الراسخين فى الكذب لا لهذا وحده، ولا للفاصلة وحدها، وقال ذلك مع أنه لم يجرب عليه كذبا قط، اعظاما للمقام وتحويفا لغيره على الزلل، أو أراد بالكذب الخلل فى الأمر الذى حكاه له بنوع ما، ولو بلا عمد، فان الكذب يطلق على ذلك أيضا، وفسر النظر المذكور بقوله: {اذهب بكتابى هَذا} أشار الى كتاب كتبه بعد حينه ذلك بمدة، أو عقب خطابه للهدهد، وهذا أيضا استقبال، وخص الهدهد به لأنه أشد أمنا به من الجن والانس وسائر الطير، وللترهيب لهم، بان ملكه جرى على الطير كما جرى على غيرها، والكتابة الى ملوك الشرك أمر شرعى، كما كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم الى كسرى وقيصر وملوك العرب، وبلغ خبره أمم الشرك، وأنعم الله عز وجل علينا بسلطان الاسلام كى يقاتهم ويغلبهم باذن الله. {فألْقِه إليهم} الى القوم الذين ملكتهم المرأة، وذلك بالقائه إليها {ثم تولَّ} تنح {عنْهُم} بحيث تسمع ما تقول المرأة أو يقال عنها، ويجهر به فى قومها، ولا يأخذونك ولا يضرونك، وذلك للمطلحة، قيل: وللتأدب مع الملوك {فانْظُر} تأمل قيل أو انتظر {ماذَا} اسم واحد مركب استفهامى مفعول مقدم لقوله: {يرجِعُونَ} والمجموع مفعول انظر، علق بالاستفهام، أو ماذا مبتدأ فخبر عند سيبويه، يخبر بالمعارف عن أسماء الاستفهام المنكرات، ومن ذلك من أنت وما هذا، أ خبر فمبتدأ عند الجمهور، احفظه ولو لم أعده، وذا اسم موصول، والجملة معمول انظر، ويرجعون ذا أى يرجعونه، وعلى كل حال يكون المعنى ماذا يرجعون فى جواب الكتاب الذى تلقيه، علم الله هذا الهدهد لغة الناس المرسل هو إليهم، ختم الكتاب بالمسك، وطبعه بخاتمه، وعلقه فى عنق الهدهد. أو اخذه بمنقاره وطار به، ودخل كوة تسجد للشمس كل يوم إذا دخلت منها، فقامت الى الكوة، فألقى الكتاب إليها، أو دخل ألقاه بين ثدييها، وهى مستلقية، أو على نحرها، وهو أعلى الصدر، أو نقرها فتيقظت من نومها، او رفرف وقت خروجها من البيت، وحضور الفؤاد والجنود وغيرهم، فنظروا ونظرت، ورفرف فألقاه فى حجرها.
الالوسي
تفسير : {قَالَ } استئناف بياني كأنه قيل: فماذا فعل سليمان عليه السلام عند قوله ذلك؟ فقيل قال: {سَنَنظُرُ } أي فيما ذكرته من النظر بمعنى التأمل والتفكر، والسين للتأكيد أي سنتعرف بالتجربة البتة {أَصَدَقْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ ٱلْكَـٰذِبِينَ } جملة معلق عنها الفعل للاستفهام. وكان مقتضى الظاهر أم كذبت وإيثار ما عليه النظم الكريم للإيذان بأن كذبه في هذه المادة يستلزم انتظامه في سلك الموسومين بالكذب الراسخين فيه فإن مساق هذه الأقاويل الملفقة مع ترتيب أنيق يستميل قلوب السامعين نحو قبولها من غير أن يكون لها مصداق أصلاً لا سيما بين يدي نبـي عظيم تخشى سطوته لا يكاد يصدر إلا عمن رسخت قدمه في الكذب والإفك وصار سجية له حتى لا يملك نفسه عنه في أي موطن كان، وزعم بعضهم أن ذاك لمراعاة الفاصلة وليس بشيء أصلاً، وفي الآية على ما في «الإكليل» قبول الوالي عذر رعيته ودرء العقوبة عنهم وامتحان صدقهم فيما اعتذروا به.
ابن عاشور
تفسير : تقدم عند قوله: {أية : فقال أحطت بما لم تحط به}تفسير : [النمل: 22] بيان وجه تطلب سليمان تحقيق صدق خبر الهدهد. والنظر هنا نظر العقل وهو التأمُّل، لا سيما وإقحام {كنتَ} أدخل في نسبته إلى الكذب من صيغة {أَصدقت} لأن فعل {كنتَ من الكاذبين} يفيد الرسوخ في الوصف بأنه كائن عليه. وجملة: {من الكاذبين} أشدّ في النسبة إلى الكذب بالانخراط في سلك الكاذبين بأن يكون الكذب عادة له. وفي ذلك إيذان بتوضيح تهمته بالكذب ليتخلص من العقاب، وإيذان بالتوبيخ والتهديد وإدخال الروع عليه بأنَّ كذبه أرجح عند الملك ليكون الهدهد مغلِّباً الخوف على الرجاء، وذلك أدخل في التأديب على مثل فعلته وفي حرصه على تصديق نفسه بأن يبلغ الكتاب الذي يرسله معه.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: سننظر أصدقت أم كنت من الكاذبين: أي بعد اختبارنا لك. فألقه إليهم: أي إلى رجال القصر وهم في مجلس الحكم. ثم تول عنهم: أي تنح جانباً متوارياً مستتراً عنهم. فانظر ماذا يرجعون: أي ماذا يقوله بعضهم لبعض في شأن الكتاب. يا أيها الملأ: أي يا أشراف البلاد وأعيانها وأهل الحل والعقد فيها. ألقي إلي كتاب كريم: أي ألقاه في حجرها الهدهد. ألا تعلوا علي: أي لا تتكبروا انقياداً للنفس والهوى. وائتوني مسلمين: أي منقادين خاضعين. معنى الآيات: {قَالَ سَنَنظُرُ} أي قال سليمان للهدهد بعد أن أدلى الهدهد بحجته على غيبته سننظر باختبارنا لك {أَصَدَقْتَ} فيما ادعيت وقلت {أَمْ كُنتَ مِنَ ٱلْكَاذِبِينَ} أي من جملتهم. وبدأ اختباره فكتب كتاباً وختمه وقال له {ٱذْهَب بِّكِتَابِي هَـٰذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ} أي تنح جانباً مختفياً عنهم {فَٱنْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ} من القول في شأن الكتاب أي ما يقول بعضهم لبعض في شأنه، وفعلاً ذهب الهدهد بالكتاب ودخل القصر من كوة فيه وألقى الكتاب في حجر الملكة بلقيس فارتاعت له وقرأته ثم قالت {يٰأَيُّهَا ٱلْمَلأُ} مخاطبة أشراف قومها {إِنِّيۤ أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ} وصفته بالكرم لما حواه من عبارات كريمة، ولأنه مختوم وختم الكتاب كرمه ونصّ الكتاب كالتالي [من عبد الله سليمان بن داوود إلى بلقيس ملكة سبأ بسم الله الرحمن الرحيم السلام على من اتبع الهدى أما بعد فلا تعلوا علي وائتوني مسلمين]. ومضمونه ما ذكرته الملكة بقولها: {إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ أَلاَّ تَعْلُواْ عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ} ومعنى إنه من سليمان أي صادر منه وأنه مكتوب ومرسل بسم الله الرحمن الرحيم أي بإذنه وشرعه ألا تعلوا علي أي لا تتكبروا على الحق فإني بسم الله أطلبكم وائتوني مسلمين أي خاضعين منقادين. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- مشروعية الاختبار وإجراء التحقيق مع المتهم. 2- مشروعية استخدام السلطان أفراد رعيته لكفاية المستخدم. 3- مشروعية إرسال العيون للتعرف على أحوال العدو وما يدور عنده. 4- مشروعية كتابة بسم الله الرحمن الرحيم في الرسائل والكتب الهامة ذات البال لدلالتها على توحيد الله تعالى وأنه رحمن رحيم، وأنَّ الكاتب يكتب بإذن الله تعالى له بذلك.
القطان
تفسير : تولّ عنهم: تنحّ، ابعد عنهم. ماذا يرجعون: ماذا يدور بينهم. الملأ: اشراف القوم. ألاّ تعلو عليَّ: الا تتكبروا. مسْلِمين: منقادين. افتوني: أشيروا علي. ما كنت قاطعةً أمراً: ما كنت لأعملَ أي شيء. حتى تشهَدون: حتى تحضرون. أراد سليمان ان يختبر الهدهد: أصادق هو ام كاذب؟ فأعطاه كتاباً ليوصله الى ملكة سبأ، واسمُها بلقيس. ذهب الهدهد بالكتاب وألقاه على سريرها، فأخذته فإذا به: {إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ أَلاَّ تَعْلُواْ عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ}. لم ترِد الملكة ان تستبدّ بالجواب، شأن بعض الملوك، فجمعتْ رجال دولتها وأشراف القوم وأطلعتْهم على الكتاب. فأخذتهم العِزّةُ وثارت فيهم الحماسة وقالوا: {قَالُواْ نَحْنُ أُوْلُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ وَٱلأَمْرُ إِلَيْكِ فَٱنظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ}. وكانت الملكة عاقلةً فنظرت في الأمر بعين الفطنة، ولم تغترّ بما أبداه رجالها من الحماسة وقالت لهم: ان دخول الملوك المدنَ والقرى فاتحين ليس من الأمور الهيّنة، وليس أثره بالسّهل على أهلها. (وكان من عادات الفاتحين قبل الاسلام ان يستعبِدوا المغلوبين، ويذبحوا رجالهم ويستبيحوا نساءهم ويفسدوا الحرث والنسل). وعرضتْ عليهم رأياً آخر وجدته أقربَ الى حلّ هذه الأزمة التي أتتها من حيثُ لم تحتسِب، ذلك ان تُرسلَ إلى سليمان بهدية تصانعه بها، وتطلب مودّته، ثم تنظر ماذا يرجع به رسُلُها الى سليمان.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلْكَاذِبِينَ} (27) - فَقَالَ سُلَيمانُ للهدهُدِ: سَنَنْظُرُ فيما قُلْتَهُ أَصَدَقْتَ فيما أَخْبَرْتَ بِهِ، أَمْ كَذَبْتَ للتَّخَلُّصِ مِنَ العِقَابِ الذي أوْعَدْتُكَ بهِ؟
الثعلبي
تفسير : {قَالَ} سليمان للهُدهد {سَنَنظُرُ أَصَدَقْتَ} فيما أخبرت {أَمْ كُنتَ مِنَ ٱلْكَاذِبِينَ} فَدَلّهم الهُدهد على الماء فاحتفروا الركايا ورَوَى الناس والدوابّ، وكانوا قد عطشوا، ثم كتب سليمان كتاباً من عبد الله سليمان بن داود (عليه السلام) الى بلقيس ملكة سبأ، السلام على مَن اتبّع الهُدى، أمّا بعد فلا تعلوا عليَّ وأتوني مسلمين. وقال ابن جُريج: لم يزد سليمان على ما قصّ الله في كتابه إنّه وإنّه. قال منصور: كان يقال: كان سليمان أبلغ الناس في كتابه، وأقلّه إملاءً ثم قرأ {إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ} قال قتادة: وكذلك الأنبياء عليهم السلام كانت تكتب جملاً لا يطيلون ولا يكثرون، فلمّا كتب الكتاب طبعهُ بالمسك، وختمه بخاتمه وقال للهدهد {ٱذْهَب بِّكِتَابِي هَـٰذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ} فكن قريباً منهم {فَٱنْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ} يردّون من الجواب. وقال ابن زيد: في الآية تقديم وتأخير مجازها: اذهب بكتابي هذا فألقه إليهم وانظر ماذا يرجعون ثم تولَّ عنهم أي انصرف، كقوله {أية : ثُمَّ تَوَلَّىٰ إِلَى ٱلظِّلِّ}تفسير : [القصص: 24] أي انصرف إليه، فأخذ الهدهد الكتاب وأتى به الى بلقيس وكانت بأرض يقال لها مأرب من صنعاء على ثلاثة أيام، فوافاها في قصرها وقد غلّقت الأبواب، وكانت إذا رقدت غلقّت الأبواب وأخذت المفاتيح فوضعتها تحت رأسها وآوت إلى فراشها، فأتاها الهُدهد وهي نائمة مستلقية على قفاها فألقى الكتاب على نحرها، هذا قول قتادة. وقال مقاتل: حمل الهدهد الكتاب بمنقاره فطار حتى وقف على رأس المرأة،وحولها القادة والجنود، فرفرف ساعة والناس ينظرون حتى رفعت المرأة رأسها فألقى الكتاب في حجرها. وقال ابن منبّه وابن زيد: كانت لها كوّة مستقبلة الشمس، تقع الشمس فيها حين تطلع، فإذا نظرت إليها سجدت لها، فجاء الهُدهد تلك الكوّة فسدّها بجناحه ارتفعت الشمس ولم تعلم، فلمّا استبطأت الشمس قامت تنظر فرمى بالصحيفة إليها. قالوا: فأخذت بلقيس الكتاب وكانت كاتبة قارئةً عربيةً من قوم تبع بن شراحيل الحميري، فلمّا رأت الخاتم ارتعدت وخضعت لأن ملك سليمان (عليه السلام) كان في خاتمه، وعرفت أنّ الذي أرسل هذا الكتاب هو أعظم مُلْكاً منها؛ لأن مَلِكاً رُسله الطير إنّه لمَلِك عظيم، فقرأت الكتاب وتأخّر الهدهد غير بعيد فجاءت حتى قعدت على سرير ملكها وجمعت الملأ من قومها وهم اثنا عشر ألف قائد، مع كلّ قائد مائة ألف مقاتل. وقال قتادة ومقاتل والثمالي: كان أهل مشورتها ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً كل رجل منهم على عشرة آلاف. قالوا: فجاؤوا وأخذوا مجالسهم فقالت لهم بلقيس: {قَالَتْ يٰأَيُّهَا ٱلْمَلأُ إِنِّيۤ أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ}. قال قتادة: حسن، نظيره قوله {أية : وَمَقَامٍ كَرِيمٍ}تفسير : [الشعراء: 58]. وقال ابن عباس: شريف بشرف صاحبه. الضحاك: سمّته كريماً لأنّه كان مختوماً، يدلّ عليه ما أخبرنا عبد الله بن حامد قال: أخبرنا أحمد بن شاذان قال: حدّثنا جبعويه بن محمد قال: حدّثنا صالح بن محمد بن محمد بن مروان عن ابن جريج عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : كرامة الكتاب ختمهُ ". تفسير : وأنبأني عبد الله بن حامد قال: أخبرنا أحمد بن محمد بن يوسف قال: حدّثنا عمرو قال: حدّثني أبو عيسى محمد بن عيسى الترمذي قال: حدّثنا إسحاق بن منصور قال: حدّثنا معاذ بن هشام قال: حدّثني أبي عن قتادة عن أنس قال: لمّا أراد نبي الله صلى الله عليه وسلم أن يكتب إلى العجم، قيل له: أنّ العجم لا يقبلون إلاّ كتاباً عليه خاتم، فاصطنع خاتماً، فكأني انظر إلى بياضه في كفّه. وقال ابن المقفّع: مَن كتب الى أخيه كتاباً ولم يختمه فقد استخفّ به لأن الختم ختم، وقيل: سمّته كريماً لأنّه كان مصدّراً ببسم الله الرَّحْمن الرحيم {إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ * أَلاَّ تَعْلُواْ عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ} وقرأ أشهب العقيلي: إلا تغلوا علىّ بالغين معجمة، وأتوني مسلمين مؤمنين طائعين. {قَالَتْ يٰأَيُّهَا ٱلْمَلأُ} قال ابن عباس: كان مع بلقيس مائة ألف قيل، مع كلّ قيل مائة ألف، والقيل تلك دون الملك الأعظم {أَفْتُونِي فِيۤ أَمْرِي} أشيروا عليَّ فيما عرض لي وأجيبوني فيما أُشاوركم فيه {مَا كُنتُ قَاطِعَةً} قاضية وفاصلة {أَمْراً حَتَّىٰ تَشْهَدُونِ} تحضروني. قالوا مجيبين لها {قَالُواْ نَحْنُ أُوْلُو قُوَّةٍ} في القتال {وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ} عند الحرب {وَٱلأَمْرُ إِلَيْكِ} أيتها الملكة {فَٱنظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ} تجدينا لأمرك مطيعين. فقالت بلقيس لهم حين عرضوا أنفسهم للحرب {قَالَتْ إِنَّ ٱلْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُواْ قَرْيَةً} عنوة وغَلبة {أَفْسَدُوهَا} خرَّبوها {وَجَعَلُوۤاْ أَعِزَّةَ أَهْلِهَآ أَذِلَّةً} أي أهانوا أشرافها وكبراءها لكي يستقيم لهم الأمر، وتناهى الخبر عنها هاهُنا فصدّق الله سبحانه قولها فقال {وَكَذٰلِكَ يَفْعَلُونَ}. أنشدني أبو القاسم الحبيبي قال: أنشدني أبي رحمه الله: شعر : انَّ الملوك بلاء حيث ما حلّوا فلا يكن لك في أكنافهم ظل ماذا تؤمّل من قوم إذا غضبوا جاروا عليك وإن أرضيَتهم مَلّوا وإن مدحتهمُ خالوك تخدعهم واستثقلوك كما يُستثقل الكَلّ فاستغن بالله عن أبوابهم أبداً إنّ الوقوف على أبوابهم ذلّ تفسير : {وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ} وذلك أنّ بلقيس كانت لبيبة قد سيست وساست، فقالت للملأ من قومها: إنّي مرسلة الى سليمان وقومه بهديّة أصانعه بذلك عن ملكي واختبرهُ بها أملك هو؟ فإن يكن ملكاً قبل الهديّة وانصرف، وإنْ يكن نبيّاً لم يقبل الهدية ولم يرضه منّا إلاّ أن نتّبعه على دينه، فأهدت إليه وصيفاً ووصائف. قال ابن عباس: ألبستهم لباساً واحداً حتى لا يعرف ذكر من أُنثى. وقال مجاهد: أُلبس الغلمان لباس الجواري وأُلبس الجواري لبسة الغلمان، واختلفوا في عددهم فقال مقاتل: مائة وصيف ومائة وصيفة. وقال مجاهد: مائتي غلام ومائتي جارية. وقال الكلبي: عشرة غلمان وعشر جواري. وقال وهب وغيره: خمسمائة غلام وخمسمائة جارية. وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن حنش قال: حدّثنا ابن فنجويه قال: حدّثنا سلمة قال: حدّثنا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر عن ثابت البناني في قوله {وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ} قال: أهدت له صفائح ذهب في أوعية الديباج، فلمّا بلغ ذلك سليمان أمر الجن فموّهوا له الآجرّ بالذهب ثم أمر به فأُلقي في الطريق، فلمّا جاؤا رأوه ملقى في الطريق في كل مكان، قالوا: قد جئنا نحمل شيئاً نراه ههنا ملقىً ما يُلتفت إليه، فصغر في أعينهم ما جاؤوا به، وقيل: كانت أربع لبنات من ذهب. وقال وهب وغيره من أهل الكتب: عمدت بلقيس الى خمسمائة جارية وخمسمائة غلام فألبست الجواري لباس الغلمان، الأقبية والمناطق، وألبست الغلمان لباس الجواري، وجعلت في سواعدهم أساور من ذهب، وفي أعناقهم أطواقاً من ذهب، وفي آذانهم قُروطاً وشنوفاً مرصّعات بأنواع الجواهر، وحُملَت الجواري على خمسمائة رَمكة والغلمان على خمسمائة برذون، على كل فرس لجام من ذهب مرصّع بالجواهر وغواشيها من الديباج الملونة، وبعثت إليه أيضاً خمسمائة لبنة من ذهب وخمسمائة لبنة من فضة وتاجاً مكلّلاً بالدرّ والياقوت المرتفع وأرسلت إليه أيضاً المسك والعنبر وعود الالنجوج، وعمدت الى حقّة فجعلت فيها دّرة يتيمة غير مثقوبة وخرزة جزعية مثقوبة معرجة الثقب، ودَعت رَجُلاً من أشراف قومها يقال له المنذر بن عمرو وضمّت إليه رجالاً من قومها أصحاب رأي وعقل وكتبت معه كتاباً نسخة الهدية وقالت: إن كنت نبيّاً فميّز بين الوصفاء والوصيفات، وأخبرْ بما في الحقّة قبل أن تفتحها وأثقب الدرّة ثقباً مستوياً وأدخل خيطاً. الخرزة وأمرت بلقيس الغلمان فقالت: إذا كلّمكم سليمان فكلّموه بكلام فيه تأنيث وتخنيث شبه كلام النساء، وأمرت الجواري أن يكلّمنه بكلام فيه غلظة يشبه كلام الرجال، ثمَّ قالت للرسول: انظر الى الرجل إذا دخلت عليه، فإن نظر إليك نظرَ غَضَب فاعلم أنّه ملك ولا يهولنّك منظره فأنا أعزّ منه، وإن رأيت الرجل بشّاً لطيفاً فاعلم أنّه نبي مُرسَل فتفهّم قوله وَرُدّ الجواب. فانطلق الرسول بالهدايا وأقبل الهدهد مسرعاً إلى سليمان (عليه السلام) فأخبره الخبر كلّه، فأمر سليمان(عليه السلام)الجنّ أن يضربوا لبنات الذهب والفضة ففعلوا، ثم أمرهم أن يبسطوا من موضعه الذي هو فيه إلى تسع فراسخ ميداناً واحداً بلبنات الذهب والفضة، وأن يجعلوا حول الميدان حائطاً شُرفها من الذهب والفضة ففعلوا، ثم قال: أيّ الدوابّ أحسن ممّا رأيتم في البرّ والبحر؟ قالوا: يا نبي الله إنّا رأينا دوابّ في بحر كذا وكذا منمّرة منقطعة مختلفة ألوانها، لها أجنحة وأعراف ونواصي. قال: عليَّ بها الساعة، فأَتوا بها، فقال: شدّوها عن يمين الميدان وعن يساره على لبنات الذهب والفضّة، وألقوا لها علوفها. ثم قال للجنّ: عليّ بأولادكم، فاجتمع خلق كثير فأقامهم على يمين الميدان ويساره، ثم قعد سليمان (عليه السلام) في مجلسه على سريره ووُضع له أربعون ألف كرسي عن يمينه ومثلها عن يساره، وأمر الشياطين أن يصطفّوا صفوفاً فراسخ، وأمر الإنس فاصطفّوا فراسخ، وأمر الوحش والسباع والهوامّ والطير فاصطفّوا فراسخ عن يمينه ويساره. فلمّا رأى القوم الميدان ونظروا إلى ملك سليمان (عليه السلام) ورأوا الدوابّ التي لم تر أعينهم مثلها تروث على لبنات الذهب والفضة، تقاصرت إليهم نفسهم وبقوا بما معهم من الهدايا. وفي بعض الروايات أن سليمان (عليه السلام) لمّا أمر بفرش الميدان بلبنات الذهب والفضة أمرهم أن يتركوا على طريقهم وضعاً على قدر موضع اللبنات التي معهم، فلما رأى الرسل موضع اللبنات خالياً وكلّ الأرض مفروشة خافوا أن يتّهموا بذلك فطرحوا ما معهم في ذلك المكان. قالوا: ثم جاؤوا، فلمّا رأوا الشياطين نظروا إلى موضع عجيب ففزعوا فقال لهم الشياطين: جوزوا فلا بأس عليكم، فكانوا يمرّون على كردوس كردوس من الجن والإنس والطير والسباع والوحش حتى وقفوا بين يدي سليمان(عليه السلام) فنظر إليهم سليمان نظراً حسناً بوجه طَلِق وقال: ما وراءكم؟ فأخبرهُ رئيس القوم بما جاؤوا له وأعطاه كتاب الملكة فنظر فيه فقال: أين الحُقّة فأتى به فحرّكها، وجاءه جبرئيل (عليه السلام) فأخبره بما في الحُقّة فقال: إنَّ فيها درة يتيمة غير مثقوبة وجزعة مثقوبة معوجّة الثقب، فقال الرسول: صدقت فاثقب الدّرة وأدخل الخيط في الخرزة فقال سليمان (عليه السلام): من لي بثقبها؟ فسأل سليمان الإنس فلم يكن عندهم علم ذلك، ثمَّ سأل الجانّ فلم يكن عندهم علم ذلك، ثم سأل الشياطين فقالوا: ترسل الى الأرضة فجاءت الأرضة وأخذت شعرة في فيها دخلت فيها حتى خرجت من الجانب الآخر فقال لها سليمان (عليه السلام): حاجتك؟ فقالت: تصيّر رزقي في الشجرة فقال: لك ذاك، ثمَّ قال: مَن لهذه الخرزة يسلكها؟ الخيط فقالت دودة بيضاء: أنا لها يا رسول الله، فأخذت الدودة الخيط في فيها ودخلت الثقب حتى خرجت من الجانب الآخر، فقال سليمان: حاجتك؟ قالت: تجعل رزقي في الفواكه قال: لك ذاك، ثمَّ ميز بين الجواري والغلمان بأن أمرهم أن يغسلوا وجوههم وأيديهم فكانت الجارية تأخذ الماء من الآنية بإحدى يديها ثم تجعله على اليد الأُخرى ثم تضرب به على الوجه، والغلام كان يأخذهُ من الآنية يضرب به وجهه، وكانت الجارية تصبّ على باطن ساعدها، والغلام على ظهر الساعد، وكانت الجارية تصب الماء صبّاً، وكان الغلام يحدر الماء على يده حدراً، فميّز بينهنَّ بذلك ثم ردّ سليمان(عليه السلام) الهديّة. {قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ} اختلف القُرّاء فيه فقرأ حمزة ويعقوب أتمدّونّي بنون واحدة مُشدَّدة، غيرهما بنونين خفيفتين وحذف الياء، ابن عامر وعاصم والكسائي وخلف، الباقون بإثباته. {فَمَآ آتَانِيَ ٱللَّهُ خَيْرٌ مِّمَّآ آتَاكُمْ بَلْ أَنتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ} لأنّكم أهل مفاخرة الدنيا والمكابرة بها ولا تعرفون غير ذلك، وليست الدنيا من حاجتي لأن الله سبحانه قد مكّنني منها وأعطاني فيها ما لم يعط أحداً ومع ذاك أكرمني بالدين والنبوّة والحكمة، ثمَّ قال للمنذر بن عمرو آمر الوفد {ٱرْجِعْ إِلَيْهِمْ} بالهدية {فَلَنَأْتِيَنَّهُم بِجُنُودٍ لاَّ قِبَلَ لَهُمْ} لا طاقة {لَهُمْ بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُم مِّنْهَآ} أي من أرضها وملكها {أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ} ذليلون إن لم يأتوني مسلمين. قال وهب وغيرهُ مِن أهل الكتب: لما رجعت رُسل بلقيس إليها من عند سليمان (عليه السلام) قالت: قد والله عرفت ما هذا بمَلِك، وما لنا به طاقة، وما نصنع بمكاثرته شيئاً، فبعثت إلى سليمان: إنّي قادمة عليك بملوك قومي حتى أنظر ما أمرك وما تدعو إليه من دينك، ثم أمرت بعرشها فجُعل في آخر سبعة أبيات بعضها في بعض، في آخر قصر من سبع قصور لها، ثم أغلقت دونه الأبواب ووكلت به حرّاساً يحفظونه ثمَّ قالت لمن خلّفت على سلطانها: احتفظ بما قبلك وسرير ملكي، فلا يخلص إليه أحد ولا يزيّنه حتى آتيك، ثم أمرت منادياً فنادى في أهل مملكتها يؤذنهم بالرحيل، وشخصت الى سليمان في اثني عشر ألف قيل من ملوك اليمن تحت يدي كل قيل أُلوف كثيرة. قال ابن عباس: وكان سليمان رجلاً مهيباً لا يبتدئ بشيء حتى يكون هو الذي يسأل عنه، فخرج يوماً فجلس على سرير ملكه فرأى رهجاً قريباً منه فقال: ما هذه ؟. قالوا: بلقيس يا رسول الله. قال: «وقد نزلت منّا بهذا المكان؟» قال ابن عباس: وكان ما بين الكوفة والحيرة قدر فرسخ فأقبل حينئذ سليمان على جنوده فقال {أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَن يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ} أي مؤمنين. وقال ابن عباس: طائعين. واختلف أهل العلم في السبب الذي لأجله أمر سليمان (عليه السلام) بإحضار العرش فقال أكثرهم: لأن سليمان (عليه السلام)علم أنها إن أسلمت حُرم عليه ما لها فأراد أن يأخذ سريرها قبل أن يُحرم عليه أخذه بإسلامها. وقال قتادة: لأنه أعجبته صفته لمّا وصفه الهدهد فأحبَّ أن يراه. وقال ابن زيد: أراد أن يختبر عقلها فيأمر بتنكيره لينظر هل تثبته إذا رأته أم تنكره؟ وقيل: قدرة الله سبحانه وعظيم سلطانه في معجزه يأتي بها في عرشها. {قَالَ عِفْرِيتٌ مِّن ٱلْجِنِّ} وهو المارد القَوي، وفيه لغتان: عفريت وعفريه، فمَن قال عفريت جمعه عفاريت، ومَن قال عفرية جمعَه عفارت. قال وهب: اسمه كوذى، وقال شعيب الجبائي: كان اسم العفريت ذكوان، وقال ابن عباس: العفريت: الداهية، وقال الضحّاك: هو الخبيث. ربيع: الغليظ. الفَراء: القوىّ الشديد. الكسائي: المنكر، وأنشد: شعر : فقال شيطان لهم عفريت مالَكمُ مكث ولا تبييت تفسير : وقرأ أبو رجاء العطاردي قال: عفريه. وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا عبيد الله بن عبد الله بن أبي سمرة البغوي قال: حدّثنا عبد الله بن محمد بن جعفر بن شاذان البغدادي قال: حدّثنا محمد بن الحسن بن سهل قال: حدّثنا عبد الرَّحْمن البحتري قال: حدّثنا عمرو بن عثمان قال: حدّثنا أبي عن عبد الله بن عبد العزيز القرشي عن محمد بن جبير بن مطعم عن أبي بكر الصدّيق رضي الله عنه أنه كان يقرأ: قال عفريه من الجنّ والعفريه البكر بين البكرين لم يلد أبواه قبله شيئاً ولم يَلد هُوَ شيئاً. {أَنَاْ آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ} أي مجلسك الذي تقضي فيه، قال ابن عباس: وكان له كلّ غداة مجلس يقضي فيه الى منزع النهار. {وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ} على حمله {أَمِينٌ} على ما فيه من الجواهر، فقال سليمان عليه السلام أُريد أسرع من هذا، {قَالَ ٱلَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ ٱلْكِتَابِ} واختلفوا فيه، فقال بعضهم هو جبرئيل (عليه السلام) ملك من الملائكة أيّد الله عزّ وجلّ به نبيه سليمان عليه السلام. وقال الآخرون: بل كان رجلاً من بني آدم. ثمَّ اختلفوا فيه فقال أكثر المفسرين: هو آصف بن برخيا بن شمعيا بن ميكيا وكان صدّيقاً يعلم الاسم الأعظم الذي إذا دُعي به أجاب وإذا سُئل به أُعطي. أخبرني ابن فنجويه قال: أخبرنا مخلد بن جعفر الباقرحي قال: حدّثنا الحسن بن علوية قال: حدّثنا إسماعيل بن عيسى قال: حدّثنا إسحاق بن بشر قال: حدّثنا جويبر ومقاتل عن الضحاك عن ابن عباس قال: إنّ آصف قال لسليمان (عليه السلام) حين صلّى ودعا الله سبحانه: مُدّ عينيك حتى ينتهي طرفك قال: فمدّ سليمان (عليه السلام) عينه فنظر نحو اليمن ودعا آصف، فبعث الله الملائكة فحملوا السرير من تحت الأرض يخدّون الأرض خدّاً حتى انخرقت الأرض بالسرير بين يدي سليمان (عليه السلام). واختلف العلماء في الدعاء الذي دعا به آصف عند الإتيان بالعرش، فروت عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إن اسم الله الأعظم الذي دعا به آصف "يا حيّ يا قيّوم" . تفسير : وروى عثمان بن مطر عن الزهري قال: دعاء الذي عنده علم من الكتاب (يا إلهنا وإله كل شيء إلهاً واحداً لا إله إلاّ أنت ائتني بعرشها) قال: فمثل له بين يديه. وقال مجاهد: يا ذا الجلال والإكرام. وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا طلحة بن محمد بن جعفر وعبيد الله بن أحمدبن يعقوب قالا: حدّثنا أبو بكر بن مجاهد قال: حّدثنا إسماعيل عن عبد الله بن إسماعيل عن ابن زيد قال: الذي عنده علم من الكتاب رجل صالح كان في جزيرة من جزائر البحر فخرج ذلك اليوم ينظر مَن ساكن الأرض؟ وهل يعبد الله عزَّوجل أم لا يعبد؟ فوجد سليمان (عليه السلام) فدعا باسم من أسماء الله فإذا هو بالعرش حُمل فأتى به سليمان من قبل إنْ يرتدّ إليه طرفه. وبه عن مجاهد قال: حدّثني البزي وابن حرب قال: حدّثنا أبو حذيفة قال: حدّثنا شبل قال: زعم ابن أبي بزة أن اسم الذي عنده علم من الكتاب اسطوم، وقال بعضهم: كان رجل من حمير يقال له: ضبّة. وقال قتادة: كان إسمه بليحا، وقال محمد بن المنكدر: إنما هو سليمان أما إن الناس يرون أنّه كان معه اسم وليس ذلك كذلك، إنّما كان رجل عالم من بني إسرائيل آتاه الله علماً وفقهاً فقال: أنا آتيك به قبل أن يرتدّ إليك طرفك، قال سليمان (عليه السلام): هات، فقال: أنت النبي ابن النبي وليس أحد أوجه عند الله منك ولا أقدر على حاجته فإن دعوت الله، وطلبت إليه كان عندك. قال: صدقت ففعل ذلك فجيء بالعرش في الوقت. وقوله {قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ} اختلفوا في معناه فقال سعيد بن جبير: يعني قبل أن يرجع إليك أقصى من تركت، وهو أن يصل إليك من كان منك على مَدّ بصرك. قتادة: قبل أن يأتيك الشخص من مد البصر. وهب: تمد عينيك فلا ينتهي طرفك الى مداه حتى أُمثّله بين يديك. مجاهد: يعني إدامة النظر حتى يرتد الطرف خاسئاً. وعنه أيضاً قال: يعني مدّ بصرك ما بينك وبين الحيرة، وهو يومئذ في كندة. وعن قتادة: هو أن يبعث رسولاً الى منتهى طرفه فلا يرجع حتى يؤتى به. فلمّا رآه يعني رأى سليمان (عليه السلام) العرش {مُسْتَقِرّاً عِندَهُ} محمولاً إليه من مأرب الى الشام في قدر ارتداد الطرف {هَـٰذَا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِيۤ أَأَشْكُرُ} نعمته {أَمْ أَكْفُرُ} ها فلا أشكرها {وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ} لم ينفع بذلك غير نفسه حيث استوجب بشكره تمام النعمة ودَوامَها؛ لأنَّ الشكر قيد للنعمة الموجودة وصيد للنعمة المفقودة. {وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ} بالإفضال على من كفر نعمه. {قَالَ نَكِّرُواْ} غيّروا {لَهَا عَرْشَهَا} فزيدوا فيه وأنقصوا منه واجعلوا أعلاه أسفله وأسفله أعلاه {نَنظُرْ أَتَهْتَدِيۤ} الى عرشها فتعرفه {أَمْ تَكُونُ مِنَ ٱلَّذِينَ لاَ يَهْتَدُونَ} به الذين لا يهتدون إليه، وإنما حمل سليمان (عليه السلام) على ذلك، كما ذكره وهب ومحمد بن كعب وغيرهما من أهل الكتب: إنَّ الشياطين خافت أن يتزوجها سليمان فتفشي إليه أسرار الجن، ولا ينفكّون من تسخير سليمان وذرّيته من بعده، فأرادوا أن يزهِّدوه فيها فأساؤوا الثناء عليها وقالوا: إنَّ في عقلها شيئاً وإنّ رجلها كحافر الحمار، فأراد سليمان (عليه السلام) أن يختبر عقلها بتنكير عرشها، وينظر الى قدميها ببناء الصرح، فلمّا جاءت بلقيس {قِيلَ} لها {أَهَكَذَا عَرْشُكِ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ} شبّهتهُ به وكانت قد تركته خلفها في بيت خلف سبعة أبواب مغلقة والمفاتيح معها فلم تقرّ بذلك ولم تنكر، فعلم سليمان (عليه السلام) كمال عقلها. قال الحسن بن الفضل: شبّهوا عليها فشَبّهت عليهم وأجابتهم على حسب سؤالهم، ولو قالوا لها: هذا عرشك لقالت: نعم فقال سليمان (عليه السلام) {وَأُوتِينَا ٱلْعِلْمَ} بالله وبقدرته على ما شاء مِن قبل هذه المرأة {وَكُنَّا مُسْلِمِينَ} هذا قول مجاهد وقال بعضهم: معناه وأُوتينا العلم بإسلامها ومجيئها طائعة وقبل مجيئها، وكنّا مسلمين طائعين خاضعين. وقال بعضهم: هذا من قول بلقيس لمّا رأت عرشها عند سليمان (عليه السلام) قالت: عرفت هذه، وأُوتينا العلم بصحة نبوة سليمان (عليه السلام) بالآيات المتقدمة مِن قبل هذه الآية وذلك بما اختبرت من أمر الهديّة والرُسل، وكنّا مسلمين أي منقادين لك مطيعين لأمرك مِن قبل أن جئناك. {وَصَدَّهَا} ومنعها {مَا كَانَت تَّعْبُدُ مِن دُونِ ٱللَّهِ} وهو الشمس بأن تعبد الله، وعلى هذا القول يكون {مَا} في محل الرفع. وقال بعضهم: معناه وصدَّها سليمان ما كانت تعبد من دون الله أي منعها ذلك وحال بينها وبينه، ولو قيل: وصدّها الله ذلك بتوفيقها للإسلام لكان وجهاً صحيحاً، وعلى هذين التأويلين يكون محل {مَا} نصباً. {إِنَّهَا كَانَتْ مِن قَوْمٍ كَافِرِينَ * قِيلَ لَهَا ٱدْخُلِي ٱلصَّرْحَ} الآية. وذلك أنَّ سليمان (عليه السلام) لما اقبلت بلقيس تريدهُ أمَرَ الشياطين فبنوا له صرحاً أي قصراً من زجاج كأنّه الماء بياضاً، وقيل: الصرح صحن الدار، وأجرى من تحته الماء وألقى فيه كل شيء من دواب البحر، السمك وغيره، ثمَّ وضع له سريرهُ في صدرها فجلس عليه وحلقت عليه الطير والجن والإنس وإنّما أمر ببناء هذا الصرح لأنَّ الشياطين قال بعضهم لبعض: سخّر الله لسليمان عليه السلام ما سخّر وبلقيس ملكة سبأ ينكحها فتلد له غلاماً فلا ننفك من العبودية أبداً، فأرادوا أن يزهّدوه فيها فقالوا: إنَّ رِجلها رِجل حمار وإنها شَعْراء الساقين لأنّ أُمّها كانت من الجن فأرادَ أن يعلم حقيقة ذلك وينظر الى قدميها وساقيها. وروى محمد بن إسحاق عن بعض أهل العلم عن وهب بن منبّه قال: إنّما بنى الصرح ليختبر عقلها وفهمها، يعاينها بذلك كما فعلت هي من توجيهها إليه الوصفاء والوصائف ليمّيز بين الذكور والإناث، تعاينه بذلك، فلمّا جاءت بلقيس قيل لها: ادخلي الصرح {فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً} وهي معظم الماء وقال ابن جريج: يعني بحراً. {وَكَشَفَتْ عَن سَاقَيْهَا} لتخوضه الى سليمان عليه السلام، فنظر سليمان فإذا هي أحسن الناس ساقاً وقدماً إلاّ أنّها كانت شعْراء الساقين، فلمّا رأى سليمان ذلك صرف بصره عنها وناداها {إِنَّهُ صَرْحٌ مُّمَرَّدٌ} مملّس مستو {مِّن قَوارِيرَ} وليس ببحر، فلمّا جلست قالت: يا سليمان إنّي أُريد أن أسألك عن شيء. قال: سلي. قالت: أخبرني عن ما ماء رُواء ولا من أرض ولا من سماء. وكان سليمان إذا جاءه شيء لا يعلمه سأل الإنس عنه، فإن كان عندهم علم ذلك وإلاّ سأل الجن، فإن علموا وإلاّ سأل الشياطين، فسأل الشياطين عن ذلك فقالوا له: ما أهون هذا من الخيل فلْتجرِ ثم املأ الآنية من عَرَقها. فقال لها سليمان: عرق الخيل، قالت: صدقت، ثم قالت: أخبرني عن لون الربّ، فوثب سليمان عليه السلام عن سريره وخرَّ ساجداً وصعق عليه فقامت عنه وتفرّقت جنودُه وجاءهُ الرسول فقال: يا سليمان يقول لك ربك: ما شأنك ؟ قال: يا رب أنت أعلم بما قالت، قال: فإن الله يأمرك أن تعود ألى سريرك وترسل إليها وإلى مَن حضرها من جنودك وجنودها فتسألها وتسألهم عمّا سألتك عنه، ففعل ذلك سليمان (عليه السلام)، فلمّا دخلوا عليه قال لها: عمّاذا سألتِني ؟ قالت: سألتك عن ماء رواء ليس من أرض ولا سماء فأجبتَ. قال: وعن أيّ شيء سألتِني أيضاً ؟ قالت: ما سألتك عن شيء إلاّ هذا فاسأل الجنود فقالوا مثل قولها، أنساهم الله تعالى ذلك وكفى سليمان (عليه السلام) الجواب، ثمَّ إن سليمان دَعَاها الى الإسلام وكانت قد رأت حال العرش والصرح فأجابت وقالت {رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي} بالكفر {وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} فحسن إسلامها. واختلف العلماء في أمرها بعد إسلامها فقال أكثرهم: لمّا أسلمت أراد سليمان أن يتزوجها، فلمّا همَّ بذلك كره ما رأى من كثرة شعر ساقيها وقال: ما أقبح هذا فسأل الإنس: ما يذهب هذا ؟ قالوا: الموسى فقالت المرأة: لم تمسّني حديدة قطّ، فكره سليمان الموسى وقال: إنّها تقطع ساقيها، فسأل الجن فقالوا: لا ندري، ثمَّ سأل الشياطين فتلكأوا ثمّ قالوا: انّا نحتال لك حتى تكون كالفضة البيضاء فاتخذوا لها النورة والحمّام. قال ابن عباس: فإنّه لأول يوم رؤيت فيه النورة واستنكحها سليمان عليه السلام. أخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا محمد بن أحمد بن نصرويه قال: حدّثنا محمد بن عمران ابن هارون قال: حدّثنا محمد بن ميمون المكي قال: حدّثني أبو هارون العطار عن أبي حفص الأبّار عن إسماعيل بن أبي بردة عن أبي موسى يبلغ به النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : أول من اتخذ الحمامات سليمان بن داود عليه السلام، فلمّا ألزق ظهره إلى الجدر فمسّهُ حرّها قال: آوه مِن عذاب الله ". تفسير : قالوا: فلما تزوّجها سليمان أحبّها حبّاً شديداً وأقرّها على ملكها وأمر الجن فابتنوا لها بأرض اليمن ثلاثة حصون لم ير الناس مثلها ارتفاعاً وحسناً وهي: سلحون وسون وعمدان، ثم كان سليمان عليه السلام يزورها في كل شهر مرَّة بعد أن ردها الى ملكها، ويقيم عندها ثلاثة أيّام يبتكر من الشام الى اليمن ومن اليمن الى الشام، وولدت له فيما ذكر. وروى ابن أبي إسحاق عن بعض أهل العلم عن وهب قال: زعموا أنّ سليمان بن داود عليه السلام قال لبلقيس لمّا أسلمت وفرغ من امرها: اختاري رجلاً من قومك أُزّوجكه. قالت: ومثلي يا نبي الله ينكح الرجال وقد كان لي في قومي من الملك والسلطان ما كان. قال: نعم إنّه لا يكون في الإسلام إلاّ ذلك ولا ينبغي لكِ أنْ تحرّمي ما أحل الله لكِ. فقالت: زوّجني إنْ كان لابدّ من ذلك ذا تبّع ملك همذان فزّوجه إيّاها ثم ردّها الى اليمن وسلّط زوجها ذا تبّع على اليمن، ودعا زوبعة أمير جن اليمن فقال: اعمل لذي تبّع ما استعملك فيه. قال: فصنع لذي تبع الصنائع باليمن ثم لم يزل بها يعمل له فيها ما أراد حتى مات سليمان ابن داود (عليه السلام)، فلمّا أنْ حال الحول وتبيّنت الجن موت سليمان (عليه السلام) أقبل رَجُلٌ منهم فسلك تهامة حتى إذا كان في جوف اليمن صرخ بأعلى صوته: يا معشر الجن إنَّ الملك سليمان قد مات فارفعوا أيديكم قال: فعمدت الشياطين الى حجرين عظيمين فكتبوا فيها كتاباً بالمسند نحن بنينا سلحين دائبين (سبعة وسبعين خريفاً)، وبنينا صرواح ومرواح (وبنيون وحاضة وهند وهنيدة، وسبعة أمجلة بقاعة، وتلثوم بريدة، ولولا صارخ بتهامة لتركنا بالبون إمارة، وقال وسلحين وصرواح ومرواح وبينون وهند وهنيدة وتلثوم حصون كانت باليمن عملتها الشياطين لذي تبع)، ثم رفعوا أيديهم وانطلقوا وتفرّقوا وانقضى ملك ذي تبّع وملك بلقيس مع ملك سليمان (عليه السلام).
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : {قَالَ سَنَنظُرُ ..} [النمل: 27] والنظر محلُّه العين، لكن هل يُعرف الصدق والكذب بالعين؟ لا، فالكلمة انتقلت من النظر بالعين إلى العلم بالحجة، فهي بمعنى نعلم، ونقول: هذا الأمر فيه نظر يعني: يحتاج إلى دراسة وتمحيص. وفي الآية مظهر من مظاهر أدب سليمان - عليه السلام - وتلطُّفه مع رعيته، فهو السيد المطاع، ومع ذلك يقول للهدهد: {أَصَدَقْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ ٱلْكَاذِبِينَ} [النمل: 27] والصِّدْق يقابله الكذب، لكن سليمان - عليه السلام - يأبى عليه أدب النبوة أن يتهم أحد جنوده بالكذب فقال: {أَمْ كُنتَ مِنَ ٱلْكَاذِبِينَ} [النمل: 27]. يعني: حتى لو وقع منك الكذب فلست فذَّاً فيه، فكثير من الخَلْق يكذبون، أو: من الكاذبين مَيْلاً لهم وقُرْباً منهم، مما يدلُّ على أنه بإلهاماته كنبي يعرف أنه صادق، إنما ما دام الأمر محلَّ نظر فلا بُدَّ أن نتأكد، ولن أجامل جندياً من جنودي.
الجيلاني
تفسير : وبعدما سمع سليمان عليه السلام منه ما سمع {قَالَ} ممهلاً عليه: {سَنَنظُرُ} ونصبر إلى يظهر {أَصَدَقْتَ} فيما أخبرت به {أَمْ كُنتَ مِنَ ٱلْكَاذِبِينَ} [النمل: 27] المزورين زورت هذا؛ لتخلص من العذاب؟. ثمَّ أراد سليمان - صلوات الرحمن عليه وسلامه - أن يرسل رسولاً إلى بلفيس فكتب كتاباً هكذا: "بسم الله الرحمن الرحيم، السلام على من اتبع الهدى، أما بعد، فلا تعلوا علي وأتوني مسلمين" ثمَّ طبعه بالمسك وختمه بخاتمه، ثمَّ قال للهدهد: {ٱذْهَب بِّكِتَابِي هَـٰذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ} بحيث لم يتفطنوا بك وبأمرك {ثُمَّ تَوَلَّ} وانصرف {عَنْهُمْ} وكن متوارياً في قربهم {فَٱنْظُرْ} وتأمل {مَاذَا يَرْجِعُونَ} [النمل: 28] أي: ماذا يرجع ويرد بعضهم بعضاً من الكلام في المشاورة والمكالمة؟ فأخذ الهدهد الكتاب، وأتى بلقيس وهي نائمة في قصرها، فألقاه على نحرها، فلما استيقظت رأت الخاتم في نحرها، فرعدت وخضعت خوفاً، ثمَّ جلست مع أشراف قومها وتشاورت معهم في أمر الكتاب. حيث {قَالَتْ} منادية مستفتية منهم: {يٰأَيُّهَا ٱلْمَلأُ إِنِّيۤ أُلْقِيَ إِلَيَّ} اليوم {كِتَابٌ كَرِيمٌ} [النمل: 29] وصفته بالكرامة؛ لأنها نائمة في قصرها والأبواب مغلقة عليها، فرأت في صدرها هذا بلا إحضار محضر، كأنهم قالوا: ممن؟ وما مضمونه؟. قالت: {إِنَّهُ} أي: الكتاب مرسل {مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ} أي: مضمونه: {بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ} [النمل: 30]. {أَلاَّ تَعْلُواْ} أي: عليكم ألا تترفعوا ولا تتكبروا {عَلَيَّ} ولا تبالوا ببسطكم وشوكتكم {وَ} لا يليق بشأنكم الإتيان على وجه الخضوع بلا كبر وخيلاء، وإذا انحضر أمركم على الإتيان {أْتُونِي مُسْلِمِينَ} [النمل: 31] منقادين لأمر الله، مطيعين لحكمه وحكم رسوله بلا ممانعة وإباء. ثمَّ لمَّا قرأت مضمون الكتاب عليهم، وشرحت لهم فحواه {قَالَتْ} خائفة مضطربة، منادية لهم ثانياً تأكيداً للتأمل والتدبر في هذا الأمر الهائل: {يٰأَيُّهَا ٱلْمَلأُ أَفْتُونِي} أي: أجيبوا عليَّ وأشيروا إليَّ {فِيۤ أَمْرِي} هذا، واختاروا ما هو الأحوط، واستفتوا طريقاً ورأياً، أختار ذلك قطعاً، وآمر بها حكماً؛ إذ {مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْراً} أمضي عليه وأجزم به {حَتَّىٰ تَشْهَدُونِ} [النمل: 32] له وتستصوبونه، بل الأمر مفوض إليكم، فاستصوبوا ما أقر رأيكم عليه؛ حتى أمضي على مقتضاه. وبعدما فوضت أمرها إليهم استعطافاً واستظهاراً {قَالُواْ} مستعلين مستكبرين على مقتضى أصحاب القدرة والقوة، وأرباب الجاه والثورة: {نَحْنُ} قوم {أُوْلُو قُوَّةٍ} وقدرةٍ تامةٍ عَدداً وعُدداً {وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ} قد انتشر صيتنا في الآفاق بالشدة والشجاعة وأنواع الجراءة والاستيلاء، والصولة على الأعداء، فنحن هكذا ولا خوف لنا منهم {وَٱلأَمْرُ} بعد ذلك {إِلَيْكِ} ونحن عبيدك {فَٱنظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ} [النمل: 33] من القتال والصلح، نعمل على وفق ما أمرتنا به. {قَالَتْ} في جوابهم بعدما تأملت، وتعمقت في أمرها ورأيها: نعم، إن لنا كثرة وشجاعة منتشرة في أقطار الأرض بأسها وهيبتها، إلاَّ أن الحرب خداع، والقتال سجال لا تدرى عاقبتهما، ولا اعتماد على الكثرة والجراءة بعدما نفذ القضاء على الهزيمة، ومن المقدمات المسلمة {إِنَّ ٱلْمُلُوكَ} وأرباب القدرة الاستيلاء {إِذَا دَخَلُواْ قَرْيَةً} عنوةً وقهراً {أَفْسَدُوهَا} بأن غيروا لها أوضاعها {وَجَعَلُوۤاْ أَعِزَّةَ أَهْلِهَآ أَذِلَّةً} بالغلبة والاستيلاء {وَكَذٰلِكَ يَفْعَلُونَ} [النمل: 34] هؤلاء لو دخلوا على بلادنا هذه. {وَ} ما يليق لنا اليوم، ولا يصلح بحالنا مقارعة باب المقاتلة والمصالحة أيضاً، بل {إِنِّي مُرْسِلَةٌ} رسلاً {إِلَيْهِمْ} أولاً مصحوبة {بِهَدِيَّةٍ} كثيرة لائقة بعظم شأنهم لأختبرهم {فَنَاظِرَةٌ} منتظرة بعد ذلك {بِمَ يَرْجِعُ ٱلْمُرْسَلُونَ} [النمل: 35] أي: بأي شيء يرجعون من عندهم بعد تجسسهم من أحوالهم وأطوارهم ومعاشهم مع رسلنا؛ حتى أعمل على ما يقتضى ما يرجعون، هذا من كمال عقلها ورزانتها في تدبيرات المملكة وصيانتها آداب السلطنة والإمارة وضبط المملكة. ورُوي أنها أرسلت منذر بن عمرو في وفد، وأرسلت معه غلمان على زي الجواري، وجواري على زي الغلمان، وحقة فيها درة عذراء لا ثقب فيها، وجزعة معوجة الثقب، وقالت: إن كان نبياً بيَّن الغلمان والجواري، وثقب الدرة ثقباً مستوياً، وسلك في الجزعة خيطاً، ومعها أموال عظام من لبنات الذهب والفضة، والعود والعنبر والكافور والمسك، وأجناس الجواهر والنفائس من كل شيء، فلما وصلوا معسكره رأوا عظمة ما شاهدوا مثلها ولا سمعوا من أحد.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):