٢٧ - ٱلنَّمْل
27 - An-Naml (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
29
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أن قوله: {قَالَتْ يٰأَيُّهَا ٱلْمَلأ إِنّى أُلْقِيَ إِلَىَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ } بمعنى أن يقال إن الهدهد ألقى إليها الكتاب فهو محذوف كأنه ثابت، روي أنها كانت إذا رقدت غلقت الأبواب ووضعت المفاتيح تحت رأسها فدخل من كوة وطرح الكتاب على نحرها وهي مستلقية، وقيل نقرها فانتبهت فزعة. أما قوله: {كِتَابٌ كَرِيمٌ } ففيه ثلاثة أوجه: أحدها: حسن مضمونه وما فيه وثانيها: وصفته بالكريم لأنه من عند ملك كريم وثالثها: أن الكتاب كان مختوماً وقال عليه السلام: « حديث : كرم الكتاب ختمه » تفسير : وكان عليه السلام « حديث : يكتب إلى العجم، فقيل له إنهم لا يقبلون إلا كتاباً عليه خاتم فاتخذ لنفسه خاتماً » تفسير : . أما قوله: {أَنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وأَنَّهُ بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ } ففيه أبحاث: البحث الأول: أنه استئناف وتبيين لما ألقى إليها كأنها لما قالت إني ألقي إليَّ كتاب كريم قيل لها ممن هو وما هو فقالت إنه من سليمان وإنه كيت وكيت، وقرأ عبدالله {إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ ٱللَّهِ } عطفاً على {إِنّى } وقرىء {إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ } بالفتح وفيه وجهان: أحدهما: أنه بدل من كتاب كأنه قيل ألقي إليَّ أنه من سليمان وثانيهما: أن يريد أن من سليمان ولأنه بسم الله كأنها عللت كرمه بكونه من سليمان وتصديره بسم الله وقرأ أبي (أن من سليمان وأن بسم الله) على أن المفسرة، وأن في (ألا تعلوا) مفسرة أيضاً ومعنى لا تعلوا لا تتكبروا كما تفعل الملوك، وقرأ ابن عباس بالغين معجمة من الغلو وهي مجاوزة الحد. البحث الثاني: يقال لما قدم سليمان اسمه على قوله: {بِسْمِ اللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ }؟ جوابه: حاشاه من ذلك بل ابتدأ هو ببسم الله الرحمن الرحيم، وإنما ذكرت بلقيس أن هذا الكتاب من سليمان ثم حكت ما في الكتاب والله تعالى حكى ذلك فالتقديم واقع في الحكاية. البحث الثالث: أن الأنبياء عليهم السلام لا يطيلون بل يقتصرون على المقصود، وهذا الكتاب مشتمل على تمام المقصود، وذلك لأن المطلوب من الخلق، إما العلم أو العمل والعلم مقدم على العمل فقوله: {بِسْمِ اللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ } مشتمل على إثبات الصانع سبحانه وتعالى وإثبات كونه عالماً قادراً حياً مريداً حكيماً رحيماً. وأما قوله: {أَلاَّ تَعْلُواْ عَلَيَّ } فهو نهي عن الانقياد لطاعة النفس والهوى والتكبر. وأما قوله: {وَأْتُونِى مُسْلِمِينَ } فالمراد من المسلم إما المنقاد أو المؤمن، فثبت أن هذا الكتاب على وجازته يحوي كل ما لا بد منه في الدين والدنيا، فإن قيل النهي عن الاستعلاء والأمر بالانقياد قبل إقامة الدلالة على كونه رسولاً حقاً يدل على الاكتفاء بالتقليد جوابه: معاذ الله أن يكون هناك تقليد وذلك لأن رسول سليمان إلى بلقيس كان الهدهد ورسالة الهدهد معجز، والمعجز يدل على وجود الصانع وعلى صفاته ويدل على صدق المدعي فلما كانت تلك الرسالة دلالة تامة على التوحيد والنبوة لا جرم لم يذكر في الكتاب دليلاً آخر. أما قوله: {يٰأَيُّهَا ٱلْمَلأَ أَفْتُونِى فِى أَمْرِي} فالفتوى هي الجواب في الحادثة اشتقت على طريق الاستعارة من الفتى في السن أي أجيبوني في الأمر الفتى، وقصدت بالانقطاع إليهم واستطلاع رأيهم تطييب قلوبهم {مَا كُنتُ قَـٰطِعَةً أَمْراً} أي لا أبت أمراً إلا بمحضركم. أما قوله: {قَالُواْ نَحْنُ أُوْلُواْ قُوَّةٍ } فالمراد قوة الأجسام وقوة الآلات (والعدد) والمراد بالبأس النجدة (والثبات) في الحرب، وحاصل الجواب أن القوم ذكروا أمرين: أحدهما: إظهار القوة الذاتية والعرضية ليظهر أنها إن أرادتهم للدفع والحرب وجدتهم بحيث تريد، والآخر قولهم: {وَٱلأَمْرُ إِلَيْكِ فَٱنظُرِى مَاذَا تَأْمُرِينَ } وفي ذلك إظهار الطاعة لها إن أرادت السلم، ولا يمكن ذكر جواب أحسن من هذا، والله أعلم.
القرطبي
تفسير : فيه ست مسائل: الأولى: قوله تعالى: {قَالَتْ يٰأَيُّهَا ٱلْمَلأُ} في الكلام حذف؛ والمعنى: فذهب فألقاه إليهم فسمعها وهي تقول: {يَأَيُّهَا الْمَلأُ} ثم وصفت الكتاب بالكريم إما لأنه من عند عظيم في نفسها ونفوسهم فعظمته إجلالاً لسليمان عليه السلام؛ وهذا قول ابن زيد:. وإما أنها أشارت إلى أنه مطبوع عليه بالخاتم، فكرامة الكتاب ختمه؛ وروي ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقيل: لأنه بدأ فيه بـ{ـبسم الله الرحمن الرحيم} وقد قال صلى الله عليه وسلم: «حديث : كل كلام لا يبدأ فيه ببسم الله الرحمن الرحيم فهو أجذم»تفسير : . وقيل: لأنه بدأ فيه بنفسه، ولا يفعل ذلك إلا الجلّة. وفي حديث ابن عمر أنه كتب إلى عبد الملك بن مروان يبايعه: من عبد الله لعبد الملك بن مروان أمير المؤمنين؛ إني أقرّ لك بالسمع والطاعة ما استطعت، وإن بَنِيّ قد أقرّوا لك بذلك. وقيل: توهمت أنه كتاب جاء من السماء إذ كان الموصِّل طيراً. وقيل: {كَرِيمٌ} حسن؛ كقوله: {أية : وَمَقَامٍ كَرِيمٍ} تفسير : [الشعراء: 58]أي مجلس حسن. وقيل: وصفته بذلك؛ لما تضمن من لين القول والموعظة في الدعاء إلى عبادة الله عز وجل، وحسن الاستعطاف والاستلطاف من غير أن يتضمن سبًّا ولا لعناً، ولا ما يغيّر النفس، ومن غير كلام نازل ولا مستغلق؛ على عادة الرسل في الدعاء إلى الله عز وجل؛ ألا ترى إلى قول الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم: {أية : ٱدْعُ إِلِىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِٱلْحِكْمَةِ وَٱلْمَوْعِظَةِ ٱلْحَسَنَةِ} تفسير : [النحل: 125] وقوله لموسى وهارون: {أية : فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَّيِّناً لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ } تفسير : [طه: 44]. وكلها وجوه حسان وهذا أحسنها. وقد روي أنه لم يكتب بسم الله الرحمن الرحيم أحد قبل سليمان. وفي قراءة عبد الله {وَإِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَان} بزيادة واو. الثانية: الوصف بالكريم في الكتاب غاية الوصف؛ ألا ترى قوله تعالى:{أية : إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ } تفسير : [الواقعة: 77] وأهل الزمان يصفون الكتاب بالخطير وبالأثير وبالمبرور؛ فإن كان لملك قالوا: العزيز وأسقطوا الكريم غفلة، وهو أفضلها خصلة. فأما الوصف بالعزيز فقد وصف به القرآن في قوله تعالى: {أية : وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ لاَّ يَأْتِيهِ ٱلْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ} تفسير : [فصلت: 41 ـ 42] فهذه عزته وليست لأحد إلا له؛ فاجتنبوها في كتبكم، واجعلوا بدلها العالي؛ توفية لحق الولاية، وحياطة للديانة؛ قاله القاضي أبو بكر بن العربي. الثالثة: كان رسم المتقدّمين إذا كتبوا أن يبدؤوا بأنفسهم من فلان إلى فلان، وبذلك جاءت الآثار. وروى الربيع عن أنس قال: ما كان أحد أعظم حرمة من النبي صلى الله عليه وسلم، وكان أصحابه إذا كتبوا بدؤوا بأنفسهم. وقال ابن سيرين قال النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن أهل فارس إذا كتبوا بدؤوا بعظمائهم فلا يبدأ الرجل إلا بنفسه» تفسير : قال أبو الليث في كتاب «البستان» له: ولو بدأ بالمكتوب إليه لجاز؛ لأن الأمة قد اجتمعت عليه وفعلوه لمصلحة رأوا في ذلك، أو نسخ ما كان من قبل؛ فالأحسن في زماننا هذا أن يبدأ بالمكتوب إليه، ثم بنفسه؛ لأن البداية بنفسه تعدّ منه استخفافاً بالمكتوب إليه وتكبّراً عليه؛ إلا أن يكتب إلى عبد من عبيده، أو غلام من غلمانه. الرابعة: وإذا ورد على إنسان كتاب بالتحية أو نحوها ينبغي أن يرد الجواب؛ لأن الكتاب من الغائب كالسلام من الحاضر. وروي عن ابن عباس أنه كان يرى رد الكتاب واجباً كما يرى رد السلام. والله أعلم. الخامسة: اتفقوا على كتب «بسم الله الرحمن الرحيم» في أوّل الكتب والرسائل، وعلى ختمها؛ لأنه أبعد من الريبة، وعلى هذا جرى الرسم، وبه جاء الأثر عن عمر بن الخطاب أنه قال: أيما كتاب لم يكن مختوماً فهو أغلف. وفي الحديث: «حديث : كرم الكتاب خَتْمُه»تفسير : . وقال بعض الأدباء؛ هو ابن المقفع: من كتب إلى أخيه كتاباً ولم يختمه فقد استخف به؛ لأن الختم ختم. وقال أنس: لما أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يكتب إلى العجم فقيل له: إنهم لا يقبلون إلا كتاباً عليه ختم؛ فاصطنع خاتماً ونقش على فصه (لا إلٰه إلا الله محمد رسول الله) وكأني أنظر إلى وبِيصِه وبياضه في كفّه. السادسة: قوله تعالى: {إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ } {وَإنَّهُ} بالكسر فيهما أي وإن الكلام، أو إن مبتدأ الكلام {بسم الله الرحمن الرحيم}. وأجاز الفراء {أَنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَأَنَّهُ} بفتحهما جميعاً على أن يكونا في موضع رفع بدل من الكتاب؛ بمعنى ألقى إليّ أنه من سليمان. وأجاز أن يكونا في موضع نصب على حذف الخافض؛ أي لأنه من سليمان ولأنه؛ كأنها عللت كرمه بكونه من سليمان وتصديره بسم الله. وقرأ الأشهب العُقَيليّ ومحمد بن السَّمَيْقع: {أَلاَّ تَغْلُوا} بالغين المعجمة؛ وروي عن وهب بن منبّه؛ من غلا يغلوا إذا تجاوز وتكبّر. وهي راجعة إلى معنى قراءة الجماعة. {وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ} أي منقادين طائعين مؤمنين.
المحلي و السيوطي
تفسير : ثم {قَالَتْ } لأشراف قومها { يٰأَيُّهَا ٱلْمَلا إِنّى } بتحقيق الهمزتين وتسهيل الثانية بقلبها واواً مكسورة {أُلْقِىَ إِلَىَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ } مختوم.
ابن عطية
تفسير : في هذا الموضع اختصار لما يدل ظاهر القول عليه تقديره فألقى الكتاب وقرأته وجمعت له أهل ملكها، و {الملأ} أشراف الناس الذين ينوبون مناب الجميع، ووصفت "الكتاب بالكرم" إما لأنه من عند عظيم في نفسها ونفوسهم فعظمته إجلالاً لسليمان، وهذا قول ابن زيد، وإما أنها أشارت إلى أنه مطبوع عليه بالخاتم، وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : كرم الكتاب ختمه" تفسير : وإما إن أرادت أنه بدىء {بسم الله} فــ {كريم} ضد أجْذم كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : كل كلام لم يبدأ باسم الله تعالى فهو أجذم تفسير : ، ثم أخذت تصف لهم ما في الكتاب فيحتمل اللفظ أنه نص الكتاب موجزاً بليغاً وكذلك كتب الأنبياء وقدم فيه العنوان وهي عادة الناس على وجه الدهر، ثم سمى الله تعالى، ثم أمرهم بأن لا يعلوا عليه طغياناً وكفراً وأن يأتوه {مسلمين}، ويحتمل أنها قصدت إلى اقتضاب معانيه دون ترتيبه فأعلمتهم {أنه من سليمان} وأن معنى ما فيه كذا وكذا، وقرأ أبيّ " وأن بسم الله" بفتح الهمز وتخفيف النون وحذف الهاء، وقرأ ابن أبي عبلة "أنه" من "وأنه" بفتح الهمزة فيهما، وفي قراءة عبد الله "وأنه من سليمان" بزيادة، و {بسم الله الرحمن الرحيم}، استفتاح شريف بارع المعنى معبر عنه بكل لغة وفي كل شرع، و {أن} في قوله تعالى: {أن لا تعلوا علي} يحتمل أن تكون رفعاً على البدل من {كتاب}، أو نصباً على معنى "بأن لا تعلوا"، أو مفسرة بمنزلة أي قاله سيبويه، وقرأ وهب بن منبه "أن لا تغلوا" بالغين منقوطة، قال أبو الفتح رواها وهب عن ابن عباس وهي قراءة الأشهب العقيلي ذكرها الثعلبي ثم أخذت في حسن الأدب مع رجالها ومشاورتهم في أمرها وأعلمتهم أن ذلك مطرد عندها في كل أمر فكيف في هذه النازلة الكبرى، فراجعها الملأ بما يقر عينها من إعلامهم إياها بـ"القوة والبأس" أي وذلك مبذول إليك فقاتلي إن شئت، ثم سلموا الأمر إلى نظرها وهذه محاورة حسنة من الجميع، وفي قراءة عبد الله "ما كنت قاضية أمراً" بالضاد من القضاء، وذكر مجاهد في عدد أجنادها أنها كان لها اثنا عشر ألفاً، قيل تحت يد كل واحد منهم مائة ألف. قال القاضي أبو محمد: وهذا بعيد، وذكر غيره نحوه فاختصرته لبعد الصحة عنه، ثم أخبرت بلقيس عند ذلك بفعل {الملوك} بالقرى التي يتغلبون عليها، وفي الكلام خوف على قومها وحيطة لهم واستعظام لأمر سليمان عليه السلام، وقالت فرقة إن {وكذلك يفعلون} من قول بلقيس تأكيداً منها للمعنى الذي أرادته، وقال ابن عباس: هو من قول الله تعالى معرفاً لمحمد عليه السلام وأمته ومخبراً به.
ابن عبد السلام
تفسير : {كَرِيمٌ} لحسن ما فيه، أو مختوم، أو لكرم صاحبه وأنه ملك، أو لتسخيره الهدهد لحمله.
الخازن
تفسير : {قالت} لهم بلقيس {يا أيها الملأ إني ألقي إلي كتاب كريم} قيل سمته كريماً لأنه كان مختوماً، روى ابن عباس عن النبيّ صلى الله عليه سلم قال "حديث : كرامة الكتاب ختمه"تفسير : وقال ابن عباس: كريم أي شريف لشرف صاحبه، ثم بينت ممن الكتاب فقالت {إنه من سليمان} قرأت المكتوب فيه فقالت {وإنه بسم الله الرحمن الرحيم} فإن قلت لم قدم إنه من سليمان على بسم الله. قلت: ليس هو كذلك بل ابتدأ سليمان ببسم الله الرحمن الرحيم وإنما ذكرت بلقيس، أن هذا الكتاب من سليمان ثم ذكرت ما في الكتاب فقالت: وإنه بسم الله الرحمن الرحيم {ألا تعلوا علي} قال ابن عباس: لا تتكبروا علي. والمعنى لا تمتنعوا من الإجابة فإن ترك الإجابة، من العلو والتكبر {وأتوني مسلمين} أي طائعين مؤمنين وقيل من الاستسلام وهو الانقياد {قالت يا أيها الملأ أفتوني في أمري} أي أشيروا علي فيما عرض علي {ما كنت قاطعة أمراً} أي قاضية وفاصلة {حتى تشهدون} أي تحضرون {قالوا} يعني الملأ مجيبين لها {نحن أولو قوة} أي في الجسم على القتال {وأولو بأس شديد} أي عند الحرب وقيل أرادوا بالقوة كثرة العدد والبأس والشجاعة وهذا تعريض منهم بالقتال أي إن أمرتهم بذلك قالوا {والأمر إليك} أيتها الملكة أي في القتال وتركه {فانظري ماذا تأمرين} أي تجدين مطيعين لأمرك {قالت} بلقيس مجيبة لهم عن التعريض للقتال وما يؤول إليه أمره {إن الملوك إذا دخلوا قرية} أي عنوة {أفسدوها} أي خربوها {وجعلوا أعزة أهلها أذلة} أي أهانوا أشرافها وكبراءها كي يستقيم لهم الأمر تحذرهم بذلك مسير سليمان إليهم ودخوله بلادهم ثم تناهى الخبر عنها هنا، وصدق الله قولها فقال تعالى {وكذلك يفعلون} أي كما قالت هي يفعلون وقيل هو من قولها وهو للتأكيد لما قالت ثم قالت {وإني مرسلة إليهم بهدية} يعني إلى سليمان وقومه أصانعه بها على ملكي، وأختبره بها أملك هو أم نبي فإن كان ملكاً قبل الهدية ورجع، وإن كان نبياً لم يقبل الهدية، ولم يرضه منا إلا أن نتبعه في دينه وهو قولها {فناظرة بم يرجع المرسلون} وذلك أن بلقيس كانت امرأة لبيبة عاقلة قد ساست الأمور، وجربتها فأهدت وصفاء ووصائف. قال ابن عباس: مائة وصيف ومائة وصيفة قال وهب وغيره عمدت بلقيس إلى خمسمائة غلام وخمسمائة جارية، فألبست الجواري لبس الغلمان الأقبية والمناطق، وألبست الغلمان لبس الجواري وجعلت في أيديهم أساور الذهب، وفي أعناقهم أطواق الذهب وفي آذانهم أقرطة، وشنوفاً مرصعات بأنواع الجواهر وحملت الجواري على خمسمائة رمكة، والغلمان على خمسمائة برذون على كل فرس سرج من الذهب مرصع بالجواهر، وأغشية الديباج وبعثت إليه لبنات من الذهب ولبنات من الفضة وتاجاً مكللاً بالدر والياقوت، وأرسلت بالمسك والعنبر والعود اليلنجوج وعمدت إلى حق جعلت فيه درة بقيمة ثمينة غير مثقوبة، وخرزة جزع معوجة الثقب ودعت رجلاً من أشراف قومها يقال له: المنذر بن عمرو وضمت إليه رجالاً من قومها أصحاب عقل ورأي وكتبت مع المنذر كتاباً تذكر فيه الهدية، وقالت: إن كنت نبياً ميز بن الوصفاء والوصائف، وأخبرنا بما في الحق قبل أن تفتحه واثقب الدرة ثقباً مستوياً وأدخل في الخرزة خيطاً من غير علاج إنس ولا جن، وأمرت بلقيس الغلمان فقالت: إذا كلمكم سليمان فكلموه بكلام تأنيث وتخنيث يشبه كلام النساء، وأمرت الجواري أن يكلمنه بكلام فيه غلظة يشبه كلام الرجال، ثم قالت للرسول انظر إذا دخلت، فإن نظر إليك نظراً فيه غضب فاعلم أنه ملك فلا يهولنك أمره ومنظره فأنا أعز منه وإن رأيت الرجل بشاشاً لطيفاً فافهم أنه نبي فتفهم قوله ورد الجواب فانطلق الرسول بالهدايا، وأقبل الهدهد مسرعاً إلى سليمان، فأخبره فأمر سليمان الجن أن يضربوا لبناً من الذهب والفضة، ففعلوا وأمرهم بعمل ميدان مقدار تسعة فراسخ وأن يفرشوا لبن الذهب والفضة، وأن يخلوا مقدار تلك اللبنات التي معهم وأن يعملوا حائطاً شرفه من الذهب والفضة، ففعلوا ثم قال أي دواب البر والبحر أحسن فقالوا يا نبي الله ما رأينا أحسن من دابة من دواب البحر يقال لها كذا وكذا مختلفة ألوانها لها أجنحة وأعراف ونواص، قال: علي بها الساعة فأتوا بها قال شدوها بين يمين الميدان وشماله ثم قال للجن علي بأولادكم، فاجتمع منهم خلاق كثير فأقامهم على يمين الميدان، وعلى شماله وأمر الإنس والجن والشياطين، والوحوش والطير والسباع فاصطفوا فراسخ عن يمينه وشماله، فلما دنا القوم إلى الميدان ونظروا إلى ملك سليمان رأوا أول الأمر الدواب، التي لا يرى مثلها تروث في لبنات الذهب والفضة، فلما رأوا ذلك تقاصرت أنفسهم وخبؤوا ما معهم من الهدايا وقيل إن سليمان فرش الميدان بلبنات الذهب والفضة، وترك على طريقهم موضعاً على قدر ما معهم من اللبن في ذلك الموضع فلما رأى الرسل موضع اللبنات خالياً خافوا أن يتهموا بذلك، فوضعوا ما معهم من اللبن في ذلك الموضع فلما رأوا الشياطين هالهم ما رأوا وفزعوا فقالت لهم الشياطين جوزوا لا بأس عليكم، فكانوا يمرون على كراديس الإنس والجن والوحش والطير حتى وقفوا بين يدي سليمان، فأقبل عليهم بوجه طلق وتلقاهم تلقياً حسناً، وسألهم عن حالهم فأخبره رئيس القوم بما جاؤوا فيه وأعطوه كتاب الملكة فنظر فيه، وقال أين الحق؟ فأتى به فحركه فجاءه جبريل فأخبره بما فيه، فقال لهم: أن فيه درة ثمينة غير مثقوبة وخرزة معوجة الثقب قال الرسول: صدقت فاثقب الدرة وأدخل الخيط في الجزعة فقال سليمان: من لي بثقبها وسأل الإنس والجن، فلم يكن عندهم علم ثم سأل الشياطين فقالوا: نرسل إلى الأرضة فلما جاءت الأرضة أخذت شعرة في فيها ودخلت فيها حتى خرجت من الجانب الآخر فقال سليمان ما حاجتك قالت: تصير رزقي في الشجر. فقال: لك ذلك ثم قال من لي بهذه الخرزة فقالت دودة بيضاء أنا لها يا نبي الله فأخذت الدودة الخيط في فيها ودخلت الثقب حتى خرجت من الجانب الآخر. فقال لها سليمان: ما حاجتك فقالت يكون رزقي في الفواكه قال: لك ذلك ثم ميز بين الغلمان والجواري، بأن أمرهم أن يغسلوا وجوههم وأيديهم فجعلت الجارية تأخذ الماء بيدها، تضرب بها الآخرى وتغسل وجهها والغلام يأخذ الماء بيديه ويغسل به وجهه، وكانت الجارية تصب الماء على باطن ساعدها والغلام على ظاهره فميز بين الغلمان والجواري، ثم رد سليمان الهدية كما أخبر الله تعالى.
ابو السعود
تفسير : {قَالَتْ} أي بعدَ ما ذهبَ الهدهدُ بالكتابِ فألقاهُ إليهم وتنحَّى عنهم حسبما أُمر به، وإنَّما طُوي ذكرُه إيذاناً بكمالِ مسارعتِه إلى إقامةِ ما أُمر به من الخدمة وإشعاراً باستغنائه عن التَّصريحِ به لغايةِ ظهورِه. روُي أنَّه عليه الصَّلاة والسَّلام كتب كتابَه وطبعه بالمسكِ وختَمه بخاتمِه ودفعَه إلى الهدهدِ فوجدَها الهدهدُ راقدةً في قصرِها بمأربَ وكانتْ إذا رقدتْ غلَّقتِ الأبوابِ ووضعتِ المفاتيحَ تحتَ رأسِها فدخلَ من كُوَّةٍ وطرحَ الكتابَ على نحرِها وهي مستلقيةٌ وقيل: نقرَها فانتبهتْ فَزِعةً وقيل أتاها والقادةُ والجنودُ حواليَها فرفرفَ ساعةً والنَّاسُ ينظرونَ حتَّى رفعتْ رأسَها فألقى الكتابَ في حجرِها وكانت قارئةً كاتبةً عربـيةً من نسلٍ تُبَّع الحميريِّ كَما مَرَّ فلما رأتِ الخاتمَ ارتعدتْ وخضعتْ، فعندَ ذلكَ قالتْ لأشرافِ قومِها {يٰأَيُّهَا ٱلْمَلا إِنّى أُلْقِىَ إِلَىَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ} وصفتْه بالكرمِ لكرمِ مضمونِه أو لكونِه من عندَ ملكٍ كريمٍ أو لكونِه مختوماً أو لغرابةِ شأنِه ووصولِه إليها على منهاجٍ غيرِ معتادٍ. {إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ} استئنافٌ وقعَ جواباً لسؤالٍ مقدرٍ كأنَّه قيل ممن هُو وماذا مضمونُه فقالتْ إنَّه منْ سُليمان {وَإِنَّهُ} أي مضمونُه أو المكتوبُ فيه {بِسْمِ اللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ} وفيه إشارةٌ إلى سببِ وصفِها ايَّاه بالكرمِ. وقُرىء أنَّه وأنَّه بالفتحِ على حذفِ اللامِ كأنها عللتْ كرمَه بكونِه من سليمانَ وبكونِه مُصدَّراً باسمِ الله تعالى، وقيل: على أنَّه بدلٌ من كتابٌ. وقُرىء أنْ من سُليمان وأنْ بسمِ الله الرَّحمنِ الرَّحيمِ، على أنَّ أنْ المفسرةُ. {أَلاَّ تَعْلُواْ عَلَىَّ} أنْ مفسرةٌ ولا ناهيةٌ أي لا تتكبروا كما يفعلُ جبابرةُ الملوكِ، وقيل: مصدريةٌ ناصبةٌ للفعلِ ولا نافيةٌ محلُّها الرَّفعُ على أنَّها بدلٌ من كتابٌ، أو خبرٌ لمبتدأٍ مضمرٍ يليقُ بالمقام، أي مضمونُه أنْ لا تعلُوا، أو النَّصبُ بإسقاطِ الخافضِ أي بأنْ لا تعلُوا عليَّ. وقُرىء ألا تغلُوا بالغينِ المعجمةِ أي لا تجاوزُوا حدَّكم. {وَأْتُونِى مُسْلِمِينَ} أي مؤمنينَ وقيل: منقادينَ والأولُ هو الأليقُ بشأنِ النبـيِّ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ على أنَّ الإيمانَ مستتبعٌ للانقياد حتماً. روي أنَّ نسخةَ الكتابِ «من عبدِ اللَّهِ سليمانَ بنِ داودَ إلى بلقيسَ ملكةِ سبأً السَّلامُ على من اتبعَ الهُدَى أمَّا بعدُ فلا تعلُوا عليَّ وائتوني مسلمينَ» وليسَ الأمرُ فيه بالإسلامِ قبل إقامةِ الحجَّة على رسالتِه حتَّى يُتوهم كونُه استدعاءاً للتقليدِ فإنَّ إلقاء الكتابِ إليها على تلك الحالةِ معجزةٌ باهرةٌ دالَّةٌ على رسالةِ مُرسِلها دلالةً بـينةً.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلْمَلأُ إِنِّيۤ أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ} [الآية: 29]. قال مختوم مزين بزينته، وقيل: فيه كرامة الكتاب ابتداؤه {بسم ٱلله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ}، وقيل: كرامته ختمه وقيل كرامته عنوانه. وقال الحسين: بسم الله منك بمنزلة كن منه فإذا أحسنت أن تقول: بسم الله تحققت الأشياء بقولك: بسم الله كما تحقق بقوله: "كن فيكون". قال ابن طاهر: لما قال الله للقلم اكتب. قال: ما اكتب قال: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة فكتب بسم الله الرحمن الرحيم أى: بك طهرت جميع الأشياء لا بغيرك فلما رأت بلقيس كتابه مفتتحًا بما افتتح به اللوح المحفوظ قالت: هذا {كِتَابٌ كَرِيمٌ} أى: كتاب كريم بالابتداء ولا يبتدئ بالمكاتبة إلا كريم. قال بعضهم: كتاب كريم أى مبارك علىَّ أخذ بجوامع قلبى فليس لى عنه جواب، ولا لى معه خطاب إلا الانقياد له، ولا يكون مثل هذا إلا كتاب كريم. قال القاسم: لاحترامها الكتاب وتعظيمها له رزقت الهداية حتى آمنت وصدقت، وكذلك الحرمات تؤثر بركاتها على أربابها ولو بعد حين.
القشيري
تفسير : {كِتَابٌ كَرِيمٌ} الكَرَمُ نَفْيُ الدناءة، وقيل لأنه كان مختوماً، وقيل لأنَّ الرسولَ كان طيراً؛ فَعَلِمَتْ أَنَّ مَنْ تكون الطيرُ مُسَخَّرة لَهُ لا بُدّ أنه عظيمُ الشأنِ. وقيل لأنه كان مُصَدَّراً ببسم الله الرحمن الرحيم. وقيل لأنه كتب فيه اسم نَفْسِه أولاً ولم يَقُلْ: إنه من سليمان إلى فلانة. ويقال لم يكن في الكتاب ذكر الطمع في المُلْكِ بل كان دُعَاءً إلى الله: {أَلاَّ تَعْلُواْ عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ}. ويقال أَخَذَ الكتابُ بمجامع قلبها، وقَهَرَها؛ فلم يكن لها جواب، فقالت، {إِنِّيۤ أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ} فلمَّا عَرَفَتْ قَدْرَ الكتابِ وصلت باحترامها إلى بقاء مُلكِها، ورُزِقَتْ الإسلامَ وصُحْبَةً سليمان. ويقال إذا كان الكتابُ كريماً لما فيه من آية التسمية فالكريمُ من الصلاة ما لا يتجرَّدُ عن التسمية. وإذا تجرَّدت كان الأمرُ فيها بالعكس.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {إِنِّيۤ أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ} حكى الله سبحانه عن قول بلقيس حين القى اليها الكتاب ان ذلك الكتاب كتاب كريم وذلك انها استنشقت من رائحة المحبة لذالك قال انه كتاب كريم وكان الكتاب مختوما بخاتم الملك فالهمهما الله منقوش الخاتم---- هو اسم الله الاعظم قالت انه كتاب مريم وايضا لما قرأت بسم الله الرحمن الرحيم عرفت انها كلام الله ولا يشبه كلام الخلق وقالت كتاب كريم فانبسطت من باء بسم الله اشارة بدو القدم والبقاء اللذين هما اصل جميع الصفات القديمة القائمة بذات الحق سبحانه من عرفه القدم والبقاء فقد عرفه بجميع الذات والصفات وتلك المعرفة لا تكون الا لمن شاهد مشاهدة الازل والابد وعرفت من السين اشارة سنا الحق واسراره من الميم ملكه ومحبته واشارة الهيمنة المشاهدة المحيطة بكل ذرة من العرش الى الثرى من حروف الله اشارة عين الذات الواحد الفرد من الالف ومن للامين الجلال والجمال ومن الهاء الهوية وغوبات الغيب وتجدت فى الكلمة وجوب العبودية للربوبية ليصل برحمة الرحمانية العامة فى الدنيا والأخرة ورحمة الرحيمية الخاصة فى الأخرة لاهل الخصوص وعلمت انها بجميعها مقام الاتصاف من اتصف بها سله عنده بتلفظها مراد ارادة من معنى الاجابة القدرة بالاشياء بالايات والكرامات قال الواسطى فى قوله كتاب كريم مختوم مزين بزينته وقيل كرامة الكتاب ابتداؤه ببسم الله الرحمن الرحيم وقيل كرامته عنوانه وقال الحسين فى بسم الله قولك منك بمنزلة كن منه واذا احسنت ان تقول بسم الله تحققت الاشياء بقولك بسم الله كما تحقق بقوله كن وقيل فى قوله كتاب كريم لان الرسول كان طير افعلمت ان من يكون الطير مسخرة له عظيم الشان.
الجنابذي
تفسير : سمّاه كريماً لختمه، او لجودة مضمونه، او لتصدّره ببسم الله، او لغرابته من حيث انّه القى اليه مع انّه لم يكن لاحدٍ فى حصنه مدخل ومخرج، او لجلالة مرسله.
اطفيش
تفسير : {قَالَتْ يَا أَيُّهَا المَلأَ} اي الاشراف قال ابن عباس رضي الله عنهما كان معها مائة قيل مع كل قيل مائة الف والقيل الملك دون الملك الأعظم وقيل: كان أهل مشورتها ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا كل رجل على عشرة آلاف نادتهم وقالت لهم بعد ما أخذوا مجالسهم. {إِنِي} بتخفيف همزة الملأ وبتسهيل همزة إن بقلبها واوا مكسورة. {أُلْقَيَ إِلَيَّ كَتِابٌ كَرِيمٌ} عن ابن عباس كرامة الكتاب ختمه رواه حديثا وذلك قول ابن الضحاك وعن ابن عباس شريف لشرف صاحبه على نبينا وعليه الصلاة والسلام وقيل: حسن ما فيه والمشهور الأول لكن الختم إما بمعنى الطي والالصاق أو بمعنى وضع الخاتم عليه وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكتب الى العجم فقيل له انهم لا يقبلون الا كتابا عليه خاتم فاصطنع خاتما وعن ابن المقفع من كتب الى اخيه كتابا ولم يختمه فقد استخف به، وقيل: كرمه تصديره بـ {أية : بسم الله الرحمن الرحيم }،تفسير : أو كرمه غرابة شأنه اذا جاء طائر وألقاه على نحرها وقيل على بطنها وقيل بين ثدييها.
اطفيش
تفسير : {قالت} بعد الذهاب والالقاء، ولم يذكرهما لظهورهما، وايذانا بالمسارعة فى ذلك {يا أيها الملأ إنِّى أُلْقِى إلىَّ كتابىٌ كَريمٌ * إنه من سليمان وإنَّه بسم الله الرحمن الرحيم} السلام على من اتبع الهدى.
الالوسي
تفسير : {قَالَتْ } أي بعد ما ذهب الهدهد بالكتاب فألقاه إليهم وتنحى عنهم حسبما أمر به، وإنما طوى ذكره إيذاناً بكمال مسارعته إلى إقامة ما أمر به من الخدمة وإشعاراً بالاستغناء عن التصريح به لغاية ظهوره. روي أنه عليه السلام كتب كتابه وطبعه بالمسك وختمه بخاتمه ودفعه إلى الهدهد فذهب به فوجدها راقدة في قصرها بمأرب وكانت إذا رقدت غلقت الأبواب ووضعت المفاتيح تحت رأسها فدخل من كوة وطرح الكتاب على نحرها وهي مستلقية، وفي رواية بين ثدييها، وقيل: نقرها فانتبهت فزعة، وقيل: أتاها والقادة والجنود حواليها فرفرف ساعة والناس ينظرون حتى رفعت رأسها فألقى الكتاب في حجرها فلما رأت الخاتم ارتعدت وخضعت فقالت ما قالت، وقيل: كانت في البيت كوة تقع الشمس منها كل يوم فإذا نظرت إليها سجدت فجاء الهدهد فسدها بجناحيه فرأت ذلك وقامت إليه فألقى الكتاب إليها وكانت قارئة كاتبة عربية من نسل يعرب بن قحطان واشتهر أنها من نسل تبع الحميري وكان الخط العربـي في غاية الإحكام والإتقان والجودة في دولة التبابعة وهو المسمى بالخط الحميري وكان بحمير كتابة تسمى المسند حروفها منفصلة وكانوا يمنعون من تعليمها إلا بإذنهم ومن حمير تعلم مضر، وقد تقدم بعض الكلام في ذلك. واختار ابن خلدون القول بأنه تعلم الكتابة العربية من التبابعة وحمير أهل الحيرة وتعلمها منهم أهل الحجاز وظاهر كون بلقيس من العرب وأنها قرأت الكتاب يقتضي أن الكتاب كان عربياً، ولعل سليمان عليه السلام كان يعرف العربـي وإن لم يكن من العرب، ومن علم منطق الطير لا يبعد أن يعلم منطق العرب الذي هو أشرف منطق. ويحتمل أن يكون عنده من يعرف ذلك وكذا من يعرف غيره من اللغات كعادة الملوك يكون عندهم من يتكلم بعدة لغات ليترجم لهم ما يحتاجونه، ويجوز أن يكون الكتاب غير عربـي بل بلغة سليمان عليه السلام وقلمه وكان قلمه كما نقل عن الإمام أحمد البوني كاهنياً وكان عند بلقيس من ترجمه لها وأعلمها بما فيه فجمعت أشراف قومها وأخبرتهم بذلك واستشارتهم كما حكى سبحانه عنها بقوله جل وعلا قالت: {يٰأَيُّهَا ٱلْمَلأُ إِنِّيۤ أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ} الخ، وأقدم سليمان عليه السلام على كتابة الكتاب إليها كذلك قول الهدهد {أية : وَأُوتِيَتْ مِن كُلّ شَىْء } تفسير : [النمل: 23] والمترجم من الأشياء التي يحتاج إليها الملك وأن اللائق بشأنه وعظمته أن لا يترك لسانه ويتشبه بها في لسانها، ويحتمل أنها كانت بنفسها تعرف تلك الكتابة فقرأت الكتاب لذلك، ورجح احتمال أن يكون الكتاب غير عربـي بأن الكتابة لها بالعربية تستدعي الوقوف على حالها وهو عليه السلام ما وقف عليه بعد. وتعقب بأنه دله على كونها عربية قول الهدهد {أية : جِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ * إِنّى وَجَدتُّ ٱمْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ } تفسير : [النمل: 22-23] فإنه عليه السلام ممن لا يخفى عليه كون سبأ من العرب والظاهر كون ملكتهم منهم. ووصفت الكتاب بالكرم لكونه مختوماً ففي الحديث «حديث : كرم الكتاب ختمه»تفسير : ، وفي «شرح أدب الكاتب» يقال أكرمت الكتاب فهو كريم إذا ختمته، وقال ابن المقفع: من كتب إلى أخيه كتاباً ولم يختمه فقد استخف به، وقد فسر ابن عباس وقتادة وزهير بن محمد {ٱلْكَرِيمِ } هنا بالمختوم، وفيه كما قيل استحباب ختم الكتاب لكرم مضمونه وشرفه أو لكرم / مرسله وعلو منزلته وعلمت ذلك بالسماع أو بكون كتابه مختوماً باسمه على عادة الملوك والعظماء أو بكون رسوله به الطير أو لبداءته باسم الله عز وجل أو لغرابة شأنه ووصوله إليها على منهاج غير معتاد، وقيل: أن ذلك لظنها إياه بسبب أن الملقى له طير أنه كتاب سماوي وليس بشيء. وبناء {أُلقي} للمفعول لعدم الاهتمام بالفاعل، وقيل: لجهلها به أو لكونه حقيراً. وقال الشيخ الأكبر قدس سره في «الفصوص»: من حكمة بلقيس كونها لم تذكر من ألقى إليها الكتاب وما ذاك إلا لتعلم أصحابها أن لها اتصالاً إلى أمور لا يعلمون طريقها. وفي ذلك سياسة منها أورثت الحذر منها في أهل مملكتها وخواص مدبريها وبهذا استحقت التقديم عليهم انتهى. وتأكيد الجملة للاعتناء بشأن الحكم، وأما التأكيد في قوله تعالى: {إِنَّهُ مِنَ سُلَيْمَـٰنَ وَإِنَّهُ بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ}.
ابن عاشور
تفسير : طويت أخبار كثيرة دل عليها ما بين الخبرين المذكورين من اقتضاء عدة أحداث، إذ التقدير: فذهب الهدهد إلى سبأ فرمى بالكتاب فأبلغ الكتاب إلى الملكة وهي في مجلس ملكها فقرأته، قالت: يأيها الملأ إلخ. وجملة: {قالت} مستأنفة استئنافاً بيانياً لأن غرابة قصة إلقاء الكتاب إليها يثير سؤالاً عن شأنها حين بلَغها الكتاب. و{الملأ}: الجماعة من أشراف القوم وهم أهل مجلسها. وظاهر قولها: {ألقي إليّ} أن الكتاب سُلّم إليها دون حُضور أهل مجلسها. وتقدم غير مرة وذلك أن يكون نظام بَلاطها أن تسلم الرسائل إليها رأساً. والإلقاء تقدم آنفاً. ووصف الكتاب بالكريم ينصرف إلى نفاسته في جنسه كما تقدم عند قوله تعالى: {أية : لهم مغفِرَة ورزق كريم} تفسير : في سورة الأنفال (74)؛ بأن كان نفيسَ الصحيفة نفيسَ التخطيط بهيجَ الشكل مستوفياً كل ما جرت عادة أمثالهم بالتأنق فيه. ومن ذلك أن يكون مختوماً، وقد قيل: كرم الكتاب ختمه، ليكون ما في ضمنه خاصاً باطلاع من أُرسل إليه وهو يُطلع عليه من يشاء ويكتمه عمن يشاء. قال ابن العربي: «الوصف بالكرم في الكتاب غاية الوصف؛ ألا ترى إلى قوله تعالى: {أية : إنه لقرآن كريم}تفسير : [الواقعة: 77] وأهل الزمان يصفون الكِتاب بالخَطير، والأثير، والمبرور، فإن كان لملك قالوا: العزيز، وأسقطوا الكريم غفلة وهو أفضلها خصلة». وأما ما يشتمل عليه الكتاب من المعاني فلم يكن محموداً عندها لأنها قالت: {أية : إن الملوك إذا دَخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة}تفسير : [النمل: 34]. ثم قصَّت عليهم الكتاب حين قالت: {إنه من سليمان وإنه} إلى آخره. فيحتمل أن يكون قد تُرجم لها قبل أن تخرج إلى مجلس مشُورتها، ويحتمل أن تكون عارفة بالعبرانية، ويحتمل أن يكون الكتاب مكتوباً بالعربية القحطانية، فإن عظمة ملك سليمان لا تخلو من كتَّاب عارفين بلغات الأمم المجاورة لمملكته، وكونه بلغته أظهر وأنسب بشعار الملوك، وقد كتب النبي صلى الله عليه وسلم للملوك باللغة العربية. أما الكلام المذكور في هذه الآية فهو ترجمة الكتاب إلى اللغة العربية الفصحى بتضمين دقائقه وخصوصيات اللغة التي أنشىء بها. وقوله: {إنه من سليمان} هو من كلام الملكة ابتدأت به مخاطَبة أهل مشُورتها لإيقاظ أفهامهم إلى التدبر في مغزاه لأن اللائق بسليمان أن لا يقدِّم في كتابه شيئاً قبل اسم الله تعالى، وأن معرفة اسم سليمان تؤخذ من ختمه وهو خارج الكتاب فلذلك ابتدأت به أيضاً. والتأكيد بــــ(إنَّ) في الموضعين يترجم عما في كلامهما باللغة السبائية من عبارات دالة على اهتمامها بمُرسل الكتاب وبما تضمنه الكتاب اهتماماً يؤدَّى مثله في العربية الفصحى بحرف التأكيد الذي يدل على الاهتمام في مقام لا شك فيه. وتكرير حرف (إن) بعد واو العطف إيماء إلى اختلاف المعطوف والمعطوف عليه بأن المراد بالمعطوف عليه ذاتُ الكتاب، والمرادَ بالمعطوف معناه وما اشتمل عليه، كما تقول: إن فلاناً لحسن الطلعة وإنه لزكيّ. وهذا من خصوصيات إعادة العامل بعد حرف العطف مع إغناء حرف العطف عن ذكر العامل، ونظيره قوله تعالى: {أية : يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمرِ منكم}تفسير : [النساء: 59]، أعيد {أطيعوا} لاختلاف معنى الطاعتين، لأن طاعة الله تنصرف إلى الأعمال الدينية، وطاعة الرسول مراد بها طاعته في التصرفات الدنيوية، ولذلك عُطف على الرسول أولو الأمر من الأمة. وقوله: {إنه من سليمان} حكاية لمقالها، وعرفت هي ذلك من عنوان الكتاب بأعلاه أو بظاهره على حسب طريقة الرسائل السلطانية في ذلك العهد في بني إسرائيل، مثل افتتاح كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الملوك بجملة: «مِن محمد رسول الله». وافتتاح الكتاب بجملة البسملة يدل على أن مرادفها كان خاصاً بكُتُب النبي سليمان أن يُتبع اسم الجلالة بوصفي: الرحمان الرحيم، فصار ذلك سنة لافتتاح الأمور ذوات البال في الإسلام ادخره الله للمسلمين من بقايا سنة الأنبياء بعد أن تنوسي ذلك فإنه لم يعرف أن بني إسرائيل افتتحوا كتبهم باسم الله الرحمٰن الرحيم. روى أبو داود في كتاب «المراسيل»: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يكتب «باسمك اللهم» كما كانت قريش تكتب، فلما نزلتْ هذه الآية صار يكتب «بسم الله الرحمٰن الرحيم»، أي صار يكتب البسملة في أول كتبه. وأما جعلها فصلاً بين السور أو آية من كل سورة فمسألة أخرى. وكان كتاب سليمان وجيزاً لأن ذلك أنسب بمخاطبة من لا يحسن لغة المخاطب فيقتصر له على المقصود لإمكان ترجمته وحُصول فهمه فأحاط كتابه بالمقصود، وهو تحذير ملكة سبأ من أن تحاول الترفع على الخضوع إلى سليمان والطاعة له كما كان شأن الملوك المجاورين له بمصر وصور والعراق. فالإتيان المأمور به في قوله: {وأتوني مسلمين} هو إتيان مجازي مثل ما يقال: اتبع سبيلي. و{مسلمين} مشتق من أسلم إذا تقلد الإسلام. وإطلاق اسم الإسلام على الدين يدل على أن سليمان إنما دعا ملكة سبأ وقومها إلى نبذ الشرك والاعتراف لله بالإلهية والوحدانية ولم يدعهم إلى اتباع شريعة التوراة لأنهم غير مخاطبين بها وأما دعوتهم إلى إفراد الله بالعبادة والاعتراف له بالوحدانية في الإلهية فذلك مما خاطب الله به البشر كلهم وشاع ذلك فيهم من عهد آدم ونوح وإبراهيم. وقد بيّنا ذلك عند قوله تعالى: {أية : فلا تموتُنّ إلا وأنتم مسلمون}تفسير : في سورة البقرة (132)، قال تعالى: {أية : ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان}تفسير : [يس: 60]. جمع سليمان بين دعوتها إلى مسالمته وطاعته وذلك تصرف بصفة الملك، وبين دعوة قومها إلى اتباع دين التوحيد وذلك تصرف بالنبوءة لأن النبي يلقي الإرشاد إلى الهُدى حيثما تمكَّن منه كما قال شعيب {أية : إنْ أريد إلا الإصلاح ما استطعتُ}تفسير : [هود: 88] وهذا نظير قول يوسف لصاحبي السجن {أية : أأرباب متفرقون خيرٌ أم الله الواحد القهار}تفسير : [يوسف: 39] الآية. وإن كان لم يرسل إليهم، فالأنبياء مأمورون أمراً عاماً بالإرشاد إلى الحق، وكذلك دعاء سليمان هنا، وقال النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : لأن يهدي الله بك رجلاً خير لك من حُمْر النعم» تفسير : فهذه سنة الشرائع لأن الغاية المهمة عندها هو إصلاح النفوس دون التشفي وحب الغلبة. وحرف (أنْ) من قوله: {أن لا تعلوا عليّ} في موقعه غموض لأن الظاهر أنه مما شمله كتاب سليمان لوقوعه بعد البسملة التي هي مبدأ الكتاب. وهذا الحرف لا يخلو من كونه (أن) المصدرية الناصبة للمضارع، أو المخففة من الثقيلة، أو التفسيرية. فأما معنى (أَنْ) المصدرية الناصبة للمضارع فلا يتضح لأنها تستدعي عاملاً يكون مصدرُها المنسبك بها معمولاً له وليس في الكلام ما يصلح لذلك لفظاً مطلقاً ولا معنى إلا بتعسف، وقد جوزه ابن هشام في «مغني اللبيب» في بحث (أَلاّ) الذي هو حرف تحضيض وهو وجهة شيخنا محمد النجار رحمه الله بأن يُجعل {أن لا تعلوا} إلخ خبراً عن ضمير {كتاب} في قوله: {وإنه} فحيث كان مضمون الكتاب النهيَ عن العلو جُعل {أن لا تعلوا} نفسَ الكتاب كما يقع الإخبار بالمصدر. وهذا تكلف لأنه يقتضي الفصل بين أجزاء الكتاب بقوله: {بسم الله الرحمٰن الرحيم}. وأما معنى المخففة من الثقيلة فكذلك لوجوب سدّ مصدر مسدّها وكونها معمولة لعامل، وليس في الكلام ما يصلح لذلك أيضاً. وقد ذكر وجهاً ثالثاً في الآية في بعض نسخ «مغني اللبيب» في بحث (أَلاَّ) أيضاً ولم يوجد في النسخ الصحيحة من «المغني» ولا من «شروحه» ولعله من زيادات بعض الطلبة. وقد اقتصر في «الكشاف» على وجه التفسيرية لعلمه بأن غير ذلك لا ينبغي أن يفرض. وأعقبه بما روي من نسخة كتاب سليمان ليظهر أن ليس في كتاب سليمان ما يقابل حرف (أنْ) فلذلك تتعين (أنْ) لمعنى التفسيرية لضمير {وإنه} العائد إلى {كتاب} كما علمته آنفاً لأنه لما كان عائداً إلى {كتاب} كان بمعنى معاده فكان مما فيه معنى القول دون حروفه فصح وقع (أَنْ) بعده فيكون (أَنْ) من كلام ملكة سبأ فَسَّرَتْ بها وبما بعدها مضمون {كتاب} في قولها: {ألقى إلى كتاب كريم}. و{ألا تعلوا عليّ} يكون هو أول كتاب سليمان، وأنها حكاية لكلام بلقيس. قال في «الكشف» يتبين أن قوله: {إنه من سليمان} بيان لعنوان الكتاب وأن قوله: {وإنه بسم الله الرحمٰن الرحيم} إلخ بيان لمضمون الكتاب فلا يرد سؤال كيف قدم قوله: {إنه من سليمان} على {إنه بسم الله الرحمٰن الرحيم}. ولم تزل نفسي غير منثلجة لهذه الوجوه في هذه الآية ويخطر ببالي أن موقع (أَنْ) هذه استعمال خاص في افتتاح الكلام يعتمد عليه المتكلم في أول كلامه. وأنها المخففة من الثقيلة. وقد رأيتُ في بعض خطب النبي صلى الله عليه وسلم الافتتاح بــــ(أنْ) في ثاني خُطبة خطبها بالمدينة في «سيرة ابن إسحاق». وذكر السهيلي: أَنَّ الحمدُ، مضبوط بضمة على تقدير ضمير الأمر والشأن. ولكن كلامه جرى على أن حرف (إن) مكسور الهمزة مشدد النون. ويظهر لي أن الهمزة مفتوحة وأنه استعمال لــــ(أنْ) المخففة من الثقيلة في افتتاح الأمور المهمة وأن منه قوله تعالى: {أية : وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين}تفسير : [يونس: 10]. و{ألا تعلوا عليّ} نهي مستعمل في التهديد ولذلك أتبعته ملكة سبأ بقولها: {أية : يأيها الملأ أفتوني في أمري}تفسير : [النمل: 32].
د. أسعد حومد
تفسير : {يٰأَيُّهَا} {ٱلْمَلأُ} {كِتَابٌ} (29) - فَقَصَّتْ على رِجَالِ دَوْلَتِها خبرَ الكتاب الذِي أُلْقِيَ إليْهَا، وَوَصَفَت الكتَابَ بأَنَّهُ كريمٌ، لأنَّها رَأتْ طائِراً يَحْمِلُهُ إليها، وَيُلْقِيهِ بين يديْهَا، ثم يَقِفُ جَانِباً مَتأَدِّباً، وهذا شيءٌ لاَ يَفْعَلُهُ البَشَرُ عَادَةً.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : نلحظ هنا سرعة جواب الأمر {أية : ٱذْهَب ..}تفسير : [النمل: 28] فبعده مباشرة قالت ملكة سبأ: {قَالَتْ يٰأَيُّهَا ٱلْمَلأُ إِنِّيۤ أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ} [النمل: 29] وهذا يدل على أن أوامر سليمان كانت محوطة بالتنفيذ العاجل؛ لذلك حذف السياق كل التفاصيل بين الأمر {أية : ٱذْهَب ..}تفسير : [النمل: 28] والجواب {قَالَتْ ..} [النمل: 29] هكذا على وجه السرعة. ومعنى {ٱلْمَلأُ ..} [النمل: 29] هم أعيان القوم وأشرافهم والمستشارون والخاصة {إِنِّيۤ أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ} [النمل: 29] فوصفتْ الكتاب بأنه كريم إما لأنها سمعتْ عن سليمان - عليه السلام - وعظمة مُلْكه، أو: لأن الكتاب سُطِّر على ورق رَاقٍ وبخط جميل، وبعد ذلك هو ممهور بخاتمه الرسمي، مما يدل على أنه كتاب هام ينبغي دراسته وأَخذْ الرأي فيه.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {إِنِّيۤ أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ} معناه حَسنٌ مَا فيهِ. وقال: الكَريمُ: المَختومُ. قال الإمام زيد بن علي عليهما السلام: كانَ سُليمانُ بن دَاود عليه السَّلامُ كَتَبَ إِلى بَلقيسَ، وكَانتْ بأَرضٍ يُقالُ لَها مَأْربٌ، على ثَلاثةِ أيامٍ من صنعاءَ وكَانَ أُولوا مَشهورتِها ثَلثمائةَ واثنى عَشَر رجلاَ، كُلُّ رَجلٍ منهُم عَلَى عَشرةِ آلافِ رجلٍ.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):