Verse. 3199 (AR)

٢٧ - ٱلنَّمْل

27 - An-Naml (AR)

قَالَ الَّذِيْ عِنْدَہٗ عِلْمٌ مِّنَ الْكِتٰبِ اَنَا اٰتِيْكَ بِہٖ قَبْلَ اَنْ يَّرْتَدَّ اِلَيْكَ طَرْفُكَ۝۰ۭ فَلَمَّا رَاٰہُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَہٗ قَالَ ھٰذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّيْ۝۰ۣۖ لِيَبْلُوَنِيْۗ ءَاَشْكُرُ اَمْ اَكْفُرُ۝۰ۭ وَمَنْ شَكَرَ فَاِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِہٖ۝۰ۚ وَمَنْ كَفَرَ فَاِنَّ رَبِّيْ غَنِيٌّ كَرِيْمٌ۝۴۰
Qala allathee AAindahu AAilmun mina alkitabi ana ateeka bihi qabla an yartadda ilayka tarfuka falamma raahu mustaqirran AAindahu qala hatha min fadli rabbee liyabluwanee aashkuru am akfuru waman shakara fainnama yashkuru linafsihi waman kafara fainna rabbee ghaniyyun kareemun

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«قال الذي عنده علم من الكتاب» المنزل وهو آصف بن برخيا كان صدّيقاً يعلم اسم الله الأعظم الذي إذا دعا به أجيب «أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك» إذا نظرت به إلى شيء فقال له انظر إلى السماء فنظر إليها ثم رد بطرفه فوجده موضوعاً بين يديه ففي نظره إلى السماء دعا آصف الاسم الأعظم أن يأتي الله به فحصل بأن جرى تحت الأرض حتى نبع تحت كرسي سليمان «فلما رآه مستقراً» ساكناً «عنده قال هذا» أي الإتيان لي به «من فضل ربي ليبلوني» ليختبرني «أأشكر» بتحقيق الهمزتين وإبدال الثانية ألف وتسهيلها وإدخال ألف بين المسهلة الأخرى وتركه «أم أكفر» النعمة «ومن شكر فإنما يشكر لنفسه» أي لأجلها لأن ثواب شكره له «ومن كفر» النعمة «فإن ربي غني» عن شكره «كريم» بالإفضال على من يكفرها.

40

Tafseer

المحلي و السيوطي

تفسير : {قَالَ ٱلَّذِى عِندَهُ عِلْمٌ مّنَ ٱلْكِتَٰبِ } المنزل وهو آصف بن برخيا كان صدّيقاً يعلم اسم الله الأعظم الذي إذا دعا به أجيب {أَنَاْ ءَاتِيكَ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إلَيْكَ طَرْفُكَ} إذا نظرت به إلى شيء فقال له انظر إلى السماء فنظر إليها ثم ردّ بطرفِهِ فوجده موضوعا بين يديه، ففي نظره إلى السماء دعا آصف بالاسم الأعظم أن يأتي الله به فحصل بأن جرى تحت الأرض حتى نبع تحت كرسي سليمان {فَلَمَّا رَءاهُ مُسْتَقِرّاً } أي ساكناً {عِندَهُ قَالَ هَٰذَا } أي الإِتيان لي به {مِن فَضْلِ رَبّى لِيَبْلُوَنِى } ليختبرني {ءَأشْكُرُ} بتحقيق الهمزتين وإبدال الثانية ألفاً وتسهيلها وإدخال ألف بين المسهلة والأخرى وتركه { أَمْ أَكْفُرُ } النعمة؟{وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ } أي لأجلها لأنّ ثواب شكره له {وَمَن كَفَرَ } النعمة {فَإِنَّ رَبّى غَنِىٌّ } عن شكره {كَرِيمٌ } بالإِفضال على من يكفرها.

ابن عبد السلام

تفسير : {الَّذِى عِندَهُ عِلْمٌ} مَلَك أُيَّد به سليمان عليه الصلاة والسلام والعلم الذي عنده هو ما كتب الله تعالى لبني آدم وقد أعلم الله تعالى الملائكة كثيراً منه فأذن الله له أن يعلم سليمان ذلك وأن يأتيه بالعرش أو بعض جنوده من الإنس أو الجن، وعلم الكتاب: علمه بكتاب سليمان إلى بلقيس وعلم أن الريح مسخرة لسليمان وأن الملائكة تعينه فوثق بذلك وأخبره أن يأيته به قبل ارتداد طرفه، أو هو سليمان قال ذلك للعفريت، أو هو بعض الإنس: مليخا أو أسطوم أو آصف بن برخيا وكان صدِّيقاً، أو ذو النون مصر، أو الخضر {عِلْمٌ مِّنَ الْكِتَابِ} هو اسم الله الأعظم الذي إذا دعي به أجاب. {يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ} يأتيك أقصى من تنظر إليه أو: قبل أن يعود طرفك إلى مد بصرك أو يعود طرفك إلى مجلسك أو قبل الوقت الذي يتنظر وروده فيه من قولهم أنا ممتد الطرف إليك أي منتظر أو قبل أن يرجع إليك طرف رجائك خائباً لأن الرجاء يمد الطرف والإياس يقصره، أو قبل أن يقبض طرفك بالموت أخبره أنه سيأتيه به قبل موته ودعا بالاسم الأعظم وعاد طرف سليمان عليه الصلاة والسلام إليه فإذا العرش بين يديه ولم يكن سليمان عليه الصلاة والسلام يعلم ذلك الاسم {هَذَا مِن فَضْلِ رَبِّى} وصول العرش قبل ارتداد طرفي، {ءَأَشْكُرُ} على وصوله {أَمْ أَكْفُرُ} فلا أشكر إذا رأيت من هو أعلم مني في الدنيا وكان ذلك معجزة لسليمان عليه الصلاة والسلام أجراها الله تعالى على يد بعض أوليائه وكان العرش باليمن وسليمان بالشام قيل خرق الله تعالى به الأرض حتى صار بين يديه.

الخازن

تفسير : {قال الذي عنده علم من الكتاب} قيل هو جبريل. وقيل: هو ملك أيد الله به سليمان وقيل هو آصف بن برخيا وكان صديقاً يعلم اسم الله الأعظم الذي إذا دعي به أجاب وإذا سئل به أعطى وقيل هو سليمان نفسه لأنه أعلم بني إسرائيل بالكتاب وكان الله قد آتاه علماً وفهماً، فعلى هذه يكون المخاطب العفريت الذي كلمه فأراد سليمان إظهار معجزة، فتحداهم أولاً ثم بين للعفريت أنه يتأتى له من سرعة الإتيان بالعرش ما لا يتأتى للعفريب قيل: كان الدعاء الذي دعا به: يا ذا الجلال والإكرام وقيل: يا حي يا قيوم. وروي ذلك عن عائشة وروي عن الزهري قال دعاء الذي عنده علم من الكتاب: يا إلهنا وإله كل شيء إلهاً واحداً لا إله إلا أنت، ائتني بعرشها، وقال ابن عباس: إن آصف قال لسليمان حين صلى مد عينيك حتى ينتهي طرفك فمد سليمان عينيه ونظر نحو اليمين ودعا آصف، فبعث الله الملائكة فحملوا السرير يجرون به تحت الأرض، حتى نبع من بين يدي سليمان وقيل: خر سليمان ساجداً ودعا باسم الله الأعظم فغاب العرش تحت الأرض حتى ظهر كرسي سليمان فقال: ما قال {أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك} قال سليمان: هات قال أنت النبي ابن النبي وليس أحد عند الله أوجه منك فإن دعوت الله كان عندك: قال صدقت ففعل ذلك فجيء بالعرش في الوقت {فلما رآه} يعني رأى سليمان العرش {مستقراً عنده} أي محولاً إليه من مأرب إلى الشام في قدر ارتداد الطرف {قال هذا من فضل ربي ليبلوني}يعني لتمكن من حصول المراد {أأشكر} أي نعمته علي {أم أكفر} فلا أشكرها {ومن شكر فإنما يشكر لنفسه} أي يعود نفع شكره إليه وهو أن يستوجب به تمام النعمة، ودوامها لأن الشكر قيد النعمة الموجودة وصيد النعمة المفقودة {ومن كفر فإن ربي غني} أي عن شكره لا يضره ذلك الكفران {كريم} يعني بالإفضال عليه لا يقطع نعمة عنه بسبب إعراضه عن الشكر وكفران النعمة {قال نكروا لها عرشها} يعني غيروا سريرها إلى حال تنكره إذا رأته قيل: هو أن يزاد فيه أو ينقص منه وقيل: إنما يجعل أسفله أعلاه ويجعل مكان الجواهر الأحمر أخضر ومكان الأخضر أحمر {ننظر أتهتدي} إلى معرفة عرشها {أم تكون من الذين لا يهتدون} إلى معرفته، وإنما حمل سليمان على ذلك ما قال وهب ومحمد بن كعب، وغيرهما أن الشياطين خافت أن يتزوجها سليمان فتفشي إليه أسرار الجن، لأن أمها كانت جنية وإذا ولدت ولداً لا ينفكون من تسخير سليمان وذريته من بعده فأساءوا الثناء عليها ليزهدوه فيها، وقالوا: إن في عقلها شيئاً وإن رجلها كحافر الحمار، وإنها شعراء الساقين فأراد سليمان، أن يختبر عقلها بتنكير عرشها وينظر إلى قدميها ببناء الصرح {فلما جاءت قيل} لها {أهكذا عرشك قالت كأنه هو} قيل: إنها عرفته ولكن شبهت عليهم كما شبهوا عليها، وقيل: إنها كانت حكيمة لم تقل نعم خوفاً من الكذب ولا قالت: لا خوفاً من التكذيب أيضاً فقالت: كأنه هو فعرف سليمان كمال عقلها بحيث لم تقر ولم تنكر اشتبه عليها أمر العرش، لأنها تركته في بيت عليه سبعة أبواب مغلقة والمفاتيح معها قيل فإنه عرشك فما أغنى عنك إغلاق الأبواب ثم قالت {وأوتينا العلم من قبلها} يعني من قبل الآية في العرش {وكنا مسلمين} يعني منقادين مطيعين خاضعين لأمر سليمان وقيل: قوله تعالى وأوتينا العلم أي بالله وبصحة نبوة سليمان بالآيات المتقدمة من أمر الهدهد والرسل من قبلها أي من قبل الآية في العرش، وكنا مسلمين أو معناه وأوتينا العلم بالله، وبقدرته على ما يشاء من قبل هذه المرأة وكنا مسلمين ويكون الغرض من هذا شكر نعمة الله عليه أن خصه بمزيد العلم، والتقدم في الإسلام وقيل معناه وأوتينا العلم بإسلامها ومجيئها طائعة من قبل مجيئها طائعة وكنا مسلمين لله. قوله تعالى {وصدها ما كانت تعبد من دون الله} يعني منعتها عبادة الشمس عن التوحيد وعبادة الله وقيل معناه صدها سليمان, عما كانت تعبد من دون الله وحال بينها وبينه {إنها كانت من قوم كافرين} أخبر الله أنها كانت من قوم يعبدون الشمس، فنشأت بينهم ولم تعرف إلا عبادة الشمس {قيل لها ادخلي الصرح} وذلك أن سليمان لما اختبر عقلها بتنكير العرش وأراد أن ينظر إلى قدميها وساقيها من غير أن يسألها كشفهما لما أخبرته الجن أن رجليها كحافر حمار، وهي شعراء الساقين أمر الشياطين، فعملوا لها قصراً من الزجاج الأبيض كالماء وقيل: الصرح صحن الدار وأجرى تحته الماء، وألقى فيه السمك والضفادع وغيرهما من دواب البحر ثم وضع سريره في صدر المجلس وجلس عليه وقيل إنما عمل الصرح ليختبر به فهمها كما فعلت في الوصفاء والوصائف. فلما جلس على السرير دعا بلقيس، ولما جاءت قيل لها ادخلي الصرح {فلما رأته حسبته لجة} أي ماء عظيماً {وكشفت عن ساقيها} لتخوض الماء إلى سليمان، فإذا هي أحسن النساء ساقاً وقدماً إلا أنها كانت شعراء الساقين فلما نظر سليمان ذلك صرف بصره عنها {قال إنه صرح ممرد} أي مملس {من قوارير} زجاج وليس بماء فحينئذٍ سترت ساقيها وعجبت من ذلك وعلمت أن ملك سليمان من الله تعالى واستدلت بذلك على التوحيد والنبوة {قالت ربي إني ظلمت نفسي} بعبادة غيرك {وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين} أي أخلصت له التوحيد والعبادة، وقيل: إنها لما بلغت الصرح وظنته لجة قالت: في نفسها إن سليمان يريد أن يغرقني وكان القتل أهون من هذا لما تبين لها خلاف ذلك قالت: رب إني ظلمت نفسي بذلك الظن. واختلفوا في أمر بلقيس بعد إسلامها، فقيل انتهى أمرها إلى قولها أسلمت لله رب العالمين ولا عمل لأحد وراء ذلك، لأنه لم يذكر في الكتاب ولا في خبر صحيح وقال بعضهم: تزوجها سليمان وكره ما رأى من كثرة شعر ساقيها، فسأل الإنس عما يذهب ذلك فقالوا الموسى. فقالت المرأة إني لم يمسني حديد قط فكره سليمان الموسى وقال: إنها تقطع ساقيها فسأل الجن فقالوا لا ندري فسأل الشياطين. فقالوا: نحتال لك حتى تكون كالفضة البيضاء فاتخذوا النورة، والحمام فكانت النورة والحمامات من يومئذٍ. فلما تزوجها سليمان أحبها حباً شديداً، وأقرها على ملكها وأمر الجن فابتنوا لها بأرض اليمن ثلاثة حصون لم ير الناس مثلها ارتفاعاً وحسناً، وهي سلحين وبيسنون وغمدان ثم كان سليمان يزورها في كل شهر مرة، ويقيم عندها ثلاثة أيام يبكر من الشام إلى اليمن ومن إلى الشام وولدت له ولداً ذكراً. وقال وهب: زعموا أن بلقيس لما أسلمت قال لها سليمان اختاري رجلاً من قومك حتى أزوجك إياه، فقالت: ومثلي يا نبي الله ينكح الرجال وقد كان لي من قومي الملك والسلطان، قال: نعم إنه لا يكون في الإسلام إلا ذلك ولا ينبغي لك أن تحرمي ما أحل الله قالت: فإن كان ولا بد فزوجني ذا تبع ملك همدان فزوجها إياه وذهب بها إلى اليمن، وملك زوجها ذا تبع على اليمن، ودعا زوبعة ملك الجن وقال له اعمل لذي تبع ما استعملك فيه فلم يزل يعمل له ما أراد إلى أن مات سليمان وحال الحول، وعلم الجن موت سليمان، فأقبل رجل منهم حتى بلغ جوف اليمن وقال بأعلى صوته: يا معشر الجن إن الملك سليمان قد مات فارفعوا أيديكم فرفعوا أيديهم وتفرقوا وانقضى ملك سليمان وملك ذي تبع وملك بلقيس، وبقي الملك لله الواحد القهار قيل إن سليمان ملك وهو ابن ثلاث عشرة سنة ومات وهو ابن ثلاث وخمسين سنة.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {قَالَ ٱلَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ ٱلْكِتَابِ أَنَاْ آتِيكَ بِهِ} [الآية: 40]. قال بعضهم: هو آصف نظر إلى عين الجمع، وتكلم عن حقيقة جمع الجمع فقال: أنا آتيك به، والهاء راجع إلى الحق أى بالله عونه ونصرته، وقيل: على لسان الجمع أيضًا أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك قال بعضهم: فى قوله {ٱلَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ ٱلْكِتَابِ} أى أنظر فى الغيب، وعلمٌ لمجارى الغيوب فعلم أن الله يريد أن يأتى سليمان عليه السلام بذلك فأخبر عن حقيقة الغيب. وقال ابن عطاء: أنا آتيك به أى بالله لا بالحيل. قوله تعالى: {هَـٰذَا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِيۤ أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ} [الآية: 40]. قال أبو بكر بن طاهر: أحسن عباد الله حالاً من يرى فضل الله عليه فى كل أوقاته ولا يغفل عن شكر إنعامه وزوائد منته لديه. وقال جعفر: من رأى فضل الله عليه أرجو أن لا يهلك. قوله تعالى: {وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ} [الآية: 40]. ليس للخلق فيه شىء بأواصله يدعوكم ليغفر لكم ومن كفر فإن ربى غنىٌ كريم عن شكر الشاكرين وقيام القائمين وذكر الذاكرين. سمعت محمد بن عبد الله يقول: سمعت الشبلى يقول: الشكر هو الخمود تحت المنة. قال الواسطى: فى شكر إبطال رؤية الفضل كيف يوازى شكر الشاكرين فضله، وفضله تميم وشكرهم محدث؟ {وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ} لأنه غنى عنه وعن شكره. فال الجنيد رحمه الله: الشكر فيه علة لأنه يطلب لنفسه المزيد، وهو واقف مع رؤية حظ نفسه قال الله تعالى: {وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ} أى طالب للمزيد. وقال ابن عطاء: من شكر فإنما يشكر لنفسه، ومن تزكى فإنما يتزكى لنفسه، وإن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم. قال ليس للحق فيه قليلٌ، ولا كثير فإنه أجل من أن يلحقه ثناء مُثنٍ، أو شكر شاكر أخبر أن العلو، والشرف، والجلال له دونهم. قال الواسطى رحمه الله: دعا خلقه إلى شكره ثم قطعهم عنه جملة بقوله: {وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ} أى: ما كان منكم فهو لكم، وما كان منى فهو إليكم ليكون محل الشكر موجبًا للشكر لئلا تبرأ عن النفس عند ذلك.

القشيري

تفسير : {ٱلَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ ٱلْكِتَابِ} (قيل هو آصف) وكان صاحب كرامة. وكراماتُ الأولياءِ مُلْتَحِقَةٌ بمعجزات الأنبياء، إذ لو لم يكن النبيُّ صادقاً في نبوته لم تكن الكرامة تظهر على من يُصَدِّقه ويكون من جملة أمته. ومعلومٌ أنه لا يكون في وُسْعِ البَشَرِ الإتيانُ بالعرش بهذه السرعة، وأن ذلك لا يحصل إلا بخصائص قدرة الله تعالى. وقَطْعُ المسافة البعيدة في لحظةٍ لا يصح تقديره في الجواز إلا بأحد وجهين: إمَّا بأن يُقَدِّم اللَّهُ المسافةَ بين العرش وبين منزل سليمان، وإمَّا بأن يعدم العرش ثم يعيده في الوقت الثاني بحضرة سليمان. وأيُّ واحدٍ من القسمين كان - لم يكن إلاّ من قِبَل الله، فالذي كان عنده علم من الكتاب دعا الله - سبحانه - واستجاب له في ذلك، وأحضر العرش، وأمر سليمان حتى غَيَّرَ صورته فجعل أعلاه أسفله، وأسفله أعلاه، وأثبته على تركيبٍ آخر غير ما كان عليه. ولمّا رأى سليمان ذلك أخذ في الشكر لله - سبحانه - والاعتراف بِعِظمِ نِعَمِه، والاستيحاء، والتواضع له، وقال: {هَـٰذَا مِن فَضْلِ رَبِّي}: لا باستحقاقٍ مني، ولا باستطاعةٍ من غيري، بل أحمد النعمةَ لربِّي حيث جعل في قومي ومِنْ أمتي مَنْ له الجاهُ عنده فاستجاب دعاءَه. وحقيقةُ الشكرِ - على لسان العلماء - الاعترافُ بنعمة المُنْعِم على جهة الخضوع. والأحسنُ أن يقال الشكرُ هو الثناءُ على المُحْسِنِ بِذِكْرِ إحسانه، فيدخل في هذا شكرُ اللَّهِ للعبد لأنه ثناءٌ منه على العبد بذكر إحسان العبد، وشكرُ العبد ثناءٌ على الله بذكر إحسانه... إلاّ أَنَّ إحسان الحقِّ هو إنعامُه، وإحسانُ العبد طاعتُه وخدمتُه لله، وما هو الحميد من أفعاله. فأمَّا على طريقِ أهل المعاملة وبيان الإشارة: فالشكرُ صَرْفُ النعمة في وجه الخدمة. ويقال الشكر أَلاَّ تستعينَ بنعمته على معاصيه. ويقال الشكر شهودُ المنعِم من غير مساكنةٍ إلى النعمة. ويقال الشكر رؤية العجز عن الشكر. ويقال أعظمُ الشكرِ الشكرُ على توفيق الشكر. ويقال الشكر على قسمين: شكر العوام على شهود المزيد، قال تعالى: {أية : لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ}تفسير : [إبراهيم: 7]، وشكر الخواص يكون مجرداً عن طلب المزيد، غيرَ متعرض لمنال العِوَض. ويقال حقيقةُ الشكرِ قيد النعم وارتباطها؛ لأَنَّ بالشكر بقاءَها ودوامَها.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {قَالَ ٱلَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ ٱلْكِتَابِ أَنَاْ آتِيكَ بِهِ} الاشارة فى قوله اذا اتيك به الهاء راجع الى العرش لا الى الله وكان القائل فى به درجة الاتحاد والانائية والاتصاف وعين الجمع وجمع الجمع لان المتصف بالقدرة يجرى عليه تصاريف الملك بغير رجوعه الى الله بنور العبودية والخضوع والدعاء كصنيع من كان فى محل العبودية لان من شاهد الربوبية يجرى عليها اوصاف الربوبية بغير اختياره وتكليفه واذا اراد شيئا ان يقول له كن فيكون فاذا سال فاجيب ويحصل مراده بالدعاء فهم فى درجة الكرامات لافى درجة الاتحاد والاتصاف ووصف الله أصف بانه كان عالما بالكتاب واشارة فيه انه كان عالما بعلوم الظاهر وعالما بعلوم الباطن وعرف معانى الاسم الاعظم فى الكتاب الذى انزل الله على موسى وهارون وابراهيم وداود وسليمان وادق الاشارة فيه ان ما كان عنده من علم الكتاب ما كان يطلع عليه من علم اسرار الله المكتوم فى الواح النور وذلك العلم كان مكاشفا لقلبه بنعت السرمدية لذلك قال عنده علم من الكتاب وقوله عنده علم من الكتاب ايضا فيه اشارة عين الجمع لان ما كان عنده فهو عند الله فاذا قال الله عنده علم من الكتاب فى الانبساط منه اليه وهو اشرف فى الفضل وفيه جواز الكرامات للاولياء فى زمان الانبياء والعلم بالاسم الاعظم قال النبى صلى الله عليه وسلم حديث : الاعظم الذى دعا أصف يا حى يا قيوم تفسير : قال بعضهم هو أصف نظر الى عين الجمع وتكلم عن عين حقيقة جمع الجمع فقال انا أتيك به والهاء راجع الى الحق اى بالله وعونه ونصرته وقيل على لسان الجمع ايضا انا ايتك به اى الله ياتيك به كانه يقول ان الله قادر على ان ياتيك به قبل ان يرتد اليك طرفك قال بعضهم فى قوله الذى عنده علو من الكتاب اى له نظر فى الغيب وعلم بمجارى الغيوب فعلم ان الله يريد ان ياتى سليمان بذلك فاخبر عن حقيقة الغيب ثم اخبر سبحانه عن رؤية سليمان فضله والثناء عليه والشكر له خاصة مفردا عن النظر الى الاغيار {فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرّاً عِندَهُ قَالَ هَـٰذَا مِن فَضْلِ رَبِّي} فى قوله هذا من فضل ربى غيرة سليمان على اصف ورفع النظر عن الوسائط وهذا ايضا من غيرة التوحيد فاشار بهذا اللفظ ان أصف وصنيعه عامل من عمل حضرته خلقه الله لنصرته ونفاذ مراده قال ابو حفص من راى فضل الله عليه ارجو ان لا يهلك وقوله {وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ} فيه بيان ان شكر الشاكرين منصرف عن الشكور الازلى اليهم الى الحق وانه تعالى منزه عن شكر الشاكرين وصبر الصابرين ومعرفة العارفين وطاعة المطيعين واسلام المسلمين وكفر الكافرين بقوله {وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ} واستعمال لفظ الكرم والغنى ههنا من اشارة علم المجهور اذا استغنى الحق بجلال عزته عن كفر الكافر واسلام المسلم فقد اسقط الكل عن شرائع الربوبية ومشاهد القدسية وبقى الحق للحق منفرد بنفسه مستغنى عن غيره واذا كان الامر كذلك فهو كريم يتفضل على الجميع ويوديهم الى ساعة غنا بقائه وقدمه اذ لا يضر به كفر الكافر ولا ينفع به ايمان المؤمن فاذا يشمل بغناه وكرمه من العرش الى الثرى ولا يعاقب احدا من حيث استغنائه وكرمه قال الجنيد الشكر فيه علة لانه يطلب لنفسه المزيد وهو واقف مع ربه على حظ نفسه قال الله ومن شكر فانما يشكر لنفسه اى طالبا للمزيد وقال الواسطى فى الشكر ابطال روية الفضل كيف يوازى شكر الشاكرين فضله وفضل قدره وشكرهم محدث ومن شكر فانما يشكر لنفسه لانه غنى عنه وعن شكره وقال الشبلى الشكر وهو الخمود تحت رؤية المنة.

اسماعيل حقي

تفسير : {قال} حين قال سليمان اريد اسرع من هذا يعنى [زودترا زين خواهم] {الذى عنده علم الكتاب} وهو آصف بن برخيا بن خالة سليمان وزيره وكاتبه ومؤدبه فى حال صغره وكان رجلا صديقا يقرأ الكتب الالهية ويعلم الاسم الاعظم الذى اذا دعى الله به اجاب وقد خلقه الله لنصرة سليمان ونفاذ امره فالمراد بالكتاب جنس الكتب المنزلة على موسى وابراهيم وغيرهما او اللوح واسراره المكتوبة. وقال المعتزلة المراد به جبرائيل وذلك لانهم لايرون كرامة الاولياء {انا آتيك به قبل ان يرتد اليك طرفك} الارتداد الرجوع والطرف تحريك الاجفان وفتحها للنظر الى الشىء والارتداد انظمامها ولكونه امرا طبيعيا غير منوط بالتحريك اوثر الارتداد على الرد ويعبر بالطرف عن النظر اذا كان تحريك الجفن يلازمه النظر وهذا غاية فى الاسراع ومثل فيه لانه ليس بين تحريك الاجفان مدة ما. قال الكاشفى [سليمان دستورى داوداو بسجده درافتاد وكفت ياحى ياقيوم كه بعيرى آهيا شراهيا باشد وبقول بعضى ياذا الجلال والاكرام وبرهر تقدير جون دعا كرد تخت بلقيس در موضع خود بزمين فرورفته وطرفة العينى را بيش تخت سليمان از زمين بر آمد]. وقال اهل المعانى لاينكر من قدرة الله ان يعدمه من حيث كان ثم يوجده حيث كان سليمان بلا نقل بدعاء الذى عنده علم الكتاب ويكون ذلك كرامة للولى ومعجزة للنبى انتهى. يقول الفقير هذه مسألة الايجاد والاعدام واليها الاشارة بقوله عليه السلام "حديث : الدنيا ساعة وقل من يفهمها"تفسير : لانها خارجة عن طور العقل وفى المثنوى شعر : بيس ترا هر لحظه موت ورجعتيست مصطفى فرمود دنيا ساعتيست هو نفس نو مى شود دنيا وما بى خبر از نوشدن اندر بقا عمر همجون جوى نونو مى رسد مستمرى مى نمايد در جسد آن زتيزى مستمر شكل آمدست جون شرركش تيزجنبانى بدست شاخ آتش را بجنبانى بساز در نظر آتش نمايد بس دراز اين درازى مدت از تيزىء صنع مى نمايد سرعت انكيزىء صنع تفسير : {فلما رأه} اى فاتاه بالعرش فرأه فلما رأه {مستقرا عنده} حاضرا لديه ثابتا بين يديه فى قدر ارتداد الطرف من غير خلل فيه ناشىء من النقل {قال} سليمان تلقيا للنعمة بالشكر {هذا} اى حصول مرادى وهو حضور العرش فى هذه المدة القصيرة {من فضل ربى} علىّ واحسانه من غير استحقاق منى {ليبلونى} ليختبرنى: وبالفارسية [بيازمايد مرا باين]. وفى المفردات يقال بلى الثوب بلى خلق وبلوته اختبرته كأنى اخلقته من كثرة اختبارى له واذا قيل ابتلى فلان بكذا وبلاه يتضمن امرين احدهما تعرف حاله والوقوف على مايجهل من امره والثانى ظهور جودته وردائته وربما قصد به الامران وربما يقصد به احدهما فاذا قيل بلا الله كذا وابتلاه فليس المراد الاظهور جودته ورداءته دون التعرف لحاله والوقوف على مايجهل امنه اذا كان تعالى علام الغيوب {أاشكر} بان اراه محض فضله تعالى من غير حول من جهتى ولاقوة واقوم بحقه {ام اكفر} بان اجد لنفسى مدخلا فى البين واقصر فى اقامة مواجبة. وفى التأويلات النجمية يشير الى ان الجن وان كان له مع لطافة جمسه قوى ملكوتية يقدر على ذلك بمقدار زمان مجلس سليمان فان للانس ممن عنده علم من الكتاب مع كثافة جسمه وثقله وضعف انسانيته قوة ربانية قد حصلها من علم الكتاب بالعمل به وهو اقدر بها على مايقدر عليه الجن من الجن ولما كان كرامة هذا الولى فى الاتيان بالعرش من معجزة سليمان {قال هذا من فضل ربى ليبلونى أاشكر} هذه النعمة التى تفضل بها علىّ برؤية العجز عن الشكر {ام اكفر} انتهى. قال قتادة فلما رفع رأسه قال الحمد لله الذى جعل فى اهلى من يدعوه فيستجيب له شعر : كفت حمدالله برين صدجنين كه بدى ودستم ز رب العالمين تفسير : {ومن} [وهركه] {شكر فانما يشكر لنفسه} لان الشكر قيد النعمة الموجودة وصيد النعمة المفقودة {ومن كفر} اى لم يشكر بان لم يعرف قدر النعمة ولم يؤد حقها فان مضرة كفره عليه {فان ربى غنى} عن شكره {كريم} باظهار الكرم عليه مع عدم الشكر ايضا وبترك تعجيل العقوبة. قال فى المفردات المنحة والمحنة جميعا بلاء فالمحنة مقتضية للصبر والمنحة مقتضية للشكر والقيام بحقوق الصبر ايسر من القيام بحقوق الشكر فصارت المنحة اعظم البلاءين وبهذا النظر قال عمر رضى الله عنه بلينا بالضراء فصبرنا وبلينا بالسراء فلم نصبر ولهذا قال امير المؤمنين رضى الله عنه من وسع عليه دنياه فلم يعلم انه قد مكر به فهو مخدوع عن عقله. قال الواسطى رحمه الله فى الشكر ابطال رؤية الفضل كيف يوازى شكر الشاكرين فضله وفضله قديم وشكرهم محدث {ومن يشكر فانما يشكر لنفسه} لانه غنى عنه وعن شكره. وقال الشبلى رحمه الله الشكر هو الخمود تحت رؤية المنة. قال فى الاسئلة المقحمة فى الآية دليل اثبات الكرامات من وجهين. احدهما ان العفريت من الجن لما ادعى احضاره قبل ان يقوم سليمان من مقامه وسليمان لم ينكر عليه بل قال اريد اعجل من هذا فلما جاز ان يكون مقدورا لعفريت من الجن كيف لايكون مقدورا لبعض اولياء الله تعالى. والثانى ان الذى عنده علم من الكتاب وهو آصف وزير سليمان لم يكن نبيا وقد احضره قبل ان يرتد طرفه اليه كما نطق به القرآن دل على جواز اثبات الكرامات الخارقة للعادات للاولياء خلافا للقدرية حيث انكروا ذلك انتهى. والكرامة ظهور امر خارق للعادة من قبل شخص غير مقارن لدعوى النبوة فمالا يكون مقرونا بالايمان والعمل الصالح يكون استدراجا وما يكون مقرونا بدعوى النبوة يكون معجزة. قال بعضهم لاريب عند اولى التحقيق ان كل كرامة نتيجة فضيلة من علم او عمل او خلق حسن فلا يعول على خرق العادة بغير علم صحيح او عمل صالح فطى الارض انما هو نتيجة عن طى العبد ارض جسمه بالمجاهدات واصناف العبادات واقامته على طول الليالى بالمناجاة والمشى على الماء انما هو لمن اطعم الطعام وكسا العراة اما من ماله او بالسعى عليهم او علم جاهلا او ارشد ضالا لان هاتين الصفتين سر الحياتين الحسية والعلمية وبينهما وبين الماء مناسبة بينه فمن احكمها فقد حصل الماء تحت حكمه ان شاء مشى عليه وان شاء زهد فيه علىحسب الوقت وترك الظهور بالكرامات الحسية والعلمية اليق للعارف لانه محل الآفات وللعارف استخدام الجن او الملك فى غذائه من طعامه وشرابه وفى لباسه. قال فى كشف الاسرار قد تحصل الكرامة باختيار الولى ودعائه وقد تكون بغير اختياره وفى الحديث "حديث : كم من اشعث اغبر ذى طمرين لايؤبه له لو اقسم على الله لأبره"تفسير : [در آثار بيارندكه مصطفى عليه السلام از دنيا بيرون شد زمين بالله ناليد كه "بقيت لايمشى على نبى الى يوم القيامة" الله كفت جل جلاله من ازين امت محمد مر دانى بديد آمر كه دلهاى ايشان بدلهاى بيغمبران يكى باشد وايشان نيستند مكر اصحاب كرامات] وكرامات الاولياء ملحقة بمعجزات الانبياء اذ لو لم يكن النبى صادقا فى معجزته ونبوته لم تكن الكرامة تظهر على من يصدقه ويكون من جملة امته ولم ينكر كرامات الاولياء الا اهل الحرمان سواء انكروها مطلقا او انكروا كرامات اولياء زمانهم وصدقوا بكرامات الاولياء الذين ليسوا فى زمانهم كمعروف وسهل وجنيد واشباههم كمن صدق بموسى وكذب بمحمد عليهما السلام وماهى لا خصلة اسرائيلية نسأل الله التوفيق وحسن الخاتمة فى عافية لنا وللمسلمين اجمعين ونبتهل اليه فى انه يحشرنا مع اهل الكرامات آمين

الجنابذي

تفسير : {قَالَ ٱلَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ} يسير {مِّنَ ٱلْكِتَابِ} القرآنىّ التّكوينىّ الّذى يتنزّل فيصير فرقاناً بصورة الكتب السّماويّة او بصورة الشّرائع الالهيّة والرّجل كان آصف بن برخيا وزير سليمان (ع) وابن اخته، وقيل: كان رجلاً اسمه بلخيا، وقيل: كان اسمه اسطوم، وقيل: كان هو الخضر (ع)، وقيل: كان الّذى عنده علمٌ من الكتاب جبرائيل، وقيل: كان سليمان (ع) نفسه {أَنَاْ آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ} قد حقّقنا فى مطاوى ما اسلفنا خصوصاً فى اوّل سورة بنى اسرائيل انّ الانسان ذو جزئين؛ جزء ملكىّ وجزء ملكوتىّ فاذا غلب الجزء الملكىّ كما فى اغلب النّاس استهلك الجزء الملكوتىّ وحكمه فلم يظهر منه اثر وحكم، واذا غلب الجزء الملكوتىّ صار الجزء الملكىّ مستهلكاً من غير بقاء اثرٍ وحكمٍ منه، ولمّا كان الملكوت حكمها عدم التّقيّد بالزّمان والمكان بل الاحاطة بهما والتّجرّد منهما كان جميع الزّمانيّات والازمنة عندها كالآن وجميع المكانيّات والامكنة كالنّقطة وكان من غلب عليه الملكوت يقدر على تعرّف حال الآتين والماضين، وعلى سير المشرق والمغرب فى آنٍ واحدٍ، وكان كلّ ما اتّصل به من الاجسام الثّقيلة يصير بحكمه من عدم التّقيّد بزمانٍ ومكانٍ كما انّ عباء محمّدٍ (ص) ونعليه خرجت من حكم الملك بسبب اتّصالها به وسارت بسيره فى الملكوت والجبروت بل فوق الامكان، اذا علمت ذلك، فاعلم انّ آصف (ع) علم الاسم الاعظم الّذى هو لطيفته الملكوتيّة ودعا الله تعالى بتلك اللّطيفة يعنى انّه تشأنّ بشأن تلك اللّطيفة وفعل فعله بشأن تلك اللّطيفة فصار ملكه مغلوباً لا حكم له، فلم يكن المسافة بينه وبين عرش بلقيس مانعةً من اتّصال يده الملكوتيّة به ولا الجبال والتّلال حائلة بين نظره ويده وبين العرش، وبعد اتّصال يده بالعرش صار العرش بحكم الملكوت وارتفع عن الزّمان والمكان فلم يبق له حاجة فى حركته الى مدّة ومضىّ زمانٍ ولم يكن الجبال والتّلال مانعة من حركته فوصل يده الى العرش واتى به فى آنٍ واحدٍ وهذا معنى قوله: قبل ان يرتدّ اليك طرفك يعنى فى اقصر من طرفة العين لا ما قالوه وفسّروه به {فَلَمَّا رَآهُ} يعنى مدّ يده واتى به فى اقلّ من طرفة العين فلمّا رآه سليمان (ع) {مُسْتَقِرّاً عِندَهُ قَالَ} اظهاراً لانعمام الله ورؤيةً للمنعم فى الانعام {هَـٰذَا} اى اتيان وزيرى به قبل طرفة العين {مِن فَضْلِ رَبِّي} علىّ {لِيَبْلُوَنِيۤ أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ} هذه النّعمة او مطلق نعمه {وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ} عنه وعن شكره {كَرِيمٌ} لا يمنع من كفر انعامه ويزيد من شكر افضاله، واختلف فى وجه الاتيان بعرشها؛ فقيل: انّه اعجبته صفته فاراد ان يراه واحبّ ان يملكه قبل ان تسلم فيحرم عليه اخذ مالها، وهذا شبيه باقوال العامّة، او اراد ان يختبر بذلك عقلها وفطنتها، او اراد ان يظهر معجزة عليها حين ورودها لانّها خلّفته فى دارها واوثقته ووكلت به ثقاه، وقيل كانت بلقيس محبّة لها، فاراد ان لا يكون قلبها متعلّقاً بغيره وقت الورود.

فرات الكوفي

تفسير : {الذي عنده علم من الكتاب40} [تقدم في ذيل الآية 145/ الأعراف].

اطفيش

تفسير : {قَالَ الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الكِتَابِ} المنزل وقيل: اللوح وهو آصف بن برخيا من بني اسرائيل كان صديقاً يعرف إسم الله الأعظم الذي اذا دعي به أجاب قيل وهو كاتب سليمان وقيل: وزيره قيل وهو ابن خالته وكون المراد اصف بن برخيا هو قول الجمهور، وقيل رجل اسمه أسطوم وهو قول ابي هريرة، وقال قتادة: تلميخا، وقيل: جبريل وقيل: ملك أيد الله بن سليمان، وقيل: الخضر، وقيل: جني مؤمن يحفظ اسم الله الأعظم. {أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ} يرجع. {إِلَيْكَ طَرْفُكَ} قال الشيخ هود رحمه الله: دعا ياذا الجلال والإكرام والمنن العظام والعز الذي لا يرام، وذلك هو الاسم الأعظم، وقيل: يا حي يا قيوم وهو قول عائشة روته حديث وقيل: يا ذا الجلال والاكرام وهو قول مجاهد، وقال الحسن: الله والرحمن، وقال الزهري وعثمان بن مظغون: يا الهنا واله كل شيء إلها واحداً لا إله إلا أنت، دعا بذلك، وقال عقبة: إئتني بعرشها، وعن مقاتل عن ابن عباس: أن آصف بن برخيا قال لسليمان حين صلى ركعتين ودعا: مد عينيك حتى ينتهي طرفك فمد طرفه نحو اليمن فبعث الله الملائكة فحملوا السرير من تحت الأرض يشقون به الأرض شقاً حتى انخرقت به الأرض بين يدي سليمان، وعن عبدالرحمن بن زيد بن أسلم مولى عمر بن الخطاب رضي الله عنه ان الذي عنده علم من الكتاب رجل صالح كان في جزيرة من جزائر البحر خرج ذلك اليوم ينظر هل يعبد الله سكان الأرض أم لا فوجد سليمان عليه السلام فدعا باسم من أسماء الله فإذا بالعرش حُمل فأُتي به سليمان قبل أن يرتد اليه طرفه، وروي انه لما دعا الذي عنده علم من الكتاب جاءت الملائكة بالعرش بين السماء والأرض، واختلفوا في قوله {قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِليْكَ طَرْفُكَ} قال ابن جبير وقتادة: معناه قبل أن يصل اليك من يقع عليه طرفك في أبعد ما ترى، وقال مجاهد: معناه مده مدر البصر دون تغميض فإذا العرش معه جاءه من اليمن وهو في الشام ويجوز أن يكون المراد استقصار المدة كما تقول افعل كذا في لحظة وفي رد طرف تريد السرعة لا الحقيقة والخطاب لسليمان. و {آتِيكَ} مضارع او اسم فاعل وقال محمد بن المكندر {الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمُ مِّنَ الكِتَابِ} هو سليمان ورده السهيلي بأنه لا يصح في سياق الكلام وعلى هذا القول فكان سليمان استبطأ العفريت فقال له: أنا أريك ما هو أوسع مما تقول تحداهم أولا ثم أراهم انه يتأتى لعفاريت الجن فضلا عن غيرهم وروي انه لما قال العفريت ما قال سليمان {أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِليْكَ طَرْفُكَ} فدعا فحضر وقيل: قال للعفريت هات فقال له انت النبي وليس أحد عند الله أوجه منك فان دعوت الله كان عندك قال صدقت فخر ساجدا ودعى بالاسم الأعظم فحضر في الوقت من تحت الأرض والطرف تحريك الأجفان فوضع موضع النظر فقيل أرسل الطرف ورد الطرف فارتد ويطلق ايضا على العين. {فَلَمَّا رَءَاهُ} رأى سليمان العرش. {مُسْتَقِراً عِنْدَهُ} في طرفة عين والرؤية بصرية ومستقرا حال وانما ظهر لأنه لم يورد به مطلق الوجود فضلا عن أن يكون كونا عاما واجب الحذف بل المراد الوجود المتيقن الخالي عن التزلزل هو كون خاص قال ابن هشام زعم ابن عطية ان مستقرا هو المتعلق الذي يقدر في أمثاله قد ظهر والصواب ما قاله أبو البقاء وغيره من أن هذا الاستقرار معناه عدم التحرك لا مطلق الوجود والحصول فهو كون خاص له. {قَالَ هَذَا مِن فَضْلِ رَبِّي} تفضل به علي من غير استحقاق والاشارة الى احضار العرش في تلك المدة القصيرة وحقه مسيرة شهرين. {لِيَبْلُوَنِي} ليفعل بي فعل المختبر. {ءأَشْكُرُ} بابدال الهمزة الثانية الفا وتسهيلها وادخال الف بين الأولى والمسهلة وتخفيفهما. {أَمْ أَكْفُرُ} وعن الحسن انه لما دعي الداعي وجاء العرش وقع في نفس سليمان مثل الحسد له ثم فكر وقال ليس هذا الذي قدر على ما لم أقدر عليه إلا مسخرا لي يعمل في الأنعام عليَّ هذا من فضل ربي ليبلوني ءاشكر أم أكفر والشكر صرف الجوارح فيما خلقت لأجله ضد الكفر وان شئت فقل العبادة في مقابلة الاحسان وبسطه في الفقه، قيل: جملة أشكر وجملة أكفر محلهما النصب على الابدال من الياء والثانية بدل بواسطة العطف وقيل الجملة مفعول ثاني معلق عنها الابتلاء. {وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ} لعود نفع شكره اليه لأنه يستوجب به دوام النعمة وتمامها والزيادة كما قيل الشكر قيد للنعمة الموجودة وصيد للنعمة المفقودة قال بعض المتقدمين أن كفران النعمة بوار وقل ما اقشعت نافرة فرجعت نضابها فاستدع شاردها بالشكر واستدم وأهنها بكرم الجوار واعلم ان سبوع النعمة وستر الله متقلص عما قريب اذا انت لم ترج لله وقارا. {وَمَن كَفَرَ} النعمة. {فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌ} عن شكره. {كَرِيمٌ} بالأنعام على من لم يكفرها أو بالأنعام على من كفرها ثانيا فهو تعالى لا يقطع النعم بكفرانها وكان الأنبياء والمخلصون من عباد الله يتلقون النعمة القادمة بحسن الشكر كما يشيعون النعمة المودعة بجميل الصبر.

اطفيش

تفسير : {قالَ الذى عنْدهُ علمٌ من الكتاب أنا آتيك به قبل أنْ يرتَدَّ اليكَ طَرْفك} أعاد القول بيانا لتفاوت القولين ورجحان الثانى، حتى أنه لا اعتبار للأول إلا إذا فسرنا القيام من مقامك باستوائك واقفاً، فانه قريب من مقدار ارتداد الطرف لكن يبقى التفاوت ببعض المدة، وبأن ما من الذى علم من الكتاب أقوى وأنسب مما نسب لقوة البدن، والعلم إدراك أو أمر معلوم أدركه يجاب به الدعاء، والكتاب التوراة أو الجنس أو اللوح المحفوظ. وقيل: الذى أرسل الى بلقيس هو آصف بن برخيا بن شمعيا بن منكيل، وأمه باطور من بنى اسرائيل، وهو وزير سليمان وابن أخته، يعلم الاسم الأعظم، وكان كاتبه، أو هو رجل اسمه أسطوم، وقيل: أسطورس، وقيل، رجل يقال له: ذو النور، وقيل الخضر، وقيل رجل اسمه ملخ أو تمليخا، وقيل يقال له هود، وقيل ضبة بن أد جد بنى ضبة من العرب، يخدم سليمان، وكان على قطعة من خيله، وقيل: جبريل، وقيل ملك آخر من الملائكة، أيد الله به سليمان عليه السلام، والمشهور الأول آصف، دعا: يا حى يا قيوم، يا ذا الجلال والإكرام، يا حى يا قيوم، يا إلهنا وإله كل شىء إلهاً واحداً، إتينى بعرشها، دعا بذلك فأتت به الملائكة من تحت الأرض، ووضعته بين يدى سليمان، وكاف آتيك فى الموضعين لسليمان. وقيل: هو سليمان لأنه أعلم أهل زمانه، سجد ودعا فالكاف الثانية، وكاف إليك وطرفك خطاب منه للعفريت استحقار منه لقوة العفريت بالنسبة لما فى العلم، ومعنى إتيان سليمان به للعفريت استحضاره فى موضع هو فيه، والصحيح هو الأول، وتخصيص أحد من أمة نبى بما لم يكن لذلك النبى لا يقدح فيه، لأن الله أن يفعل ما شاء، وأيضاً لم يخبرنا الله أن سليمان لا يقدر على ذلك، وأيضاً ذلك للرجل مع عظم شأنه تحت سليمان، وخدم من خدمه، والموصول وصلته، يجوز استعماله فى غير معلوم للتعظيم، نحو: "أية : فغشيهم"تفسير : [طه: 78] الخ، فلا يلزم ان يكون هو سليمان، وقوله: {من فضل ربى} حمد على ما أجرى الله تعالى له على من تحت يده. وأيضا جرى على يد آصف، ليعلم الناس أنه خليفة بعده، ويعلموا فضله، وأن ما ناله انما ناله بصحبة سليمان والمراد بارتداد الطرف مدة رجوع نظره اليه بحسب اختياره لا الى خصوص نفسه، فانك تنتقل من نظر شىء الى ما شئت من إمساكه عن النظر، ومن نظره الى آخر وفسره بعض بانضمام الجفن بعد فتحه، ويروى أن آصف بن برخيا قال لسليمان: مد عينيك حتى ينتهى طرفهما فنظر نحو اليمن كذلك، فحضره العرش قيل ارتداده. {فلمَّا رآه} بعينيه {مستقرأ عنْدَه} الاستقرار كون خاص لا عام، ولذلك ذكر ولم ينب عنه الظرف، فان المراد به الثبوت مع الرسوخ، وعدم التزلزل الى جهة، وبين موضعه من الشام، وموضع العرش من مأرب مسافة شهرين، وقيل هو حينئذ فى صنعاء فبينه وبين العرش ثلاثة أيام، وجاء بين السماء والأرض، وقيل: انشقت به الأرض، وقال ابن العربى أعدمه الله فى محله، وأوجده عند سليمان كخلق الميت بعد موته. {قال هذا} ما ذكر من استقراره عنده {مِنْ فَضْل ربى} لى أو على من غير استحقاق ذاتى {ليَبْلوَنى} خبر ثان، أو متعلق بقوله من فضل ربِّى {أأشكر} هذه النعمة بزيادة العبادة وزيادة الايمان، وزيادة التواضع، والتبرؤ من حولى، وقوتى، وحول غيرى وقته، من اعتبار الوسط {أم أكْفُر} عكس ذلك {ومنْ شَكَر} نعم الله {فإنما يشْكُر لنَفْسِه} قصد الشكر لنفع نفسه، بإدامة الموجود، وجلب غيره، وأداء الواجب أو قصده تعبدا بدون قصد النفع، أى فشكره عائد إليه {ومن كَفَر} النعمة، جوابه محذوف أى فانما أهلك نفسه أغنى تعليله عنه بقوله: {فإنَّ ربِّى غنىٌّ} أى لأن الله غنى عن شكره، لا نفع له فيه لا يضره كفره، فايه خالق النفع والضر، ومن شأنه الكرم على العاصى والمطيع، وحصلت المناسبة لقوله: {كريمٌ} لا يقطع النعم بكفرها، ولا يعجل به الانتقام إلا قليلا، ولا تجز فى القرآن أو غيره، أن تكون من موصولة، والفاء صلة فى خبر المبتدأ إلا لداع صناعى او معنوى.

الالوسي

تفسير : {قَالَ ٱلَّذِى عِندَهُ عِلْمٌ مّنَ ٱلْكِتَـٰبِ } فصله عما قبله للإيذان بما بين القائلين ومقالتيهما وكيفيتي قدرتيهما على الإتيان به من كمال التباين أو لإسقاط الأول عن درجة الاعتبار. واختلف في تعيين هذا القائل فالجمهور ومنهم ابن عباس ويزيد بن رومان والحسن على أنه آصف بن برخيا بن شمعيا بن منكيل، واسم أمه باطورا من بني إسرائيل كان وزير سليمان على المشهور، وفي «مجمع البيان» أنه وزيره وابن أخته وكان صديقاً يعلم الاسم الأعظم، وقيل كان كاتبه. وأخرج ابن أبـي حاتم عن مجاهد أنه رجل اسمه اسطوم، وقيل: اسطورس. وأخرج ابن أبـي حاتم عن زهير بن محمد أنه رجل يقال له ذو النور. وأخرج هو أيضاً عن ابن لهيعة أنه الخضر عليه السلام، وعن قتادة أن اسمه مليخا؛ وقيل: ملخ. وقيل: تمليخا. وقيل: هود. وقالت جماعة هو ضبة بن أد جد بني ضبة من العرب وكان فاضلاً يخدم سليمان كان على قطعة من خيله، وقال النخعي هو جبريل عليه السلام، وقيل: هو ملك آخر أيد الله تعالى به سليمان عليه السلام، وقال الجبائي: هو سليمان نفسه عليه السلام. ووجه الفصل عليه واضح فإن الجملة حينئذٍ مستأنفة استئنافاً بيانياً كأنه قيل: فما قال سليمان عليه السلام حين قال العفريت ذلك؟ فقيل: قال الخ ويكون التعبير عنه بما في النظم الكريم للدلالة على شرف العلم وأن هذه الكرامة كانت بسببه، ويكون الخطاب في قوله: {أَنَاْ ءاتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ } للعفريت وإنما لم يأت به أولاً بل استفهم القوم بقوله: {أية : أَيُّكُمْ يَأْتِينِى بِعَرْشِهَا } تفسير : [النمل: 38] ثم قال ما قال وأتى به قصداً لأن يريهم أنه يتأتى له ما لا يتهيأ لعفاريت الجن فضلاً عن غيرهم. وتخصيص الخطاب بالعفريت لأنه الذي تصدى لدعوى القدرة على الإتيان به من بينهم، وجعله لكل أحد كما في قوله تعالى: {أية : ذَلِكَ أَدْنَىٰ أَن لا تَعُولُواْ }تفسير : [النساء: 3] غير ظاهر بالنسبة إلى ما ذكر. وآثر هذا القول الإمام وقال إنه أقرب لوجوه. الأول: أن الموصول موضوع في اللغة لشخص معين بمضمون الصلة المعلومة عند المخاطب والشخص المعلوم بأن عنده علم الكتاب هو سليمان وقد تقدم في هذ السورة ما يستأنس به لذلك فوجب إرادته وصرف اللفظ إليه وآصف وإن شاركه في مضمون الصلة لكن هو فيه أتم لأنه نبـي وهو أعلم بالكتاب من أمته. الثاني: أن إحضار العرش في تلك الساعة اللطيفة درجة عالية فلو حصلت لأحد من أمته دونه لاقتضى تفضيل ذلك عليه عليه السلام وأنه غير جائز. الثالث: أنه لو افتقر في إحضاره إلى أحد من أمته لاقتضى قصور حاله في أعين الناس. الرابع: أن ظاهر قوله عليه السلام فيما بعد {هَـٰذَا مِن فَضْلِ رَبّى } الخ يقتضي أن ذلك الخارق قد أظهره الله تعالى بدعائه عليه السلام اهـ. وللمناقشة فيه مجال. واعترض على هذا القول بعضهم بأن الخطاب في {ءاتِيكَ } يأباه فإن حق الكلام عليه أن يقال: أنا آتي به قبل أن يرتد إلى الشخص طرفه مثلاً، وقد علمت دفعه. وبأن المناسب أن يقال فيما بعد - فلما أتى به - دون {فَلَمَّا رَءاهُ } الخ. وأجيب عن هذا بأن قوله ذاك للإشارة إلى أنه لا حول ولا قوة له فيه، ولعل الأظهر أن القائل أحد أتباعه. ولا يلزم من ذلك أنه عليه السلام لم يكن قادراً على الإتيان به / كذلك فإن عادة الملوك تكليف أتباعهم بمصالح لهم لا يعجزهم فعلها بأنفسهم فليكن ما نحن فيه جارياً على هذه العادة، ولا يضر في ذلك كون الغرض مما يتم بالقول وهو الدعاء ولا يحتاج إلى إعمال البدن وإتعابه كما لا يخفى. وفي «فصوص الحكم» كان ذلك على يد بعض أصحاب سليمان عليه السلام ليكون أعظم لسليمان في نفوس الحاضرين، وقال القيصري: كان سليمان قطب وقته ومتصرفاً وخليفة على العالم وكان آصف وزيره وكان كاملاً وخوارق العادات قلما تصدر من الأقطاب والخلفاء بل من وراثهم وخلفائهم لقيامهم بالعبودية التامة واتصافهم بالفقر الكلي فلا يتصرفون لأنفسهم في شيء، ومن منن الله تعالى عليهم أن يرزقهم صحبة العلماء الأمناء يحملون منهم أثقالهم وينفذون أحكامهم وأقوالهم اهـ، وما في «الفصوص» أقرب لمشرب أمثالنا على أن ما ذكر لا يخلو عن بحث على مشرب القوم أيضاً. وفي «مجمع البيان» روى العياشي بإسناده قال: التقى موسى بن محمد بن علي بن موسى ويحيـى بن أكثم فسأله عن مسائل منها: هل كان سليمان محتاجاً إلى علم آصف؟ فلم يجب حتى سأل أخاه علي بن محمد فقال: اكتب له لم يعجز سليمان عن معرفة ما عرف آصف لكنه عليه السلام أحب أن يعرف أمته من الجن والإنس أنه الحجة من بعده، وذلك من علم سليمان أودعه آصف بأمر الله ففهمه الله تعالى ذلك لئلا يختلف في إمامته كما فهم سليمان في حياة داود لتعرف إمامته من بعده لتأكيد الحجة على الخلق اهـ وهو كما ترى. والمراد بالكتاب الجنس المنتظم لجميع الكتب المنزلة؛ وقيل: اللوح المحفوظ، وكون المراد به ذلك على جميع الأقوال السابقة في الموصول بعيد جداً، وقيل: المراد به الذي أرسل إلى بلقيس، و(من) ابتدائية وتنكير {عِلْم} للتفخيم والرمز إلى أنه علم غير معهود، قيل: كان ذلك العلم باسم الله تعالى الأعظم الذي إذا سئل به أجاب، وقد دعا ذلك العالم به فحصل غرضه، وهو يا حي يا قيوم، وقيل يا ذا الحلال والإكرام، وقيل الله الرحمن وقيل: هو بالعبرانية آهياً شراهياً. وأخرج ابن جرير وابن أبـي حاتم عن الزهري أنه دعا بقوله: يا إلهنا وإله كل شيء إلهاً واحداً لا إله إلا أنت ائتني بعرشها. والطرف تحريك الأجفان وفتحها للنظر إلى شيء ثم تجوز به عن النظر وارتداده انقطاعه بانضمام الأجفان ولكونه أمراً طبيعياً غير منوط بالقصد أوثر الارتداد على الرد، فالمعنى آتيك به قبل أن ينضم جفن عينك بعد فتحه، وقيل: لا حاجة إلى اعتبار التجوز في الطرف إذ المراد قبل ارتداد تحريك الأجفان بطبقها بعد فتحها وفيه نظر، والكلام جار على حقيقته وليس من باب التمثيل للسرعة، فقد روي أن آصف قال لسليمان عليه السلام: مد عينيك حتى ينتهي طرفك فمد طرفه فنظر نحو اليمن فقبل أن يرتد إليه حضر العرش عنده. وقيل: هو من باب التمثيل فيحتمل أن يكون قد أتى به في مدة طلوع درجة أو درجتين أو نحو ذلك. وعن ابن جبير وقتادة أن الطرف بمعنى المطروف أي من يقع إليه النظر، وأن المعنى قبل أن يصل إليك من يقع طرفك عليه في أبعد ما ترى إذا نظرت أمامك وهو كما ترى. {فَلَمَّا رَءاهُ مُسْتَقِرّاً عِندَهُ } أي فلما / رأى سليمان عليه السلام العرش ساكناً عنده قاراً على حاله التي كان عليها {قَالَ } تلقياً للنعمة بالشكر جرياً على سنن إخوانه الأنبياء عليهم السلام وخلص عباد الله عز وجل {هَـٰذَا } أي الإتيان بالعرش أو حضوره بين يدي في هذه المدة القصيرة، وقيل: أي التمكن من إحضاره بالواسطة أو بالذات {مِن فَضْلِ رَبّى } أي تفضله جل شأنه عليَّ من غير استحقاق ذاتي لي له ولا عمل مني يوجبه عليه سبحانه وتعالى، وفي الكلام حذف أي فأتاه به فرآه فلما رآه الخ وحذف ما حذف للدلالة على كمال ظهوره واستغنائه عن الإخبار به وللإيذان بكمال سرعة الإتيان به كأنه لم يقع بين الوعد به ورؤيته عليه السلام إياه شيء ما أصلاً، وفي تقييد رؤيته باستقراره عنده تأكيد لهذا المعنى لإيهامه أنه لم يتوسط بينهما ابتداء الإتيان أيضاً كأنه لم يزل موجوداً عنده. فمستقراً منتصب على الحال و {عِندَهُ } متعلق به. وهو على ما أشرنا إليه كون خاص ولذا ساغ ذكره. وظن بعضهم أنه كون عام فأشكل عليهم ذكره مع قول جمهور النحاة: إن متعلق الظرف إذا كان كوناً عاماً وجب حذفه فالتزم بعضهم لذلك كون الظرف متعلقاً برآه لا به. ومنهم من ذهب كابن مالك إلى أن حذف ذلك أغلبـي وأنه قد يظهر كما في هذه الآية. وقوله:شعر : لك العز إن مولاك عز وإن يهن فأنت لدى بحبوحة الهون كائن تفسير : وأنت تعلم أنه يمكن اعتبار ما في البيت كوناً خاصاً كالذي في الآية. وفي كيفية وصول العرش إليه عليه السلام حتى رآه مستقراً عنده خلاف. فأخرج ابن أبـي شيبة وابن المنذر وابن عساكر عن ابن عباس أنه قال لم يجر عرش صاحبة سبأ بين السماء والأرض ولكن انشقت به الأرض فجرى تحت الأرض حتى ظهر بين يدي سليمان وإلى هذا ذهب مجاهد وابن سابط وغيرهما. وقيل نزل بين يدي سليمان عليه السلام من السماء وكان عليه السلام إذ ذاك في أرض الشام على ما قيل رجع إليها من صنعاء وبينها وبين مأرب محل العرش نحو من مسافة شهرين. وعلى القول بأنه كان في صنعاء فالمسافة بين محله ومحل العرش نحو ثلاثة أيام. وأياً ما كان فقطعه المسافة الطويلة في الزمن القصير أمر ممكن وقد أخبر بوقوعه الصادق فيجب قبوله. وقد اتفق البر والفاجر على وقوع ما هو أعظم من ذلك وهو قطع الشمس في طرفة عين آلافاً من الفراسخ مع أن نسبة عرش بلقيس إلى جرمها نسبة الذرة إلى الجبل، وقال الشيخ الأكبر قدس سره: إن آصف تصرف في عين العرش فأعدمه في موضعه وأوجده عند سليمان من حيث لا يشعر أحد بذلك إلا من عرف الخلق الجديد الحاصل في كل آن وكان زمان وجوده عين زمان عدمه وكل منهما في آن وكان عين قول آصف عين الفعل في الزمان فإن القول من الكامل بمنزلة كن من الله تعالى. ومسألة حصول العرش من أشكل المسائل إلا عند من عرف ما ذكرناه من الإيجاد والإعدام فما قطع العرش مسافة ولا زويت له أرض ولا خرقها اهـ ملخصاً. وله تتمة ستأتي إن شاء الله تعالى. وما ذكره من أنه كان بالإعدام والإيجاد مما يجوز عندي وإن لم أقل بتجدد الجواهر تجدد الأعراض عند الأشعري إلا أنه خلاف ظاهر الآية. واستدل بها على ثبوت الكرامات. وأنت تعلم أن الاحتمال يسقط الاستدلال. وعلل عليه السلام تفضله تعالى بذلك عليه بقوله: {لِيَبْلُوَنِى } أي ليعاملني معاملة المبتلى أي المختبر {ءَأَشْكُرُ} على ذلك بأن أراه محض فضله تعالى من غير حول من جهتي / ولا قوة وأقوم بحقه {أَمْ أَكْفُرُ } بأن أجد لنفسي مدخلاً في البين أو أقصر في إقامة مواجبه كما هو شأن سائر النعم الفائضة على العباد، وأخرج ابن المنذر وابن جرير عن ابن جريج أن المعنى ليبلوني أأشكر إذا أتيت بالعرش أم أكفر إذا رأيت من هو أدنى مني في الدنيا أعلم مني، ونقل مثله في «البحر» عن ابن عباس والظاهر عدم صحته، وأبعد منه عن الصحة ما أخرجه ابن أبـي حاتم عن السدي أنه قال لما رآه مستقراً عنده جزع وقال: رجل غيري أقدر على ما عند الله عز وجل مني، ولعل الحق الجزم بكذب ذلك، وجملة {أأشَكَرَ } الخ في موضع نصب على أنها مفعول ثان لفعل البلوى وهو معلق بالهمزة عنها إجراء له مجرى العلم وإن لم يكن مرادفاً له. وقيل: محله النصب على البدل من الياء. {وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ } أي لنفعها لأنه يربط به القيد ويستجلب المزيد ويحط به عن ذمته عبء الواجب ويتخلص عن وصمة الكفران {وَمَن كَفَرَ } أي لم يشكر {فَإِنَّ رَبّى غَنِىٌّ } عن شكره {كَرِيمٌ } بترك تعجيل العقوبة والإنعام مع عدم الشكر أيضاً، والظاهر أن (من) شرطية والجملة المقرونة بالفاء جواب الشرط، وجوز أن يكون الجواب محذوفاً دل عليه ما قبله من قسيمه والمذكور قائم مقامه أي ومن كفر فعلى نفسه أي فضرر كفرانه عليها. وتعقب بأنه لا يناسب قوله: {كَرِيمٌ } وجوز أيضاً أن تكون (من) موصولة ودخلت الفاء في الخبر لتضمنها معنى الشرط.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ} جاء معناه موضحاً في آيات متعددة، كقوله تعالى: {أية : مَّنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ} تفسير : [فصلت: 46] و [الجاثية: 45] وقوله تعالى: {أية : وَمَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلأَنفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ} تفسير : [الروم: 44] وقوله تعالى: {أية : إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ} تفسير : [الإسراء: 7] إلى غير ذلك من الآيات. قوله تعالى: {وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ}. جاء معناه موضحاً أيضاً في آيات كثيرة، كقوله تعالى: {أية : وَقَالَ مُوسَىۤ إِن تَكْفُرُوۤاْ أَنتُمْ وَمَن فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً فَإِنَّ ٱللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ} تفسير : [إبراهيم: 8] وقوله تعالى: {أية : فَكَفَرُواْ وَتَوَلَّواْ وَّٱسْتَغْنَىٰ ٱللَّهُ وَٱللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ} تفسير : [التغابن: 6] وقوله تعالى: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ أَنتُمُ ٱلْفُقَرَآءُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱللَّهُ هُوَ ٱلْغَنِيُّ ٱلْحَمِيد} تفسير : [فاطر: 15] وقوله تعالى: {أية : وَٱللَّهُ ٱلْغَنِيُّ وَأَنتُمُ ٱلْفُقَرَآءُ وَإِن تَتَوَلَّوْاْ يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لاَ يَكُونُوۤاْ أَمْثَالَكُم} تفسير : [محمد: 38] إلى غير ذلك من الآيات.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلْكِتَابِ} {آتِيكَ} {رَآهُ} {أَأَشْكُرُ} (40) - فَقَالَ سُليمانُ لجماعَتِهِ إِنهُ يريدُ أَنْ يأتُوهُ بهِ بأَسرَعَ منْ ذلِكَ، فقالَ لهُ رَجُل يعرفُ اسمَ اللهِ الأَعْظَمِ (عندَهُ عِلمٌ منَ الكِتابِ) إِنهُ مُسْتَعِدٌّ أنْ يأتِيَهُ بهِ قَبْلَ أن تَطْرِفَ عينُهُ وَدَعَا الرّجلُ باسْمِ اللهِ الأَعْظَمِ، فمَثلَ العَرْشُ بينَ يَديْ سُلَيمانَ فَلَمَّا رَآهُ سُليمان ومَنْ حَوْلَهُ مُسْتَقِراً بينَ أيديهمْ قالَ سليمانُ: هذَا مِنْ نِعَمِ اللهِ عليَّ لِيَخْتَبِرَنِي رَبِّي أَأَشْكُرُهُ عَلى نِعَمِهِ أمْ أكفرُ بها؟ ومنْ شَكَرَ وَعَمِلَ صَالحاً فلنفْسِهِ، ومَنْ كَفَرَ فَعَليهِ كُفرُهُ، وَاللهُ تَعَالَى غَنِيٌّ عنِ العِبادِ، وعَنْ عبادَتِهِمْ. (وقِيل بَلِ المعْنى هُوَ: أَنَّ سُلَيمانَ قَالَ لِلجِنِّيِّ أنَا أُحْضِرُهُ في لَمْحِ البَصَرِ، وَكَانَ كَما قَالَ، فلما رآهُ أمَامَهُ شَكَرَ ربَّهُ، والأوَّلُ أظهرُ). الذي عندَهُ عِلْمٌ مِنَ الكِتَابِ - رَجُلٌ أَوْ مَلَكٌ يَعْلَمُ اسْمَ اللهِ الأَعظَمَ. يرتَدُّ إليكَ طَرْفُكَ - قَبْلَ أَنْ تُغْمِضَ عَينَكَ ثُمَّ تَفتَحَها. ليبلوَني - ليَخْتَبِرَني ويَمْتَحِنَنِي.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : الطرف: الجِفْن الأعلى للعين. تكلم العلماء في هذه الآية: أولاً: قالوا {ٱلْكِتَابِ ..} [النمل: 40] يُراد به اللوح المحفوظ، يُعلم الله تعالى بعض خَلْقه أسراراً من اللوح المحفوظ، أما الذي عنده علم من الكتاب فقالوا: هو آصف بن برخيا، وكان رجلاً صالحاً أطلعه الله على أسرار الكون. وقال آخرون: بل هو سليمان عليه السلام، لما قال له العفريت {أية : أَنَاْ آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ..}تفسير : [النمل: 39] قال هو: {أَنَاْ آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ ..} [النمل: 40] لأنه لو كان شخصاً آخر لكان له تفوُّق على سليمان في معرفة الكتاب. لكن رَدُّوا عليهم بأن من عظمة سليمان أنْ يعلمَ أحد رعيته هذا العلم، فمَنْ عنده علم من الكتاب بحيث يأتي بالعرش قبل طَرْفة عين هو خادم في مملكة سليمان ومُسخر له، كما أن المزايا لا تقتضي الأفضلية، وليس شَرْطاً في المِلك أنْ يعرف كل شيء، وإلا لَقُلْنا للمِلك: تَعَال أصلح لنا دورة المياه. أما نحن فنميل إلى أنه سليمان عليه السلام. وفَرْق كبير في القدرات بين مَنْ يأتي بالعرش قبل أن يقوم الملك من مجلسه، وبين مَنْ يأتي به في طَرْفة عين، ونَقْل العرش من مملكة بلقيس إلى مملكة سليمان يحتاج إلى وقت وإلى قوة. والزمن يتناسب مع القوة تناسباً عكسياً: فكلما زادت القوة قَلَّ الزمن، فمثلاً حين تُكلِّف الطفل الصغير بنقل شيء من مكانه إلى مكان ما، فإنه يذهب إليه ببُطْء ويحمله ببُطء حتى يضعه في مكانه، أما الرجل فبيده وفي سرعة ينقله، وهذه المسألة نلاحظها في وسائل المواصلات، ففرْق بين السفر بالسيارة، والسفر بالطائرة، والسفر بالصاروخ مثلاً. وهذه تكلّمنا عنها في قصة "الإسراء والمعراج" فقد أُسْرِي برسول الله صلى الله عليه وسلم بهذه السرعة؛ لأن الله تعالى أَسْرى به، ونقله من مكان إلى مكان؛ لذلك جاءت الرحلة في سرعة فوق تصوُّر البشر. وما دام الزمن يتناسب مع القوة، فلا تنسب الحدث إلى رسول الله، إنما إلى الله، إلى قوة القوى التي لا تحتاج إلى زمن أصلاً، فإنْ قلتَ: فلماذا استغرقتْ الرحلة ليلةَ وأخذت وقتاً؟ نقول: لأنه صلى الله عليه وسلم مرَّ بأشياء، ورأى أشياء، وقال، وسأل، وسمع، فهو الذي شغل هذا الوقت، أمّا الإسراء نفسه فلا زمنَ له. لذلك قبل أن يخبرنا الحق - تبارك وتعالى - بهذه الحادثة العجيبة قال: {أية : سُبْحَانَ ٱلَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ ..}تفسير : [الإسراء: 1] أي: نزِّهه عن مشابهة غيره، كذلك مسألة نَقْل العرش في طرْفة عين لا بُدَّ أن مَنْ فعلها فعلها بعون من الله وبعلم أطلعه الله عليه، فنقله بكُنْ التي لا تحتاج وقتاً ولا قوة، وما دام الأمر بإرادة الله وقوته وإلهامه فلا نقول إلا: آمين. وفي قوله للجن: {أَنَاْ آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ ..} [النمل: 40] تحدٍّ لعفريت الجن، حتى لا يظن أنه أقوى من الإنسان، فإنْ أراد الله منحني من القوة ما أتفوّق عليك به، بل وأُسخِّرك بها لخدمتي. ومن ذلك قوله سبحانه عن تسخير الجن: {أية : يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَآءُ مِن مَّحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَٱلْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَّاسِيَاتٍ ..}تفسير : [سبأ: 13]. وليعلموا أنهم جهلاء، ظلُّوا يعملون لسليمان وهو ميت ومُتكىء على عصاه أمامهم، وهم مرعوبون خائفون منه. والتحدي قد يكون بالعُلُوِّ، وقد يكون بالدُّنُو، كالذي قال لصاحبه: أنا دارس باريس دراسة دقيقة، وأستطيع أنْ أركب معك السيارة وأقول لك: أين نحن منها، وأمام أيّ محل، وأنا مُغْمض العينين، فقال الآخر: وأنا أستطيع أن أخبرك بذلك بدون أن أُغمِض عَيْنيّ. وقوله: {فَلَمَّا رَآهُ ..} [النمل: 40] أي: العرش {مُسْتَقِرّاً عِندَهُ قَالَ هَـٰذَا مِن فَضْلِ رَبِّي ..} [النمل: 40] إما لأنه أقدره على الإتيان به بنفسه، أو سخّر له مَنْ عنده علم من الكتاب، فأتاه به، فهذه أو ذلك فضل من الله. {لِيَبْلُوَنِيۤ ..} [النمل: 40] يختبرني {أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ ..} [النمل: 40] يعني: أشكر الله فأُوفَّق في هذا الاختبار؟ أم أكفر بنعمة الله فأخفق فيه؟ لأن الاختبار إنما يكون بنتيجته. والشكر بأن ينسب النعمة إلى المنعم وألاَّ يلهيه جمال النعمة عن جلال واهبها ومُسْديها، فيقول مثلاً: إنما أوتيته على علم عندي. وقوله: {وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ ..} [النمل: 40] أي: أن الله تعالى لا يزيده شُكْرنا شيئاً، فله - سبحانه وتعالى - صفات الكمال المطلق قبل أنْ يشكره أحد، فمَنْ يشكر فإنما يعود عليه، وهو ثمرة شُكْره. {وَمَن كَفَرَ ..} [النمل: 40] يعني: جحد النعمة ولم يشكر المنعم {فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ ..} [النمل: 40] أي: عن شكره {كَرِيمٌ} [النمل: 40] أي يعطي عبده رغم ما كان منه من جحود وكفر بالنعمة؛ لأن نعمه تعالى كثيرة لا تُعَدُّ، وهذا من حِلمه تعالى ورأفته بخَلْقه. لذلك لما نتأمل قوله تعالى: {أية : وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا ..}تفسير : [إبراهيم: 34] وقد تكررت هذه العبارة بنصِّها في آيتين من كتاب الله، مما جعل البعض يرى فيها تكراراً لا فائدة منه، لكن لو نظرنا إلى عَجُز كل منهما لوجدناه مختلفاً. فالأولى تُختتم بقوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلإنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ}تفسير : [إبراهيم: 34] والأخرى: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ}تفسير : [النحل: 18]. إذن: فهما متكاملتان، لكلٍّ منهما معناها الخاص، فالأولى تبين ظلم الإنسان حين يكفر بنعمة الله عليه ويجحدها، وتضيف الأخرى أن الله تعالى مع ذلك غفور لعبده رحيم به. كما نلحظ في الآية: {أية : وَإِن تَعُدُّواْ ..}تفسير : [إبراهيم: 34] استخدم (إنْ) الدالة على الشك؛ لأن أحداً لا يجرؤ على عَدِّ نِعَم الله في الكون، فهي فوق الحصر؛ لذلك لم يُقْدِم على هذه المسألة أحد، مع أنهم بوسائلهم الحديثة أحصُوا كل شيء إلا نعم الله لم يتصَدَّ لأحصائها أحد في معهد أو جامعة ممن تخصصت في الإحصاء. وهذا دليل على أنها مقطوع بالعجز عنها، كما لم نجد مثلاً مَنْ تصدّى لإحصاء عدد الرمل في الصحراء. كما نقف عند قوله سبحانه: {أية : نِعْمَتَ ٱللَّهِ ..}تفسير : [إبراهيم: 34] ولم يقُلْ: نِعَم الله، فالعجز عن الإحصاء أمام نعمة واحدة؛ لأن تحتها نِعَم كثيرة لو تتبعتها لوجدتها فوق الحصر. ثم لما جاءته بلقيس أراد أن يُجري لها اختبارَ عقلٍ، واختبارَ إيمان: {قَالَ نَكِّرُواْ لَهَا عَرْشَهَا ...}.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ} قال زيد بن علي عليهما السلام: قال لَهُ انظرْ فَرفعَ سُليمانُ طَرْفَهُ فَلَمْ يَرجعْ إِليهِ مِن مَكانِ مُنتهى طَرْفِهِ حتَّى إذا هو بالعَرشِ. وقال: دَعا رَبَّهُ مَن بعو! فِي الأَرضِ حتَّى وُضِعَ بينَ يَديهِ.

همام الصنعاني

تفسير : 2164- حدّثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن الكلبي، في قوله تعالى: {قَالَ ٱلَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ ٱلْكِتَابِ}: [الآية: 40]، قال: هو رجل من بني آدم قال: {أَنَاْ آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ}: [الآية: 40]، يقول: قبل أن يأتيك الشخص من مد الْبَصَرِ، وقال غيره: هو النظر. 2165- قال عبد الرزاق، قال معمر، وقال قتادة: {ٱلَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ ٱلْكِتَابِ}، رجل من بني آدم، أحْسَبُهُ قال: من بني إسرائيل، كانَ يعلم اسم الله الذي إذا دُعِيَ به أجَابَ.