٢٧ - ٱلنَّمْل
27 - An-Naml (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
59
Tafseer
الرازي
تفسير : القول في خطاب الله عز وجل مع محمد صلى الله عليه وسلم في هذه الآية قولان: الأول: أنه متعلق بما قبله من القصص والمعنى الحمد لله على إهلاكهم وسلام على عباده الذين اصطفى بأن أرسلهم ونجاهم الثاني: أنه مبتدأ فإنه تعالى لما ذكر أحوال الأنبياء عليهم السلام وكان محمد صلى الله عليه وسلم كالمخالف لمن قبله في أمر العذاب لأن عذاب الاستئصال مرتفع عن قومه، أمره تعالى بأن يشكر ربه على ما خصه بهذه النعم، وبأن يسلم على الأنبياء عليهم السلام الذين صبروا على مشاق الرسالة. فأما قوله: {ٱللَّهِ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ } فهو تبكيت للمشركين وتهكم بحالهم، وذلك أنهم آثروا عبادة الأصنام على عبادة الله تعالى، ولا يؤثر عاقل شيئاً على شيء إلا لزيادة خير ومنفعة، فقيل لهم هذا الكلام تنبيهاً على نهاية ضلالهم وجهلهم وقرىء {يُشْرِكُونَ } بالياء والتاء، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا قرأها قال: « حديث : بل الله خير وأبقى وأجل وأكرم » تفسير : . ثم اعلم أنه سبحانه وتعالى تكلم بعد ذلك في عدة فصول: الفصل الأول: في الرد على عبدة الأوثان، ومدار هذا الفصل على بيان أنه سبحانه وتعالى هو الخالق لأصول النعم وفروعها، فكيف تحسن عبادة ما لا منفعة منه ألبتة.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {قُلِ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلاَمٌ عَلَىٰ عِبَادِهِ ٱلَّذِينَ ٱصْطَفَىٰ} قال الفرّاء قال أهل المعاني: قيل للوط {قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ} على هلاكهم. وخالف جماعة من العلماء الفرّاء في هذا وقالوا: هو مخاطبة لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم؛ أي قل الحمد لله على هلاك كفار الأمم الخالية. قال النحاس: وهذا أولى، لأن القرآن منزل على النبي صلى الله عليه وسلم، وكل ما فيه فهو مخاطب به عليه السلام إلا ما لم يصح معناه إلا لغيره. وقيل: المعنى؛ أي {قُلْ} يا محمد {ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلاَمٌ عَلَىٰ عِبَادِهِ ٱلَّذِينَ ٱصْطَفَىٰ} يعني أمته عليه السلام. قال الكلبي: اصطفاهم الله بمعرفته وطاعته. وقال ابن عباس وسفيان: هم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم. وقيل: أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتلو هذه الآيات الناطقة بالبراهين على وحدانيته وقدرته على كل شيء وحكمته، وأن يستفتح بتحميده والسلام على أنبيائه والمصطفين من عباده. وفيه تعليم حسن، وتوقيف على أدب جميل، وبعث على التيمن بالذكرين والتبرك بهما، والاستظهار بمكانهما على قبول ما يلقى إلى السامعين، وإصغائهم إليه، وإنزاله من قلوبهم المنزلة التي يبغيها المستمع. ولقد توارث العلماء والخطباء والوعاظ كابراً عن كابر هذا الأدب، فحمدوا الله وصلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم أمام كل علم مفاد، وقبل كل عظة وفي مفتتح كل خطبة، وتبعهم المترسلون فأجروا عليه أوائل كتبهم في الفتوح والتهاني، وغير ذلك من الحوادث التي لها شأن. قوله تعالى: {ٱلَّذِينَ ٱصْطَفَىٰ} اختار؛ أي لرسالته وهم الأنبياء عليهم السلام؛ دليله قوله تعالى: {أية : وَسَلاَمٌ عَلَىٰ ٱلْمُرْسَلِينَ } تفسير : [الصافات: 181]. {ءَآللَّهُ خَيْرٌ} وأجاز أبو حاتم «أَأَللَّهُ خَيْرٌ» بهمزتين. النحاس: ولا نعلم أحداً تابعه على ذلك؛ لأن هذه المدّة إنما جيء بها فرقاً بين الاستفهام والخبر، وهذه ألف التوقيف، و{خَيْرٌ} ههنا ليس بمعنى أفضل منك، وإنما هو مثل قول الشاعر:شعر : أتهجوه ولست له بكفء فشركما لخيركما الفِداء تفسير : فالمعنى فالذي فيه الشر منكما للذي فيه الخير الفداء. ولا يجوز أن يكون بمعنى من لأنك إذا قلت: فلان شر من فلان ففي كل واحد منهما شر. وقيل: المعنى؛ الخير في هذا أم في هذا الذي تشركونه في العبادة! وحكى سيبويه: السعادة أحب إليك أم الشقاء؛ وهو يعلم أن السعادة أحب إليه. وقيل: هو على بابه من التفضيل، والمعنى: آلله خير أم ما تشركون؛ أي أثوابه خير أم عقاب ما تشركون. وقيل: قال لهم ذلك؛ لأنهم كانوا يعتقدون أن في عبادة الأصنام خير فخاطبهم الله عز وجل على اعتقادهم. وقيل: اللفظ لفظ الاستفهام ومعناه الخبر. وقرأ أبو عمرو وعاصم ويعقوب: {يُشْرِكُونَ} بياء على الخبر. الباقون بالتاء على الخطاب، وهو اختيار أبي عبيد وأبي حاتم؛ فكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا قرأ هذه (الآية) يقول: «حديث : بل الله خير وأبقى وأجل وأكرم".تفسير : قوله تعالى: {أَمَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ} قال أبو حاتم: تقديره؛ آلهتكم خير أم من خلق السموات والأرض؛ وقد تقدّم. ومعناه: قدر على خلقهن. وقيل: المعنى؛ أعبادة ما تعبدون من أوثانكم خير أم عبادة من خلق السموات والأرض؟ فهو مردود على ما قبله من المعنى؛ وفيه معنى التوبيخ لهم، والتنبيه على قدرة الله عز وجل وعجز آلهتهم. {فَأَنبَتْنَا بِهِ حَدَآئِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ} الحديقة البستان الذي عليه حائط. والبهجة المنظر الحسن. قال الفراء: الحديقة البستان المحظر عليه حائط، وإن لم يكن عليه حائط فهو البستان وليس بحديقة. وقال قتادة وعكرمة: الحدائق النخل ذات بهجة، والبهجة الزينة والحسن؛ يبهج به من رآه. {مَّا كَانَ لَكُمْ أَن تُنبِتُواْ شَجَرَهَا} {ما} للنفي ومعناه الحظر والمنع من فعل هذا؛ أي ما كان للبشر، ولا يتهيأ لهم، ولا يقع تحت قدرتهم، أن ينبتوا شجرها؛ إذ هم عجزة عن مثلها، لأن ذلك إخراج الشيء من العدم إلى الوجود. قلت: وقد يستدلّ من هذا على منع تصوير شيء سواء كان له روح أم لم يكن؛ وهو قول مجاهد. ويعضده قوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : قال الله عز وجل ومن أظلم ممن ذهب يخلق خلقاً كخلقي فليخلقوا ذَرَّة أو ليخلقوا حبة أو ليخلقوا شعيرة»تفسير : رواه مسلم في «صحيحه» من حديث أبي هريرة؛ قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «قال الله عز وجل» فذكره؛ فعم بالذم والتهديد والتقبيح كل من تعاطى تصوير شيء مما خلقه الله وضاهاه في التشبيه في خلقه فيما انفرد به سبحانه من الخلق والاختراع وهذا واضح. وذهب الجمهور إلى أن تصوير ما ليس فيه روح يجوز هو والاكتساب به. وقد قال ابن عباس للذي سأله أن يصنع الصور: إن كنت لا بد فاعلاً فاصنع الشجر وما لا نفس له خرجه مسلم أيضاً. والمنع أولى والله أعلم لما ذكرنا. وسيأتي لهذا مزيد بيان في «سبأ» إن شاء الله تعالى ثم قال على جهة التوبيخ: {أَإِلَـٰهٌ مَّعَ ٱللَّهِ} أي هل معبود مع الله يعينه على ذلك. {بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ} بالله غيره وقيل: {يَعْدِلُونَ} عن الحق والقصد؛ أي يكفرون. وقيل: {إِلَهٌ} مرفوع بـ{ـمع} تقديره: أمع الله ويلكم إله. والوقف على {مَعَ اللَّهِ} حسن. قوله تعالى: {أَمَّن جَعَلَ ٱلأَرْضَ قَرَاراً} أي مستقراً. {وَجَعَلَ خِلاَلَهَآ أَنْهَاراً} أي وسطها مثل: {أية : وَفَجَّرْنَا خِلالَهُمَا نَهَراً}تفسير : [الكهف: 33]. {وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ} يعني جبالاً ثوابت تمسكها وتمنعها من الحركة. {وَجَعَلَ بَيْنَ ٱلْبَحْرَيْنِ حَاجِزاً} مانعاً من قدرته لئلا يختلط الأجاج بالعذب. وقال ابن عباس: سلطاناً من قدرته فلا هذا يغيّر ذاك ولا ذاك يغيّر هذا والحجز المنع. {أَإِلَـٰهٌ مَّعَ ٱلله} أي إذا ثبت أنه لا يقدر على هذا غيره فلم يعبدون ما لا يضر ولا ينفع. {بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} يعني كأنهم يجهلون الله فلا يعلمون ما يجب له من الوحدانية.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى آمراً رسوله صلى الله عليه وسلم أن يقول: {ٱلْحَمْدُ للَّهِ} أي: على نعمه على عباده؛ من النعم التي لا تعد ولا تحصى، وعلى ما اتصف به من الصفات العلى والأسماء الحسنى، وأن يسلم على عباد الله الذين اصطفاهم، واختارهم، وهم رسله وأنبياؤه الكرام، عليهم من الله أفضل الصلاة والسلام، وهكذا قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم وغيره: إن المراد بعباده الذين اصطفى، هم الأنبياء، قال: وهو كقوله: {أية : سُبْحَـٰنَ رَبِّكَ رَبِّ ٱلْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلَـٰمٌ عَلَىٰ ٱلْمُرْسَلِينَ وَٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} تفسير : [الصافات: 180 ــــ 182]. وقال الثوري والسدي: هم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ورضي عنهم أجمعين، وروي نحوه عن ابن عباس أيضاً، ولا منافاة؛ فإنهم إذا كانوا من عباد الله الذين اصطفى فالأنبياء بطريق الأولى والأحرى. والقصد أن الله تعالى أمر رسوله ومن اتبعه بعد ذكره لهم ما فعل بأوليائه من النجاة والنصر والتأييد، وما أحل بأعدائه من الخزي والنكال والقهر، أن يحمدوه على جميع أفعاله، وأن يسلموا على عباده المصطفين الأخيار. وقد قال أبو بكر البزار: حدثنا محمد بن عمارة بن صبيح، حدثنا طلق بن غنام، حدثنا الحكم بن ظهير عن السدي عن أبي مالك، عن ابن عباس {لِلَّهِ وَسَلَـٰمٌ عَلَىٰ عِبَادِهِ ٱلَّذِينَ ٱصْطَفَىٰ} قال: هم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم اصطفاهم الله لنبيه رضي الله عنهم، وقوله تعالى: {ءَآللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ} استفهام إنكار على المشركين في عبادتهم مع الله آلهة آخرى. ثم شرع تعالى يبين أنه المنفرد بالخلق والرزق والتدبير دون غيره، فقال تعالى: {أَمَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ} أي: خلق تلك السموات في ارتفاعها وصفائها. وما جعل فيها من الكواكب النيرة والنجوم الزاهرة والأفلاك الدائرة. وخلق الأرض في استفالها وكثافتها، وما جعل فيها من الجبال والأطواد والسهول والأوعار، والفيافي والقفار، والزروع والأشجار، والثمار والبحار، والحيوان على اختلاف الأصناف والأشكال والألوان وغير ذلك. وقوله تعالى: {وَأَنزَلَ لَكُمْ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً} أي: جعله رزقاً للعباد، {فَأَنبَتْنَا بِهِ حَدَآئِقَ} أي: بساتين {ذَاتَ بَهْجَةٍ} أي: منظر حسن، وشكل بهي، {مَّا كَانَ لَكُمْ أَن تُنبِتُواْ شَجَرَهَا} أي: لم تكونوا تقدرون على إنبات أشجارها، وإنما يقدر على ذلك الخالق الرازق المستقل بذلك، المتفرد به دون ما سواه من الأصنام والأنداد؛ كما يعترف به هؤلاء المشركون؛ كما قال تعالى في الآية الأخرى: {أية : وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ }تفسير : [لقمان: 25] {أية : وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّن نَّزَّلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَحْيَا بِهِ ٱلأَرْضَ مِن بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ} تفسير : [العنكبوت: 63] أي: هم معترفون بأنه الفاعل لجميع ذلك وحده لا شريك له، ثم هم يعبدون معه غيره مما يعترفون أنه لا يخلق ولا يرزق، وإنما يستحق أن يفرد بالعبادة من هو المتفرد بالخلق والرزق، ولهذا قال تعالى: {أَإِلَـٰهٌ مَّعَ ٱللهِ} أي: أإله مع الله يعبد؟ وقد تبين لكم ولكل ذي لب مما يعترفون به أيضاً أنه الخالق الرازق. ومن المفسرين من يقول: معنى قوله: {أَإِلَـٰهٌ مَّعَ ٱ} فعل هذا؟ وهو يرجع إلى معنى الأول؛ لأن تقدير الجواب: أنهم يقولون: ليس ثم أحد فعل هذا معه، بل هو المتفرد به، فيقال: فكيف تعبدون معه غيره، وهو المستقل المتفرد بالخلق والرزق والتدبير؟ كما قال تعالى: {أية : أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لاَّ يَخْلُقُ} تفسير : [النحل: 17] الآية. وقوله تعالى ههنا: {أَمَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ}؟ {أَمَّنْ} في هذه الآيات كلها تقديره: أمن يفعل هذه الأشياء، كمن لا يقدر على شيء منها؟ هذا معنى السياق، وإن لم يذكر الآخر؛ لأن في قوة الكلام ما يرشد إلى ذلك. وقد قال الله تعالى: {ءَآللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ}. ثم قال في الآية الأخرى: {بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ} أي: يجعلون لله عدلاً ونظيراً. وهكذا قال تعالى: {أية : أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ ءَانَآءَ ٱلَّيْلِ سَـٰجِداً وَقَآئِماً يَحْذَرُ ٱلآخِرَةَ وَيَرْجُواْ رَحْمَةَ رَبِّهِ} تفسير : [الزمر: 9] أي: أمن هو هكذا، كمن ليس كذلك؟ ولهذا قال تعالى: {أية : رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي ٱلَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ ٱلأَلْبَـٰبِ} تفسير : [الزمر: 9]، {أية : أَفَمَن شَرَحَ ٱللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلَـٰمِ فَهُوَ عَلَىٰ نُورٍ مِّن رَّبِّهِ فَوَيْلٌ لِّلْقَـٰسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِّن ذِكْرِ ٱللَّهِ أُوْلَـٰئِكَ فِي ضَلَـٰلٍ مُّبِينٍ } تفسير : [الزمر: 22] وقال تعالى: {أية : أَفَمَنْ هُوَ قَآئِمٌ عَلَىٰ كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ} تفسير : [الرعد: 33] أي: أمن هو شهيد على أفعال الخلق؛ حركاتهم وسكناتهم، يعلم الغيب جليله وحقيره، كمن هو لا يعلم ولا يسمع ولا يبصر من هذه الأصنام التي عبدوها من دون الله؟ ولهذا قال: {أية : وَجَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَآءَ قُلْ سَمُّوهُمْ} تفسير : [الرعد: 33] وهكذا هذه الآيات الكريمة كلها.
المحلي و السيوطي
تفسير : {قُلْ } يا محمد صلى الله عليه وسلم {ٱلْحَمْدُ للَّهِ } على هلاك كفار الأمم الخالية {وسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصطفى} هم {ءَآللَّهُ} بتحقيق الهمزتين وإبدال الثانية ألفاً وتسهيلها وإدخال ألف بين المسهلة والأخرى وتركه { خَيْرٌ } لمن يعبده {أَمَّا يُشْرِكُونَ } بالتاء والياء أي أهل مكة به؟
الماوردي
تفسير : قوله تعالى: {فَأَنبَتْنَا بِهِ حَدَآئِقَ} فيها قولان: أحدهما: أنها النخل، قاله الحسن. الثاني: الحائط من الشجر والنخل، قاله الكلبي. {ذَاتَ بَهْجَةٍ} فيها قولان: أحدهما: ذات غضارة، قاله قتادة. الثاني: ذات حسن، قاله الضحاك. {مَّا كَانَ لَكُْ أَن تُنبِتُواْ شَجَرَهَا} أي ما كان في قدركم أن تخلقوا مثلها. {أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ} فيه وجهان: أحدهما: أي ليس مع الله إله، قاله قتادة. الثاني: أإله مع الله يفعل هذا، قاله زيد بن أسلم. {بَلْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ} فيه وجهان: أحدهما: أي يعدلون عن الحق. الثاني: يشركون بالله فيجعلون له عدلاً أي مثلاً، قاله قطرب ومقاتل.
ابن عطية
تفسير : قرأ أبو السمال "قلَ" بفتح اللام وكذلك في آخر السورة وهذا ابتداء تقرير وتنبيه لقريش وهو بعد يعم كل مكلف من الناس جميعاً، وافتتح ذلك بالقول بحمده وتحميده وبالسلام على عباده الذين اصطفاهم للنبوءة والإيمان، فهذا اللفظ عام لجميعهم من بني آدم، وكان هذا صدر خطبة للتقرير المذكور. وقال ابن عباس العباد المسلم عليهم هم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم واصطفاهم لنبيه. قال القاضي أبو محمد: وفي هذا الاختصاص توبيخ للمعاصرين من الكفار، وقال الفراء الأمر بالقول في هذه الآية هو للوط عليه السلام. قال القاضي أبو محمد: وهذه عجمة من الفراء رحمه الله، ثم وقف قريشاً والعرب على جهة التوبيخ على موضع التباين بين الله عز وجل وبين الأوثان والأنصاب، وقرأ جمهور الناس "تشركون" بالتاء من فوق، وحكى المهدوي عن أبي عمرو وعاصم " يشركون" بالياء من تحت، وفي هذا التفضيل بلفظة {خير} أقوال، أحدها أن التفضيل وقع بحسب معتقد المشركين إذ كانت تعتقد أن في آلهتها خيراً بوجه ما، وقالت فرقة في الكلام حذف مضاف في موضعين التقدير أتوحيد الله خير أم عبادة ما تشركون، فـ {ما} في هذه الآية بمعنى الذي، وقالت فرقة "ما" مصدرية وحذف المضاف إنما هو أولاً تقديره أتوحيد الله خير أم شرككم، وقيل {خير} هنا ليست بأفعل إنما هي فعل كما تقول الصلاة خير دون قصد تفضيل. قال القاضي أبو محمد: وقد تقدم أن هذه الألفاظ التي تعم معاني كثيرة كخير وشر وأحب ونحو ذلك قد يقع التفضيل بها بين أشياء متباينة لأن المتباينات قدر بما اشترك فيها ولو بوجه ضعيف بعيد، وأيضاً فهذا تقرير والمجادل يقرر خصمه على قسمين أحدهما فاسد، ليرى وقوعه وقد استوعبنا هذا فيما مضى، وقالت فرقة تقدير هذه الآية "الله ذو خير أما تشركون". قال القاضي أبو محمد: وهذا النوع من الحذف بعيد تأوله، وقرأ الحسن وقتادة وعاصم "يشركون" بالياء من تحت، وقرأ أهل المدينة ومكة والكوفة بالتاء من فوق وقوله تعالى. {أمن خلق} وما بعدها من النوقيفات، توبيخ لهم وتقرير على ما لا مندوحة لهم عن الإقرار به، وقرأ الجمهور "أمّن" بشد الميم وهي "أم" دخلت على "من"، وقرأ الأعمش "أمَن" بفتح الميم مسهلة وتحتمل هذه القراءة أن تكون "أمن" استفهاماً فتكون في معنى "أم من" المتقدمة، ويحتمل أن تكون الألف للاستفهام ومن ابتداء وتقدير الخبر يكفر بنعمته ويشرك به ونحو هذا من المعنى، و"الحدائق" مجتمع الشجر من الأعناب والنخيل وغير ذلك، قال قوم لا يقال حديقة إلا لما عليه جدار قد أحدق به، وقال قوم يقال ذلك كان جداراً أو لم يكن لأن البياض محدق بالأشجار والبهجة الجمال والنضرة، وقرأ ابن أبي عبلة "ذوات بهَجة" بجمع "ذات" وفتح الهاء من "بهجة"، ثم أخبر على جهة التوقيف أنه {ما كان} للبشر أي ما يتهيأ لهم ولا يقع تحت قدرهم أن ينبتوا شجرها، لأن ذلك بإخراج شيء من العدم إلى الوجود، وقد تقدم ترتيب القراءة في الهمزتين من قوله "أ. لاه" وا. ذا وأ. نك لأنت يوسف"، قال أبو حاتم القراءة باجتماع الهمزتين محدثة. لا توجد في كلام العرب ولا قرأ بها قارىء عتيق، و {يعدلون} يجوز أن يراد به يعدلون عن طريق الحق أن يجورون في فعلهم، ويجوز أن يراد يعدلون بالله غيره أي يجعلون له عديلاً ومثيلاً، و {خلالها} معناه بينها وأثناءها، و"الرواسي" الجبال، رسا الشيء يرسو إذا ثبت وتأصل، و" البحران" الماء العذب بجملته والماء الأجاج بجملته، و "الحاجز" ما جعل الله بينهما من حواجز الأرض وموانعها على رقتها في بعض المواضع ولطافتها التي لولا قدرة الله تعالى لغلب الملح العذب وكل ما مضى من القول في تأويل في قوله {أية : مرج البحرين} تفسير : [الفرقان: 53] فهو مترتب هاهنا وباقي الآية بين.
الثعالبي
تفسير : وقوله تعالى: {قُلِ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَـٰمٌ عَلَىٰ عِبَادِهِ ٱلَّذِينَ ٱصْطَفَىٰ ءَآللَّهُ خَيْرٌ أَمَا يُشْرِكُونَ} الآياتِ، هذا ابتداء تقريرٍ وتنبيهٍ لقريشٍ والعربِ وهو بعدُ يَعُمُّ كلَّ مُكَلَّفٍ من الناس جميعاً، وافتتح ذَلِكَ بالقولِ بحمدِه سبحانَه ـــ وتمجيدِه وبالسلام على عباده الذين اصْطَفَاهُمْ للنبوَّة والإيمانِ، فهذا اللفظُ عَام لجمعيهم من ولد آدم، وكأنَّ هذا صدرُ خُطْبَةٍ للتقريرِ المذكورِ، قالتْ فرقة: وفي الآية حذْفُ مضافٍ في موْضِعَيْن التقدير: أتوحيدُ اللّهِ خيرٌ أم عبادةٌ ما تشركونَ, فـ «ما»، على هذا: موصولةٌ بمعنى: الذي، وقالت فرقة: «ما» مصدريةٌ، وحذفُ المضافِ إنما هو أولاً تَقْديرُه: أتوحيدُ اللّه خير أم شركُكُمْ. * ت *: ومِنْ كلاَم الشيخ العارفِ باللّه أَبى الحسن الشاذليِّ قَال ـــ رحمه اللّه ـــ: إن أردتَ أَن لا يصدأَ لكَ قلبٌ؛ ولا يلحقك همٌّ؛ ولا كربٌ؛ ولا يبقَى عليكَ ذنبٌ ـــ فأكْثِرْ من قولك: «سبحان اللّه وبحمده؛ سبحان اللّه العظيم، لا إله إلا اللّه، اللهم ثبِّتْ عِلْمَها في قلبي، واغفر لي ذنبي، واغفر للمؤمنينَ والمؤمناتِ، وقل الحمد للَّه وسلام على عباده الذين اصطفى» انتهى. وقوله تعالى: {أَمَّنْ خَلَقَ} وما بعدها من التقريراتِ توبيخٌ لهم وتقريرٌ على ما لا مَنْدُوحَةَ عن الإقرارِ به، و«الحدائق» مُجْتَمع الشجرِ من الأعنابِ والنَّخِيل وغير ذلك، قال قوم: لا يقال حديقةٌ إلا لِمَا عليه جدارٌ قد أحدق له. وقال قوم: يقال ذلك كان جدارٌ أو لم يَكُنْ؛ لأَن البَيَاضَ مُحْدِقٌ بالأشجار، والبهجةُ الجمالُ والنَّضَارَة. وقوله سبحانه: {مَّا كَانَ لَكُمْ أَن تُنبِتُواْ شَجَرَهَا} أي: ليس ذلك في قدرتِكم، و{يَعْدِلُونَ} يجوز أن يرادَ به: يعدِلُونَ عن طريق الحقِّ، ويجوزُ أَنْ يُرَادَ به يَعْدِلُونَ باللّهِ غيرَه، أي: يجعلون له عَدِيلاً ومَثِيلاً، و{خِلاَلَها} مَعْنَاه: بَيْنها، والرواسي: الجبال، والبحرانِ: الماءُ العذبُ والماءُ الأجاج؛ على ما تقدم، والحاجز: ما جَعَلَ اللّه بيْنَهما مِنْ حَوَاجِز الأرْضِ وموانِعها على رِقَّتِها في بعض المواضع، ولطافتِها؛ لولا قدرة اللّه لغلب المالحُ العذَب.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {قُلِ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ} الآية، العامة على كسر لام قل، لالتقاء الساكنين، وأبو السمال بفتحها تخفيفاً، وكذا في قوله: {أية : وَقُلِ ٱلْحَمْدُ للَّهِ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ}تفسير : [النمل: 93]، "وَسَلاَمٌ": مبتدأ، سوَّغ الابتداء به كونه دعاء. فصل المعنى: "الحمد لله" على هلاكهم، وهذا خطاب لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمر أن يحمد الله على هلاك كفار الأمم الخالية، و {وَسَلاَمٌ عَلَىٰ عِبَادِهِ ٱلَّذِينَ ٱصْطَفَىٰ} بأن أرسلهم ونجّاهم. وقيل: هذا كلام مبتدأ، فإنه تعالى لما ذكر أحوال الأنبياء - عليهم السلام - وكان محمد - عليه السلام - كالمخالف لمن قبله - في العذاب؛ لأن عذاب الاستئصال مرتفع عن قومه - أمره الله تعالى بأن يشكر ربّه على ما خصّه به من هذه النعم، وبأن يسلم على الأنبياء الذين صبروا على مشاق الرسالة. قوله: {وَسَلاَمٌ عَلَىٰ عِبَادِهِ ٱلَّذِينَ ٱصْطَفَىٰ} قال مقاتل: هم الأنبياء والمرسلون بدليل قوله تعالى: {أية : وَسَلاَمٌ عَلَىٰ ٱلْمُرْسَلِينَ}تفسير : [الصافات: 181]. وقال ابن عباس - في رواية أبي مالك - هم أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - وقال الكلبي: هم أمة محمد وقيل: هم كل المؤمنين من السابقين واللاحقين. قوله: "أَمّا" أمْ هذه متصلة عاطفة، لاستكمال شروطها، والتقدير: أَيُّهُمَا خَيْرٌ، و "خَيْرٌ" إمَّا تفضيل - على زعم الكفار - وإلزام الخصم، أو صفةٌ لا تفضيل فيها. و"مَا" في "أَمْ مَا" بمعنى الذي، وقيل: مصدرية، وذلك على حذف مضاف من الأول، أي أتوحيد الله خير أم شرككم؟ وقرأ أبو عمرو وعاصم: "أَمَّا يُشْرِكُونَ" بالغيبة حملاً على ما قبله من قوله: "وَأَمْطَرنَا عَلَيْهِمْ"، وما بعده من قوله: "بَلْ أَكْثَرَهُمْ"، والباقون على الخطاب، وهو التفات للكفار، بعد خطاب نبيه - عليه السلام - وهذا تبكيت للمشركين بحالهم، لأنهم آثروا عبادة الأصنام على عبادة الله تعالى، ولا يؤثر عاقل شيئاًعلى شيء إلا لزيادة خير ومنفعة، فقيل لهم هذا الكلام تنبياً لهم على نهاية ضلالهم وجهلهم، وروي أنّ رسول - صلى الله عليه وسلم - كان إذا قرأها قال: "حديث : بل الله خير وأبقى وأجل وأكرم ". تفسير : قوله: "أَمَّن خَلَقَ" "أَمْ" هذه منقطعة، لعدم تقدّم همزة الاستفهام ولا تسوية، و "مَنْ خَلَقَ" مبتدأ وخبره محذوف، فقدَّره الزمخشري: خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ، فقدر ما أثبت في الاستفهام الأوّل، وهو حَسَنٌ، وقَدَّرَهُ ابن عطية: يُكفَر بنعمته ويُشْرك به، ونحو هذا من المعنى. وقال أبو الفضل الرازي: لا بُدَّ من إضمار جملة معادلة، وصار ذلك المضمر كالمنطوق لدلالة الفحوى عليه، وتقدير تلك الجملة: أم مَّنْ خَلَقَ السَّمَواتِ والأَرْض كَمَنْ لَمْ يَخْلُقُ؟ وكذلك أخواتها، وقد أُظْهِرَ في غير هذه المواضع ما أُضْمِر فيها، كقوله: {أية : أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لاَّ يَخْلُقُ}تفسير : [النحل: 17]. وقال أبو حيان: وتسمية هذا المقدر جملة إن أراد أنّها جملة من جهة الألفاظ فصحيح، وإن أراد الجملة المصطلح عليها في النحو، فليس بصحيح، بل هو مضمر من قبيل المفرد. وقرأ الأعمش: "أَمَنْ" بتخفيف الميم جعلها (مَنْ) الموصولة داخلة عليها همزة الاستفهام، وفيها وجهان: أحدهما: أن يكون مبتدأ والخبر محذوف وتقديره ما تقدم من الأوجه، قاله أبو حيان. والثاني: أنها بدل من "الله"، كأنه قيل: أمن خلق السموات والأرض خَيْر أمَّا يشركون، ولم يذكر الزمخشري غيره. ويكون قد فصل بين البَدَل والمُبْدَل منه بالخبر وبالمعطوف على المبدل منه، وهو نظير قولك: أَزيدٌ خَيْرٌ أَمْ عَمْرٌوا أأخوك، على أن يكون أأخوك بدلاً من: أزيد، وفي جواز مثل هذا نظر. قوله: "فَأَنْبَتْنَا" هذا التفات من الغيبة إلى المتكلم، لتأكيد معنى اختصاص الفعل بذاته، والإيذان بأنَّ إنْبات الحدائق المختلفة الألوان والطُّعوم - مع سقيها بماءٍ واحدٍ - لا يقدر عليه إلاّ هو وحده، ولذلك رشحه بقوله: {مَّا كَانَ لَكُمْ أَن تُنبِتُواْ شَجَرَهَا}.فإن الإنسان ربما يقول: أنا الذي ألقي البذر في الأرض وأسقيها الماء وأسعى في تشميسها، وفاعل السبب فاعل المسبب، فإذن أنا المنبت للشجرة، فلمّا كان هذا الاحتمال قائماً، لا جرم أزال الله تعالى هذا الاحتمال، فرجع من لفظ الغيبة إلى لفظ المتكلم، والحدائق: جمع حديقةٍ وهي البستان، وقيل القطعة من الأرض ذات الماء. قال الراغب: سُمِّيَتْ بذلك تشبيهاً بحَدقةِ العين في الهيئة وحصول الماء فيه. وقال غيره: سُمِّيت بذلك لإحداق الجدران بها. وليس بشيء، لأنها يطلق عليها ذلك م عدم الجدران ووقف القراء على "ذَات" من "ذَاتِ بَهْجَة" بتاء مجهورة، والكسائي بها، لأنها تاء تأنيث. وقيل: "ذات"، لأنه بمعنى جماعة حدائق ذات بهجة كما تقول: النساء ذهبت، و "البهجة": الحسن، لأن حسّ الناظر يبتهج به. وقرأ ابن أبي عبلة: "ذَوَاتِ بَهَجَةٍ" بالجمع، وفتح هاء "بَهَجَةٍ". قوله: {مَّا كَانَ لَكُمْ أَن تُنبِتُواْ}، "أَنْ تُنْبِتُوا" اسم كان و "لَكُمْ" خبر مقدم، والجملة المنفية يجوز أن تكون صفة لـ "حدائق"، وأن تكون حالاً، لتخصصها بالصفة. قوله: {أَإِلَـٰهٌ مَّعَ ٱللَّهِ} استفهام بمعنى الإنكار، هل معبود سواه أعانه على صنعه، بل ليس معه إله، وقرىء: أإلهاً مَعَ اللَّهِ، أي: تدعون أو تشركون، {بَلْ هُمْ قَوْمٌ}: يعني كفار مكة، يَعْدِلُون: يشركون، أي: يعدلون بالله سواه، وقيل يعدلون عن هذا الحق الظاهر، ونظير هذه الآية أول سورة الأنعام.
البقاعي
تفسير : ولما تم بهذه القصص استنتاج ما أراد سبحانه من الدليل على حكمته وعلمه ومباينته للأصنام في قدرته وحلمه، أمر نبيه صلى الله عليه السلام بأن يحمده شكراً على ما علم ويقررهم بعجز أصنامهم رداً لهم عن الجهل بأوضح طريق وأقرب متناول فقال: {قل} ما أنتجه ما تقدم في هذه السورة، وهو {الحمد} أي الإحاطة بأوصاف الكمال {لله} أي مختص بالمستجمع للأسماء الحسنى، والصفات العلى عند الإعدام كما كان عند الإيجاد {وسلام} أي سلامة وعافية وبقاء في هذا الحين وكل حين، كما كان قبل هذا في غابر السنين، وأشار بأنه لا وصول للعطب إليهم بأداة الاستعلاء في قوله: {على} وأشار إلى شرفهم بقوله: {عباده} بإضافتهم إليه؛ وأكد ذلك بقوله: {الذين اصطفى} أي في كل عصر وحين كما أن الحمد لمعبودهم أزلاً وأبداً لا بذين، وعطب وغضب على من عصى، وخالف الرسل وأبى كما ترى في أصحاب هذه الأنباء، والمعنى أن هذا الحكم المستمر بنجاة الرسل وأتباعهم، وهلاك الكافرين وأشياعهم، دليل قطعي على أن الإحاطة لله في كل أمر؛ قال أبو حيان: وكان هذا صدر خطبة لما يلقى من البراهين الدالة على الوحدانية والعلم والقدرة، ومما يتنبه له أنه لم يرد في قصة لوط عليه السلام أكثر من نهيه لهم عن هذه الفاحشة، فلا يخلو حالهم من أمرين: إما أنهم كانوا لا يشركون بالله تعالى شيئاً، ولكنهم لما ابتكروا هذه المعضلة وجاهروا بها مصرين عليها، أخذوا بالعذاب لذلك ولكفرهم بتكذيبهم رسولهم، كما صرحت به آية الشعراء، وإما أنهم كانوا مشركين، ولكنه عليه السلام لما رآهم قد سفلوا إلى رتبة البهيمية، رتب داعاءهم منها إلى رتبة الإنسانية، ثم إلى رتبة الوحدانية، ويدل على هذا التقدير الثاني قوله مشيراً إلى أن الله تعالى أهلكهم وجميع من كفر من قبلهم، ولم تغن عنهم معبوداتهم شيئاً، بقوله: {الله} أي الذي له الجلال والإكرام {خير} أي لعباده الذين اصطفاهم فأنجاهم {أما يشركون*} يا معاشر العرب من الأصنام وغيرها لعباديها ومحبيها فإنهم لا يغنون عنكم شيئاً كما لم يغنوا عمن عبدهم من هؤلاء الذين أهلكناهم شيئاً، ولا تفزعون عند شدائدهم إلا إلى الله وحده، هذا على على قراءة الخطاب للجماعة، والتقدير على قراءة الغيب للبصريين وعاصم: أما يشرك الكفار عامة قديماً وحديثاً لمن أشركوا بهم، فلم يقدروا على نفعهم عند إحلال البأس بهم، وأفعل التفضيل لإلزام الخصم والتنبيه على ظهور خطائه المفرط، وجهله المورط إلى حد لا يحتاج فيه إلى كشف لأعلى بابها. ولما كان مع هذا البيان من الأمر الواضح أن التقدير زيادة في توبيخ المشركين وتقرير المنكرين: من فعل هذه الأفعال البالغة في الحكمة المتناهية في العلم أم من سميتموه إلهاً، ولا اثر له أصلاً، عاد له بقوله: {أمَّن} وكان الأصل: أم هو، ولكنه عبر باسم موصول أصل وضعه لذي العلم، ووصله بما لا يصح أن يكون لغيره ليكون كالدعوى المقرونة بالدليل فقال: {خلق السماوات والأرض} تنبيهاً بالقدرة على بدء الخلق على القدرة على إعادته، بل من باب الأولى، دلالة على الإيمان بالآخرة تخلقاً بأخلاق المؤمنين الذين مضى أول السورة أن هذا القرآن المبين بشرى لهم. ولما كان الإنبات. من أدل الآيات، على إحياء الأموات، قال: {وأنزل} وزاد في تقريعهم وتبكيتهم وتوبيخهم بقوله: {لكم} أي لأجلكم خاصة وأنتم تكفرون به وتنسبون ما تفرد به من ذلك لغيره: {من السماء ماء} هو للارض كالماء الدافق للأرحام كالماء الذي ينزل آخر الدهور على القبور. في وجوده وقدرته واختياره لفعل المتباينات في الطعم واللون والريح والطبع والشكل بماء واحد في أرض واحدة واختصاصه بفعل ذلك من غير مشاركة شيء له شيء منه أصلاً، وهو آيته العظمى على أمر البعث، عدل إلى التكلم وعلى وجه العظمة فقال: {فأنبتنا} أي بما لنا من العظمة {به حدائق} أي بساتين محدقة - أي محيطة - بها أشجارها وجدرانها، والظاهر أن المراد كل ما كان هكذا، فإنه في قوة أن يدار عليه الجدار وإن لم يكن له جدار، وعن الفراء أن البستان إن لم يكن عليه حائط فليس بحديقة. ولما كان الأولى بجمع الكثرة لما لا يعقل الوصف بالمفرد قال مفيداً أنها كالشيء الواحد في ذلك الوصف: {ذات بهجة} أي بهاء وحسن ورونق، وبشر بها وسرور على تقارب أصولها مع اختلاف أنواعها، وتباين طعومها وأشكالها، ومقاديرها وألوانها. ولما أثبت الإنبات له، نفاه عن غيره على وجه التأكيد تنبيهاً على تأكد اختصاصه بفعله، وعلى أنه إن أسند إلى غيره فهو مجاز عن التسبب وأن الحقيقة ليست إلا له فقال: {ما كان} أي ما صح وما تصور بوجه من الوجوه {لكم} وأنتم أحياء فضلاً عن شركائكم الذين هم أموات بل موات {أن تنبتوا شجرها} أي شجر تلك الحدائق. ولما ثبت أنه المتفرد بالألوهية، حسن موقع الإنكار والتقرير في قوله: {أإله} أي كائن {مع الله} أي الملك الأعلى الذي لا مثل له. ولما كان الجواب عند كل عاقل: لا وعزته! قال معرضاً عنهم للإيذان بالغضب: {بل هم } أي في دعائهم معه سبحانه شريكاً {قوم يعدلون*} أي عن الحق الذي لا مرية فيه إلى غيره، مع العلم بالحق، فيعدلون بالله غيره. ولما فرغ من آية اشترك فيها الخافقان، ذكر ما تتفرد به الأرض، لأنها اقرب إليهم وهم بحقيقتها وما لابسوه من أحوالها أعلم منهم بالأمور السماوية، تعديداً للبراهين الدالة على تفرده بالفعل الدال على تفرده بالإلهية، فقال مبدلاً من {أمَّن خلق}: {أمَّن} أي أم فعل ذلك الذي {جعل الأرض قراراً} أي مستقرة في نفسها ليقر عليها غيرها، وكان القياس يقتضي أن تكون هاوية أو مضطربة كما يضطرب ما هو معلق في الهواء. ولما ذكر قرارها، أتبعه دليله في معرض الامتنان فقال: {وجعل خلالها} أي في الأماكن المنفرجة بين جبالها {أنهاراً} أي جارية على حالة واحدة، فلو اضطربت الأرض أدنى اضطراب، لتغيرت مجاري المياه بلا ارتياب. ولما ذكر الدليل، ذكر سبب القرار فقال: {وجعل لها رواسي} أي كمراسي السفن، كانت أسباباً في ثباتها على ميزان دبره سبحانه في مواضع من أرجائها بحيث اعتدلت جميع جوانبها فامتنعت من الاضطراب. ولما أثبت القرار وسببه، وكان قد جعل سبحانه للأنهار طرقاً تتصرف فيها ولو حبسها عن الجري شيء لأوشك أن تستبحر، فيصير أكثر الأرض لا ينتفع به في سير ولا نبات، أو أن تخرق ذلك الحابس بما لها من قوة الجري وشدة النفوذ بلطافة السريان، لأن من عادة المياه التخلل بين أطباق التراب والتغلغل بما لها من اللطافة والرقة، والثقل في الأعماق ولو قليلاً قليلاً، وكان سبحانه قد سد ما بين البحرين: الرومي والفارسي، وكان ما بينهما من الأرض إنما هو يسير جداً في بعض المواضع، وكان بعض مياه الأرض عذباً، وبعضه ملحاً، مع القرب جداً من ذلك العذب، سألهم - تنبيهاً لهم على عظيم القدرة - عن الممسك لعدوان أحدهما على آخر، ولعدوان كل من خليجي الملح على ما بينهما لئلا يخرقاه فيتصلا فقال: {وجعل بين البحرين حاجزاً} أي يمنع أحدهما أن يصل إلى الآخر. ولما كان من المعلوم أنه الله وحده. ليس عند عاقل شك في ذلك، كرر الإنكار في قوله: {أإله مع الله} أي المحيط علماً وقدرة. ولما كان الجواب الحق قطعاً: لا، وكان قد أثبت لهم في الإضراب الأول علماً من حيث الحكم على المجموع، وكان كل منهم يدعي رجحان العقل، وصفاء الفكر، ورسوخ القدم في العلم بما يدعيه العرب، قال: {بل أكثرهم} أي الخلق الذين ينتفعون بهذه المنافع {لا يعلمون*} أي ليس لهم نوع من العلم، بل هم كالبهائم لإعراضهم عن هذا الدليل الواضح. ولما دلهم بآيات الآفاق، وكانت كلها من أحوال السراء، وكانت بمعرض الغفلة عن الإله، ذكرهم بما في أنفسهم مما يوجبه تغير الأحوال الدالة بمجردها على الإله، ويقتضي لكل عاقل صدق التوجه إليه، وإخلاص النية لديه، والإقبال عليه، على ذلك ركزت الطباع، وانعقد الإجماع، فلم يقع فيه نزاع، فقال: {أمن يجيب المضطر} أي جنس الملجأ إلى ما لا قبل له به، الصادق على القليل والكثير إذا أراد إجابته كما تشاهدون، وعبر فيه وفيما بعده بالمضارع لأنه مما يتجدد، بخلاف ما مضى من خلق السماوات وما بعده {إذا دعاه} أي حين ينسيكم الضر شركاءكم، ويلجئكم إلى من خلقكم ويذهل المعطل عن مذهبه ويغفله عن سوء أدبه عظيمُ إقباله على قضاء أربه. ولما كانت الإجابة ذات شقين، جلب السرور، ودفع الشرور، وكان النظر إلى الثاني أشد، خصه بادئاً به فقال: {ويكشف السوء} ثم أتبعه الأول على وجه أعم، فقال مشيراً إلى عظيم المنة عليهم بجعلهم مسلطين عالين على جميع من في الأرض وما في الأرض مشرفين بخلافته سبحانه، ولذلك أقبل عليهم، {ويجعلكم خلفاء الأرض} أي فيما يخلف بعضكم بعضاً، لا يزال يجدد ذلك بإهلاك قرن وإنشاء آخر إلى قيام الساعة. ولما كان هذا أبين، كرر الإنكار فيه مبكتاً لهم بالنسيان فقال: {أإله} أي كائن أو موجود {مع الله} أي الملك الأعظم الذي لا كفوء له. ثم استأنف التبكيت تفظيعاً له ومواجهاً به في قراءة الجماعة لما يؤذن به كشف هذه الأزمات من القرب المقتضي للخطاب، ولذلك أكد بزيادة "ما" فقال: {قليلاً ما تذكرون*} أي بأن من أنجاكم من ذلك وحده حين أخلصتم له التوجه عند اشتداد الأمر هو المالك لجميع أموركم في الرخاء كما كان مالكاً له في الشدة، وأن الأصنام لا تملك شيئاً بشفاعة ولا غيرها كما لم تملك شيئاً في اعتقادكم عند الأزمات، واشتداد الكربات، في الأمور المهمات، فإن هذا قياس ظاهر، ودليل باهر، ولكن من طبع الإنسان نسيان ما كان فيه من الضير، عند مجيء الخير، ومن قرأ بالتحتانية وهم أبو عمرو وهشام وروح، فللإيذان بالغضب الأليق بالكفران، مع عظيم الإحسان. ولما ذكر آيات الأرض، وختم بالمضطر، وكان المضطر قد لا يهتدي لوجه حيلة، أتبعها آيات السماء ذاكراً ما هو من أعظم صور الاضطرار فقال: {أمَّن يهديكم} أي إذا سافرتم بما رسم لكم من المعالم العلوية والسفلية {في ظلمات البر} أي بالنجوم والجبال والرياح، وهي وإن كانت أضعفها فقد يضطر إليه حيث لا يبدو شيء من ذينك {والبحر} بالنجوم والرياح. ولما كانت الرياح كما كانت من أدلة السير، كان بعضها من أدلة المطر، قال: {ومن يرسل الرياح} أي التي هي من دلائل السير {نشراً} أي تنشر السحاب وتجمعها {بين يدي رحمته} أي التي هي المطر تسمية للمسبب باسم السبب؛ والرياح التي يهتدي بها في المقاصد أربع: الصبا، والدبور، والشمال، والجنوب، وهي أضعف الدلائل؛ قال الإمام أبو هلال الحسن بن عبد الله العسكري في كتاب أسماء الأشياء وصفاتها: الرياح أربع: الشمال، وهي التي تجيء عن يمينك إذا استقبلت قبلة العراق - يعني: وذلك ما بين مطالع الشمس الصيفية وبنات نعش، وهي في الصيف حارة، واسمها البارح، والجنوب تقابلها، والصبا من مطلع الشمس وهي القبول، والدبور تقابلها، ويقال الجنوب: النعامى والأرنب - انتهى. وهذه العبارة أبين العبارات في تعيين هذه الرياح، وقال الإمام أبو العباس أحمد بن أبي أحمد بن القاص الطبري الشافعي في كتابه أدلة القبلة: إن قبلة العراقيين إلى باب الكعبة كله إلى الركن الشامي الذي عند الحجر، وقال: وقد اختلف أهل العلم بهذا الشأن - أي في التعبير عن مواطن الرياح - اختلافاً متبايناً، وأقرب ذلك - على ما جربته وتعاهدته بمكة - أن الصبا تهب ما بين مطالع الشمس في الشتاء إلى مطلع سهيل، وسهيل يمان مسقطه في رأي العين على ظهر الكعبة إذا ارتفع، وقال صاحب القاموس: والصبا ريح مهبها من مطلع الثريا إلى بنات نعش، وقال: والقبول كصبور: ريح الصبا، لأنها تقابل الدبور، أو لأنها تقابل باب الكعبة، أو لأن النفس تقلبها. وقال الإمام أبو عبد الله القزاز: الصبا: الريح التي تهب من مطلع الشمس، والقبول: الريح التي تهب من مطلع الشمس، وذلك لأنها تستقبل الدبور، وقيل: لأنها تستقبل باب الكعبة وهي الصبا، فقد اتفقت أقولهم كما ترى على خلاف ابن القاص، وقال ابن القاص: وهي - أي الصبا - ريح معها روح وخفة، ونسيم تهب مما بين مشرق الشتاء ومطلع سهيل، ولها برد يقرص أشد من هبوبها، وتلقح الأشجار، ولا تهب إلا بليل، سلطانها إذا أظلم الليل، إلى أن يسفر النهار وتطلع الشمس، وأشد ما يكون في وقت الأسحار وما بين الفجرين، والجنوب تهب ما بين مطلع سهيل إلى مغارب الشمس في الصيف. وقال في القاموس: والجنوب: ريح تخالف الشمال، مهبها من مطلع سهيل إلى مطلع الثريا، وعن ابن هشام اللخمي أن الجنوب هي الريح القبلية. وفي الجمع بين العباب والمحكم: والجنوب ريح تخالف الشمال تأتي عن يمين القبلة، وقيل: هي من الرياح ما استقبلك عن شمالك إذا وقفت في القبلة، قال ابن الأعرابي: ومهب الجنوب من مطلع سهيل إلى مطلع الثريا، وقال الأصمعي: إذا جاءت الجنوب جاء معها خير وتلقيح، وإذا جاءت الشمال نشفت، ويقال للمتصافيين: ريحهما جنوب، وإذا تفرقا قيل: شملت ريحهما، وعن ابن الأعرابي: الجنوب في كل موضع حارة إلا بنجد فإنها باردة؛ وقال ابن القاص: وإذا هبت فقوتها في العلو والهواء أكثر لأنها موكلة بالسحاب، وتحرك الأغصان ورؤوس الأشجار، ومع ذلك فتراها تؤلف الغيم في السماء، فتراه متراكماً مشحوناً، قال: وسمعت من يقول: ما اشتد هبوبها إلا خيف المطر، ولا هبت جنوب قط ثم يتبعها دبور إلا وقع مطر، وهي تهيج البحر وتظهر بكل ندى كامل في الأرض، وهي من ريح الجنة. والدبور - قال في القاموس: ريح تقابل الصبا، وقال القزاز: هي التي تأتي من دبر الكعبة وهي التي تقابل مطلع الشمس، وقال ابن القاص: تهب ما بين مغارب الشمس في الصيف إلى مطلع بنات نعش، وقوتها في الأرض أشد من قوتها في الهواء، وهي إذا هبت تثير الغبار. وتكسح الأرض. وترفع الذيول، وتضرب الأقدام، وأشد ما تثير الغبار إذا تنكبت، تراها كأنها تعلب بالتراب على وجه الأرض، وترى الأشجار في البوادي والرمال لها دوي من ناحية الدبور، وقد اجتمع في أصلها التراب وما يلي الجنوب عارياً مكشوفاً متحفزاً وقوتها في الأرض - والله أعلم، لأن عاداً أو عدت بالتدمير بالرياح، فحفرت الآبار واستكنت فيها، فبعث الله الدبور فدخلت الآبار وقذفتهم متدمرين حتى أهلكتهم. والشمال - قال في القاموس: الريح التي تهب من قبل الحجر، والصحيح أنه ما مهبه ما بين مطله الشمس وبنات نعش، أو من مطلع النعش إلى مسقط النسر الطائر، ولا تكاد تهب ليلاً. وقال القزاز: هي الريح التي تأتي عن شمالك إذا استقبلت مطلع الشمس، والعرب تقول: إن الجنوب قالت للشمال: إن لي عليك فضلاً، أنا أسري وأنت لا تسرين، فقالت الشمال: إن الحرة لا تسرين، وقال الصغاني في مجمع البحرين: والشمال: الريح التي تهب من ناحية القطب، وعن أبي حنيفة: هي التي تهب من جهة القطب الشمالي وهي الجربياء وهي الشامية لأنها تأتيهم من شق الشام، وفي الجمع بين العباب والمحكم، والبوارح: شدة الرياح من الشمال في الصيف دون الشتاء كأنه جمع بارحة، وقيل: البوارح: الرياح الشدائد التي تحمل التراب، واحدتها بارح، والجربياء: الريح التي بين الجنوب والصبا، وقيل: هي النكباء التي تجري بين الشمال والدبور، وهي ريح تقشع السحاب، وقيل هي الشمال، وجربياؤها بردها - قاله الأصمعي، وقال الليث: هي الشمال الباردة، وقال ابن القاص: والشمال تهب ما بين مطلع بنات نعش إلى مطلع الشمس في الشتاء، وهي تقطع الغيم وتمحوها، ولذلك سميت الشمال المحوة، قال: وهذا بأرض الحجاز، وأما أرض العراق والمشرق فربما ساق الجنوب غيماً واستداره ولم يحلبه حتى تهب الشمال فتحلبه، والجنوب والشمال متماثلتان، لأنهما موكلتان بالسحاب، فالجنوب تطردها وهي مشحونة، والشمال تردها وتمحوها إذا أفرغت، قال أبو عبيدة: الشمال عند العرب للروح، والجنوب للأمطار والندى، والدبور للبلاء، وأهونه أن يكون غباراً عاصفاً يقذي العيون، والصبا لإلقاح الشجر، وكل ريح من هذه الرياح انحرفت فوقعت بين ريحين فهي نكباء، وسميت لعدولها عن مهب الأربع اللواتي وصفن قبل - انتهى. وقال المسعودي في مروج الذهب في ذكر البوادي من الناس وسبب اختيار البدو: إن شخصاً من خطباء العرب وفد على كسرى فسأله عن أشياء منها الرياح فقال: ما بين سهيل إلى طرف بياض الفجر جنوب، وما بإزائهما مما يستقبلهما من المغرب شمال، وما جاء من وراء الكعبة فهي دبور، وما جاء من قبل ذلك فهي صبا، ونقل ابن كثير في سورة النور عن ابن أبي حاتم وابن جرير عن عبيد بن عمير الليثي أنه قال: يبعث الله المثيرة فتقم الأرض قماً، ثم يبعث الله الناشئة فتنشىء السحاب، ثم يبعث الله المؤلفة فتؤلف بينه، ثم يبعث الله اللواقح فتلقح السحاب. ولما انكشف بما مضى من الآيات. ما كانوا في ظلامه من واهي الشبهات، واتضحت الأدلة، ولم تبق لأحد في شيء من ذلك علة. كرر سبحانه الإنكار في قوله: {أإله مع الله} أي الذي كمل علمه فشملت قدرته. ولما ذكر حالة الاضطرار، وأتبعها من صورها ما منه ظلمة البحر، وكانوا في البحر يخلصون له سبحانه ويتركون شركاءهم، نبههم على أن ذلك موجب لاعتقاد كون الإخلاص له واجباً دائماً، فأتبعه قوله على سبيل الاستعظام، معرضاً عنهم بإجماع العشرة إعراض من بلغ به الغضب: {تعالى الله} أي الفاعل القادر المختار الذي لا كفوء له {عما يشركون}، أي فإن شيئاً منها لا يقدر على شيء من ذلك، وأين رتبة العجز من رتبة القدرة. ولما رتب سبحانه هذه الأدلة على هذا الوجه ترقياً من أعم إلى أخص، ومن أرض إلى سماء، ختمها بما يعمها وغيرها، إرشاداً إلى قياس ما غاب منها على ما شوهد، فلزم من ذلك قطعاً القدرة على الإعادة، فساقها لذلك سياق المشاهد المسلم، وعد من أنكره في عداد من لا يلتفت إليه فقال: {أمن يبدأ الخلق} أي كله: ما علمتم منه وما لم تعلموا، ثم بيده لأن كل شيء هالك إلا وجهه، له هذا الوصف باعترافكم يتجدد أبداً تعلقه. ولما كان من اللازم البين لهم الإقرار بالإعادة لاعترافهم بأن كل من أبدى شيئاً قادر على إعادته، لأن الإعادة أهون، قال: {ثم يعيده} أي بعد ما يبيده. ولما كان الإمطار والإنبات من أدل ما يكون على الإعادة، قال مشيراً إليهما على وجه عم جميع ما مضى: {ومن يرزقكم من السماء} أي بالمطر والحر والبرد وغيرهما مما له سبب في التكوين أو التلوين {والأرض} أي بالنبات والمعادن والحيوان وغيرهما مما لا يعلمه إلا الله، وعر عنهما بالرزق لأن به تمام النعمة {أإله مع الله} أي الذي له صفات الجلال والإكرام، كائن، أو يفعل شيئاً من ذلك. ولما كانت هذه كلها براهين ساطعة، ودلائل قاطعة، وأنواراً لامعة، وحججاً باهرة، وبينات ظاهرة، وسلاطين قاهرة، على التوحيد المستلزم للقدرة على البعث وغيره من كل ممكن، أمره صلى الله عليه وسلم إعراضاً عنهم، إيذاناً بالغضب في آخرها بأمرهم بالإتيان ببرهان واحد على صحة معتقدهم فقال: {قل} أي هؤلاء المدعين للعقول {هاتوا برهانكم} أي على نفي شيء من ذلك عن الله تعالى، أو على إثبات شيء منه لغيره، لتثبت دعوى الشركة في الخلق فتسمع دعوى الشركة في الألوهية، وليكن إتيانكم بذلك ناجزاً من غير مهلة، لأن من يدعي العقل لا يقدر على شيء إلا ببرهان حاضر {إن كنتم صادقين*} أي في أنكم على حق في أن مع الله غيره. وأضاف البرهان إليهم إضافة ما كأنه عنيد، لا كلام في وجوده وتحققه، وإنما المراد الإتيان به كل ذلك تهكماً بهم وتنبيهاً على أنهم أبعدوا في الضلال، وأعرقوا في المحال، حيث رضوا لأنفسهم بتدين لا يصير إليه عاقل إلا بعد تحقق القطع بصحته، ولا شبهة في أنه لا شبهة لهم على شيء منه.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد والبزار وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {وسلام على عباده الذين اصطفى الله} قال: هم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم اصطفاهم الله لنبيه. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن سفيان الثوري في قوله {وسلام على عباده الذين اصطفى} قال: نزلت في أصحاب محمد خاصة. وأخرج عبد بن حميد عن قتادة أنه كان إذا قرأ {آلله خير أما يشركون} قال: بل الله خير وأبقى، وأجل وأكرم.
التستري
تفسير : قوله تعالى: {ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلاَمٌ عَلَىٰ عِبَادِهِ ٱلَّذِينَ ٱصْطَفَىٰ}[59] قال: أهل القرآن يلحقهم من الله السلام في العاجل بقوله: {وَسَلاَمٌ عَلَىٰ عِبَادِهِ}[59] وسلام في الآجل، وهو قوله: {أية : سَلاَمٌ قَوْلاً مِّن رَّبٍّ رَّحِيمٍ}تفسير : [يس:58].
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {قُلِ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلاَمٌ عَلَىٰ عِبَادِهِ ٱلَّذِينَ ٱصْطَفَىٰ} [الآية: 59]. قال سهل: خلق الله تعالى السرَّ، وجعل حياته فى ذكره، وخلق الظاهر وجعل حياته فى حمده وشكره وجعل عليهما الحقوق وهى الطاعات. وقال سهل فى قوله: {سَلاَمٌ عَلَىٰ عِبَادِهِ ٱلَّذِينَ ٱصْطَفَىٰ} قال: هم أهل القرآن يلحقهم من الله السلام فى العاجل بقوله: {سَلاَمٌ عَلَىٰ عِبَادِهِ ٱلَّذِينَ ٱصْطَفَىٰ} وسلام فى الأجل وهو قوله: {أية : سَلاَمٌ قَوْلاً مِّن رَّبٍّ رَّحِيمٍ} تفسير : [يس: 58]. قال الحسن: ما من نعمة إلا والحمد أفضل منها، والحمد النبى عليه السلام، والمحمود الله جل جلاله، والحامد العبد والحميد حاله الذى يوصل بالمزيد. وقال ابن عطاء رحمه الله: فى قوله: {سَلاَمٌ عَلَىٰ عِبَادِهِ} قال: من سلم الله عليه فى الأزل سلم من المكاره فى الأبد. وقال: قرأت هذه الآية بين يدى جعفر بن محمد فبكى ثم قال: سبحان من اصطفاهم لمعرفته، وسلام عليهم قبل المعرفة. قال بعضهم فى قوله: {سَلاَمٌ عَلَىٰ عِبَادِهِ ٱلَّذِينَ ٱصْطَفَىٰ} قال عند دخول الجنة بقول: {أية : سَلاَمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ} تفسير : [الرعد: 24]. وقال الواسطى رحمه الله: لم يجعل الحق وسيلة إلى نفسه غير نعته ولا اختصاصًا غير ذاته بقوله: {سَلاَمٌ عَلَىٰ عِبَادِهِ ٱلَّذِينَ ٱصْطَفَىٰ} فلم يجعل هاهنا اسم نعت، وجعل اسم حقيقة لأن الهاء تخبر عن حقيقة الذات لا غير. وقال: السلام على خبرين: من جهة الرضوان، ودار السلام، والسلام سلَّمهم من شواهدهم، والسلام للأكابر سلمهم بشاهده عن أن يتعلقوا بشواهدهم، ويجعلوها سبب الوسائل إلى السلامة. وقال بعضهم فى قوله: {قُلِ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ} ولم يقل "رب العالمين" قيل: ترك "رب العالمين" ها هنا طاعة، وربما يكون ترك الطاعة فى بعض الأوقات نفس الطاعة وقيل فى قوله: {سَلاَمٌ عَلَىٰ عِبَادِهِ ٱلَّذِينَ ٱصْطَفَىٰ} الذين نوَّرهم بنور الايمان، وقدسهم بضياء التوفيق ودلَّهم منه عليه. قال الواسطى رحمه الله: خص الحق الخلق بخصوصيته حيث أضافهم إلى نفسه بقوله: {سَلاَمٌ عَلَىٰ عِبَادِهِ ٱلَّذِينَ ٱصْطَفَىٰ} فجعل للاسم اسم حقيقة لا اسم نعت أبدًا لهم من فضله قبل أن أظهره عليهم.
القشيري
تفسير : هم الذين سَلَّم عليهم في آزاله وهم في كتم العَدَمِ، وفي متناول علمه ومتعلق قدرته، ولم يكونوا أعياناً في العَدَم ولا أفادوا، فلمَّا أظهرهم في الوجود سَلَّم عليهم بذلك السلام، ويُسْمِعُهم في الآخرة ذلك السلام. والذين سَلَّم عليهم هم الذين سَلِمُوا اليومَ من الشكوك والشُّبَهِ، ومن فنون البِدَعِ، ومن وجوه الألم، ثم من فنون الزَّلَلِ وصنوفِ الخَلَلِ، ثم من الغيبة والحجبة وما ينافي دوام القربة. ويقال اصطفاهم، ثم هداهم، ثم آواهم، وسَلَّم عليهم قبل أَنْ خَلَقَهم وأبداهم، وبعد أن سَلَّم عليهم بودِّه لَقَّاهم. ويقال: اصطفاهم بنورِ اليقين وحُلَّةِ الوَصْلِ وكمالِ العَيْش.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {قُلِ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلاَمٌ عَلَىٰ عِبَادِهِ ٱلَّذِينَ ٱصْطَفَىٰ} اعظم الحمد علم الحامد بعجزه عن حمد الحق فان حمد الحامدين عند حمده مصروف عليهم لانه سابق بحمده فى الازل اظهار الاستغنائه عن حمد الحامدين وقدر وجب الحمد عند كل نعمة واعظم النعمة ذهاب النفس الامارة من قلب العارف لانها اعظم الحجاب بينه وبين الحق واهل هذا الحمد الذين اصطفاهم الله لمشاهدته فى الازل وصاله الى الابد فسلامه عليهم من سوابق نعمة الازلية المقرونة باصطفائيتهم فالسلام والاصطفائية ازليتان وابديتان قال الحسين ما من نعمة الا الحمد افضل منها والحميد النبى صلى الله عليه وسلم والمحمود الله والحامد العبد والحمد حاله الذى يوصل بالمزيد قال ابن عطا من سلم الله عليه فى ازله سلم من المكاره فى ابده قال جعفر بن محمد سبحان من اصطفاهم لمعرفته وسلم عليهم قبل المعرفة وقال الواسطى لم يجعل الحق وسيلة الى نفسه غير نفسه ولا اختصاصا غير ذاته اذ يقول وسلام على عباده الذين اصطفا فلم يجعل ههنا اسم نعت وجعل اسم حقيقة لان الهاء تخبر عن حقيقة الذات لا غير.
اسماعيل حقي
تفسير : {قل الحمد لله} قل يا محمد الحمد لله على جميع نعمه التى من جملتها اهلاك اعداء الانبياء والمرسلين واتباعهم الصديقين فانهم لما كانوا اخوانه عليه السلام كان النعمة عليهم نعمة عليه {وسلام} وسلامة ونجاة {على عباده الذين اصطفى} اى اصطفاهم الله وجعلهم صفوة خليقته فى الازل وهداهم واجتباهم للنبوة والرسالة والولاية فى الابد فهم الانبياء والمرسلون وخواصهم المقربون الذين سلموا من الآفات ونجوا من العقوبات مطلقا. وفيه رمز الى هلاك اعدائه عليه السلام ولو بعد حين واشعار له ولاصحابه بحصول السلام والنجاة من ايديهم وهكذا عادة الله تعالى مع الورثة الكمل واعدائهم فى كل زمان هذا هو اللائح للبال فى هذا المقام وهو المناسب لسوابق الآيات العظام [وكفته اند اهل اسلام آنانندكه دل ايشان سالم است از لوث علائق وسر ايشان خاليست از فكر خلائق امروز سلام بواسطه شنوند فردا سلام بى واسطه خواهند شنيد] {أية : سلام قولا من رب رحيم} شعر : هربنده كه او كشت مشرف بسلامت التبه شود خاص بتشريف سلامت لطفى كان وبنواز دلم را بسلامت زيرا كه سلامت همه لطفست وكرامت تفسير : {آلله} بالمد بمقدار الالفين اصله أ الله على ان الهمزة الاولى استفهام والثانية وصل فمدوا الاولى تخفيفا. والمعنى الله الذى ذكرت شؤنه العظيمة: وبالفارسية [آيا خداى بحق] {خير} انفع لعابديه. وفى كشف الاسرار [بهست خدا را] {اما} ام الذى فام متصلة وما موصولة {يشركون} به من الاصنام اى ام الاصنام انفع لعابديها يعنى الله خير حديث : وكان عليه السلام اذا قرأ هذه الآية قال "بل الله خير وابقى واجل واكرم"تفسير : ، فان قيل لفظ الخير يستعمل فى شيئين فيهما خير ولاحدهما مزية ولا خير فى الاصنام اصلا. قلنا المراد الزام المشركين وتشديد لهم وتهكم بهم او هو على زعم ان فى الاصنام خيرا ثم هذا الاستفهام والاستفهامات الآتية تقرير وتوبيخ لا استرشاد ثم اضرب وانتقل من التثبيت تعريضا الى التصريح به خطابا لمزيد التشديد فقال {ام} منقطعة مقدرة ببل والهمزة {من} موصولة مبتدأ خبره محذوف وكذا فى نظائرها الآتية. والمعنى بل ام من {خلق السموات والارض} التى هى اصول الكائنات ومبادى المنافع خير ام ما يشركون. يعنى ان الخالق للاجرام العلوية والسفلية خير لعابديه او للمعبودية كما هو الظاهر {وانزل لكم} اى لاجل منفعتكم {من السماء ماء} نوعا منه هو المطر ثم عدل عن الغيبة الى التكلم لتأكيد الاختصاص بذاته فقال {فانبتنا به} اى بسبب ذلك الماء {حدائق} بساتين محدقة ومحاطة بالحوائط: وبالفارسية [بوستانها ديوار بست] من الاحداق وهو الاحاطة. وقال فى المفردات الحدائق جمع حديقة وهى قطعة من الارض ذات ماء سميت بها تشبيها بحدقة العين فى الهيئة وحصول الماء فيها وحدقوا به واحدقوا احاطوا به تشبيها بادارة الحدقة انتهى {ذات بهجة} البهجة حسن اللون وظهور السرور فيه اى صاحبة حسن ورونق يبتهج به النظار وكل موضع ذى اشجار مثمرة محاط عليه فهو حديقة وكل مايسر منظره فهو بهجة {ماكان لكم} اى ماصح لكم وما امكن {ان تنبتوا شجرها} شجر الحدائق فضلا عن ثمرها {أاله} آخر كائن {مع الله} الذى ذكر بعض افعاله التى لايكاد يقدر عليها غيره حتى يتوهم جعله شريكا له فى العبادة: وبالفارسية [آياهست خداى يعنى نيست معبودى باخداى بحق] {بل هم} بلكه مشركان {قوم يعدلون} قوم عادتهم العدول والميل عن الحق الذى هو التوحيد والعكوف على الباطل الذى هو الاشراك او يعدلون يجعلون له عديلا ويثبتون له نظيرا. قال فى المفردات قوله بل هم قوم يعدلون يصح ان يكون من قولهم عدل عن الحق اذا جار عدولا انتهى فهم جاروا وظلموا بوضع الكفر موضع الايمان والشرك محل التوحيد وهو اضراب وانتقل من تبكيتهم بطريق الخطاب الى بيان سوء حالهم وحكاية لغيرهم ثم اضرب وانتقل الى التبكيت بوجه آخر ادخل فى الالزام فقال {ام} منقطعة {من} موصولة كما سبق {جعل الارض قرارا} يقال قر فى مكانه يقر قرارا اذا ثبت ثبوتا جامدا واصله القر وهو البرد لاجل ان البرد يقتضى السكون والحر يقتضى الحركة والمراد بالقرار هنا المستقر. والمعنى بل ام من جعلها بحيث يستقر عليها الانسان والدواب باظهار بعضها من الماء بالارتفاع وتسويتها حسبما يدور عليه منافعهم خير من الذى يشركون به من الاصنام وذكر بعض الآيات بلفظ الماضى لان بعض افعاله تقدم وحصل مفروغا منه وبعضها يفعلها حالا بعد حال {وجعل خلالها} جمع خلل وهى الفرجة بين الشيئين نحو خلل الدار وخلل السحاب ونحوهما اوساطها: وبالفارسية [وبيداكرد درميا نهاى زمين] {انهارا} جارية ينتفعون بها هو المفعول الاول للجعل قدم عليه الثانى لكونه ظرفا وعلى هذا المفاعيل للفعلين الآتيين {وجعل لها رواسى} يقال رسا الشىء يرسو ثبت. قال فى كشف الاسرار الرواسى جمع الجمع يقال جبل راس وجبال راسية ثم تجمع الراسية على الرواسى اى جبالا ثوابت تمنعها ان تميل باهلها وتضطرب ويتكون فيها المعادن وينبع فى حضيضها الينابيع ويتعلق بها من المصالح مالا يخفى. قال بعضهم جعل نفوس المعابدين قرار طاعتهم وقلوب العارفين قرار معرفتهم وارواح الواجدين قرار محبتهم واسرار الموحدين قرار مشاهدتهم وفى اسرارهم انهار الوصلة عيون القربة بها يسكن ظمأ اشتياقهم وهيجان احتراقهم وجعل لها رواسى من الخوف والرجاء والرغبة والرهبة وايضا جعل للارض رواسى من الابدال والاولياء والاوتاد بهم يديم امساك الارض وببركتهم يدفع البلاء عن الخلق وكمالا تختص الرواسى الظاهرة بديار الاسلام كذلك الرواسى الباطنة لاتختص بها بل تعمها وديار الكفرة فان الوجود مطلقا لابد له من سبب البقاء فسبحان المفيض على الاولياء والاعداء {وجعل بين البحرين} اى العذب والمالح او خليجى فارس والروم {حاجزا} برزخا مانعا من الممازجة والمخالطة كما مر فى سورة الفرقان. قال فى المفردات الحجز المنع بين الشيئين بفاصل بينهما وسمى الحجاز بذلك لكونه حاجزا بين الشام والبادية {أاله} آخر كائن {مع الله} فى الوجود او فى ابداع هذه البدائع: يعنى ليس معه غيره {بل اكثرهم لايعلمون} اى شيئا من الاشياء ولذلك لايفهمون بطلان ماهم عليه من الشرك مع كمال ظهوره
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جل جلاله: لنبيه - عليه الصلاة والسلام-: {قل الحمدُ لله} على ما أنعم به عليك من فنون النعم، ومن جملتها: اطلاعك على أسرار علم غيوبه، {وسلامٌ على عباده الذين اصطفى} لرسالته. وقال ابن عباس وسفيان: هم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، اصطفاهم بصحبته - عليه الصلاة والسلام - وقال الكلبي: هم أمة محمد صلى الله عليه وسلم، اصطفاهم الله لمعرفته وطاعته. ثم قل لهم إلزاماً للحجة: {الله خير أما تشركون} أي: آلله الذي ذكرت شؤونه العظيمة خير، أم ما تشركونه معه تعالى من الأصنام؟ ومرجع الترديد إلى التعرض بتبكيت الكفرة، وتسفيه آرائهم الركيكة، والتهكم بهم، إذ من البيِّن أن ليس فيما أشركوه به تعالى شائبة خير، حتى يمكن أن يوازن بينه وبين من لا خير إلا خيره، ولا إله غيره. وكان عليه الصلاة والسلام إذا قرأها قال: "حديث : بلِ الله خيْرٌ، وأَبْقَى، وأجلُّ، وأكْرَم ". تفسير : ثم عدَّد سبحانه الخيرات والمنافع، الدالة على انفراده بالخيرية، فقال: {أمّن خَلَق السماواتِ والأرضَ}، "أم" هنا: منقطعة، بخلاف {أمَّا تشكرون} أي: بل أمّن خلق العالم العلوي والسفلي، وأفاض من كل واحد ما يليق به من الخيرات، خير، أم جماد لا يقدر على شيء؟ فمن: مبتدأ، وخبرها: محذوف مع "أم" المعادلة للهمزة، كما قررنا. {وأنزل لكم من السماء ماءً}. مطراً {فأنبتنا}، التفت من الغيبة إلى التكلم؛ تأكيداً لمعنى اختصاص الفعل به تعالى، وإيذاناً بأن إنبات الحدائق المختلفة الأصناف والألوان، والطعوم والأشكال، مع بهجتها، بماء واحد، لا يقدر عليه غيره، أي: فأخرجنا {به حدائقَ}: بساتين، فالحديقة: بستان عليه حائط، من: الإحداق، وهو الإحاطة، {ذاتَ بهجةٍ} أي: ذات حُسن ورونق، تبتهج به النظار، ولم يقل: ذوات: لأن المعنى: جماعة حدائق، كما تقول: النساء ذهبت. {ما كان لكم}؛ ما صح وما أمكن لكم {أن تُنبتوا شجرها} فضلاً عن ثِمارها وسائر صفاتها البديعة المبهجة، {أَإِلهٌ مع الله}؟ أي: أإله كائن مع الله، الذي ذكرت أفعاله، التي لا يقدر عليها غيره، حتى يُتوهم جعله شريكاً له تعالى في العبادة؟ أو: أإله مع الله يفعل ذلك؟ {بل هم قوم يَعْدِلون}: بل هم قوم عادتهم العدول عن طريق الحق بالكلية، والانحراف عن الاستقامة في كل أمر من الأمور، فلذلك يفعلون ما يفعلون من الإشراك والجرائم، أو: يعدلون به غيره فيُشركونه معه. والله تعالى أعلم. الإشارة: قل الحمد لله، الذي كشف الحجب عن قلوب أوليائه، وسلام على عباده الذين اصطفاهم لحضرته، آلله خير، أي: أشهود الله وحده في الوجود خير، أم شهود الغير معه؟، فتشركون في توحيدكم. أمن خلق سموات أرواحكم، وهيأها لشهود الربوبية، وخلق أرض نفوسكم، وهيأها لآداب العبودية، وأنزل لكم من سماء الغيوب ماء الواردات الإلهية، فأنبتنا به في قلوب العارفين بساتين المعرفة، ذات بهجة ونزهة؟ ما كان لكم، وفي طوقكم، أن تُنبتوا في قلوبكم شجر المعرفة، ولا ثمار المحبة، أإله مع الله يمنّ عليكم بذلك؟. بل هم قوم يعدلون عن طريق الوصول إلى هذه البساتين البهية؛ لأنها محفوفة بالمكاره النفسية، لا يقدر على سلوكها إلا الشجعان، أهل الهمم العلية. وبالله التوفيق. ثم ذكر نوعاً آخر من دلائل توحيده، فقال: {أَمَّن جَعَلَ ٱلأَرْضَ قَرَاراً...}
الأعقم
تفسير : {قل الحمد لله} على هلاك الأمم، وقيل: على ما علمك من هذه الأمور، وقيل: على نعمته دنيا وديناً {وسلام على عباده الذين اصطفى} أي اختار وهم الأنبياء اصطفاهم للرسالة، وقيل: الأنبياء والمؤمنين {آلله خير أمَّا يشركون} يعني هو خير في أن يعبد أم الأصنام وهو الإِله الذي ينفع ويضر خير من عبادة حجر لا ينفع ولا يضر، وروي أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يقول عند قراءتها: "حديث : بل الله خير وأبقى وأجلّ وأكرم" تفسير : {أمّن خلق السماوات والأرض} خير تقديراً لهم بأن من قدر على خلق العالم خير من جماد لا يقدر على شيء {وأنزل لكم من السماء ماءا فأنبتنا به حدائق ذات بهجة} أي أنبتنا بالمطر الأشجار ذات بهجة، أي ذات حسن {ما كان لكم أن تنبتوا شجرها} ما ها هنا للنفي، أي لا تقدرون على إنبات الأشجار {أإله مع الله} أي معبود معه يخلق مثل خلقه ويعينه، هذا استفهام والمراد الانكار، أي ليس معه إله يفعل هذا {بل هم قوم يعدلون} من الحق إلى الشرك، وقيل: يعدلون بالله غيره لجهلهم، يعني يثبتون من قولهم عدل يعدل عدلاً إذا ساوى بين الشيئين {أمن جعل الأرض قراراً} أي مكاناً تستوون {وجعل خلالها} أي وسطها {أنهاراً} تجري من تحتها المياه {وجعل لها رواسي} أي جبالاً ثوابت أي تميد بكم {وجعل بين البحرين حاجزاً} أي بين العذب والمالح مانعاً كيلا يختلط {أإله مع الله} أي معبود سواه يقدر على ذلك {بل أكثرهم لا يعلمون} الحق، لأنهم لم يتفكروا أمن يجيب المضطر إلى كذا والمضطر الذي أحوجه مرض أو فقر أو نازلة من نوازل الدهر إلى اللجوء والتضرع إلى الله، وعن ابن عباس: هو المجهود، وعن السدي: هو الذي لا حول له ولا قوة، وقيل: المذنب الذي يستغفره، قال جار الله: فإن قلت: قد جمع المضطرين بقوله: {أمّن يجيب المضطر إذا دعاه} لكم من مضطر يدعو فلا يجاب؟ قلتُ: الإِجابة موقوفة على أن يكون المدعو به مصلحة {ويكشف السوء} أي المغر والضيق {ويجعلكم خلفاء الأرض} خلفاء وذلك يورثهم سكناها والتصرف فيها قرن بعد قرن أو أراد بالخلافة الملك والتسليط {أإله مع الله} أي معبود سواه يقدر على ذلك {قليلاً ما تذكرون} تذكراً قليلاً، والمعنى كفى التذكر والقلة تستعمل في معنى النفي {أمّن يهديكم في ظلمات البر والبحر} بالنجوم في السماء والعلامات في الأرض إذا جنّ الليل عليكم مسافرين في البر والبحر {ومن يرسل الرياح بشراً بين يدي رحمته} أمام المطر {أإله مع الله} يقدر أن يفعل ذلك {تعالى الله عما يشركون} أي جلّ عن الشرك عما يزعمه المشركون ويصفوه {أمّن يبدؤ الخلق} أي يحدثهم من العدم ابتداء ثم يعيدهم بعد الفناء للجزاء، يعني أنه المختص بالقدرة على ابتداء الأجسام وإعادتها فكان هو الله المعبود حقاً {ومن يرزقكم من السماء والأرض} من السماء المطر ومن الأرض النبات {أإله مع الله} أي أإله سواه يفعل ذلك؟ {قل} يا محمد {هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين} {قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله} نزلت في اليهود حتى سألوا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عن الساعة والغيب ما غاب عن الحواس ولا دليل عليه عقلاً وسمعاً، وقيل: هو ما لم يعلم ضرورة {وما يشعرون} يعني ما يعلمون متى يبعثون، قوله تعالى: {بل ادّارك} قرأ ابن كثير وأبو عمرو بل ادّارك بقطع الألف وسكون اللام، وقرأ نافع وحمزة بكسر اللام موصولة الألف {بل ادّارك علمهم في الآخرة}، قيل: علموا ذلك لما عاينوا حين لا ينفعهم مع شكهم في الدنيا ولو لم يعلموا في الدنيا يعلمون في الآخرة ضرورة، وقيل: بل غاب وضلّ عليهم في الآخرة فليسَ لهم بها علم بل هم في شك منها، قيل: معناه هلاَّ أدرك علمهم في الآخرة أم هم في شك من القيامة {بل هم منها عَمُون} حيث تركوا آية التدبر والنظر {وقال الذين كفروا}، قيل مشركو مكة {أءذا كنا تراباً} بعد الموت {وآباؤنا أئنا لمخرجون} {لقد وعدنا هذا} البعث {نحن وآباؤنا من قبل} محمد {إن هذا إلا أساطير الأولين} أحاديثهم وأكاذيبهم.
الهواري
تفسير : قوله: {قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلاَمٌ عَلَى عِبَادِهِ الذِينَ اصْطَفَى} أي: الذين اختار، يعني الأنبياء والمؤمنين. قوله: {ءَآللهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ} على الاستفهام، أي: إن الله خير من أوثانهم التي يعبدون من دون الله. قوله: {أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُم مِّنَ السَّمَآءِ مَآءً فَأَنبَتْنَا بِهِ} أي: بذلك الماء {حَدَآئِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ} أي: ذات حسن، أي: حسنة. قال الحسن: الحدائق: النخل. وقال الكلبي: الحديقة: الحائط من الشجر والنخل. {مَّا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنبِتُوا شَجَرَهَآ} أي: إن الله أنبتها. يقول: أم من خلق هذا خير، وهو تبع للكلام، لقوله: {ءَآللهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ}. وهو على الاستفهام. يقول: أم من خلق هذا أم أوثانهم. أي: إن الله خير منهم. قال: {أَءِلهٌ مَّعَ اللهِ} أي: ليس معه إله. وهذا استفهام على إنكار. {بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ} أي: يعدلون بالله، فيعبدون الأوثان من دونه، يعدلونهم بالله. قوله: {أَمَّن جَعَلَ الأَرْضَ قَرَاراً وَجَعَلَ خِلاَلَهَآ أَنْهَاراً وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ} أي: الجبال {وَجَعَلَ بَيْنَ البَحْرَيْنِ حَاجِزاً} أي: لا يبغي أحدهما على الآخر، لا يبغي المالح على العذب، ولا العذب على المالح. وقال بعضهم: وجعل بينهما برزخاً أي: حاجزاً من الأرض، أي: بين البحرين المالحين: بحر فارس والروم. وقال مجاهد: حاجزاً لا يرى. وقال الكلبي: البرزخ: [الحَلْق] الذي بينهما. يعني بحر فارس والروم. وقال الحسن يقول: أم من خلق هذا خير أم أوثانهم. وهذا تبع لقوله: {ءَآللهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ}. وهو على الاستفهام، أي: إن الله خير من أوثانهم. قال: {أَءِلهٌ مَّعَ اللهِ} أي: ليس معه إله {بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ}.
اطفيش
تفسير : {قُلِ} يا محمد. {الحَمْدُ للهِ} على هلاك كفار الأمم الخالية. {وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَىَ} عطف على جملة الحمد لله فيكون مأمورا بقوله أمر رسوله صلى الله عليه وسلم بعد ما قص عليه القصص الدالة على وحدانيته وكمال قدرته وعظم شأنه وعلى ما خص به رسله من الآيات الكبرى والانتصار من العدى بحمده وبالسلام على من اصطفاه من عباده من الأنبياء والرسل والمؤمنين شكرا على ما أنعم وعلمه من أحوالهم وعرفا بفضلهم وحق تقدمهم في الدين اجتهادهم فيه وقيل المراد بعباده الذين اصطفى أصحاب سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وهو تفسير ابن عباس رضي الله عنهما وقيل المراد كل مؤمن من الأولين والآخرين وفي الآية تعليم حسن وتوقيف على أدب جميل وبعث على التبرك بالحمد والسلام على المصطفى وعلى الاستعانة بهما على قبول ما يلقى الى السامعين ولقد تواتر ذلك في أوائل الوعظ والخطب والكتب وقد قال جار الله: ان المراد بذلك مطلق الحمد على النعم والسلام على المصطفين تمهيدا لما يتلى بعد ذلك وقيل الخطاب للوط عليه السلام أن يحمد الله على هلاك قومه الكفار وأن يسلم على من اصطفاه الله وعصمه من الفواحش. قال ابو الحسن الشاذلي ابن بطال: ان أردت ان لا يصدي لك قلب ولا يلحقه هم ولا كرب ولا يبقى عليك ذنب فأكثر من قولك سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم لا اله إلا الله اللهم علمها في قلبي واغفر لي ذنبي واغفر للمؤمنين والمؤمنات وقل الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى انتهى. {ءَاللهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ} بإبدال تهمزة أل الفا وتسهيلها وبتحقيق الهمزتين همزة الاستفهام وهمزة أل وبادخال الف بين المسهلة والأخرى وتركه وادغام ميم ام العاطفة في ميم (ما) والخطاب لأهل مكة وقريء بالمثناة التحتية وهي قراءة ابي عمرو وعاصم ويعقوب ومعلوم أن لا خير فيما أشركوه اصلا حتى يوازن فيما بينه وبين من هو خالق كل شيء ومالكه وانما هو إلزام وتهكم بحالهم وذلك انهم آثروا عبادة الأصنام على عبادة الله ولا يؤثر عاقل شيئا على شيء إلا لداع يدعوه إلى إيثاره ومن زيادة خير ومنفعة فقيل لهم مع العلم بأنه لا خير فيما آثروه وانهم لم يؤثروه لزيادة الخير ولكن هوى وعبثا لينتبهوا على الخطأ المفرط والجهل المورط ونبذ التميز والمفعول واضلالهم ذلك وليعلموا الايثار بين ان يكون للخير الزائد وكان صلى الله عليه وسلم اذا قرأها قال: "حديث : بل الله خير وأبقى وأجل وأكرم "تفسير : قاله جار الله.
اطفيش
تفسير : {قل} يا محمد {الحمدُ لله} شكراً له على إنحاء لوط ومن آمن به {وسلام} من الله {عَلى عِبادِه الذين اصطفى} لوط ومن آمن به، اصطفاهم لدينه فأعقبهم النجاة من العذاب، وهنأهم بهذا الكلام، ويجوز أن يراد عموم السعداء، وقيل: المراد سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم والصحابة. وروى عبد بن حميد، والطبرى، عن سفيان: أنهم أصحابه صلى الله عليه وسلم، ففيه جواز سلامة تعالى على غير الأنبياء، ولو لم يجمعوا مع نبى، وبه قال الحنابلة وغيرهم، وقيل: لا الا مع نبى، وروى عبد بن حميد، والطبرى وغيرهم، عن ابن عباس، أنهم أصحابه صلى الله عليه وسلم، اصطفاهم الله له صلى الله عليه وسلم، وقيل عباده الذين اصطفى الأنبياء الصابرون على مشاق الرسالة، كما قال فى آية أخرى وسلم على المرسلين، وقيل: الآية أمر له صلى الله عليه وسلم أن يسلم على الأنبياء. {آالله} الاستفهام للتقرير أو التهكم {خيرٌ} من الأصنام {أمَّا تُشْركُون} أى ما تشركونه من الأصنام أيها الكفرة قريش وغيرهم، والمراد الخيرية بالذات، أو ما يتحصل بها من الأفعال الحسان، والأول أولى، لأن الأفعال تابعة، وإنما عمل التفضيل مع الأصنام، مع أنه لا شركة لها ذاتاً ولا فعلا تسفيهاً للخصم، وإلزاما للحجة وايقافاً عليها، وأم متصلة، وخير خبر للفظ الجلالة، وما اسم موصول، وكأنه قيل آالله الذى علمتم أنه النافع الضار، أم ما تشركونه خير، وزعم بعض أن المراد عبادة الله خير ام عبادة ما تشركون، وبعض أتوحيد الله خير أم اشراككم، على أن ما موصولة حرفية، ويغنى عن القولين ام ما ما هو خير بالذات، فهو أولى، وكان صلى الله عليه وسلم إذا قرأ الآية قال: "حديث : الله خير وأبقى وأجل وأكرم"تفسير : وكذا فى جميع القرآن يحسن أن يقال لا أو نعم أو بلى، بحسب ما يناسب المقام، مثل أن يقال لا إذا قرئ: "أية : أصطفى البنات"تفسير : [الصافات: 153] ومن أنكر ذلك هلك، ويخاف عليه الاشراك، لأنه رد للاجماع، وكانت عائشة وابن عباس وابن مسعود وغيرهم يقرءون بعض الآية بالتفسير، ولا يتوهم أحد أنه من القرآن، وأن يتوهم بين له الناس أو القارئ.
الالوسي
تفسير : {قُلِ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَـٰمٌ عَلَىٰ عِبَادِهِ ٱلَّذِينَ ٱصْطَفَى } إثر ما قص سبحانه وتعالى على رسوله صلى الله عليه وسلم قصص الأنبياء المذكورين وأخبارهم الناطقة بكمال قدرته تعالى وعظم شأنه سبحانه وبما خصهم به من الآيات القاهرة والمعجزات الباهرة الدالة على جلالة أقدارهم وصحة أخبارهم، وقد بين على ألسنتهم صحة الإسلام والتوحيد وبطلان الكفر والإشراك وأن من اقتدى بهم فقد اهتدى ومن أعرض عنهم فقد تردى في مهاوي الردى، وشرح صدره الشريف صلى الله عليه وسلم بما في تضاعيف تلك القصص من فنون المعارف الربانية، ونور قلبه بأنوار الملكات السبحانية الفائضة من عالم القدس، وقرر بذلك فحوى قوله تعالى: {أية : وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى ٱلْقُرْءانَ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ } تفسير : [النمل: 6]. أمر صلى الله عليه وسلم أن يحمده بأتم وجه على تلك النعم ويسلم على كافة الأنبياء عليهم السلام الذين من جملتهم من قصت أخبارهم وشرحت آثارهم عرفاناً لفضلهم وأداءاً لحق تقدمهم واجتهادهم في الدين، فالمراد بالعباد المصطفين الأنبياء عليهم السلام لدلالة المقام، وقوله تعالى في آية أخرى: {أية : وَسَلَـٰمٌ عَلَىٰ ٱلْمُرْسَلِينَ } تفسير : [الصافات: 181] وقيل: هذا أمر له صلى الله عليه وسلم بحمده تعالى على هلاك الهالكين من كفار الأمم، والسلام على الأنبياء وأتباعهم الناجين صلى الله عليهم وسلم، والسلام على غير الأنبياء عليهم السلام إذا لم يكن استقلالاً مما لا خلاف في جوازه، ولعل المنصف لا يرتاب في جوازه على عباد الله تعالى المؤمنين مطلقاً، وقيل: أمر / له عليه الصلاة والسلام بالحمد على ما خصه جل وعلا به من رفع عذاب الاستئصال عن أمته ومخالفتهم لمن قبلهم ممن ذكرت قصته من الأمم المستأصلة بالعذاب، وبالسلام على الأنبياء الذين صبروا على مشاق الرسالة. فالمراد بالمصطفين الأنبياء خاصة، وأخرج عبد بن حميد والبزار وابن جرير وغيرهم عن ابن عباس أنه قال فيهم: هم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم اصطفاهم الله تعالى لنبيه عليه الصلاة والسلام. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن سفيان الثوري أنه قال في {وَسَلَـٰمٌ } الخ: نزلت في أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم خاصة. وهذا ظاهر في القول بجواز السلام على غير الأنبياء استقلالاً كما هو مذهب الحنابلة وغيرهم، والكلام على جميع هذه الأقوال متصل بما قبله، وجعله الزمخشري من باب الاقتضاب كأنه خطبة مبتدأة حيث قال: ((أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتلو هذه الآيات الناطقة بالبراهين على وحدانيته تعالى وقدرته على كل شيء وحكمته أعني قوله سبحانه: {آللَّه} الخ، وأن يستفتح بتحميده والسلام على أنبيائه والمصطفين من عباده. وفيه تعليم حسن وتوقيف على أدب جميل وبعث على التيمن بالذكرين والتبرك بهما والاستظهار بمكانهما على قبول ما يلقى إلى السامعين وإصغائهم إليه وإنزاله من قلوبهم المنزلة التي يبغيها المسمع، ولقد توارثت العلماء والخطباء والوعاظ كابراً عن كابر هذا الأدب فحمدوا الله تعالى وصلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم أمام كل علم مفاد وقبل كل موعظة وتذكرة وفي مفتتح كل خطبة، وتبعهم المتراسلون فأجروا عليه أوائل كتبهم في الفتوح والتهاني وغير ذلك من الحوادث التي لها شأن)) انتهى، ولعل جعل ذلك تخلصاً من قصص الأنبياء عليهم السلام إلى ما جرى له صلى الله عليه وسلم مع المشركين أولى، وأبعد الأقوال القول باتصاله بما قبله، وجعل ذلك أمراً للوط عليه السلام بأن يحمده تعالى على إهلاك كفرة قومه، وأن يسلم على من اصطفاه بالعصمة عن الفواحش والنجاة عن الهلاك لعدم ملاءمته لما بعده واحتياجه إلى تقدير: وقلنا له، وعزا هذا القول ابن عطية للفراء، وقال: هذه عجمة من الفراء، والظاهر أن {سَلَـٰمٌ } مبتدأ وما بعده خبره، والجملة معطوفة على {ٱلْحَمْدُ للَّهِ } داخلة معه في حيز القول. وقرأ أبو السمال {ٱلْحَمْدُ للَّهِ } بفتح اللام. {آللَّه} بالمد لقلب همزة الاستفهام ألفاً والأصل أألله. {خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ} والظاهر أن {مَا } موصولة والعائد محذوف أي آللَّه الذي ذكرت شؤونه العظيمة خير أم الذي يشركونه من الأصنام، و {خَيْرٌ } أفعل تفضيل ومرجع الترديد إلى التعريض بتبكيت الكفرة من جهته عز وجل وتسفيه آرائهم الركيكة والتهكم بهم إذ من البين أن ليس فيما أشركوه به سبحانه شائبة خير حتى يمكن أن يوازن بينه وبين من هو خير محض، وقيل: {خير} ليست للتفضيل مثلها في قولك: الصلاة خير تعني خيراً من الخيور، والمختار الأول، واستظهره أبو حيان، وقال: ((كثيراً ما يجيء هذا النوع من أفعل التفضيل حيث يعلم ويتحقق أنه لا شركة هناك، وإنما يذكر على سبيل إلزام الخصم وتنبيهه على الخطأ ويقصد بالاستفهام في مثل ذلك إلزامه الإقرار بحصر التفضيل في جانب واحد وانتفائه عن الآخر، واستظهر أيضاً كون المراد بالخيرية الخيرية في الذات، وقيل: الخيرية فيما يتعلق بها، وفي الكلام حذف في موضعين، والتقدير أعبادة الله تعالى خير أم عبادة ما يشركون، وقيل: (ما) مصدرية والحذف في موضع واحد، والتقدير أتوحيد الله خير أم إشراكهم)) ولا داعي لجميع ذلك، وأياً ما كان فضمير الغائب لقريش ونحوهم من المشركين، وقيل: لأولئك المهلكين وليس بشيء. وقرأ الأكثرون - تشركون - بالتاء الفوقانية على توجيه الخطاب لمن ذكرنا من الكفرة / وهو الأليق بما بعده من سياق النظم الكريم، وجعل أبو البقاء هذه الجملة من جملة القول المأمور به وتعقب بأنه يأباه قوله تعالى: {أية : فَأَنبَتْنَا }تفسير : [النمل: 60] الخ فإنه صريح في أن التبكيت من قبله عز وجل بالذات، وحمله على أنه حكاية منه عليه الصلاة والسلام لما أمر به بعبادته كما في قوله سبحانه: {أية : قُلْ يٰاعِبَادِى ٱلَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ }تفسير : [الزمر: 53] تعسف ظاهر من غير داع إليه، حديث : وفي بعض الآثار أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا قرأ هذه الآية قال: بل الله خير وأبقى وأجل وأكرم
سيد قطب
تفسير : هذا الدرس ختام سورة النمل، بعد استعراض حلقات من قصص موسى وداود وسليمان وصالح ولوط ـ عليهم السلام ـ وهذا الختام متصل بمطلع السورة في الموضوع. والقصص بينهما متناسق مع المطلع والختام. كل قصة تؤدي جانباً من جوانب الغرض الذي يعالجه سياق السورة كلها. وهو يبدأ بالحمد لله، وبالسلام على من اصطفاهم من عباده، من الأنبياء والرسل، ومنهم الذين ورد قصصهم من قبل. يفتتح بذلك الحمد وهذا السلام جولة عن العقيدة. جولة في مشاهد الكون وأغوار النفس، وأطواء الغيب؛ وفي أشراط الساعة ومشاهد القيامة، وأهوال الحشر، التي يفزع لها من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله. في هذه الجولة يقفهم أمام مشاهدات في صفحة الكون وفي أطواء النفس، لا يملكون إنكار وجودها، ولا يملكون تعليلها بغير التسليم بوجود الخالق الواحد المدبر القدير. ويتوالى عرض هذه المشاهدات في إيقاعات مؤثرة، تأخذ عليهم أقطار الحجة، وأقطار المشاعر؛ وهو يسألهم أسئلة متلاحقة: من خلق السماوات والأرض؟ من أنزل من السماء ماء فأنبتنا به حدائق ذات بهجة؟ من جعل الأرض قراراً، وجعل خلالها أنهاراً، وجعل لها رواسي، وجعل بين البحرين حاجزاً؟ من يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء؟ من يجعلكم خلفاء الأرض؟ من يهديكم في ظلمات البر والبحر؟ من يرسل الرياح بشراً بين يدي رحمته؟ من يبدأ الخلق ثم يعيده؟ من يرزقكم من السماء والأرض؟ وفي كل مرة يقرعهم: أ إله مع الله؟ وهم لا يملكون أن يدعوا هذه الدعوى. لا يملكون أن يقولوا: إن إلهاً مع الله يفعل من هذا كله شيئاً؛ وهم مع هذا يعبدون أرباباً من دون الله! وعقب هذه الإيقاعات القوية التي تقتحم القلوب، لأنها إيقاعات كونية تملأ صفحة الوجود من حولهم، أو إيقاعات وجدانية يحسونها في قلوبهم.. يستعرض تكذيبهم بالآخرة، وتخبطهم في أمرها، ويعقب عليه بتوجيه قلوبهم إلى مصارع الغابرين الذين كانوا مثلهم يكذبون ويتخبطون. ويخلص من هذا إلى عرض مشهد الحشر وما فيه من هول ومن فزع. ويرجع بهم في ومضة خاطفة إلى الأرض، ثم يردهم إلى مشهد الحشر. وكأنما يهز قلوبهم هزاً ويرجها رجاً... وفي نهاية الجولة يجيء الختام أشبه بالإيقاع الأخير عميقاً رهيباً.. ينفض رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يده من أمر المشركين المستهزئين بالوعيد، المكذبين بالآخرة، وقد وجه قلوبهم إلى مشاهد الكون وأهوال الحشر، وعواقب الطائعين والعصاة ـ ويتركهم إلى مصيرهم الذي يختارون؛ ويحدد منهجه ووسيلته ولمن شاء أن يختار: {إنما أمرت أن أعبد رب هذه البلدة الذي حرمها وله كل شيء، وأمرت أن أكون من المسلمين. وأن أتلو القرآن. فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه، ومن ضل فقل: إنما أنا من المنذرين}.. ثم يختم الجولة كما بدأها بحمد الله الذي يستأهل الحمد وحده؛ ويكلهم إلى الله يريهم آياته؛ ويطلع على أعمالهم ما ظهر منها وما بطن: {وقل: الحمد لله. سيريكم آياته فتعرفونها. وما ربك بغافل عما تعملون}.. وتختم السورة بهذا الإيقاع المؤثر العميق. {قل: الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى. آلله خير أم ما يشركون؟}.. يأمر الله رسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن يقول الكلمة التي تليق أن يفتتح بها المؤمن حديثه ودعوته وجداله، وأن يختمه كذلك: {قل: الحمد لله}.. المستحق للحمد من عباده على آلائه، وفي أولها هدايتهم إليه، وإلى طريقه الذي يختاره، ومنهجه الذي يرضاه. {وسلام على عباده الذين اصطفى} لحمل رسالته وتبليغ دعوته، وبيان منهجه. وبعد هذا الافتتاح يأخذ في توقيعاته على القلوب المنكرة لآيات الله، مبتدئاً بسؤال لا يحتمل إلا إجابة واحدة، يستنكر به أن يشركوا بالله هذه الآلهة المدعاة: {آلله خير أم ما يشركون؟}.. وما يشركون أصنام وأوثان، أو ملائكة وجن، أو خلق من خلق الله على أية حال، لا يرتقي أن يكون شبيهاً بالله ـ سبحانه ـ فضلاً على أن يكون خيراً منه. ولا يخطر على قلب عاقل أن يعقد مقارنة أو موازنة. ومن ثم يبدو هذا السؤال بهذه الصيغة وكأنه تهكم محض، وتوبيخ صرف، لأنه غير قابل أن يوجه على سبيل الجد، أو أن يطلب عنه جواب! ومن ثم يعدل عنه إلى سؤال آخر، مستمد من واقع هذا الكون حولهم، ومن مشاهده التي يرونها بأعينهم: {أم من خلق السماوات والأرض، وأنزل لكم من السماء ماء، فأنبتنا به حدائق ذات بهجة ما كان لكم أن تنبتوا شجرها؟ أإله مع الله؟ بل هم قوم يعدلون}.. والسماوات والأرض حقيقة قائمة لا يملك أحد إنكار وجودها، ولا يملك كذلك أن يدعي أن هذه الآلهة المدعاة خلقتها.. وهي أصنام أو أوثان، أو ملائكة وشياطين، أو شمس أو قمر.. فالبداهة تصرخ في وجه هذا الادعاء. ولم يكن أحد من المشركين يزعم أن هذا الكون قائم بنفسه، مخلوق بذاته، كما وجد من يدعي مثل هذا الادعاء المتهافت في القرون الأخيرة! فكان مجرد التذكير بوجود السماوات والأرض، والتوجيه إلى التفكير فيمن خلقها، كفيلاً بإلزام الحجة، ودحض الشرك، وإفحام المشركين. وما يزال هذا السؤال قائماً فإن خلق السماوات والأرض على هذا النحو الذي يبدو فيه القصد، ويتضح فيه التدبير، ويظهر فيه التناسق المطلق الذي لا يمكن أن يكون فلتة ولا مصادفة، مُلجئ بذاته إلى الإقرار بوجود الخالق الواحد، الذي تتضح وحدانيته بآثاره. ناطق بأن هناك تصميماً واحداً متناسقاً لهذا الكون لا تعدد في طبيعته ولا تعدد في اتجاهه. فلا بد أنه صادر عن إرادة واحدة غير متعددة. إرادة قاصدة لا يفوتها القصد في الكبير ولا في الصغير. {أم من خلق السماوات والأرض}.. {وأنزل لكم من السماء ماء فأنبتنا به حدائق ذات بهجة ما كان لكم أن تنبتوا شجرها؟}.. والماء النازل من السماء حقيقة كذلك مشهودة يستحيل إنكارها، ويتعذر تعليلها بغير الإقرار بخالق مدبر، فطر السماوات والأرض وفق هذا الناموس الذي يسمح بنزول المطر، بهذا القدر، الذي توجد به الحياة، على النحو الذي وجدت به، فما يمكن أن يقع هذا كله مصادفة، وأن تتوافق المصادفات بهذا الترتيب الدقيق، وبهذا التقدير المضبوط. المنظور فيه إلى حاجة الأحياء وبخاصة الإنسان. هذا التخصيص الذي يعبر عنه القرآن الكريم بقوله: {وأنزل لكم..} والقرآن يوجه القلوب والأبصار إلى الآثار المحيية لهذا الماء المنزل للناس وفق حاجة حياتهم، منظوراً فيه إلى وجودهم وحاجاتهم وضروراتهم. يوجه القلوب والأبصار إلى تلك الآثار الحية القائمة حيالهم وهم عنها غافلون: {فأنبتنا به حدائق ذات بهجة}.. حدائق بهيجة ناضرة حية جميلة مفرحة.. ومنظر الحدائق يبعث في القلب البهجة والنشاط والحيوية. وتأمل هذه البهجة والجمال الناضر الحي الذي يبعثها كفيل بإحياء القلوب. وتدبر آثار الإبداع في الحدائق كفيل بتمجيد الصانع الذي أبدع هذا الجمال العجيب. وإن تلوين زهرة واحدة وتنسيقها ليعجز عنه أعظم رجال الفنون من البشر. وأن تموج الألوان وتداخل الخطوط وتنظيم الوريقات في الزهرة ليبدو معجزة تتقاصر دونها عبقرية الفن في القديم والحديث. فضلاً على معجزة الحياة النامية في الشجر ـ وهي السر الأكبر الذي يعجز عن فهمه البشر ـ: {ما كان لكم أن تنبتوا شجرها} وسر الحياة كان وما يزال مستغلقاً على الناس. سواء أكان في النبات أم في الحيوان أم في الإنسان. فما يملك أحد حتى اللحظة أن يقول: كيف جاءت هذه الحياة، ولا كيف تلبست بتلك الخلائق من نبات أو حيوان أو إنسان. ولا بد من الرجوع فيها إلى مصدر وراء هذا الكون المنظور. وعندما يصل في هذه الوقفة أمام الحياة النامية في الحدائق البهيجة إلى إِثارة التطلع والانتباه وتحريك التأمل والتفكير، يهجم عليهم بسؤال: {أَإِله مع الله؟}.. ولا مجال لمثل هذا الادعاء؛ ولا مفر من الإقرار والإذعان.. وعندئذ يبدو موقف القوم عجيباً، وهم يسوون آلهتهم المدعاة بالله، فيعبدونها عبادة الله: {بل هم قوم يعدلون}.. ويعدلون. إما أن يكون معناها يسوون. أي يسوون آلهتهم بالله في العبادة. وإما أن يكون معناها: يحيدون. أي يحيدون عن الحق الواضح المبين. بإشراك أحد مع الله في العبادة؛ وهو وحده الخالق الذي لم يشاركه أحد في الخلق. وكلا الأمرين تصرف عجيب لا يليق! ثم ينتقل بهم إلى حقيقة كونية أخرى، يواجههم بها كما واجههم بحقيقة الخلق الأولى: {أم من جعل الأرض قراراً، وجعل خلالها أنهاراً، وجعل لها رواسي وجعل بين البحرين حاجزاً؟}.. لقد كانت الحقيقة الكونية الأولى هي حقيقة خلق السماوات والأرض. أما هذه فهي الهيئة التي خلق عليها الأرض. لقد جعلها قراراً للحياة، مستقرة مطمئنة صالحة يمكن أن توجد فيها الحياة وتنمو وتتكاثر. ولو تغير وضعها من الشمس والقمر؛ أو تغير شكلها، أو تغير حجمها، أو تغيرت عناصرها والعناصر المحيطة في الجو بها، أو تغيرت سرعة دورتها حول نفسها، أو سرعة دورتها حول الشمس، أو سرعة دورة القمر حولها.. إلى آخر هذه الملابسات الكثيرة التي لا يمكن أن تتم مصادفة، وأن تتناسق كلها هذا التناسق.. لو تغير شيء من هذا كله أدنى تغيير، لما كانت الأرض قراراً صالحاً للحياة. وربما أن المخاطبين إذ ذاك لم يكونوا يدركون من قوله تعالى: {أم من جعل الأرض قراراً؟} كل هذه العجائب. ولكنهم كانوا يرون الأرض مستقراً صالحاً للحياة على وجه الإجمال؛ ولا يملكون أن يدعوا أن أحداً من آلهتهم كان له شريك في خلق الأرض على هذا المنوال. وهذا يكفي. ثم يبقى النص بعد ذلك مفتوحاً للأجيال؛ وكلما اتسع علم البشر أدركوا شيئاً من معناه الضخم المتجدد على توالي الأجيال. وتلك معجزة القرآن في خطابه لجميع العقول، على توالي الأزمان! {أم من جعل الأرض قراراً. وجعل خلالها أنهاراً؟}.. والأنهار في الأرض هي شرايين الحياة، وهي تنتشر فيها إلى الشرق وإلى الغرب، وإلى الشمال وإلى الجنوب، تحمل معها الخصب والحياة والنماء. والأنهار تتكون من تجمع مياه الأمطار وجريانها وفق طبيعة الأرض. والله الذي خلق هذا الكون هو الذي قدر في تصميمه إمكان تكون السحب، ونزول المطر، وجريان الأنهار. وما يملك أحد أن يقول: إن أحداً سوى الخالق المدبر قد شارك في خلق هذا الكون على هذا النحو؛ وجريان الأنهار حقيقة واقعة يراها المشركون. فمن ذا أوجد هذه الحقيقة؟ {أإله مع الله؟}. {وجعل لها رواسي}.. والرواسي: الجبال. وهي ثابتة مستقرة على الأرض. وهي في الغالب منابع الأنهار، حيث تجري منها مياه الأمطار إلى الوديان؛ وتشق مجراها بسبب تدفقها من قمم الجبال العالية بعنف وقوة. والرواسي الثابتة تقابل الأنهار الجارية في المشهد الكوني الذي يعرضه القرآن هنا والتقابل التصويري ملحوظ في التعبير القرآني. وهذا واحد منه. لذلك يذكر الرواسي بعد الأنهار. {وجعل بين البحرين حاجزاً}.. البحر الملح الاجاج، والنهر العذب الفرات. سماهما بحرين على سبيل التغليب من حيث مادتهما المشتركة وهي الماء. والحاجز في الغالب هو الحاجز الطبيعي، الذي يجعل البحر لا يفيض على النهر فيفسده. إذ أن مستوى سطح النهر أعلى من مستوى سطح البحر. وهذا ما يحجز بينهما مع أن الأنهار تصب في البحار، ولكن مجرى النهر يبقى مستقلاً لا يطغى عليه البحر. وحتى حين ينخفض سطح النهر عن سطح البحر لسبب من الأسباب فإن هذا الحاجز يظل قائماً من طبيعة كثافة ماء البحر وماء النهر. إذ يخف ماء النهر ويثقل ماء البحر فيظل مجرى كل منهما مميزاً لا يمتزجان ولا يبغي أحدهما على الآخر. وهذا من سنن الله في خلق هذا الكون، وتصميمه على هذا النحو الدقيق. فمن فعل هذا كله؟ من؟ {أإله مع الله؟}.. وما يملك أحد أن يدعي هذه الدعوى. ووحدة التصميم أمامه تجبره على الاعتراف بوحدة الخالق.. {بل أكثرهم لا يعلمون}.. ويذكر العلم هنا لأن هذه الحقيقة الكونية تحتاج إلى العلم لتملي الصنعة فيها والتنسيق، وتدبر السنة فيها والناموس. ولأن التركيز في السورة كلها على العلم (كما ذكرنا في تلخيص السورة في الجزء الماضي). ثم ينتقل بهم من مشاهد الكون إلى خاصة أنفسهم: {أم من يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء، ويجعلكم خلفاء الأرض؟ أإله مع الله؟ قليلاً ما تذكرون}.. فيلمس وجدانهم وهو يذكرهم بخوالج أنفسهم، وواقع أحوالهم. فالمضطر في لحظات الكربة والضيق لا يجد له ملجأ إلا الله يدعوه ليكشف عنه الضر والسوء ذلك حين تضيق الحلقة، وتشتد الخنقة، وتتخاذل القوى، وتتهاوى الأسناد؛ وينظر الإنسان حواليه فيجد نفسه مجرداً من وسائل النصرة وأسباب الخلاص. لا قوته، ولا قوة في الأرض تنجده. و كل ما كان يعده لساعة الشدة قد زاغ عنه أو تخلى؛ وكل من كان يرجوه للكربة قد تنكر له أو تولى.. في هذه اللحظة تستيقظ الفطرة فتلجأ إلى القوة الوحيدة التي تملك الغوث والنجدة، ويتجه الإنسان إلى الله ولو كان قد نسيه من قبل في ساعات الرخاء. فهو الذي يجيب المضطر إذا دعاه. هو وحده دون سواه. يجيبه ويكشف عنه السوء، ويرده إلى الأمن والسلامة، وينجيه من الضيقة الآخذة بالخناق. والناس يغفلون عن هذه الحقيقة في ساعات الرخاء، وفترات الغفلة. يغفلون عنها فيلتمسون القوة والنصرة والحماية في قوة من قوى الأرض الهزيلة. فأما حين تلجئهم الشدة، ويضطرهم الكرب، فتزول عن فطرتهم غشاوة الغفلة، ويرجعون إلى ربهم منيبين مهما يكونوا من قبل غافلين أو مكابرين. والقرآن يرد المكابرين الجاحدين إلى هذه الحقيقة الكامنة في فطرتهم، ويسوقها لهم في مجال الحقائق الكونية التي ساقها من قبل. حقائق خلق السماوات والأرض، وإنزال الماء من السماء، وإنبات الحدائق البهيجة، وجعل الأرض قراراً، والجبال رواسي، وإجراء الأنهار، والحاجز بين البحرين. فالتجاء المضطر إلى الله، واستجابة الله له دون سواه حقيقة كهذه الحقائق. هذه في الآفاق وتلك في الأنفس سواء بسواء. ويمضي في لمس مشاعرهم بما هو واقع في حياتهم: {ويجعلكم خلفاء الأرض}.. فمن يجعل الناس خلفاء الأرض؟ أليس هو الله الذي استخلف جنسهم في الأرض أولاً. ثم جعلهم قرناً بعد قرن، وجيلاً بعد جيل، يخلف بعضهم بعضاً في مملكة الأرض التي جعلهم فيها خلفاء؟ أليس هو الله الذي فطرهم وفق النواميس التي تسمح بوجودهم في هذه الأرض، وزودهم بالطاقات والاستعدادات التي تقدرهم على الخلافة فيها، وتعدهم لهذه المهمة الضخمة الكبرى. النواميس التي تجعل الأرض لهم قراراً؛ والتي تنظم الكون كله متناسقاً بعضه مع بعض تتهيأ للأرض تلك الموافقات والظروف المساعدة للحياة. ولو اختل شرط واحد من الشروط الكثيرة المتوافرة في تصميم هذا الوجود وتنسيقه لأصبح وجود الحياة على هذه الأرض مستحيلاً. وأخيراً أليس هو الله الذي قدر الموت والحياة، واستخلف جيلاً بعد جيل؛ ولو عاش الأولون لضاقت الأرض بهم وبالآخرين؛ ولأبطأ سير الحياة والحضارة والتفكير، لأن تجدد الأجيال هو الذي يسمح بتجدد الأفكار والتجارب والمحاولات، وتجدد أنماط الحياة، بغير تصادم بين القدامى والمحدثين إلا في عالم الفكر والشعور. فأما لو كان القدامى أحياء لتضخم التصادم والاعتراض! ولتعطل موكب الحياة المندفع إلى الأمام! إنها كلها حقائق في الأنفس كتلك الحقائق في الآفاق. فمن الذي حقق وجودها وأنشأها؟ من؟ {أإله مع الله؟}.. إنهم لينسون ويغفلون. هذه الحقائق كامنة في أعماق النفوس، مشهودة في واقع الحياة: {قليلاً ما تذكرون}! ولو تذكر الإنسان وتدبر مثل هذه الحقائق لبقي موصولاً بالله صلة الفطرة الأولى. ولما غفل عن ربه، ولا أشرك به أحداً. ثم يمضي السياق إلى بعض الحقائق الأخرى الممثلة في حياة الناس ونشاطهم على هذا الكوكب، ومشاهداتهم التي لا تنكر: {أم من يهديكم في ظلمات البر والبحر، ومن يرسل الرياح بشراً بين يدي رحمته؟ أإله مع الله؟ تعالى الله عما يشركون!}.. والناس ـ ومنهم المخاطبون أول مرة بهذا القرآن ـ يسلكون فجاج البر والبحر في أسفارهم؛ ويسبرون أسرار البر والبحر في تجاربهم.. ويهتدون.. فمن يهديهم؟ من أودع كيانهم تلك القوى المدركة؟ من أقدرهم على الاهتداء بالنجوم وبالآلات وبالمعالم؟ من وصل فطرتهم بفطرة هذا الكون، وطاقاتهم بأسراره؟ من جعل لآذانهم تلك القدرة على التقاط الأصوات، ولعيونهم تلك القدرة على التقاط الأضواء؟ ولحواسهم تلك القدرة على التقاط المحسوسات؟ ثم جعل لهم تلك الطاقة المدركة المسماة بالعقل أو القلب للانتفاع بكل المدركات، وتجميع تجارب الحواس والإلهامات؟ من؟ أإله مع الله؟ {ومن يرسل الرياح بشراً بين يدي رحمته؟}.. والرياح، مهما قيل في أسبابها الفلكية والجغرافية، تابعة للتصميم الكوني الأول، الذي يسمح بجريانها على النحو الذي تجري به، حاملة السحب من مكان إلى مكان، مبشرة بالمطر الذي تتجلى فيه رحمة الله، وهو سبب الحياة. فمن الذي فطر هذا الكون على خلقته، فأرسل الرياح بشراً بين يدي رحمته؟ من؟ {أإله مع الله؟}.. {تعالى الله عما يشركون!}.. ويختم هذه الإيقاعات بسؤال عن خلقتهم وإعادتهم ورزقهم من السماء والأرض، مع التحدي والإفحام: {أم من يبدأ الخلق ثم يعيده، ومن يرزقكم من السماء والأرض؟ أإله مع الله؟ قل: هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين}.. وبدء الخلق حقيقة واقعة لا يملك أحد إنكارها، ولا يمكن أحداً تعليلها بغير وجود الله ووحدانيته. وجوده لأن وجود هذا الكون ملجئ للإقرار بوجوده؛ وقد باءت بالفشل المنطقي كل محاولة لتعليل وجود هذا الكون على هذا النحو الذي يظهر فيه التدبير والقصد بغير الإقرار بوجود الله. ووحدانيته لأن آثار صنعته ملجئة للإقرار بوحدانيته؛ فعليها آثار التقدير الواحد، والتدبير الواحد؛ وفيها من التناسق المطلق ما يجزم بالإرادة الواحدة المنشئة للناموس الواحد. فأما إعادة الخلق فهذه التي كانوا يجادلون فيها ويمارون. ولكن الإقرار ببدء الخلق على هذا النحو الذي يظهر فيه التقدير والتدبير والقصد والتنسيق ملجئ كذلك للتصديق بإعادة الخلق، ليلقوا جزاءهم الحق على أعمالهم في دار الفناء، التي لا يتم فيها الجزاء الحق على الأعمال وإن كان يتم فيها أحياناً بعض الجزاء. فهذا التنسيق الواضح في خلقة الكون يقتضي أن يتم تمامه بالتنسيق المطلق بين العمل والجزاء. وهذا لا يتم في الحياة الدنيا. فلا بد إذن من التصديق بحياة أخرى يتحقق فيها التناسق والكمال.. أما لماذا لم يتم في هذه الأرض ذلك التنسيق المطلق بين العمل والجزاء؟ فذلك متروك لحكمة صاحب الخلق والتدبير. وهو سؤال لا يجوز توجيهه لأن الصانع أعلم بصنعته. وسر الصنعة عند الصانع. وهو غيب مع غيبه الذي لم يطلع عليه أحداً! ومن هذا التلازم بين الإقرار بمبدئ الحياة والإقرار بمعيدها يسألهم ذلك السؤال: {أم من يبدأ الخلق ثم يعيده؟}.. {أإله مع الله؟}.. والرزق من السماء والأرض متصل بالبدء والإعادة سواء. ورزق العباد من الأرض يتمثل في صور شتى أظهرها النبات والحيوان، والماء والهواء، للطعام والشراب والاستنشاق؛ ومنها كنوز الأرض من معادن وفلزات؛ وكنوز البحر من طعام وزينة. ومنها القوى العجيبة من مغناطيسية وكهرباء، وقوى أخرى لا يعلمها بعد إلا الله؛ ويكشف عن شيء منها لعباده آناً بعد آن. وأما رزقهم من السماء فلهم منه في الحياة الدنيا: الضوء والحرارة والمطر وسائر ما ييسره الله لهم من القوى والطاقات. ولهم منه في الآخرة عطاء الله الذي يقسمه لهم ـ وهو من السماء بمدلولها المعنوي، الذي يتردد كثيراً في القرآن والسنة؛ وهو معنى الارتفاع والاستعلاء. وقد ذكر رزقهم من السماء والأرض بعد ذكر البدء والإعادة، لأن رزق السماء والأرض له علاقة بالبدء والإعادة. فعلاقة رزق الأرض بالبدء معروفة فهو الذي يعيش عليه العباد. وعلاقته بالإعادة أن الناس يجزون في الآخرة على عملهم وتصرفهم في هذا الرزق الذي أعطوه في الدينا.. وعلاقة رزق السماء بالبدء واضحة. فهو في الدنيا للحياة، وهو في الآخرة للجزاء.. وهكذا تبدو دقة التناسق في السياق القرآني العجيب. والبدء والإعادة حقيقة. والرزق من السماء والأرض حقيقة. ولكنهم يغفلون عن هذه الحقائق، فيردهم القرآن إليها في تحد وإفحام: {أَإِله مع الله؟}.. {قل: هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين}.. وإنهم ليعجزون عن البرهان، كما يعجز عنه من يحاوله حتى الآن. وهذه طريقة القرآن في الجدل عن العقيدة. يستخدم مشاهد الكون وحقائق النفس؛ فيجعل الكون كله إطاراً للمنطق الذي يأخذ به القلوب؛ ويوقظ به الفطرة ويجلوها لتحكم منطقها الواضح الواصل البسيط؛ ويستجيش به المشاعر والوجدانات بما هو مركوز فيها من الحقائق التي تغشيها الغفلة والنسيان، ويحجبها الجحود والكفران.. ويصل بهذا المنطق إلى تقرير الحقائق العميقة الثابتة في تصميم الكون وأغوار النفس؛ والتي لا تقبل المراء الذي يقود إليه المنطق الذهني البارد، الذي انتقلت عدواه إلينا من المنطق الإغريقي، وفشا فيما يسمى علم التوحيد، أو علم الكلام! وبعد هذه الجولة في الآفاق وفي أنفسهم لإثبات الوحدانية ونفي الشرك. يأخذ معهم في جولة أخرى عن الغيب المستور الذي لا يعلمه إلا الخالق الواحد المدبر، وعن الآخرة وهي غيب من غيب الله، يشهد المنطق والبداهة والفطرة بضرورته؛ ويعجز الإدراك والعلم البشري عن تحديد موعده: {قل: لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله، وما يشعرون أيان يبعثون. بل ادّارك علمهم في الآخرة، بل هم في شك منها، بل هم منها عمون. وقال الذين كفروا: أإذا كنا تراباً وآباؤنا أإنا لمخرجون؟ لقد وعدنا هذا نحن وآباؤنا من قبل. إن هذا إلا أساطير الأولين! قل سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المجرمين. ولا تحزن عليهم ولا تكن في ضيق مما يمكرون. ويقولون: متى هذا الوعد إن كنتم صادقين؟ قل: عسى أن يكون ردف لكم بعض الذي تستعجلون. وإن ربك لذو فضل على الناس ولكن أكثرهم لا يشكرون. وإن ربك ليعلم ما تكن صدورهم وما يعلنون. وما من غائبة في السماء والأرض إلا في كتاب مبين}. والإيمان بالبعث والحشر، وبالحساب والجزاء، عنصر أصيل في العقيدة، لا يستقيم منهجها في الحياة إلا به. فلا بد من عالم مرتقب، يكمل فيه الجزاء، ويتناسق فيه العمل والأجر، ويتعلق به القلب، وتحسب حسابه النفس، ويقيم الإنسان نشاطه في هذه الأرض على أساس ما ينتظره هناك. ولقد وقفت البشرية في أجيالها المختلفة ورسالاتها المتوالية موقفاً عجيباً من قضية البعث والدار الآخرة، على بساطتها وضرورتها. فكان أعجب ما تدهش له أن ينبئها رسول أن هناك بعثاً بعد الموت وحياة بعد الدثور. ولم تكن معجزة بدء الحياة الواقعة التي لا تنكر تلهم البشرية أن الحياة الأخرى أهون وأيسر. ومن ثم كانت تعرض عن نذير الآخرة، وتستمرئ الجحود والمعصية، وتستطرد في الكفر والتكذيب. والآخرة غيب. ولا يعلم الغيب إلا الله. وهم كانوا يطلبون تحديد موعدها أو يكذبوا بالنذر، ويحسبوها أساطير، سبق تكرارها ولم تحقق أبداً! فهنا يقرر أن الغيب من أمر الله، وأن علمهم عن الآخرة منته محدود: {قل: لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله، وما يشعرون أيان يبعثون. بل ادّارك علمهم في الآخرة، بل هم في شك منها، بل هم منها عمون}.. ولقد وقف الإنسان منذ بدء الخليقة أمام ستر الغيب المحجوب، لا ينفذ إليه علمه، ولا يعرف مما وراء الستر المسدل، إلا بقدر ما يكشف له منه علام الغيوب. وكان الخير في هذا الذي أراده الله، فلو علم الله أن في كشف هذا الستر المسبل خيراً لكشفه للإنسان المتطلع الشديد إلى ما رواءه! لقد منح الله هذا الإنسان من المواهب والاستعدادات والقوى والطاقات ما يحقق به الخلافة في الأرض، وما ينهض به بهذا التكليف الضخم.. ولا زيادة.. وانكشاف ستر الغيب له ليس مما يعينه في هذه المهمة. بل إن انطباق أهدابه دونه لما يثير تطلعه إلى المعرفة، فينقب ويبحث. وفي الطريق يخرج المخبوء في باطن الأرض، وجوف البحر، وأقطار الفضاء؛ ويهتدي إلى نواميس الكون والقوى الكامنة فيه، والأسرار المودعة في كيانه لخير البشر، ويحلل في مادة الأرض ويركب، ويعدل في تكوينها وأشكالها، ويبتدع في أنماط الحياة ونماذجها.. حتى يؤدي دوره كاملاً في عمارة هذه الأرض، ويحقق وعد الله بخلافة هذا المخلوق الإنساني فيها. وليس الإنسان وحده هو المحجوب عن غيب الله، ولكن كل من في السماوات والأرض من خلق الله. من ملائكة وجن وغيرهم ممن علمهم عند الله. فكلهم موكلون بأمور لا تستدعي انكشاف ستر الغيب لهم، فيبقي سره عند الله دون سواه. {قل: لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله}.. وهو نص قاطع لا تبقى بعده دعوى لمدع، ولا يبقى معه مجال للوهم والخرافة. وبعد هذا التعميم في أمر الغيب يخصص في أمر الآخرة لأنها القضية التي عليها النزاع مع المشركين بعد قضية التوحيد: {وما يشعرون أيان يبعثون}.. ينفي عنهم العلم بموعد البعث في أغمض صوره وهو الشعور. فهم لا يعلمون بهذا الموعد يقينا، ولا يشعرون به حين يقترب شعوراً. فذلك من الغيب الذي يقرر أن لا أحد يعلمه في السماوات ولا في الأرض.. ثم يضرب عن هذا ليتحدث في موقفهم هم من الآخرة، ومدى علمهم بحقيقتها: {بل ادارك علمهم في الآخرة}.. فانتهى إلى حدوده، وقصر عن الوصول إليها، ووقف دونها لا يبلغها. {بل هم في شك منها}.. لا يستيقنون بمجيئها، بله أن يعرفوا موعدها، وينتظروا وقوعها. {بل هم منها عمون}.. بل هم عنها في عمى، لا يبصرون من أمرها شيئاً، ولا يدركون من طبيعتها شيئاً.. وهذه أشد بعداً عن الثانية وعن الأولى: {وقال الذين كفروا: أإذا كنا تراباً وآباؤنا أإنا لمخرجون؟}.. وهذه كانت العقدة التي يقف أمامها الذين كفروا دائماً: أإذا فارقتنا الحياة، ورمت أجسادنا وتناثرت في القبور، وصارت تراباً.. أإذا وقع هذا كله ـ وهو يقع للموتى بعد فترة من دفنهم إلا في حالات نادرة شاذة ـ أإذا وقع هذا لنا ولآبائنا الذين ماتوا قبلنا يمكن أن نبعث أحياء كرة أخرى، وأن نخرج من الأرض التي اختلط رفاتنا بترابها فصار تراباً؟ يقولون هذا وتقف هذه الصورة المادية بينهم وبين تصور الحياة الأخرى. وينسون أنهم خلقوا أول مرة ولم يكونوا من قبل شيئاً. ولا يدري أحد أين كانت الخلايا والذرات التي تكونت منها هياكلهم الأولى. فلقد كانت مفرقة في أطواء الأرض وأعماق البحار وأجواز الفضاء، فمنها ما جاء من تربة الأرض، ومنها ما جاء من عناصر الهواء والماء، ومنها ما قدم من الشمس البعيدة، ومنها ما تنفسه إنسان أو نبات أو حيوان، ومنها ما انبعث مس جسد رمّ وتبخرت بعض عناصره في الهواء!.. ثم تمثلت هذه الخلايا والذرات في طعام يأكلونه، وشراب يشربونه، وهواء يتنفسونه، وشعاع يستدفئون به.. ثم إذا هذا الشتيت الذي لا يعلم عدده إلا الله، ولا يحصي مصادره إلا الله، يتجمع في هيكل إنسان؛ وهو ينمو من بويضة عالقة في رحم، حتى يصير جسداً مسجى في كفن.. فهؤلاء في خلقتهم أول مرة، فهل عجب أن يكونوا كذلك أو على نحو آخر في المرة الآخرة! ولكنهم كانوا هكذا يقولون. وبعضهم ما يزال يقوله اليوم مع شيء من الاختلاف! هكذا كانوا يقولون. ثم يتبعون هذه القولة الجاهلة المطموسة بالتهكم والاستنكار: {لقد وعدنا هذا نحن وآباؤنا من قبل. إن هذا إلا أساطير الأولين}. فهم كانوا يعرفون أن الرسل من قبل قد أنذروا آباءهم بالبعث والنشور. مما يدل على أن العرب لم تكن أذهانهم خالية من العقيدة، ولا غفلا من معانيها. إنما كانوا يرون أن الوعود لم تتحقق منذ بعيد؛ فيبنون على هذا استهتارهم بالوعد الجديد قائلين: إنها أساطير الأولين يرويها محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ غافلين أن للساعة موعدها الذي لا يتقدم لاستعجال البشر ولا يتأخر لرجائهم، إنما يجيء في الوقت المعلوم لله، المجهول للعباد في السماوات والأرض سواء. "حديث : ولقد قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ لجبريل ـ عليه السلام ـ وهو يسأله عن الساعة: ما المسؤول عنها بأعلم من السائل ". تفسير : وهنا يلمس قلوبهم بتوجيهها إلى مصارع الذين كذبوا قبلهم بالوعيد ويسميهم المجرمين: {قل سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المجرمين}. وفي هذا التوجيه توسيع لآفاق تفكيرهم، فالجيل من البشر ليس مقطوعاً من شجرة البشرية؛ وهو محكوم بالسنن المتحكمة فيها؛ وما حدث للمجرمين من قبل يحدث للمجرمين من بعد؛ فإن السنن لا تحيد ولا تحابي. والسير في الأرض يطلع النفوس على مثل وسير وأحوال فيها عبرة، وفيها تفتيح لنوافذ مضيئة. وفيها لمسات للقلوب قد توقظها وتحييها. والقرآن يوجه الناس إلى البحث عن السنن المطردة، وتدبر خطواتها وحلقاتها، ليعيشوا حياة متصلة الأوشاج متسعة الآفاق، غير متحجرة ولا مغلقة ولا ضيقة ولا منقطعة. وبعد أن يوجههم هذا التوجيه يأمر رسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن ينفض يديه من أمرهم، ويدعهم لمصيرهم، الذي وجههم إلى نظائره، وألا يضيق صدره بمكرهم، فإنهم لن يضروه شيئاً، وألا يحزن عليهم فقد أدى واجبه تجاههم وأبلغهم وبصرهم. {ولا تحزن عليهم. ولا تكن في ضيق مما يمكرون}.. وهذا النص يصور حساسية قلبه ـ صلى الله عليه وسلم ـ وحزنه على مصير قومه الذي يعلمه من مصائر المكذبين قبلهم، ويدل كذلك على شدة مكرهم به وبالدعوة وبالمسلمين حتى ليضيق صدره الرحب الكبير. ثم يمضي في سرد مقولاتهم عن قضية البعث، واستهانتهم بالوعيد بالعذاب في الدنيا أو في الآخرة: {ويقولون: متى هذا الوعد إن كنتم صادقين}.. كانوا يقولون هذا كلما خوفوا بمصائر المجرمين قبلهم، ومصارعهم التي يمرون عليها مصبحين كقرى لوط، وآثار ثمود في الحجر، وآثار عاد في الأحقاف، ومساكن سبأ بعد سيل العرم.. كانوا يقولون مستهزئين: {متى هذا الوعد إن كنتم صادقين} متى هذا العذاب الذي تخوفوننا به؟ إن كنتم صادقين فهاتوه، أو خبرونا بموعده على التحديد! وهنا يجيء الرد يلقي ظلال الهول المتربص، وظلال التهكم المنذر في كلمات قصار: {قل: عسى أن يكون ردف لكم بعض الذي تستعجلون}.. بذلك يثير في قلوبهم الخوف والقلق من شبح العذاب. فقد يكون وراءهم ـ رديفاً لهم كما يكون الرديف وراء الراكب فوق الدابة ـ وهم لا يشعرون. وهم في غفلتهم يستعجلون به وهو خلف رديف! فيالها من مفاجأة ترتعش لها الأوصال. وهم يستهزئون ويستهترون! ومن يدري. إن الغيب لمحجوب. وإن الستار لمسبل. فما يدري أحد ما وراءه. وقد يكون على قيد خطوات ما يذهل وما يهول! إنما العاقل من يحذر، ومن يتهيأ ويستعد في كل لحظة لما وراء الستر المسدول! {وإن ربك لذو فضل على الناس، ولكن أكثرهم لا يشكرون}.. وإن فضله ليتجلى في إمهالهم وتأخير العذاب عنهم وهم مذنبون أو مقصرون، عسى أن يتوبوا إليه ويثوبوا إلى الطريق المستقيم. {ولكن أكثرهم لا يشكرون} على هذا الفضل، إنما يستهزئون ويستعجلون، أو يسدرون في غيهم ولا يتدبرون. {وإن ربك ليعلم ما تكن صدورهم وما يعلنون}.. وهم يمهلهم ويؤخر العذاب عنهم، مع علمه بما تكنه صدورهم وما تعلنه ألسنتهم وأفعالهم. فهو الإمهال عن علم، والإمهال عن فضل. وهم بعد ذلك محاسبون عما تكن صدورهم وما يعلنون. ويختم هذه الجولة بتقرير علم الله الشامل الكامل، الذي لا تخفى عليه خافية في السماء ولا في الأرض: {وما من غائبة في السماء والأرض إلا في كتاب مبين}.. ويجول الفكر والخيال في السماء والأرض، وراء كل غائبة. من شيء، ومن سر، ومن قوة، ومن خبر، وهي مقيدة بعلم الله، لا تند منها شاردة، ولا تغيب منها غائبة. والتركيز في السورة كلها على العلم. والإشارات إليه كثيرة، وهذه واحدة منها تختم بها هذه الجولة. وبمناسبة الحديث عن علم الله المطلق يذكر ما ورد في القرآن من فصل الخطاب فيما اختلف عليه بنو إسرائيل، بوصفه طرفاً من علم الله المستيقن، ونموذجاً من فصل الله وقضائه بين المختلفين. ليكون هذا تعزية لرسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وليدعهم لله يفصل بينه وبينهم بقضائه الأخير: {إن هذا القرآن يقص على بني إسرائيل أكثر الذي هم فيه يختلفون؛ وإنه لهدى ورحمة للمؤمنين. إن ربك يقضي بينهم بحكمه وهو العزيز العليم. فتوكل على الله إنك على الحق المبين. إنك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعاء إذا ولوا مدبرين، وما أنت بهادي العمي عن ضلالتهم إن تسمع إلا من يؤمن بآياتنا فهم مسلمون}.. ولقد اختلف النصارى في المسيح ـ عليه السلام ـ وفي أمه مريم. قالت جماعة: إن المسيح إنسان محض، وقالت جماعة: إن الأب والإبن وروح القدس إن هي إلا صور مختلفة أعلن الله بها نفسه للناس. فالله بزعمهم مركب من أقانيم ثلاثة، الأب والابن وروح القدس (والإبن هو عيسى) فانحدر الله الذي هو الأب في صورة روح القدس وتجسد في مريم إنساناً وولد منها في صورة يسوع! وجماعة قالت: إن الابن ليس أزلياً كالأب بل هو مخلوق من قبل العالم، ولذلك هو دون الأب وخاضع له! وجماعة أنكروا كون روح القدس أقنوما! وقرر مجمع نيقية سنة 325 ميلادية، ومجمع القسطنطينية سنة 381 بأن الإبن وروح القدس مساويان للأب في وحدة اللاهوت، وأن الإبن قد ولد منذ الأزل من الأب وأن الروح القدس منبثق من الأب. وقرر مجمع طليطلة سنة 589 بأن روح القدس منبثق من الابن أيضاً. فاختلف الكنيسة الشرقية والكنيسة الغربية عند هذه النقطة وظلتا مختلفتين.. فجاء القرآن الكريم يقول كلمة الفصل بين هؤلاء جميعاً. وقال عن المسيح: إنه كلمة الله ألقاها إلى مريم وروح منه وإنه بشر.. {أية : إن هو إلا عبد أنعمنا عليه وجعلناه مثلاً لبني إسرائيل}. تفسير : وكان هذا فصل الخطاب فيما كانوا فيه يختلفون. واختلفوا في مسألة صلبه مثل هذا الاختلاف. منهم من قال: إنه صلب حتى مات ودفن ثم قام من قبره بعد ثلاثة أيام وارتفع إلى السماء. ومنهم من قال: إن يهوذا أحد حوارييه الذي خانه ودل عليه ألقي عليه شبه المسيح وصلب. ومنهم من قال: ألقي شبهه على الحواري سيمون وأخذ به.. وقص القرآن الكريم الخبر اليقين فقال: {أية : وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم} تفسير : وقال: {أية : يا عيسى إني متوفيك ورافعك إليّ ومطهرك..} تفسير : وكانت كلمة الفصل في ذلك الخلاف. ومن قبل حرف اليهود التوراة وعدلوا تشريعاتها الإلهية؛ فجاء القرآن الكريم يثبت الأصل الذي أنزله الله: {أية : وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس، والعين بالعين، والأنف بالأنف، والأذن بالأذن، والسن بالسن، والجروح قصاص }.. تفسير : وحدثهم حديث الصدق عن تاريخهم وأنبيائهم، مجرداً من الأساطير الكثيرة التي اختلفت فيها رواياتهم، مطهراً من الأقذار التي ألصقتها هذه الروايات بالأنبياء، والتي لم يكد نبي من أنبياء بني إسرائيل يخرج منها نظيفاً!.. إبراهيم ـ بزعمهم ـ قدم امرأته لأبيمالك ملك الفلسطينيين، وإلى فرعون ملك مصر باسم أنها أخته لعله ينال بسببها نعمة في أعينهما! ويعقوب الذي هو إسرائيل أخذ بركة جده إبراهيم من والده إسحاق بطريق السرقة والحيلة والكذب؛ وكانت بزعمهم هذه البركة لأخيه الأكبر عيصو! ولوط ـ بزعمهم ـ أسكرته بنتاه كل منهما ليلة ليضطجع معها لتنجب منه كي لا يذهب مال أبيها إذ لم يكن له وارث ذكر. وكان ما أرادتا! وداود رأى من سطوح قصره امرأة جميلة عرف أنها زوجة أحد جنده، فأرسل هذا الجندي إلى المهالك ليفوز ـ بزعمهم ـ بامرأته! وسليمان مال إلى عبادة (بغل) بزعمهم. مجاراة لإحدى نسائه التي كان يعشقها ولا يملك معارضتها! وقد جاء القرآن فطهر صفحات هؤلاء الرسل الكرام مما لوثتهم به الأساطير الإسرائيلية التي أضافوها إلى التوراة المنزلة، كما صحح تلك الأساطير عن عيسى ابن مريم ـ عليه السلام. وهذا القرآن المهيمن على الكتب قبله الذي يفصل في خلافات القوم فيها، ويحكم بينهم فيما اختلفوا فيه هو الذي يجادل فيه المشركون، وهو الحكم الفصل بين المتجادلين! {وإنه لهدى ورحمة للمؤمنين}.. {هدى} يقيهم من الاختلاف والضلال، ويوحد المنهج، ويعين الطريق، ويصلهم بالسنن الكونية الكبرى التي لا تختلف ولا تحيد، {ورحمة} يرحمهم من الشك والقلق والحيرة، والتخبط بين المناهج والنظريات التي لا تثبت على حال؛ ويصلهم بالله يطمئنون إلى جواره ويسكنون إلى كنفه، ويعيشون في سلام مع أنفسهم ومع الناس من حولهم، وينتهون إلى رضوان الله وثوابه الجزيل. والمنهج القرآني منهج فريد في إعادة إنشاء النفوس، وتركيبها وفق نسق الفطرة الخالصة؛ حيث تجدها متسقة مع الكون الذي تعيش فيه، متمشية مع السنن التي تحكم هذا الكون ـ في يسر وبساطة، بلا تكلف ولا تعمل. ومن ثم تستشعر في أعماقها السلام والطمأنينة الكبرى؛ لأنها تعيش في كون لا تصطدم مع قوانينه وسننه ولا تعاديه ولا يعاديها متى اهتدت إلى مواضع اتصالها به، وعرفت أن ناموسها هو ناموسه. وهذا التناسق بين النفس والكون، وذلك السلام الأكبر بين القلب البشري والوجود الأكبر ينبع منه السلام بين الجماعة، والسلام بين البشر، وتفيض منه الطمأنينة والاستقرار.. وهذه هي الرحمة في أشمل صورها ومعانيها.. وبعد هذه اللمحة إلى فضل الله على القوم بهذا القرآن الذي يفصل بين بني إسرائيل في اختلافاتهم ويقود المؤمنين به إلى الهدى ويسبغ عليهم الرحمة.. يقرر لرسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن ربه سيفصل فيما بينه وبين قومه، ويحكم بينهم حكمه الذي لا مرد له. حكمه القوي المبني على العلم اليقين: {فتوكل على الله إنك على الحق المبين}.. وقد جعل الله انتصار الحق سنة كونية كخلق السماوات والأرض، واختلاف الليل والنهار. سنة لا تتخلف.. قد تبطئ. تبطئ لحكمة يعلمها الله، وتتحقق بها غايات يقدرها الله. ولكن السنة ماضية. وعد الله لا يخلف الله وعده. ولا يتم الإيمان إلا باعتقاد صدقه وانتظار تحققه. ولوعد الله أجل لا يستقدم عنه ولا يستأخر. ويمضي في تسلية الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ وتأسيته على جموح القوم ولجاجهم في العناد وإصرارهم على الكفر بعد الجهد الشاق في النصح والبيان، وبعد مخاطبتهم بهذا القرآن.. يمضي في تسليته والتسرية عنه من هذا كله؛ فهو لم يقصر في دعوته. ولكنه إنما يسمع أحياء القلوب الذين تعي آذانهم فتتحرك قلوبهم، فيقبلون على الناصح الأمين. فأما الذين ماتت قلوبهم، وعميت أبصارهم عن دلائل الهدى والإيمان، فما له فيهم حيلة، وليس له إلى قلوبهم سبيل؛ ولا ضير عليه في ضلالهم وشرودهم الطويل: {إنك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعاء إذا ولوا مدبرين، وما أنت بهادي العمي عن ضلالتهم إن تسمع إلا من يؤمن بآياتنا فهم مسلمون}.. والتعبير القرآني البديع يرسم صورة حية متحركة لحالة نفسية غير محسوسة. حالة جمود القلب، وخمود الروح، وبلادة الحس، وهمود الشعور. فيخرجهم مرة في صورة الموتى، والرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ يدعو، وهم لا يسمعون الدعاء، لأن الموتى لا يشعرون! ويخرجهم مرة في هيئة الصم مدبرين عن الداعي، لأنهم لا يسمعون! ويخرجهم مرة في صورة العمي يمضون في عماهم؛ لا يرون الهادي لأنهم لا يبصرون! وتتراءى هذه الصور المجسمة المتحركة، فتمثل المعنى وتعمقه في الشعور! وفي مقابل الموتى والعمي والصم يقف المؤمنون. فهم الأحياء، وهم السامعون، وهم المبصرون. {إن تسمع إلا من يؤمن بآياتنا فهم مسلمون}.. إنما تسمع الذين تهيأت قلوبهم لتلقي آيات الله، بالحياة والسمع والبصر. وآية الحياة الشعور. وآية السمع والبصر الانتفاع بالمسموع والمنظور. والمؤمنون ينتفعون بحياتهم وسمعهم وأبصارهم. وعمل الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ هو أن يسمعهم، فيدلهم على آيات الله، فيستسلمون لتوهم ولحظتهم {فهم مسلمون}. إن الإسلام بسيط وواضح وقريب إلى الفطرة السليمة؛ فما يكاد القلب السليم يعرفه، حتى يستسلم له، فلا يشاق فيه. وهكذا يصور القرآن تلك القلوب، القابلة للهدى، المستعدة للاستماع، التي لا تجادل ولا تماري بمجرد أن يدعوها الرسول فيصلها بآيات الله، فتؤمن لها وتستجيب. بعد ذلك يجول بهم جولة أخرى في أشراط الساعة، وبعض مشاهدها، قبل الإيقاع الأخير الذي يختم به السورة.. جولة يذكر فيها ظهور الدابة التي تكلم الناس الذين كانوا لا يؤمنون بآيات الله الكونية. ويرسم مشهداً للحشر والتبكيت للمكذبين بالآيات وهم واجمون صامتون. ويعود بهم من هذا المشهد إلى آيتي الليل والنهار المعروضتين للأبصار وهم عنها غافلون. ثم يرتد بهم ثانية إلى مشهد الفزع يوم ينفخ في الصور، ويوم تسير الجبال وتمر مر السحاب؛ ويعرض عليهم مشهد المحسنين آمنين من ذلك الفزع، والمسيئين كبت وجوههم في النار: {وإذا وقع القول عليهم أخرجنا لهم دابة من الأرض تكلمهم، أن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون}. {ويوم نحشر من كل أمة فوجاً ممن يكذب بآياتنا فهم يوزعون. حتى إذا جاءوا قال: أكذبتم بآياتي ولم تحيطوا بها علماً؟ أم ماذا كنتم تعملون؟ ووقع القول عليهم بما ظلموا فهم لا ينطقون}. {ألم يروا أنا جعلنا الليل ليسكنوا فيه والنهار مبصراً؟ إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون}. {ويوم ينفخ في الصور ففزع من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله، وكل أتوه داخرين. وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب. صنع الله الذي أتقن كل شيء، إنه خبير بما تفعلون. من جاء بالحسنة فله خير منها، وهم من فزع يومئذ آمنون. ومن جاء بالسيئة فكبت وجوههم في النار. هل تجزون إلا ما كنتم تعملون؟}.. وقد ورد ذكر خروج الدابة المذكورة هنا في أحاديث كثيرة بعضها صحيح؛ وليس في هذا الصحيح وصف للدابة. إنما جاء وصفها في روايات لم تبلغ حد الصحة. لذلك نضرب صفحاً عن أوصافها، فما يعني شيئاً أن يكون طولها ستين ذراعاً، وأن تكون ذات زغب وريش وحافر، وأن يكون لها لحية! وأن يكون رأسها رأس ثور، وعينها عين خنزير، وأذنها أذن فيل. وقرنها قرن أيل، وعنقها عنق نعامة، وصدرها صدر أسد، ولونها لون نمر، وخاصرتها خاصرة هر، وذنبها ذنب كبش، وقوائمها قوائم بعير... إلخ هذه الأوصاف التي افتن فيها المفسرون! وحسبنا أن نقف عند النص القرآني والحديث الصحيح الذي يفيد أن خروج الدابة من علامات الساعة، وأنه إذا انتهى الأجل الذي تنفع فيه التوبة؛ وحق القول على الباقين فلم تقبل منهم توبة بعد ذلك؛ وإنما يقضى عليهم بما هم عليه.. عندئذ يخرج الله لهم دابة تكلمهم. والدواب لا تتكلم، أولا يفهم عنها الناس. ولكنهم اليوم يفهمون، ويعلمون أنها الخارقة المنبئة باقتراب الساعة. وقد كانوا لا يؤمنون بآيات الله، ولا يصدقون باليوم الموعود. ومما يلاحظ أن المشاهد في سورة النمل مشاهد حوار وأحاديث بين طائفة من الحشرات والطير والجن وسليمان عليه السلام. فجاء ذكر "الدابة" وتكليمها الناس متناسقاً مع مشاهد السورة وجوها، محققاً لتناسق التصوير في القرآن، وتوحيد الجزئيات التي يتألف منها المشهد العام. ويعبر السياق من هذه العلامة الدالة على اقتراب الساعة، إلى مشهد الحشر! {ويوم نحشر من كل أمة فوجاً ممن يكذب بآياتنا فهم يوزعون}.. والناس كلهم يحشرون. إنما شاء أن يبرز موقف المكذبين {فهم يوزعون} يساقون أولهم على آخرهم، حيث لا إرادة لهم ولا وجهة لا اختيار. {حتى إذا جاءوا قال: أكذبتم بآياتي ولم تحيطوا بها علماً؟ أم ماذا كنتم تعملون؟}. والسؤال الأول للتخجيل والتأنيب. فمعروف أنهم كذبوا بآيات الله. أما السؤال الثاني فملؤه التهكم، وله في لغة التخاطب نظائر: أكذبتم؟ أم كنتم تعملون ماذا؟ فما لكم عمل ظاهر يقال: إنكم قضيتم حياتكم فيه، إلا هذا التكذيب المستنكر الذي ما كان ينبغي أن يكون.. ومثل هذا السؤال لا يكون عليه جواب إلا الصمت والوجوم، كأنما وقع على المسؤول ما يلجم لسانه ويكبت جنانه: {ووقع القول عليهم بما ظلموا فهم لا ينطقون}.. وحق عليهم القضاء بسبب ظلمهم في الدنيا، وهم واجمون صامتون! ذلك على حين نطقت الدابة قبيل ذلك. وها هم الناس لا ينطقون! وذلك من بدائع التقابل في التعبير القرآني، وفي آيات الله التي يعبر عنها هذا القرآن. ونسق العرض في هذه الجولة ذو طابع خاص، هو المزاوجة بين مشاهد الدنيا ومشاهد الآخرة، والانتقال من هذه إلى تلك في اللحظة المناسبة للتأثر والاعتبار. وهو هنا ينتقل من مشهد المكذبين بآيات الله، المبهوتين في ساحة الحشر إلى مشهد من مشاهد الدنيا، كان جديراً أن يوقظ وجدانهم، يدعوهم إلى التدبر في نظام الكون وظواهره، ويلقي في روعهم أن هناك إلهاً يرعاهم، ويهيء لهم أسباب الحياة والراحة، ويخلق الكون مناسباً لحياتهم لا مقاوماً لها ولا حرباً عليها ولا معارضاً لوجودها أو استمرارها: {ألم يروا أنا جعلنا الليل ليسكنوا فيه والنهار مبصراً؟ إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون}. ومشهد الليل الساكن، ومشهد النهار المبصر، خليقان أن يوقظا في الإنسان وجداناً دينياً يجنح إلى الاتصال بالله، الذي يقلب الليل والنهار، وهما آيتان كونيتان لمن استعدت نفسه للإيمان، ولكنهم لا يؤمنون. ولو لم يكن هناك ليل فكان الدهر كله نهاراً لانعدمت الحياة على وجه الأرض؛ وكذلك لو كان الدهر كله ليلاً. لا بل إنه لو كان النهار أو الليل أطول مما هما الآن عشر مرات فقط لحرقت الشمس في النهار كل نبات، ولتجمد في الليل كل نبات. وعندئذ تستحيل الحياة. ففي الليل والنهار بحالتهما الموافقة للحياة آيات. ولكنهم لا يؤمنون. ومن آيتي الليل والنهار في الأرض، وحياتهم الآمنة المكفولة في ظل هذا النظام الكوني الدقيق يعبر بهم في ومضة إلى يوم النفخ في الصور، وما فيه من فزع يشمل السماوات والأرض ومن فيهن من الخلائق إلا من شاء الله. ما فيه من تسيير للجبال الرواسي التي كانت علامة الاستقرار؛ وما ينتهي إليه هذا اليوم من ثواب بالأمن والخير، ومن عقاب بالفزع والكب في النار: {ويوم ينفخ في الصور ففزع من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله؛ وكل أتوه داخرين. وترى الجبال تحسبها جامدة، وهي تمر مر السحاب، صنع الله الذي أتقن كل شيء، إنه خبير بما تفعلون. من جاء بالحسنة فله خير منها، وهم من فزع يومئذ آمنون. ومن جاء بالسيئة فكبت وجوههم في النار. هل تجزون إلا ما كنتم تعملون}.. والصور البوق ينفخ فيه. وهذه هي نفخة الفزع الذي يشمل كل من في السماوات ومن في الأرض ـ إلا من شاء الله أن يأمن ويستقر.. قيل هم الشهداء.. وفيها يصعق كل حي في السماوات والأرض إلا من شاء الله. ثم تكون نفخة البعث. ثم نفخة الحشر. وفي هذه يحشر الجميع: {وكل أتوه داخرين} أذلاء مستسلمين. ويصاحب الفزع الانقلاب الكوني العام الذي تختل فيه الأفلاك، وتضطرب دورتها. ومن مظاهر هذا الاضطراب أن تسير الجبال الراسية، وتمر كأنها السحاب في خفته وسرعته وتناثره. ومشهد الجبال هكذا يتناسق مع ظل الفزع، ويتجلى الفزع فيه؛ وكأنما الجبال مذعورة مع المذعورين، مفزوعة مع المفزوعين، هائمة مع الهائمين الحائرين المنطلقين بلا وجهة ولا قرار! {صنع الله الذي أتقن كل شيء}. سبحانه! يتجلى إتقان صنعته في كل شيء في هذا الوجود. فلا فلتة ولا مصادفة، ولا ثغرة ولا نقص، ولا تفاوت ولا نسيان. ويتدبر المتدبر كل آثار الصنعة المعجزة، فلا يعثر على خلة واحدة متروكة بلا تقدير ولا حساب. في الصغير والكبير، والجليل والحقير. فكل شيء بتدبير وتقدير، يدير الرؤوس التي تتابعه وتتملاه. {إنه خبير بما تفعلون}.. وهذا يوم الحساب عما تفعلون. قدره الله الذي أتقن كل شيء. وجاء به في موعده لا يستقدم ساعة ولا يستأخر؛ ليؤدي دوره في سنة الخلق عن حكمة وتدبير؛ وليحقق التناسق بين العمل والجزاء في الحياتين المتصلتين المتكاملتين، {صنع الله الذي أتقن كل شيء. إنه خبير بما تفعلون}. في هذا اليوم المفزع الرهيب يكون الأمن والطمأنينة من الفزع جزاء الذين أحسنوا في الحياة الدينا، فوق ما ينالهم من ثواب هو أجزل من حسناتهم وأوفر: {من جاء بالحسنة فله خير منها. وهم من فزع يومئذ آمنون}. والأمن من هذا الفزع هو وحده جزاء. وما بعده فضل من الله ومنة. ولقد خافوا الله في الدنيا فلم يجمع عليهم خوف الدنيا وفزع الآخرة. بل أمنهم يوم يفزع من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله. {ومن جاء بالسيئة فكبت وجوههم في النار}.. وهو مشهد مفزع. وهم يكبون في النار على وجوههم. ويزيد عليهم التبكيت والتوبيخ! {هل تجزون إلا ما كنتم تعملون؟}.. فقد تنكبوا الهدى، وأشاحوا عنه بوجوههم؛ فهم يجزون به كباً لهذه الوجوه في النار وقد أعرضت من قبل عن الحق الواضح وضوح الليل والنهار. وفي النهاية تجيء الإيقاعات الأخيرة: حيث يلخص الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ دعوته ومنهجه في الدعوة؛ ويكلهم إلى مصيرهم الذي يرتضونه لأنفهسم بعد ما مضى من بيان؛ ويختم بحمد الله كما بدأ، ويدعهم إلى الله يكشف لهم آياته، ويحاسبهم على ما يعملون: {إنما أمرت أن أعبد رب هذه البلدة الذي حرمها، وله كل شيء، وأمرت أن أكون من المسلمين؛ وأن أتلو القرآن، فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه، ومن ضل فقل: إنما أنا من المنذرين. وقل: الحمد لله، سيريكم آياته فتعرفونها. وما ربك بغافل عما تعملون}.. وهم كانوا يدينون بحرمة البلدة الحرام والبيت الحرام؛ وكانوا يستمدون سيادتهم على العرب من عقيدة تحريم البيت؛ ثم لا يوحدون الله الذي حرمه وأقام حياتهم كلها عليه. فالرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقوّم العقيدة كما ينبغي أن تقوّم، فيعلن أنه مأمور أن يعبد رب هذه البلدة الذي حرمها، لا شريك له؛ ويكمل التصور الإسلامي للألوهية الواحدة، فرب هذه البلدة هو رب كل شيء في الوجود {وله كل شيء} ويعلن أنه مأمور بأن يكون من المسلمين. المسلمين كل ما فيهم له. لا شركة فيهم لسواه. وهم الرعيل الممتد في الزمن المتطاول من الموحدين المستسلمين. هذا قوام دعوته. أما وسلية هذه الدعوة فهي تلاوة القرآن: {وأن أتلو القرآن}.. فالقرآن هو كتاب هذه الدعوة ودستورها ووسيلتها كذلك. وقد أمر أن يجاهد به الكفار. وفيه وحده الغناء في جهاد الأرواح والعقول. وفيه ما يأخذ على النفوس أقطارها، وعلى المشاعر طرقها؛ وفيه ما يزلزل القلوب الجاسية ويهزها هزاً لا تبقى معه على قرار. وما شرع القتال بعد ذلك إلا لحماية المؤمنين من الفتنة، وضمان حرية الدعوة بهذا القرآن، والقيام على تنفيذ الشرائع بقوة السلطان. أما الدعوة ذاتها فحسبها كتابها.. {وأن أتلو القرآن}.. {فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه. ومن ضل فقل: إنما أنا من المنذرين}.. وفي هذا تتمثل فردية التبعة في ميزان الله، فيما يختص بالهدى والضلال. وفي فردية التبعة تتمثل كرامة هذا الإنسان، التي يضمنها الإسلام، فلا يساق سوق القطيع إلى الإيمان. إنما هي تلاوة القرآن، وتركه يعمل عمله في النفوس، وفق منهجه الدقيق العميق، الذي يخاطب الفطرة في أعماقها، وفق ناموسها المتسق مع منهج القرآن. {وقل: الحمد لله} مقدمة لما يتحدث عنه من صنع الله: {سيريكم آياته فتعرفونها}.. وصدق الله. ففي كل يوم يري عباده بعض آياته في الأنفس والآفاق. ويكشف لهم عن بعض أسرار هذا الكون الحافل بالأسرار. {وما ربك بغافل عما تعملون}.. وهكذا يلقي إليهم في الختام هذا الإيقاع الأخير، في هذا التعبير الملفوف. اللطيف. المخيف.. ثم يدعهم يعملون ما يعملون، وفي أنفسهم أثر الإيقاع العميق: {وما ربك بغافل عما تعملون}..
ابن عاشور
تفسير : {قُلِ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلاَمٌ عَلَىٰ عِبَادِهِ ٱلَّذِينَ ٱصْطَفَىٰ} لما استوفى غرض الاعتبار والإنذار حقه بذكر عواقب بعض الأمم التي كذبت الرسل وهي أشبه أحوالاً بأحوال المكذبين بمحمد صلى الله عليه وسلم وبالكتاب الذي أنزل عليه، وفي خلال ذلك وحَفَافيه تسلية النبي صلى الله عليه وسلم على ما يلقاه من قومه أقبل الله بالخطاب إلى الرسول صلى الله عليه وسلم يلقنه ماذا يقوله عقب القصص والمواعظ السالفة استخلاصاً واستنتاجاً منها، وشكر الله على المقصود منها. فالكلام استئناف والمناسبة ما علمت. أمر الرسول بالحمد على ما احتوت عليه القصص السابقة من نجاة الرسل من العذاب الحال بقومهم وعلى ما أعقبهم الله على صبرهم من النصر ورفعة الدرجات. وعلى أن أهلك الأعداء الظالمين كقوله {أية : فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين}تفسير : [الأنعام: 45] ونظيره قوله في سورة العنكبوت (63) {أية : قل الحمد لله بل أكثرهم لا يعقلون} تفسير : وقوله في آخر هذه السورة(93) {أية : وقل الحمد لله سيريكم} تفسير : الآية. فأمر الرسول بحمد الله على ذلك باعتبار ما أفاده سوق تلك القصص من الإيماء إلى وعد الرسول بالنصر على أعدائه. فقوله {قل الحمد لله} أمر للرسول صلى الله عليه وسلم بإنشاء حمد الله. وقد تقدمت صيغة الحمد في أول الفاتحة. وعطف على المأمور بأن يقوله من الحمد أمر بأن يتبعه بالسلام على الرسل الذين سبقوه قدراً لقدر ما تجشموه في نشر الدين الحق. وأصل {سلام}سلمت سلاماً، مقصود منه الإنشاء فحذف الفعل وأقيم مفعوله المطلق بدلاً عنه. وعدل عن نصب المفعول المطلق إلى تصييره مبتدأ مرفوعا للدلالة على الثبات والدوام كما تقدم عند قوله {أية : الحمد لله} تفسير : في أول سورة الفاتحة(2). والسلام في الأصل اسم يقوله القائل لمن يلاقيه بلفظ: سلام عليك، أو السلام عليك. ومعناه سلامة وأمنٌ ثابت لك لا نكول فيه، لما تؤذن به (على) من الاستعلاء المجازي المراد به التمكن كما في {أية : أولئك على هدى من ربهم}تفسير : [البقرة: 5]. وأصل المقصود منه هو التأمين عند اللقاء إذ قد تكون بين المتلاقين إحَن أو يكون من أحدهما إغراء بالآخر، فكان لفظ (السلام عليك) كالعهد بالأمان. ثم لما كانت المفاتحة بذلك تدل على الابتداء بالإكرام والتلطف عند اللقاء ونية الإعانة والقرى، شاع إطلاق كلمة: السلام عليك، ونحوها عند قصد الإعراب عن التلطف والتكريم وتنوسي ما فيها من معنى بذل الأمن والسلامة، فصار الناس يتقاولونها في غير مظان الريبة والمخافة فشاعت في العرب في أحيائهم وبيوتهم وصارت بمنزلة الدعاء الذي هو إعراب عن إضمار الخير للمدعو له بالسلامة في حياته. فلذلك قال تعالى {أية : فإذا دخلتم بيوتاً فسلموا على أنفسكم تحية من عند الله مباركة طيبة} تفسير : كما تقدم في سورة النور(61) وصار قول: السلام، بمنزلة قول: حياك الله، ولكنهم خصُّوا كلمة: (حياك الله) بملوكهم وعظمائهم فانتقلت كلمة (السلام عليكم) بهذا إلى طور آخر من أطوار استعمالها من عهد الجاهلية وقد قيل إنها كانت تحية للبشر من عهد آدم. ثم ذكر القرآن السلام من عند الله تعالى على معنى كونه معاملة منه سبحانه بكرامة الثناء وحسن الذكر للذين رضي الله عنهم من عباده في الدنيا كقوله حكاية عن عيسى إذ أنطقه بقوله {أية : والسلام علي يوم ولدت ويوم أموت}تفسير : [مريم: 33]. وكذلك في الآخرة وما في معناها من أحوال الأرواح بعد الموت كقوله عن عيسى {أية : ويوم أبعث حياً}تفسير : [مريم: 33]، وقوله عن أهل الجنة {أية : لهم فيها فاكهة ولهم ما يدعون سلام قولاً من رب رحيم}تفسير : [يس: 57، 58]. وجاء في القرآن السلام على خمسة من الأنبياء في سورة الصافات. وأيضاً أمر الله الأمة بالسلام على رسولها فقال {أية : يا أيها الذين ءامنوا صلوا عليه وسلموا تسليماً}تفسير : [الأحزاب: 56] أي قولوا: السلام عليك أيها النبي لأن مادة التفعيل قد يُؤتى بها للدلالة على قول منحوت من صيغة التفعيل، فقوله: {سلّموا تسليماً} معناه: قولوا كلمة السلام. مثل بسمل، إذا قال: بسم الله، وكبر، إذا قال: الله أكبر. وفي الحديث "تسبحون وتحمدون وتكبرون دبر كل صلاة ثلاثاً وثلاثين". ومعنى {وسلام على عباده الذين اصطفى}إنشاء طلب من الله أن يسلم على أحد المصطفين، أي أن يجعل لهم ذكراً حسناً في الملأ الأعلى. فإذا قال القائل: السلام على فلان؛ وفلان غائب أو في حكم الغائب كان ذلك قرينة على أن المقصود الدعاء له بسلام من الله عليه. فقد أزيل منه معنى التحية لا محالة وتعين للدعاء، ولهذا نهى النبي صلى الله عليه وسلم المسلمين عن أن يقولوا في التشهد: السلام على الله السلام على النبي السلام على فلان وفلان. فقال لهم «حديث : إن الله هو السلام» تفسير : أي لا معنى للسلام على الله في مقام الدعاء لأن الله هو المدعو بأن يسلم على من يطلب له ذلك. فلما أمر تعالى في هذه السورة رسوله صلى الله عليه وسلم أن يقول {سلام على عباده الذين اصطفى} فقد عيّن له هذه الجملة ليقولها يسأل من الله أن يكرم عباده الذين اصطفى بالثناء عليهم في الملأ الأعلى وحسن الذكر، إذ قصارى ما يستطيعه الحاضر من جزاء الغائب على حسن صنيعه أن يبتهل إلى الله أن ينفحه بالكرامة. والعباد الذين اصطفاهم الله في مقدمتهم الرسل والأنبياء ويشمل ذلك الصالحين من عباده كما في صيغة التشهد: «السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين». وسيأتي الكلام على التسليم على النبي صلى الله عليه وسلم في سورة الأحزاب. {آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ} هذا مما أمر الرسول عليه الصلاة والسلام أن يقوله فأمر أن يقول: {الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى} تمهيداً لقوله: {آللَّه خير أما تشركون} لأن العباد الذين اصطفاهم الله جاؤوا كلهم بحاصل هذه الجملة. وأمر أن يشرع في الاستدلال على مسامع المشركين فيقول لهم هذا الكلام، بقرينة قوله {أما تشركون}بصيغة الخطاب في قراءة الجمهور، ولأن المناسب للاستفهام أن يكون موجهاً إلى الذين أشركوا بالله ما لا يخلق ولا يرزق ولا يفيض النعم ولا يستجيب الدعاء، فليس هذا لقصد إثبات التوحيد للمسلمين. والاستفهام مستعمل في الإلجاء وإلزام المخاطب بالإقرار بالحق وتنبيهه على خطئه. وهذا دليل إجمالي يقصد به ابتداء النظر في التحقيق بالإلهية والعبادة. فهذا من قبيل ما قال الباقلاني وإمام الحرمين وابن فورك إن أول الواجبات أول النظر أو القصد إلى النظر ثم تأتي بعده الأدلة التفصيلية، وقد ناسب إجماله أنه دليل جامع لما يأتي من التفاصيل فلذلك جيء فيه بالاسم الجامع لمعاني الصفات كلها، وهو اسم الجلالة. فقيل: {آللَّه خير}. وجيء فيما بعد بالاسم الموصول لما في صلاته من الصفات. وجاء {خير}بصيغة التفضيل لقصد مجاراة معتقدهم أن أصنامهم شركاء الله في الإلهية بحيث كان لهم حظ وافر من الخير في زعمهم، فعبّر بــــ{خير}لإيهام أن المقام لإظهار رجحان إلهية الله تعالى على أصنامهم استدراجاً لهم في التنبيه على الخطأ مع التهكم بهم إذ آثروا عبادة الأصنام على عبادة الله. والعاقل لا يؤثر شيئاً على شيء إلا لداع يدعو إلى إيثاره، ففي هذا الاستفهام عن الأفضل في الخير تنبيه لهم على الخطأ المفرط والجهل المورط لتنفتح بصائرهم إلى الحق إن أرادوا اهتداء. والمعنى: ءالله الحقيق بالإلهية أم ما تشركونهم معه. والاستفهام على حقيقته بقرينة وجود {أم} المعادلة للهمزة فإن التهكم يبنى على الاستعمال الحقيقي. وهذا الكلام كالمقدمة للأدلة الآتية جميعها على هذا الدليل الإجمالي كما ستعلمه.. وقرأ الجمهور {تشركون}بتاء الخطاب. وقرأه أبو عمرو وعاصم ويعقوب بياء الغيبة فيكون القول الذي أمر به النبي صلى الله عليه وسلم محكياً بالمعنى روعي فيه غيبة المشركين في مقام الخطاب بالأمر. و{ما} موصولة والعائد محذوف. والتقدير: ما يشركونها إياه، أي أصنامكم.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 59- قل - أيها الرسول -: إنى أحمد الله وأثنى عليه - وحده - وأسأل الله سلاماً وتحية لعباده الذين اختارهم لأداء رسالته، وقل - أيها الرسول - للمشركين: هل توحيد الله خير لمن آمن، أم عبادة الأصنام التى أشركتم بها وهى لا تملك ضراً ولا نفعاً؟! 60- بل اسألهم - أيها الرسول - عمَّن خلق السموات والأرض وما فيهما، وأنزل لأجلكم من السماء غيثاً نافعاً، فأنبت به بساتين ذات حُسن وبهاء ما أمكن لكم أن تنبتوا شجرها المختلف الأنواع والألوان والثمار. هذا التناسق فى الخلق يثبت أن ليس مع الله إله، ولكن الكفار قوم يعدلون عن الحق والإيمان ويميلون للباطل والشرك. 61- بل اسألهم - أيها الرسول - عمَّن مهَّد الأرض للإقامة فيها والاستقرار عليها، وخلق وسطها أنهاراً، وخلق عليها جبالا تمنعها من الميل، وجعل بين الماء العذب والماء الملح فاصلا يمنع امتزاج أحدهما بالآخر!! ليس هناك إله مع الله فهو الخالق - وحده - لكن أكثر الناس لا ينتفعون بالعلم الحق على وجهه وكأنهم لا يعلمون. 62- بل اسألهم - أيها الرسول - عمَّن يجيب المضطر - فى دعائه - إذا أحوجته الشدة فلجأ إلى الله فى ضراعة وخشوع، ويدفع عن الإنسان ما يعتريه من مكروه، ويجعلكم خلفاء لمن سبقكم فى الأرض؟. ليس هناك إله مع الله المانح لهذه النعم، ولكنكم أيها الكافرون قلّما تتعظون. 63- بل اسألهم - أيها الرسول - عمَّن يرشدهم إلى السير فى ظلام الليل برا وبحراً، وعمن يبعث الرياح مبشرة بمطر هو رحمة من الله!؟ أهناك إله مع الله تعالى يصنع ذلك؟! تنزه الله سبحانه عن أن يكون له شريك.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: اصطفى: أي اختارهم لحمل رسالته وإِبلاغ دعوته. آلله خير: أي لمن يعبده. حدائق ذات بهجة: أي بساتين ذات منظر حسن لخضرتها وأزهارها. يعدلون: أي بربهم غيره من الأصنام والأوثان. جعل الأرض قراراً: أي قارة ثابتة لا تتحرك ولا تضطرب بسكانها. وجعل خلالها أنهاراً: أي جعل الأنهار العذبة تتخللها للشرب والسقي. وجعل لها رواسي: أي جبالاً أرساها بها حتى لا تتحرك ولا تميل. بين البحرين حاجزاً: أي فاصلاً لا يختلط أحدهما بالآخر. ويكشف السوء: أي الضر، المرض وغيره. قليلاً ما تذكرون: أي ما تتعظون إلا قليلاً. بشراً بين يدي رحمته: أي مبشرة بين يدي المطر إذ الرياح تتقدم ثم باقي المطر. أمن يبدأ الخلق ثم يعيده: أي يبدؤه في الأرحام، ثم يعيده يوم القيامة. هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين: أي حجتكم إن كنتم صادقين أن مع الله إلهاً آخر فعل ما ذكر. معنى الآيات: لما أخبر الله تعالى رسوله بإهلاك المجرمين ونجاة المؤمنين أمر تعالى رسوله أن يحمده على ذلك تعليماً له ولأمته إذا تجددت لهم نعمة أن يحمدوا الله تعالى عليها ليكون ذلك من شكرها قال تعالى: {قُلِ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ} أي الوصف بالجميل لله استحقاقاً. {وَسَلاَمٌ عَلَىٰ عِبَادِهِ ٱلَّذِينَ ٱصْطَفَىٰ} الله لرسالته وإبلاغ دعوته إلى عباده ليعبدوه فيكملوا ويسعدوا على ذلك في الحياتين. وقوله تعالى: {ءَآللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ} أي آ الله الخالق الرازق المدبر القوي المنتقم من أعدائه المكرم لأوليائه؛ عبادته خير لمن يعبده بها أم عبادة من يشركون. فقوله {أَمَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ وَأَنزَلَ لَكُمْ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً} أي لحاجتكم إليه غسلاً وشرباً وسقيا {فَأَنبَتْنَا بِهِ حَدَآئِقَ} أي بساتين محدقة بالجدران والحواجز {ذَاتَ بَهْجَةٍ} أي حسن وجمال، {مَّا كَانَ لَكُمْ أَن تُنبِتُواْ شَجَرَهَا} أي لم يكن في استطاعتكم أن تنبتوا شجرها {أَإِلَـٰهٌ مَّعَ ٱللَّهِ} لا والله {بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ} أي يشركون بربهم أصناماً ويُسَوُّونها به في العبادات. وقوله تعالى: {أَمَّن جَعَلَ ٱلأَرْضَ قَرَاراً} أي قارة ثابتة لا تتحرك بسكانها ولا تضطرب بهم فيهلكوا. {وَجَعَلَ خِلاَلَهَآ أَنْهَاراً} أي فيما بينها. {وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ} أي جبالاً تثبتها، {وَجَعَلَ بَيْنَ ٱلْبَحْرَيْنِ} العذب والملح {حَاجِزاً} حتى لا يختلط الملح بالعذب فيفسده. {أَإِلَـٰهٌ مَّعَ ٱلله}؟ والجواب: لا والله. {بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} ولو علموا لما أشركوا بالله مخلوقاته. وقوله تعالى: {أَمَّن يُجِيبُ ٱلْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ} أي ليكشف ضره {وَيَكْشِفُ ٱلسُّوۤءَ} أي يبعده والسوء هو ما يسوء المرء من مرض وجوع وعطش وقحط وجدب. {وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَآءَ ٱلأَرْضِ} جعل جيلاً يخلف جيلاً وهكذا الموجود خلف لمن سلف وسيكون سلفاً لمن خلف {أَإِلَـٰهٌ مَّعَ ٱللَّهِ} والجواب لا إله مع الله {قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ} أي ما تتعظون إلا قليلاً بما تسمعون وترون من آيات الله. وقوله تعالى: {أَمَّن يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ} في الليل بالنجوم وفي النهار بالعلامات الدالة والهادية إلى مقاصدكم {وَمَن يُرْسِلُ ٱلرِّيَاحَ بُشْرَاً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ} أي من يثير الرياح ويرسلها تتقدم المطر وتبشر به؟ لا أحد غير الله إذاً.. أ إله مع الله. والجواب: لا، لا.. الله وحده الإِله الحق وما عداه فباطل. وقوله تعالى: {تَعَالَى ٱللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} نزه تعالى نفسه عن الشرك المشركين أصناماً لا تبدئ ولا تعيد ولا تخلق ولا ترزق ولا تعطي ولا تمنع. وقوله تعالى: {أَمَّن يَبْدَؤُاْ ٱلْخَلْقَ} أي نطفاً في الأرحام، ثم بعد حياته يميته، ثم يعيده وهو معنى {ثُمَّ يُعيدُهُ}. {وَمَن يَرْزُقُكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ} بالمطر {وٱلأَرْضِ} بالنبات. والجواب: الله إذاً {أَإِلَـٰهٌ مَّعَ ٱللَّهِ} والجواب: لا، لا وإن قلتم هناك آلهة مع الله {قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ} أي حججكم {إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} أن غير الله يفعل شيئاً مما ذُكر في هذا السياق الكريم. هداية الآيات: 1- وجوب حمد الله وشكره عند تجدد الشكر، والحمد لله رأس الشكر. 2- مشروعية السلام عند ذكر الأنبياء عليهم السلام فمن ذكر أحدهم قال عليه السلام. 3- التنديد بالشرك والمشركين. 4- تقرير التوحيد بأدلته الباهرة العديدة. 5- تقرير عقيدة البعث الآخر وإثباتها بالاستنباط من الأدلة المذكورة. 6- لا تثبت الأحكام إلا بالأدلة النقلية والعقلية.
القطان
تفسير : عباده الذين اصطفى: الأنبياء عليهم السلام. حدائق: بساتين. ذات بهجة: ذات منظر حسن يبتهج به من يراه: يَعدلِون: يميلون عن الحق وينحرفون حيث يجعلون لله عديلا. قرارا: مستقرا. خلالها: بينها. الرواسي: الجبال. حاجزا: فاصلا بينهما. الرياح بُشرا: مبشرة بالرحمة، أي المطر. قل يا محمد: الحمد لله وسلامٌ على عباده الذين اختارهم لرسالته، وجَمْعِ المتقين المصلحين واسأل معارِضيك: أي الآلهة أفضل، الله أم الاصنامُ التي يعبدونها وهي لا تضر ولا تنفع؟. اسألهم أيها الرسول: من خَلَق السماواتِ والأرض على ما فيهما من ابداع وحكمة، وأنزل لكم من السماء ماءً فأنبت به بساتينَ جميلة تسرّ الناظرين، ما كنتم تستطيعون ان تنبتوا شجرها؟ ولكن الكفار يعدِلون عن الحق والإيمان، ويميلون الى الباطل والشرك. اسألهم ايها الرسول: من الذي جعلَ الأرضَ للاستقرار عليها، وخلق وسطها انهارا، وخلق عليها جبالا تمنعها من الميل، وجعل بين الماء العذبِ والماء المالح فيها فاصلاً يمنع امتزاج احدهما بالآخرة، هل هناك إله مع الله؟ بل اكثرهم لا يعلمون. واسألهم ايها الرسول: من يجيب المضطرَّ اذا دعاه ويكشف عنه السوء، ويجعلكم خلفاء في الأرض تتصرفون فيها، هل هناك اله مع الله؟ {قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ}. اسألهم أيها الرسول: من يهديكم في ظلُمات البرّ والبحر وأنتم لا تدرون اين تذهبون، ومن يرسل الرياح مبشِّرة بمطر هو رحمة من الله؟ أهناك إله مع الله تعالى يصنع ذلك {وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ}. واسألهم ايها الرسول: من ينشىء الخلق ابتداءً ثم يوجده بعد فنائه كما كان، ومن يرزقكم من السماء والارض، هل هناك إله مع الله يفعل ذلك؟ قل ايها الرسول: {هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ}. قراءات: قرأ الجمهور: قليلا ما تذكرون بالتاء. وقرأ ابن عمرو وهشام وروح: قليلا ما يذكرون. بالياء.
د. أسعد حومد
تفسير : (59) - يَأْمُرُ اللهُ تَعَالَى رَسُولَهُ صلى الله عليه وسلم بِأنْ يَحْمَدَ رَبَّهُ عَلَى نِعَمِهِ وَآلائِهِ عَلَى عِبَادِهِ، وهيَ نِعَمٌ لاَ تُعَدُّ وَلا تُحْصَى، وَعَلَى مَا اتَّصَفَ بِهِ تَعَالى مِنَ الصِّفَاتِ الحَميدَةِ، والأَسْمَاءِ الحُسنَى، وَأَنْ يُسَلِّمَ عَلَى عِبَادِ اللهِ الذِينَ اصْطَفَاهُمْ رَبُّهُم، واخْتَارَهُمْ لِحَمِلِ رَسَالاَتِهِ (وَهُمْ الرُّسُلُ الكِرَامُ والأَنبِياءُ عَلَيهِمِ السَّلاَمُ، ومَنِ اصْطَفَاهُمُ الله لنُصْرةِ الرُّسُلِ). ويُنكِرُ اللهُ تَعَالَى عَلَى المُشرِكِينَ عِبَادَتَهُم آلهةً مَعَ اللهِ. ثُمَّ يَسأَلُهُم، مُستَنْكِراً، مَنْ هُو خيرٌ وأَفْضَلُ: أَهوَ اللهُ الحَقُّ خَالِقُ كُلِّ شَيءٍ، وَمُدَبِّرُ الكَوْنِ، وَمَنْ فِيهِ، وَرازِقُ المَخلُوقَاتِ، أَمِ الأَصنَامُ التي لاَ تَمْلِكُ لنَفسِها وَلا لِغَيرِهَا نَفْعاً ولا ضَرّاً وَلا مَوْتاً وَلاَ حَيَاةً وَلاَ نُشُوراً؟
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : نعرف أن الله تعالى يُحمد على النعمة، لكن هناك {ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ..} [النمل: 59] جاءت بعد نقمة وعذاب وأَخْذ للمكذِّبين. قالوا: الخطاب هنا مُوجَّه لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وفيه إشارة إلى أن جُنْد الله هم الغالبون، وأن العاقبة لهم ليطمئن رسول الله، كما أن تطهير الكون من المفسدين فيه، وحين تستريح منهم البلاد والعباد، هذه نعمة تستوجب {ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ..} [النمل: 59]. وفي إهلاك الكافرين والمكذِّبين عبرة ودرسٌ لغيرهم، حتى لا يتورطوا في أسباب الهلاك، وهذه نعمة أخرى تستحق الحمد. لذلك أمرنا ربنا - تبارك وتعالى - أن نحمده إنْ رأينا خيراً نزل بالأخيار، أو شراً حَلَّ بالأشرار. فالمعنى {قُلِ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ..} [النمل: 59] أن الرسل انتصروا وغلبوا، وأن المفسدين انهزموا واندحروا. ألاَ ترى قَوْلَ أهل الجنة: {أية : حَتَّىٰ إِذَا جَآءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلاَمٌ عَلَيْكُـمْ طِبْتُمْ فَٱدْخُلُوهَا خَالِدِينَ * وَقَـالُواْ ٱلْحَـمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا ٱلأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ ٱلْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَآءُ ..}تفسير : [الزمر: 73-74]. كذلك حين نرى الشرير الذي شاع شرُّه وكثُرَ فساده حين ينزل به ما يستحق من عقاب الله نقول جميعاً ساعةَ نسمع خبره: الحمد لله، هكذا بعملية لا شعورية عند الجميع أنْ تلهج ألسنتُهم بالحمد عند نزول النعمة على أصحابها، والنقمة على مَنْ يستحقها. ويقول تعالى عن أهل الشر والفساد: {أية : وَلَقَدْ أَرْسَلنَآ إِلَىٰ أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِٱلْبَأْسَآءِ وَٱلضَّرَّآءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ * فَلَوْلاۤ إِذْ جَآءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُواْ وَلَـٰكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَانُ مَا كَانُواّ يَعْمَلُونَ * فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّىٰ إِذَا فَرِحُواْ بِمَآ أُوتُوۤاْ أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُّبْلِسُونَ * فَقُطِعَ دَابِرُ ٱلْقَوْمِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ وَٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ}تفسير : [الأنعام: 42-45]. فبعد أنْ قطع الله دابر الظالمين قال: الحمد لله رب العالمين، ونلحظ هنا الفرق بين فتح لك، وفتح عليك؛ فتح لك يعني: فتح في صالحك، ومنه: {أية : إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً}تفسير : [الفتح: 1]. أما فتح عليهم يعني: بالسوء نكايةً فيهم، فمعنى {أية : فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ ..}تفسير : [الأنعام: 44]. أعطاهم الخير ليهلكهم به، وهم في حال نعمة ومكانة، حتى إذا أخذهم الله كان أَخْذه أليماً شديداً. وفي قصة نوح عليه السلام: {أية : فَإِذَا ٱسْتَوَيْتَ أَنتَ وَمَن مَّعَكَ عَلَى ٱلْفُلْكِ فَقُلِ ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي نَجَّانَا مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّالِمِينَ}تفسير : [المؤمنين: 28]. فحَمْد الله هنا على أمرين: الحمد لله لأنه أغرق الكافرين الظالمين وخلًّصنا منهم، والحمد لله لأنه نجَّى المؤمنين. ثم يقول سبحانه: {وَسَلاَمٌ عَلَىٰ عِبَادِهِ ٱلَّذِينَ ٱصْطَفَىٰ ..} [النمل: 59] وهم المؤمنون الذين نصرهم الله، وجعل العاقبة لهم، والسلام عليهم بعدها لاقوه من عَنَتِ الكفار وعنادهم، فالحمد لله الذي أهلك المفسدين، وأتى بالسلام على المهتدين. ثم يطرح الحق سبحانه قضية، ويأتي بها في صورة سؤال واستفهام؛ لتكون أبلغ في النفس من مجرد الإخبار بها: {ءَآللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ} [النمل: 59]. ولو أن الآية قالت: قل الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى لأن الله خير وما يشركون به شرٌّ لكان الكلامُ خبراً، والخبر في ذاته وبصرف النظر عن قائله يحتمل الصدق أو الكذب. أمَّا حين تُعرض هذه القضية في صورة الاستفهام، فقد جعلتَ مخاطبك هو الذي ينطق بها، كما لو أنكر أحد الأصدقاء جميلَك وأياديك عليه، فبدل أن تخبر أنت: فعلتُ لك كذا وكذا تدَعْه هو الذي يُخبر فتقول: ألم أفعل لك كذا وكذا؟ ولا يقول هذا إلا واثقٌ ومعتقدٌ أن الإجابة ستكون في صالحه. فالمعنى: {ءَآللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ} [النمل: 59] قولوا لنا أنتم ونحن نرتضي حكمكم بعدما رأيتُم وسمعتم من هذه القصة: آالله خير أم الذين أشركوا به خير؟ ولا بد أن تأتي الإجابة: الله خير؛ لذلك لما نزلت هذه الآية انفعل لها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأسرع بالجواب: "حديث : بل الله خير وأبقى وأجلُّ وأكرم ". تفسير : مما يدل على أن الانفعال بالقرآن واجب ونقصد الانفعال بمعانيه، لا الانفعال بالصوت والنغمات كالذي نسمعه من هؤلاء (الذكِّيرة) الذين يُشجِّعون المقرئين بالصياح والضجيج الذي لا يتناسب وجلال الآيات، وهم مع ذلك لا يفهمون المعاني ولا يتأثرون بها، لدرجة أن منهم مَنْ يسمع آيات العذاب فيقول بأعلى صوته: اللهم زِدْنا. وقد كان الكتبة من الصحابة ينفعلون بالآيات معنىً، حتى إن أحدهم ليكمل الآية ويختمها بما يناسبها قبل أن تُملَى عليه، لماذا؟ لأنهم فهموا عن الله وتأثروا بالمعنى، مما يدل على أن القرآن جاء موافقاً للفطرة السليمة، ومن هذا التوافق قول أحد الصحابة {أية : فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحْسَنُ ٱلْخَالِقِينَ}تفسير : [المؤمنين: 14] فنزل بها القرآن كما قالها. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول عن سورة الرحمن "حديث : لقد قرأتُ سورة الرحمن على إخوانكم الجن، فكانوا أحسن استجابة منكم، فكانوا كلما قلت {فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ}. قالوا: لا بشيء من نعمائك ربنا نكذب فلكَ الحمد . تفسير : إذن: حين نسمع كلام الله علينا أن ننفعل به، وأنْ نتجاوبَ معه تجاوباً واعياً، فعند آية التسبيح نُسبِّح، وعند آية الحمد نحمد الله، وعند آية الدعاء نقول: آمين، هذه مواجيد انفعالية لسماع القرآن والتجاوب معه، لا أنْ نسمعه أو نهذه كهذ الشِّعْر. ثم يقول الحق سبحانه: {أَمَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ ...}.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : أي: قل الحمد لله الذي يستحق كمال الحمد والمدح والثناء لكمال أوصافه وجميل معروفه وهباته وعدله وحكمته في عقوبته المكذبين وتعذيب الظالمين، وسلم أيضا على عباده الذين تخيرهم واصطفاهم على العالمين من الأنبياء والمرسلين وصفوة الله من العالمين، وذلك لرفع ذكرهم وتنويها بقدرهم وسلامتهم من الشر والأدناس، وسلامة ما قالوه في ربهم من النقائص والعيوب. { آللَّهُ خَيْرٌ أمَا يُشْرِكُونَ } وهذا استفهام قد تقرر وعرف، أي: الله الرب العظيم كامل الأوصاف عظيم الألطاف خير أم الأصنام والأوثان التي عبدوها معه، وهي ناقصة من كل وجه، لا تنفع ولا تضر ولا تملك لأنفسها ولا لعابديها مثقال ذرة من الخير فالله خير مما يشركون. ثم ذكر تفاصيل ما به يعرف ويتعين أنه الإله المعبود وأن عبادته هي الحق وعبادة [ما] سواه هي الباطل فقال: { أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ ...}.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):