٢٧ - ٱلنَّمْل
27 - An-Naml (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
81
Tafseer
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَمآ أَنتَ بِهَادِى ٱلْعُمْىِ عَن ضَلَٰلَتِهِمْ إِن } ما {تُسْمِعُ } سماع إفهام وقبول {إلاَّ مَن يُؤْمِنُ بِئَايَٰتِنَا } القرآن {فَهُم مُّسْلِمُونَ } مخلصون بتوحيد الله.
ابو السعود
تفسير : {وَمَا أَنتَ بِهَادِى ٱلْعُمْىِ عَن ضَلَـٰلَتِهِمْ} هدايةً موصِّلةً إلى المطلوبِ كما في قولِه تعالى: {أية : إِنَّكَ لاَ تَهْدِى مَنْ أَحْبَبْتَ } تفسير : [سورة القصص: الآية 56] فإنَّ الاهتداءَ منوطٌ بالبصرِ، وعن متعلِّقِةٍ بالهدايةِ باعتبارِ تضمنِه معنى الصَّرفِ وقيل: بالعمى عن كذا وفيهِ بعدٌ. وإيرادُ الجُملةِ الاسميةِ للمُبالغةِ في نَفي الهِداية. وقُرىء وما أنت تَهدي العُميَ {إِن تُسْمِعُ} أي ما تُسمع سماعاً يُجدي السامعَ نفعاً {إِلاَّ مَن يُؤْمِنُ بِئَايَـٰتِنَا} أي مَن مِن شأنِهم الإيمانُ بها. وإيرادُ الإسماعِ في النفيِّ والإثباتِ دونَ الهدايةِ مع قُربها بأنْ يقالَ إنْ تُهدي إلا مَن يُؤمن الخ لِما أنَّ طريقَ الهدايةِ هو إسماعُ الآياتِ التنزيليَّةِ {فَهُم مُّسْلِمُونَ} تعليلٌ لإيمانِهم بَها كأنَّه قيلَ فإنَّهم مُنقادونَ للحقَّ. وقيلَ: مُخلصون لله تعالى من قولِه تعالى: { أية : بَلَىٰ مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ}تفسير : [سورة البقرة: الآية 112] . {وَإِذْا وَقَعَ ٱلْقَوْلُ عَلَيْهِم} بـيانٌ لما أُشير إليه بقولِه تعالى: { أية : بَعْضُ ٱلَّذِى تَسْتَعْجِلُونَ} تفسير : [سورة النمل: الآية 72] من بقيةِ ما يستعجلونَهُ من السَّاعةِ ومباديها، والمُرادُ بالقولِ ما نطقَ من الآياتِ الكريمةِ بمجيءِ السَّاعةِ وما فيها مِنْ فُنونِ الأَهوالِ التي كانُوا يستعجلُونها وبوقوعِه قيامُها وحصولُها عبَّر عن ذلكَ به للإيذان بشدَّةِ وقعِها وتأثيرِها. وإسنادُه إلى القولِ لِما أنَّ المرادُ بـيانُ وقوعِها منْ حيثُ إنَّها مصداقٌ للقولِ النَّاطقِ بمجيئها وقد أُريدَ بالوقوعِ دُنوُّه واقترابُه كما في قولِه تعالى: { أية : أَتَىٰ أَمْرُ ٱللَّهِ} تفسير : [سورة النحل: الآية 1] أي إذا دَنَا وقوعُ مدلولِ القولِ المذكورِ الذي لا يكادُون يسمعونَهُ ومصداقُه {أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مّنَ ٱلأَرْضِ} وهي الجسَّاسةُ وفي التَّعبـيرِ عنها باسمِ الجنسِ وتأكيدُ إبهامِه بالتَّنوينِ التفخيميِّ من الدِّلالةِ على غَرَابةِ شأنِها وخروجِ أوصافِها عن طور البـيانِ ما لا يخفى. وقد وردَ في الحديثِ أنَّ طولها ستُّون ذراعاً لا يدركها طالبٌ ولا يفوتها هارب. وروي أن لها أربعَ قوائمَ ولها زَعَبٌ وريشٌ وجناحانِ. وعن ابن جُريجٍ في وصفِها رأسُ ثورٍ وعينُ خنزيرٍ وأُذنُ فيل وقرنُ أيلُ وعنقُ نعامةٍ وصدرُ أسدٍ ولونُ نمرٍ وخاصرةُ هرةٍ وذَنَبُ كبشِ وخُفُّ بعيرٍ وما بـين المفصلينِ اثنا عشرَ ذراعاً بذراعِ آدمَ عليهِ السَّلامُ. وقال وهبٌ: وجهُها وجه الرَّجلِ وباقي خَلقِها خَلْقُ الطَّيرِ. ورُوي عن عليَ رضي الله عنه أنَّه قال: ليس بدابةٍ لها ذنبٌ ولكنْ لها لحيةٌ كأنَّه رجلٌ. والمشهورُ أنَّها دابَّةٌ. وروي لا تخرجُ إلا رأسُها ورأسُها يبلغُ عنانَ السَّماءِ أو يبلغُ السَّحابَ. وعن أبـي هُريرةَ رضي الله عنْهُ فيها كلُّ لونٍ ما بـينَ قَرنيها فرسخٌ للرَّاكبِ. وعن الحَسَنِ رضي الله عنه لا يتمُّ خروجُها إلا بعدَ ثلاثةِ أيَّام. وعنْ عليَ رضي الله عنه أنَّها تخرجُ ثلاثَة أيَّامٍ والنَّاسُ ينظرونَ فلا يخرجُ كلَّ يومٍ إلا ثلثُها. وعن النبـيِّ عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنه سُئل من أين تخرجُ الدَّابةُ فقال: « حديث : من أعظمِ المساجدِ حرمةً على الله تعالى » تفسير : يعني المسجدَ الحرامَ ورُوي أنَّها تخرجُ ثلاثَ خرجاتٍ تخرجُ بأقصى اليمنِ ثم تخرجُ بالباديةِ ثم تنكمنُ دهراً طويلاً فبـينا النَّاسُ في أعظمِ المساجدِ حرمةً على الله تعالى وأكرمِها فما يهولُهم إلا خروجُها من بـينِ الركنِ حذاءً دار بني مخزومِ عن يمين الخارجِ من المسجد فقومٌ يهربون وقومٌ يقفون نظارةً، وقيل: تخرجُ من الصَّفا. ورُوي بـينَا عيسى عليه السَّلامُ يطوفُ بالبـيتِ ومعه المُسلمون إذْ تضطربُ الأرضُ تحتهم تحرُّكَ القنديلِ وينشقُّ الصَّفا مَّما يلِي المَسْعى فتخرجُ الدَّابةُ من الصَّفا ومعها عصا مُوسى وخاتمُ سليمانَ عليهما السَّلام فتضربُ المؤمنَ في مسجدِه بالعصَا فتنكتُ نُكتةً بـيضاءَ فتفشُو حتَّى يضيءَ لها وجهُه وتكتبُ بـين عينيهِ مؤمنٌ، وتنكتُ الكافرَ بالخاتمِ في أنفهِ فتفشُو النكتةُ حتَّى يسودَّ لها وجهُه وتكتبُ بـين عينيهِ كافرٌ ثم تقولُ لهم أنتَ يا فلانُ من أهل الجنَّة وأنتَ يا فلانُ من أهلِ النَّارِ. ورُوي عن ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهُمَا أنَّه قرعَ الصَّفا بعصاه وهو مُحرمٌ وقال إنَّ الدَّابةَ لتسمعُ قرعَ عصايَ هذه. ورَوَى أبُو هُريرةَ عن النبـيَّ عليه الصَّلاة والسَّلام أنَّه قال "حديث : "بئسَ الشّعبُ شِعبُ أجيادٍ" مرتينِ أو ثلاثاً قيلَ: ولم ذاكَ يا رسولَ الله قال "تخرجُ منه الدَّابةُ فتصرخُ ثلاثَ صرخاتٍ يسمعُها مَن بـين الخافقينِ فتتكلمُ بالعربـيةِ بلسانٍ ذلقٍ"" تفسير : وذلك قولُه تعالى: {تُكَلّمُهُمْ أَنَّ ٱلنَّاسَ كَانُوا بِـئَايَـٰتِنَا لاَ يُوقِنُونَ} أي تُكلمهم بأنَّهم كانُوا لا يُوقنون بآياتِ الله تعالى النَّاطقةِ بمجيء السَّاعة ومباديها أو بجميع آياتِه التي من جُملتِها تلك الآياتُ وقيل: بآياته التي من جُملتها خروجُها بـينَ يدي السَّاعةِ والأولُ هو الحقُّ كما سُتحيط به علماً. وقُرىء بأنَّ النَّاس الآيةَ وإضافةُ الآياتِ إلى نُونِ العظمةِ لأنَّها حكايةٌ منه تعالى لمعنى قولِها لا لعينِ عبارتِها وقيل: لأنَّها حكايةٌ منها لقولِ الله عزَّ وجَلَّ وقيل: لاختصاصِها به تعالى وأثرتِها عنده كما يقولُ بعضُ خواصِّ الملكِ خيلُنا وبلادُنا وإنَّما الخيلُ والبلادُ لمولاهُ وقيل: هناك مضافٌ محذوفٌ أي بآياتِ ربِّنا. ووصفُهم بعدمِ الإيقانِ بها معَ أنَّهم كانُوا جاحدينَ بها للإيذانِ بأنَّه كانَ من حقِّهم أنْ يُوقنوا بها ويقطعُوا بصحتها وقد اتَّصفُوا بنقيضِه. وقُرىء إنَّ النَّاس بالكسرِ على إضمارِ القولِ أو إجراءِ الكلامِ مَجراهُ. والكلامُ في الإضافةِ كالذي سبقَ وقيل: هو استئنافٌ مَسُوقٌ من جهتِه تعالى لتعليلِ إخراجِها أو تكليمِها ويردُّه الجمعُ بـينَ صيغتي المَاضِي والمستقبلِ فإنَّه صريحٌ في كونِه حكايةً لعدمِ إيقانِهم السابقِ في الدُّنيا. والمرادُ بالنَّاسِ إمَّا الكَفَرةُ على الإطلاقِ أو مُشركو مكَّةَ. وقد رُوي عن وهب أنَّها تخبرُ كل مَن تراهُ أنَّ أهلَ مكَّةَ كانُوا بمحمدٍ والقرآنِ لا يوُقنون. وقُرىء تُكلِّمهم مِن الكَلْمِ الذي هو الجُرْحُ. والمُرادُ به ما نُقلِ من الوسمِ بالعَصَا والخاتمِ وقد جُوِّزَ كونُ القراءةِ المشهورةِ أيضاً منه لمعنى التَّكثيرِ ولا يخفى بعدُه.
القشيري
تفسير : أنت تهديهم من حيث الدعاء والدلالة، ولكنك لا تهدي أحداً من حيث إزالة الباطل من القلب وإمالته إلى العرفان، إذ ليست بقُدْرَتِكَ الإزالة أو الإمالة. أنت لا تُسْمِعُ إِلاّ مَنْ يؤمِن بآياتنا، فلا يَسْمَعُ منك إِلاّ مَنْ أسعدناه من حيث التوفيق والإرشاد إِلى الطريق.
الطوسي
تفسير : قرأ حمزة {تهدي} بالتاء مفتوحة وبسكون الهاء {العمي} بنصب الياء. ويقف على {تهدي} بالياء. الباقون {بهاد} بباء مكسورة وبألف بعد الهاء، وخفض الياء من {العمي} على الاضافة في الموضعين. فقراءة حمزة تفيد الفعل المضارع. وقراءة الباقين اسم الفاعل. يقول الله تعالى لنبيه لست يا محمد تهدي العمي عن ضلالتهم. والهادي هو الذي يدعو غيره إلى الحق ويرشد اليه. وقد يدعو بالنطق بأن يقول: هو صواب وقد يدعو اليه بأن يبين أنه صواب، فانه ينبغي أن يعمل عليه ويعتقد صحته. والضلالة الذهاب عن طريق الصواب وهو الهلاك بالذهاب عنه. وإنما شبه الله تعالى الكفار بأنهم عمي، لانهم من حيث لم يهتدوا إلى الحق، ولم يصيروا اليه فكأنهم عمي، وانما نفى أن يهديهم إلى الحق بأن يحملهم عليه او يجبرهم عليه، ولم ينتف أن يكون هادياً لهم بالدعاء اليه، ويبين لهم الحق فيه. وقوله {إن تسمع إلا من يؤمن بآياتنا} معناه لا تسمع إلا من يطلب الحق بالنظر في آياتنا ولا يلبث أن يسلم، لان الدلائل تظهر له، وعقله يخاصمه حتى يقول بالحق ويعتقده. وانما قال انه يسمع المؤمنين، من حيث أنهم الذين ينتفعون به ويسلمون له. وقوله {وإذا وقع القول عليهم} قال قتادة: معناه وجب الغضب عليهم. وقال مجاهد: حق القول عليهم بأنهم لا يؤمنون. وقيل: معناه إذا وقع القول عليهم بأنهم قد صاروا إلى منزلة من لا يفلح أحد منهم ولا أحد بسببهم، أخذوا حينئذ بمنادي العقاب باظهار البراءة منهم. وقال ابن عمر، وعطية: إذا لم يأمر الناس بالمعروف وينهوا عن المنكر تخرج الدابة. وقيل: انها تخرج من بين الصفا والمروة. وروى محمد بن كعب القرطي عن علي (عليه السلام) انه سئل عن الدابة، فقال: (اما والله مالها ذنب وإن لها لحية) وفي هذا القول منه (ع) إشارة إلى انه من ابن آدم. وقال ابن عباس: دابة من دواب الله لها زغب وريش لها أربعة قوائم. وقال ابن عمر: انها تخرج حتى يبلغ رأسها الغيم، فيراها جميع الخلق. ومعنى {تكلمهم} قيل فيه قولان: احدهما - تكلمهم بما يسوؤهم من انهم صائرون إلى النار، من الكلام بلسان الآدميين الذي يفهمونه ويعرفون معناه، فتخاطب واحداً واحداً، فتقول له: يا مؤمن يا كافر. وقيل {تكلمهم بأن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون} أي بهذا القول. ذكره ابن مسعود. الثاني - تكلمهم من الكلام. وقيل إنها تكتب على جبين الكافر أنه كافر وعلى جبين المؤمن أنه مؤمن. وروي ذلك عن النبي (صلى الله عليه وسلم). ثم قال {ويوم نحشر من كل أمة فوجاً ممن يكذب بآياتنا فهم يوزعون} واستدل به قوم على صحة الرجعة في الدنيا، لأنه قال: من كل أمة، وهي للتبعيض فدل على ان هناك يوماً يحشر فيه قوم دون قوم، لأن يوم القيامة يحشر فيه الناس عامة، كما قال {أية : وحشرناهم فلم نغادر منهم أحداً}. تفسير : ومن حمل الآية على أن المراد باليوم يوم القيامة قال: إن (من) زائدة، والتقدير ويوم نحشر كل أمة فوجاً أي فوجاً فوجاً من الذين كذبوا بآيات الله ولقاء الآخرة {فهم يوزعون} أي يجمعون. وقال ابن عباس: معناه يدفعون. وقيل: يساقون. وقيل: يوقف أولهم على آخرهم. وقوله {ووقع القول عليهم بما ظلموا} أي صاروا إلى منزلة من لا يفلح احد منهم، ولا احد بسببهم، {فهم} في ذلك الوقت {لا ينطقون} بكلام ينتفعون به. ويجوز أن يكون المراد {لا ينطقون} أصلا لعظم ما يرونه ويشاهدونه من أهوال القيامة. وقرأ اهل الكوفة {تكلمهم أن الناس} بفتح الالف، لان ابن مسعود قرأ {بأن الناس} فلما سقطت الباء نصبوا {أن}. الباقون بالكسر على الاستئناف. وروي عن ابن عباس {تكلمهم} مخففاً اي تسمهم وتجرحهم تقول العرب كلمت زيداً إذا جرحته. وقد يقال ايضاً بالتشديد من الجراح، ولا يقال في الكلام إلا بالتشديد.
الجنابذي
تفسير : {وَمَآ أَنتَ بِهَادِي ٱلْعُمْيِ عَن ضَلالَتِهِمْ} لعجزهم عن رؤية الطّريق كلّما اريتهم الطّريق {إِن تُسْمِعُ إِلاَّ مَن يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا} اى من يشرف على الايمان او من يصدّق ويذعن بآياتنا التّكوينيّة الحاصلة فى الآفاق او فى الانفس خصوصاً الانبياء والاولياء (ع) او التّدوينيّة او يؤمن بالبيعة العامّة او الخاصّة {فَهُم مُّسْلِمُونَ} بالبيعة العامّة او منقادون للاستماع.
الهواري
تفسير : قوله: {وَمَآ أَنتَ بِهَادِي العُمْيِ عَن ضَلاَلَتِهِمْ} يعني الذين يموتون على كفرهم {إِنْ تُسْمِعُ إِلاَّ مَن يُّؤمِنُ بِآياتِنَا} أي: من أراد الله أن يؤمن منهم {فَهُم مُّسْلِمُونَ} وهذا سمع القبول. وأما الكافر فتسمع أذناه ولا يقبله قلبه. قوله: {وَإِذَا وَقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمُ} أي: حق القول عليهم، والقول: الغضب. {أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَآبَّةً مِّنَ الأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ} [وفي بعض القراءة: تُحدِّثهم] {أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآياتِنَا لاَ يُوقِنُونَ}. ذكروا عن ابن عباس أنه كان يقول: إنها دابة ذات زغب وريش لها أربع قوائم تخرج من بعض أودية تهامة. ذكروا عن ابن عمرو أنه قال: تخرج الدابة من مكة من صخرة بشعب أجياد. قال: فإذا خرجت الدابة فزع الناس إلى الصلاة؛ فتأتي الرجل وهو يصلي فتقول له: طوِّل ما أنت مُطوِّل، فوالله لأَخطِمَنَّكَ. قال: فيومئذ يعرف المنافق من المؤمن. قال عبد الله بن عمرو: لو أشاء أن أضع قدمي على مكانها الذي تخرج منه لفعلت. ذكر الحسن أن موسى عليه السلام سأل ربه أن يريه الدابة، دابة الأرض، فخرجت إليه ثلاثة أيام ولياليها لا يرى أطرافها، أو لا يرى واحداً من طرفيها، فرأى منظراً كريهاً، فقال: ربِّ، رُدَّها فرجعت. ذكروا عن أبي الطفيل قال: كنا جلوساً عند حذيفة فذكروا الدابة فقال حذيفة: إنها تخرج ثلاث خَرْجات: مرّة في بطن الوادي، ثم تكمن. ثم تخرج في بعض القرى حتى تذكر، ويهريق فيها الأمراء الدماء. فبينما الناس على أعظم المساجد وأفضلها وأشرفها، يعني المسجد الحرام، إذ ترفع الأرض ويهرب الناس، وتبقى عصابة من المؤمنين يقولون: لن ينجينا من أمر الله شيء، فتخرج فتجلو وجه المؤمن، وتخطم وجه الكافر، لا يدركها طالب، ولا ينجو منها هارب. قالوا: وما الناس يومئذ يا حذيفة؟ قال: جيران في الرِّبَاع، شركاء في الأموال، أصحاب في الأسفار. ذكروا عن عبد الله بن عمرو قال: يبيت الناس يسيرون إلى جمع وتبيت الدابة تسري إليهم فيصبحون قد جعلتهم بين رأسها وذنبها، فما تمرّ بمؤمن إلا تمسحه، ولا بكافر ولا منافق إلا تخطمه، وإن التوبة اليوم لمفتوحة. ذكروا عن عبد الله بن عمرو قال: لا تقوم الساعة حتى يجتمع أهل البيت على الإِناء الواحد يعرفون مؤمنيهم من كافريهم. قال: تخرج دابة الأرض فتمسح كل إنسان على مسجَده؛ فأما المؤمن فتكون نكتة بيضاء فتفشو في وجهه حتى يبيضّ لها وجهه، وأما الكافر فتكون نكتة سوداء حتى يسودّ وجهه؛ حتى أنهم ليتبايعون في أسواقهم فيقول هذا: كيف تبيع هذا يا مؤمن، ويقول هذا: كيف تأخذ هذا يا كافر. فما يرد بعضهم على بعض. قوله: {تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ} أي: المشركين {كَانُوا بِآيَاتِنَا لاَ يُوقِنُونَ} وبعضهم يقرأها: {تَكْلِمُهم} أي: تجرحهم. وبعضهم يقول: تَسِمُهم.
اطفيش
تفسير : {وَمَا أَنتَ بِهَادِى العُمْيِ عَن ضَلالَتِهِمْ} وقرأ حمزة وابن مسعود {وما أنت تهدي العمي} بتاء مفتوحة وهاء ساكنة ونصب العمي وهو جمع أعمى شبههم بالعمي فانهم ولو كانوا يبصرون لكن لم ينفعهم بصرهم فهم كمن لا يبصر ويجوز كون العمى عمى القلب استعارة من عمى البصر لعدم نور القلب وعدى الهداية بعن لتضمنها معنى الابعاد واذا فسرنا العمى بعمي القلب فالضلالة الكفر والمعاصي واذا فسرناه بعمي البصر وقلنا العمي من لا بصر لهم استعير لمن ليس في قلبه نور فالضلالة الكفر والمعاصي مراعاة لجانب الشبه به والضلالة عن الطريق الحسي مراعاة لجانب المشبه مشارا بها الى الكفر والمعاصي. {إِن} أي ما. {تُسْمِعُ} سماع قبول. {إِلا مَن يُؤْمِنُ بِآَيَاتِنَا} من سبق في علمنا أن يؤمن بالقرآن. {فَهُم مُّسْلِمُونَ} مخلصون بتوحيد الله واذا وقع القول عليهم اي دنا وقوعه واستعمال الفعل في المشارفة مجاز والمراد بالقول المقول وهو ما وعدوا به من قيام الساعة والعذاب والغضب وذلك حين لا يؤمر بمعروف ولا ينهى عن منكر ولا يرجى صلاح ولم يبق منيب ولا تائب.
الالوسي
تفسير : {وَمَا أَنتَ بِهَٰدِى ٱلْعُمْىِ عَن ضَلَـٰلَتِهِمْ } أي وما أنت بصارف العمي عن ضلالتهم هادياً لهم هداية موصلة إلى المطلوب لفقد الشرط العادي للاهتداء وهو البصر، و {عَنْ } متعلقة بالهداية باعتبار تضمنها معنى الصرف كما أشرنا إليه، وجوز أبو البقاء أن تعلق بالعمي ويكون المعنى أن العمى صدر عن ضلالتهم وفيه بعد، وإيراد الجملة الاسمية للمبالغة في نفي الهداية. وقرأ يحيـى بن الحرث وأبو حيوة - بهاد - بالتنوين {العمى} بالنصب، وقرأ الأعمش وطلحة وابن وثاب وابن يعمر وحمزة - تهدي - مضارع هدى {العمى} بالنصب، وقرأ ابن مسعود - وما أن تهتدي - بزيادة أن بعدما كما في قول امرىء القيس:شعر : حلفت لها بالله حلفة فاجر لناموا فما أن من حديث ولا صال تفسير : و - تهتدي - مضارع اهتدى، و {العمى} بالرفع. {إِن تُسْمِعُ } أي ما تسمع إسماعاً يجدي السامع نفعاً. {إِلاَّ مَن يُؤْمِنُ بِـئَايَـٰتِنَا } أي [مَن] من شأنهم الإيمان بها وهم الذين ليسوا موتى ولا صماً ولا عمياً. وقال بعض الأجلة: أي إلا من هو في علم الله تعالى كذلك، واعترض بأن صيغة الاستقبال وإن صحت باعتبار تعلق العلم فيما لا يزال إلا أن المناسب صيغة المضي، واختار المعترض أن المعنى إلا الذين يصدقون أن القرآن كلام الله تعالى إذ حينئذ تثبت نبوته صلى الله عليه وسلم فيقبل قوله ويجدي إسماعه نفعاً، وتعقب بأنه ينتقض الحصر بالمصدقين في الاستقبال إن كانت الصيغة للحال وبالمصدقين في الحال إن كانت للاستقبال، وإذا دفع لزوم الانتقاض بجعلها لهما لزم استعمال المشترك في معنييه معاً أو الجمع بين الحقيقة والمجاز، وأجيب بأن المراد الحال ويدخل غيره فيه بدلالة النص من غير تكليف. وقال بعض المحققين: قد يراد بالمضارع الاستقبال الشامل لجميع الأزمنة فإن الاستقبال كما يكون بالنظر لزمان الحكم والتكلم على ما حقق في الأصول يجوز أن يكون بالنظر إلى علم القائل أيضاً فيشمل من يؤمن هنا من آمن حالاً كما يشمل من يؤمن استقبالاً فلا غبار في المعنى الذي اختاره ذلك المعترض من هذه الحيثية، / نعم قيل: إن فيه شبه تحصيل الحاصل لأن التصديق بالقرآن هو استماعه النافع، ولعل من عدل عنه إنما عدل لذلك، ولم يعبأ بالمغايرة بين ذينك الأمرين الظاهرة بعد النظر الصحيح، والحق أن ما ذكر من شبه تحصيل الحال على طرف الثمام لظهور الفرق بين الإسماع المراد في الآية والتصديق بأن القرآن كلام الله تعالى كما لا يخفى. وجوز أن يراد بالآيات المعجزات التي أظهرها الله تعالى على يده عليه الصلاة والسلام الشاملة للآيات التنزيلية والتكوينية وأن يراد بها الآيات التكوينية فقط، والإيمان بها التصديق بكونها آيات الله تعالى وليست من السحر وإذا أريد بالإسماع النافع على هذا إسماع الآيات التنزيلية ليؤتى بما تضمنته من الاعتقادات والأعمال كأن الكلام أبعد وأبعد من أن يكون فهي شبه تحصيل الحاصل إلا أن ذلك لا يخلو عن شيء، وفي «إرشاد العقل السليم» أن إيراد الإسماع في النفي والإثبات دون الهداية مع قربها بأن يقال: إن تهدي إلا من يؤمن الخ لما أن طريق الهداية هو إسماع الآيات التنزيلية فافهم. وقوله تعالى: {فَهُم مُّسْلِمُونَ } قيل: تعليل لإيمانهم بها كأنه قيل: فإنهم منقادون للحق في كل وقت. وقيل: مخلصون لله تعالى من قوله تعالى: {أية : بَلَىٰ مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ }تفسير : [البقرة: 112]، وقيل: هو تعليل لما يدل عليه الكلام من أنهم يسمعون إسماعاً نافعاً لهم، وفي توحيد الضمير تارة وجمعه أخرى رعاية للفظ (من) ومعناها. واستدل بقوله سبحانه: {إِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ ٱلْمَوْتَىٰ } على أن الميت لا يسمع كلام الناس مطلقاً، وسيأتي إن شاء الله تعالى تفصيل الكلام في ذلك في سورة الروم على أتم وجه.
ابن عاشور
تفسير : {وَمَآ أَنتَ بِهَادِى ٱلْعُمْىِ عَن ضَلَـٰلَتِهِمْ}. كرر تشبيه المشركين في إعراضهم عن الحق بأن شبهوا في ذلك بالعمي بعد أن شبهوا بالموتى وبالصم على طريقة الاستعارة إطناباً في تشنيع حالهم الموصوفة على ما هو المعروف عند البلغاء في تكرير التشبيه كما تقدم عند قوله تعالى {أية : أو كصيب من السماء}تفسير : في سورة البقرة (19). وحسن هذا التكرير هنا ما بين التشبيهين من الفروق مع اتحاد الغاية؛ فإنهم شبهوا بالموتى في انتفاء إدراك المعاني الذي يتمتع به العقلاء، وبالصم في انتفاء إدراك بلاغة الكلام الذي يضطلع به بلغاء العرب. وشبهوا ثالثاً بالعمي في انتفاء التمييز بين طريق الهدى وطريق الضلال من حيث إنهم لم يتبعوا هدي دين الإسلام. والغاية واحدة وهي انتفاء اتباعهم الإسلام ففي تشبيههم بالعمي استعارة مصرحة، ونفي إنقاذهم عن ضلالتهم ترشيح للاستعارة لأن الأعمى لا يبلغ إلى معرفة الطريق بوصف الواصف. والهدى: الدلالة على طريق السائر بأن يصفه له فيقول مثلاً: إذا بلغت الوادي فخذ الطريق الأيمن. والذي يسلك بالقوافل مسالك الطرق يسمى هادياً. والتوصل إلى معرفة الطريق يسمى اهتداء. وهذا الترشيح هو أيضاً مستعار لبيان الحق والصواب للناس، والأعمى غير قابل للهداية بالحالتين حالة الوصف وهي ظاهرة، وحالة الاقتياد فإن العرب لم يكونوا يأخذون العمي معهم في أسفارهم لأنهم يعرقلون على القافلة سيرها. وقوله {عن ضلالتهم} يتضمن استعارة مكنية قرينتها حالية. شبه الدين الحق بالطريق الواضحة، وإسناد الضلالة إلى سالكيه ترشيح لها وتخييل، والضلالة أيضاً مستعارة لعدم إدراك الحق تبعاً للاستعارة المكنية، وأطلقت هنا على عدم الاهتداء للطريق، وضمير {ضلالتهم} عائد إلى العمي، ولتأتي هذه الاستعارة الرشيقة عدل عن تعليق ما حقه أن يعلق بالهدي فعلق به ما يقتضيه نفي الهدي من معنى الصرف والمباعدة. فقيل {عن ضلالتهم} بتضمين {هادي} معنى صارف. فصار: ما أنت بهاد، بمعنى: ما أنت بصارفهم عن ضلالتهم كما يقال: سقاه عن العيمة، أي سقاه صارفاً له عن العيمة، وهي شهوة اللبن. وعدل في هذه الجملة عن صيغتي النفيين السابقين في قوله {أية : إنك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعاء}تفسير : [النمل: 80] الواقعين على مسندين فعليين، إلى تسليط النفي هنا على جملة اسمية للدلالة على ثبات النفي. وأكد ذلك الثبات بالباء المزيدة لتأكيد النفي. ووجه إيثار هذه الجملة بهاذين التحقيقين هو أنه لما أفضى الكلام إلى نفي اهتدائهم وكان اهتداؤهم غاية مطمح الرسول صلى الله عليه وسلم كان المقام مشعراً ببقية من طمعه في اهتدائهم حرصاً عليهم فأكد له ما يقلع طمعه، وهذا كقوله تعالى {أية : إنك لا تهدي من أحببت}تفسير : [القصص: 56] وقوله {أية : وما أنت عليهم بجبار}تفسير : [ق: 45]. وسيجيء في تفسير نظير هذه الآية من سورة الروم توجيه لتعداد التشابيه الثلاثة زائداً على ما هنا فانظره. وقرأ حمزة وحده {وما أنت تهدي} بمثناه فوقيه في موضع الموحدة وبدون ألف بعد الهاء. {إِن تُسْمِعُ إِلاَّ مَن يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُم مُّسْلِمُونَ}. استئناف بياني لترقب السامع معرفة من يهتدون بالقرآن. والإسماع مستعمل في معناه المجازي كما تقدم. وأوثر التعبير بالمضارع في قوله {من يؤمن} ليشمل من آمنوا من قبل فيفيد المضارع استمرار إيمانهم ومن سيؤمنون. وقد ظهر من التقسيم الحاصل من قوله {أية : إنك لا تسمع الموتى}تفسير : [النمل: 80] إلى هنا، أن الناس قسمان منهم من طبع الله على قلبه وعلم أنه لا يؤمن حتى يعاجله الهلاك، ومنهم من كتب الله له السعادة فيؤمن سريعاً أو بطيئاً قبل الوفاة. وفرع عليه {فهم مسلمون} المفيد للدوام والثبات لأنهم إذا آمنوا فقد صار الإسلام راسخاً فيهم ومتمكناً منهم، وكذلك الإيمان حين تخالط بشاشته القلوب.
د. أسعد حومد
تفسير : {بِهَادِي} {ضَلالَتِهِمْ} {بِآيَاتِنَا} (81) - وَإِنَّك لاَ تَستَطِيعُ أَنْ تَهدِيَ مَنْ أَعْمَاهُمُ اللهُ عَنِ الهُدَى والرَّشَادِ فَجَعَلَ عَلى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةً تَمنَعُهُمْ مِنَ النَّظَرِ فِيمَا جِئْتَ بِهِ نَظَراً يُوصِلُهُمْ إِلى مَعرِفَةِ الحَقِّ، وَسُلُوكِ سَبيلِهِ، وَإِنَّما يَستَجِيبُ لَكَ مَنْ هُوَ سَميعٌ بَصِيرٌ، يَنْتَفِعُ بِسَمِعِهِ وَبَصَرِهِ، وَقَدْ خَضَعَ وَخَشَعَ للهِ، وَوَعَى مَا جَاءَ مِنْ عِنْدِهِ عَلى أَلسِنَةِ الرُّسُلِ، عَليهِم السَّلاَمُ، فَهؤُلاءِ هُمْ مُسلِمُونَ لأَِمرِ رَبِّهِمْ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : فرْق بين سماع قالة أو قضية الصدق، وأنت خالي الذِّهْن، وبين أن تسمعها وأنت مشغول بنقيضها، فلكي يُثمِر السماع ينبغي أنْ تستقبل الدعوة بذهن خَالٍ ثم تبحث بعقلك الدعوة وما يناقضها، فما انجذبتَ إليه واطمأنتْ إليه نفسك فأدخله. وهذه يُسمُّونها - حتى في الماديات - نظرية الحيز أي: أن الحيز الواحد لا يتسع لشيئين في الوقت نفسه. وسبق أنْ مثَّلْنا لذلك بالقارورة حين تملؤها بالماء لا بُدَّ أنْ يخرج منها الهواء أولاً على شكل فقاعات؛ لأن الماء أكثفُ من الهواء. ومعنى: {إِن تُسْمِعُ إِلاَّ مَن يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُم مُّسْلِمُونَ} [النمل: 81] ولقائل أن يقول: ما دام تُسمِع مَنْ يؤمن بآياتنا، فما فائدة السماع وهو مؤمن؟ نقول: الآيات ثلاثة؛ مترتبة بعضها على بعض، فأولها: الآيات الكونية العقدية التي تشاهدها في الكون وتستدلّ بها على وجود إله خالق قادر فتسأل: مَنْ هذه الإله الخالق فيأتي دور الرسول الذي يُبيِّن لك ويحلّ لك هذا اللغز، ولا بُدَّ له من آيات تدل على صِدْقه في البلاغ عن الله هي المعجزة، فإنْ غفلنا عن الآيات الكونية ذكرنا بها الرسول، فقال: ومن آياته كذا وكذا. فإذا آمنتَ بالآيات الكونية وبآيات المعجزات، فعليك أنْ تؤمن بآيات الأحكام التي جاءتْ بها معجزة النبي صلى الله عليه وسلم. ثم يقول الحق سبحانه: {وَإِذَا وَقَعَ ٱلْقَوْلُ ...}.
الجيلاني
تفسير : {وَ} بالجملة: {مَآ أَنتَ} أيها المرسل للهداية، والمبعوث للإرشاد والتكميل {بِهَادِي ٱلْعُمْيِ} الفاقدين لآلات الهداية وأسبابها {عَن ضَلالَتِهِمْ} المركوزة في جبلتهم الراسخة في طباعهم {إِن تُسْمِعُ} أي: ما تسمع أنت هدايتك وإرشادك أيها الهادي بوحينا وتوفيقنا {إِلاَّ مَن يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا} الدالة على كمال وحدة ذاتنا، وقدرتنا وعلمنا وإرادتنا ويصدق بجميع ما جئت به من عندنا {فَهُم مُّسْلِمُونَ} [النمل: 81] منقادون لأوامرنا وأحكامنا، مجتنبون عن نواهينا ومحظوراتنا، فهم من شدة شقاوتهم وغلظ غشاوتهم لا يؤمنون بك ولا يسلمون، فكيف يتأتى لك إسماعهم وإراشدهم؟!. {وَ} اصبر يا أكمل الرسل {إِذَا وَقَعَ ٱلْقَوْلُ} الموعود {عَلَيْهِم} ولاح أمارات الساعة وظهر علامات القيامة، ودنا وقت قيامها {أَخْرَجْنَا لَهُمْ} قبيل قيام الساعة {دَآبَّةً} عظيمة {مِّنَ ٱلأَرْضِ} لتكون أمارة على قيامها، دالة على كمال قدرتنا على إحياء الأموات من العظام الرفات، طولها سبعون ذراعاً، ولها قوائم وزغب؛ أي: شعرات صفر كريش الفرخ، وريش وجناحان، يقال لها: الجساسة، لا يفوتها هارب ولا يدركها طالب. سُئل عليه السلام عن مخرجها فقال: "حديث : من أعظم المساجد حرمة على الله تعالى"تفسير : يعني: المسجد الحرام. فإذا خرجت عليهم {تُكَلِّمُهُمْ} وتخاطب معهم بسوء فعالهم وحسن خصالهم فتفرق المؤمن من الكافر، وحينئذٍ ظهر {أَنَّ ٱلنَّاسَ} المنهمكين في بحر الغفلة والنيسان لأي شيء {كَانُوا بِآيَاتِنَا} الواصلة إليهم من ألسنة رسلنا {لاَ يُوقِنُونَ} [النمل: 82] ولا يذعنون، بل ينكرون ويكذبون عناداً أو مكابرةً. {وَيَوْمَ} اذكر يا أكمل الرسل {نَحْشُرُ} ونسوق عند قيام الساعة {مِن كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجاً} فرقة وجماعة هي صناديدهم ورؤساؤهم {مِّمَّن يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا} التي جاء بها رسلنا؛ لإهدائهم وإرشادهم {فَهُمْ} في حين حشرهم وسوقهم {يُوزَعُونَ} [النمل: 83] أي: يحبس أولهم لآخرهم؛ حتى يتلاقوا ويزدحموا، ويساقون أولئك المجرمون هكذا. {حَتَّىٰ إِذَا جَآءُو} المحشر وحضروا الموعد، وعُرضوا على الله صافين صاغرين {قَالَ} قائل من قبل سرادقات العظمة والجلال معيداً عليهم: {أَكَذَّبْتُم} أنتم أيها المسرفون {بِآيَاتِي} في بادي الرأي بلا تأمل وتدبر فيها {وَلَمْ تُحِيطُواْ بِهَا عِلْماً} أي: لم تطرحوا نظركم وعقولكم عن فحض معانيها وفحاويها؛ حتى ظهر عندكم ولاح عليكم هل هي جديرة بالرد والإنكار؟ أم حقيق بالقبول والاعتبار؟ فبادرتم إلى تكذيبها بلا إمعانٍ فيها {أَمَّا ذَا} أي: أم أي شيء شنيع {}كُنتُمْ تَعْمَلُونَ [النمل: 84] أيها الجاهلون المسرفون؟!. وبعدما جرى من أنواع التوبيخ ما جرى سكتوا حائرين، خائبين منكوسين {وَ} حينئذٍ {وَقَعَ ٱلْقَوْلُ} المعهود منا، وتحقق الوعد، وحل العذاب الموعود {عَلَيهِم بِمَا ظَلَمُواْ} أي: بسبب ظلمهم السابق {فَهُمْ} حينئذٍ {لاَ يَنطِقُونَ} [النمل: 85] ولا يعتذرون، ولا يتضرعون، يكبهم على النار منكوسين؛ بحيث لا يسع لهم التنطق والتضرع أصلاً. {أَلَمْ يَرَوْاْ} ولم ينظروا أولئك الحمقى بنظر العبرة إلى مصنوعاتنا المتبدلة المتغيرة بقدرتنا واختيارنا؛ ليتحقق عندهم أمر الساعة، ولم يبادروا إلى إنكارها؛ حتى لا يلحقهم ما لحقهم {أَنَّا} من كمال قدرتنا، ووفور حولنا وقوتنا كيف {جَعَلْنَا ٱلْلَّيْلَ} مظلماً {لِيَسْكُنُواْ فِيهِ} بلا دغدغة منهم إلى الحركة والاشتغال {وَ} كيف جعلنا {ٱلنَّهَارَ مُبْصِراً} مضيئاً تتحركون وتترددون فيه يشغل معاشكم {إِنَّ فِي ذَلِكَ} الإظلام والإضاءة على التعاقب والتوالي {لآيَاتٍ} دلائل قاطعات، وشواهد ساطعات على قدرة القديم القادر المقتدر على أمثال هذه المقدورات المتقنة، والمصنوعات المحكمة الصادرة عن محض الحكمة {لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [النمل: 86] ويذعنون بوحدة ذات الله وكمال أوصافه وأسمائه.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):