Verse. 3335 (AR)

٢٨ - ٱلْقَصَص

28 - Al-Qasas (AR)

تِلْكَ الدَّارُ الْاٰخِرَۃُ نَجْعَلُہَا لِلَّذِيْنَ لَا يُرِيْدُوْنَ عُلُوًّا فِي الْاَرْضِ وَلَا فَسَادًا۝۰ۭ وَالْعَاقِبَۃُ لِلْمُتَّقِيْنَ۝۸۳
Tilka alddaru alakhiratu najAAaluha lillatheena la yureedoona AAuluwwan fee alardi wala fasadan waalAAaqibatu lilmuttaqeena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«تلك الدار الآخرة» أي الجنة «نجعلها للذين لا يريدون علوّا في الأرض» بالبغي «ولا فسادا» بعمل المعاصي «والعاقبة» المحمودة «للمتقين» عقاب الله، بعمل الطاعات.

83

Tafseer

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {تِلْكَ ٱلدَّارُ ٱلآخِرَةُ} يعني الجنة. وقال ذلك على جهة التعظيم لها والتفخيم لشأنها. يعني تلك التي سمعت بذكرها، وبلغك وصفها {نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي ٱلأَرْضِ} أي رفعة وتكبراً على الإيمان والمؤمنين {وَلاَ فَسَاداً} عملاً بالمعاصي. قاله ابن جريج ومقاتل. وقال عِكْرمة ومسلم البَطين: الفساد أخذ المال بغير حق. وقال الكلبي الدعاء إلى غير عبادة الله. وقال يحيـى بن سلام: هو قتل الأنبياء والمؤمنين. {وَٱلْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} قال الضحاك: الجنة. وقال أبو معاوية: الذي لا يريد علوّاً هو من لم يجزع من ذلّها، ولم ينافس في عزّها، وأرفعهم عند الله أشدّهم تواضعاً، وأعزّهم غداً ألزمهم لذلّ اليوم. وروى سفيان بن عُيَيْنة عن إسماعيل بن أبي خالد قال: مرّ عليّ بن الحسين وهو راكب على مساكين يأكلون كِسَراً لهم، فسلّم عليهم فدعوه إلى طعامهم، فتلا هذه الآية {تِلْكَ ٱلدَّارُ ٱلآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ فَسَاداً} ثم نزل وأكل معهم. ثم قال: قد أجبتكم فأجيبوني. فحملهم إلى منزله فأطعمهم وكساهم وصرفهم. خرّجه أبو القاسم الطبراني سليمان بن أحمد قال: حدّثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، قال حدّثني أبي، قال حدّثنا سفيان بن عُيَيْنة. فذكره. وقيل: لفظ الدار الآخرة يشمل الثواب والعقاب. والمراد إنما ينتفع بتلك الدار من اتقى، ومن لم يتق فتلك الدار عليه لا له؛ لأنها تضره ولا تنفعه. قوله تعالى: {مَن جَآءَ بِٱلْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا} تقدّم في «النمل». وقال عكرمة: ليس شيء خيراً من لا إلٰه إلا الله. وإنما المعنى من جاء بلا إلٰه إلا الله فله منها خير. {وَمَن جَآءَ بِٱلسَّيِّئَةِ} أي بالشرك {فَلاَ يُجْزَى ٱلَّذِينَ عَمِلُواْ ٱلسَّيِّئَاتِ إِلاَّ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} أي يعاقب بما يليق بعمله.

ابن كثير

تفسير : يخبر تعالى أن الدار الآخرة ونعيمها المقيم الذي لا يحول ولا يزول، جعلها لعباده المؤمنين المتواضعين، الذين لا يريدون علواً في الأرض، أي: ترفعاً على خلق الله، وتعاظماً عليهم، وتجبراً بهم، ولا فساداً فيهم؛ كما قال عكرمة: العلو: التجبر. وقال سعيد بن جبير: العلو: البغي. وقال سفيان ابن سعيد الثوري عن منصور عن مسلم البطين: العلو في الأرض: التكبر بغير حق، والفساد: أخذ المال بغير حق. وقال ابن جريج: {لاَ يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِى ٱلأَرْضِ} تعظماً وتجبراً {وَلاَ فَسَاداً}: عملاً بالمعاصي. وقال ابن جرير: حدثنا ابن وكيع، حدثنا أبي عن أشعث السمان عن أبي سلام الأعرج عن علي قال: إن الرجل ليعجبه من شراك نعله أن يكون أجود من شراك نعل صاحبه، فيدخل في قوله تعالى: {تِلْكَ ٱلدَّارُ ٱلآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ فَسَاداً وَٱلْعَـٰقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ } وهذا محمول على ما إذا أراد بذلك الفخر والتطاول على غيره، فإن ذلك مذموم، كما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : إنه أوحي إلي أن تواضعوا حتى لا يفخر أحد على أحد، ولا يبغي أحد على أحد» تفسير : وأما إذا أحب ذلك لمجرد التجمل، فهذا لا بأس به، فقد ثبت أن رجلاً قال: يا رسول الله إني أحب أن يكون ردائي حسناً، ونعلي حسنة، أفمن الكبر ذلك؟ فقال: «حديث : لا، إن الله جميل يحب الجمال»تفسير : . وقال تعالى: {مَن جَآءَ بِٱلْحَسَنَةِ} أي: يوم القيامة، {فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا} أي: ثواب الله خير من حسنة العبد، فكيف والله يضاعفه أضعافاً كثيرة، وهذا مقام الفضل ثم قال: {وَمَن جَآءَ بِٱلسَّيِّئَةِ فَلاَ يُجْزَى ٱلَّذِينَ عَمِلُواْ ٱلسَّيِّئَاتِ إِلاَّ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} كما قال في الآية الأخرى: { أية : وَمَن جَآءَ بِٱلسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي ٱلنَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} تفسير : [القصص: 84] وهذا مقام الفضل والعدل.

المحلي و السيوطي

تفسير : {تِلْكَ ٱلدَّارُ ٱلأَخِرَةُ } أي الجنة {نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِى ٱلأَرْضِ } بالبغي {وَلاَ فَسَاداً } بعمل المعاصي {وَٱلْعَٰقِبَةُ } المحمودة {لّلْمُتَّقِينَ } عقاب الله، بعمل الطاعات.

الماوردي

تفسير : قوله تعالى: {تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الأَرْضِ} أي الجنة نجعلها. {عُلُوّاً} فيها ستة أوجه: أحدها: يعني بغياً، قاله ابن جبير. الثاني: تكبراً، قاله مسلم. الثالث: شرفاً وعزاً، قاله الحسن. الرابع: ظلماً، قاله الضحاك. الخامس: شركاً، قاله يحيى بن سلام. السادس: لا يجزعون من ذلها ولا يتنافسون على عزها، قاله أبو معاوية. ويحتمل سابعاً أن يكون سلطاناً فيها على الناس. {وَلاَ فَسَاداً} فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: أنه الأخذ بغير حق، قاله مسلم. الثاني: أنه العمل بالمعاصي، قاله عكرمة. الثالث: أنه قتل الأنبياء والمؤمنين، قاله يحيى بن سلام. ويحتمل رابعاً: أنه سوء السيرة. {وَاْلعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} فيه وجهان: أحدهما: والثواب للمتقين، قاله يحيى بن سلام. الثاني: معناه والجنة للمتقين، قاله ابن شجرة.

ابن عطية

تفسير : هذا إخبار مستأنف من الله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم يراد به إخبار جميع العالم وحضهم على السعي بحسب ما تضمنته الآية، وهذا الحض يتضمن الإنحاء على حال قارون ونظرائه، والمعنى أن الآخرة ليست في شيء من أمر قارون إنما هي لمن صفته كذا وكذا، و"العلو" المذموم هو بالظلم والانتحاء والتجبر، قال النبي صلى الله عليه وسلم حديث : وذلك أن تريد أن يكون شراك نعلك أفضل من شراك نعل أخيك تفسير : ، و"الفساد" يعم وجوه الشر، ومما قال العلماء هو أخذ المال بغير حق {والعاقبة للمتقين}، خير منفصل جزم معناه إما في الدنيا وإلا ففي الآخرة ولا بد، ثم وصف تعالى أمر جزاء الآخرة أنه {من جاء} بعمل صالح {فله خير} من القدر الذي يقتضي النظر أنه مواز لذلك العمل هذا على أن نجعل " الحسنة" للتفضيل، وفي القول حذف مضاف أي من ثوابها الموازي لها ويحتمل أن تكون {من} لابتداء الغاية أي له خير بسبب حسنته ومن أجلها. وأخبر تعالى أن السيئة لا يضاعف جزاؤها فضلاً منه ورحمة، وقوله تعالى: {إن الذي فرض عليك القرآن}، معناه أنزله عليك وأثبته، والفرض أصله عمل فرضة في عود أو نحوه فكأن الأشياء التي تثبت وتمكن وتبقى تشبه ذلك الفرض، وقال مجاهد معناه أعطاك القرآن وقالت فرقة في هذا القول حذف مضاف، والمعنى "فرض عليك أحكام القرآن"، واختلف المتأولون في معنى قوله {لرادك إلى معاد}، فقال جمهور المتأولين: أراد إلى الآخرة، أي باعثك بعد الموت، فالآية على هذا مقصدها إثبات الحشر والإعلام بوقوعه، وقال ابن عباس وأبو سعيد الخدري وغيرهما: "المعاد" الجنة وقال ابن عباس أيضاً وجماعة: "المعاد" الموت. قال الفقيه الإمام القاضي: فكأن الآية على هذا واعظة ومذكرة، وقال ابن عباس أيضاً ومجاهد "المعاد" مكة، وهذه الآية نزلت في الجحفة مقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم في هجرته إلى المدينة، قال أبو محمد: فالآية على هذا معلمة بغيب قد ظهر للأمة ومؤنسة بفتح، و"المعاد" الموضع الذي يعاد إليه وقد اشتهر به يوم القيامة لأنه معاد الكل، وقوله تعالى: {قل ربي أعلم} الآية، آية متاركة للكفار وتوبيخ، وأسند الطبري في تفسير قوله {لرادك إلى معاد} قال إلى الجنة، قال وسماها معاداً إما من حيث قد دخلها النبي صلى الله عليه وسلم في الإسراء وغيره وإما من حيث قد كان فيها آدم عليه السلام فهي معاد لذريته. قال الفقيه الإمام القاضي: وإنما قال هذا من حيث تعطي لفظة "المعاد" أن المخاطب قد كان في حال يعود إليها وهذا وإن كان مما يظهر في اللفظ فيتوجه أن يسمى معاداً ما لم يكن المرء قط فيه تجوزاً، ولأنها أحوال تابعة للمعاد الذي هو النشور من القبور.

ابن عبد السلام

تفسير : {عُلُوّاً} بغياً، أو تكبراً، أو شرفاً وعزاً، أو ظلماً، أو شركاً أو لا يجزعون من ذلها ولا يتنافسون في عزها. {فَسَاداً} أخذها بغير حق، أو المعاصي، أو قتل الأنبياء والمؤمنين. {وَالْعَاقِبَةُ} الثواب، أو الجنة.

الخازن

تفسير : قوله عز وجل: {تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لايريدون علواً في الأرض} أي استكباراً عن الإيمان وقيل علواً واستطالة على الناس وتهاوناً بهم وقيل يطلبون الشرف والعز عند ذي سلطان وعن علي أنها نزلت في أهل التواضع من الولاة وأهل المقدرة {ولا فساداً} قيل الذين يدعون إلى غير عبادة الله تعالى وقيل أخذ أموال الناس بغير حق وقيل العمل بالمعاصي {والعاقبة للمتقين} أي العاقبة المحمودة لمن اتقى عقاب الله بأداء أوامره واجتناب نواهيه وقيل عاقبة المتقين الجنة {من جاء بالحسنة فله خير منها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى الذين عملوا السيئات إلا ما كانوا يعملون} تقدم تفسيره. قوله تعالى {إن الذي فرض عليك القرآن} أي أنزل عليك القرآن وقيل معناه أوجب عليك العمل بالقرآن {لرادك إلى معاد} قال ابن عباس إلى مكة. أخرجه البخاري عنه قال القتيبي: معاد الرجل بلده لأنه ينصرف فيعود إلى بلده وذلك أن النبيّ صلى الله عليه وسلم لما خرج من الغار مهاجراً إلى المدينة سار على غير الطريق مخافة الطلب فلما أمن رجع في الطريق ونزل الجحفة بين مكة والمدينة وعرف الطريق إلى مكة فاشتاق إليها فأتاه جبريل عليه السلام وقال له: أتشتاق إلى بلدك؟ قال نعم قال: فإن الله تعالى يقول الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد وهذه الآية نزلت بالجحفة ليست بمكية ولا مدنية. وقال ابن عباس أيضاً لرادك إلى الموت وقيل إلى القيامة، وقيل إلى الجنة {قل ربي أعلم من جاء بالهدى} هذا جواب لكفار مكة لما قالوا للنبيّ صلى الله عليه وسلم إنك لفي ضلال مبين فقال الله تعالى لهم {ربي أعلم من جاء بالهدى} يعني نفسه {ومن هو في ضلال مبين} يعني المشركين ومعناه هو أعلم بالفريقين. قوله عز وجل {وما كنت ترجو أن يلقى إليك الكتاب} أي يوحى إليك القرآن {إلا رحمة من ربك} فأعطاك القرآن {فلا تكونن ظهيراً} أي معيناً {للكافرين} على دينهم ذلك حين دعوه إلى دين آبائه فذكره نعمه عليه ونهاه عن مظاهرتهم على ما هم عليه {ولا يصدنك عن آيات الله} يعني القرآن {بعد إذ أنزلت إليك وادع إلى ربك} إلى معرفته وتوحيده {ولا تكونن من المشركين} قال ابن عباس: الخطاب في الظاهر للنبيّ صلى الله عليه وسلم والمراد به أهل دينه أي ولا تظاهر الكفار ولا توافقهم {ولا تدع مع الله إلهاً آخر} معناه أنه واجب على الكل إلا أنه خاطبه به مخصوصاً لأجل التعظيم. فإن قلت النبيّ صلى الله عليه وسلم كان معصوماً من أن يدعو مع الله إلهاً آخر فما فائدة هذا النهي. قلت الخطاب معه والمراد به غيره وقيل معناه لا تتخذ غيره وكيلاً على أمورك كلها ولا تعتمد على غيره {لا إله إلا هو كل شيء هالك} أي فانٍ {إلا وجهه} أي إلا هو والوجه يعبر به عن الذات وقيل معناه إلا ما أريد به وجهه لأن عمل كل شيء أريد به غير الله فهو هالك {له الحكم} أي فصل القضاء بين الخلق {وإليه ترجعون} أي تردون في الآخرة فيجزيكم بأعمالكم والله أعلم بمراده.

الثعالبي

تفسير : وقوله تعالى: {تِلْكَ ٱلدَّارُ ٱلأَخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ فَسَاداً...} الآية: هذا إخبار مستأنف من اللّه تعالى لنبيه ـــ عليه السلام ـــ، يرادُ به جميعُ العالمِ، ويتضمنُ الحضَّ على السعيِ، حسبَ ما دلت عليه الآيةُ، ويتضمنُ الانحناءَ على حالِ قارونَ ونظرائه، والمعنى: أَنَّ الآخرةَ ليست في شيء من أمر قارون؛ وأشباهه؛ وإنما هي لمن صفتُه كذا وكذا، والعلو المذموم: هو بالظلم والتجبر، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : وذلك أَن تريد أن يكون شراكُ نعلك أفضلَ من شراكِ نعلِ أخيك»تفسير : ، والفسادُ يعمُّ وجوهَ الشر.

البقاعي

تفسير : ولما قدم سبحانه أن المفلح من تاب وآمن وعمل صالحاً، وهو الذي أشار أهل العلم إلى أن له ثواب الله، وكان ذلك للآخرة سبباً ومسبباً، ومر فيما لا بد منه حتى ذكر قصة قارون المعرّفة - ولا بد - بأن هذه الدار للزوال، لا يغنى فيها رجال ولا مال، وأن الآخرة للدوام، وأمر فيها بأن يحسن الابتغاء في أمر الدنيا، وختم بأن هذا الفلاح مسلوب عن الكافرين، فكان موضع استحضار الآخرة، مع أنه قدم قريباً من ذكرها وذكر موافقتها ما ملأ به الأسماع، فصيرها حاضرة لكل ذي فهم، معظمة عند كل ذي علم، أشار إليها سبحانه لكلا الأمرين: الحضور والعظم، فقال: {تلك} أي الأمر المنظور بكل عين، الحاضر في كل قلب، العظيم الشأن، البعيد الصيت، العلي المرتبة، الذي سمعت أخباره، وطنت على الآذان أوصافه وآثاره {الدار الآخرة} أي التي دلائلها أكثر من أن تحصر، وأوضح من أن تبين وتذكر، من أعظمها تعبير كل أحد عن حياته بالدنيا والتي أمر قارون بابتغائها فأبى إلا علواً وفساداً {نجعلها} بعظمتنا {للذين} يعملون ضد عمله. ولما كان المقصود الأعظم طهارة القلب الذي عنه ينشأ عمل الجوارح، قال: {لا يريدون} ولم يقل يتعاطون - مثلاً، تعظيماً لضرر الفساد بالتنفير من كل ما كان منه تسبب، إعلاماً بأن النفوس ميالة إليه نزاعة له فمهما رتعت قريباً منه اقتحمته لا محالة {علواً} أي شيئاً من العلو {في الأرض} فإنه أعظم جارّ إلى الفساد، وإذا أرادوا شيئاً من ذلك فيما يظهر لك عند أمرهم بمعروف أو نهيهم عن منكر، كان مقصودهم به علو كلمة الله للإمامة في الدين لا علوهم {ولا فساداً} بعمل ما يكره الله، بل يكونون على ضد ما كان فيه فرعون وهامان وقارون، من التواضع مع الإمامة لأجل حمل الدين عنهم ليكون لهم مثل أجر من اهتدى بهم، لا لحظ دنيوي، وعلامة العلو لأجل الإمامة لا الفساد ألا يتخذوا عباد الله خولاً، ولا مال الله دولاً، والضابط العمل بما يرضي الله والتعظيم لأمر الله والعزوف عن الدنيا. ولما كان هذا شرح حال الخائفين من جلال الله تعالى، أخبر سبحانه أنه دائماً يجعل ظفرهم آخراً، فقال معبراً بالاسمية دلالة على الثبات: {والعاقبة} أي الحالة الأخيرة التي تعقب جميع الحالات لهم في الدنيا والآخرة، هكذا الأصل، ولكنه أظهر تعميماً وإعلاماً بالوصف الذي أثمر لهم ذلك فقال تعالى: {للمتقين*} أي دائماً في كلا الدارين، لا عليهم فمن اللام يعرف أنها محمودة، وهذه الآيةِ يُعْرَف أهل الآخرة من أهل الدنيا، فمن كان زاهداً في الأولى مجتهداً في الصلاح، وكان ممتحناً في أول أحواله مظفراً في ماله، فهو من أبناء الآخرة، وإلا فهو للدنيا. ولما تحرر الفرق بين أهل الدارين، وكان لا بد من إتيان الآخرة، وعلم أن الآخرة إنما هي جزاء الأعمال، وتقرر من كونها للخائفين أنها على الآمنين، فاستؤنف تفصيل ذلك جواباً لمن كأنه قال: ما لمن أحسن ومن أساء عند القدوم؟ بقوله: {من جاء} أي في الآخرة أو الدنيا {بالحسنة} أي الحالة الصالحة {فله} من فضل الله {خير منها} من عشرة أضعاف إلى سبعين إلى سبعمائة إلى ما لا يحيط به إلا الله تعالى {ومن جاء بالسيئة} وهي ما نهى الله عنه، ومنه إخافة المؤمنين {فلا يجزى} من جاز ما، وأظهر ما في هذا الفعل من الضمير العائد على من فقال: {الذين عملوا السيئات}تصويراً لحالهم تقبيحاً لها وتنفيراً من عملها، ولعله جمع هنا وأفرد أولاً إشارة إلى أن المسيء أكثر {إلا} مثله سواء عدلاً منه تعالى، هكذا كان الأصل، ولكنه قال: {ما كانوا} أي بجميع هممهم {يعملون*} مبالغة في المثلية، هذا في الآخرة، وزادت الآية الإشارة إلى أنه يفعل في الدنيا مثل ذلك وإن خفي، فسيخافون في حرمهم بما أخافوا المؤمنين فيه وقد جعله الله للأمن، فاعتلوا عن الدخول في دينه بخوف التخطف من أرضهم، فسيصير عدم دخولهم فيه سبباً لخوفهم وتخطفهم من أرضهم فيعلمون أن ما كانوا فيه من الأمن إنما هو بسببك، ثم يصيرون يوم الفتح في قبضتك. ولما قرر ذكر الآخرة التي هي المرجع وكرره، وأثبت الجزاء فيها، وأن العاقبة للمتقين، أتبعه ما هو في بيان ذلك كالعلة، فقال مستأنفاً مقرراً مؤكداً لما تقرر في أذهانهم من إنكار الآخرة وما يقتضيه حال خروجه صلى الله عليه وسلم من مكة المشرفة من استبعاد رده إليها: {إن الذي فرض} أي أوجب {عليك القرآن} أي الجامع لما تفرق من المحاسن، المفصل لما التبس من جميع المعاني، أي فرض عليك جميع ما في هذا الكتاب المشتمل على الجمع والفرق بما يظهر حسن تلقيه من تلاوة وإبلاغ وتحد وعمل وألزمك فيه وغيرك هذه الملازم، وكلفكم تلك التكاليف التي منها المقارعة بالسيوف {لرآدك} أي بعد الموت لأجل صعوبة ما كلفك به وألزمك من مشقته {إلى معاد} أي مرجع عظيم يا له من مرجع! يجزي فيه كل أحد بما عمل، فيبعثك ربك فيه ثواباً على إحسانك في العمل مقاماً محموداً يغبطك فيه الأولون والآخرون، بما عانيت في أمره من هذه المشقات التي لا تحملها الجبال، ولولا الرد إلى إلى هذا المعاد لكانت هذه التكاليف - التي لا يعمل أكثرهم بأكثرها ولا يجازي على المخالفة فيها - من العبث المعلوم أن العاقل من الآدميين متنزه عنه فكيف بأحكم الحاكمين! فاجتهد فيما أنت فيه لعز ذلك اليوم فإن العاقبة لك، والآية مثل قوله تعالى {أية : واتقوا يوماً ترجعون فيه إلى الله}تفسير : [البقرة: 281]، {أية : ثم إليه ترجعون} تفسير : [البقرة: 28] {أية : إلى الله مرجعكم} تفسير : [المائدة: 48] إلى غير ذلك من الآيات، ويجوز أن يقال: إلى معاد أيّ معاد، أي مكان هو لعظمته أهل لأن يقصد العودَ إليه كل من خرج منه وهو مكة المشرفة: وطنك الدنيوي، كما فسرها بذلك ابن عباس رضي الله تعالى عنهما كما رواه عنه البخاري، وعود هو لجلالته أهل لأن يذكر لدخولك إليها في جنود يعز بها الإسلام، ويذل بها الكفر وأهله على الدوام، والجنة المزخرفة: وطنك الخروي، على أكمل الوجوه وأعلاها، وأعزها وأولاها، فلا تظن أنه يسلك بك سبيل أبويك عليهما الصلاة والسلام: إبراهيم في هجرته من حران بلد الكفر إلى الأرض المقدسة فلم يعد إليها، وإسماعيل في العلو به من الأرض المقدسة إلى أقدس منها فلم يعد إليها، بل يسلك لك سبيل أخيك موسى عليه الصلاة والسلام - الذي أنزل عليه الكتاب كما أنزل عليك الكتاب القرآن الفرقان، والذي أشركوك به في قولهم {أية : لولا أوتي مثل ما أوتي موسى}تفسير : [القصص: 48] - في إعادته إلى البلد الذي ذكر في هذه السورة - توطئة لهذه الآية - أنه خرج منه خائفاً يترقب - وهي مصر - إلى مدين في أطراف بلاد العرب، على وجه أهلك فيه أعداءه، أما من كان من غير قومه فبالإغراق في الماء، وأما من كان من قومه فبالخسف في الأرض، وأعز أولياءه من قومه وغيرهم، كما خرجت أنت من بلدك مكة خائفاً تترقب إلى المدينة الشريفة غير أن رجوعك - لكونك نبي الرحمة، وكون خروجك لم يكن مسبباً عن قتل أحد منهم - لا يكون فيه هلاكهم، بل عزهم وأمنهم وغناهم وثباتهم، واختير لفظ القرآن دون الكتاب لما فيه من الجمع من لازم النشر - كما مضى في الحجر، فناسب السياق الذي هو للنشر والحشر والفصل من بلده ثم الوصل، فإنه روى أن هذه الآية نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم في الجحفة وهي في طريق الهجرة. ولما فهم من الإبلاغ في هذا التأكيد أن ثَم من يبالغ في النفي والإنكار على حسب هذا التأكيد في الإثبات فيقول: إن الأمر ليس كذلك، ولا يعود إلى مكة المشرفة ومنا عين تطرف، قال مهدداً على طريق الاستئناف على لسانه صلى الله عليه وسلم لكون الإنكار تكذيباً له كما كذب موسى صلى الله عليه وسلم حين أجاب بمثل ذلك كما تقدم: {قل} أي لهؤلاء المنكرين لما أخبرتك به: {ربي} أي المحسن إليّ {أعلم} أي من كل أحد. ولما كانت هذه القصة مسلمة لا نزاع فيها لعاقل تثبت الخالق، وكانوا يقولون: من ادعى رجوعه فهو ضال، توجه السؤال عن المهتدي إلى الصواب والضال، بما يشهد به فتح مكة عند الإقبال في أولئك الضراغمة الأبطال، والسادة الأقيال، فقال في أسلوب الاستفهام لإظهار الإنصاف والإبعاد من الاتهام: {من جاء بالهدى} أي الذي لا أبين منه، أنا فيما جئت به من ربي بهذا الكلام الذي يشهد الله لي بإعجازه أنه من عنده أم أنتم فيما تقولون من عند أنفسكم؟ {ومن هو في ضلال} أي أنتم في كلامكم الظاهر العوار العظيم العار أم أنا {مبين*} أي بين في نفسه مظهر لكل أحد ما فيه من خلل وإن اجتهد التابع له في ستره. ولما كان الجواب لكل من أنصف: هم في ضلال مبين لأنهم ينحتون من عند أنفسهم ما لا دليل عليه، وأنت جئت بالهدى لأنك أتيت به عن الله، بني عليه قوله: {وما} ويجوز أن تكون الجملة حالاً من الضمير في {عليك} وما بينهما اعتراض للاهتمام بالرد على المنكر للمعاد، أي فرضه عليك والحال أنك ما، ويجوز أن يقال: لما كان رجوعه إلى مكة غاية البعد لكثرة الكفار وقلة الأنصار، قربه بقوله معلماً أن كثيراً من الأمور تكون على غير رجاء، بل وعلى خلاف القياس: وما {كنت ترجوا} أي في سالف الدهر بحال من الأحوال {أن يلقى} أي ينزل على وجه لم يقدر على رده {إليك الكتاب} أي بهذا الاعتقاد ولا بشيء منه؛ ولا كان هذا من شأنك، ولا سمعه أحد منك يوماً من الأيام، ولا تأهبت لذلك أهبته العادية من تعلم خط أو مجالسة عالم ليتطرق إليك نوع اتهام، كما يشير إليه قوله تعالى في التي بعدها {أية : وما كنت تتلوا من قبله من كتاب} تفسير : [العنكبوت: 48] واختير هنا لفظ الكتاب لأن السياق للرحمة التي من ثمراتها الاجتماع المحكم، وذلك مدلول الكتاب؛ ثم قال: {إلا} أي لكن ألقي إليك الكتاب {رحمة} أي لأجل رحمة عظيمة لك ولجميع الخلائق بك، لم تكن ترجوها {من ربك} أي المحسن إليك بجعلك مصطفى لذلك، بالدعاء إليه وقصر الهمم عليه، وعبر بأداة الاستثناء المتصل إشارة إلى أن حاله قبل النبوة من التنزه عن عبادة الأوثان وعن القرب منها والحلف بها وعن والفواحش جميعاً، ومن الانقطاع إلى الله بالخلوة معه والتعبد له توفيقاً من الله كان حال من يرجو ذلك. ولما تسبب عما تقدم الاجتهاد في تحريك الهمم إلى العكوف على أمر الله طمعاً فيما عنده سبحانه من الثواب، وشكراً على إنزال الكتاب، قال في سياق التأكيد لأن الطبع البشري يقتضي إدراك مظاهرة الكفار لأمر من التوفيق عظيم، لكثرتهم وقوتهم وعزتهم: {فلا تكونن} إذ ذاك بسبب اتصافهم لك لكثرتهم {ظهيراً} أي معيناً {للكافرين*} بالمكث بين ظهرانيهم، أو بالفتور عن الاجتهاد في دعائهم، يأساً منهم لما ترى من بعدهم من الإجابة وإن طال إنذارك، لا تمل أنت كما لم نمل نحن، فقد وصلنا لهم القول، وتابعنا لهم الوعظ والقص، ونحن قادرون على إهلاكهم في لحظة، وهدايتهم في أقل لمحة، وكما أن موسى عليه الصلاة والسلام بعد الإنعام عليه لم يكن ظهيراً للمجرمين، وهذا تدريب من الله تعالى لأئمة الأمة في الدعاء إلى الله عند كثرة المخالف، وقلة الناصر المحالف. ولما كان التواني في النهي عن المنكر إعراضاً عن الأوامر وإن كان المتواني مجتهداً في العمل، قال مؤكداً تنبيهاً على شدة الأمر لكثرة الأعداء وتتابع الإيذاء والاعتداء: {ولا يصدنك} أي الكفار بمبالغتهم في الإعراض وقولهم {لولا أوتي مثل ما أوتي موسى} ونحوه {عن آيات الله} أي عن الصدع بها وهي من المتصف بصفات الكمال، في الأوقات الكائنة {بعد إذ أنزلت} أي وقع إنزالها ممن تعلمه منتهياً {إليك} مما ترى من أوامرها ونواهيها، ولقد بين هذا المعنى قوله: {وادع} أي أوجد الدعاء للناس {إلى ربك} أي المحسن إليك لإحسانه إليك، وإقباله دون الخلق عليك، وأعراه من التأكيد اكتفاء بالمستطاع فإن الفعل ليس للمبالغة فيه جداً، إشارة إلى أن جلب المصالح أيسر خطباً من درء المفاسد، فإن المطلوب فيه النهاية محدود بالاجتناب. ولما كان الساكت عن فاعل المنكر شريكاً له، قال مؤكداً تنبيهاً علىالاهتمام بدرء المفاسد، وأنه لا بد فيه من بلوغ الغاية: {ولا تكونن من المشركين*} أي معدوداً في عدادهم بترك نهيهم عن شركهم وما يتسبب عنه ساعة واحدة. ولما كان الكائن من قوم موصوفاً بما اتصف به كل منهم، وكانت مشاركتهم بالفعل أبعد من مشاركتهم بالسكوت، قال من غير تأكيد: {ولا تدع مع الله} أي الجامع لجميع صفات الكمال {إلهاً} ولما كانت النكرة في سياق النهي تعم كما لو كانت في سياق النفي، وكان المشركون قد تعنتوا لما رأوا النبي صلى الله عليه وسلم يدعو باسم الله واسم الرحمن كما ذكر آخر الإسراء، قال: {آخر} أي غير الله حقيقة دون أن يغاير في الاسم دون الذات، ومضى في آخر الحجر، ويأتي إن شاء الله تعالى في الذاريات ما يتضح به هذا المعنى، والمراد بهذا كله المبالغة في الإنذار إعلاماً بأن تارك النهي عن المنكر مع القدرة شريك للفاعل وإن لم يباشره، والنبي صلى الله عليه وسلم قادر لحراسة الله تعالى له؛ ثم علل ذلك بقوله: {لا إله إلا هو} أي حتى يستحق أن يشتغل به عبد؛ ثم علل وحدانيته بقوله: {كل شيء هالك} أي هو في قوة الهلاك والفناء ومستحق لذلك لأنه ممكن {إلا وجهه} أي هو، فهو الباقي لأنه الواجب الوجود، ووجود كل موجود إنما كان به، ولعله عبر عن الذات بالوجه ليشمل ما قصد به من العمل الصالح مع ما هو معروف من تسويغه لذلك بكونه أشرف الجملة، وبكون النظر إليه هو الحامل على الطاعة بالاستحياء وما في معناه؛ ثم علل ذلك بقوله: {له} أي لله وحده فالضمير استخدام {الحكم} أي العمل المحكم بالعلم النافذ على كل شيء، ولا حكم لشيء عليه {وإليه} وحده {ترجعون*} في جميع أحوالكم: في الدنيا بحيث أنه لا ينفذ لأحد مراد إلا بإرادته، وفي الآخرة بالبعث فيجازي المحسن بإحسانه والعاصي بعصيانه، ولا شك أن هذه الأوامر والنواهي وإن كان خطابها متوجهاً إليه صلى الله عليه وسلم فالمقصود بها أتباعه، ولعلها إنما وجهت إليه صلى الله عليه وسلم عليه لأن أمر الرئيس أدعى لأتباعه إلى القبول، وقد اتضح بهذا البيان، في هذه المعاني الحسان، أن هذا الكتاب مبين، وبإنفاذ إرادته سبحانه وتعالى في تقوية أهل الضعف من بني إسرائيل دون ما أراد فرعون وقارون وأتباعهما من أهل العلو بطاعة الماء والتراب وما جمع العناصر من اليد والعصا أن له وحده الحكم على ما يريد ويختار، فصح أن إليه الرجوع يوم المعاد يوم لا تكلم نفس إلا بإذنه، فقد انطبق آخر السورة على أولها، وانشرح مجملها بمفصلها.

السيوطي

تفسير : أخرج المحاملي والديلمي في مسند الفردوس عن أبي هريرة رضي الله عنه ‏ حديث : عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله ‏ {تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علواً في الأرض ولا فسادا‏ً}‏ قال‏: التجبر في الأرض، والأخذ بغير الحق‏ . تفسير : وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مسلم البطين رضي الله عنه في قوله ‏ {‏للذين لا يريدون علواً في الأرض ولا فساداً‏} ‏ قال‏:‏ العلو التكبر في الأرض بغير الحق‏.‏ والفساد الأخذ بغير الحق‏. وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير رضي الله عنه في قوله ‏ {‏لا يريدون علواً في الأرض‏}‏ قال‏:‏ بغيا‏.‏ وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله ‏{‏للذين لا يريدون علواً في الأرض‏} ‏ قال‏:‏ تعظماً وتجبراً ‏{‏ولا فساداً‏}‏ قال‏:‏ بالمعاصي‏. وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن عكرمة رضي الله عنه في قوله ‏ {‏تلك الدار الآخرة‏.‏‏.‏‏.‏‏} ‏ قال‏:‏ نجعل الدار الآخرة ‏ {‏للذين لا يريدون علواً في الأرض‏}‏ قال‏:‏ التكبر وطلب الشرف والمنزلة عند سلاطينها وملوكها ‏ {‏ولا فسادا‏ً}‏ قال‏:‏ لا يعملون بمعاصي الله، ولا يأخذون المال بغير حقه ‏ {‏والعاقبة للمتقين‏}‏ قال‏:‏ الجنة‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن رضي الله عنه في قوله ‏ {‏لا يريدون علواً في الأرض‏} ‏ قال‏:‏ الشرف والعز عند ذوي سلطانهم‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي معاوية الأسود في قوله ‏ {‏لا يريدون علواً في الأرض ولا فسادا‏ً}‏ قال‏:‏ لم ينازعوا أهلها في عزها، ولا يجزعوا من ذلها‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال‏:‏ إن الرجل ليحب أن يكون شسع نعله أفضل من شسع نعل صاحبه، فيدخل في هذه الآية ‏ {‏تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علواً في الأرض ولا فساداً‏}‏ ‏.‏ وأخرج ابن مردويه وابن عساكر عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه‏.‏ أنه كان يمشي في الأسواق وحده وهو وال، يرشد الضال، ويعين الضعيف، ويمر بالبقال والبيع فيفتح عليه القرآن، ويقرأ ‏ {‏تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علواً في الأرض ولا فساداً‏}‏ ويقول‏:‏ نزلت هذه الآية في أهل العدل والتواضع، في الولاة وأهل القدرة من سائر الناس‏. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما،‏ نحوه‏.‏ وأخرج ابن مردويه عن عدي بن حاتم رضي الله عنه قال‏:‏ حديث : لما دخل على النبي صلى الله عليه وسلم ألقى إليه وسادة فجلس على الأرض فقال‏:‏ أشهد أنك لا تبغي علواً في الأرض ولا فساداً فأسلم‏ .

السلمي

تفسير : قوله عز وجل: {تِلْكَ ٱلدَّارُ ٱلآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ فَسَاداً} [الآية: 83]. قال يحيى بن معاذ رحمة الله عليه: الدنيا خمر إبليس من شرب منها شربة لا يفيق إلا فى عسكر القيامة. قال شاه: إن الله خلق الخلق مقتضيًا منهم الاعتراف له بالعبودية عدلاً إذ لم يكونوا فكوّنهم نصيب القلب المعرفة بوحدانيته ونصيب اللسان الإقرار بفردانيته ونصيب الجوارح الخضوع له بحسن الطاعة والتواضع والتذلل فأرفعهم عند الله أشدهم تواضعًا فى نفسه وأعزهم عزًا غدًا ألزمهم للذل اليوم. قال ابن عطاء: العلو فى النظر إلى النفس والفساد النظر إلى الدنيا. قال أبو عثمان: الفساد الأمن من المكر والكبر والفخر والعجب وأصل ذلك كله من الجهل ومن العجب، والجهل يكون الكبر وطلب العز فى الدنيا وطلب العلو فى الناس والعز هو الذى يتولد منه العجب. قال ابن عطاء فى هذه الآية: {عُلُوّاً فِي ٱلأَرْضِ} أى إقبالاً على النفس ورضاء بما يأتى، والفساد السكون إلى الأفعال والأقوال. قال حمدون: لا أحدًا أدون ممن يتزين لدار فنائه ويتجمل الى من لا يملك خيره ونفعه. أخبرنا محمد بن أحمد بن نفيل الرازى قال: حدثنا العباس بن حمزة قال: حدثنا أحمد بن أبى الحوارى قال: قال أحمد بن وديع: قال أبو معاوية فى هذه الآية: {تِلْكَ ٱلدَّارُ ٱلآخِرَةُ} قال: لمن لم يجزع من ذلها ولم ينافس فى عزها.

القشيري

تفسير : قيل "العلو في الدنيا" أَنْ تَتَوَهَّمَ أَنَّ على البسيطة أحداً هو شرٌّ منك. و "الفساد" أن تتحرك لحظِّ نَفْسِك ونصيبك ولو بِنَفَسٍ أو خطوةٍ.. وهذا للأكابر، فأمَّا للأصاغر والعوام فتلك الدار الآخرة {نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ} كعُلُوِّ فرعون {وَلاَ فَسَاداً} كفَسَادِ قارون. ويقال الزهاد لا يريدون في الأرض عُلُوَّاً، والعارفون لا يريدون في الآخرة والجنة عُلُوَّاً. ويقال {تِلْكَ ٱلدَّارُ ٱلآخِرَةُ} للعُبَّادِ والزُّهاد، وهذه الرحمة الحاضرة لأرباب الافتقار والانكسار.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {تِلْكَ ٱلدَّارُ ٱلآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ فَسَاداً} نبهنا الله سبحانه الوصول الى قربه ووصاله ومراتب دنوه فى جنان مشاهدته لمن لا يكون له حب الرياسة والجاه فى قلبه ولا يباشر حظوظ نفسه وهواه ومن خص بهذه الدرجات الشريفة لا ياتى منه افعال المخنثين من اهل الرياء والسمعة الذين تركوا الدين بالدّنيا وجاهها وافسدوا وجه الارض بسالوسهم وناموسهم ضرب الله اعناقهم فانهم قرناء الشياطين فى جهنم نعوذ بالله من شوم معصيتهم قال يحيى بن معاذ الدنيا خمر ابليس من شرب منها شربة لا يضيق الا فى عسكر القيامة وقال ابن عطا العلو النظر الى النفس والفاسد النظر الى الدنيا.

اسماعيل حقي

تفسير : {تلك الدار الآخرة} اشارة تعظيم كأنه قيل تلك الجنة التى سمعت خبرها وبلغك وصفها والدار صفة والخبر قوله {نجعلها للذين لايريدون علوا فى الارض} اى ارتفاعا وغلبة وتسلطا كما اراد فرعون حيث قال تعالى فى اول السورة {أية : ان فرعون لعال فى الارض}تفسير : {ولا فسادا} اى ظلما وعدوانا على الناس كما اراد قارون حيث قال تعالى فى حقه على لسان الناصح {أية : ولا تبغ الفساد فى الارض}تفسير : وفى تعليق الوعد بترك ارادتهما لا بترك انفسهما مزيد تحذير منهما {والعاقبة} الحميدة: وبالفارسية [سرانجام نيكو] {للمتقين} اى للذين يتقون العلو والفساد ومالا يرضاه الله من الاقوال والافعال: وعن على رضى الله عنه ان الرجل ليعجبه ان يكون شراك نعله اجود من شراك نعل صاحبه فيدخل تحتها يعنى ان من تكبر بلباس يعجبه فهو ممن يريد علوا فى الارض. وعن على رضى الله عنه انه كان يمشى فى الاسواق وحده وهو وال يرشد الضال ويعين الضعيف ويمر بالبياع والبقال فيفتح عليه القرآن ويقرأ {تلك الدار} الخ ويقول نزلت هذه الآية فى اهل العدل والتواضع من الولاة واهل المقدرة من سائر الناس. وعن عمر بن عبدالعزيز كان يردد هذه الآية حتى قبض وكان عليه السلام يحلب الشاة ويركب الحمار ويجيب دعوة المملوك ويجالس الفقراء والمساكين. قال بعض الكبار احذر ان تريد فى الارض علوا او فسادا والزم الذل والانكسار والخمول فان اعلى الله كلمتك فما اعلاها الا الحق وذلك ان يرزقك الرفعة فى قلوب الخلق وايضاح ذلك ان الله ماانشأك الا من الاض فلا ينبغى لك ان تعلو على امك واحذر ان تتزهد او تتعبد او تتكرم وفى نفسك استجلاب ذلك لكونه يرفعك على اقرانك فان ذلك من ارادة العلو فى الارض ما استكبر مخلوق على آخر الا لحجا به عن معية مع الحق ذلك المخلوق الآخر ولو شهدها لذل وخضع. قال فى كشف الاسرار [فردا درسراى عزت ساكنان مقعد صدق ومقربان حضرت جبروت قومى باشندكه دردنيا برترى ومهترى نجويند وخودرا ازهمه كس كهتر وكمتردانند وبجشم بسند هركز دروخود ننكرد جنانكه آن جوانمرد طريقت كفت كه از موقف عرفات بازكشته بود اورا كفتند] كيف رأيت اهل الموقف قال رأيت قوما لولا انى كنت فيهم لرجوت ان يغفر الله لهم: قال الشيخ سعدى شعر : بزركى كه خودرا ز خرادن شمرد بدنيى وعقبى بزركى ببرد تو آنكه شوى بيش مردم عزيز كه مر خويشتن را نكيرى بجيز تفسير : [يكى از بزركان دين ابليس را ديد كفت مارا بندى ده كفت مكو من تانشوى جون من شيخ حيف كفت منى بيفكندن در شريعت زندقه است ومنى اثبات كردن در حقيقت شرك است جون درمقام شريعت باشى همى كوى كه اوخود همه از وشريعت تعاليست وحقيقت احوال اقوام افعال بتو ونظام احوال بااو]. قال بعضهم العلو النظر الى النفس والفساد النظر الى الدنيا والدنيا خمر ابليس من شرب منها شربة لايفيق الا يوم القيامة ويقال العلو الخطرات فى القلب والفساد فى الاعضاء فمن كان فى قلبه حب الرياسة والجاه وحظوظ الفنس وفى اعماله الرياء والسمعة فهو لايصل الى مقام القرب وكذا من كان فى قلبه سوء العقيدة وفى جوارحه عبادة غير الله والدعوة اليها واخذ الاموال وكسر الاعراض واستحلال المعاصى فهو لايصل الى الجنة ايضا وهو قرين الشيطان والشياطين فى النار مع قرنائهم. واعلم ان العلو فى ارض البشرية علو الفراعنة والجبابرة والاكاسرة والعلو فى ارض الروحانية علو الابالسة وبعض الارواح الملكية مثل هاروت وماروت وكلاهما مذموم وكذا الفساد النظر الى غير الله فالله تعالى لايجعل مملكة عالم الغيب والملكوت الا فى تصرف من خلص من طلب العلو والنظر الى الغير بنظر المحبة وسلم التصرف كله الى المالك الحقيقى وخرج من البين شعر : هرجه خواخى بكن كه ملك تراست تفسير : جعلنا الله واياكم من الآخذين بذيل حقيقة التقوى وعصمنا من الاعتراض والانقباض والدعوى

ابن عجيبة

تفسير : قلت: (تلك): مبتدأ، و(نجعلها): خبر. يقول الحق جل جلاله: {تلك الدارُ الآخرة} أي: تلك الدار التي سمعْت بذكرها، وبلغت خبرها. وعنى البُعد في الإشارة، لبُعد منزلتها وعلو قدرها، {نجعلها للذين لا يُريدون علواً في الأرض} أي: تكبراً وقهراً كحال فرعون، {ولا فساداً}؛ عملاً بالمعاصي، أو ظلماً على الناس، كحال قارون، أو قتل النفس، أو: دعاء إلى عبادة غير الله، ولم يعلق الوعد بترك العلو والفساد، ولكن بترك إرادتهما وميل القلب إليهما، أدرك ذلك بالفعل أم لا. وعن علي رضي الله عنه: إن الرجل ليعجبه أن يكون شراك نعله أجود من شراك نعل صاحبه، فيدخل تحتها. وعن الفضيل: أن قرأها، ثم قال: ذهبت الأماني ها هنا وعن عمر عبد العزيز رضي الله عنه أنه كان يرددها حتى قُبض. {والعاقبة} المحمودة {للمتقين} ما لا يرضاه الله؛ من العلو والفساد وغير ذلك. {ومن جاء بالحسنة فله خيرٌ منها} ذاتاً وقدراً ووصفاً، {ومن جاء السيئة}؛ مالا يرضاه الله تعالى، {فلا يجزى الذين عملوا السيئات}، أصله: فلا يجزون، وضع الظاهر موضع المضمر؛ لِمَا في إسناد السيئات إليهم من تقبيح رأيهم وتسفية أحلامهم، وزيادة تبغيض السيئات إلى قلوب السامعين، {إلا ما كانوا يعملون}؛ إلا جزاء عملهم فقط، ومن فضله العظيم ألا يجزي السيئة إلا مثلها، ويجزي الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة. الإشارة: جعل الله الدار الآخرة للمتواضعين، أهل الذل والإنكسار، والعاقبة المحمودة - وهي الوصول إلى الحضرة - للمتقين الشهرة والاستكبار، وفي الحكم: " ادفن نفسك في أرض الخمول؛ فَمَا نَبَتَ مِمَّا لَمْ يُدفنْ؛ لاَ يَتِمُّ نِتَاجُهُ". قال في التنبيه: لا شيء أضر على المريد من الشهرة وانتشار الصيت؛ لأن ذلك من أعظم حظوظه، التي هي مأمور بتركها، ومجاهدة النفس فيها، وقد تسمح نفس المريد بترك ما سوى هذا من الحظوظ. هـ. وكان شيخ شيخنا يقول: نحب المريد أن يكون قدمه أعظم من صيته، ولا يكون صيته أعظم من قدمه. هـ. وقال إبراهيم بن أدهم رضي الله عنه: ما صدق الله من أحب الشهرة. وقال بعضهم: طريقتنا هذه لا تصلح إلا بأقوام كنست بأرواحهم المزابل. وقال أيوب رضي الله عنه: ما صدق عبد إلا سَرَّهُ ألا يشعر بمكانه. وقال في القوت: ومتى ذل العبد نفسه، واتضع عندها، فلم يجد لذلته طعماً، ولا لضعته حسماً، فقد صار الذل والتواضع كونَه، فهذا لا يكره الذم من الخلق؛ لوجود النقص في نفسه، ولا يحب المدح منهم؛ لفقد القدر والمنزلة في نفسه. فصارت الذلة والضعة صفة لا تفارقه، لازمة لزوم الزبالة للزبال، والكساحة للكساح، هما صنعتان له كسائر الصنائع. وربما فخروا بهما لعدم النظر إلى نقصهما. فهذه ولاية عظيمة له من ربه، قد ولاّه على نفسه، وملّكه عليها، فقهرها بعزه، وهذا مقام محبوب، وبعده المكاشفات بسرائر الغيوب. ثم قال: ومن كان حاله مع الله تعالى الذل طلبه واستحلاه، كما يطلب المتكبر العز، ويستحليه إذا وجده، فإن فارق ذلك الذل ساعة تغير قلبه لفراق حاله، كما أن المتعزز إن فارق العز ساعة تكدر عليه عيشه؛ لأن ذلك عيش نفسه. هـ. قلت: وهذا مقام من المقامات، والعارف الكالم لا يتغير قلبه على فقد شيء؛ إذ لم يفقد شيئاً بعد أن وجد الله، (مَاذَا فَقَدَ مَنْ وَجَدَكَ). والذي ذكره في القوت هو حال السائرين الصادقين. وبالله التوفيق. ثم ذكر عاقبة سيّد المتقين، فقال: {إِنَّ ٱلَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ...}

الجنابذي

تفسير : {تِلْكَ ٱلدَّارُ ٱلآخِرَةُ} جواب لسؤالٍ ناشٍ من السّابق كأنّه قيل: فمن ينجو من العذاب ومن يدخل الجنّات؟- فقال: تلك الدّار الآخرة {نَجْعَلُهَا} مقرّاً {لِلَّذِينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي ٱلأَرْضِ} لانّ المستعلى فى الارض منازع لى، والمنازع لى لا يدخل دارى {وَلاَ فَسَاداً} لانّ المفسد موذٍ لعبادى وخلقى {وَٱلْعَاقِبَةُ} الحسنى {لِلْمُتَّقِينَ} من ذلك او لمن كان شيمته التّقوى عن جميع ما ينبغى ان يتّقى منه.

الأعقم

تفسير : {تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علواً في الأرض} أي تكبراً وتجبراً {ولا فساداً} إنفاقاً في وجوه الظلم، وقيل: عملاً بالمعاصي {والعاقبة للمتقين} أي العاقبة المحمودة وهي الجنة للمتقين {من جاء بالحسنة} أي من عمل حسنة {فله خير منها} قيل: ثوابها خير منها {ومن جاء بالسيئة} بالمعاصي {فلا يجزى الذين عملوا السيئات إلا ما كانوا يعملون} أي لا يزاد في عقابهم على قدر المستحق {إن الذي فرض عليك القرآن} قيل: أنزل عليك، وقيل: فرض عليك العمل بالقرآن، والآية نزلت في رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وذلك لأنه لما هاجر وبلغ الجحفة مقارباً مكة والمسجد الحرام بكى فبشره الله تعالى بهذه الآية إنه يرده إلى مكة ظاهراً على قومه {إلى معاد} قيل: معاد الرجل بلده لأنه ينصرف ثم يعود، وقيل: إلى الموت، وظاهره أنه يقتضي العود إلى مكة {قل} يا محمد {ربي أعلم من جاء بالهدى ومن هو في ضلال مبين} أي ظاهر {وما كنت ترجو أن يلقى اليك الكتاب إلا رحمة من ربك فلا تكونن ظهيراً للكافرين} أي عوناً لهم {ولا يصدّنك عن آيات الله بعد إذ أنزلت إليك} أي يصرفنك هؤلاء القوم عن القرآن ودين الله إنزاله عليك {وادع إلى ربك} إلى توحيده وعبادته {ولا تكونن من المشركين} {ولا تدع مع الله إلهاً آخر لا إله إلا هو كل شيء هالك إلا وجهه} يعني وانه {له الحكم} قيل: الحكم يوم القيامة حيث لا حكم لأحد غيره، وقيل: القضاء النافذ في خلقه {وإليه ترجعون}.

الهواري

تفسير : قوله: {تِلْكَ الدَّارُ الأَخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلذِينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الأَرْضِ} يعني الشرك {وَلاَ فَسَاداً} أي: قتل الأنبياء والمؤمنين وانتهاك حرمتهم. {وَالعَاقِبَةُ} أي: الثواب {لِلْمُتَّقِينَ} وهي الجنة. {مَنْ جَآءَ بِالحَسَنَةِ} وهي الإِيمان، أي: إكمال الفرائض {فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا} أي: فله منها خير، وفيها تقديم: فله منها خير، وهي الجنة. {وَمَنْ جَآءَ بِالسَّيِّئَةِ} أي: بالشرك والنفاق وكل كبيرة موبقة. {فَلا يُجْزَى الذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إِلاَّ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} أي: إلا ثواب ما عملوا. قوله: {إِنَّ الذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ} أي: نزل عليك القرآن. وقال مجاهد: الذي أعطاكه {لَرَآدُّكَ إلَى مَعَادٍ} قال مجاهد: لرادّك إلى مولدك، إلى مكة. ذكر بعضهم قال: إن النبي عليه السلام، وهو مهاجر متوجّه إلى المدينة حين هاجر، نزل عليه جبريل عليه السلام، وهو بالجحفة، فقال: أتشتاق يا محمد إلى بلادك التي ولدت بها. قال: نعم. فقال: {إِنَّ الذِي فَرَضَ عَلَيْكَ القُرْآنَ لَرَآدُّكَ إِلَى مَعَادٍ} أي: إلى مولدك الذي خرجت منه ظاهراً على أهله. وقال ابن عباس: {لَرَآدُّكَ إلَى مَعَادٍ} أي: إلى الجنة التي إليها معادك. قال الله للنبي عليه السلام: {قُل} يا محمد {رَّبِّي أَعْلَمُ مَن جَآءَ بِالْهُدَى} أي: إن محمداً جاء بالهدى، وإنه على الهدى. {وَمَنْ هُوَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ} أي: المشركون والمنافقون.

اطفيش

تفسير : {تِلْكَ} مبتدأ. {الدَّارُ} خبر. {الآخِرَةُ} إشار باشارة البعيد تعظيما كأنه قيل هي الدار التي سمعت بذكرها وبلغك وصفها. {نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَاداً} الجملة حال والعامل فيه معنى الإشارة او تلك مبتدأ والجملة خبره والعلو الغلبة والقهر للناس والتهاون بهم، وقيل: الإستكبار عن الايمان وقيل: طلب الشرف والعز عند السلطان وقيل: المراد هنا الشرك وقال علي: المراد {الذين لا يريدون علوا} أهل التواضع من الموالاة وأهل القدرة وعنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : إِرادة العلو أَن يكون شراك نعلك أَفضل من شراك نعل أَخيك " تفسير : يعني ونحو ذلك. قال: على الرجل ليعجبه ان يكون شراك نعل اخوه من شراك نعل صاحبه فيدخل تحتها وقرأها الفضيل فقال: ذهبت الأماني هاهنا وكان عمر بن عبدالعزيز يرددها حتى قبض، واعلم ان الله جل جلاله لم يعلق الموعود بترك العلو والفساد بل بترك إرادتهما فتركها واجب كتركهما والفساد يعم وجوه الشرف من المعاصي كلها، وقيل: الظلم وقيل: الدعاء الى عبادة غير الله سبحانه وتعالى وقيل: بأخذ اموال الناس بغير حق وقيل: قتل الأنبياء والمؤنين وانتهاك حرمتهم. {وَالعَاقِبَةُ لِلمُتَّقِينَ} العاقبة المحمودة وهي الجنة ورضى الله عز وجل لمن اتقى عقابه بأداء الفرائض واجتناب المناهي.

اطفيش

تفسير : {تلْكَ الدَّار الآخرة} الجنة التى عرفت شأنها، وإشارة البعد للتعظيم {نجعَلُها للذين لا يُريدونَ علوًّا فى الأرض ولا فساداً} وهم أهل العدل والتواضع من الولاة، وأهل القدرة من سائر الناس، وذكرهم بترك إرادة العلو والفساد، لا بترك العلو والفساد، لمزيد التحذير وإرادة الشىء سبب لفعله، ولعله يفضى إليه، ولا تضره أو تنفعه حتى يعزم عليه عزم ولم يفعل، كان دون من فعل، والعلو التكبر وطلب الشرف بالسلطنة، أو طلبهما وشمل الاستكبار عن الإيمان والفساد المعصية، وظلم الناس فى أموالهم، أو أبدانهم، أو أعراضهم، وشمل الدعاء الى غير الله بالإشراك، والآية على العموم لا فى التحرز عن فرعون وقارون، دخل عدى بن حاتم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجلس على الأرض، وطرح له وسادة، فقال: أشهد أنك لا تبغى علوًّا ولا فساداً فأسلم رضى الله عنه، وقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : ليس من الكبر أن يعجب الإنسان جماله أو ثيابه أو شسع نعله وأن بل هو تسفيه يجب أن لا يساويه أحد أو يفوقه فى ذلك الحق وغمط الخلق ". تفسير : {والعاقبة للمتَّقين} الكلمة الكاملة فى الخير من الله لمتقى الشرك والمعاصى، أو الجنة لهم، والجنة والنار موجودتان الآن لدليل أعدت، وخروج آدم ونحو ذلك مما ذكر فى محله، ولا يدل نجعلها على عدمها الآن لأن المعنى نثبتها لهم بالادخال.

الالوسي

تفسير : {تِلْكَ ٱلدَّارُ ٱلأَخِرَةُ } مشيراً إشارة تعظيم وتفخيم إلى ما نزل لشهرته منزلة المحسوس المشاهد كأنه قيل: تلك التي سمعت خبرها وبلغك وصفها، و {ٱلدَّارِ } صفة لاسم الإشارة الواقع مبتدأ وهو يوصف بالجامد ولا حاجة إلى تقدير مضاف أي نعيم الدار كما يوهمه كلام «البحر»، و {ٱلأَخِرَةَ } صفة للدار، والمراد بها الجنة وخبر المبتدأ قوله تعالى: {نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِى ٱلأَرْضِ } أي غلبة وتسلطاً {وَلاَ فَسَاداً } أي ظلماً وعدواناً على العباد كدأب فرعون وقارون، وليس الموصول مخصوصاً بهما، وفي إعادة {لا } إشارة إلى أن كلاً من العلو والفساد مقصود بالنفي، وفي تعليق الموعد بترك إرادتهما لا بترك أنفسهما مزيد تحذير منهما. وأخرج عبد بن حميد وابن أبـي حاتم عن عكرمة أنه قال: العلو في الأرض التكبر وطلب الشرف والمنزلة عند سلاطينها وملوكها والفساد العمل بالمعاصي وأخذ المال بغير حقه. وعن الكلبـي: العلو الاستكبار عن الإيمان والفساد الدعاء إلى عبادة غير الله تعالى، وروي عن مقاتل تفسير العلو بما روي عن الكلبـي، وأخرج ابن مردويه وابن عساكر عن علي كرم الله تعالى وجهه أنه كان يمشي في الأسواق وحده وهو وال يرشد الضال ويعين الضعيف ويمر بالبقال والبياع فيفتتح عليه القرآن ويقرأ {تلك الدار الآخرة} إلى آخرها، ويقول: نزلت هذه الآية {تِلْكَ ٱلدَّارُ ٱلأَخِرَةُ } الخ، في أهل العدل والتواضع من الولاة وأهل القدرة من سائر الناس. وأخرج ابن مردويه عن عدي بن حاتم أنه لما دخل على النبـي صلى الله عليه وسلم ألقى إليه وسادة فجلس على الأرض، فقال عليه الصلاة والسلام أشهد أنك لا تبغي علواً في الأرض ولا فساداً فأسلم رضي الله تعالى عنه، وعن الفضيل أنه قرأ الآية ثم قال: ذهبت الأماني هٰهنا، وعن عمر بن عبد العزيز أنه كان يرددها حتى قبض، وأخرج ابن أبـي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبـي حاتم عن علي كرم الله تعالى وجهه أنه قال: إن الرجل ليحب أن يكون شسع نعله أجود من شسع نعل صاحبه فيدخل في هذه الآية. ولعل هذا إذا أحب ذلك ليفتخر على صاحبه ويستهينه وإلا فقد روي أبو داود عن أبـي هريرة أن رجلاً أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان جميلاً فقال: يا رسول الله إني رجل حبب إليَّ الجمال وأعطيت منه ما ترى حتى ما أحب أن يفوقني أحد - إما قال بشراك نعلي وإما قال بشسع نعلي - أفمن الكبر ذلك؟ قال لا ولكن الكبر من بطر الحق وغمط الناس. وروى مسلم وأبو داود والترمذي عن ابن مسعود أن النبـي صلى الله عليه وسلم قال«حديث : لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر فقال رجل: إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسناً، ونعله حسنة قال: إن الله تعالى جميل يحب الجمال الكبر بطر الحق وغمط الناس»تفسير : . واستدل بعض المعتزلة بالآية بناء على عموم العلو والفساد فيها على تخليد مرتكب الكبيرة في النار، وفي «الكشاف» ما هو ظاهر في ذلك، والتزم بعضهم في الجواب تفسير العلو والفساد بما فسرهما به الكلبـي وآخر أن المراد بهما ما يكون مثل العلو والفساد اللذين كانا من فرعون وقارون. ورد بأن التذييل بقوله تعالى: {وَٱلْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} يدل على أن العمدة هي التقوى ولا يكفي ترك العلو والفساد المقيدين. وأجيب بأن المتقي هٰهنا هو المتقي من علو فرعون وفساد قارون أو من لم يكن من المؤمنين مثل فرعون في الاستكبار على الله تعالى بعدم امتثال أوامره والارتداع عن زواجره ولم يكن مثل قارون في إرادة الفساد في الأرض وإخراج كل شيء من كونه منتفعاً به لا سيما نفسه فإن غاية إفسادها الامتناع من عبادة ربها لأنها خلقت للعبادة فإذا امتنع عنها خرجت عن كونها منتفعاً بها وليس معنى المتقي إلا ذلك. وتعقبه صاحب «الكشف» بأن الأول تقييد بلا دليل والثاني هو الذي يسعى له المعتزلي. وقال الفاضل الخفاجي: إما أن يراد بالعاقبة العاقبة المحمودة على وجه الكمال أو يراد بالمتقي المتقي ما لا يرضاه الله تعالى مثل حال قارون بقرينة المقام، والنصوص الدالة على أن غير الكفار لا يخلد في النار فلا وجه للقول بأن ذلك تقييد بلا دليل مع أن مبنى الاستدلال على أن اللام للتخصيص وهو ممنوع، وقال بعض في الجواب على تقدير إرادة العموم في {علواً} و{فساداً}: إن المراد من جعل الجنة للذين لا يريدون شيئاً منهما تمكينهم منها أتم تمكين نحو قولك: جعل السلطان بلد كذا لفلان وذلك لا ينافي أن يدخلها غيرهم من مرتكب الكبيرة ويكون فيها بمنزلة دون منزلتهم، ولعله إنما دخلها بشفاعة بعض منهم، وقريب منه ما قيل: إن جعلها لهم باعتبار أنهم أهلها الأولون وملوكها السابقون وغيرهم إنما يرد عليهم وينزل بهم؛ ويقال في قوله تعالى: {وَٱلْعَـٰقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ } نحو ما مر آنفاً عن الخفاجي. بقي في الآية كلام آخر، وهو أن بعضهم استدل بها على عدم وجود الجنة اليوم بناء على أن معنى {نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لاَ يُرِيدُونَ } الخ نخلقها في المستقبل لأجلهم، وأجيب بأنه يحتمل أن يكون الجعل متعدياً إلى مفعولين ثانيهما {لِلَّذِينَ لاَ يُرِيدُونَ } الخ فيصير المعنى نجعلها كائنة وحاصلة لهم في الزمان المستقبل فتفيد الآية أن جعلها كائنة لهم غير حاصل الآن لا جعلها نفسها / وهو محل النزاع، ودفع بأن المتبادر من جعل الدار كائنة لزيد تمكينه وعدم منعه من التمكن فيها سواء حصل له التمكن فيها أو لم يحصل، فمعنى {نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ } الخ نمكنهم في الاستقبال من التمكن فيها، ولا يخفى ركاكته لأن التمكين من التمكن فيها لازم لوجودها غير منفك عنها على ما يدل عليه قوله تعالى: {أية : أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ }تفسير : [آل عمران: 133] فلا يمكن أن تكون نفس الجنة الآن ويكون جعلها كائنة لهم في الاستقبال، وحَمْلُ الجعل على التمكن بالفعل والتمكين من التمكن وإن كان لازماً لوجود الجنة لكن التمكن فيها بالفعل غير لازم بل يكون فيما سيجيء عدول عن المتبادر فإن المتبادر من قولك: جعلت الدار لزيد تمكينه من التمكن فيها لا جعل زيد متمكناً فيها بالفعل فتدبر ذلك كله.

ابن عاشور

تفسير : انتهت قصة قارون بما فيها من العبر من خير وشر، فأعقبت باستئناف كلام عن الجزاء على الخير وضده في الحياة الأبدية وأنها معدة للذين حالهم بضد حال قارون، مع مناسبة ذكر الجنة بعنوان الدار لذكر الخسف بدار قارون للمقابلة بين دار زائلة ودار خالدة. وابتدىء الكلام بابتداء مشوق وهو اسم الإشارة إلى غير مذكور من قبل ليَسْتَشْرِف السامع إلى معرفة المشار إليه فيعقبه بيانه بالاسم المعرف باللام الواقع بياناً أو بدلاً من اسم الإشارة كما في قول عبيدة بن الأبرص: شعر : تلك عِرسي غَضْبَى تريد زِيالي ألِبَيْنٍ تريدُ أم لدَلاللِ.. الأبياتتفسير : . وجملة {نجعلها} هو خبر المبتدأ وكاف الخطاف الذي في اسم الإشارة غير مراد به مخاطب معيّن موجّه إلى كل سامع من قراء القرآن. ويجوز أن يكون خطاباً للنبيء صلى الله عليه وسلم والمقصود تبليغه إلى الأمة شأن جميع آي القرآن. و {الدار}: محل السكنى، كقوله تعالى {أية : لهم دار السلام عند ربهم}تفسير : في الأنعام (127). وأما إطلاق الدار على جهنم في قوله تعالى {أية : وأحَلُّوا قومَهم دارَ البَوَار}تفسير : [ إبراهيم: 28] فهو تهكّم كقول أبي الغُول الطَهَوي: شعر : ولا يَرْعَوْن أكناف الهُوَيْنَا إذا نزلوا ولا روضَ الهُدون تفسير : فاستعمال الروض للهدون تهكُّم لأن المقام مقام تعريض. و {الآخرة}: مراد به الدائمة، أي التي لا دار بعدها، فاللفظ مستعمل في صريح معناه وكنايته. ومعنى جعلها لهم أنها محضرة لأجلهم ليس لهم غيرها. وأما من عداهم فلهم أحوال ذات مراتب أفصحت عنها آيات أخرى وأخبار نبوية فإن أحكام الدين لا يقتصر في استنباطها على لوك كلمة واحدة. وعن الفضيل بن عياض أنه قرأ هذه الآية ثم قال: ذهبتْ الأماني ههنا، أي أماني الذين يزعمون أنه لا يضر مع الإيمان شيء وأن المؤمنين كلهم ناجون من العقاب، وهذا قول المرجئة قال قائلهم: شعر : كُن مسلماً ومن الذنوب فلا تخف حاشا المهيمن أن يُري تنكيدا لو شاء أن يُصليك نار جهنم ما كان ألْهَم قلبَك التوحيدا تفسير : ومعنى {لا يريدون} كناية عن: لا يفعلون، لأن من لا يريد الفعل لا يفعله إلا مكرهاً. وهذا من باب {أية : ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض}تفسير : كما تقدم في أول هذه السورة (5). والعُلوّ: التكبر عن الحق وعلى الخلق، والطغيان في الأعمال، والفساد: ضد الصلاح، وهو كل فعل مذموم في الشريعة أو لدى أهل العقول الراجحة. وقوله {والعاقبة للمتقين} تذييل وهو معطوف على جملة {تلك الدار} وبه صارت جملة {تلك الدار} كلها تذييلاً لما اشتملت عليه من إثبات الحكم للعام بالموصول من قوله {للذين لا يريدون علواً في الأرض} والمعرف بلام الاستغراق. و {العاقبة}: وصف عومل معاملة الأسماء لكثرة الوصف به وهي الحالة الآخرة بعد حالة سابقة وغلب إطلاقها على عاقبة الخير. وتقدم عند قوله تعالى {أية : ثم انظروا كيف كان عاقبة المكذبين} تفسير : في [الأنعام:11]

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: تلك الدار الآخرة: أي الجنة، دار الأبرار. لا يريدون علواً في الأرض: أي بغياً ولا استطالة على الناس. ولا فساداً: أي ولا يريدون فساداً بعمل المعاصي. والعاقبة: أي المحمودة في الدنيا والآخرة. للمتقين: الذين يتقون مساخط الله فلا يعتقدون ولا يقولون ولا يعملون ما لا يرضى به الله تعالى. من جاء بالحسنة: أي يوم القيامة والحسنة: اثر طاعة الله تعالى يجزى به المؤمن. فله خير منها: أي تضاعف له عشرة أضعاف. ومن جاء بالسيئة: السيئة أثر معصية الله تعالى يعاقب به العبد إذا لم يعف الله تعالى عنه. معنى الايات: لقد تقدم في السياق أن ثواب الله وهو الجنة خير لمن آمن وعمل صالحاً فأشار إليه تعالى بقوله {تِلْكَ ٱلدَّارُ ٱلآخِرَةُ} التي هي الجنة إذ هي آخر دار يسكنها المتقون فلا يخرجون منها. نجعلها، هذا هو الخبر عن قوله تلك الدار الآخرة فأخبر تعالى أنه يجعلها مأوى ومسكناً للذين لا يريدون علواً في الأرض ولا فساداً، لا يريدون استطالة على الناس وتعالياً وتكبراً عليهم وبغياً، ولا فساداً بارتكاب المعاصي كالقتل والزنا والسرقة وشرب الخمر، وقوله تعالى: {وَٱلْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} أي والعاقبة المحمودة في الدارين لأهل الإِيمان والتقوى وهم المؤمنون الذين يتقون مساخط الله عز وجل، وذلك بفعل المأمورات واجتناب المنهيات. وقوله تعالى: {مَن جَآءَ} أي يوم القيامة {بِٱلْحَسَنَةِ} وهي الطاعات لله ورسوله {فَلَهُ} جزاء مضاعفة الحسنة بعشر أمثالها وقد تُضاعف إلى أكثر بشرط أن لا تكون حسنة أعطيت له من حسنات ظالم في الدنيا فهذه لا تتضاعف. إذ تضاعف الحسنة التي باشرها، كما لا تضاعف حسنة من همَّ بحسنة ولم يعملها فإنها تكتب له حسنة ولا تضاعف لعدم مباشرته إياها وقوله {وَمَن جَآءَ بِٱلسَّيِّئَةِ} أي يوم القيامة. والسيئة أثر معصية الله تعالى ورسوله في نفسه {فَلاَ يُجْزَى} إلا مثلها أي لا تضاعف عليه وذلك لعدالة الله تعالى ورأفته بعباده، وهو معنى قوله تعالى {فَلاَ يُجْزَى ٱلَّذِينَ عَمِلُواْ ٱلسَّيِّئَاتِ} من الشرك والمعاصي {إِلاَّ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} أي في الدنيا إذ هي دار العمل والآخرة دار الجزاء. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- حرمة التكبر والاستطالة على الناس، والعمل بالمعاصي، وأنه الفساد في الأرض. 2- بيان فضل الله ورحمته وعدله بين عباده بمضاعفة الحسنات وعدم مضاعفة السيئات. 3- العاقبة الحسنى وهي الجنة لأهل الإِيمان والتقوى.

القطان

تفسير : فرضَ عليك: أوجب عليك. لرادّك الى معاد: لمعيدك الى بلدك. ظهيرا: معينا. هالك: ذاهب، معدوم. وجهه: ذاته. له الحكم: له القضاء. تلك الدارُ الآخرة (وهي الجنة) نجعلها للذين لا يريدون تكبراً في الأرض ولا فسادا، والعاقبة الحميدة للمؤمنين المتقين. وفي الحديث الصحيح: "حديث : لا يدخل الجنةَ من كان في قلبه مثقالُ ذرة من كِبر، فقال رجل: ان الرجل يحبّ ان يكون ثوبُه حسناً وفعله حسنا فقال عليه الصلاة والسلام: ان الله جميلٌ يحب الجَمال، الكِبر بطر الحق، وغمط الناس"تفسير : رواه مسلم وابو داود. من جاء بالحسنة له يومَ القيامة أفضلُ منها والله يضاعف لمن يشاء، ومن جاء بالعمل السيء فان الله لا يجزيه الا بمثل عمله، وهذا منه سبحانه رحمة وتفضل. {إِنَّ ٱلَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ ٱلْقُرْآنَ لَرَآدُّكَ إِلَىٰ مَعَادٍ} ان الله الذي أنزل عليك القرآن وفرض عليك تلاوته والعملَ بما فيه - لمعيدُك الى الأرض التي اعتدتها، وهي مكة؛ او: إن المعادَ يوم القيامة، فقل ربي أعلم بمن جاء بالهدى وما يستحقه من الثواب والنصر والتمكين في الأرض، وبمن هو في ضلال مبين، وما يستحقه من القهر والاذلال والعذاب المهين. {وَمَا كُنتَ تَرْجُوۤ أَن يُلْقَىٰ إِلَيْكَ ٱلْكِتَابُ إِلاَّ رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ.... } ما كنت ايها الرسول تأمل ان ينزَّلَ عليك القرآن، لكن الله أنزله عليك من عنده رحمةً بك وبأمتك، فاذكر هذه النعمة، وثابر على تبليغ الرسالة، ولا تكن أنت ومن اتبعك عوناً للكافرين. ولا يمنعك الكافرون يا محمد من تلاوة آياتنا والعملِ بها بعدَ إذ أُنزلتْ اليك، وادعُ الناس الى عبادة ربك وتوحيده، ولا تكوننّ من المشركين. ولا تعبد مع الله آلهاً غيره، فانه لا اله الا هو، كل شيء فانٍ الا ذاتُه فإنها أزليّة ابدية، له الحكمُ المطلَق النافذ وإليه تردّون يوم القيامة. وهكذا تختم هذه السورة الكريمة بتقرير قاعدة الدعوة الى وحدانية الله سبحانه، وتفرده بالألوهية والبقاء والحكم والقضاء، ليمض أصحاب الدعوات في طريقهم على هدى، وعلى ثقة وعلى طمأنينة وفي يقين.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلآخِرَةُ} {ٱلْعَاقِبَةُ} (83) - تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ - الجَنَّةُ التي عَلِمْتَ مِمَّا تَقدَّمَ وَصْفَهَا - قَدْ جَعَلَها الله خَالِصَةً لِعِبَادِهِ المُؤمِنينَ المُتَواضِعِينَ، الذينَ لاَ يُريدُونَ اسْتِكْبَاراً على خَلْقِ اللهِ، وَلاَ تَعَاظُماً عَلَيهِمْ، وَلاَ َتَجَبُّراً، وَلاَ فَسَاداً في الأَرضِ. وَالعَاقِبَةُ المَحْمُودَةُ، وهيَ الجَنَّةُ، جَعَلَها اللهُ لِمَنْ مَلأَتْ خَشْيَةُ اللهِ قَلبَهُ، واتَّقى عَذَابَه بِفعلِ الطَّاعَاتِ، وَتَرْكِ المُحَرَّمَاتِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : لأنه لا يصح أنْ يعلو الإنسان على بني جنسه، ولا على بيئته إلا بشيء ذاتي فيه، فلا يصح أنْ يعلوَ بقوته؛ لأنه قد يمرض، فيصير إلى الضعف، ولا بماله لأنه قد يُسلب منه. إذن: إياك أن تعلو على غيرك بشيء موهوب لك، إنْ أردتَ فبشيء ذاتي فيك، وليس فيك شيء ذاتي، فلست أفضلَ من أحد حتى تعلو عليه، كما أن الدنيا أغيار، وربما انتقل ما عندك إليهم، فهل يسرُّك إنْ صار غيرك غنياً أو قوياً أنْ يتعالى عليك؟ ثم أنت لا تستطيع العلو إلا بالاعتماد على قوة أعلى منك تسندك، وجرِّب بنفسك وحاول أن تقفز إلى أعلى كلاعب السيرك، ثم أمسك نفسك في هذا العلو، وطبعاً لن تستطيع، لماذا؟ لأنه لا ذاتية لك في العُلو. وما دام الأمر كذلك، فإياك أنْ تعلو؛ لأنك بعلوِّك تُحْفِظُ الآخرين؛ فإنْ حصل لك العكس شمتوا فيك، وأيضاً لأن الإنسان لا يعلو في بيئة ولا في مكان إلا إذا رأى كل مَنْ حوله دونه، وحين ترى أن كل الناس دونك فأنت لم تتنبه إلى أسرار فَضلْ الله في خَلْقه. ولو تأملت لوجدتَ في كل منهم خصلة ليست عندك، ولو قدَّرت أن الناس جميعاً عيالُ الله وخَلْقه، وليس منا مَنْ بينه وبين الله نسب أو قرابة ونحن جميعاً عنده تعالى سواء، وقد وزّع المواهب بيننا جميعاً بالتساوي، وبالتالي لا يمتاز أحد على أحد، فلم التعالي إذن؟ ولِمَ الكبر؟ وأيضاً الذي يتعالى لا يتعالى إلا في غفلة منه عن ملاحظة كبرياء ربه، وإلا فالذي يستحضر عظمة ربه وكبرياءه لا بُدَّ له أنْ يتواضع، وأنْ يتضاءل أمام كبريائه تعالى، وأنْ يستحي أن يتكبر على خَلْقه. والنبي صلى الله عليه وسلم يُعلِّمنا كيف نحترم الآخرين؟ وكيف نتواضع لهم؟ فلما دخل عليه الصحابي الجليل عدي بن حاتم قام عن كرامة مجلسه له، يعني: إن كانْ جالساً على (وسادة مثلاً) يقوم عنها، ويعطيها لصاحبه ليجلس هو عليها. وهكذا يحرص رسول الله صلى الله عليه وسلم على المساواة في المجلس؛ لذلك قال عدي بن حاتم لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أشهد أنك لا تريد عُلُواً في الأرض، وأشهد ألا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وأسلم. وعجيب ما نراه مثلاً في مساجدنا، وهي بيوت الله وأَوْلَى الأماكن بهذه المساواة، فتراهم إذا دخل أحد أصحاب النفوذ يفرشون له مُصلّى ليصلي عليها، مع أن المسجد مفروش، وعلى أعلى مستوى من النظافة، فلماذا هذا التمييز؟ ومع ذلك نجد منهم مَنْ يزيح هذه المصلَّى جانباً، ويصلي كما يصلي بقية الناس، وأظن أن الذي يقبل أنْ تُوضع له هذه المصلى أظنه يبتغي علواً في الأرض. والحق سبحانه يريد للإنسان أن يعيش سوىَّ الحركة في أسوياء لتظل القلوب متآلفة، لا يداخلها ضغن، وإذا خلَتْ القلوب من الضِّغن وَسِع الناسَ جميعاً رغيفُ عيشٍ واحد. ثم يقول سبحانه: {وَٱلْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} [القصص: 83] أي: العاقبة الخيِّرة، والعاقبة الحسنة في النعيم المقيم الدائم للمتقين. ثم يقول الحق سبحانه: {مَن جَآءَ بِٱلْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ ...}.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : ثم أخبر عن نجاة أهل الدرجات عن الدركات بقوله: {تِلْكَ ٱلدَّارُ ٱلآخِرَةُ} والإشارة في تحقيق الآيات بقوله: {تِلْكَ ٱلدَّارُ ٱلآخِرَةُ} يشير إلى عالم الغيب والأرواح {نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي ٱلأَرْضِ} [القصص: 83] أي: للأرواح المقدسة عن دنس الصفات الحيوانية المؤيدة بالتأييد الإلهي الذين لا يريدون علواً في أرض البشرية كالنفوس المتمردة كنفوس الفراعنة والجبابرة والأكاسرة ولا في أرض الروحانية مثل نفوس الأبالسة وبعض الأرواح الملكية مثل هاروت وماروت {وَلاَ فَسَاداً} [القصص: 83] بالنظر إلى غير الله يعني نجعل مملكة عالم الغيب والملكوت في تعرف الأرواح المذللة بالعبودية الخاضعة المطيعة المتواضعة المخلصة للربوبية غير الطالبة للعلو في بعض الكتب المنزلة: "عبدي أنا ملك حي لا أموت أبداً أطعني أجعلك ملكاً حياً لا تكون أبدا، عبدي أنا ملكا إذا قلت بشيء كن فيكون أطعني أجعلك ملكاً إذا قلت لشيء كن فيكون" وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "عنوان كتاب الله إلى عباده المؤمنين من الملك الحي الذي لا يموت إلى الملك الحي الذي لا يموت". وبقوله: {وَٱلْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} يشير إلى أن عاقبة الأمور أن يكون ملك الوحدة لمن اتقى بوحدانية الحق عما سواه {مَن جَآءَ بِٱلْحَسَنَةِ} [القصص: 84] أي: بمثل هذه الحسنة أي الإعراض عما سوى الله {فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا} [القصص: 84] من مواهب الحق بإفاضة الفيض الإلهي الذي يورث ملك الوحدة لأنه ما أعرض عنه فهو مخخلوقه، فافهم جدًّا. {وَمَن جَآءَ بِٱلسَّيِّئَةِ فَلاَ يُجْزَى ٱلَّذِينَ عَمِلُواْ ٱلسَّيِّئَاتِ إِلاَّ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} [القصص: 84] يشير إلى جزاء السيئات على حسب ما يعملون من السيئات فإن كانت السيئة بالشرك بالله فجزاؤه النار للأبد، وإن كانت المعاصي فجزاؤه العذاب بقدر المعاصي صغيرها وكبيرها، وإن كان حب الدنيا والرئاسة والسلطة الدنيوية فجزاؤه الذلة والصغار ونيل الدركات، وإن كانت طلب نعيم الآخرة ورفعة الدرجات فجزاؤه الحرمان عن كمالات القرب وكشف شواهد الحق تعالى، وإن كانت التلذذ بفوائد العلوم العقلية واستجلاء المعاني المعقولة فجزاؤه الحرمان عن كشف العلوم اللدنية والمعارف الربانية، وإن كانت ببقاء الوجود فجزاؤه الحرمان عن الفناء في أمد البقاء بالله بتجلي صفات الجمال والجلال. وبقوله: {إِنَّ ٱلَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ ٱلْقُرْآنَ لَرَآدُّكَ إِلَىٰ مَعَادٍ} [القصص: 85] يشير إلى كمالية قدرها للنبي صلى الله عليه وسلم وخصه بها دون سائر الخلق في مقام الوحدة فبشره بها إن الذي {فَرَضَ عَلَيْكَ ٱلْقُرْآنَ} أي: أوجب عليك أن تتخلق بخلقه وهو صفتي فيفني نورها ظلمة صفتك، فتكون فانياً عن صفاتك باقياً بصفاتي عند تجلي صفاتي لصفاتك، وإنا {لَرَآدُّكَ} أي: راد مرآتك بتجلي ذاتي {إِلَىٰ مَعَادٍ} خرجت من العدم لتكون فانياً عن أنانية ذاتك بأنانية ذاتي باقياً بأنانيتي كما أن صفاتك صارت فانية عنا باقية بصفاتي لتبقى بالذات والصفات فانياً عند باقياً بذاتي وصفاتي {قُل رَّبِّيۤ أَعْلَمُ مَن جَآءَ بِٱلْهُدَىٰ} ببذل الوجود المجازي في الوجود الحقيقي {وَمَنْ هُوَ فِي ضَلاَلٍ} [القصص: 85] وجوده باقياً {مُّبِينٍ} [القصص: 85] ضلالته في أفعاله وأحواله. وبقوله: {وَمَا كُنتَ تَرْجُوۤ أَن يُلْقَىٰ إِلَيْكَ ٱلْكِتَابُ} [القصص: 86] يشير إلى أن العلوم الإنسانية والفهوم الروحانية قاصرة عن إدراك ما أخفى من قرة أعين، {وَمَا كُنتَ} يا محمد أيضاً {تَرْجُوۤ أَن يُلْقَىٰ إِلَيْكَ ٱلْكِتَابُ} أي: القرآن الإكسير على النحاس لتبديل جوهر نحاس أنانيتك بإبريز هويته ما كان ذلك {إِلاَّ رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ} [القصص: 86] اختصك بهذه الرحمة على جميع الأنبياء؛ لأن كتبهم أنزلت في الألواح والصحف على صورتهم وكتابك نزل به الروح الأمين على قلبك ألقاه كإلقاء الإكسير {فَلاَ تَكُونَنَّ ظَهيراً لِّلْكَافِرِينَ} [القصص: 86] بل تكون ظهيراً للمؤمنين بالدعوة إلى ربهم. وبقوله: {وَلاَ يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ ٱللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنزِلَتْ إِلَيْكَ} [القصص: 87] يشير إلى أنه بعد إلقاء إكسير الكتاب وتبدل الجوهر يحتمل الصدود عن آيات الله؛ لأن القدرة به باقية لئلا يأمن مكر الله ويكون أعلم منا بالله وإحساناً. ثم قال دفعاً لآية الصدود {وَٱدْعُ إِلَىٰ رَبِّكَ} [القصص: 87] وهذا أيضاً من اختصاصك به أن له الدعوة إلى الحضرة الربوبية بإفناء الوجود المجازي في الوجود الحقيقي {وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ} في الدعوة بأن تدعو طلاب الحق وعشاقه إلى الجنة والحضرة فادعهم إلى ربهم خالصاً عن شرك الجنة كما قال تعالى: {أية : وَمَآ أُمِرُوۤاْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ} تفسير : [البينة: 5] {وَلاَ تَدْعُ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهاً آخَرَ} من الهوى والدنيا والآخرة لأنه {لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ} أي: لا معبود ولا مطلوب ولا مقصود إلا وجهه أي لا محبوب إلا هو فإن {كُلُّ شَيْءٍ} دونه {هَالِكٌ} أي قابل للهلاك؛ إهلاكه بقدرته {إِلاَّ وَجْهَهُ} أي: ذاته تعالى نظيره. قوله: {أية : كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو ٱلْجَلاَلِ وَٱلإِكْرَامِ} تفسير : [الرحمن: 26-27] أي: ذات ربك {لَهُ ٱلْحُكْمُ} فيما قضى وقدر وخلق ودبر وبحكمته البالغة جعل أسفل السافلين إلى أعلى عليين القرب ومقام قاب قوسين أو أدنى من حضرة رب العالمين دركات ودرجات، وجعل كل دركة مقام مردود من المبغضين وكل درجة مقام مقبول من المحبين والمحبوبين {وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} وأرباب الدركات بالقهر للعذاب الأليم، وأرباب الدرجات باللطف للإكرام.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : لما ذكر تعالى، قارون وما أوتيه من الدنيا، وما صار إليه عاقبة أمره، وأن أهل العلم قالوا: { ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا } رغب تعالى في الدار الآخرة، وأخبر بالسبب الموصل إليها فقال: { تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ } التي أخبر اللّه بها في كتبه وأخبرت [بها] رسله، التي [قد] جمعت كل نعيم، واندفع عنها كل مكدر ومنغص، { نَجْعَلُهَا } دارا وقرارا { لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأرْضِ وَلا فَسَادًا } أي: ليس لهم إرادة، فكيف العمل للعلو في الأرض على عباد اللّه، والتكبر عليهم وعلى الحق { وَلا فَسَادًا } وهذا شامل لجميع المعاصي، فإذا كانوا لا إرادة لهم في العلو في الأرض والإفساد، لزم من ذلك، أن تكون إرادتهم مصروفة إلى اللّه، وقصدهم الدار الآخرة، وحالهم التواضع لعباد اللّه، والانقياد للحق والعمل الصالح. وهؤلاء هم المتقون الذين لهم العاقبة، ولهذا قال: { وَالْعَاقِبَةُ } أي حالة الفلاح والنجاح، التي تستقر وتستمر، لمن اتقى اللّه تعالى، وغيرهم -وإن حصل لهم بعض الظهور والراحة- فإنه لا يطول وقته، ويزول عن قريب. وعلم من هذا الحصر في الآية الكريمة، أن الذين يريدون العلو في الأرض، أو الفساد، ليس لهم في الدار الآخرة، نصيب، ولا لهم منها نصيب.