٢٨ - ٱلْقَصَص
28 - Al-Qasas (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
82
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أن القوم الذين شاهدوا قارون في زينته لما شاهدوا ما نزل به من الخسف صار ذلك زاجراً لهم عن حب الدنيا ومخالفة موسى عليه السلام وداعياً إلى الرضا بقضاء الله تعالى وقسمته وإلى إظهار الطاعة والانقياد لأنبياء الله ورسله. أما قوله: {وَيْكَأَنَّ ٱللَّهَ } فاعلم أن وي كلمة مفصولة عن كأن وهي كلمة مستعملة عند التنبه للخطأ وإظهار التندم، فلما قالوا: { أية : يٰلَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِىَ قَـٰرُونُ } تفسير : [القصص: 79] ثم شاهدوا الخسف تنبهوا لخطئهم فقالوا: وي ثم قالوا: كأن الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده بحسب مشيئته وحكمته لا لكرامته عليه، ويضيق على من يشاء لا لهوان من يضيق عليه بل لحكمته وقضائه ابتلاء وفتنة قال سيبويه: سألت الخليل عن هذا الحرف فقال إن وي مفصولة من كان وأن القوم تنبهوا وقالوا متندمين على ما سلف منهم وي. وذكر الفراء وجهين أحدهما: أن المعنى ويلك فحذف اللام وإنما جاز هذا الحذف لكثرتها في الكلام وجعل أن مفتوحة بفعل مضمر كأنه قال ويلك اعلم أن الله، وهذا قول قطرب حكاه عن يونس الثاني: وي منفصلة من كأن وهو للتعجب يقول الرجل لغيره وي أما ترى ما بين يديك فقال الله وي ثم استأنف كان الله يبسط فالله تعالى إنما ذكرها تعجيباً لخلقه، قال الواحدي: وهذا وجه مستقيم غير أن العرب لم تكتبها منفصلة ولو كان على ما قالوه لكتبوها منفصلة، وأجاب الأولون بأن خط المصحف لا يقاس عليه، ثم قالوا: {لَوْلا أَن مَّنَّ ٱللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لاَ يُفْلِحُ ٱلْكَـٰفِرُونَ } وهذا تأكيد لما قبله. أما قوله: {تِلْكَ ٱلدَّارُ ٱلأَخِرَةُ } فتعظيم لها وتفخيم لشأنها يعني تلك التي سمعت بذكرها وبلغك وصفها ولم يعلق الوعد بترك العلو والفساد، ولكن بترك إرادتهما وميل القلب إليهما، وعن علي عليه السلام: إن الرجل ليعجبه أن يكون شراك نعله أجود من شراك نعل صاحبه فيدخل تحتها، قال صاحب «الكشاف»: ومن الطماع من يجعل العلو لفرعون لقوله: { أية : إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلاَ فِى ٱلأَرْضِ } تفسير : [القصص: 4] والفساد لقارون لقوله: { أية : وَلاَ تَبْغِ ٱلْفَسَادَ فِى ٱلأَرْضِ } تفسير : [القصص: القصص: 77] ويقول من لم يكن مثل فرعون وقارون فله تلك الدار الآخرة ولا يتدبر قوله: {وَٱلْعَـٰقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ } كما تدبره علي بن أبـي طالب عليه السلام.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَأَصْبَحَ ٱلَّذِينَ تَمَنَّوْاْ مَكَانَهُ بِٱلأَمْسِ } أي من قريب {يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ ٱللَّهَ يَبْسُطُ } يوسّع {ٱلرّزْقَ لِمَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ } يضيّق على من يشاء و«وي» اسم فعل بمعنى: أعجب، أي أنا والكاف بمعنى اللام {لَوْلا أَن مَّنَّ ٱللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا } بالبناء للفاعل والمفعول {وَيْكَأَنَّهُ لاَ يُفْلِحُ ٱلْكَٰفِرُونَ } لنعمة الله كقارون.
ابن عبد السلام
تفسير : {وَيْكَأَنَّ} أو لا يعلم أن الله، أو لا يرى أن الله، أو ولكن الله بلغة حمير، والياء صلة تقديره كأن الله، أو الياء والكاف صلتان تقديره وأن الله، أو الكاف صلة والياء للتنبيه، أو ويك مفصولة بمعنى ويح فأبدل الحاء كافاً، أو ويلك فحذف اللام، أو وي منفصلة على جهة التعجب ثم استأنف كأن الله. قاله الخليل. {وَيَقْدِرُ} يختار له. "ع"، أو ينظر له إن كان الغنى خيراً له أغناه وإن كان الفقر خيراً له أفقره."ح" أو يضيق.
النسفي
تفسير : {وَأَصْبَحَ } وصار {ٱلَّذِينَ تَمَنَّوْاْ مَكَانَهُ } منزلته من الدنيا {بِٱلأَمْسِ } ظرف لـــــ {تمنوا} ولم يرد به اليوم الذي قبل يومك ولكن الوقت القريب استعارة {يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ ٱللَّهَ يَبْسُطُ ٱلرّزْقَ لِمَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ } و «ي» منفصلة عن «كأن» عند البصريين. قال سيبويه: «وي» كلمة تنبه على الخطأ وتندم يستعملها النادم بإظهار ندامته يعني أن القوم قد تنبهوا على خطئهم في تمنيهم، وقولهم {يا ليت لنا مثل ما أوتى قارون} وتندموا {لَوْ لاَ أَن مَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْنَا } بصرف ما كنا نتمناه بالأمس {لَخَسَفَ بِنَا } لخَُسِفَ وبفتحتين: حفص ويعقوب وسهل، وفيه ضمير الله تعالى {وَيْكَأَنَّهُ لاَ يُفْلِحُ ٱلْكَـٰفِرُونَ } أي تندموا ثم قالوا: كأنه لا يفلح الكافرون {تِلْكَ ٱلدَّارُ ٱلآخِرَةُ } {تلك} تعظيم لها وتفخيم لشأنها يعني تلك التي سمعت بذكرها وبلغك وصفها، وقوله {نَجْعَلُهَا } خبر {تلك} و{الدار} نعتها {لِلَّذِينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِى ٱلأَرْضِ } بغياً: ابن جبير، وظلماً: الضحاك أو كبراً {وَلاَ فَسَاداً } عملاً بالمعاصي أو قتل النفس أو دعاء إلى عبادة غير الله. ولم يعلق الموعد بترك العلو والفساد ولكن بترك إرادتهما وميل القلوب إليهما كما قال {أية : وَلاَ تَرْكَنُواْ إِلَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ }تفسير : [هود: 113] فعلق الوعيد بالركون. وعن علي رضي الله عنه: إن الرجل ليعجبه أن يكون شراك نعله أجود من شراك نعل صاحبه فيدخل تحتها. وعن الفضيل: إنه قرأها ثم قال: ذهبت الأماني ههنا. وعن عمر بن عبد العزيز: إنه كان يرددها حتى قبض. وقال بعضهم: حقيقته التنفير عن متابعة فرعون وقارون متشبثاً بقوله {إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلاَ فِى ٱلأَرْضِ } {وَلاَ تَبْغِ ٱلْفَسَادَ فِى ٱلأَرْضِ } {وَٱلْعَـٰقِبَةُ } المحمودة {لّلْمُتَّقِينَ }.
ابن عادل
تفسير : قوله: {وَأَصْبَحَ ٱلَّذِينَ تَمَنَّوْاْ مَكَانَهُ بِالأَمْسِ} أي: صار أولئك الذين تمنوا ما رُزق من المال والزينة يتندمون على ذلك التمني، والعرب تعبِّر عن الصيرورة بأصبح وأمسى وأضحى، تقول: أصبح فلانٌ عالماً، وأضحى معدماً، وأمسى حزيناً، والمعنى صار ذلك زاجراً لهم عن حب الدنيا ومخالفة موسى وداعياً إلى الرضا بقضاء الله وقسمته. قوله: {وَيْكَأَنَّ ٱللَّهَ.... وَيْكَأَنَّهُ} فيه مذاهب منها: أن وَيْ كلمة برأسها وهي اسم فعلٍ معناها أعجب أي أنا والكاف للتعليل، و "أنْ" وما في حيّزها مجرورة بها، أي: أعجب لأنَّه لا يفلح الكافرون، وسمع كما أنَّه لا يعلم غفر الله له، وقياس هذا القول أن يوقف على "وَيْ" وحدها، وقد فعل ذلك الكسائي، إلا أنه ينقل عنه أنه يعتقد في الكلمة أن أصلها "وَيْلَكَ" كما سيأتي، وهذا ينافي وقفه، وأنشد سيبويه: شعر : 4020 - وَيْ كَأَنْ مَنْ يَكُنْ لَهُ نَشَبٌ يُحْـ ـبَبْ وَمَنْ يَفْتَقِرْ يَعِشْ عَيْشَ ضُرٍّ تفسير : الثاني: قال بعضهم "كَأَنَّ" هنا للتشبيه إلا أنه ذهب منها معناه، وصارت للخبر والتقين، وأنشد: شعر : 4021 - كَأَنَّنِي حِينَ أُمْسِي لاَ يُكَلِّمُنِي مُتَيَّمٌ يَشْتَهِي مَا لَيْسَ مَوْجُودا تفسير : وهذا أيضاً يناسبه الوقف على "وَيْ". الثالث: أن "وَيْكَ" كلمة برأسها والكاف حرف خطاب، وأنَّ معمولة لمحذوف، أي: اعلم أنَّه لا يفلح، قال الأخفش، وعليه قوله: شعر : 4022 - أَلاَ وَيْـكَ المَسَـرَّةُ لاَ تَــدُومُ وَلاَ يَبْقَى عَلَـى البُـؤْس النَّعِيــمُ تفسير : وقول عنترة: شعر : 4023 - وَلَقَدْ شَفَى نَفْسِيَ وَأَبْرَأَ سُقْمَهَا قِيلُ الفَوَارِسِ وَيْكَ عَنْتَرَ أَقْــدِمِ تفسير : وحقه أن تقف على "وَيْكَ" وقد فعله أبو عمرو بن العلاء. الرابع: أن أصلها "وَيْلَكَ" فَحُذِفَ، وإليه ذهب الكسائي ويونس وأبو حاتم، وحقهم أن يقفوا على الكاف كما فعل أبو عمرو، ومن قال بهذا استشهد بالبيتين المتقدمين، فإنه يحتمل أن يكون الأصل فيهما "وَيْلَكَ" فحذف ولم يرسم في القرآن إلا "وَيْكَأَنَّ" "وَيْكَأَنَّهُ" متصلة في الموضعين. فعامَّة القرَّاء اتبعوا الرسم، والكسائي وقف على "وَيْ" وأبو عمرو على "وَيْكَ" وهذا كله في وقف الاختيار دون الاختبار كنظائر تقدمت. الخامس: أنَّ وَيْكَأَنَّ كلها كلمة مستقلة بسيطة ومعناها "أَلَمْ تَرَ". وربَّما نقل ذلك عن ابن عباس، ونقل الكسائي والفراء أنها بمعنى: أما ترى إلى صنع الله، قال الفراء: هي كلمة تقرير، وذكر أنه أخبره من سمع أعرابية تقول لزوجها: أين ابنك؟ قال: وَيْ كأنَّه وراء البيت، يعني: أما ترينه وراء البيت، وحكى ابن قتيبة أنها بمعنى: رحمة لك في لغة حمير. قوله: {لَوْلاۤ أَن مَّنَّ ٱللَّهُ} قرأ الأعمش "لَوْلاَ مَنَّ" بحذف "أنْ" وهي مرادة، لأن لولا هذه لا يليها إلا المبتدأ، وعنه "مَنُّ" برفع النون وجر الجلالة، وهي واضحة. قوله: لَخِسَفَ" قرأ حفص: "لَخَسَفَ" مبنياً للفاعل أي الله تعالى، والباقون ببنائه للمفعول، و "بِنَا" هو القائم مقام الفاعل، وعبد الله وطلحة لا نْخُسِفَ بِنَا أي: المكان، وقيل: "بِنَا" هو القائم مقام الفاعل كقولك: انقطع بنا، وهي عبارة رديئة وقيل: الفاعل: ضمير المصدر أي: لا نخسف الانخساف وهي عنه أيضاً، وعن عبد الله "لَتُخُسِّفَ" بتاء من فوق وتشديد السين مبنياً للمفعول، وبنا قائم مقامه. قوله: "وَيْكَأَنَّ" كلمة مستعملة عند التنبيه للخطاب وإظهار التندم، فلما قالوا: {أية : يَٰلَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَآ أُوتِيَ قَارُونُ}تفسير : [القصص: 79] ثم شاهدوا الخسف تنبهوا لخطئهم، ثم قالوا: كأنه {يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ} بحسب مشيئته وحكمته لا لكرامته عليه، ويضيق على من يشاء لا لهوان من يضيِّق عليه، بل لحكمته وقضائه ابتلاء وفتنة، قال سيبويه: سألت الخليل عن هذا الحرف، فقال: "وَيْ" مفصولة من "كَأَنَّ" وأن القوم تنبهوا وقالوا متندمين على ما سلف منهم. قوله تعالى: "تِلْكَ الدَّارُ" مبتدأ وصفته، و "نَجْعَلُهَا" هو الخبر، ويجوز أن يكون "الدَّارُ" هو الخبر "ونجعَلُهَا" خبراً آخر، وحال والأولى أحسن، وهذا تعظيم لها وتفخيم لشأنها، يعني: تلك التي سمعت بذكرها وبلغك وصفها {لِلَّذِينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ فَسَاداً} ليفيد أن كلاً منهما مستقل في بابه لا مجموعهما، {وَٱلْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ}.
ابو السعود
تفسير : {وَأَصْبَحَ ٱلَّذِينَ تَمَنَّوْاْ مَكَانَهُ} منزلتَه {بِٱلأَمْسِ} منذ زمانٍ قريبٍ {يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ ٱللَّهَ يَبْسُطُ ٱلرّزْقَ لِمَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ} أي يفعلُ كلَّ واحدٍ من البسطِ والقدرِ بمحضِ مشيئتهِ لا لكرامةٍ تُوجب البسطَ ولا لهوانٍ يقتضِي القبضَ. ويكأنّ عند البصريـينَ مركبٌ من وَيْ للتَّعجبِ وكأنَّ للتشبـيهِ والمعنى ما أشبَه الأمرَ أنَّ الله يبسط الخ. وعند الكوفيـينَ من وَيْكَ بمعنى ويلك وأنَّ وتقديرُه وَيكَ أعلَم أنَّ الله وإنَّما يستعملُ عند التنبهِ على الخطأِ والتندُّم والمعنى أنَّهم قد تنبَّهوا على خطئِهم من تمنِّيهم وتندَّموا على ذلك {لَوْلا أَن مَّنَّ ٱللَّهُ عَلَيْنَا} بعدم إعطائِه إيانَّا ما تمنيناهُ وإعطائنا مثلَ ما أعطاه إيَّاه. وقُرىء لولا مَنَّ الله علينا {لَخَسَفَ بِنَا} كما خسفَ بهِ. وقُرىء لخُسِف بنا على النباءِ للمفعولِ وبنا هو القائمُ مقامَ الفاعلِ. وقُرىء لا تْخسفَ بنا كقولِك أنقطعَ بهِ، وقرُىء لتُخْسف بنا {وَيْكَأَنَّهُ لاَ يُفْلِحُ ٱلْكَـٰفِرُونَ} لنعمةِ الله تعالى أو المكذَّبون برسلِه وبما وعدُوا من ثوابِ الآخرةِ. {تِلْكَ ٱلدَّارُ ٱلآخِرَةُ} إشارةُ تعظيمٍ وتفخيمٍ كأنَّه قيل تلك التي سمعتَ خبَرها وبلغَك وصفُها {نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي ٱلأَرْضِ} أي غلبةً وتسلطاً {وَلاَ فَسَاداً} أي ظُلماً وعدُواناً على العبادِ كدأبِ فرعونَ وقارونَ وفي تعليق الموعد بترك إرادتهما لا بتركِ أنفسهما مزيدُ تحذير منهما. وعن عليَ رضي الله عنه أنَّ الرَّجلَ ليعجبه أنْ يكونَ شِراكُ نعلِه أجودَ من شراكَ نعلِ صاحبِه فيدخلُ تحتَها {وَٱلْعَـٰقِبَةُ} الحميدة {لّلْمُتَّقِينَ} أي الذين يتَّقون ما لا يرضاهُ الله من الأفعالِ والأقوالِ {مَن جَاء بِٱلْحَسَنَةِ فَلَهُ} بمقابلتِها {خَيْرٌ مّنْهَا} ذاتاً ووصفاً وقدراً {وَمَن جَاء بِٱلسَّيّئَةِ فَلاَ يُجْزَى ٱلَّذِينَ عَلِمُواْ ٱلسَّيّئَاتِ} وُضع فيه الموصولُ والظَّاهرُ موضعَ الضَّميرِ لتهجينِ حالِهم بتكريرِ إسنادِ السَّيئةِ إليهم {إِلاَّ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} أي إلا مثل ما كانُوا يعملون فحُذفَ المثلُ وأُقيم مقامَه ما كانُوا يعملون مبالغةً في المُماثلةِ.
اسماعيل حقي
تفسير : {واصبح} اى صار {الذين تمنوا} التمنى تقدير شىء فى النفس وتصويره فيها واكثره تصور مالا حقيقة له والامنية الصورة الحاصلة فى النفس من تمنى الشىء {مكانه} اى منزلته وجاهه {بالامس} اى بالوقت القريب منه فانه يذكر الامس ولا يراد به اليوم الذى قبل يومك ولكن الوقت المستقرب على طريق الاستعارة {يقولون ويكأن الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر} اى يضيق يقال قدر على عياله بالتخفيف مثل قتر ضيق عليهم بالنفقة اى يفعل كل واحد من البسط والقدر اى التضييق بمحض مشيئته وحكمته لا لكرامة توجب البسط ولا لهوان يوجب القبض. وويكأن عند البصريين مركب من وى للتعجب [جنانست كه كسى از روى ترحم وتعجب باديكرى كويد "وى لم فعلت ذلك" وى اين جيست كه توكردى] كما قال الراغب وى كلمة تذكر للتحسر والتندم والتعجب تقول وى لعبد الله انتهى كأن للتشبيه. والمعنى ما اشبه الامر ان الله يبسط الخ وعند الكوفين من ويك بمعنى ويلك وان واعلم مضمر وتقديره ويك اعلم ان الله الخ: وبالفارسية [واى برتوبداى خداى تعال الخ] وانما استعمل عند التنبيه على الخطأ والتندم. والمعنى انهم قد تنبهوا على خطأهم فى تمنيهم وتندموا على ذلك {لولا ان من الله} انعم {علينا} فلم يعطنا ما تمنينا: وبالفارسية [اكر آن نبودى كه خداى تعالى منت نهادى برما ونداد بما آنجه تمناى ما بودازدنيا] {لخسف بنا} [مارا بزمين فروبريد] كما خسف به لتوليد الاستغناء فينا مثل ماولده فيه من الكبر والبغى ونحوهما من اسباب العذاب والهلاك {ويكأنه لا يفلح الكافرون} لنعمة الله اى لا ينجون من عذابه او المكذبون برسله وبما وعدوا به من ثواب الآخرة. قال فى كشف الاسرار حب الدنيا حمل قارون على جمعها وجمعها حمله على البغىعليهم وصارت كثرة ماله سبب هلاكه وفى الخبر "حديث : حب الدنيا رأس كل خطيئة"تفسير : [دوستى دنيا سر همه كناهها هست ومايه هر فتنه وبيخ هرفساد. وهركه ازخداى بازماند بمهر ودوستى دنيا بازماند دنيا بلى كذشتنى وبساطى در نوشتنى ومرتع لافكاه مدعيان ومجمع باركاه بى خطران سرمايه بى دولتان ومصطبه بدبختان معشوقه ناكسان وقبله خسيسان دوست بى وفا ودايه بى مهر جمالى بانقاب دارد ورفتارى ناصواب وجون تودوست زير خاك صدر هزاران هزار دارد برطارم طرازى نشسته واز شبكه بيرون مى نكرد وباتوا ميكويد من جون توهزار عاشق از غم كستتم نالود بخون هيجكس انكشتم مصطفى عليه السلام كفت] "حديث : مامن احد يصيب فى الدنيا الا وهو بمنزلة الضيف ماله فى يده عارية فالضيف منطلق والعارية مردودة"تفسير : وفى رواية اخرى "حديث : ان مثلكم فى الدنيا كمثل الضيف وان ما فى ايديكم عارية"تفسير : [ميكويد مثل شمادرين دنياى غدار مثل مهمانى است كه بمهمان خانه فرو آيد هر آينه مهمان رفتنى بود نه بودنى هم جومرد كاروانى كه بمنزل فرو آيد لابد از آنجارخت بردارد درتمنا كند كه آنجايستد سخت نادان وبى سامان بود كه آن نه بمقصود رسد ونه بخانه بازآيد جهدآن كن اى جوانمرد كه بل بلوى بسلامت بازكاذارى وآنرا درا القرار خودنسانى ودل دروبندى تا برتو شيطان ظفر نيابد صد شير كرسنه دركله كوسفند جندان زيان بكندكه شيطان باتوكند] {أية : ان الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا}تفسير : [وصد شيطان آن نكندكه نفس اماره باتوكند (اعدى عدوك نفسك التى بين جنبيك) [يكى تأمل كن دركار قارون بدبخت نفس وشيطان هردودست درهم دادند تا اورا زيدن بر آوردند ازانكه آبش از سر جشمه خود تاريك بود يكجند اورا باعمل عاريتى دادند لؤلؤ شاهوار همى نمود جون حكم ازلى وسابقه اصلى در رسيد خود شبه قير رنك بود زبان حالش همى كويد] شعر : من يندرام كه هستم اندر كارى اى برسربندار جون من بسيارى اكنون كه نماند باقوم بازارى در ديده بنداشت زدم مسمارى تفسير : واعلم ان تمنى الدنيا مذموم الا ما كان لغرض صحيح وهو صرفها الى وجوه البر كالصدقة ونحوها. وعن كبشة الانمارى رضى الله عنه انه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "حديث : ثلاث اقسم عليهن واحدثكم حديثا فاحفظوه. فاما التى اقسم عليهن فانه مانقص مال عبد من صدقة ولا ظلم عبد مظلمة صبر عليها الا زاده الله به عزا ولا فتح عبد باب مسألة الا فتح الله عليه باب فقر. واما الذى احدثكم فاحفظوه" فقال "انما الدنيا لاربعة نفر عبد رزقه الله علما ومالا فهو يتقى فيه ربه ويصل فيه رحمه ويعمل الله فيه بحقه فهذا بافضل المنازل وعبد رزقه الله علما ولم يرزقه مالا فهو صادق النية يقول لو ان لى مالا لعملت بعمل فلان فهو بنيته واجرهما سواء وعبد رزقه الله مالا ولم يرزقه علما فهو لايتقى فيه ربه ولايصل فيه رحمه ولا يعمل لله فيه بحقه وعبد لم يرزقه الله علما ولا مالا فهو يقول لو ان لى مالا لعملت فيه بعمل فلان فهو بنيته ووزرهما سواء"تفسير : كما فى المصابيح
الجنابذي
تفسير : {وَأَصْبَحَ ٱلَّذِينَ تَمَنَّوْاْ مَكَانَهُ بِٱلأَمْسِ يَقُولُونَ} بعد خسفه {وَيْكَأَنَّ ٱللَّهَ} وى كلمة تعجّب مثل ويك ويستعمل ايضاً بمعنى الويل وتدخل على كان مخفّفة ومشدّدة فههنا يحتمل ان يكون ويكأنّ مركّبة من وى وكأنّ وان يكون مركّبة من ويك وانّ بمعنى التّعجّب وان يكون من وى وكاف الخطاب وانّ، وان يكون من ويك مخفّف ويلك وانّ، واذا كان انّ منفصلاً فليقدّر مثل اعلم قبلها حتّى يكون عاملها {يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ} وليس بسط الرّزق وتقديره بمشيّة العباد كما قال قارون ولا لهوان او كرامة من الله {لَوْلاۤ أَن مَّنَّ ٱللَّهُ عَلَيْنَا} بعدم اعطائنا مثل ما اعطى قارون كما كنّا نتمنّاه {لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لاَ يُفْلِحُ ٱلْكَافِرُونَ} مثل قارون.
اطفيش
تفسير : {وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالأَمْسِ} منزلة او منزلته في المال والجاه بالأمس المراد به هنا الزمان القريب قبل اليوم الذي قبل يومك فهو مستعار لمجرد قبل يومهم بأن يعتبر تمنيهم فيه ويقطع النظر عن تمنيهم قبله {يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَآءَ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ} يضيق على من يشاء منهم لحكمة لا لكرامة تقتضي البسط ولا لهوان يقتضي القبض ومذهب الخليل وسيبويه ان وي حرف تنبيه واتصالها بكان في الخط من شذوذ خط المصحف وادعى بعضهم انها اتصلت لكثرة الإستعمال وكان هي تشبيهية اي ان القوم تنبهوا عن خطأهم في تمنيهم وقالوا: أشبه الأمر ان الله يبسط ويقدر لحكمة لا لكرامة وهو أن، وقال الكوفيون بويك بمعنى ويلك، وقال ابو حاتم: هي ويلك حذفت لامه لكثرة الإستعمال فهي مفعول مطلق عاملة محذوف وجوبا من معنى الزجر، والخطاب لمن يصلح له أو من معنى الهلاك، والخطاب لقارون بعد الخسف به، وأن حرف تأكيد واتصال الكاف بها شذوذ، وفتحت الهمزة على تقدير اعلم ان الله وقيل: وي اسم فعل للتعجب وكان للتشبيه اي ما أشبه الأمر أن الله يبسط، واتصال الياء بالكاف شذوذاً ونسب للبصريين وقيل: وي اسم فعل بمعنى التعجب والكاف للخطاب واتصالها بأن شذوذ وففتحت همزة ان لتقدير لام التعليل متعلقة بوي أو بمحذوف أي كان ذلك لأن الله، ومن الناس من يقف على وي ومنهم من يقف على ويك وقيل: ويك معناه ألم تعلم وقيل ألم تر وقيل {وَيْكَأَنَّ} كلمة واحدة بمعنى لكن فالإتصال قياس لا شذوذ وفي المسائل السفرية، قيل ويك اسم مفعل معناه استفهام تقريري وان الله يبسط منصوب بويك وقيل وي اسم فعل ومعناه أعجب وكان ناصبة الاسم رافعة الخبر ومعناها الظن لا التشبيه، وقال الاخفش: وي اسم فعل بمعنى أعجب والكاف حرف خطاب وان على تقدير اللام وكان كلمة للتحقيق عند الخليل لا للتشبيه، وقيل وي اسم فعل بمعنى أعجب والكاف حرف جر للتعليل وصححه بعض ونسب للخليل وسيبويه وعليه جرا ابن هشام في حرف الكاف من المعنى لكن ذكره في وي كأنه الثاني. {لَوْلا أَن مَّنَّ} ان مصدرية والمصدر من الفعل بعدها مبتدأ. {اللهُ عَلَيْنَا} وقرأ الأعمش {لولا منُّ الله} بضم النون وكسر الهاء وان قلت ما الذي من الله عليهم به؟ قلت: عدم إعطائهم ما أعطى قارون فإنه سبب إهلاكه. {لَخَسَفَ بِنَا} نائب خسف وقرأه حفص بالبناء للفاعل وهو الله سبحانه وتعالى وقُرىء (لان يخسف) كقولك انقطع زيد بعمرو اي قطع به. {وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الكَافِرُونَ} وي اسم مفعل بمعنى أعجب والكاف جارة متعلقة به أي أعجب لعدم فلاح الكافرين لنعم الله مطلقاً أو المراد هنا خصوص المشركين قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : من ترك اللباس تواضعا لله وهو يقدر عليه دعاه الله يوم القيامة على رؤوس الخلائق حتى يخيّره من أي حلل يلبسه " تفسير : قالت عائشة رضي الله عنها: كان على بابي مستر فيه تماثيل فرآه صلى الله عليه وسلم فقال: "حديث : انزعيه فانه يذكرني الدنيا " تفسير : وقال كعب بن عياض: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : إن لكل أمة فتنة وفتنة أمتي المال " تفسير : . وقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : يكفي إبن آدم بيت يسكنه وثوب يواري عورته وجلف الخبر والماء ".
اطفيش
تفسير : {وأصْبَح} من الليل الذى خسف فيه به، على أن الخسف وقع فى الليل، وهو أشد إذ هو وقت الراحة والسكون، أو بمعنى صار، فهو محتمل لليل وغيره {الَّذين تمنَّوْا مكانَهُ} مثل مكانه، أى منزلته لقوله: "أية : مثل ما أوتى"تفسير : [القصص: 48] أو نفس منزلته، على أن مثل هناك صلة، والأول أولى، لأن الأصل عدم الزيادة، ولأن الأصل تعنى المثل لا الشىء الفانى، وأما تقدير مثل هنا فإنه ولو كان حذفا فلذكر مثله، فكأنه لم يحذف {بالأمس} فى الزمان الماضى القريب موصولا أو مفصولا {يقولون ويْكأن الله} وى اسم فعل بمعنى أعجب مما وقع من الخسف، أو بمعنى اندم على ذلك التمنى، والكاف حرف خطاب، وأن الله تعليل، أى لأن الله أو بأن الله، أو يقدر أعلم أن الله بصيغة المضارع، أو الأمر، وقال الكسائى ويونس: أصله ويلك، فحذف اللام، فالكاف ضمير مضاف إليه، وقيل: وىْ اسم فعل، وكأن هى حرف تشبيه، خرجت عنه الى التحقيق كقوله: شعر : كأن الأرض ليس بها هشام تفسير : مع أنه مات إلا إن ادعى أنه نافع، ولو مات ولا يعرف ما قيل عن ابن عباس، ويكأن كلمة واحدة بمعنى ألم تر ناصبة للفظ الجلالة، أى ألم تر أن الله {يبْسُط الرزق لمن يشاء من عباده} كقارون {ويقْدِر} يضيقه عمن يشاء من متق وعاص، وليس لكرامة أو هوان، بل كثيرا ما يكون المال هلاكا لصاحبه كما رأيتم لقارون، وكان يؤذى موسى وموسى يدارئه لقرابته، وتسكينا لحده، حتى طالبه بالزكاة إذ نزلت، فأبى فصالحه بإذن الله على كل ألف بواحد فأبى، وسعى فى بهته بالزنى {لولا أن مَنَّ الله علينا} بأن لم يعطنا مثل ذلك، أو نفس ذلك، ولم نفعل ما فعل من السوء، أو بأن لم نختر المقام معه حتى يخسف بنا كما خسف بالاثنين الباقيين معه {لخَسَف بنا} كما خسف به، أى لخسف الله بنا {ويْكأنه لا يُفلح الكافرون} لنعم الله عز وجل، أو المكذبون لرسله، وقارون مكذب عنادا لا جهلا.
الالوسي
تفسير : {وَأَصْبَحَ ٱلَّذِينَ تَمَنَّوْاْ مَكَانَهُ } أي مثل / مكانه ومنزلته لما تقدم من قولهم {أية : مِثْلَ مَآ أُوتِيَ}تفسير : [القصص: 79]، وجوز كون هذا على ظاهره و {مَثَلُ } هناك مقحمة وليس بذاك {بِٱلأَمْسِ } منذ زمان قريب وهو مجاز شائع، وجوز حمله على الحقيقة والجار والمجرور متعلق بتمنوا أو بمكانه، قيل: والعطف بالفاء التي تقتضي التعقيب في {أية : فَخَسَفْنَا } تفسير : [القصص: 81] يدل عليه. وفي «البحر» دل {أصبح} إذا حمل على ظاهره على أن الخسف به وبداره كان ليلاً وهو أفظع العذاب إذ الليل مقر الراحة والسكون، وقال بعضهم: هي بمعنى صار أي صار المتمنون. {يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ ٱللَّهَ يَبْسُطُ ٱلرّزْقَ لِمَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ } أي يفعل كل واحد من البسط والقدر أي التضييق والقتر لا لكرامة توجب البسط ولا لهوان يوجب التضييق، ووي عند الخليل وسيبويه اسم فعل ومعناها أعجب وتكون للتحسر والتندم أيضاً كما صرحوا به، وعن الخليل أن القوم ندموا فقالوا متندمين على ما سلف منهم {وى} وكل من ندم وأراد اظهار ندمه قال {وى}، ولعل الأظهر إرادة التعجب بأن يكونوا تعجبوا أولاً مما وقع وقالوا ثانياً كأن الخ وكأن فيه عارية عن معنى التشبيه جيء بها للتحقيق كما قيل ذلك في قوله:شعر : وأصبح بطن مكة مقشعراً كأن الأرض ليس بها هشام تفسير : وأنشد أبو علي:شعر : كأنني حين أمسي لا تكلمني متيم يشتهي ما ليس موجوداً تفسير : وقيل: هي غير عارية عن ذلك، والمراد تشبيه الحال المطلق بما في حيزها إشارة إلى أنه لتحققه وشهرته يصلح أن يشبه به كل شيء وهو كما ترى وزعم الهمداني أن الخليل ذهب إلى أن {وى} للتندم وكأن للتعجب والمعنى ندموا متعجبين في أن الله تعالى يبسط الخ، وفيه أن كون كأن للتعجب مما لم يعهد، وأياً ما كان فالوقف كما في «البحر» على {وى} والقياس كتابتها مفصولة وكتبت متصلة بالكاف لكثرة الاستعمال وقد كتبت على القياس في قول زيد بن عمرو بن نفيل:شعر : وي كأن من يكن له نشب يحـ ـبب ومن يفتقر يعش عيش ضر تفسير : وقال الأخفش: الكاف متصلة بها وهي اسم فعل بمعنى أعجب، والكاف حرف خطاب لا موضع لها من الإعراب كما قالوا في ذلك ونحوه، والوقف على ويك، وعلى ذلك جاء قول عنترة:شعر : ولقد شفا نفسي وأبرأ سقمها قيل الفوارس ويك عنتر أقدم تفسير : و {أَن} عنده مفتوحة الهمزة بتقدير العلم أي أعلم أن الله الخ، وذهب الكسائي ويونس وأبو حاتم وغيرهم إلى أن أصله ويلك فخفف بحذف اللام فبقي ويك، وهي للردع والزجر والبعث على ترك ما لا يرضى، وقال أبو حيان: هي كلمة تحزن وأنشد في «التحقيق» قوله:شعر : ألا ويك المضرة لا تدوم ولا يبقى على البؤس النعيم تفسير : والكاف على هذا في موضع جر بالإضافة، والعامل في أن فعل العلم المقدر كما سمعت أو هو بتقدير لأن على أنه بيان للسبب الذي قيل لأجله ويك، وحكى ابن قتيبة عن بعض أهل العلم أن معنى ويك رحمة لك بلغة حمير، وقال الفراء: ويك في كلام العرب كقول الرجل: ألا ترى إلى صنع الله تعالى شأنه، وقال أبو زيد وفرقة / معه: وروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ويكأن حرف واحد بجملته وهو بمعنى ألم تر. {لَوْلا أَن مَّنَّ عَلَيْنَا } بعدم إعطائه تعالى ما تمنيناه من إعطائنا مثل ما أعطاه قارون {لَخَسَفَ بِنَا } أي الأرض كما خسف به أو لولا أن من الله تعالى علينا بالتجاوز عن تقصيرنا في تمنينا ذلك لخسف بنا جزاء ذلك كما خسف به جزاء ما كان عليه. وقرأ الأعمش {لَوْلاَ مِنْ } بحذف {أَن} وهي مرادة، وروي عنه (من الله) برفع (من) والإضافة. وقرأ الأكثر {لَخَسَفَ بِنَا } على البناء للمفعول و {بِنَا } هو القائم مقام الفاعل، وجوز أن يكون ضمير المصدر أي لخسف هو أي الخسف بنا على معنى لفعل الخسف بنا، وقرأ ابن مسعود وطلحة والأعمش {لا نَخْسِفْ بِنَا } على البناء للمفعول أيضاً و {بِنَا } أو ضمير المصدر قائم مقام الفاعل، وعنه أيضاً {لتخسف} بتاء وشد السين مبنياً للمفعول. {وَيْكَأَنَّهُ لاَ يُفْلِحُ ٱلْكَـٰفِرُونَ } لنعمة الله تعالى أو المكذبون برسله عليهم السلام وبما وعدوا من ثواب الآخرة، والكلام في - ويكأن - هنا كما تقدم بيد أنه جوز هنا أن يكون لأن على بعض الاحتمالات تعليلاً لمحذوف بقرينة السياق أي لأنه لا يفلح الكافرون فعل ذلك أي الخسف بقارون، واعتبار نظيره فيما سبق دون اعتبار هذا هنا، وضمير {ويكأنه} للشأن. هذا وفي «مجمع البيان» أن قصة قارون متصلة بقوله تعالى: {أية : نَتْلُواْ عَلَيْكَ مِن نَّبَإِ مُوسَىٰ } تفسير : [القصص: 3] عليه السلام، وقيل: هي متصلة بقوله سبحانه: {أية : وَمَآ أُوتِيتُم مِّن شَيْءٍ فَمَتَٰعُ ٱلْحَيَٰوةِ ٱلدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِندَ ٱللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ}}تفسير : [القصص: 60]، وقيل: لما تقدم خزي الكفار وافتضاحهم يوم القيامة ذكر تعالى عقيبه أن قارون من جملتهم وأنه يفتضح يوم القيامة كما افتضح في الدنيا، ولما ذكر سبحانه فيما تقدم قول أهل العلم {أية : ثَوَابُ ٱللَّهِ خَيْرٌ } تفسير : [القصص: 80] ذكر محل ذلك الثواب بقوله عز وجل: {تِلْكَ ٱلدَّارُ ٱلأَخِرَةُ...}.
ابن عاشور
تفسير : {أصبح} هنا بمعنى صار. و (الأمس) مستعمل في مطلق زمن مضى قريباً على طريقة المجاز المرسل. و (مكان) مستعمل مجازاً في الحالة المستقر فيها صاحبها، وقد يعبر عن الحالة أيضاً بالمنزلة. ومعنى {يقولون} أنهم يجهرون بذلك ندامة على ما تمنوه ورجوعاً إلى التفويض لحكمة الله فيما يختاره لمن يشاء من عباده. وحكي مضمون مقالاتهم بقوله تعالى {ويكأن الله يبسط الرزق لمن يشاء} الآية. وكلمة {ويكأن} عند الأخفش وقطرب مركبة من ثلاث كلمات: (وي) وكاف الخطاب و (أن). فأما (وي) فهي اسم فعل بمعنى: أعجب، وأما الكاف فهي لتوجيه الخطاب تنبيهاً عليه مثل الكاف اللاحقة لأسماء الإشارة، وأما (أن) فهي (أن) المفتوحة الهمزة أخت (إن) المكسورة الهمزة فما بعدها في تأويل مصدر هو المتعجب منه فيقدر لها حرف جرّ ملتزم حذفه لكثرة استعماله وكان حذفه مع (أن) جائزاً فصار في هذا التركيب واجباً وهذا الحرف هو اللام أو (من) فالتقدير: أعجب يا هذا من بسط الله الرزق لمن يشاء. وكل كلمة من هذه الكلمات الثلاث تستعمل بدون الأخرى فيقال: وي بمعنى أعجب، ويقال (ويك) بمعناه أيضاً قال عنترة: شعر : ولقد شفى نفسي وأبرأ سقمها قيل الفوارس ويك عنتر أقدم تفسير : ويقال: {ويكأن}، كما في هذه الآية وقول سعيد بن زيد أو نبيه بن الحجاج السهمي: شعر : ويكأن من يكن له نشبٌ يُحــــ بَبْ ومن يفتقر يعش عيش ضرّ تفسير : فخفّف (أن) وكتبوها متصلة لأنها جرت على الألسن كذلك في كثير الكلام فلم يتحققوا أصل تركيبها وكان القياس أن تكتب (ويك) مفصولة عن (أن) وقد وجدوها مكتوبة مفصولة في بيت سعيد بن زيد. وذهب الخليل ويونس وسيبويه والجوهري والزمخشري إلى أنها مركبة من كلمتين (وي) و(كأن) التي للتشبيه. والمعنى: التعجب من الأمر وأنه يشبه أن يكون كذا والتشبيه مستعمل في الظن واليقين. والمعنى: أما تعجب كأن الله يبسط الرزق. وذهب أبو عمرو بن العلاء والكسائي والليث وثعلب ونسبه في «الكشاف» إلى الكوفيين (وأبو عمرو بصري) أنها مركبة من أربع كلمات كلمة (ويل) وكاف الخطاب وفعل (اعلم) و (أن). وأصله: ويلك أعلم أنه كذا، فحذف لام الويل وحذف فعل (اعلم) فصار (وَيْكَأنّه). وكتابتها متصلة على هذا الوجه متعينة لأنها صارت رمزاً لمجموع كلماته فكانت مثل النحت. ولاختلاف هذه التقادير اختلفوا في الوقف فالجمهور يقفون على {ويكأنه} بتمامه والبعض يقف على (وي) والبعض يقف على (ويك). ومعنى الآية على الأقوال كلها أن الذين كانوا يتمنون منزلة قارون ندموا على تمنيهم لما رأوا سوء عاقبته وامتلكهم العجب من تلك القصة ومن خفي تصرفات الله تعالى في خلقه وعلموا وجوب الرضى بما قدر للناس من الرزق فخاطب بعضهم بعضاً بذلك وأعلنوه. والبسط: مستعمل مجازاً في السعة والكثرة. و{يقدر} مضارع قدر المتعدي، وهو بمعنى: أعدى بمقدار، وهو مجاز في القلة لأن التقدير يستلزم قلة المقدر لعسر تقدير الشيء الكثير قال تعالى {أية : ومن قدر عليه رزقه فَليُنْفِق مما آتاه الله لا يكلِّف الله نفساً إلا ما آتاها}تفسير : [الطلاق: 7]. وفائدة البيان بقوله {من عباده} الإيماء إلى أنه في بسطة الأرزاق وقدرها متصرف تصرف المالك في ملكه إذ المبسوط لهم والمقدور عليهم كلهم عبيده فحقهم الرضى بما قسم لهم مولاهم. ومعنى {لولا أن منَّ الله علينا لخسف بنا}: لولا أن منَّ الله علينا فحفظنا من رزق كرزق قارون لخسف بنا، أي لكنا طغينا مثل طغيان قارون فخسف بنا كما خسف به، أو لولا أن منّ الله علينا بأن لم نكن من شيعة قارون لخسف بنا كما خسف به وبصاحبيه، أو لولا أن منّ الله علينا بثبات الإيمان. وقرأ الجمهور {لَخُسِف بنا} على بناء فعل «خُسِف» للمجهول للعلم بالفاعل من قولهم: لولا أن منّ الله علينا. وقرأه يعقوب بفتح الخاء والسين، أي لخسف الله الأرض بنا. وجملة {ويكأنه لا يفلح الكافرون} تكرير للتعجيب، أي قد تبين أن سبب هلاك قارون هو كفره برسول الله.
د. أسعد حومد
تفسير : {وَيْكَأَنَّ} {وَيْكَأَنَّهُ} {ٱلْكَافِرُونَ} (82) - وَلَمَّا رَأَى الذينَ تَمَنَّوْا مَالَ قَارُونَ وكُنُوزَهُ، مَا حَلَّ بهِ وبِمَالِهِ، قالُوا: أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللهَ يَبْسُطُ الرِزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ؟ وَلولا لُطْفُ اللهِ بِنا لأَعْطَانَا مَا سَأَلنا، ثُمَّ فَعَلَ بِنَا كَمَا فَعَلَ بقَارُونَ، فَخَسَفَ بِنَا الأَرضَ، لَقَدْ كَانَ قَارُونُ كَافِراً برَبِّهِ، وَلاَ يُفْلِحُ الكَافِرُونَ في النَّجَاةِ مِنْ عَذابِ اللهِ تَعَالى. يَقْدِرُ - يُضَيِّقُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ، لِحِكْمَةٍ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : لقد كانوا بالأمس يقولون {أية : يٰلَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَآ أُوتِيَ قَارُونُ ..} تفسير : [القصص: 79]، لكن اليوم وبعد أن عاينوا ما حاق به من عذاب الله وبأسه الذي لا يُردُّ عن القوم الكافرين - اليوم يثوبون إلى رُشْدهم ويقولون: {وَيْكَأَنَّ ٱللَّهَ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ ..} [القصص: 82]. كلمة (وَيْ) اسم فعل مثل: أُفٍّ وهيهات، وتدل على الندم والتحسُّر على ما حدث منك، فهي تنديد وتَخْطيءٌ للفعل، وقد تُقال (وَيْ) للتعجب. فقولهم (وي) ندماً على ما كان منهم من تمني النعمة التي تنعَّم بها قارون وتخطيئاًَ لأنفسهم، بعد أنْ شاهدوا الخَسْف به وبداره، وهم يندمون الآن ويُخطِّئون أنفسهم؛ لأن الله تعالى في رزقه حكمة وقدراً. {يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ ..} [القصص: 82] أي: يقبض ويُضيق، وليس بسْط الرزق دليل كرامة، ولا تضييقه دليلَ إهانة، بدليل أن الله يبسط الرزق لقارون، ثم أخذه أخْذ عزيز مقتدر. وقد تعرضتْ سورة الفجر لهذه المسألة في قوله تعالى: {أية : فَأَمَّا ٱلإِنسَانُ إِذَا مَا ٱبْتَلاَهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّيۤ أَكْرَمَنِ * وَأَمَّآ إِذَا مَا ٱبْتَلاَهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّيۤ أَهَانَنِ} تفسير : [الفجر: 15-16]. فالأول اعتبر الرزق الواسع دليل الكرامة، والآخر اعتبر التضييق دليلَ إهانة، فردَّ الحق سبحانه عليهما ليُصحح هذه النظرة فقال: {أية : كَلاَّ ..} تفسير : [الفجر: 17] يعني: أنتما خاطئان، فلا سعةَ الرزق دليلُ كرامة، ولا تضييقه دليلُ إهانة، وإلا فكيف يكون إيتاء المال دليلَ كرامة، وأنا أعطي بعض الناس المال، فلا يُؤدُّون حقَّ الله فيه؟ {أية : كَلاَّ بَل لاَّ تُكْرِمُونَ ٱلْيَتِيمَ * وَلاَ تَحَآضُّونَ عَلَىٰ طَعَامِ ٱلْمِسْكِينِ * وَتَأْكُلُونَ ٱلتُّرَاثَ أَكْلاً لَّمّاً * وَتُحِبُّونَ ٱلْمَالَ حُبّاً جَمّاً} تفسير : [الفجر: 17-20]. إذن: فأيُّ كرامة في مال يكون وبالاً على صاحبه، وابتلاء لا يُوفَّق فيه، فلو سُلب هذا المال من صاحبه لكان خيراً له، فما أشبهَ هذا المال بالسلاح في يد الذي لا يُحسِن استعماله، فربما قتل نفسه به. وقوله تعالى: {لَوْلاۤ أَن مَّنَّ ٱللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا ..} [القصص: 82] لأنهم بالأمس تمنَّوْا مكانه، أما الآن فيعترفون بأن الله مَنَّ عليهم حين نجاهم من هذا المصير، ثم يقولون {وَيْكَأَنَّهُ لاَ يُفْلِحُ ٱلْكَافِرُونَ} [القصص: 82] تعجُّب من أنه لا يفلح الكافرون عند الله تعالى. وبعد ذلك يأتي الحق سبحانه بقضية عامة ليفصل في هذه المسألة: {تِلْكَ ٱلدَّارُ ٱلآخِرَةُ ...}.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {وَيْكَأَنَّ ٱللَّهَ يَبْسُطُ} معناه ألا تَعلمْ أَنَّ الله يَبسُطُ الرِّزقَ لِمن يَشاءُ.
همام الصنعاني
تفسير : 2236- حدّثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {وَيْكَأَنَّ ٱللَّهَ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ ... وَيَقْدِرُ}: [الآية: 82]، قال: يقول: أولاً يعلم أنَّ الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدِرُ يقول: {لَوْلاۤ أَن مَّنَّ ٱللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لاَ يُفْلِحُ ٱلْكَافِرُونَ}: [الآية: 82]، يقول:أوَلا يَعْلمُ أنه لا يفْلح الكَافِرُون.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):