Verse. 3333 (AR)

٢٨ - ٱلْقَصَص

28 - Al-Qasas (AR)

فَخَسَفْنَا بِہٖ وَبِدَارِہِ الْاَرْضَ۝۰ۣ فَمَا كَانَ لَہٗ مِنْ فِئَۃٍ يَّنْصُرُوْنَہٗ مِنْ دُوْنِ اؘ۝۰ۤ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِيْنَ۝۸۱
Fakhasafna bihi wabidarihi alarda fama kana lahu min fiatin yansuroonahu min dooni Allahi wama kana mina almuntasireena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«فخسفنا به» بقارون «وبداره الأرض فما كان له من فئة ينصرونه من دون الله» أي غيره بأن يمنعوا عنه الهلاك «وما كان من المنتصرين» منه.

81

Tafseer

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ ٱلأَرْضَ} قال مقاتل: لما أمر موسى الأرض فابتلعته قالت بنو إسرائيل: إنما أهلكه ليرث ماله؛ لأنه كان ابن عمه؛ أخي أبيه، فخسف الله تعالى به وبداره الأرض وبجميع أمواله بعد ثلاثة أيام، فأوحى الله إلى موسى إني لا أعيد طاعة الأرض إلى أحد بعدك أبداً. يقال: خَسَف المكانُ يخسِف خُسوفاً ذهب في الأرض وخَسَف الله به الأرض خَسْفاً أي غاب به فيها. ومنه قوله تعالى: {فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ ٱلأَرْضَ} وخَسَف هو في الأرض وخُسِف به. وخسوف القمر كسوفه. قال ثعلب: كَسَفتِ الشمسُ وخَسفَ القمرُ؛ هذا أجود الكلام. والخسف النقصان؛ يقال: رضي فلان بالخسف أي بالنقيصة. {فَمَا كَانَ لَهُ مِن فِئَةٍ} أي جماعة وعصابة. {يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُنتَصِرِينَ} لنفسه أي الممتنعين فيما نزل به من الخسف. فيروى أن قارون يَسفُل كل يوم بقدر قامة، حتى إذا بلغ قعر الأرض السفلى نفخ إسرافيل في الصور؛ وقد تقدّم؛ والله أعلم. قوله تعالى: {وَأَصْبَحَ ٱلَّذِينَ تَمَنَّوْاْ مَكَانَهُ بِٱلأَمْسِ} أي صاروا يتندّمون على ذلك التمني و{يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ ٱللَّهَ} (وي) حرف تندّم. قال النحاس: أحسن ما قيل في هذا قول الخليل وسيبويه ويونس والكسائي إن القوم تَنبّهوا أو نُبِّهوا؛ فقالوا وَيْ، والمتندم من العرب يقول في خلال تندّمه وَيْ. قال الجوهري: وَيْ. كلمة تعجب، ويقال: وَيْكَ ووَيْ لعبد الله. وقد تدخل وَيْ على كأن المخففة والمشدّدة تقول: ويكأن الله. قال الخليل: هي مفصولة؛ تقول: {وَيْ} ثم تبتدىء فتقول: {كَأَنَّ}. قال الثعلبي: وقال الفرّاء هي كلمة تقرير؛ كقولك: أما ترى إلى صنع الله وإحسانه؛ وذكر أن أعرابية قالت لزوجها: أين ابنكَ وَيْلك؟ فقال: وَيْ كأنّه وراء البيت؛ أي أما ترينه. وقال ابن عباس والحسن: ويك كلمة ابتداء وتحقيق تقديره: إن الله يبسط الرزق. وقيل: هو تنبيه بمنزلة ألا في قولك ألا تفعل وأمَّا في قولك أما بعد. قال الشاعر:شعر : سالتَانِي الطلاقَ إذ رَأَتَانِي قَلَّ مالِي قد جِئْتُمانِي بِنُكْرِ وَيْ كَأَنْ مَنْ يَكُنْ له نَشَبٌ يُحْبَـ ـبْ وَمَنْ يَفتقرْ يَعشْ عيشَ ضُرِّ تفسير : وقال قُطْرُب: إنما هو ويلك وأسقطت لامه وضمت الكاف التي هي للخطاب إلى وَيْ. قال عَنترة:شعر : ولقد شَفَى نفسي وأَبرأَ سُقْمَها قَوْلُ الفوارسِ وَيْكَ عَنْتَرُ أَقْدِمِ تفسير : وأنكره النحاس وغيره، وقالوا: إن المعنى لا يصح عليه؛ لأن القوم لم يخاطبوا أحداً فيقولوا له ويلك، ولو كان كذلك لكان إنه بالكسر. وأيضاً فإن حذف اللام من ويلك لا يجوز. وقال بعضهم: التقدير ويلك اعلم أنه؛ فأضمر اعلم. ابن الأعرابي: {وَيْكَأَنَّ اللَّهَ} أي اعلم. وقيل: معناه ألم تر أن الله. وقال القتبي: معناه رحمة لك بلغة حِميْر. وقال الكسائي: وَيْ فيه معنى التعجب. ويروى عنه أيضاً الوقف على وَيْ وقال كلمة تفجّع. ومن قال: ويك فوقف على الكاف فمعناه أعجب لأن الله يبسط الرزق وأعجب لأنه لا يفلح الكافرون. وينبغي أن تكون الكاف حرف خطاب لا اسماً؛ لأنّ وَيْ ليست مما يضاف. وإنما كتبت متصلة؛ لأنها لما كثر استعمالها جعلت ما بعدها كشيء واحد. {لَوْلاۤ أَن مَّنَّ ٱللَّهُ عَلَيْنَا} بالإيمان والرحمة وعصمنا من مثل ما كان عليه قارون من البغي والبطر {لَخَسَفَ بِنَا}. وقرأ الأعمش {لَوْلاَ مَنُّ اللَّهِ عَلَيْنَا}. وقرأ حفص: «لخَسَفَ بِنَا» مسمّى الفاعل. الباقون: على ما لم يسم فاعله وهو اختيار أبي عبيد. وفي حرف عبد الله {لاَنْخُسِفَ بِنَا} كما تقول انطلِق بنا. وكذلك قرأ الأعمش وطلحة بن مُصرِّف. واختار قراءة الجماعة أبو حاتم لوجهين: أحدهما قوله: {فَخَسَفْنَا بِهِ وبَدَارِهِ الأَرْضَ}. والثاني قوله: {لَوْلاَ أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا} فهو بأن يضاف إلى الله تعالى لقرب اسمه منه أولى. {وَيْكَأَنَّهُ لاَ يُفْلِحُ ٱلْكَافِرُونَ} عند الله.

ابن كثير

تفسير : لما ذكر تعالى اختيال قارون في زينته، وفخره على قومه، وبغيه عليهم، عقب ذلك بأنه خسف به وبداره الأرض؛ كما ثبت في "الصحيح" عند البخاري من حديث الزهري عن سالم: أن أباه حدثه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : بينما رجل يجر إزاره، إذ خسف به، فهو يتجلجل في الأرض إلى يوم القيامة»تفسير : . ثم رواه من حديث جرير بن زيد عن سالم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم نحوه. وقال الإمام أحمد: حدثنا النضر بن إسماعيل أبو المغيرة القاص، حدثنا الأعمش عن عطية عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : بينما رجل فيمن كان قبلكم خرج في بردين أخضرين، يختال فيهما، أمر الله الأرض فأخذته، فإنه ليتجلجل فيها إلى يوم القيامة» تفسير : . تفرد به أحمد، وإسناده حسن. وقال الحافظ أبو يعلى الموصلي: حدثنا أبو خيثمة، حدثنا أبو يعلى بن منصور، أخبرني محمد بن مسلم، سمعت زياد النميري يحدث عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : بينما رجل فيمن كان قبلكم خرج في بردين، فاختال فيهما، فأمر الله الأرض فأخذته، فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة»تفسير : . وقد ذكر الحافظ محمد بن المنذر في كتاب "العجائب الغريبة" بسنده عن نوفل بن مساحق قال: رأيت شاباً في مسجد نجران، فجعلت أنظر إليه، وأتعجب من طوله وتمامه وجماله، فقال: ما لك تنظر إلي؟ فقلت: أعجب من جمالك وكمالك. فقال: إن الله ليعجب مني، قال: فما زال ينقص وينقص حتى صار بطول الشبر، فأخذه بعض قرابته في كمه وذهب به. وقد ذكر أن هلاك قارون كان من دعوة موسى نبي الله عليه السلام، واختلف في سببه، فعن ابن عباس والسدي: أن قارون أعطى امرأة بغياً مالاً على أن تبهت موسى بحضرة الملأ من بني إسرائيل، وهو قائم فيهم يتلو عليهم كتاب الله تعالى، فتقول: يا موسى إنك فعلت بي كذا وكذا، فلما قالت ذلك في الملأ لموسى عليه السلام، أرعد من الفرق، وأقبل عليها بعدما صلى ركعتين، ثم قال: أنشدك بالله الذي فرق البحر، وأنجاكم من فرعون، وفعل كذا وكذا، لما أخبرتني بالذي حملك على ما قلت، فقالت: أما إذ نشدتني، فإن قارون أعطاني كذا وكذا على أن أقول ذلك لك، وأنا أستغفر الله وأتوب إليه، فعند ذلك خرّ موسى لله عز وجل ساجداً، وسأل الله في قارون، فأوحى الله إليه: أن قد أمرت الأرض أن تطيعك فيه، فأمر موسى الأرض أن تبتلعه وداره، فكان ذلك. وقيل: إن قارون لما خرج على قومه في زينته تلك وهو راكب على البغال الشهب، وعليه وعلى خدمه ثياب الأرجوان المصبغة، فمر في محفله ذلك على مجلس نبي الله موسى عليه السلام، وهو يذكرهم بأيام الله، فلما رأى الناس قارون، انصرفت وجوههم نحوه ينظرون إلى ما هو فيه، فدعاه موسى عليه السلام، وقال: ما حملك على ما صنعت؟ فقال: يا موسى أما لئن كنت فضلت علي بالنبوة، فلقد فضلت عليك بالدنيا، ولئن شئت لنخرجن، فلتدعون علي، وأدعو عليك، فخرج موسى، وخرج قارون في قومه، فقال موسى عليه السلام: تدعو، أو أدعو أنا؟ فقال: بل أدعو أنا، فدعا قارون، فلم يجب له، ثم قال موسى: أدعو؟ قال: نعم، فقال موسى: اللهم مر الأرض أن تطيعني اليوم، فأوحى الله إِليه: أني قد فعلت، فقال موسى: يا أرض خذيهم، فأخذتهم إِلى أقدامهم، ثم قال: خذيهم، فأخذتهم إِلى ركبهم، ثم إِلى مناكبهم، ثم قال: أقبلي بكنوزهم وأموالهم. قال: فأقبلت بها حتى نظروا إليها، ثم أشار موسى بيده، ثم قال: اذهبوا بني لاوي، فاستوت بهم الأرض وعن ابن عباس قال: خسف بهم إِلى الأرض السابعة. وقال قتادة: ذكر لنا أنه يخسف بهم كل يوم قامة، فهم يتجلجلون فيها إلى يوم القيامة، وقد ذكر ههنا إسرائيليات غريبة أضربنا عنها صفحاً. وقوله تعالى: {فَمَا كَانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُنتَصِرِينَ} أي: ما أغنى عنه ماله ولا جمعه، ولا خدمه وحشمه، ولا دفعوا عنه نقمة الله وعذابه ونكاله، ولا كان هو في نفسه منتصراً لنفسه، فلا ناصر له من نفسه، ولا من غيره. وقوله تعالى: {وَأَصْبَحَ ٱلَّذِينَ تَمَنَّوْاْ مَكَانَهُ بِٱلأَمْسِ} أي: الذين لما رأوه في زينته {يٰلَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَآ أُوتِىَ قَـٰرُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ} فلما خسف به، أصبحوا يقولون: ويكأن الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر، أي: ليس المال بدال على رضا الله عن صاحبه، فإن الله يعطي ويمنع، ويضيق ويوسع، ويخفض ويرفع، وله الحكمة التامة والحجة البالغة، وهذا كما في الحديث المرفوع عن ابن مسعود: «حديث : إِن الله قسم بينكم أخلاقكم كما قسم أرزاقكم، وإن الله يعطي المال من يحب ومن لا يحب، ولا يعطي الإيمان إلاَّ من يحب» تفسير : {لَوْلاۤ أَن مَّنَّ ٱللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا} أي: لولا لطف الله بنا وإِحسانه إِلينا لخسف بنا كما خسف به؛ لأنا وددنا أن نكون مثله، {وَيْكَأَنَّهُ لاَ يُفْلِحُ ٱلْكَٰفِرُونَ} يعنون: أنه كان كافراً، ولا يفلح الكافرون عند الله، لا في الدنيا، ولا في الآخرة، وقد اختلف النحاة في معنى قوله ههنا: ويكأن، فقال بعضهم: معناه ويلك اعلم أن، ولكن خفف، فقيل: ويك، ودل فتح أن على حذف: اعلم، وهذا القول ضعفه ابن جرير، والظاهر أنه قوي، ولا يشكل على ذلك إلاَّ كتابتها في المصاحف متصلة: ويكأن، والكتابة أمر وضعي اصطلاحي، والمرجع إلى اللفظ العربي، والله أعلم، وقيل: معناها: ويكأن، أي: ألم تر أن، قاله قتادة. وقيل: معناها وي كأن، ففصلها وجعل حرف وي للتعجب، أو للتنبيه، وكأن بمعنى أظن وأحتسب. قال ابن جرير: وأقوى الأقوال في هذا قول قتادة إنها بمعنى ألم تر أن، واستشهد بقول الشاعر:شعر : سَأَلَتاني الطَّلاقَ إذْ رَأَتاني قَلَّ مالي وقَدْ جِئْتُماني بِنُكْرِ وَيْكَأنْ مَنْ يَكُنْ لهُ نَشَبٌ يُحـَ بب ومَنْ يَفْتَقِرْ يَعِشْ عَيْشِ ضُرِّ

المحلي و السيوطي

تفسير : {فَخَسَفْنَا بِهِ } بقارون {وَبِدَارِهِ ٱلأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ ٱللَّهِ } أي غيره بأن يمنعوا عنه الهلاك {وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُنتَصِرِينَ } منه.

الماوردي

تفسير : قوله تعالى: {فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأَرْضَ} قال ابن عباس: لما شكا موسى إلى الله أمْر قارون أمر الله الأرض أن تطيع موسى، ولما أقبل قارون وشيعته قال موسى: يا أرض خذيهم فأخذتهم إلى أعقابهم، ثم قال: خذيهم فأخذتهم إلى أوساطهم ثم قال: خذيهم فأخذتهم إلى أعناقهم، ثم قال: خذيهم فخسف الله بهم وبدار قارون وكنوزه. روى يزيد الرقاشي أن قارون لما أخذته الأرض إلى عنقه أخذ موسى نعليه فخفق بهما وجهه فقال قارون: يا موسى ارحمني، قال الله تعالى {يَا مُوسَى مَا أَشَدَّ قَلْبَكَ، دَعَاكَ عَبْدِي وَاسْتَرْحَمَكَ فَلَمْ تَرْحَمْهُ: وَعِزَّتِي لَو دَعَانِي عَبْدِي لأَجَبْتُهُ} روى سمرة بن جندب أنه يخسف بقارون وقومه في كل يوم بقدر قامة فلا يبلغ إلى الأرض السفلى إلى يوم القيامة. قال مقاتل لما أمر موسى الأرض فابتلعته قال بنو إسرائيل: إنما أهلكه ليرث ماله لأنه كان ابن عمه أخي أبيه فخسف الله بداره وبجميع أمواله بعد ثلاثة أيام. قوله تعالى: {وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنُّواْ مَكَانَهُ بِالأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ} فيه ثمانية أوجه: أحدها: معناه أو لا يعلم أن الله؟ رواه معمر عن قتادة. الثاني: أو لا يرى؟ رواه سعيد عن قتادة. الثالث: {وَلكِنَّ اللَّهَ} بلغة حمير، قاله الضحاك. الرابع: {وَإِنَّ اللَّهَ} والياء، والكاف صلتان زائدتان، حكاه النقاش. الخامس: {وَكَأَنَّ اللَّهَ} والياء وحدها صلة زائدة. وقال ابن عيسى بهذا التأويل غير أنه جعل الياء للتنبيه. السادس: معناه ويك أن الله ففصل بين الكاف والألف وجعل ويك بمعنى ويح فأبدل الحاء كافاً ومنه قول عنترة: شعر : ولقد شفى نفسي وأبْرأ سقمها قيل الفوارس ويك عنتر أقدامِ تفسير : السابع: ويلك إن الله فحذف اللام إيجازاً، حكاه ابن شجرة. الثامن: وي منفصلة على طريق التعجب ثم استأنف فقال كأن الله، قاله الخليل. {يَبْسُطُ الرِّزْقُ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ} فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: معنى يقدر أن يختار له، قاله ابن عباس. الثاني: ينظر له فإن كان الغنى خيراً له أغناه وإن كان الفقر خيراً له أفقره، قاله الحسن. الثالث: يضيق، وهذا معنى قول ابن زيد.

ابن عبد السلام

تفسير : {فَخَسَفْنَا} قيل شكاه موسى عليه الصلاة والسلام إلى الله تعالى فأمر الأرض أن تطيع موسى فأقبل قارون وشيعته فقال موسى عليه الصلاة والسلام "يا أرض خذيهم" فأخذتهم إلى أوساطهم ثم قال: خذيهم فأخذتهم إلى أعقابهم، ثم قال: خذيهم فأخذتهم إلى أعناقهم فخسف بهم وبدار قارون وكنوزه، أو قال بنو إسرائيل: إنما أمر الأرض بابتلاعه ليرث ماله لأنه كان ابن عمه فخسف بداره وبجميع أمواله بعد ثلاثة أيام.

البقاعي

تفسير : ولما تسبب عن نظره هذا الذي أوصله إلى الكفر بربه أخذه بالعذاب، أشار إلى ذلك سبحانه بقوله: {فخسفنا} أي بما لنا من العظمة {به وبداره} أي وهي على مقدار ما ذكرنا من عظمته بأمواله وزينته، فهي أمر عظيم، تجمع خلقاً كثيراً وأثاثاً عظيماً، لئلا يقول قائل: إن الخسف به كان للرغبة في أخذ أمواله {الأرض} وهو من قوم موسى عليه الصلاة والسلام وقريب منه جداً – على ما نقله أهل الأخبار – فإياكم يا أمة هذا النبي أن تردوا ما آتاكم من الرحمة برسالته فتهلكوا وإن كنتم أقرب الناس إليه فإن الأنبياء كما أنهم لا يوجدون الهدى في قلوب العدى، فكذلك لا يمنعونهم من الردى ولا يشفعون لهم أبداً، إذا تحققوا أنهم من أهل الشقا {فما} أي فتسبب عن ذلك أنه ما {كان له} أي لقارون، وأكد النفي – لما استقر في الأذهان أن الأكابر منصورون – بزيادة الجار في قوله: {من فئة} أي طائفة من الناس يكرون عليه بعد أن هالهم ما دهمه، وأصل الفئة الجماعة من الطير – كأنها سميت بذلك لكثرة رجوعها وسرعته إلى المكان الذي ذهبت منه {ينصرونه}. ولما كان الله تعالى أعلى من كل شيء قال: {من دون الله} أي الحائز لصفات الكمال، المتردي بالعظمة والجلال، لأن من كان على مثل رأيه هلك، ومن كان من أولياء الله راقب الله في أمره، فلم يسألوا الله فيه، وعلم هو أن الحق لله، وضل عنه - كما في الآية التي قبلها - ما كان يفتري {وما كان} أي هو {من المنتصرين*} لأنفسهم بقوتهم. ولما خسف به فاستبصر الجهال الذين هم كالبهائم لا يرون إلا المحسوسات، عبر عن حالهم بقوله: {وأصبح} أي وصار، ولكنه عبر به لمقابلة الأمس، وإعلاماً بأن ما رأوا من حاله ملأ صدورهم فلم يكن لهم هم سواه {الذين تمنوا} أي أرادوا إرادة عظيمة بغاية الشغف أن يكونوا {مكانه} أي يكون حاله ومنزلته في الدنيا لهم {بالأمس} أي الزمان الماضي القريب وإن لم يكن يلي يومهم الذي هم فيه من قبله {يقولون ويكأن} هذه الكلمة والتي بعدها متصلة بإجماع المصاحف، وعن الكسائي أنه يوقف على الياء من وى، وعن أبي عمرو أنه يوقف على الكاف: ويك، قال الرضي في شرح الحاجبية: وي للتندم أو للتعجب، ثم قال: وهو عند الخليل وسيبويه "وي" للتعجب، ركبت مع "كأن" التي للتشبيه، وقال الفراء: كلمة تعجب ألحق بها كاف الخطاب نحو ويك عنتر أقدم، أي من قوله في قصيدته الميمية المشهورة إحدى المعلقات السبع: شعر : ولقد شفى نفسي وأبرأ سقمها قيل الفوارس ويك عنتر أقدم تفسير : أي ويلك وعجباً منك، وضم إليها "أن" فالمعنى: ألم تر أنه، ونقل ابن الجوزي هذا عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال الفراء: ولما صار معنى ويكأن ألم تر، لم تغير كاف الخطاب للمؤنث والمثنى والمجموع بل لزم حالة واحدة، وقال الجعبري في شرح الشاطبية: وي صوت يقوله المتندم والمتعجب، وويك أصله ويلك، حذفت لامه تخفيفاً لكثرة دوره؛ والكاف للخطاب وفتحت "أن" لإضمار العلم؛ وقال قطرب: لتقدير اللام، ونشأ من التركيب معنى: ندمنا على تفريطنا، وتعجبنا من حالنا، وتحققنا خلاف اعتقادنا، ورسمت متصلة تنبيهاً على التركيب، وقال القزاز في ديوانه الجامع: ويك كلمة ينبه بها الإنسان، وقيل: معناها رحمة، ووي معناها التنبيه والإنكار، وقال الإمام عبد الحق: وي كلمة تقال في التعجب والاستدراك، وقيل: وي حزن، وقال قطرب: وي كلمة تفجع – انتهى. وقال سيبويه في باب ما ينتصب فيه الخبر بعد الأحرف الخمسة: وسألت الخليل عن هذه الآية فزعم أنها وي مفصولة من كأن والمعنى وقع على أن القوم انتبهوا فتكلموا على قدر علمهم، أو نبهوا فقيل لهم: أما يشبه أن يكون هذا عندكم هكذا - والله تعالى أعلم، وأما المفسرون: فقالوا: ألم تر أن الله. فالمعنى الذي يجمع الأقوال حينئذ: تعجباً أو ويلاً أو تندماً على ما قلنا في تبين غلطنا، وتنبيهاً على الخطأ، أو هلاك لنا، إو إنكار علينا، أو حزن لنا، أو تفجع علينا، أو استدراك علينا، أو رحمة لنا، أو تنبه منا، أو تنبيه لنا، ثم عللوا ذلك بقولهم: أن الله، أو يشبه أن الله، أو ألم تر أيها السامع والناظر أن الله، وقال الرازي: اسم سمي به القول، أي أعجب، ومعناه التنبيه؛ ثم ابتدأ كأن {الله} أي الملك الأعلى الذي له الأمر كله {يبسط الرزق} أي الكامل {لمن يشاء} سواء كان عنده ما يحتال به على الرزق أم لا. ولما كانت القصة لقارون، وكان له من المكنة في الدنيا ما مضى ذكره، وكانت العادة جارية بأن مثله يبطر وقد يؤدي إلى تألهه، قال منبهاً بالإيقاع به على الوجه الماضي أنه من جملة عبيده، لا فرق بينه وبين أضعفهم بالنسبة إلى قدرته: {من عباده}. ولما دل على أن البسط إنما هو منه، أتبعه قوله دليلاً آخر على ربوبيته: {ويقدر} أي يضيق على من يشاء سواء كان فطناً أم لا، لا يبسطه لأحد لكرامته عليه، ولا يضيق على أحد لهوانه عنده، ولا يدل البسط والقبض على هوان ولا كرامة، وهذا دليل على أنهم ظنوا صحة قول قارون أنه أوتيه على علم عنده، وأنهم إنما تمنوا علمه الذي يلزم منه على اعتقادهم حصول المال على كل حال. ولما لاح لهم من واقعته أن الرزق إنما هو بيد الله، أتبعوه ما دل على أنهم اعتقدوا أيضاً أن الله قادر على ما يريد من غير الرزق كما هو قادر على الرزق من قولهم: {لولا أن منَّ الله} أي تفضل الملك الأعظم الذي استأثر بصفات الكمال {علينا} بجوده، فلم يعطنا ما تمنيناه من الكون على مثل حاله {لخسف بنا} مثل ما خسف به {ويكأنه} أي عجباً أو ندماً لأنه، أو يشبه أنه، أو ألم تر أنه، قال الرضي في شرح الحاجبية: كأن المخاطب كان يدعى أنهم يفلحون فقال لهم: عجباً منك، فسئل: لم تتعجب منه؟ فقال: لأنه - إلى آخره، فحذف حرف الجر مع "أن" كما هو القياس. {لا يفلح} أي يظفر بمراد {الكافرون*} أي العريقون في الكفر لنعمة الله، وقد عرف بهذا تنزيل المعنى على ما قالوه في المراد من ويكأنه، سواء وقف على وي أو يك أو لا. ذكر شرح هذه القصة: قال البغوي: قال أهل العلم بالأخبار: كان قارون أعلم بني إسرائيل بعد موسى عليه الصلاة والسلام وأقرأهم للتوراة وأجملهم وأغناهم فبغى وطغى، وكان أول طغيانه وعصيانه أن الله تعالى أوحى إلى موسى عليه الصلاة والسلام أن يعلقوا في أرديتهم خيوطاً أربعة، في كل طرف منها خيطاً أخضر بلون السماء يذكرونني به إذا نظروا إلى السماء ويعلمون أني منزل منها كلامي، فقال موسى: يا رب! ألا تأمرهم أن يجعلوا أرديتهم كلها خضراً، فإن بني إسرائيل تحتقر هذه الخيوط، فقال له ربه: يا موسى! إن الصغير من أمري ليس بصغير، فإذا هم لم يطيعوني في الأمر الصغير لم يطيعوني في الأمر الكبير، فدعاهم موسى يعني فأعلمهم ففعلوا واستكبر قارون، فكان هذا بدء عصيانه وطغيانه وبغيه، فلما قطع موسى ببني إسرائيل البحر جعل الحبورة لهارون عليه السلام وهي رئاسة المذبح، فكان بنو إسرائيل يأتون بهديهم إلى هارون فيضعه على المذبح فتنزل نار من السماء فتأكله، فقال قارون: يا موسى! لك الرسالة ولهارون الحبورة، ولست في شيء وأنا أقرأ التوراة، لا صبر لي على هذا، فقال له موسى عليه الصلاة والسلام: ما أنا بالذي جعلتها في هارون ولكن الله جعلها له، فقال قارون: والله لا أصدقك حتى أرى بيانه، يعني فجمع موسى عصي الرؤساء فحزمها وألقاها في قبته التي كان يعبد الله فيها وباتوا يحرسونها، فأصبحت عصا هارون قد اهتز لها ورق أخضر، وكانت من اللوز، فقال قارون: والله ما هذا بأعجب مما تصنع من السحر، وذكر أموراً مما كان يتعظم بها وأنه رمى موسى عليه الصلاة والسلام بعظيمة فحينئذ غار الله لموسى عليه الصلاة والسلام فخسف به. والذي رأيته أنا في التوراة في السفر الرابع ما نصه: وكلم الرب موسى وقال له: كلم بني إسرائيل وقل لهم: اعملوا خيوطاً في أطراف أرديتكم في أحقابكم، ولتكن الخيوط التي تعملون في أطراف أرديتكم من حرير، ولتكن هذه الخيوط تذكركم وصايا الله لتعملوا بها ولا تضلوا بما في قلوبكم، ولا تتبعوا آراءكم، بل اذكروا جميع وصاياي واعملوا بها، لتكونوا مقدسين لله ربكم، أنا الله ربكم الذي أخرجتكم من أرض مصر، لا يكون لكم إله غيري، أنا الله ربكم. ومن بعد هذه الأمور شق قورح - وهو اسم قارون بالعبرانية - بن يصهر بن قاهث بن لاوى، ودائن وأبيروم ابنا أليب، وأون بن قلب ابن روبيل العصي، وقاموا بين يدي موسى، وقم من بني إسرائيل عددهم مائتان وخمسون رجلاً من رؤساء الجماعة مذكورون مشهورون بأسمائهم أبطال، هؤلاء أجمعون اجتمعوا إلى موسى وهارون وقالوا لهما: ليس حسبكما أن الجماعة كلها طاهرة وأنتما رئيسان عليها حتى تريدا أن تتعظما على الجماعة كلها - أي يكون هارون هو الكاهن أي متولي أمر القربان والحكم على خدمة قبة الزمان - فسمع موسى ذلك وخر ساجداً على وجهه، وكلم قورح وجماعته كلها فقال لهم: سيظهر الرب ويبين لمن الكهنوت والرئاسة بكرة، ومن كان طاهراً فليتقرب إليه. ومن يختار الرب يتقرب؛ ثم أمرهم أن يقربوا قرباناً ثم قال: يا بني لاوي! أما تكتفون بما اختاره الله لكم من كل جماعة بني إسرائيل وقربكم إليه لتعملوا العمل في بيت الرب وقربك أنت وجميع إخوتك معك إلا أن تريدوا الكهنوت أيضاً، فلذلك أنت وجماعتك كلها احتشدوا بين يدي الرب غداً، فأما هارون فمن هو حتى صرتم تقعون فيه وتتذمرون عليه، وأرسل موسى ليدعو دائن وأبيروم ابني أليب فقالا: لا تصعد إليك، أما تكتفيان بما صنعتما أنكما أخرجتمانا من الأرض التي تغل السمن والعسل لتقتلانا في هذه البرية حتى تعظما علينا وتفخرا، فأما ما وعدتنا به أنك تدخلنا الأرض التي تغل السمن والعسل فما فعلت، ولم تعطنا مواريث المزارع والكروم، فلو عميت أعيننا لم نصعد إليك. فشق ذلك على موسى جداً، وقال أمام الرب: لا تقبل قرابينهم يا رب لأني لم أظلم منهم رجلاً ولا أسأت إلى أحد منهم، ثم قال لقورح: اجتمع أنت وأصحابك أمام الرب وهارون معكم بكرة، وليأخذ كل منكم مجمرته، وقام موسى وهارون أمام قبة الزمان وجمع قورح الجماعة كلها، وظهر مجد الرب للجماعة كلها، وكلم الرب موسى وهارون وقال لهما: تنحيا عن هذه الجماعة فإني مهلكها في ساعة واحدة، فخرا ساجدين وقالا: اللهم أنت إله أرواح كل ذي لحم، يجرم رجل واحد فينزل الغضب بالجماعة كلها؟ فكلم الرب موسى وقال له: كلم الجماعة كلها وقل لهم: تنحوا عن خيم دائن وأبيروم وقورح، تنحوا عن خيم هؤلاء الفجار، ولا تقربوا شيئاً مما لهم لئلا تعاقبوا، وقال موسى: بهذه الخلة تعلمون أن الرب أرسلني أن أعمل هذه الأعمال كلها، ولم أعملها من تلقاء نفسي، إن مات هؤلاء مثل موت كل إنسان أو نزل بهم الموت مثل ما ينزل بجميع الناس فلم يرسلني الرب، وإن فتحت الأرض فاها وابتلعتهم وابتلعت كل شيء لهم نزلوا هم وكل شيء لهم إلى الجحيم علمتم أن هؤلاء قد أغضبوا الرب. فلما أكمل موسى قوله هذا انفتحت الأرض من تحتهم، وفغرت فاها فابتلعتهم وابتلعت خيمهم وجميع مواشيهم فنزلوا إلى الجحم أحياء، ثم استوت الأرض فوقهم، وهرب جميع بني إسرائيل حيث سمعوا أصواتهم ورأوا ما قد صنع بهم، وقالوا: لعل الأرض تبتلعنا أيضاً، واشتعلت نار من قبل الرب فأحرقت المائتين والخمسين رجلاً الذين كانوا يبخرون البخور، وتذمر جماعة بني إسرائيل من بعد ذلك اليوم على موسى وهارون فقالوا لهما: أنتما قتلتما جماعة شعب الرب، فأقبلوا إلى قبة الزمان ورأوا أن السحاب قد تغشى القبة وظهر مجد الرب، وأتى موسى وهارون فقاما في قبة الزمان، وكلم الرب موسى وهارون وقال لهما: تنحيا عن هذه الجماعة لأني مهلكها في ساعة واحدة، فخرا ساجدين على وجوههما، وقال موسى لهارون: خذ مجمرة بيدك واجعل فيها ناراً وبخوراً، وانطلق مسرعاً إلى الجماعة واستغفر لهم لأنه قد نزل غضب الرب بالجماعة كلها، وبدأ موت الفجأة بالشعب، وأخذ هارون كما أمره موسى فأحضر إلى الجماعة ورأى أن الموت قد بدأ بالشعب، وبخر بخوراً للرب واستغفر للشعب، وقام فيما بين الأموات والأحياء، فكف موت الفجأة عن الشعب، وكان عدد الذين ماتوا فجأة أربعة عشر ألفاً وسبعمائة رجل غير المخسوف بهم، ورجع هارون إلى موسى إلى قبة الزمان فكلم الرب موسى وقال له: كلم بني إسرائيل وخذ منهم عصا عصا من كل سبط، واكتب اسم كل رجل على عصاه، واكتب اسم هارون على عصا سبط لاوي، واجعلها في قنة الزمان أمام تابوت الشهادة لأنزل إليكم إلى هناك، فالرجل الذي أحبه تنضر عصاه، وأخلصكما من هتار بني إسرائيل وتذمرهم؛ ثم دخل موسى خبأ الشهادة فرأى عصا هارون قد نضرت وأخرجت أغصاناً وأورقت وأثمرت لوزاً، وأخرج موسى العصي كلها فنظروا إليها، وقال الرب لموسى: رد قضيب هارون إلى موضع الشهادة واحفظه آية لأبناء المتسخطين ليكف تذمرهم عني ولا يموتوا، ولا يعمل عمل قبة الزمان غير اللاويين - أي سبط لاوي، فأما بنو إسرائيل - أي باقيهم – فلا يقتربوا إلى قبة الزمان لئلا يعاقبوا ويموتوا؛ ثم ذكر وفاة هارون عليه السلام في هور الجبل وولاية إليعازر ابنه مكانه أمر الكهنوت - انتهى. وهو نحو مما فعل الله لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم في حنين الجذع، وتخيير النبي صلى الله عليه وسلم له أن يعيده تعالى إلى أحسن ما كان وهو حي أو يجعله في الجنة، فاختار أن يكون في الجنة، وكذا أمر سراقة بن مالك بن جعشم حيث لحقه صلى الله عليه وسلم في طريق الهجرة ليرده فخسف بقوائم حصانه حتى نزل إلى بطنه ثلاث مرات غير أن النبي صلى الله عليه وسلم لما كان نبي الرحمة لم يكن القاضية، فكفى بذلك شره، وأسلم بعد ذلك علم الفتح، وبشره النبي صلى الله عليه وسلم بأنه يلبس سوراى كسرى فكان كذلك، وشر من الخسف الذي يغيب به المخسوف به وأنكأ وأشنع وأخزى قصة الذي ارتد فقصم ودفن فلفظته الأرض - روى البيهقي في آخر الدلائل عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كان منا رجل من بني النجار قد قرأ البقرة وآل عمران، وكان يكتب لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فانطلق هارباً حتى لحق بأهل الكتاب، فرفعوه وأعجبوا به، فما لبث أن قصم الله عنقه فحفروا له فواروه، فأصبحت الأرض قد نبذته على وجهها ثم عادوا فحفروا له فواروه فأصبحت الأرض قد نبذته على وجهها فتركوه منبوذاً، وقال: رواه مسلم في الصحيح، وعن أنس رضي الله عنه مثله أيضاً في رجل نصراني لفظته الأرض ثلاث مرات ثم تركوه. وقال رواه البخاري في الصحيح.

اسماعيل حقي

تفسير : {فخسفنا به وبداره الارض} يقال خسف المكان يخسف خسوفا ذهب فى الارض كما فى القاموس وخسف القمر زال ضوءه وعين خاسفة اذا غابت حدتها والباء للتعدية. والمعنى بالفارسية [بس فروبرديم قارون وسراى اورا بزيمن]. قال ابن عباس رضى الله عنهما لما نزلت الزكاة على موسى صالحه على ان يعطيه عن كل الف دينار دينارا وعن كل الف درهم درهما وعن الف شاة شاة وذلك بالامر الالهى كان الواجب عشر المال لاربعه فحسب قارون ماله فوجد الزكاة مبلغا عظيما فمنعه البخل والحرص عن دفعها فجمع جمعا من بنى اسرائيل فقال لهم انكم قد اطعتم موسى فى كل ما امركم به وهو الآن يريد ان يأخذ اموالكم قالوا انت كبيرنا مرنا بما شئت قال اريد ان افضحه بين بنى اسرائيل حتى لايسمع بعد كلامه احد فامرى ان تجلبوا فلانة البغى فنجعل لها جعلا حتى تقذف موسى بنفسها فاذا فعلت ذلك خرج عليه بنوا اسرائيل ورفضوه فدعوها فجعل لها قارون الف دينار وطشتا من ذهب على ان تفعل ما امر به من القذف اذا حضر بنوا اسرائيل من الغد وكان يوم عيد فلما كان الغد قام موسى خطيبا فقال من سرق قطعناه ومن زنى غير محصن جلدناه ومن زنى محصنا رجمناه فقال قارون وان كنت انت قال وان كنت انا فقال ان بنى اسرائيل يزعمون انك فجرت بفلانة فاحضرت فناشدها موسى بالذى فلق البحر وانزل التوراة ان تصدق فتداركها الله بالتوفيق ووجدت فى نفسها هيبة آلهية من تأثير الكلام فقالت ياكليم الله جعل لى قارون جعلا على ان اقذفك بنفسى وافترى عليك [ومن ناوجود كنهكاريها وبدكرداريهاى خود جه كنه بسندم كه برتو تهمت كويم] فخر موسى ساجدا لله تعالى يبكى ويشكو من قارون ويقول اللهم ان كنت رسولك فاغضب لى فاوحى الله اليه انى امرت الارض ان تطيعك فمرها بما شئت فقال موسى يابنى اسرائيل ان الله بعثنى الى قارون كما بعثنى الى فرعون فمن كان معه فليثبت مكانه ومن كان معى فليعتزل فاعتزلوا ولم يبقى مع قارون الى رجلان ثم قال لقارون ياعدو الله تبعث الىّ امرأة تريد فضيحتى على رؤس بنى اسرائيل ياارض خذيهم فاخذتهم الارض الى الكعبين فاخذوا فى التضرع وطلب الامان ولم يلتفت موسى اليهم ثم قال خذيهم فاخذتهم الى الركب ثم الى الاوساط ثم الى الاعناق فلم يبق على وجه الارض منهم شىء الا رؤسهم وناشده قارون الله والرحم فلم يلتفت موسى لشدة غضبه ثم قال يا ارض خذيهم فانطبقت عليهم الارض شعر : آنراكه زمين كشد جون قارون نى موسيش آورد برون نى هارون فاسد شده را زروزكار وارون لايمكن ان يصلحه العطارون تفسير : قال الله تعالى ياموسى استغاث بك فلم تغثه فوعزتى وجلالى لو استغاث بى لاغثته قال يارب غضبا لك فعلت. قال قتادة خسف به فهو يتجلجل فى الارض كل يوم قامة رجل لايبلغ قعرها الى يوم القيامة. صاحب لباب [فوموده هرروز قارون بمقدار قامت خود بزمين ميرود] وعند نفخ الصور بارض سفلى [خواهد رسيد]. وفى كشف الاسرار [در قصه آورده اندكه هرروز يك قامت خويش بزمين فروميشد تا آنروزكه يونس درشكم ماهى در قعر بحر بدورسيد قارون از حال موسى برسيد جنانكه خويشانرا برسند] فاوحى الله تعالى الى الارض لاتزيدى فى خسفه بحرمة انه سأل عن ابن عمه ووصل به رحمه. ولما خسف به قال سفهاء بنى اسرائيل ان موسى انما دعا على قارون ليستقل بداره وكنوزه وامتعته ويتصرف فيها فدعا موسى فخسف بجميع امواله وداره: قال الحافظ شعر : كنج قارون كه فرو ميرود از قهر هتوز خوانده باشى كه هم از غيرت درويشانست تفسير : وقال شعر : احوال كنج قارون كايام داد برباد باغنجه باز كوييد تا زرنها ندارد تفسير : وقال شعر : توانكرا دل درويش خود بدست آور كه مخزون زر وكنج درم نخواهد ماند تفسير : قال بعضهم ان قارون نسى الفضل وادعى لنفسه فضلا فخسف الله به الارض ظاهرا وكم خسف بالاسرار وصاحبها لايشعر بذلك وخسف الاسرار هو منع العصمة والرد الى الحول والقوة واطلاق اللسان بالدعاوى الفرضية والعمى عن رؤية الفضل والقعود عن القيام بالشكر على ما اولى واعطى وحينئذ يكون وقت الزوال. وخرج قارون على قومه بالزينة فهلك وهكذا حال من يخرج على اولياء الله بالدعاوى الباطلة والكبر والرياسة لامحالة يسقطون من عيونهم وقلوبهم بعد سقوطهم من نظر الحق وتنخسف انوار ايمانهم فى قلوبهم فلا يرى آثارها بعد ذلك نعوذ بالله سبحانه {فما كان له} اى لقارون {من فئة} جماعة. قال الراغب الفئة الجماعة المتظاهرة التى يرجع بعضهم الى بعض فى التعاضد انتهى من فاء اى رجع {ينصرونه} بدفع العذاب عنه وهو الخسف {من دون الله} اى حال كونهم متجاوزين نصرة الله تعالى {وماكان من المنتصرين} اى من الممتنعين عنه بوجه من الوجوه يقال نصره من عدوه فانتصر اى منعه فامتنع

الطوسي

تفسير : روي عن الكسائي الوقف على "وي" من قوله تعالى "وي كأن الله" ومن قوله "وي كأنه" وروي عن ابن عمر الوقف على الكاف منهما قال ابو طاهر: الاختيار اتباع المصحف، وهما فيه كلمة واحدة، وقرأ حفص ويعقوب {لخسف بنا} بفتح الخاء والسين. الباقون بضم الخاء وكسر السين على ما لم يسم فاعله. حكى الله تعالى أن خسف بقارون وبداره الأرض، فمر يهوي فيها حتى زهقت نفسه على اسوء حالها، والخسف ذهاب في الأرض في جهة السفل. ثم اخبر تعالى انه لم يكن لقارون {فئة} أي جماعة منقطعة اليه. والفئة مشتق من فأوت رأسه بالسيف إذا قطعته، وتصغيرها فئية {ينصرونه من دون الله} أي يمنعونه من عذاب الله الذي نزل به، وانما ذكر امتناع النصرة من الله مع أنه معلوم أنه كذلك، لان المراد أنه لم يكن الأمر على ما قدره من امتناعه بحاشيته وجنده، لان الذي غره قوته وتمكنه حتى تمرد في طغيانه. ثم اخبر انه كما لم يكن له من ينصره لم يكن هو ايضاً ممن ينتصر بنفسه لضعفه عن ذلك وقصوره عنه. ثم حكى أن {الذين تمنوا مكانه بالأمس} حين خرج عليهم على زينته لما رأوه خسف الله به، أصبحوا يقولون {ويكأن الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر} أي يوسع رزقه على من يشاء ويضيق على من يشاء، اعترفوا بذلك. ومعنى (وي) التنبيه على أمر من الامور، وهي حرف مفصول من (كأن) - في قول الخليل وسيبويه - واختاره الكسائي. وذلك انهم لما رأوا الخسف تنبهوا فتكلموا على قدر علمهم عند التنبيه لهم، كما يقول القائل إذا تبين له الخطأ: وي كنت على خطأ، وقال زيد بن عمرو بن نفيل: شعر : سألتاني، الطلاق إذ رأتاني قل مالي قد جئتماني بنكر وي كأن من يكن له نشب يحـ ـبب ومن يفتقر يعيش عيش ضر تفسير : وقيل (وي كأنه) بمنزلة (ألا كأنه، وأما كانه) وقيل هي: ويك إن الله، كأنه قال ينبهك بهذا إلا انه حذف، قال عنترة: شعر : ولقد شفى نفسي وأذهب سقمها قيل الفوارس ويك عنتر أقدم تفسير : وقال قوم: هي بمنزلة (ويلك) إلا انه حذف اللام تخفيفاً، ونصب انه بتقدير اعلم انه لا يفلح، وهذا ضعيف، لان العلم لا يضمر ويعمل. وقال الفراء: سألت امرأة زوجها عن أبيه فقال ويك إنه وراء الحائط، ومعناه ألا ترينه وراء الحائط. وقيل المعنى إن {الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر} لا لكرامة عليه، كما بسط لقارون {ويقدر} أي يضيق لا لهوانة عليه، كما ضيق على أنبيائه. ثم قالوا {لولا أن منّ الله علينا} وعفى عنا لخسف بنا، كما خسف بقارون {ويك أنه لا يفلح الكافرون} أي لا يفوز بثوابه وينجو من عقابه من يجحد نعم الله ويعبد معه سواه. وقيل: إن قارون جعل لبغيّ جعلا على أن ترمي موسى بالفاحشة، فلما حضرت في الملأ كذبت قارون واخبرت بالحق فخر موسى ساجداً يبكي، فأوحى الله اليه ما يبكيك قد سلطتك على الأرض فمرها بما شئت، فقال موسى يا أرض خذيهم، فأخذتهم إلى ركبهم. ثم قال يا أرض خذيهم، فأخذتهم إلى حقرويهم ثم قال يا ارض خذيهم، فاخذتهم إلى اعناقهم وهم في كل ذلك ينادون يا موسى يا موسى ارحمنا - ذكره ابن عباس - وروي أن الله تعالى قال: لو قالوا مرة واحدة يا الله ارحمنا لرحمتهم. ثم قال تعالى {تلك الدار الآخرة} يعني الجنة {نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض} وانما قبح طلب العلو في الارض، لأنه ركون اليها، وترك لطلب العلو في الآخرة، ومعاملة لها بخلاف ما أراده الله بها من أن تكون دار ارترحال لا دار، مقام فيها {ولا فساد} أي ولا يريدون فساداً في الارض بفعل المعاصي {والعاقبة للمتقين} اخبار منه تعالى بأن العاقبة الجميلة من الثواب للذين يتقون معاصي الله ويفعلون طاعاته. وقيل: علوّاً في الارض معناه تكبراً عن الحق. ثم اخبر تعالى ان من جاء بطاعة من الطاعات وحسنة من الحسنات {فله خير منها} ثواباً عليها وجزاء عليها، لان له بالواحدة عشراً {ومن جاء بالسيئة} يعني بالمعصية {فلا يجزى الذين عملوا السيئات} يعني الذين عملوا المعاصي إلا على قدر استحقاقهم على ما فعلوه من غير زيادة. كما قال {أية : ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها}. تفسير : وقوله {إن الذي فرض عليك القرآن} خطاب للنبي صلى الله عليه وآله يقول الله له إن الذي أوجب عليك الامتثال بما يضمنه القرآن وأنزله عليك {لرادك إلى معاد} قال الحسن: معناه إلى المرجع يوم القيامة. وقال مجاهد: إلى الجنة. وقال ابن عباس: إلى الموت. وفي رواية أخرى عن ابن عباس: إلى مكة. والأظهر من الاقوال: لرادك إلى معاد في النشأة الثانية إلى الجنة. واكثر أقوال المفسرين انه أراد إلى مكة قاهراً لأهلها. ثم قال له {قل} يا محمد {ربي أعلم من جاء بالهدى} الذي يستحق به الثواب ممن لم يجيء به، وضل عنه، لا يخفى عليه المؤمن من الكافر، ولا من هو على الهدى، ولا من هو ضال عنه. ثم قال لنبيه صلى الله عليه وآله {وما كنت} يا محمد {ترجو أن يلقى اليك الكتاب إلا رحمة من ربك. فلا تكونن ظهيراً للكافرين} قال الفراء: تقديره إلا أن ربك رحمك. فانزله عليك، فهو استثناء منقطع. ومعناه وما كنت ترجو أن تعلم كتب الأولين وقصصهم تتلوها على أهل مكة، ولم تشهدها ولم تحضرها بدلالة قوله {أية : وما كنت ثاوياً في أهل مدين تتلو}تفسير : أي انك تتلو على أهل مكة قصص مدين وموسى ولم تكن هناك ثاوياً مقيماً فتراه فتسمعه وكذلك قوله {أية : وما كنت بجانب الغربي}تفسير : فها أنت تتلو قصصهم وأمرهم، فهذه رحمة من ربك. ومعنى {فلا تكونن ظهيراً} اي لا تكونن معيناً لهم {ولا يصدنك} يعني هؤلاء الكفار أي لا يمنعك "عن" اتباع {آيات الله} وحججه {بعد إذا أنزلت اليك} على ما بينها في القرآن {وادع إلى ربك} الذي خلقك وأنعم عليك {ولا تكونن من المشركين} الذين يتخذون مع الله معبودا سواه {ولا تدع مع الله إلهاً آخر} فتستدعي حوائجك من جهته {لا إله إلا هو} اخبار منه تعالى أنه لا معبود إلا الله وحده لا شريك له. ثم اخبر أن كل من سوى الله هالك، فان {كل شيء هالك إلا وجهه} ومعناه إلا ذاته. وقيل: معناه كل شيء هالك إلا ما أريد به وجهه. قال الشاعر: شعر : استغفر الله ذنباً لست محصيه رب العباد اليه الوجه والعمل تفسير : ثم قال {له الحكم} لانه ليس لأحد أن يحكم بشيء إلا بأمره الله تعالى. ويجعل الحكم له عقلياً كان او شرعياً و {اليه} إلى الله {ترجعون} يوم القيامة أي إلى الموضع الذي لا يملك أحد التصرف فيه سواه، لان الله تعالى قد ملك في الدنيا لكثير من البشر التصرف فيها.

الجنابذي

تفسير : {فَخَسَفْنَا} بشوم عمله وسوء اعجابه بنفسه {بِهِ وَبِدَارِهِ ٱلأَرْضَ} روى انّ موسى (ع) باهلَهَ بأخيه هارون (ع) وبنيه فخسف به وبأهله وماله ومن وازره من قومه، وقيل: دعا قارون امرأةً من بنى اسرائيل بغيّاً فقال لها: انّى اعطيك الفين على ان تجيئى غداً اذا اجتمعت بنو اسرائيل عندى فتقول: قد راودنى موسى (ع) فأعطاها خريطتين عليهما خاتمه فلمّا جاءت بيتها ندمت وقالت: ما بقى لى الاّ ان افترى على نبىّ الله (ع)؟! فلمّا اصبحت اقبلت ومعها الخريطتان حتّى قامت بين بنى اسرائيل وقالت: ما قالها قارون وقالت: معاذ الله ان افترى على نبىّ الله (ع) وهذه دراهمه عليها خاتمه، فغضب موسى (ع) فدعا الله عليه فخسف به وبداره الارض، وقيل: كان قارون ممّن يحبّه موسى (ع)، وكان يقرء التّوراة مع القوم فى التّيه، وكان احسن صوتاً منهم، فلمّا طال التّيه على القوم ودخلوا فى التّوبة والبكاء امتنع قارون من الدّخول معهم فى التّوبة فدخل عليه موسى (ع) فقال له: يا قارون قومك فى التّوبة وانت قاعد ههنا؟! ادخل معهم والاّ ينزل بك العذاب فاستهان به فخرج موسى (ع) من عنده مغتمّاً، فجلس فى فناء قصره فأمر قارون ان يصبّ عليه رماد قد خلط بالماء فصبّ عليه فغضب موسى (ع) غضباً شديداً وكان فى كتفه شعرات كان ذا غضب خرجت من ثيابه وقطر منها الدّم فقال موسى (ع): يا ربّ ان لم تغضب لى فلست لك بنبىٍّ فأوحى الله عزّ وجلّ اليه: قد امرت الارض ان تطيعك فمرها بما شئت، وقد كان قارون قد امر ان يغلق باب القصر فأقبل موسى (ع) فأومى الى الابواب فانفرجت ودخل عليه فلمّا نظر اليه قارون علم انّه قد اوتى بالعذاب فقال: يا موسى اسألك بالرّحم الّذى بينى وبينك فقال له موسى (ع): يا بن لاوى لا تزدنى من كلامك، يا ارض خذيه فدخل القصر بما فيه فى الارض ودخل قارون فى الارض الى ركبتيه، فبكى وحلّفه بالرّحم، فقال له موسى: يا ابن لاوى لا تزدنى من كلامك، يا ارض خذيه فابتلعيه بقصره وخزائنه، وهذا ما قال موسى (ع) لقارون يوم اهلكه الله عزّ وجلّ فعيّره الله عزّ وجلّ بما قاله لقارون فعلم موسى (ع) انّ الله تبارك وتعالى قد عيّره بذلك فقال: يا ربّ انّ قارون دعانى بغيرك ولو دعانى بك لاجبته فقال الله عزّ وجلّ: يا ابن لاوى لا تزدنى من كلام، فقال موسى (ع): يا ربّ لو علمت انّ ذلك لك رضاً لاجبته فقال الله: يا موسى وعزّتى وجلالى وجودى ومجدى وعلوّ مكانى لو انّ قارون كما دعاك دعانى لاجبته ولكنّه لمّا دعاك وكلته اليك، وعن الباقر (ع) انّ يونس (ع) لمّا آذاه قومه الى ان قال: فألقى نفسه فى اليمّ فالتقمه الحوت فطاف به البحار السّبعة حتّى صار الى البحر المسجور وبه يعذّب قارون فسمع قارون دويّاً فسأل الملك عن ذلك فأخبره انّه يونس انّ الله حبسه فى بطن الحوت فقال له قارون: اتأذن لى ان اكلّمه؟- فأذن له فسأله عن موسى (ع): فأخبره انّه مات فبكى ثمّ سأله عن هارون (ع) فأخبره انّه قد مات فبكى وجزع جزعاً شديداً، وسأله عن أخته كلثم وكانت مسمّاة له فأخبره انّها ماتت فبكى وجزع جزعاً شديداً، قال فأوحى الله الى الملك الموكّل به ان: ارفع عنه العذاب بقيّة ايّام الدّنيا لرقّته على قرابته {فَمَا كَانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُنتَصِرِينَ} بنفسه فاحذروا يا امّة محمّد (ص) من البغى على من نصبه الله اماماً للعباد واحذروا من الاستكبار والاختيال بما آتاكم الله من الاموال والجاه واحذروا من الاختيال بالزّينة والثّياب الفاخرة، وفى خبر: ونهى ان يختال الرّجل فى مشيته، ومن لبس ثوباً فاختال فيه خسف الله به من شفير جهنّم وكان قرين قارون لانّه اوّل من اختال فخسف الله به وبداره الارض.

اطفيش

تفسير : {فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِن فِئَةٍ} جماعة. {يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللهِ} من غير الله بدفع العذاب. {وَمَا كَانَ مِنَ المُنتَصِرِينَ} الممتنعين من عذاب الله تعالى لو من موسى يقال نصرته فانتصر اي منعته منه فامتنع.

اطفيش

تفسير : {فخسَفْنا} مثل ما مر {به وبدَاره الأرض} بمرة، وكانت داره صفائح من ذهب، فهو يتسفل فيها لا يبلغ قعرها الى يوم القيامة، أمر موسى عليه السلام بالزكاة فقال قارون: أمركم بكل ما أراد ففعلتم حتى طلب أموالكم، فقالوا: ما ترى؟ قال: أرى أن تبهته فلانة الفاسقة بالزنى، فجعلوا لها حكمها، وقيل: ألف دينار، وقيل طست من ذهب مملوءة ذهبا، فقال لموسى: اجمع بنى إسرائيل، فجمعهم فى عيد، ووعظهم بالتوحيد وصلة الرحم وغير ذلك، وتحريم الزنى، وأن من زنى وقد أحصن رجم، فقالوا: وان زنيت ترجم؟ قال: نعم، قالوا: زنيت بفلانة، فاستحضروها فأنشدها بالله هل فعلت؟ فقالت: أما إذ أنشدتنى بالله فلا، بل جعلوا لى جعلا على أن أقذفك، فسجد موسى باكيا، فقال الله سبحانه: ما يبكيك؟ مر الأرض تطعك، فرفع رأسه فقال: إن الله عز وجل أرسلنى الى قارون، كما أرسلنى الى فرعون، فمن كان معنا فليعتزل، فبقى معه رجلان، فقال يا أرض خذيهم، فأخذتهم الى العقب، ثم للركب، وهم يستغيثون بموسى والرحم، ثم الى الوسط، ثم الى العنق، ثم غيبتهم، يقول: خذيهم، وهم يتضرعون، فأوحى الله إليه: ما أقساك، لو استغاث بى مرة لأغثته، فقال: يا رب فعلت ذلك غضبا لك، وإنما يقبله لو تاب واستغاث قبل الشروع فى الخسف "أية : لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل} تفسير : [الأنعام: 158] {أية : إلاَّ قوم يونس"تفسير : [يونس: 98] ويروى أنه خسف بأمواله أيضا لما قيل ذلك ليرثه، والباء للتعدية، أى صيرنا الأرض خاسفة لهم، أى مدخلة لهم فيها. {فما كانَ لهُ مِن فئةٍ} جماعة ترد عنه، وهو محذوف اللام بوزن فعة، من فاوت قلبه إذا ميلته، والجماعة يميل بعضها بعضا، أو محذوف العين بوزن فلة من الفىء، وهو الرجوع، لأن بعض الجماعة يرجع الى بعض {ينْصُرونه} بدفع الخسف عنه، نعت فئة {مِنْ دُون الله وما كان مِن المنْتَصِرين} بأنفسهم، وإن قلنا بالفئة فتأكيد.

الالوسي

تفسير : {فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ ٱلأَرْضَ } روى ابن أبـي شيبة في «المصنف» وابن المنذر وابن أبـي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن قارون كان ابن عم موسى عليه السلام وكان يتبع العلم حتى جمع علماً فلم يزل في ذلك حتى بغى على موسى عليه السلام وحسده، فقال موسى: إن الله تعالى أمرني أن آخذ الزكاة فأبـى / فقال: إن موسى عليه السلام يريد أن يأكل أموالكم جاءكم بالصلاة وجاءكم بأشياء فاحتملتموها فتحتملوه أن تعطوه أموالكم، قالوا: لا نحتمل فما ترى؟ فقال لهم: أرى أن أرسل الأبغى من بغايا بني إسرائيل فنرسلها إليه فترميه بأنه أرادها على نفسها فأرسلوا إليها فقالوا لها: نعطيك حكمك على أن تشهدي على موسى أنه فجر بك. قالت: نعم. فجاء قارون إلى موسى عليه السلام قال: اجمع بني إسرائيل فأخبرهم بما أمرك ربك. قال: نعم فجمعهم فقالوا له: بما أمرك ربك؟ قال: أمرني أن تعبدوا الله تعالى ولا تشركوا به شيئاً وأن تصلوا الرحم وكذا وكذا، وقد أمرني في الزاني إذا زنى وقد أحصن أن يرجم. قالوا: وإن كنت أنت؟ قال: نعم. قالوا: فإنك قد زنيت. قال: أنا فأرسلوا إلى المرأة فجاءت. فقالوا: ما تشهدين على موسى عليه السلام؟ فقال لها موسى عليه السلام: أنشدك بالله تعالى إلا ما صدقت. فقالت: أما إذ أنشدتني بالله تعالى فإنهم دعوني وجعلوا لي جعلاً على أن أقذفك بنفسي وأنا أشهد أنك بريء وأنك رسول الله فخر موسى عليه السلام ساجداً يبكي فأوحى الله تعالى إليه ما يبكيك؟ قد سلطناك على الأرض فمرها تطعك فرفع رأسه فقال: خذيهم فأخذتهم إلى أعقابهم، فجعلوا يقولون: يا موسى يا موسى فقال خذيهم فأخذتهم إلى ركبهم فجعلوا يقولون يا موسى يا موسى فقال: خذيهم فغيبتهم فأوحى الله تعالى يا موسى سألك عبادي وتضرعوا إليك فلم تجبهم وعزتي لو أنهم دعوني لأجبتهم وفي بعض الروايات أنه جعل للبغي ألف دينار، وقيل: طستاً من ذهب مملوءة ذهباً، وفي بعض أنه عليه السلام قال في سجوده: يا رب إن كنت رسولك فاغضب لي فأوحى الله تعالى إليه مر الأرض بما شئت فإنها مطيعة لك، فقال: يا بني إسرائيل إن الله تعالى بعثني إلى قارون كما بعثني إلى فرعون فمن كان معه فليلزم ومن كان معي فليعتزل فاعتزلوا جميعاً غير رجلين. ثم قال: يا أرض خذيهم فأخذتهم إلى الركب ثم إلى الأوساط ثم إلى الأعناق وهم يتضرعون إلى موسى عليه السلام ويناشدونه الرحم وهو عليه السلام لا يلتفت إلى قولهم لشدة غضبه ويقول خذيهم حتى انطبقت عليهم فأوحى الله تعالى يا موسى ما أفظك استغاثوا بك مراراً فلم ترحمهم أما وعزتي لو أياي دعوا مرة واحدة لوجدوني قريباً مجيباً، وفي رواية أن الله سبحانه أوحى إليه ما أشد قلبك وعزتي وجلالي لو بـي استغاث لأغثته، فقال عليه السلام: رب غضباً لك فعلت. ثم إن بني إسرائيل قالوا: إنما فعل موسى عليه السلام به ذلك ليرثه، فدعا الله تعالى حتى خسف بداره وأمواله. وفي بعض الأخبار أن الخسف به وبداره كان في زمان واحد، وكانت داره فيما قيل: من صفائح الذهب وجاء في عدة آثار أنه يخسف به كل يوم قامة وأنه يتجلجل في الأرض لا يبلغ قعرها إلى يوم القيامة والله تعالى أعلم بصحة ذلك، بل هو مشكل إن صح ما قاله الفلاسفة في مقدار قطر الأرض ولم يقل بأن لها حركة أصلاً، وأما الخسف فلا شك في إمكانه الذاتي والوقوعي وسببه العادي مبين في محله. {فَمَا كَانَ لَهُ مِن فِئَةٍ } أي جماعة معينة مشتقة من فأوت قلبه إذا ميلته، وسميت الجماعة بذلك لميل بعضهم إلى بعض؛ وهو محذوف اللام ووزنه فعة، وقال الراغب: إنه محذوف العين فوزنه فلة وأنه من الفيء وهو الرجوع لأن بعض الجماعة يرجع إلى بعض و {مِنْ } صلة أي فما كان له فئة {يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ ٱللَّهِ } بدفع العذاب عنه {وَمَا كَانَ } أي بنفسه {مِنَ ٱلْمُنتَصِرِينَ } أي الممتنعين عن عذابه عز وجل، يقال؛ نصره من عدوه فانتصر أي منعه فامتنع، ويحتمل أن يكون المعنى وما كان منّ المنتصرين بأعوانه فذكر ذلك للتأكيد.

ابن عاشور

تفسير : دلت الفاء على تعقيب ساعة خروج قارون في ازدهائه وما جرى فيها من تمني قوم أن يكونوا مثله، وما أنكر عليهم علماؤهم من غفلتهم عن التنافس في ثواب الآخرة بتعجيل عقابه في الدنيا بمرأى من الذين تمنوا أن يكونوا مثله. والخسف: انقلاب بعض ظاهر الأرض إلى باطنها، وعكسه. يقال: خسفت الأرض وخسف الله الأرض فانخسفت، فهو يستعمل قاصراً ومتعدياً، وإنما يكون الخسف بقوة الزلزال. وأما قولهم: خسفت الشمس فذلك على التشبيه. والباء في قوله {فخسفنا به} باء المصاحبة، أي خسفنا الأرض مصاحبة له ولداره، فهو وداره مخسوفان مع الأرض التي هو فيها، وتقدم قوله تعالى {أية : أن يخسف الله بهم الأرض}تفسير : في سورة النحل. (45) وهذا الخسف خارق للعادة لأنه لم يتناول غير قارون ومن ظاهره، وهما رجلان من سبط (روبين) وغير دار قارون، فهو معجزة لموسى عليه السلام. جاء في الإصحاح السادس عشر من سفر العدد أن قورح (وهو قارون) ومن معه لما آذوا موسى كما تقدم، وذكرهم موسى بأن الله أعطاهم مزية خدمة خيمته ولكنه أعطى الكهانة بني هارون ولم تجد فيهم الموعظة غضب موسى عليهم ودعا عليهم ثم أمر الناس بأن يبتعدوا من حوالي دار قورح (قارون) وخيام جماعته. وقال موسى: إن مات هؤلاء كموت عامة الناس فاعلموا أن الله لم يرسلني إليكم وان ابتدع الله بدعة ففتحت الأرض فاها وابتلعتهم وكل مالهم فهبطوا أحياء إلى الهاوية تعلمون أن هؤلاء قد ازدروا بالرب. فلما فرغ موسى من كلامه انشقت الأرض التي هم عليها وابتلعتهم وبيوتهم وكل ما كان لقورح مع كل أمواله وخرجت نار من الأرض أهلكت المائتين والخمسين رجلاً. وقد كان قارون معتزاً على موسى بالطائفة التي كانت شايعته على موسى وهم كثير من رؤساء جماعة اللاويين وغيرهم، فلذلك قال الله تعالى {فما كان له من فئة ينصرونه من دون الله}، إذ كان قد أعدهم للنصر على موسى رسول الله فخسف بهم معه وهو يراهم، {وما كان من المنتصرين} كما كان يحسب. يقال: انتصر فلان، إذا حصل له النصر، أي فما نصره أنصاره ولا حصل له النصر بنفسه.

د. أسعد حومد

تفسير : (81) - وَبينمَا كَانَ قَارُونُ يَخْتَالُ بَطِراً مُتَفَاخِراً عَلَى قَومِهِ، وَهُوَ في حِلْيَتِهِ وزِينَتهِ، إِذْ خَسَفَ اللهُ بهِ وَبِدَارِهِ الأَرضَ، فَأَصبَحَ هُوَ وَدارُهُ وأموَالُهُ وخَزَائِنُهُ لا أثرَ لَهُمْ، وَلَمْ يَجِدْ مَنْ يَنْصُرُهُ مِنْ بَطْشِ اللهِ وَعَذَابِهِ، وَلَمْ يُغْنِ عَنْهُ مَالُهُ ولا جَمْعُهُ وَلا خَدَمُهُ، وَلَمْ يَدْفَعْ كُلُّ ذَلِكَ عَنْهُ نَقْمَةَ اللهِ وَعَذَابَهُ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : والخسف: أن تنشقَّ الأرض فتبتلع ما عليها، كالذي يقول (يا أرض انشقي وابلعيني)، والخسف كان به وبداره التي فيها كنوزه وخزائنه وما يملك {فَمَا كَانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ ٱللَّهِ ..} [القصص: 81]، فما نفعه مال، ولا دافع عنه أهل {وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُنتَصِرِينَ} [القصص: 81] أي: بذاته. فلم تكُنْ له عُصْبة تحميه، ولا استطاع هو حماية نفسه، فمَنْ يدفع عذاب الله إن حلَّ، ومَنْ يمنعه وينقذه إنْ خُسِفت به الأرض؟! وهنا ينبغي أن نتساءل: كيف الآن حال مَنْ اغتروا به، وفُتِنوا بماله وزينته؟ يقول الحق سبحانه: {وَأَصْبَحَ ٱلَّذِينَ تَمَنَّوْاْ مَكَانَهُ ...}.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {فَمَا كَانَ لَهُ مِن فِئَةٍ} معناه أعوانَ.

الجيلاني

تفسير : وبعدما أمهلناه زماناً، ورفهناه نشطاً فرحاناً، أخذناه غضباناً {فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ ٱلأَرْضَ} قلقاً حيراناً؛ يعني: طبقنا الأرض عليه وعلى أمواله وخزائنه بعدما أخذتها وابتلعتها امتثالاً لأمر موسى الكليم - صلوات الله عليه وسلامه - وذلك أنه كان يؤذي موسى دائماً حسداً عليه، وكان موسى يداريه صيانةً لقرابته. ثمَّ لمَّا نزلت الزكاة صالح معه من كل ألفٍ بواحدة من أي جنس كان فحاسبه، فبلغ مبلغاً عظيماً فاستكثره فمنعه، فعمد إلى أن يفضح موسى بين بين إسرائيل بغياً عليه وعدواناً فبرطل بغيِّة، وأعطى لها رشوة؛ لترمي موسى بنفسها. فلمَّا كان يوم عبدٍ قام موسى خطيباً، فقال في خطبته: من سرق قطعناه، ومن زنى غير محصن جلدناه، ومن زنى محصناً رجمناه، فقال قارون: ولو أنت يا موسى، قال: ولو كنت أنا؟! قال: إن بني إسرائيل يزعمون أنك فجرت مع فلانة، قال موسى: فأحضروها فأُحصرت، فناشدها موسى بالله الذي فلق البحر، وأنزل التوراة أن تصدق، فقالت بإلقاء الله في قلبها كرامةً لموسى، وتنزيهاً له عمَّا لا يليق بشأنه، وتفيضحاً لقارون: جعل لي قارون جعلاً كذا؛ على أمن أرميك بنفسي، فخر موسى ساجداً، فقال في سجدته: إليه إن كنت نبيك ورسولك فانصرني واخذل عدوي، فأوحى الله في سجدته: أن مُر الأرض أي شيء شئت، فتجيبك يا موسى. فرفع رأسه من سجدته مرتعداً غيوراً غضباناً، فقال يا أرض خذيه فابتلعته على الفور إلى ركبته، فأخذ يتضرع: يا موسى ارحمني! فأنا قرابتك، ثمَّ قال موسى مغاضباً على الأرض: خذيه! فأذخته إلى وسطه، فازداد في تضرعه وتفزعه، ثمَّ قال: خذيه! فأخذته إلى عنقه، فتضرع وصرخ نحو موسى من أول أخذه إلى خسفه سبعين مرة لم يرحم عليه، ثمَّ قال: خذيه! فخسفت به وطبقت عليه، فلم يرحمه حتى عاتبه سبحانه: ما أفظّك يا موسى! حتى استرحمك سبعين مرة فلم ترعه، فوعزتي وجلالي: لو دعاني مرة لأجبته. وبعدما خُسف قارون قال بنو إسرائيل: إنما قلته ليرث أمواله، فأشعر بهم موسى فأمر الأرض بخسف داره وأمواله وخزائنه إلى حيث لم يبق من منسوباته شيء على وجه الأرض {فَمَا كَانَ لَهُ} حينئذٍ {مِن فِئَةٍ} أعوانٍ وأنصارٍ {يَنصُرُونَهُ} ويدفعون عذاب الله عنه {مِن دُونِ ٱللَّهِ} القادر المقتدر على دفع أمثاله، وهو بريء من الله {وَ} هو غير ملتجئ إليه ومتضرع نحوه؛ ولذلك {مَا كَانَ مِنَ ٱلْمُنتَصِرِينَ} [القصص: 81] الممتنعين من العذاب لا بنفسه ولا بمعاونيه وأنصاره. وبعدما خُسف قارون بشؤم أمواله التي جعلها وسيلة إلى أنواع الفسادات، من جملتها: رمي كليم الله وخُلَّص رسله بالزنا التي هي بمراحل عن طهارة ذيله ونجابة طينته؛ إذ الأنبياء كلهم معصومون عن الكبائر مطلقاً. {وَأَصْبَحَ} الفقراء {ٱلَّذِينَ تَمَنَّوْاْ مَكَانَهُ} ومنزلته {بِٱلأَمْسِ} أي: الزمان الذي هو أقرب زمن بخسفه، متحسرين بما عنده من الثروة والجاه، أخذوا {يَقُولُونَ} متمنين على عكس متمناهم السابق، متعجبين من كمال علم الله ومتانة حكمته، قائلين كل منهم لصاحبه: {وَيْكَأَنَّ} المعنى على الانفصال بين "ويك" و"أن" والاتصال بينهما إنما هو بمتابعة المصحف؛ يعني: ويل لك، وهلاكك لازم بمتمناك الذي تمنيته بالأمس، اعلم أن {ٱللَّهَ} الحكيم المتقن في أفعاله {يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ} بمقتضى حكمته {لِمَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ} على مقتضى استعداداتهم {وَيَقْدِرُ} أي: يقبض عن من يشاء أيضاً على وفق استعداده، وما لنا اطلاع على متانة علمه وحكمته {لَوْلاۤ أَن مَّنَّ ٱللَّهُ} المصلح لمفسادنا {عَلَيْنَا} بمنعنا عن متمناها {لَخَسَفَ بِنَا} أيضاً من شؤم مبتغانا، مثل ما خسف قارون، وإنما منَّ علينا ما منَّ؛ لإيماننا به سبحانه، وإخلاصنا فيه {وَيْكَأَنَّهُ لاَ يُفْلِحُ ٱلْكَافِرُونَ} [القصص: 82] ولا يفوزون بالنجاة عن عذابه سبحانه، بل يوفقهم سبحانه على ما يوقعهم في عذابه افتناناً منه وانتقاماً. ثمَّ قال سبحانه تبشيراً للمؤمنين المتواضعين، وتنشيطاً للمتقين الموقنين: {تِلْكَ} الجنة التي سمعت وصفها، وبلغك خيرها في كتب الله وألسنة رسله وأنبيائه وأوليائه المكشفين بها، الفائزين بمقاماتها {ٱلدَّارُ ٱلآخِرَةُ} أي: الموصوفة بهذه الصفة؛ إذ لا مقر لأهل الله سواها؛ لذلك سميت بها {نَجْعَلُهَا} بمقتضى فضلنا وجودنا مقراً {لِلَّذِينَ} أي: للمؤمنين الموحدين الذين {لاَ يُرِيدُونَ} من كمال حلمهم وعلمهم {عُلُوّاً فِي ٱلأَرْضِ} أي: تفوقاً وتكبراً على من عليها، ولا يمشون عليها خيلاء غافلين عن تزود الآخرة {وَلاَ} يقصدون فيها {فَسَاداً} مؤدياً إلى هتك محارم الله والخروج عن مقتضى حدوده. {وَ} بالجملة: {ٱلْعَاقِبَةُ} الحميدة التي عبر بها عن الجنة ودار الآخرة، ودار السلام والخلد وغير ذلك من العبارات معدة مهيأة {لِلْمُتَّقِينَ} [القصص: 83] الذين يحفظون نفوسهم عن ارتكاب المنهيات والمحظورات مطلقاً، ويجتنبون عن جميع ما يؤدي إلى إسقاط المروءة رأساً، ويتصفون بجميع ما جاء به الرسل ونطق به الكتب من الأمور المشعرة للهداية والصلاح، والفوز بالنجاح والفلاح؛ فأولئك السعداء المقبولون هم الواصلون إلى درجة القرب والشهود، والوالهون بشرف مطالعة لقاء الخلاق الودود. ثمَّ أشار سبحانه بشارة جميلة محتوية على أصول جميع المواعظ والتذكيرات المتعلقة لعموم مصالح عباده، فقال: {مَن جَآءَ} في النشأة الأولى {بِٱلْحَسَنَةِ} والخصلة المقبولة عند الله وعند عموم عباده ابتغاءً لمرضاته سبحانه، وأداءً لحقوق عباده {فَلَهُ} عند الله في النشأة الأخرى جزاءً عليها {خَيْرٌ مِّنْهَا} وبأضعافها تفضلاً وإحساناً {وَمَن جَآءَ بِٱلسَّيِّئَةِ} والخصلة الذميمة أيضاً فيها، المستقبحة عقلاً وشرعاً {فَلاَ يُجْزَى} من قبل الحق في يوم الجزاء المسيئون {ٱلَّذِينَ عَمِلُواْ ٱلسَّيِّئَاتِ} التي لا يرضى بها الله ولا خُلَّص عباده {إِلاَّ} مثل {مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} [القصص: 84] عدلاً منه سبحانه.