Verse. 3332 (AR)

٢٨ - ٱلْقَصَص

28 - Al-Qasas (AR)

وَقَالَ الَّذِيْنَ اُوْتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللہِ خَيْرٌ لِّمَنْ اٰمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا۝۰ۚ وَلَا يُلَقّٰىہَاۗ اِلَّا الصّٰبِرُوْنَ۝۸۰
Waqala allatheena ootoo alAAilma waylakum thawabu Allahi khayrun liman amana waAAamila salihan wala yulaqqaha illa alssabiroona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وقال» لهم «الذين أوتوا العلم» بما وعد الله في الآخرة «ويلكم» كلمة زجر «ثواب الله» في الآخرة بالجنة «خير لمن آمن وعمل صالحاً» مما أوتي قارون في الدنيا «ولا يلقاها» أي الجنة المثاب بها «إلا الصابرون» على الطاعة وعن المعصية.

80

Tafseer

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَقَالَ } لهم {ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ } بما وعد الله في الآخرة {وَيْلَكُمْ } كلمة زجر {ثَوَابُ ٱللَّهِ } في الآخرة بالجنة {خَيْرٌ لِّمَنْ ءَامَنَ وَعَمِلَ صَٰلِحاً } مما أُوتي قارون في الدنيا {وَلاَ يُلَقَّٰهَا } أي الجنة المثاب بها {إِلاَّ ٱلصَّٰبِرُونَ } على الطاعة وعن المعصية.

ابن عطية

تفسير : أخبر الله تعالى عن {الذين أوتوا العلم} والمعرفة بالله تعالى وبحق طاعته والإيمان به أنهم زجروا الأغمار الذين تمنوا حال قارون وحملوهم على الطريقة المثلى من أن النظر والتمني إنما ينبغي أن يكون في أمر الآخرة، وأن حالة المؤمن العامل الذي ينتظر {ثواب الله} تعالى {خير} من حال كل ذي دنيا، ثم أخبر تعالى عن هذه النزعة وهذه القوة في الخير والدين أنها لا يلقاها أي يمكن فيها ويخولها إلا الصابر على طاعة الله وعن شهوات نفسه، وهذا هو جماع الخير كله، والضمير من {يلقاها} عائد على ما لم يتقدم له ذكر من حيث الكلام دال عليه، فذلك يجري مجرى {أية : توارت بالحجاب} تفسير : [ص: 32] و {أية : كل من عليها فان} تفسير : [الرحمن: 26] وقال الطبري الضمير عائد على الكلمة قوله {ثواب الله خير لمن آمن وعمل صالحاً} أي لا يلقى هذه الكلمة {إلا الصابرون} وعنهم تصدر، وروي في "الخسف" بقارون وبداره أن موسى عليه السلام لما أمضه فعل قارون به وتعديه عليه ورميه بأمر المرأة وغير ذلك من فعله به استجار الله تعالى وبكى وطلب النصرة فأوحى الله تعالى إليه لا تهتم فإني أمرت الأرض أن تطيعك في قارون وأهله وخاصته وأتباعه، فقال موسى للأرض خذيهم فأخذت منهم إلى الركب فاسغاثوا يا موسى يا موسى، فقال خذيهم فأخذتهم شيئاً شيئاً وهم يستغيثون به كل مرة وهو يلج إلى أن تم الخسف بهم، فأوحى الله تعالى إليه يا موسى استغاثوا بك فلم ترحمهم لو بي استغاثوا أو إلي تابوا لرحمتهم وكشفت ما بهم، وقال قتادة ومالك بن دينار: روي لنا أنه يخسف به كل يوم قامة فهو يتجلجل إلى يوم القيامة. و"الفئة" الجماعة الناصرة التي يفيء إليها الإنسان الطالب للنصرة، وقصة قارون هي بعد جوازهم اليم لأن الرواة ذكروا أنه كان ممن حفظ التوراة وكان يقرؤها، ثم أخبر تعالى عن حال {الذين تمنوا مكانه بالأمس} وندمهم واستشعارهم أن الحول والقوة لله تعالى. وقوله {ويكأن} مذهب سيبويه والخليل أن "وي" حرف تنبيه، وهي منفصلة من "كأن" لكن أضيفت في الكتاب لكثرة الاستعمال، والمعنى أنهم نبهوا من خاطبوه ثم قالوا بين الاخبار وعلى جهة التعجب والتثبت كأن الله يبسط، وقال أبو حاتم وجماعة من النحويين "ويك" هي ويلك حذفت اللام منها لكثرة الاستعمال وجرت في الكلام كذلك ومنه قول عنترة: [الكامل] شعر : ولقد شفى نفسي وأذهب سقمها قيل الفوارس ويك عنتر أقدم تفسير : فكأن المعنى ويلك اعلم أن الله ونحو هذا من الإضمار، وقالت فرقة من النحويين {ويكأن} بجملتها دون تقدير انفصال كلمة بمنزلة قولك ألم تر أن. قال الفقيه الإمام القاضي: ويقوى الانفصال فيها على ما قاله سيبويه لأنها تجيء مع "أنَّ"، ومع "أنْ" وأنشد سيبويه شعر : ويكأنْ من يكن له نشب يحبب ومن يفتقر يعش عيش ضر تفسير : وهذا البيت لزيد بن عمرو بن نفيل، وقرأ الأعمش "لولا من الله" بحذف "أن" وروي عنه "لولا منُّ" برفع النون وبالإضافة إلى الله تعالى، وقرأ الجمهور "لخُسِف" بضم الخاء وكسر السين، وقرأ عاصم بفتح الخاء والسين، وقرأ الأعمش وطلحة بن مصرف "لا نخسف" كأنه فعل مضارع أريد به أن الأرض كانت تبتلعه، وروي عن الكسائي أنه كان يقف على "وي"، ويبتدىء "كأن"، وروي عنه الوصل كالجماعة، وروي عن أبي عمرو أنه كان يقف "ويك" ويبتدىء "أن الله" وعلى هذا المعنى قال الحسن إن شئت "ويكأن" أو "يكإن" بفتح الهمزة وبكسرها، وكذلك في {ويكأنه}.

النسفي

تفسير : {وَقَالَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ } بالثواب والعقاب وفناء الدنيا وبقاء العقبى لغابطي قارون {وَيْلَكُمْ } أصل ويلك الدعاء بالهلاك ثم استعمل في الزجر والردع والبعث على ترك ما لا يرضى، وفي «التبيان في إعراب القرآن» هو مفعول فعل محذوف أي ألزمكم الله ويلكم {ثَوَابُ ٱللَّهِ خَيْرٌ لّمَنْ ءامَنَ وَعَمِلَ صَـٰلِحاً وَلاَ يُلَقَّاهَا } أي لا يلقن هذه الكلمة وهي {ثواب الله خير} {إِلاَّ ٱلصَّـٰبِرُونَ } على الطاعات وعن الشهوات وزينة الدنيا وعلى ما قسم الله من القليل عن الكثير. {فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ ٱلأَرْضَ } كان قارون يؤذي موسى عليه السلام كل وقت وهو يداريه للقرابة التي بينهما حتى نزلت الزكاة، فصالحه عن كل ألف دينار على دينار، وعن كل ألف درهم على درهم فحسبه فاستكثره فشحت به نفسه فجمع بني إسرائيل وقال: إن موسى يريد أن يأخذ أموالكم فقالوا: أنت كبيرنا فمر بما شئت قال: نبرطل فلانة البغي حتى ترميه بنفسها فترفضه بنو إسرائيل، فجعل لها ألف دينار أوطستاً من ذهب أو حكمها، فلما كان يوم عيد قام موسى فقال: يا بني إسرائيل من سرق قطعناه ومن افترى جلدناه ومن زنى وهو غير محصن جلدناه وإن أحصن رجمناه. فقال قارون: وإن كنت أنت؟ قال: وإن كنت أنا. قال: فإن بني إسرائيل يزعمون أنك فجرت بفلانة، فأحضرت فناشدها بالذي فلق البحر وأنزل التوراة أن تصدق فقالت: جعل لي قارون جعلاً على أن أقذفك بنفسي فخر موسى ساجداً يبكي وقال: يا رب إن كنت رسولك فاغضب لي، فأوحى الله إليه أن مر الأرض بما شئت فإنها مطيعة لك. فقال: يا بني إسرائيل إن الله بعثني إلى قارون كما بعثني إلى فرعون، فمن كان معه فليلزم مكانه ومن كان معي فليعتزل. فاعتزلوا جميعاً غير رجلين ثم قال: يا أرض خذيهم فأخذتهم إلى الركب، ثم قال: خذيهم فأخذتهم إلى الأوساط، ثم قال: خذيهم فأخذتهم إلى الأعناق، وقارون وأصحابه يتضرعون إلى موسى ويناشدونه بالله والرحم وموسى لا يلتفت إليهم لشدة غضبه ثم قال: خذيهم فانطبقت عليهم فقال الله تعالى: استغاث بك مراراً فلم ترحمه فوعزتي لو استرحمني مرة لرحمته، فقال بعض بني إسرائيل: إنما أهلكه ليرث ماله فدعا الله حتى خسف بداره وكنوزه {فَمَا كَانَ لَهُ مِن فِئَةٍ } جماعة {يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ ٱللَّهِ } يمنعونه من عذاب الله {وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُنتَصِرِينَ } من المنتقمين من موسى أو من الممتنعين من عذاب الله. يقال: نصره من عدوه فانتصره أي منعه منه فامتنع.

الخازن

تفسير : {وقال الذين أوتوا العلم} أي بما وعد الله في الآخرة وقال ابن عباس: يعني الأحبار من بني إسرائيل للذين تمنوا مثل ما أوتي قارون {ويلكم ثواب الله} أي ما عند الله من الثواب والخير {خير لمن آمن} أي صدق بتوحيد الله {وعمل صالحاً} أي ذلك خير مما أوتي قارون في الدنيا {ولا يلقاها إلا الصابرون} أي لا يؤتى الأعمال الصالحة إلا الصابرون وقيل لا يؤتى هذه الكلمة وهي قوله {ويلكم ثواب الله خير} {إلا الصابرون} أي على طاعة الله وعن زينة الدنيا. قوله تعالى {فخسفنا به وبداره الأرض}. ذكر قصة قارون: قال أهل العلم بالأخبار والسير: كان قارون أعلم بني إسرائيل بعد موسى وهارون وأقرأهم للتوراة وأجملهم وأغناهم. وكان حسن الصوت فبغى وطغى وكان أول طغيانه وعصيانه أن الله تعالى أوحى إلى موسى أن يأمر قومه أن يعلقوا في أرديتهم خيوطاً أربعة في كل طرف خيطاً أخضر كلون السماء يذكرونني به إذا نظروا إلى السماء ويعلمون أني منزل منها كلامي. فقال موسى: يا رب أفلا تأمرهم أن يجعلوا أرديتهم كلها خضراً فإن بني إسرائيل تستصغر هذه الخيوط فقال له ربه يا موسى إن الصغير من أمري ليس بصغير فإذا لم يطيعوني في الأمر الصغير لم يطيعوني في الأمر الكبير فدعاهم موسى فقال إن الله يأمركم أن تعلقوا في أرديتكم خيوطاً كلون السماء لكي تذكروا ربكم إذا رأيتموها ففعل بنو إسرائيل ما أمرهم به موسى واستكبر قارون فلم يطعه وقال: إنما يفعل هذا الأرباب بعبيدهم لكي يتميزوا عن غيرهم فكان هذا بدء عصيانه وبغيه فلما قطع موسى ببني إسرائيل البحر جعلت الحبورة لهارون، وهي رئاسة المذبح فكان بنو إسرائيل يأتون بقربانهم إلى هارون فيضعها على المذبح فتنزل نار من السماء فتأكله فوجد قارون من ذلك في نفسه فأتى إلى موسى فقال له يا موسى لك الرسالة ولهارون الحبورة ولست في شيء من ذلك، وأنا أقرأ التوراة لا صبر لي على هذا فقال أما أنا ما جعلتها لهارون بل الله جعلها له فقال له قارون: والله لا أصدقك حتى تريني بيانه فجمع موسى رؤساء بني إسرائيل فقال هاتوا عصيكم فحزمها وألقاها في قبته التي يتعبد فيها وجعلوا يحرسون عصيهم حتى أصبحوا فأصبحت عصا هارون قد اهتز لها ورق أخضر و كانت من شجر اللوز فقال موسى يا قارون ترى هذا فقال له قارون والله ما هذا بأعجب مما تصنع من السحر واعتزل قارون موسى بأتباعه وجعل موسى يداريه للقرابة التي بينهما وهو يؤذيه كل وقت ولا يزيد إلا عتواً وتجبراً ومعاداة لموسى حتى بنى داراً وجعل لها باباً من الذهب. وضرب على جدرانها صفائح الذهب وكان الملأ من بني إسرائيل يغدون ويروحون فيطعمهم الطعام ويحدثونه ويضاحكونه. قال ابن عباس: فلما نزلت الزكاة على موسى أتاه قارون فصالحه على كل ألف دينار عنها دينار وعلى كل ألف درهم عنها درهم وكل ألف شاة عنها شاة وكذلك سائر الأشياء ثم رجع إلى بيته فحسبه فوجده شيئاً كثيراً فلم تسمح نفسه بذلك فجمع بني إسرائيل وقال لهم إن موسى قد أمركم بكل شيء فأطعتموه وهو يريد أن يأخذ أموالكم فقالوا: أنت كبيرنا فمرنا بما شئت قال آمركم أن تجيئوا فلانة البغي وتجعلوا عليكم لها جعلاً على أن تقذف موسى بنفسها فإذا فعلت ذلك خرج عليه بنو إسرائيل فرفضوه فدعوها فجعل لها قارون ألف دينار وألف درهم. وقيل طستاً من ذهب وقيل قال لها قارون أنزلك وأخلطك بنسائي على أن تقذفي موسى بنفسك غداً إذا حضر بنو إسرائيل فلما كان من الغد جمع قارون بني إسرائيل ثم أتى موسى فقال: إن بني إسرائيل ينتظرون خروجك لتأمرهم وتنهاهم فخرج إليهم موسى وهم في مرج من الأرض فقام فيهم فقال: يا بني إسرائيل من سرق قطعنا يده ومن افترى جلدناه ثمانين ومن زنى وليست له امرأة جلدناه مائة جلدة ومن زنى وله امرأة رجمناه إلى أن يموت فقال قارون وإن كنت أنت؟ قال: وإن كنت أنا قال فإن بني إسرائيل يزعمون أنك فجرت بفلانة البغي قال: ادعوها فلما جاءت قال لها موسى: بالذي فلق البحر لبني إسرائيل وأنزل التوراة إلا صدقت فتداركها الله بالتوفيق فقالت في نفسها أحدث توبة أفضل من أن أوذي رسول الله فقالت لا والله ولكن قارون جعل لي جعلاً على أن أقذفك بنفسي فخرّ موسى ساجداً يبكي. ويقول: اللهم إن كنت رسولك فاغضب لي فأوحى الله إليه أني أمرت الأرض أن تطيعك فمرها بما شئت فقال موسى: يا بني إسرائيل إن الله بعثني إلى قارون كما بعثني إلى فرعون فمن كان معه فليثبت مكانه ومن كان معي فليعتزل فاعتزلوا فلم يبق مع قارون إلا رجلان ثم قال موسى يا أرض خذيهم فأخذتهم بأقدامهم. وقيل كان على سريره وفرشه فأخذته الأرض حتى غيبت سريره ثم قال: يا أرض خذيهم فأخذتهم إلى الركب ثم قال يا أرض خذيهم فأخذتهم إلى الأوساط ثم قال يا أرض خذيهم فأخذتهم إلى الأعناق وأصحابه في ذلك يتضرعون إلى موسى ويناشده قارون الله والرحم، حتى قيل إنه ناشده أربعين مرة. وقيل سبعين مرة وموسى في ذلك لا يلتفت إليه لشدة غضبه ثم قال يا أرض خذيهم فأطبقت عليهم الأرض فأوحى الله إلى موسى ما أغلظ قلبك يستغيث بك قارون سبعين مرة فلم تغثه أما وعزتي وجلالي لو استغاث بي مرة لأغثته وفي بعض الآثار لا أجعل الأرض بعدك طوعاً لأحد. قال قتادة خسف به الأرض فهو يتجلجل في الأرض كل يوم قامة رجل لا يبلغ قرارها إلى يوم القيامة وأصبح بنو إسرائيل يقولون فيما بينهم إنما دعا موسى على قارون ليستبد بداره وكنوزه وأمواله فدعا الله موسى حتى خسف بداره وكنوزه وأمواله الأرض فذلك قوله تعالى {فما كان له من فئة} يعني جماعة {ينصرونه من دون الله} يعني يمنعونه من الله {وما كان من المنتصرين} من الممتنعين مما نزل به من الخسف {وأصبح الذين تمنوا مكانه بالأمس} يعني صار أولئك الذين تمنوا ما رزقه الله من الأموال والزينة يندمون على ذلك التمني {يقولون ويكأن الله} ألم تعلم وقيل ألم تر. وقيل هي كلمة تقرير معناها أما ترى صنع الله وإحسانه وقيل ويك، بمعنى ويلك اعلم أن الله. وروي أن وي مفصوله من كأن والمعنى أن القوم ندموا فقالوا متندمين على ما سلف منهم وي وكأن معناها أظن وأقدر أن الله {يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر} قال ابن عباس أي يوسع لمن يشاء ويضيق على من يشاء {لولا أن من الله علينا} أي بالإيمان {لخسف بنا ويكأنه لا يفلح الكافرون}.

الثعالبي

تفسير : وقوله سبحانه: {وَقَالَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ وَيْلَكُمْ...} الآية: أخبر تعَالَى عَنْ الذين أوتوا العلم والمعرفةَ باللّهِ وبِحَقِّ طاعتِه أَنَّهُمْ زَجَرُوا الأَغْمَارَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا حَالَ قَارُوْنَ وَحَمَلُوهُمْ عَلَى الطَّرِيقَةِ المُثْلَى؛ مِنْ أَنَّ النَّظَرَ والتَّمَنِّي إنَّما يَنْبَغِى أنْ يَكونَ في أمورِ الآخرةِ، وأنَّ حالةَ المؤمنِ العاملِ الذي ينتظرُ ثوابَ اللّهِ تعالى خيرٌ مِن حالِ كلِّ ذِي دُنيا. ثم أخبر تعالى عن هذه النَّزْعَةِ وهذه القوَّةِ في الخبر والدينِ أَنَّها {لاَ يُلَقَّاهَا} أي: لا يُمَكَّنُ فيها ويُخَوَّلُها إلا الصَّابِرُ عَلى طَاعَةِ اللّه وعن شهواتِ نفسه؛ وهذا هو جماع الخير كله. وقال الطبري: الضمير عائد على الكلمة؛ وهي قوله: {ثَوَابُ ٱللَّهِ خَيْرٌ لِّمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً}، أي: لا يُلَقَّنُ هذه الكلمة إلا الصابرون؛ وعنهم تصدر، ورُوِيَ في الخسف بقارونَ ودارِه أن موسى عليه السلام لما أمَضَّه فعلُ قارونَ به وتعدّيه عليه؛ استجارَ باللّه تعالى وطلب النصرة؛ فأوحى اللّه إليه، أَني قد أمرتُ الأرض أَنْ تطيعكَ في قارونَ وأتباعه، فقال موسى: يا أرض؛ خذيهم فأخذتهم إلى الركب، فاستغاثوا: يا موسى؛ يا موسى؛ فقال: خذيهم، فأخذتهم شيئاً فشيئاً إلى أن تم الخسفُ بهم، فأوحى اللّه إليه: يا موسى؛ لَوْ بِيَ استغاثوا وإليَّ تابوا لرحمتِهُم. قال قتادةُ وغيره: رُوِيَ أَنه يخسفُ به كل يوم قامةً؛ فهو يتجلجل إلى يوم القيامة. * ت *: وفي الترمذي؛ عن معاذ بن أنس الجُهَنِيِّ، أن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : مَنْ تَرَكَ اللَّبَاسَ تَوَاضُعاً لِلَّهِ، وَهُوَ يَقْدِرُ عَلَيْهِ، دَعَاهُ اللّهُ يَوْمَ القِيَامَةِ عَلَىٰ رُؤُوسِ الخَلاَئِقِ؛ حَتَّىٰ يُخَيِّرَهُ؛ مِنْ أَيِّ حُلَلِ الإيمَانِ شَاءَ يَلْبَسُهَا»تفسير : . وروى الترمذيُّ عن عائشة رضي اللّه عنها قالت: كان لنا قِرَامُ سِتْرٍ فيه تماثيلُ على بابي فرآه رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فقال: «حديث : انْزَعِيهِ فَإنَّهُ يُذَكِّرُنِي الدُّنْيَا»تفسير : ، الحديثَ وروى الترمذي عن كعب ابن عياض قال: سمعت النبيَّ صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : إنَّ لِكُلِّ أُمَّةٍ فِتْنَةً، وَفِتْنَةُ أُمَّتِي: المَالُ»تفسير : ؛ قال أبو عيسَىٰ: هذا حديث حسن صحيح؛ وفيه عن عثمان بن عفان رضي اللّه عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : لَيْسَ لاِبْنِ آدَمَ حَقٌّ فِي سِوَىٰ هَـٰذِهِ الْخِصَالِ: بَيْتٍ يَسْكُنُهُ، وَثَوْبٍ يُوَارِي عَوْرَتَهُ، وَحِلْفُ الْخَبَزِ والمَاءِ».تفسير : قال النضر بن شميلٍ: «جِلْفُ الخبز» يعني: ليس معه إدام. انتهى. فهذه الأحاديث وأشباهها تزهِّد في زينةِ الدنيا وغضارة عيشها الفاني. وقوله: {ويكأن} مذهبُ الخليلِ وسيبويه: أن «وي» حرف تنبيه منفصلة من (كأن)، لكنْ أُضيفت لكثرة الاستعمال. وقال أبو حاتم وجماعة: ويْكَ: هي (وَيْلَكَ) حذفتِ اللامُ منها لكثرةِ الاستعمال. وقالت فرقة: و«يكأن» بجملتها كلمة.

السلمي

تفسير : قوله عز وجل: {وَقَالَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ ٱللَّهِ خَيْرٌ لِّمَنْ آمَنَ}. قال بعضهم: العالم بربه من يرى دوام نعمته وتتابع الآية وقصور شكره عن نعمه وإفلاسه عما يظهر منه هذه صفة العلماء بالله.

البقلي

تفسير : {وَقَالَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ ٱللَّهِ خَيْرٌ} وصف الله سبحانه اهل الفقر من الصادقين والعلم من العارفين بمشاهدتهم جمال الغيب وشهودهم مشاهدة الحق مع تصاغر زينة الدنيا فى عيونهم وان ذلك المقام لا يناله الا صابر فى بلائه راض فى قضائه مشتاق الى جماله واله فى رؤية جلاله قال بعضهم العالم بربه من برئ وام نعمته عليه وتتابع ألائه لديه وقصور شكره عن نعمه وفلاسه عما يظهر منه هذه صفة العلماء بالله.

اسماعيل حقي

تفسير : {وقال الذين اوتوا العلم} باحوال الآخرة وزهدوا فى الدنيا اى قالوا للمتمنين {ويلكم} [واى برشما اى طالبان دنيا] وهو دعاء بالاهلاك. بمعنى الزمكم الله ويلا اى عذابا وهلاكا ساغ استعماله فى الزجر عما لايرتضى وقد سبق فى طه {ثواب الله} فى الآخرة {خير} مما تتمنون {لمن آمن وعمل صالحا} فلا يليق بكم ان تتمنوه غير مكتفين بثوابه ونعيمه {ولا يلقاها} اى ولا يوفق لهذه الكرامة كما فى الجلالين والمراد بالكرامة الثواب والجنة ولا يعطى هذه الكلمة التى تكلم بها العلماء وهى ثواب الله خير قال الله تعالى {أية : ولقاهم نضرة وسرورا}تفسير : اى اعطاهم ولقيته كذا اذا استقبلته به: وبالفارسية وتلقيه وتلقين [نخواهد كرد اين كلمه كه علما كفته اند يعنى دردل وزبان نخواهند دار] {الا الصابرون} على الطاعات وعن زينة الدنيا وشهواتها شعر : اهل صبر از جمله عالم برترند صابران ازواج كردون بكذرند هركه كاردتخم صبر اندر جهان بدرود محصول عيش صابران

الجنابذي

تفسير : {وَقَالَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ} بالدّنيا واعراضها وآفاتها والآخرة وعقابها وثوابها ودرجاتها {وَيْلَكُمْ ثَوَابُ ٱللَّهِ} فى الدّنيا بحصول الالتذاذ بمناجاته والفراغ من الاشتغال بمتاعب الدّنيا وحرصها وآمالها وفى الآخرة بما اعدّه لعباده {خَيْرٌ} ممّا ترونه على قارون من زينة الدّنيا فانّه معرض للزّوال وصاحبه محلّ للآفات والبلايا والمكاره والغموم {لِّمَنْ آمَنَ} بالتّوبة والبيعة على ايدى خلفائه (ع) ايماناً عامّاً او ايماناً خاصّاً بالبيعة الخاصّة الولويّة {وَعَمِلَ صَالِحاً وَلاَ يُلَقَّاهَآ} اى هذه الموعظة او هذه الكلمة {إِلاَّ ٱلصَّابِرُونَ} عن الدّنيا وآمالها فانّ المبتلى بالدّنيا وآمالها يكون اصمّ من النّصائج والمواعظ الاخرويّة.

اطفيش

تفسير : {وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ} لهم المراد الذين أوتوا العلم بما وعد الله في الآخرة علما مازج قلوبهم بحيث ينتفعون به قال ابن عباس يعني الأحبار من بني اسرائيل. {وَيْلَكُمْ} الويل الدعاء بالهلاك واستعمل في الزجر عما لا ترتضي فكانوا يقولونه ولولا هل الخير لأنه بمنزلة كلا والأولى ترك استعماله في هل الولاية والوقوف لانه موهم. {ثَوَابُ اللهِ} وهو الجنة. {خَيْرٌ لِّمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً} من الدنيا وما فيها ما أوتي قارون وما أوتي غيره. {وَلا يُلَقَّاهَا} أي لا يلقى تلك الكلمة أو الجملة التي تكلم بها الذين أتوا العلم اولا يلقى الاعمال الصالحة المدلول عليها بقوله {وَعَمِلَ صَالِحاً} أو لا يلقى الجنة المدلول عليها بثواب الله او لا يلقى الثواب وأنث لأنه لجنة او لمثوبة او لا يلقى العمل الصالح والايمان وأنث وأفرد لأنهما بمعنى السيرة والطريقة أو الفريضة ولقيت زبد المال جعلته قد لقيه وحضر له وأعطيته إياه. {إِلا الصَّابِرُونَ} على الطاعة وعن المعصية وعلى ما قسم الله له، قال في عرائس القرآن: أوحى الله تعالى الى نبيه موسى عليه السلام أن يأمر قومه ان يعلقوا في أرديتهم خيوطاً أربعة في كل طرف خيط أخضر كلون السماء فقال: يا رب لم أمرت بني اسرائيل تعليق هذه الخيوط؟ فقال جل جلاله: إن بني إسرائيل في غفلة فيذكروني بذلك يتذكر لون السماء وذلك ان السماء مهبط الوحي ومحل الملائكة ويعلمون أن كلامي نزل منها قال موسى: أفلا تأمرهم أن يجعلوا أرديتهم كلها خضراء فان بني إسرائيل تحقر هذه الخيوط فقال موسي: إن الصغير من أمري ليس بصغير وأنهم إن لم يطيعوني في الأمر الصغير لم يطيعوني في الأمر الكبير فبلغ موسى الرسالة ففعلوا إلا قارون فلم يفعل وقال: انما يفعل هذا الأرباب بعبيدهم لكي يتميزوا من غيرهم وهذا من جملة بغية، ولما قطع موسى ببني اسرائيل البحر جعلت الحبورة قال: وهي رئاسة المذبح وبيت القربان لهارون عليه السلام فكانت بنو إسرائيل يأتون بقرابينهم الى هارون ويذبحونها ويدعها على المذبح فتنزل نار من السماء فتأكلها فوجد قارون من ذلك في نفسه فقال: يا موسى لك الرسالة ولهارون الحبورة ولست انا في شيء من ذلك وانا أقرأ التوراة منكباً لا صبر لي على هذا قال بعضهم: هو كما زعم انه أقره منهما، وقيل: لا إنما هو أقراه من غيرهما، فقال موسى: والله ما أنا الذي جعلتها في هارون بل الله سبحانه جعلها له فقال قارون: والله لا أصدقك في ذلك حتى تريني بيانه، فجمع موسى رؤساء بني اسرائيل فقال: هاتوا عصبكم، فأتوا بها، فجمعها وألقاها في قبته التي يعبد الله عز وجل فيها وجعلوا يحرسون عصيهم حتى اصبحوا، فأصبحت عصى هارون قد أزهرت ولها ورق أخضر وكانت من شجر اللوز فقال موسى عليه السلام: أترى يا قارون هذا من فعلي؟ فقال: والله ما هذا بأعجب مما تصنع من السحر فذهب مغاضبا واعتزل بأتباعه وجعل موسى يداريه للقرابة بينهما وهو يؤذيه في كل وقت ولا يزيد كل يوم إلا عتواً وتجبراً ومخالفةً ومعاداةً حتى بنى دارا وجعل بابها من الذهب وضرب على جدرانها صفائح الذهب وكان الملأ من بني إسرائيل يغدون اليه ويروحون فيطعمهم ويحدثونه ويضاحكونه، قال ابن عباس رضي الله عنهما: أن الله أنزل الزكاة على موسى ولما نزلت أتى قارون لموسى فصالحه على كل الف دينار بدينار وعلى كل الف درهم بدرهم وعلى كل الف شاة بشاة وعلى كل الف شيء بشيء ورجع لبيته فوجد ذلك كثيراً فلم تسمح نفسه بذلك فجمع بني إسرائيل وقال: يا قوم ان موسى قد أمركم بكل شيء فأطعتموه فهو الآن يريد ان يأخذ أموالكم فقالوا له: أنت كبيرنا وسيدنا فمرنا بما شئت قال: آمركم ان تجيئوا بفلانة البغي فنجعل لها جعلاً على ان تقذف موسى بنفسها فاذا فعلت ذلك خرج عنه بنوا اسرائيل فأتوا بها فجعل لها قارون ألف درهم وقيل: ألف دينار وقيل: طستاً من ذهب وقيل: حكمها في ما له وقال لها: أخلطتك بنسائي على ان تقدفي موسى بنفسك غداً إذا اجتمع بنوا إسرائيل، ولما كان الغد جمع بني اسرائيل ثم أتى الى موسى فقال: ان بني إسرائيل مجتمعون ينتظرون خروجك لتأمرهم وتنهاهم وتبين لهم أعلام دينهم وأحكام شريعتهم فخرج اليهم موسى وهم في براح من الأرض فقام فيهم خطيباً ووعظهم وقال فيما قال: يا بني اسرائيل من سرق قطعنا يده ومن زنى جلدناه مائة جلدة وان كان امرأة رجمناه وان افترى جلدناه ثمانين. فقال له قارون وان كنت أنت؟ قال: وان كنت انا. قال إن بني اسرائيل يزعمون أنك فجرت بفلانة؟ قال: أنا. قال: نعم. قال: فادعوها. فلما جاءت قال لها موسى: يا فلانة أنا فعلت بك ما يقول هؤلاء وعظم عليها وسئلها بالذي فلق البحر لموسى وأنزل التوراة عليه إلا صدقت فتداركها الله بالتوفيق وقالت في نفسها لأن أحدث اليوم توبة أفضل من أن أؤذي رسول الله، قالت: لا والله بل كذبوا ولكن جعل لي جعلاً على أن أقذفك بنفسي فسقط في نادي قومه ونكس رأسه وسكنوا وعرف انه وقع في مهلكة وخر موسى ساجداً لله سبحانه يبكي ويقول يا رب أن عبدك هذا اذاني وأراد فضيحتي اللهم ان كنت رسولك فاغضب لي عليه وسلطني عليه فأوحى الله تعالى اليه إرفع رأسك ومر الأرض بما شئت فإنها تطيعك. فقال موسى: يا بني اسرائيل إن الله تعالى قد بعثني الى قارون كما بعثني الى فرعون فمن كان معه فليلبث مكانه ومن كان معي فليعتزل عنه فاعتزلوا عن قارون ولم يبق معه الا رجلان ثم قال موسى يا أرض خذيهم فأخذتهم الى أعناقهم وهم يتضرعون الى موسى ويناشدونه حتى قيل ناشده قارون سبعين مرة بالله والرحم وهو لا يلتفت اليه لشدة عضبه ثم قال: يا أرض خذيهم فانطبقت عليهم. وروى انه قال يا ارض خذيهم فأخذتهم حتى غيبت أقدامهم وكان قارون على سرير وفراش وغيبتهما الأرض وقدمه ثم قال: يا أرض خذيهم فأخذتهم الى الركب ثم قال: يا ارض خذيهم فأخذتهم الى الأوساط ثم قال يا ارض خذيهم فأخذتهم الى الأعناق وقال: يا ارض خذيهم فغيبتهم وفي كل ذلك ينادونه ويناشدونه فأوحى يا موسى ما اغلظ قلبك استغاث بك سبعين مرة ولم تغثه أما وعزتي وجلالي لو استغاث بي مرة لأغثته وفي رواية لو إياي دعوا مرة لوجدوني قريبا مجيبا. قال قتادة: ان الله تعالى يخسف بهم كل يوم قامة وانه يتلجلج فيها لا يبلغ قعرها الى يوم القيامة، وروي انهم اجتمعوا في يوم عيد فوعظهم موسى وقد اتفق قارون وغيره مع المرأة على ذلك فكان ما ذكروا أصبح بنو اسرائيل يتناجون بينهم انما دعى موسى على قارون ليستبد بماله وكنوزه فدعى الله حتى خسف بداره وماله، كما قال الله تعالى {فخسفنا به...}

اطفيش

تفسير : {وقال الَّذِين أوتوا العِلْم} بأحوال الدنيا والآخرة، والثواب والعقاب، والتوكل والأخبار، ومقتضى قوله:"أية : الذين يريدون الحياة الدنيا"تفسير : [القصص: 79] أن يقال: قال الذين يريدون ثواب الآخرة، لكن ذكرهم بالعلم، لأنه يتوصل بالعلم الى معرفة الدارين {ويْلَكُم} مفعول مطلق عامله من غير لفظه، أى هلكتم، ويلكم أهلكتم هلاككم الذى تستحقونه، ولا يلزم من هذا أن القائلين: "أية : يا ليت لنا"تفسير : [القصص: 79] إلخ مشركون أو منافقون، لأن الويل كلمة تستعمل فى الزجر، ولا تختص بعذاب الآخرة. {ثَوابُ الله} على الإيمان والطاعة {خيرٌ} فى الآخرة مما تتمنونه من مال قارون والدنيا كلها {لمن آمن وعَملَ صالحاً} فليدم المؤمن على إيمانه وعلمه، وليكتسب غيره الإيمان والعمل ما دام فى الدنيا {ولا يُلقاها} هذه القولة، ومعنى تلقيتها جعلها ملاقية لقلب من أذعن إليها بالقبول والعمل، أو الضمير للثواب بمعنى المثبوبة الجنة أو للإيمان، والعمل الصالح، والتأنيث لتأويل الجماعة، إذ قد يعبر عن الاثنين بعبارة الجمع، أو لأن المراد بالعمل الأعمال، ولتعدد إيمان من آمن، أو للتأويل بالسيرة والطريقة {إلاَّ الصابرون} على الطاعات والمصائب، وعن المعاصى والشهوات.

الالوسي

تفسير : {وَقَالَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ } أي بأحوال الدنيا والآخرة كما ينبغي ومنهم يوشع عليه السلام، وإنما لم يوصفوا بإرادة ثواب الآخرة تنبيهاً على أن العلم بأحوال النشأتين يقتضي الإعراض عن الأولى والإقبال على الأخرى حتماً، وأن تمني المتمنين ليس إلا لعدم علمهم بهما كما ينبغي. وقيل المراد بالعلم: معرفة الثواب والعقاب، وقيل: معرفة التوكل، وقيل: معرفة الأخبار، وما تقدم أولى {وَيْلَكُمْ } دعاء بالهلاك بحسب الأصل ثم شاع استعماله في الزجر عما لا يرتضى، والمراد به هنا الزجر عن التمني وهو منصوب على المصدرية لفعل من معناه {ثَوَابُ ٱللَّهِ } في الآخرة {خَيْرٌ} مما تتمنونه {لّمَنْ ءامَنَ وَعَمِلَ صَـٰلِحاً } فلا يليق بكم أن تتمنوه غير مكتفين بثوابه عز وجل، هذا على القول بأن المتمنين كانوا مؤمنين أو فآمنوا لتفوزوا بثوابه تعالى الذي هو خير من ذلك، وتقدير المفضل عليه ما تتمنوه لاقتضاء المقام إياه، ويجوز أن يقدر عاماً ويدخل فيه ما ذكر دخولاً أولياً أي خير من الدنيا وما فيها. {وَلاَ يُلَقَّاهَا } أي هذه المقالة أو الكلمة التي تكلم بها العلماء، والمراد بها المعنى اللغوي أو الثواب، والتأنيث باعتبار أنه بمعنى المثوبة أو الجنة المفهومة من الثواب، وقيل: الإيمان والعمل الصالح، والتأنيث والإفراد باعتبار أنهما بمعنى السيرة أو الطريقة، ومعنى تلقيها إما فهمها أو التوفيق للعمل بها {إِلاَّ ٱلصَّـٰبِرُونَ } على الطاعات وعن المعاصي والشهوات، ولعل المراد بالصابرين على القول الأخير في مرجع الضمير المتصفون بالصبر في علم الله تعالى فتدبر.

ابن عاشور

تفسير : {وَقَالَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ ٱللَّهِ خَيْرٌ لِّمَنْ ءَامَنَ وَعَمِلَ صَـٰلِحاً} عطف على جملة {أية : قال الذين يريدون الحياة الدنيا}تفسير : [القصص: 79] فهي مشاركة لها في معناها لأن ما تشتمل عليه خرجة قارون ما تدل عليه ملامحه من فتنة ببهرجته وبزته دالة على قلة اعتداده بثواب الله وعلى تمحضه للإقبال على لذائذ الدنيا ومفاخرها الباطلة ففي كلام {الذين أوتوا العلم} تنبيه على ذلك وإزالة لما تستجلبه حالة قارون من نفوس المبتلين بزخارف الدنيا. و (ويل) اسم للهلاك وسوء الحال، وتقدم الكلام عليه عند قوله تعالى {أية : فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم}تفسير : في سورة البقرة (79). ويستعمل لفظ (ويل) في التعجب المشوب بالزجر، فليس {الذين أوتوا العلم} داعين بالويل على الذين يريدون الحياة الدنيا لأن المناسب لمقام الموعظة لين الخطاب ليكون أعون على الاتعاظ، ولكنهم يتعجبون من تعلق نفوس أولئك بزينة الحياة الدنيا واغتباطهم بحال قارون دون اهتمام بثواب الله الذي يستطيعون تحصيله بالإقبال على العمل بالدين والعمل النافع وهم يعلمون أن قارون غير متخلق بالفضائل الدينية. وتقديم المسند إليه في قوله {ثواب الله خير} ليتمكن الخبر في ذهن السامعين لأن الابتداء بما يدل على الثواب المضاف إلى أوسع الكرماء كرماً مما تستشرف إليه النفس. وعدل عن الإضمار إلى الموصولية في قوله {لمن آمن وعمل صالحاً} دون: خير لكم، لما في الإظهار من الإشارة إلى أن ثواب الله إنما يناله المؤمنون الذين يعملون الصالحات وأنه على حسب صحة الإيمان ووفرة العمل، مع ما في الموصول من الشمول لمن كان منهم كذلك ولغيرهم ممن لم يحضر ذلك المقام {وَلاَ يُلَقَّاهَآ إلاّ الصابرون}. يجوز أن تكون الواو للعطف فهي من كلام {الذين أوتوا العلم}، أمروا الذين فتنهم حال قارون بأن يصبروا على حرمانهم مما فيه قارون. ويجوز أن تكون الواو اعتراضية والجملة معترضة من جانب الله تعالى علّم بها عباده فضيلة الصبر. وضمير {يلقاها} عائد إلى مفهوم من الكلام يجري على التأنيث، أي الخصلة وهي ثواب الله أو السيرة القويمة، وهي سيرة الإيمان والعمل الصالح. والتلقية: جعل الشيء لاقياً، أي مجتمعاً مع شيء آخر. وتقدم عند قوله تعالى {أية : ويلقون فيها تحية وسلاماً}تفسير : في سورة الفرقان (75). وهو مستعمل في الإعطاء على طريقة الاستعارة، أي لا يعطى تلك الخصلة أو السيرة إلا الصابرون؛ لأن الصبر وسيلة لنوال الأمور العظيمة لاحتياج السعي لها إلى تجلد لما يعرض في خلاله من مصاعب وعقبات كأداء فإن لم يكن المرء متخلقاً بالصبر خارت عزيمته فترك ذاك لذاك.

د. أسعد حومد

تفسير : {آمَنَ} {صَالِحاً} {يُلَقَّاهَآ} {ٱلصَّابِرُونَ} (80) - فَلَمَّا سَمِعَ أهلُ العِلْمِ النَّافِع مَقَالَةَ مَنْ تَمَنَّوا أَنْ يكُونَ لَهُمْ مِثلُ مَا أُوتِيَ قَارُونُ من المَالِ، قَالُوا لَهُمْ: الوَيلُ والهَلاَكُ لَكُمْ عَلَى ما تَمَنِّيتُمْ، فَما يدِّخِرُهُ اللهُ مِنْ جَزاءٍ وثَوَابٍ لِعبَادِهِ الصَّالِحينَ في الدَّارِ الآخِرَةِ خيرٌ ممَّا تَرَوْنَهُ، ولا يَفُوزُ بالجَنَّةِ ونَعيمِها فِي الدَّارِ الآخِرَةِ إِلا الصَّابِرُونَ على مَحَبَّتِهِ، الرَاغِبونَ في الدَّار الآخِرَةِ. وَيْلَكُم - زَجْرٌ لَهُم عَلَى هذا التَّمنِّي - والوَيلُ لُغَةً الهَلاَكُ. لا يُلَقَّاهَا - لاَ يُوفَّقُ لِلْعَمَلِ لِلمَثُوبَةِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : فما كان الحق - تبارك وتعالى - ليترك أهل الدنيا وأهل الباطل يُشكِّكون الناس في قَدَر الله، ويتمردون على قسمته حتى الكفر والزندقة، والله سبحانه لا يُخِلي الناس من أهل الحق الذين يُعدِّلون ميزان حركة الحياة: شعر : إنَّ الذي جَعَلَ الحقِيقةَ عَلْقماً لم يخلْ من أَهْل الحقيقة جيلا تفسير : وما دام أن الله تعالى قال في الجماعة الأولى: {أية : قَالَ ٱلَّذِينَ يُرِيدُونَ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا ..} تفسير : [القصص: 79] فهم لا يروْنَ غيرها، ولا يطمحون لأبعد منها، وقال في الأخرى: {وَقَالَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ ..} [القصص: 80] فهذا يعني: أن أهل الدنيا (سطحيون)، لم يكن عندهم علم ينفعهم، لذلك وقعوا في هذا المأزق الذي نجا منه أهل العلم، حينما أجروا مقارنة بين الطمع في الدنيا والطمع في الآخرة. كما قلنا سابقاً: إن عمر الدنيا بالنسبة لك: لا تقُلْ من آدم إلى قيام الساعة؛ فعمرك أنت فيها عمر موقوت، لا بُدَّ أنْ يفنى. إذن: العاقل مَنْ يختار الباقية على الفانية، لذلك أهل الدنيا قالوا {أية : يٰلَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَآ أُوتِيَ قَارُونُ ..} تفسير : [القصص: 79]. أما أهل العلم والمعرفة فردُّوا عليهم: {وَيْلَكُمْ ..} [القصص: 80] أي: الويل لكم بسبب هذا التفكير السطحي، وتمنِّي ما عند قارون الويل والهلاك لكم بما حسدتُم الناس، وبما حقدتُم عليهم, وباعتراضكم على أقدار الله في خَلْقه. فأنتم تستحقون الهلاك بهذا؛ لذلك قال الله عنهم في موضع آخر: {أية : وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ * يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِّنَ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا ..} تفسير : [الروم: 6-7]. يعني: لا يعرفون حقيقة الأشياء، ولو عرفوا ما قالوا هذا الكلام، وما تمنَّوْا هذه الأمنية. ثم يلفت أهل العلم والمعرفة أنظار أهل الدنيا، ويُوجِّهونهم الوجهة الصحيحة: {ثَوَابُ ٱللَّهِ خَيْرٌ لِّمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ..} [القصص: 80] أي: ثواب الله خير من الدنيا، ومما عند قارون، وكيف تتمنون ما عنده، وقد شجبتم تصرفاته، ونهيتموه عنها، ولم ترضَوْها؟ ومعنى: {وَلاَ يُلَقَّاهَآ إِلاَّ ٱلصَّابِرُونَ} [القصص: 80] أي: يُلقّى الإيمان والعمل الصالح والهداية، ليُقبِلَ على عمل الآخرة، ويُفضلها عن الدنيا، أي: يُلقّى قضية العلم بالحقائق، ولا تخدعه ظواهر الأشياء. هذه لا يجدها ولا يُوفّق إليها إلا الصابرون، كما قال سبحانه في آية أخرى: {أية : وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ وَمَا يُلَقَّاهَآ إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ} تفسير : [فصلت: 35]. والصبر: احتمال ما يؤذي في الظاهر، لكنه يُنعَم في الباطن. وله مراحل، فالله تعالى كلَّفنا بطاعات فيها أوامر، وكلَّفنا أنْ نبتعد عن معاصٍ، وفيها نواهٍ، وأنزل علينا أقداراً قد لا تستطيبها نفوسنا، فهذه مراحل ثلاث. فالطاعات ثقيلة وشاقة على النفس؛ لذلك يقول تعالى عن الصلاة: {أية : وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى ٱلْخَاشِعِينَ} تفسير : [البقرة: 45] فهناك دَواع شتَّى تصرفك عن الصلاة، وتحاول أنْ تُقعدك عنها، فتجد عند قيامك للصلاة كسلاً وتثاقلاً. واقرأ قوله تعالى عن الصلاة مخاطباً نبيه صلى الله عليه وسلم: {أية : وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِٱلصَّلاَةِ وَٱصْطَبِرْ عَلَيْهَا ..} تفسير : [طه: 132] وهذا دليل على أنها صعبة وشاقَّة على النفس، لكن إذا تعودتْ عليها، وألفتها النفس صارتْ أحبَّ الأشياء إليك، وأخفّها على نفسك، بل وقرَّة عَيْن لك. والنبي صلى الله عليه وسلم يُعلِّمنا هذا الدرس في قوله لمؤذنه بلال: "حديث : أرحنا بها يا بلال" تفسير : لا أرحنا منها تلك المقالة التي يقولها لسان حالنا الآن. ويقول أيضاً صلى الله عليه وسلم: "حديث : وجُعلَت قرة عيني في الصلاة" تفسير : وخصَّ الصلاة بالذات من بين سائر العبادات؛ لأنها تتكرر في اليوم خمس مرات، فهي ملازمة للمؤمن يعايشها على مدى يومه وليلته بخلاف الأركان الأخرى، فمنها ما هو مرة واحدة في العام، أو مرة واحدة في العمر كله. هذا هو النوع الأول من الصبر، وهو الصبر على مشقة الطاعة. الثاني: الصبر عن شهوة المعصية، ولا تنْسَ أنه أول صبر تصادفه في حياتك أنْ تصبر على نفسك؛ لذلك يقول الشاعر: شعر : إذَا رُمْتَ أنْ تُسْتقِرضَ المال مُنفقاً عَلَى شَهَواتِ النفْسِ في زَمَن العُسْرِ فَسَل نفسَكَ الإنفاقَ من كَنْز صَبْرها عليْكَ وإنْظَاراً إلى سَاعةِ اليُسْر فإنْ فعلتْ كنتَ الغنيَّ وإنْ أبتْ فكل مَنُوع بعدها واسِع العُذْر تفسير : فبدل أن تقترض لقضاء شهوة نفس عاجلة، فأوْلَى بك أن تصبر إلى أن تجد سعة وتيسيراً، فصبرك على نفسك أهون من صبر الناس عليك، وإنْ تسعْكَ نفسك، فلا عُذْر لأحد بعد ذلك إنْ منعك. الثالث: صَبر على الأقدار المؤلمة التي لا تفطن أنت إلى الحكمة منها، فالأقدار ما دامتْ من حكيم، ومُجريها عليك ربٌّ، إذن لا بُدَّ أن لها حكمة فيك، فخُذ القضية القدرية بحكمة مُجريها عليك، فهو سبحانه ربك، وليس عدوك، وأنت عبده وصنعته، ألم تقرأ قول الرسول في الحديث الشريف: "حديث : الخلق كلهم عيال الله، فأحبُّهم إليه أرأفهم بعياله ". تفسير : إذن: حين تجري عليك الأقدار المؤلمة، فيكفيك للصبر عليها أنْ تعلم أنها حكمة الله، ويكفيك أن مُجريها عليك ربك، فإنْ جاءت الأقدار المؤلمة بسبب تقصيرك، فلا تلومنَّ إلا نفسك، كالطالب الذي يُهمل دروسه ويتكاسل، فيفشل في الامتحان، فالفشل نتيجة إهماله وتكاسله. أما الذي يذاكر ويجدّ ويُبكِّر إلى الامتحان مُسْتبشراً فتصدمه سيارة مثلاً في الطريق، تمنعه من أداء امتحانه، فهذا هو القدر المؤلم الذي له حكمة، وربما داخله شيء من الغرور، وعوَّل على مذاكرته، ونسي توفيق الله له، فأراد الله أنْ يُلقّنه هذا الدرس ليعلمه أن الأمر في النهاية بيد الله وبمعونته، وأنه الخاسر إنْ لم تصادفه هذه المعونة، على حَدٍّ قول الشاعر: شعر : إذَا لم يكُنْ عَوْنٌ مِنَ الله للفتَى فَأَوَّلُ مَا يَجْني عليْهِ اجتهادُهُ تفسير : فعليك إذن أنْ تنظر إنْ كانت المصيبة نتيجة لما قدمت، فلا تلومنَّ إلا نفسك، فإنْ كنتَ قد أخذت بالأسباب، واستوفيتَ ما طُلب منك، ثم أصابتْك المصيبة، فاعلم أن لله فيها حكمة، وعليك أنْ تحترم حكمة الله وقدره في خَلْقه. وباعتبار آخر، يمكن أن نقسم المصائب إلى قسمين: قسم لك فيه غريم، كأن يعتدي عليك غيرك بضرب أو قتل أو نحوه، وقسم ليس لك فيه غريم كالموت والمرض مثلاً. وقد أعطانا الحق - سبحانه وتعالى - حكماً في كل منهما، ففي النوع الأول حيث لا غريمَ لك، يقول تعالى على لسان لقمان وهو يوصي ولده: {أية : وَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَآ أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ ٱلأُمُورِ} تفسير : [لقمان: 17]. ويقول فيما لك فيه غريم: {أية : وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ ..} تفسير : [الشورى: 43] فما دام قد ذكر المغفرة ودعاك إليها، فلا بُدَّ أن أمامك غريماً، ينبغي أنْ تصبر عليه، وأن تغفر له، والغريم يهيجني إلى المعصية وإلى الانتقام، فكلما رأيته أتميَّز غيظاً، فالصبر في هذه الحالة أشد ويحتاج إلى عزيمة قوية. لذلك قال سبحانه: {أية : وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ ٱلأُمُورِ} تفسير : [الشورى: 43] ولم يقل كما في الأولى: {أية : إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ ٱلأُمُورِ} تفسير : [لقمان: 17] إنما بصيغة التأكيد باللام (لَمِنْ). ويُعلِّمنا ربنا - تبارك وتعالى - كيف نعالج غَيْظ النفوس أمام الغريم، فيقول سبحانه: {أية : وَٱلْكَاظِمِينَ ٱلْغَيْظَ وَٱلْعَافِينَ عَنِ ٱلنَّاسِ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ} تفسير : [آل عمران: 134]. هذه مراحل ثلاث، تتدرج بك حسب ما عندك من استعداد للخير وقدرة على التسامح، فأولها: أن تكظم غيظك، وهذا يعني أن الغيظ موجود، لكنك تكتمه في نفسك، فإن ارتقيتَ عفوتَ بأن تُخرج الغيظ والغِلَّ من نفسك، كأن شيئاً لم يحدث، فإن ارتقيتَ إلى المرتبة الأعلى أحسنتَ؛ لأن الله تعالى يحب المحسنين، والإحسان أن تقدم الخير وتبادر به مَنْ أساء إليك، فتجعله رداً على إساءته. ولا شكَّ أن هذه المراحل تحتاج إلى مجاهدة، فهي قاسية على النفس، وقلما تجد مَنْ يعمل بها؛ لذلك ما جعلها الله على وجه الإلزام، إنما ندب إليها وحثّ عليها، فإنْ أخذتَ بأْولاَها فلا شيء عليك؛ لأن الله تعالى أباح لك أن ترد الإساءة بمثلها، فإنْ كظمتَ غيظك فأنت على خير، وإن اخترتَ لنفسك الرقي في طاعة ربك، فنِعمْ الرجل أنت، ويكفيك {أية : وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ} تفسير : [آل عمران: 134]. ويكفيك أن المسيء بإساءته إليك جعل الله في جانبك، فهو مع إساءته إليك يستحق مكافأة منك، كما قال أحد العارفين: ألا أُحسن لمن جعل الله في جانبي؟ وضربنا لذلك مثلاً بالوالد حين يجد أن أحد الأولاد اعتدى على الآخر، فيميل ناحية المُعْتَدى عليه ويتودَّد إليه، ويحاول إرضاءه، حتى إن المعتدي ليغتاظ ويندم على أنه أساء إلى أخيه، كذلك الحق - تبارك وتعالى - إن اعتدى بعض خَلْقه على بعض يحتضن المظلوم، وينصره على مَنْ ظَلمَه. ثم يُفاجأ قارون بالعقاب الذي يستحقه: {فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ ٱلأَرْضَ ...}.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {وَلاَ يُلَقَّاهَآ إِلاَّ ٱلصَّابِرُونَ} معناه لا يُوفق لَها.