Verse. 3331 (AR)

٢٨ - ٱلْقَصَص

28 - Al-Qasas (AR)

فَخَـــرَجَ عَلٰي قَوْمِہٖ فِيْ زِيْنَتِہٖ۝۰ۭ قَالَ الَّذِيْنَ يُرِيْدُوْنَ الْحَيٰوۃَ الدُّنْيَا يٰلَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَاۗ اُوْتِيَ قَارُوْنُ۝۰ۙ اِنَّہٗ لَذُوْ حَظٍّ عَظِيْمٍ۝۷۹
Fakharaja AAala qawmihi fee zeenatihi qala allatheena yureedoona alhayata alddunya ya layta lana mithla ma ootiya qaroonu innahu lathoo haththin AAatheemin

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«فخرج» قارون «على قومه في زينته» بأتباعه الكثيرين ركبانا متحلين بملابس الذهب والحرير على خيول وبغال متحلية «قال الذين يريدون الحياة الدنيا يا» للتنبيه «ليت لنا مثل ما أوتي قارون» في الدنيا «إنه لذو حظ» نصيب «عظيم» واف فيها.

79

Tafseer

الرازي

تفسير : أما قوله: {فَخَرَجَ عَلَىٰ قَوْمِهِ فِى زِينَتِهِ } فيدل على أنه خرج بأظهر زينة وأكملها وليس في القرآن إلا هذا القدر، إلا أن الناس ذكروا وجوهاً مختلفة في كيفية تلك الزينة، قال مقاتل خرج على بغلة شهباء عليها سرج من ذهب ومعه أربعة آلاف فارس على الخيول وعليها الثياب الأرجوانية ومعه ثلثمائة جارية بيض عليهن الحلى والثياب الحمر على البغال الشهب، وقال بعضهم: بل خرج في تسعين ألفاً هكذا، وقال آخرون بل على ثلثمائة. والأولى ترك هذه التقريرات لأنها متعارضة، ثم إن الناس لما رأوه على تلك الزينة قال من كان منهم يرغب في الدنيا {يٰلَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِىَ قَـٰرُونُ } من هذه الأمور والأموال، والراغبون يحتمل أن يكونوا من الكفار وأن يكونوا من المسلمين الذين يحبون الدنيا، وأما العلماء وأهل الدين فقالوا للذين تمنوا هذا ويلكم ثواب الله خير من هذه النعم، لأن للثواب منافع عظيمة وخالصة عن شوائب المضار ودائمة، وهذه النعم العاجلة على الضد من هذه الصفات الثلاث، قال صاحب «الكشاف»: ويلك أصله الدعاء بالهلاك، ثم استعمل في الزجر والردع والبعث على ترك ما لا يرتضى. أما قوله: {وَلاَ يُلَقَّاهَا إِلاَّ ٱلصَّـٰبِرُونَ } فقال المفسرون: لا يوفق لها والضمير في يلقاها إلى ماذا يعود؟ فيه وجهان أحدهما: إلى ما دل عليه قوله: {آمن وَعَمِلَ صَـٰلِحاً } يعني هذه الأعمال لا يؤتاها إلا الصابرون والثاني: قال الزجاج: يعني، ولا يلقى هذه الكلمة وهي قولهم ثواب الله خير إلا الصابرون على أداء الطاعات والاحتراز عن المحرمات، وعلى الرضا بقضاء الله في كل ما قسم من المنافع والمضار. وأما قوله: {فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ ٱلأَرْضَ } ففيه وجهان أحدهما: أنه لما أشر وبطر وعتا خسف الله به وبداره الأرض جزاء على عتوه وبطره، والفاء تدل على ذلك، لأن الفاء تشعر بالعلية وثانيها: قيل إن قارون كان يؤذي نبـي الله موسى عليه السلام كل وقت وهو يداريه للقرابة التي بينهما حتى نزلت الزكاة فصالحه عن كل ألف دينار على دينار، وعن كل ألف درهم على درهم فحسبه فاستكثره فشحت نفسه فجمع بني إسرائيل، وقال: إن موسى يريد أن يأخذ أموالكم فقالوا: أنت سيدنا وكبيرنا فمرنا بما شئت، قال: نبرطل فلانة البغي حتى تنسبه إلى نفسها فيرفضه بنو إسرائيل فجعل لها طستاً من ذهب مملوءاً ذهباً فلما كان يوم عيد قام موسى فقال: يا بني إسرائيل من سرق قطعناه، ومن زنى وهو (غير) محصن جلدناه وإن أحصن رجمناه، فقال قارون وإن كنت أنت؟ قال: وإن كنت أنا، قال: فإن بني إسرائيل يقولون إنك فجرت بفلانة فأحضرت فناشدها موسى بالله الذي فلق البحر وأنزل التوراة أن تصدق فتداركها الله تعالى، فقالت: كذبوا بل جعل لي قارون جعلاً على أن أقذفك بنفسي، فخر موسى ساجداً يبكي، وقال: يا رب إن كنت رسولك فاغضب لي، فأوحى الله عز وجل إليه أن مر الأرض بما شئت فإنها مطيعة لك، فقال: يا بني إسرائيل إن الله بعثني إلى قارون كما بعثني إلى فرعون فمن كان معه فليلزم مكانه ومن كان معي فليعتزل فاعتزلوا جميعاً غير رجلين، ثم قال: يا أرض خذيهم فأخذتهم إلى الركب ثم قال خذيهم فأخذتهم إلى الأوساط ثم قال: خذيهم فأخذتهم إلى الأعناق وقارون وأصحابه يتضرعون إلى موسى عليه السلام ويناشدونه بالله والرحم، وموسى لا يلتفت إليهم لشدة غضبه، ثم قال: خذيهم فانطبقت الأرض عليهم فأوحى الله تعالى إلى موسى عليه السلام ما أفظك استغاثوا بك مراراً فلم ترحمهم، أما وعزتي لودعوني مرة واحدة لوجدوني قريباً مجيباً فأصبحت بنو إسرائيل يتناجون بينهم إنما دعا موسى على قارون ليستبد بداره وكنوزه فدعا الله حتى خسف بداره وأمواله، ثم إن قارون يخسف به كل يوم مائة قامة، قال القاضي: إذا هلك بالخسف فسواء نزل عن ظاهر الأرض إلى الأرض السابعة أو دون ذلك فإنه لا يمتنع ما روى على وجه المبالغة في الزجر، وأما قولهم إنه تعالى قال لو استغاث بـي لأغثته، فإن صح حمل على استغاثة مقرونة بالتوبة فأما وهو ثابت على ما هو عليه مع أنه تعالى هو الذي حكم بذلك الخسف لأن موسى عليه السلام ما فعله إلا عن أمره فبعيد، وقولهم إنه يتجلجل في الأرض أبداً فبعيد لأنه لا بد له من نهاية وكذا القول فيما ذكر من عدد القامات، والذي عندي في أمثال هذه الحكايات أنها قليلة الفائدة لأنها من باب أخبار الآحاد فلا تفيد اليقين، وليست المسألة مسألة عملية حتى يكتفى فيها بالظن، ثم إنها في أكثر الأمر متعارضة مضطربة فالأولى طرحها والاكتفاء بما دل عليه نص القرآن وتفويض سائر التفاصيل إلى عالم الغيب. أما قوله: {وَمَا كَانَ مِنَ المنتصرين} فالمراد من المنتقمين من موسى أو من الممتنعين من عذاب الله تعالى يقال نصره من عدوه فانتصر، أي منعه منه فامتنع.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {فَخَرَجَ عَلَىٰ قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ} أي على بني إسرائيل فيما رآه زينة من متاع الحياة الدنيا من الثياب والدواب والتجمل في يوم عيد. قال الغزنوي: في يوم السبت. {فِي زِينَتِهِ} أي مع زينته. قال الشاعر:شعر : إذا ما قلوبُ القومِ طارت مخافةً من الموت أرسوا بالنفوس المواجد تفسير : أي مع النفوس. كان خرج في سبعين ألفاً من تَبَعه، عليهم المعصفَرات، وكان أوّل من صُبغ له الثياب المعصفَرة. قال السدي: مع ألف جوار بيض على بغال بيض بسروج من ذهب على قُطُف الأرْجُوان. قال ابن عباس: خرج على البغال الشهب. مجاهد: على براذين بيض عليها سروج الأُرْجُوان، وعليهم المعصفَرات، وكان ذلك أوّل يوم رؤي فيه المعصفَر. قال قتادة: خرج على أربعة آلاف دابة عليهم ثياب حمر، منها ألف بغل أبيض عليها قُطُف حمر. قال ابن جريج: خرج على بغلة شهباء عليها الأُرْجُوان، ومعه ثلاثمائة جارية على البغال الشهب عليهن الثياب الحمر. وقال ابن زيد: خرج في سبعين ألفاً عليهم المعصفَرات. الكلبي: خرج في ثوب أخضر كان الله أنزله على موسى من الجنة فسرقه منه قارون. وقال جابر بن عبد الله رضي الله عنه: كانت زينته القِرْمز. قلت: القِرْمِز صِبغ أحمر مثل الأُرْجُوان، والأُرْجُوان في اللغة صِبغ أحمر؛ ذكره القشيري. {قَالَ ٱلَّذِينَ يُرِيدُونَ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا يٰلَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَآ أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ } أي نصيب وافر من الدنيا. ثم قيل: هذا من قول مؤمني ذلك الوقت، تمنوا مثل ماله رغبة في الدنيا. وقيل: هو من قول أقوام لم يؤمنوا بالآخرة ولا رغبوا فيها، وهم الكفار. قوله تعالى: {وَقَالَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ} وهم أحبار بني إسرائيل للذين تمنوا مكانه {وَيْلَكُمْ ثَوَابُ ٱللَّهِ خَيْرٌ} يعني الجنة. {لِّمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً وَلاَ يُلَقَّاهَآ إِلاَّ ٱلصَّابِرُونَ} أي لا يؤتى الأعمال الصالحة، أو لا يؤتى الجنة في الآخرة إلا الصابرون على طاعة الله. وجاز ضميرها لأنها المعنية بقوله: {ثَوَابُ اللَّهِ}.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى مخبراً عن قارون: أنه خرج ذات يوم على قومه في زينة عظيمة، وتجمل باهر؛ من مراكب، وملابس عليه وعلى خدمه وحشمه، فلما رآه من يريد الحياة الدنيا، ويميل إلى زخارفها وزينتها، وتمنوا أن لو كان لهم مثل الذي أعطي قالوا {يٰلَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَآ أُوتِيَ قَـٰرُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ} أي: ذو حظ وافر من الدنيا، فلما سمع مقالتهم أهل العلم النافع، قالوا لهم: {وَيْلَكُمْ ثَوَابُ ٱللَّهِ خَيْرٌ لِّمَنْ ءَامَنَ وَعَمِلَ صَـٰلِحاً} أي: جزاء الله لعباده المؤمنين الصالحين في الدار الآخرة خير مما ترون؛ كما في الحديث الصحيح: «حديث : يقول الله تعالى: أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، واقرؤوا إن شئتم: {فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّآ أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَآءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} »تفسير : . وقوله: {وَلاَ يُلَقَّاهَآ إِلاَّ ٱلصَّٰبِرُونَ} قال السدي: ولا يلقى الجنة إلا الصابرون، كأنه جعل ذلك من تمام كلام الذين أوتوا العلم. قال ابن جرير: ولا يلقى هذه الكلمة إلاَّ الصابرون عن محبة الدنيا، الراغبون في الدار الآخرة، وكأنه جعل ذلك مقطوعاً من كلام أولئك، وجعله من كلام الله عز وجل وإخباره بذلك.

المحلي و السيوطي

تفسير : {فَخَرَجَ } قارون {عَلَىٰ قَوْمِهِ فِى زِينَتِهِ } بأتباعه الكثيرين ركباناً متحلّين بملابس الذهب والحرير على خيول وبغال متحلية {قَالَ ٱلَّذِينَ يُرِيدُونَ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا يا} للتنبيه {لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِىَ قَٰرُونُ } في الدنيا {إِنَّهُ لَذُو حَظّ } نصيب {عظِيمٌ } وافٍ فيها.

الماوردي

تفسير : قوله: {فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ} فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: في حشمه، قاله قتادة. الثاني: في تَبَعه في سبعين ألفاً عليهم المعصفرات وكان أول يوم رؤيت فيه المعصفرات قاله ابن زيد، قال أبو لبابة: أول من صبغ بالسواد قارون. الثالث: خرج في جوارٍ بيض على بغال بيض بسروج من ذهب على قطف أرجوان، قاله السدي. {قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونَ} تمنوا ماله رغبة في الدنيا. {إنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ} فيه وجهان: أحدهما: لذو درجة عظيمة، قاله الضحاك. الثاني: لذو جد عظيم، قاله السدي.

ابن عبد السلام

تفسير : {فِى زِينَتِهِ} حشمه، أو تَبَعِه سبعين ألفاً عليهم المعصفرات وهو أول يوم رؤيت فيه المعصفرات وكان أول من خضب بالسواد، أو جَوارٍ بيض على بغال بيض بسروج من ذهب على قُطُف أرجوان {حَظٍّ} درجة، أو جد.

ابن عادل

تفسير : دلت الآية على أنه خرج بأظهر زينة وأكملها، وليس في القرآن إلا هذا القدر والناس ذكروا وجوهاً مختلفة، والأولى ترك هذه التقديرات لأنها متعارضة، ثم إن الناس لمَّا رأوه على تلك الزينة قال من كان منهم يرغب في الدنيا: {يٰلَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَآ أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ} من الحال، وهؤلاء الراغبون يحتمل أن يكونوا من الكفار، وأن يكونوا من المسلمين الذين يحبُّون الدنيا، فأمّا الذين أوتوا العلم - وهم أهل الدين - قال ابن عباس: يعني الأحبار من بني إسرائيل، وقال مقاتل: أوتوا العلم بما وعد الله في الآخرة. فقالوا للذين تمنوا: {وَيْلَكُمْ ثَوَابُ ٱللَّهِ خَيْرٌ} من هذه النعم، أي: ما عند الله من الجزاء والثواب {خَيْرٌ لِّمَنْ آمَنَ} وصدَّق بتوحيد الله وعمل صالحاً، لأن للثواب منافع عظيمة خالصة عن شوائب المضار دائمة، وهذه النِّعم على الضد في هذه الصفات. قوله: "وَيْلَكُمْ": منصوب بمحذوف، أي: "ألْزَمَكُمْ اللَّهُ وَيْلَكُمْ"، قال الزمخشري: ويلك أصله الدعاء بالهلاك، ثم استعمل في الزجر والرَّدع والبعث على ترك ما يضر. قوله: "وَلاَ يُلَقَّاهَا" أي: هذه الخصلة وهي الزهد في الدنيا والرغبة فيما عند الله. وقيل: الضمير يعود إلى ما دل عليه قوله: {آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً} يعني هذه الأعمال لا يؤتاها إلا الصَّابرون (وقال الزجاج: ولا يُلَقَّى هذه الكلمة وهي قولهم: {ثَوَابُ ٱللَّهِ خَيْرٌ} إلا الصَّابرُونَ) على أداء الطاعات والاحتراز عن المحرمات، وعلى الرِّضا بقضاء الله في كل ما قسم من المنافع والمضار. قوله: {فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ ٱلأَرْضَ} المشهور كسر هاء الكناية في بِهِ وبِدَارِهِ لأجل كسر ما قبلها. وقرىء بضمها وقد تقدم أنها الأصل، وهي لغة الحجاز. فصل قيل: لما أشر وبطر وعتا خسف الله به وبداره الأرض جزاءً على عتوه وبطره، والفاء تدل على ذلك، لأن الفاء تشعر بالعلية. وقيل: إن قارون كان يؤذي نبي الله موسى عليه السلام كل وقت وهو يداريه للقرابة التي بينهما، حتى نزلت الزكاة فصالحه عن كل ألف دينار على دينار، وعن كل ألف درهم على درهم، وعن كل ألف شاة على شاة، فحسبه فاستكثره فشحت به نفسه، فجمع بني إسرائيل وقال إنّ موسى يريد أن يأخذ أموالكم، فقالوا: أنت كبيرنا فمرنا بما شئت فقال: ائتوا بفلانة البغيّ فنجعل لها جعلاً حتى تقذف موسى بنفسها، فإذا فعلت ذلك خرج عليه بنو إسرائيل ورفضوه فدعوها فجعل لها قارون طشتاً من ذهب مملوءاً ذهباً، وقال لها: إن أموّلك وأخلطك بنسائي على أن تقذفي موسى بنفسك غداً إذا حضر بنو إسرائيل، فلما كان من الغد جمع قارون بني إسرائيل، ثم أتى موسى فقال إن بني إسرائيل ينتظرون خروجك فتأمرهم وتنهاهم، فخرج إليهم موسى وهم في براح من الأرض، فقام فيهم فقال: يا بني إسرائيل من سرق قطعنا يده ومن افترى جلدناه ثمانين جلدة، ومن زنى وليست له امرأة جلدناه مائة، (ومن زنى وله) امرأة رجمناه حتى يموت، فقال له قارون: وإن كنت أنت؟ قال: وإن كنت أنا، قال: فإن بني إسرائيل يزعمون أنك فجرت بفلانة، قال: ادعوها فإن قالت فهو كما قالت: فلما جاءت قال لها موسى: يا فلانة أنا فعلت بك ما يقول هؤلاء؟ وناشدها بالذي فلق البحر وأنزل التوراة أن تصدق فتداركها الله فقالت في نفسها: أحدث اليوم توبة أفضل من أن أؤذي رسول الله، فقالت: لا، كذبوا بل جعل لي قارون جعلاً على أن أقذفك بنفسي، فخر موسى ساجداً يبكي، وقال: يا رب إن كنت رسولك فاغضب لي، فأوحى الله إليه ان مر الأرض بما شئت فإنها مطيعة لك، قال: يا بني إسرائيل إن الله بعثني إلى قارون كما بعثني إلى فرعون. فمن كان معه فليلزم مكانه، ومن كان معي فليعتزل، فاعتزلوا جميعاً ولم يبق مع قارون إلا رجلان، ثم قال: يا أرض خذيهم فأخذتهم إلى الأوساط ثم قال: خذيهم فأخذتهم إلى الأعناق وقارون وأصحابه يتضرعون إلى موسى ويناشدونه بالله والرَّحم وهو لا يلتفت إليهم لشدة غضبه، ثم قال خذيهم فانطبقت عليهم فأوحى الله إلى موسى: ما أفظَّك استغاثوا بك مراراً فلم ترحمهم، أما وعزتي لو دعوني مرة واحدة لوجودني قريباً مجيباً، فأصبحت بنو إسرائيل يتناجون بينهم: إنما دعا موسى على قارون ليستبد بداره وكنوزه فدعا الله حتى خسف الله بداره وأمواله الأرض، ثم إن قارون يخسف به كل يوم قامة. قال القاضي: إذا هلك بالخسف فسواء نزل عن ظاهر الأرض إلى الأرض السابعة أو دون ذلك، وإن كان لا يمتنع على وجه المبالغة في الزجر، وأما قولهم: إنه - تعالى - قال: لو استغاثوا بي لأغثتهم، فإن صح حمل على استغاثة مقرونة بالتوبة، فأما وهو ثابت على ما هو عليه مع أنه تعالى هو الذي حكم بذلك الخسف، لأن موسى ما فعله إلا عن إذن فبعيد، وقولهم إنهم يتجلجلون في الأرض فبعيد، لأنه لا بد له من نهاية، وكذا القول فيما ذكر من عدو القامات والذي عنده في أمثال هذه الحكايات أنها قليلة الفائدة لأنها من باب أخبار الآحاد فلا تفيد اليقين وليست المسألة عملية حتى يكفي فيها الظنّ ثم إنها في أكثر الأمر متعارضة مضطربة فالأولى طرحها والاكتفاء بما دل عليه نص القرآن وتفويض سائر التفاصيل إلى عالم الغيب. قوله: "مِنْ فِئَةٍ" يجوز أن يكون اسم كان إن كانت ناقصة، و "له" الخبر أو "يَنْصُرُونَهُ" وأن تكون فاعلة إن كانت تامة و "يَنْصُرُونَهُ" صفة لـ "فِئَةٍ" فيحكم على موضعها بالجر لفظاً وبالرفع معنى، لأن "مِنْ" مزيدة فيها، ثم قال: {وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُنتَصِرِينَ} أي الممتنعين مما نزل من الخسف، يقالك نصره من عدوه فانتصر أي: منعه فامتنع.

ابو السعود

تفسير : {فَخَرَجَ عَلَىٰ قَوْمِهِ} عطفٌ على قال وما بـينهما اعتراضٌ. وقولُه تعالى: {فِى زِينَتِهِ} إمَّا متعلقٌ بخرجَ أو بمحذوفٍ هو حالٌ من فاعلِه أي فخرجَ عليه كائناً في زينتِه. قيل خرجَ على بغلةٍ شهباء عليه الأرُجوانُ وعليها سرجٌ من ذهبٍ ومعه أربعةُ آلافٍ على زيِّه. وقيلَ: عليهم وعلى خيولِهم الدِّيباجُ الأحمرُ وعن يمينهِ ثلاثمائةُ غلامً وعن يسارِه ثلاثمائةُ جاريةٍ بـيضٍ عليهنَّ الحليُّ والدِّيباجُ وقيل: في تسعينَ ألفاً عليهن المُعصفراتُ وهو أولُ يومٍ رُئيَ فيه المُعصفرُ. {قَالَ ٱلَّذِينَ يُرِيدُونَ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا} من المؤمنين جرياً على سَنَنِ الجبلَّةِ البشريةِ من الرغبةِ في السَّعةِ واليسارِ. {يٰلَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَـٰرُونُ} وعن قَتَادةَ أنَّهم تمنَّوه ليتقربُوا به إلى الله تعالى وينفقُوه في سُبُلِ الخيرِ وقيل: كان المتمنَّون قوماً كفَّاراً {إِنَّهُ لَذُو حَظّ عَظِيمٍ} تعليلٌ لتمنيَّهم وتأكيدٌ له. {وَقَالَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ} أي بأحوالِ الدُّنيا والآخرةِ كَما ينبغي وإنَّما لم يُوصفوا بإرادةِ ثوابِ الآخرةِ تنبـيهاً على أنَّ العلَمِ بأحوال النَّشأتينِ يقتضِي الإعراضَ عنِ الأُولى والإقبالَ على الثَّانيةِ حتماً وأنَّ تمنِّي المتمنين ليس إلا لعدمِ علمِهم بهما كما ينبغِي {وَيْلَكُمْ} دعاءٌ بالهلاكِ شاعَ استعمالُه في الزَّجرِ عمَّا لا يُرتضَى {ثَوَابُ ٱللَّهِ} في الآخرةِ {خَيْرٌ} ممَّا تتمنَّونه {لّمَنْ ءامَنَ وَعَمِلَ صَـٰلِحاً} فلا يليقُ بكم أنْ تتمنَّوه غيرَ مكتفين بثوابِه تعالى {وَلاَ يُلَقَّاهَا} أي هذه الكلمةَ التي تكلَّم بها العلماءُ أو الثَّوابَ فإنَّه بمعنى المثْوبةِ أو الجنَّةِ أو الإيمانِ والعملِ الصَّالحِ، فإنَّهما في معنى السِّيرةِ والطَّريقةِ {إِلاَّ ٱلصَّـٰبِرُونَ} أي على الطَّاعاتِ وعن الشَّهواتِ. {فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ ٱلأَرْضَ} رُوي أنَّه كان يُؤذي مُوسى عليه السَّلام كلَّ وقتٍ وهو يداريهِ لقرابتِه حتَّى نزلتِ الزَّكاةُ فصالحَه عن كلِّ ألفٍ على واحدٍ فحسبه فاسكتثرَه فعَمدَ إلى أنْ يفضحَ موسى عليه السَّلام بـين بني إسرائيلَ فجعل لبغيَ من بَغَايا بني إسرائيلَ ألفَ دينارٍ وقيل: طَشتاً من ذهبٍ مملوءةٍ ذهباً فلما كان يومُ عيدٍ قام مُوسى عليه السَّلام خطيباً فقال من سرق قطعناهُ ومن زنَى غيرَ محصنٍ جلدناهُ ومن زنَى محصناً رجمناهُ فقال قارونُ ولو كنتَ قال ولو كنتُ قال إنَّ بني إسرائيلَ يزعمُون أنَّك فجرت بفلانةٍ فأحضرت فناشدها عليه السَّلام أنُ تصدقَ فقالت: جعل لي قارونُ جُعْلاً على أنْ أرميك بنفسي فخرَّ مُوسى ساجداً لربِّه يبكي ويقول يا ربُّ إنْ كنتُ رسولَك فاغضبْ لي فأُوحي إليه أنْ مرِ الأرضَ بما شئت فإنَّها مطيعةٌ لك فقال يا بني إسرائيلَ إنَّ الله بعثني إلى قارونَ كما بعثني إلى فرعونَ فمن كان معه فليلزم مكانَه ومن كان معي فليعتزلْ عنه فاعتزلُوا جميعاً غيرَ رجلينِ ثم قال يا أرضُ خُذيهم فأخذتهُم إلى الرُّكبِ ثم قال خُذيهم فأخذتُهم إلى الأوساطِ ثم قال خُذيهم فأخذتْهُم إلى الأعناقِ وهم يُناشدونَهُ عليه الصَّلاة والسَّلام بالله تعالى وبالرَّحِم وهو لا يلتفتُ إليهم لشدَّةِ غيظِه ثم قال خُذيهم فانطبقتْ عليهم فأصبحتْ بنُو إسرائيلَ يتناجَون فيما بـينهم إنَّما دعا عليه موسى عليه الصَّلاة والسَّلام ليستبدَّ بدارِه وكنوزِه فدعا الله تعالى حتى خُسفَ بدارِه وأموالِه {فَمَا كَانَ لَهُ مِن فِئَةٍ} جماعةٍ مشفقةٍ {يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ ٱللَّهِ} بدفع العذابَ عنه {وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُنتَصِرِينَ} أي الممتنعين منه بوجهٍ من الوجوهِ يقال نصره من عدِّوه فانتصَر أي منعه فامنتَع.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {فَخَرَجَ عَلَىٰ قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ} [الآية: 79]. قال ابن عطاء رحمة الله عليه: أزين ما تزين به العبد المعرفة ومن نزلت درجاته عن درجات العارفين فأزين ما تزين به طاعة ربه ومن تزَّين بالدنيا فهو مغرور فى زينته. سمعت عبد الله الرازى يقول: سمعت أبا عثمان يقول وقد سأله رجل فى مجلسه: أى الزينة أجمل؟ قال: الأخلاق الجميلة لو كان يفوقها شىء لزين بها حبيبه حيث قال: {أية : وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ}تفسير : [القلم: 4].

القشيري

تفسير : قوله جلّ ذكره: {فَخَرَجَ عَلَىٰ قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ ٱلَّذِينَ يُرِيدُونَ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا يٰلَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَآ أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ}. تمنَّى مَنْ رآه مِمَّن كان في حُبِّ الدنيا ساواه أَنْ يُعْطِيَه اللَّهُ مِثْلَ ما أعطاه. أَمَّا مَنْ كان صاحياً عن خمار غفلته، مُتَيَقِّظاً بنور بصيرته فكان موقفُهم:- {وَقَالَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ ٱللَّهِ خَيْرٌ لِّمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً وَلاَ يُلَقَّاهَآ إِلاَّ ٱلصَّابِرُونَ}. وبعد أن كان ما كان، وخسفنا به وبداره الأرضَ قال هؤلاء: {لَوْلاۤ أَن مَّنَّ ٱللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لاَ يُفْلِحُ ٱلْكَافِرُونَ}. مَنَّ اللَّهُ علينا فلم نَنْجَرِفْ في نَهْجِه، ولم ننخرط في سِلْكِه، وإذاً لَوَقَعَ بنا الهلاكِ. أَمَّا المُتَمَنُّون مكانَه فقد نَدِمُوا، وأمّا الراضون بقسمته - سبحانه - فقد سَلِمُوا؛ سَلِمُوا في العاجل إلى أَنْ تَظْهرَ سعادتُهم في الآجل.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {فَخَرَجَ عَلَىٰ قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ} بين سبحانه هذه الأية شان قارون وخروجه بالزينة على اهله وهلاك من يخرج على اولياء الله بالدعاوى الباطلة والكبر والريسة لا محالة يسقط من عيون الخلق وقلوبهم بعد سقوطه من عين الحق ويخسف انوار ايمانه فى قلبه لا يرى اثرها بعد ذلك واصل الزينة عند العارفين وجوه مغفرة بالتراب عليها أثار دموع الشوق والمحبة ساجدة على باب الربوبية قال ابن عطا ازين ما تزين به طاعة ربه ومن تزين بالدّنيا فهو معروف فى زينته.

اسماعيل حقي

تفسير : {فخرج على قومه} عطف على قال ومابينهما اعتراض وقوله {فى زينته} اما متعلق بخرج او بمحذوف هو حال من فاعله اى كائنا فى زينته والمراد الزينة الدنيوية من المال والاثاث والجاه يقال زانه كذا وزينه اذا اظهر حسنه اما بالفعل او بالقول. قيل خرج قارون يوم السبت وكان آخر يوم من عمره على بغلة شهباء عليه الارجوان يعنى قطيفة ارغوانى وعليها سرج من ذهب ومعه اربعة آلاف على زيه. وقال بعضه ومعه تسعون الفا عليهم المعصفرات وهو اول يوم رؤى فيه اللباس المعصفر وهو المصبوغ بالعصفر وهو صبغ احمر معروف وقد نهى الرجال عن لبس المعصفر لانه من لباس الزينة واسباب الكبر ولان له رائحة لاتليق بالرجال واصل الزينة عند العارفين وجوه مسفرة عليه آثار دموع الشوق والمحبة ساجدة على باب الربوبية. قال ابن عطاء ازين ماتزين به العبيد المعرفة ومن نزلت درجاته عن درجات العارفين فازين ماتزين به طاعة ربه ومن تزين بالدنيا فهو مغرور فى زينته: قال الحافظ شعر : قلندران حقيقت به نيم جو نخرند قباى اطلس آنكس كه ازهنرعاريست تفسير : وفى المثنوى شعر : افتخار از رنك وبو واز مكان هست شادى وفريب كودكان تفسير : وقال الشيخ العطار رحمه الله شعر : همجو طفلان منكر اندرسرخ وزرد جون زنان مغرور رنك وبومكرد تفسير : وقال الشيخ السعدى شعر : كراجامه باكست وسيرت بليد در دوزخش را نبايد كليد تفسير : وقال المولى الجامى شعر : وصلش مجودر اطلس شاهى كه دوخت عشق اين جامه برتنى كه نهان زير زنده بود تفسير : {قال الذين يريدون الحياة الدنيا} من بنى اسرائيل جريا على سنن الجبلة البشرية من الرغبة فى السعة واليسار {ياليت لنا مثلن مااوتى قارون} [ياقوم كاشكى بودى مارا ازمال همجنانكه قارونرا دادند]. وقيل ياليت يامتمناى تعالى فهذا اوانك تمنوا مثله لاعينه حذرا من الحسد فدل على انهم كانوا مؤمنين {انه لذو حظ عظيم} لذو نصيب وافر من الدنيا. قال الراقب الحظ النصيب المقدر وهو تمنيهم وتأكيد له، قال فى كشف الاسرار [فائدة اين آيت آنست كه رب العالمين خبر ميدهد مارا كه مؤمن نبايدكه تمنى كند آنجه طغيان در آنست از كثرت مال وذلك قوله {أية : ان الانسان ليطغى ان رأه استغنى}تفسير : بلكه ازخداى عز وجل كفاف خواهد دردنيا وبلغه عيش جنانكه درخبرست] (اللهم اجعل رزق آل محمد كفافا) وفى الحديث "حديث : اللهم من احبنى فارزقه العفاف والكفاف ومن ابغضنى فارزقه مالا وولدا"تفسير : وفى الحديث "حديث : طوبى لمن هدى الى الاسلام وكان عيشه كفافا وقنع به"تفسير : : قال الحافظ شعر : كنج زر كرنبود كنج قناعت باقيست آنكه آن داد بشاهان بكدايان اين داد تفسير : وقال شعر : همايى جون توعا ليقدر حرص استخوان حيفست دريغا سايه همت كه برنا اهل افكندى درين بازار اكر سوديست بادرويش خرسندست الهى منعم كردان بدرويشى وخرسندى تفسير : وقال المولى الجامى شعر : هر سفله بى بكنج قناعت كجابرد اين نقد در خزنيه ارباب همتست تفسير : وقال الشيخ السعدى شعر : نير زد عسل جان من زخم نيش قناعت نكوتر بدوشاب خويش تفسير : وفى التأويلات النجمية انما وقع نظرهم على عظمة الدنيا وزينتها لا على دناءتها وخساستها وهوانها وقلة متاعها لانهم اغتذوا بغذاء شبل حب الدنيا وزينتها المتولد من اسود ظلمات صفات النفس بعضها فوق بعض فهم ينظرون بنظر ظلمات صفات النفس بعد ان كانوا ينظرون بنظر نور صفات القلب يبصرون عزة الآخرة وعظمتها وخسة الدنيا وهوانها فان الرضاع يغير الطباع

ابن عجيبة

تفسير : قلت: (في زينته): حال، {ويْكَأنه}: مذهب الخليل وسيبويه: أن "وي": حرف تنبيه منفصلة عن كَأَنَ، لكن أضيفت لكثرة الاستعمال. وقال أبو حاتم وجماعة: "ويك" هي "ويلك"؛ حذفت اللام منها؛ لكثرة الاستعمال. وقالت فرقة: "ويكأن" بجملتها كلمة. قاله الثعلبي، وقال البيضاوي: ويكأن، عند البصريين، مركب من "وي"؛ للتعجب، و "كأن"، للتشبيه. هـ. وقال سيبويه: "وي": كلمة تنبيه على الخطأ وتَنَدُّمٍ، يستعملها النادم لإظهار ندامته. يقول الحق جل جلاله: {فخرج} قارونُ {على قومه في زينته}، قال جابر: كانت زينته القرمز، وهو صبغ أحمر معروف. قيل: إنه خرج في الحمرة والصفرة، وقيل: خرج يوم السبت على بغلة شهباء، عليها الأرْجُوان، وعليها سرج من ذهب، ومعه أربعة آلاف على زيه، وقيل: عليهم وعلى خيولهم الديباج الأحمر، وعن يمينه ثلاثمائة غلام، وعن يساره ثلاثمائة جارية بيض، عليهن الحليّ والديباج. {قال الذين يُريدون الحياةَ الدنيا}، قيل: كانوا مسلمين، وإنما تمنوا، على سبيل الرغبة في اليسار، كعادة البشر، وقيل: كانوا كفاراً، ويرده قوله: {لولا أن مَنّ الله علينا..} إلخ. {يا ليت لنا مِثْلَ ما أُوتي قارونُ} من المال والجاه، قالوه؛ غِبْطَةً. والغابط هو الذي يتمنى مثل نعمة صاحبه، من غير أن تزول عنه، والحاسد هو الذي يتمنى أن تكون نعمة صاحبه له، دونه. وهو كقوله تعالى: {أية : وَلاَ تَتَمَنَّوْاْ مَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ}تفسير : [النساء:32]، وقيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: هل تضر الغبطة؟ فقال: "حديث : لا..." تفسير : الحديث. {إنه لذو حظٍ عظيم} من الدنيا، والحظ: الجَدُّ، وهو البخت والدولة. {وقال الذين أُوتوا العلمَ} بالثواب والعقاب وفناء الدنيا، أو: أتوا العلم بالله، فيؤخذ منه: أن متمني الدنيا جاهل ولو كان أعلم الناس؛ إذ لا يتمناها إلا المحب لها، وهي رأس الفتنة. فأيّ علم يبقى مع فتنة الدنيا؟! قالوا في وعظهم لغابطي قارون: {وَيْلَكُمْ}؛ هلاكاً لكم، فأصل ويلك: الدعاء بالهلاك، ثم استعمل في الزجر والردع على ترك ما لا يرضى. وقال في التبيان في إعراب القرآن: هو مفعول بفعل محذوف، أي: ألزمتكم الله ويلكم، {ثوابُ الله} في الآخرة، {خير لمن آمن وعَمِلَ صالحاً} مما أوتي قارون، بل من الدنيا وما فيها، {ولا يُلقَّاها} أي: لا يلقى هذه الكلمة التي تكلم بها العلماء، وهي ثواب الله خير، {إلا الصابرون}. أو: لا يلقى هذه القوة والعزيمة في الدين إلا الصابرون على الطاعات وعن الشهوات وزينة الدنيا. وفي حديث الترمذي: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : من ترك اللباس - أي: الفاخر -؛ تواضعاً لله تعالى، وهو يَقْدِرُ عليه، دعاهُ الله على رؤوس الخلائق، حتى يُخَيِّره من أي حُلل الإيمانِ شاء يَلْبَسُهَا"تفسير : . وفيه أيضاً عنه عليه الصلاة والسلام: "حديث : لَيْسَ لابن آدَمَ حقٌّ في سوى هذِهِ الخِصَال؛ بيتٌ يَسْكُنُهُ، وَثَوْبٌ يُوَارِي عَوْرَتَه، وجلَف الخُبْزِ وَالْمَاءِ"تفسير : . أي: ليس معه إدام. قال تعالى: {فخسفنا به}؛ بقارون {وبداره الأرض}، كان قارون يؤدي موسى عليه السلام كل وقت، وهو يداريه؛ للقرابة التي بينهما، حتى نزلت الزكاة، فصالحه: على كل ألف دينار دينارٌ، وعلى كل ألف درهم درهمٌ، فحاسبه فاستكثره، فشحت به نفسه، فجمع بني إسرائيل، وقال له: قد أطعتم موسى في كل شيء، وهو الآن يريد أن يأخذ أموالكم، فقالوا: أنت كبيرنا فَمُرنا بما شئت، قال: نجعل لفلانة البغي جُعْلاً حتى تقذف موسى بنفسها، فيرفضه بنو إسرائيل، فجعل لها ألف دينار، أو: طستاً من ذهب، فلما كان يوم عيد قام موسى خطيباً، فقال: من سرق قطعنا يده، ومن افترى جلدناه ثمانين، ومن زنى وليس له امرأة جلدناه مائة، ومن زنى وله امرأة رجمناه، فقال قارون: وإن كنتَ أنتَ؟ قال: وإن كنتُ أنا، قال: فإن بني إسرائيل يزعمون أنك فجرت بفلانة، فأحضرت، فناشدها بالذي خلق البحر وأنزل التوراة أن تصدق، فقالت: جعل لي قارون جُعلا على أن أقذفك بنفسي، فخرَّ موسى ساجداً يبكي، وقال: اللهم إن كنتُ رسولَك فاغضبْ لي، فأوحى الله تعالى إليه: مُر الأرض بما شئت فيه، فإنها مطيعة لك، فقال: يا بني إسرائيل: إن الله بعثني إلى قارون كما بعثني إلى فرعون، فمن كان معه فليلزم مكانه، ومن كان معي فليعتزل، فاعتزلوا جميعاً غير رَجُلَيْن. ثم قال: يا أرض خذيهم، فأخذتهم إلى الأوساط، ثم قال: خذيهم، فأخذتهم إلى الأعناق، وقارونُ وأصحابه يتضرعون إلى موسى، ويناشدونه بالله وبالرحم، وموسى لا يلتفت إليهم؛ لشدة غضبه، ثم قال: خذيهم، فانطبقت عليهم. فقال الله تعالى: يا موسى؛ استغاث بك مراراً فلم ترحمه، فوعزتي لو استرحمني مرة لرحمته. رُوي أنه يخسف كل يوم قامة، فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة، فقال بعض بني إسرائيل: إنما أهلكه ليرث داره وكنوزه، فدعى الله تعالى فخسف بداره وكنوزه، وأوحى الله تعالى إلى موسى: إني لا أُعَبِّدُ الأرض أحداً بعدك أبداً، أي: لا آمرها تطيع أحداً بعدك. {فما كان له من فئة}؛ جماعة {ينصرونه من دون الله}؛ يمنعونه من عذاب الله {وما كان من المنتصرين} من عذاب الله، أو: من المنتقمين من موسى. {وأصبح} أي: وصار {الذين تمنَّوا مكانَه} أي: منزلته من الدنيا {بالأمس}: متعلق بتمنوا. ولم يُرد به اليوم الذي قبل يومك، ولكن الوقت القريب، استعارة. {يقولون ويْكأنّ الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدرُ} أي: أعجب مما صنع بقارون؛ لأن الله يبسط الرزق لمن يشاء، وهو عنده ممقوت، {ويقدر} أي: يضيقه على من يشاء، وهو عنده محبوب. {لولا أن مَنَّ الله علينا}؛ بصرف ما كنا نتمناه بالأمس، {لخسف بنا} معه، كما فعل بالرجلين {ويْكأنه لا يُفلح الكافرون} أي: اعجب لعدم فلاح الكافرين. قال الرضي: كأنه المخاطب كان يدعي أنهم يفلحون، فقال له: عجباً منك، فسئل: لم تتعجب منه؟ فقال: إنه لا يفلح الكافرون، فحذف حرف الجار. وقال ابن عزيز: ويكأن الله معناه. ألم تر أن الله. واقتصر عليه البخاري. والله تعالى أعلم. الإشارة: في الآية ترهيب من التعمق في زينة الدنيا، والتكاثر بها. ومن تمنى ما لأربابها من غرور زخرفها، وترغيب في الزهد فيها، وإيثار الفقر على الغنى، والتبذل والتخشن على ملاذ ملابسها ومطاعمها. قال الشيخ العارف؛ سيدي عبد الرحمن بن يوسف اللجائي في كتابه: اعلم أن الدنيا إذا عظمت وجلّت في قلب عبد، فإن ذلك العبد يعظم قدر من أقبلت عليه الدنيا، ويتمنى أن ينال منها ما نال، فإن كل إنسان يعظم ما اشتهت نفسه. وهذه صفة عبيد الدنيا، وعبيد أهوائهم. وهي صفة من أسكرته الغفلة، وخرجت عظمة الله عز وجل من قلبه، وإلى هذه الإشارة بقوله تعالى: {قال الذين يريدون الحياة الدنيا...} الآية. فكل محب للدنيا، مستغرق في حبها، فهو لاحق بالذين تمنوا زينة قارون. واعلم أن الدنيا إذا رسخت في القلب، واستوطنت، ظهر ذلك على جوارح العبد، بتكالبه عليها، وشدة رغبته فيها، فيسلبه الله تعالى لذة القناعة، ويمنعه سياسة الزاهدين، ويبعده عن روح العارفين؛ فإن القلب إذا لم يقنع ـ لو ملك الدنيا بحذافيرها ـ لم يشبع. وقال بعض الحكماء: القناعة هي الغنى الأكبر، ولن تخفى صفة القانعين. هـ. ومآل الراغبين في الدنيا هو مآل قارون، من الفناء والذهاب تحت التراب، وأنشدوا: شعر : إنْ كُنْتَ تَسّمُوِ إِلَى الدُّنْيا وَزِينَتِهَا فَانْظُرْ إِلى مَالِكَ الأَمْلاَكِ قَارُونِ رَمَّ الأُمُورَ فَأَعْطَتْهُ مَقَادتَهَا وَسَخَّرَ النَّاسَ؛ بِالتَّشْدِيدِ وَاللِّينِ حَتَّى إِذَا ظَنَّ أَلاَّ شَيءَ غَالِبُه وَمُكِّنَتْ قَدَمَاهُ أَيَّ تَمْكِينِ رَاحَتْ عَلَيْهِ الْمَنَايَا رَوْحَةً تَرَكَتْ ذَا المُلْكِ والْعِزِّ تَحْتَ الْمَاءِ وَالطِّينِ تفسير : ثم ذكر عاقبة المتواضعين، فقال: {تِلْكَ ٱلدَّارُ ٱلآخِرَةُ نَجْعَلُهَا...}.

الجنابذي

تفسير : {فَخَرَجَ عَلَىٰ قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ} قيل: انّه خرج على بغلة شهباء عليه الارجُوان وعليها سرج من ذهب ومعه اربعة آلافٍ على زيّه {قَالَ ٱلَّذِينَ يُرِيدُونَ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا يٰلَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَآ أُوتِيَ قَارُونُ} كما هو عادة اهل الدّنيا فى كلّ زمان {إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ} كان ما هو فيه فى نظرهم من اعظم النّعم لغفلتهم عن انّه مستعقب للزّوال والعقاب وحرمان ما اعدّه الله لعباده فى الآخرة.

الهواري

تفسير : قوله: {فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ} يعني قارون {فِي زِينَتِهِ} قال الكلبي: خرج وعليه ثياب حمر مصبوغة بالأرجوان على بغلة بيضاء. وقال الحسن: خرج في صنوف ماله من درّ وذهب وفضة، وقيل: خرج في الحمرة والصفرة. {قَالَ الذِينَ يُرِيدُونَ الحَيَاةَ الدُّنْيَا} أي: المشركون الذين لا يُقِرُّونَ بالآخرة: {يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَآ أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ} أي: لذو نصيب واف. {وَقَالَ الذِينَ أُوتُوا العِلْمَ} وهم المؤمنون للمشركين {وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللهِ} أي: جزاء الله، أي: الجنة {خَيْرٌ لِّمَنْ ءَامَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً} مما أوتي قارون، {وَلاَ يُلَقَّاهَآ} [أي: يعطاها، أي: الجنة] {إِلاَّ الصَّابِرُونَ} أي: العاملون بطاعة الله، وهم المؤمنون. قال الله: {فَخَسَفْنَا بِهِ} أي: بقارون {وَبِدَارِهِ} أي: وبمسكنه {الأَرْضَ} فهو يخسف به كل يوم قامة إلى أن تقوم الساعة. {فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللهِ وَمَا كَانَ مِنَ المُنتَصِرِينَ} أي: من الممتنعين من عذاب الله. قوله: {وَأَصْبَحَ الذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللهَ} [أي: إن الله] {يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلآ أَن مَّنَّ اللهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّه لاَ يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ} [اي: وإنه لا يفلح الكافرون]. بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لرجل يكلمه في شيء: "حديث : وَيْكَأَنَّكَ لم تكن لتفعله". تفسير : وقال بعضهم: {وَيْكَأَنَّ اللهَ} أي: ولكن الله، {وَيْكَأَنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ} أي: ولكنه لا يفلح الكافرون.

اطفيش

تفسير : {فَخَرَجَ} قارون. {عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ} حال من ضمير خرج أي متغمرا في زينته وزينة المركب والملابس والجواري والغلمان وما تحتاج اليه الجواري والغلمان من مركب وملبس ومر بذلك كله على قومه فذلك خروجه عليهم وقيل على بمعنى في أي خرج في جملة قومه وقيل خرج عليهم في زينته من اتباع وجوار وغلمان ومراكب وملابس وروي انه خرج هو وقومه وهم سبعون الف عليهم الثياب الحمر والصفر والمعصفرات وقال مجاهد خرج على براذين بيض على سرج الأرجوان وعليها المعصفرات وكان ذلك اول يوم ظهرت المعصفرات على ما كان أبيّ يذكر لنا وقال مقاتل: خرج على بغلة شهباء على سرج من ذهب وعليه الأرجوان ومعه ستمائة رجل عليهم الثياب الحمر على البغال الشهب وفي رواية عنه اربع مائة رجل عليهم وعلى دوابهم الأرجوان قيل ومعه ثلاثمائة جارية بيضاء عليهن الحلي والثياب الحمر على البغال الشهت وقيل خرج على بغلة شهباء عليه الأرجوان وعليها سرج من ذهب ومعه اربعة آلاف على زيه وقيل عليهم وعلى خيولهم الديباج الأحمر وعلى يمينه ثلاثمائة غلام وعلى يساره وثلاثمائة جارية بيض عليهم الحلي والديباج وقيل في تسعين الفا عليهم المعصفر. {قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الحَيَٰوةَ الدُّنْيَا} وهم المشركون قاله الشيخ هود رحمه الله وينافيه قولهم بعد ذلك. {أية : ويكأن الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر، لولا أن مّن الله علينا لخسف بنا ويكأنه لا يفلح الكافرون }تفسير : وقد يجاب بأنهم قالوا ذلك بعد التوبة لما رأوا وكان شركهم بانكار نبي او غيره لا بإنكار الله وان الكافرين الذين لا يفلحون من طغي بالنعمة على العباد مع انه يحتمل ان يكون قوله {ويكأنه لا يفلح الكافرون} ليس من كلامهم وقيل الذين يريدون الحياة الدنيا قوم مسلمون تمنوا مثل ما أوتي قارون على سبيل الرغبة في البأس والغنى كما هو عادة البشر وعن قتادة: تمنوا ليتقربوا به الى الله وينفقوه على سبيل الخير وذلك اغتباط وهو ان يتمنى الانسان مثل ما لغيره من غير ان يحب زواله عن غيره وهذا جائز والحسد تمني زواله الى نفسه او الى غيره اولا الى احد وهو محرم قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم هل يضر الغبط؟ فقال: "حديث : لا إلا كما يضر الحظ والبخت ". تفسير : {يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظًّ عَظِيمٍ} الحظ النصيب والجد والبخت والدولة.

اطفيش

تفسير : {فخَرجَ} عطف على قال، وليس الترتيب باتصال، والله أعلم بل المراد التسبب {على قومه} فى عيد أو سبت {فى زينتِهِ} حال من ضمير خرج، لا متعلق بخرج، إذ لا معنى للخروج فيها إلا على معنى فى حال التزين بزينته، وهى أربعة آلاف دابة له ولحشمه، عليهم ثياب حرير حمر بأرجوان، ومنها ألف بغلة بيضاء عليها قطائف الأرجوان، وقيل: سبعون ألفا وعليهم المعصفرات، قيل: هى أول ما اتخذت، وقيل: بغلة بيضاء عليها الأرجوان وسرج من ذهب، وأربعة آلاف خادم عليهم، وعلى خيولهم الحرير الأحمر، وثلاثمائة غلام عن يمينه، وثلاثمائة جارية بيضاء عن يساره، وعليهم الحلى والديباج الأحمر سروج من ذهب، على بغال بيض، والسنة اختيار اللباس الأبيض، وكان بنو العباس يلبسون السواد شعار لهم، وسموا لذلك المسوّدة وأصحابنا رحمهم الله يذكرون المسودة، ويريدون مطلق الأكثرين من الأشعرية لكثرتهم، لا خصوص بنى العباس. {قال الَّذين يريدُون الحياة الدُّنيا} من أهل التوحيد وأهل الشرك. {يا ليت لنا مِثْل ما أوتى قارُون} من المال، وذلك غبطة، وهى لا تضر إلا أنها قد تقوى فتؤدى الى الحسد، والحسد لا ذنب فيه ما لم يعمل به، إلا أنه يفضى الى العمل به، إن لم يعالج، وقيل فى الغبطة ضرر دون ضرر الحسد، على أن فى الحسد ضرراً قيل: يا رسول الله هل يضر الغبط؟ قال: "حديث : لا إلاَّ كما يضر العضاة الخبط"تفسير : وذلك نفى للضر، لأن الخبط ينفع العضاة، واعترض بأنه قد يضرها، فيكون المعنى كراهة الغبطة لئلا توقع فى الضر، وقيل تمناه المؤمنون ليصرفون فى الآخرة، ويرده قوله تعالى: "أية : وقال الذين أوتوا العلم"تفسير : [القصص: 80] إلخ {إنَّه لذُو حظٍّ عظِيم} نصيب عظيم من الجاه والشرف والمال.

الالوسي

تفسير : {فَخَرَجَ عَلَىٰ قَوْمِهِ } عطف على {أية : قَالَ} تفسير : [القصص: 78] وما بينهما اعتراض، وقوله تعالى: {فِى زِينَتِهِ } إما متعلق بخرج أو بمحذوف هو حال من فاعله أي فخرج عليهم كائناً في زينته. قال قتادة: ذكر لنا أنه خرج هو وحشمه على أربعة آلاف دابة عليهم ثياب حمر منها ألف بغلة بيضاء وعلى دوابهم قطائف الأرجوان. وقال السدي: خرج في جوار بيض على سروج من ذهب على قطف أرجوان وهن على بغال بيض عليهن ثياب حمر وحلي ذهب، وقيل: خرج على بغلة شهباء عليها الأرجوان وعليها سرج من ذهب ومعه أربعة آلاف خادم عليهم وعلى خيولهم الديباج الأحمر وعلى يمينه ثلثمائة غلام وعلى يساره ثلثمائة جارية بيض عليهن الحلي والديباج. / وأخرج ابن أبـي حاتم عن زيد بن أسلم أنه خرج في سبعين ألفاً عليهم المعصفرات، وكان ذلك أول يوم في الأرض رؤيت المعصفرات فيه، وقيل غير ذلك من الكيفيات، وكان ذلك الخروج على ما قيل يوم السبت. {قَالَ ٱلَّذِينَ يُرِيدُونَ ٱلْحَيَٰوةَ ٱلدُّنْيَا يٰلَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِىَ قَـٰرُونُ } قيل كانوا جماعة من المؤمنين، وقالوا ذلك جرياً على سنن الجبلة البشرية من الرغبة في السعة واليسار. وعن قتادة أنهم تمنوا ذلك ليتقربوا به إلى الله تعالى وينفقوه في سبيل الخير، ولعل إرادتهم الحياة الدنيا ليتوصلوا بها للآخرة لا لذاتها فإن إرادتها لذاتها ليست من شأن المؤمنين، وقيل: كانوا كفاراً ومنافقين، وتمنيهم مثل ما أوتي دونه نفسه من باب الغبط ولا ضرر فيه على المشهور، وقيل: ضرره دون ضرر الحسد «حديث : فقد قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم هل يضر الغبط؟ فقال: لا إلا كما يضر العضاة الخبط» تفسير : وفي «الكشف» الظاهر أنه نفي للضرر على أبلغ وجه فإن الشجر ربما ينتفع بالخبط فضلاً عن التضرر، وفيه أنه قد يفضي إلى الضرر إشارة إلى متعلق الغبط من ديني أو دنيوي، وقائل ذلك إن كان الكفرة ففيه من ذم الحسد ما فيه {إِنَّهُ لَذُو حَظّ عَظِيمٍ } قال الضحاك: أي درجة عظيمة، وقيل نصيب كثير من الدنيا، والحظ البخت والسعد، ويقال: فلان ذو حظ وحظيظ ومحظوظ، والجملة تعليل لتمنيهم وتأكيد له.

ابن عاشور

تفسير : عطف على جملة {أية : وآتيناه من الكنوز}تفسير : [ القصص: 76] إلى آخرها مع ما عطف عليها وتعلق بها، فدلت الفاء على أن خروجه بين قومه في زينته بعد ذلك كله كان من أجل أنه لم يقصر عن شيء من سيرته ولم يتعظ بتلك المواعظ ولا زمناً قصيراً بل أعقبها بخروجه هذه الخرجة المليئة صلفاً وازدهاء. فالتقدير: قال إنما أوتيته على علم عندي فخرج، أي رفض الموعظة بقوله وفعله. وتعدية (خرج) بحرف {على} لتضمينه معنى النزول إشارة إلى أنه خروج متعال مترفِّع، و {في زينته} حال من ضمير (خرج). والزينة: ما به جمال الشيء والتباهي به من الثياب والطيب والمراكب والسلاح والخدم، وتقدم قوله تعالى {أية : ولا يُبْدين زينتهن}تفسير : في سورة [النور: 31]. وإنما فصلت جملة {قال الذين يريدون الحياة الدنيا} ولم تعطف لأنها تتنزل منزلة بدل الاشتمال لما اشتملت عليه الزينة من أنها مما يتمناه الراغبون في الدنيا. وذلك جامع لأحوال الرفاهية وعلى أخصر وجه لأن الذين يريدون الحياة الدنيا لهم أميال مختلفة ورغبات متفاوتة فكل يتمنى أمنية مما تلبس به قارون من الزينة، فحصل هذا المعنى مع حصول الأخبار عن انقسام قومه إلى مغترين بالزخارف العاجلة عن غير علم، وإلى علماء يؤثرون الآجل على العاجل، ولو عطفت جملة {قال الذين يريدون} بالواو وبالفاء لفاتت هذه الخصوصية البليغة فصارت الجملة إما خبراً من جملة الأخبار عن حال قومه، أو جزء خبر من قصته. و {الذين يريدون الحياة الدنيا} لما قوبلوا بـــ{أية : الذين أوتوا العلم}تفسير : [القصص: 80] كان المعنيُّ بهم عامة الناس وضعفاء اليقين الذين تلهيهم زخارف الدنيا عما يكون في مطاويها من سوء العواقب فتقصر بصائرهم عن التدبر إذا رأوا زينة الدنيا فيتلهفون عليها ولا يتمنون غير حصولها فهؤلاء وإن كانوا مؤمنين إلا أن إيمانهم ضعيف فلذلك عظم في عيونهم ما عليه قارون من البذخ فقالوا {إنه لذو حظ عظيم} أي إنه لذو بخت وسعادة. وأصل الحظ: القِسم الذي يعطاه المقسوم له عند العطاء، وأريد به هنا ما قسم له من نعيم الدنيا. والتوكيد في قوله {إنه لذو حظ عظيم} كناية عن التعجب حتى كأن السامع ينكر حظه فيؤكده المتكلم.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 79- لم يعبأ قارون بنصح قومه، وخرج عليهم فى زينته، فاغتر به الذين يحبون متاع الحياة الدنيا، وتمنوا أن يكون لهم مثل ما أُعطى قارون من المال والحظ العظيم فى الحياة. 80- أما الذين رزقهم الله العلم النافع فلم يفتنهم ذلك، وتوجهوا بالنصح للمفتونين قائلين لهم: لا تتمنوا هذا ولا تنصرفوا عن الدين، فإن ما عند الله من ثواب ونعيم أزكى لمن آمن به وعمل صالحاً، وتلك نصيحة حقة لا يتقبلها إلا من يجاهدون أنفسهم ويصبرون على الطاعة. 81- فخسف الله به الأرض فابتلعته هو وداره بما فيها من أموال وزينة، فلم يكن له أنصار يمنعونه من عذاب الله، ولم يكن يستطيع أن ينتصر لنفسه. 82- وصار الذين تمنوا منذ وقت قريب منزلته من الدنيا يرددون عبارات التحسّر والندم بعد أن فكروا فيما أصابه! ويقولون: إن الله يوسِّع الرزق على من يشاء من عباده المؤمنين وغير المؤمنين، ويضيِّق على من يشاء منهم، ويقولون شاكرين: لولا أن الله أحسن إلينا بالهداية إلى الإيمان والعصمة من الزلل لامتحننا بإجابة ما تمنيناه، ولفعل بنا مثل ما فعل بقارون. إن الكافرين بنعمة الله لا يفلحون بالنجاة من عذابه. 83- تلك الدار التى سمعت خبرها - أيها الرسول - وبلغك وصفها - وهى الجنة - نخص بها المؤمنين الطائعين الذين لا يطلبون الغلبة والتسلط فى الدنيا، ولا ينحرفون إلى الفساد بالمعاصى، والعاقبة الحميدة إنما هى للذين تمتلئ قلوبهم خشية من الله فيعملون ما يرضيه.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: في زينته: أي لباس الأعياد والحفلات الرسمية. يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون: أي تمنوا أن لو أعطوا من المال والزينة ما أعطي قارون. إنه لذوو حظ عظيم: أي إنه لذو بخت ونصيب وهبه الله إياه في كتاب المقادير. وقال الذين أوتوا العلم: أي اعطوا العلم الديني بمعرفة الله والدار الآخرة وموجبات السعادة والشقاء. ويلكم: أي حضر ويلكم وهلاككم بتمنيكم المال وزخرف الدنيا. ثواب الله خير لمن آمن وعمل صالحاً: أي ما عند الله من جزاء للمؤمنين العاملين الصالحات وهو الجنة خير من حطام الدنيا الفاني. ولا يلقاها إلا الصابرون: أي ولا يوفق لقول هذه الكلمة وهي ثواب الله خير لمن آمن وعمل صالحاً إلا الصابرون على الإِيمان والتقوى. فخسفنا به وبداره الأرض: أي أسخنا الأرض من تحته فساخت به وبداره وكل من كان معه فيها من أهل البغي والإِجرام. تمنوا مكانه بالأمس: أي الذين قالوا يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون فالمراد من المكان المكانة وما عليه قارون من الامارة والزينة والمال والجاه. ويكأنَّ الله يبسط: أي أعجبُ عالماً أن الله يبسط الرزق لمن يشاء. ويقدر: أي يضيّق. ويكأنه لا يفلح الكافرون: أي أعجبُ عالماً أنه لا يفلح الكافرون أي أنهم لا يفوزون بالنجاة من النار ودخول الجنان كما يفوز المؤمنون. معنى الآيات: ما زال السياق في قصص قارون الباغي قال تعالى {فَخَرَجَ عَلَىٰ قَوْمِهِ} أي قارون في يوم عيد أو مناسبة خرج على قومه وهم يشاهدون موكبه {فِي زِينَتِهِ} الخاصة من الثياب والمراكب. قوله تعالى: {قَالَ ٱلَّذِينَ يُرِيدُونَ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا} أي من قوم موسى وهم المفتونون بالدنيا وزخرفها من أهل الغفلة عن الآخرة وما أكثرهم اليوم وقبل وبعد اليوم قالوا ما أخبر الله تعالى به عنهم: {يٰلَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَآ أُوتِيَ قَارُونُ} تمنوا أن يكون لهم مثل الذي أوتي قارون من المال والزينة {إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ} أي بخت ونصيب ورزق {وَقَالَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ} أي الشرعي الديني العالمون بالدنيا والآخرة. وأسباب السعادة والشقاء في كل منهما قالوا ما أخبر تعالى به عنهم في قوله: {وَيْلَكُمْ ثَوَابُ ٱللَّهِ خَيْرٌ لِّمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً} أي ويحكم هلكتم إن كنتم تؤثرون هذا الفاني على الباقي {ثَوَابُ ٱللَّهِ} وهو الجنة خير من هذا الزخرف الفاني {لِّمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً} ولازم ذلك أنه ترك الشرك والمعاصي، وقوله تعالى: {وَلاَ يُلَقَّاهَآ} أي هذه الجملة من الكلام: {ثَوَابُ ٱللَّهِ خَيْرٌ لِّمَنْ آمَنَ} بربه {وَعَمِلَ صَالِحاً} في حياته بأداء الفرائض والنوافل وترك المحرمات والرذائل أي ولا يلقى هذه الكلمة {إِلاَّ ٱلصَّابِرُونَ} من أهل الإِيمان والتقوى هم الذين يلقنهم الله إياها فيقولونها لصفاء أرواحهم وزكاة أنفسهم وقوله تعالى في الآية [81] {فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ ٱلأَرْضَ} يخبر تعالى أنه خسف بقارون وبداره الأرض انتقاماً منه لكفره ونفاقه وبغيه وكبريائه. وقوله تعالى {فَمَا كَانَ لَهُ مِن فِئَةٍ} أي جماعة {يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ ٱللَّهِ} لما أراد الله خذلانه بخسف الأرض به وبداره ومن فيها من أعوانه الظلمة والمجرمين. {وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُنتَصِرِينَ} أي لنفسه فنجاها مما حل بها من الخسف في باطن الأرض التي ما زال يتجلجل فيها إلى يوم القيامة. وقوله تعالى: {وَأَصْبَحَ ٱلَّذِينَ تَمَنَّوْاْ مَكَانَهُ بِٱلأَمْسِ} يخبر تعالى عن الذين قالوا يوم خرج عليهم قارون في زينته يا ليت لنا مثل ما أُوتي قارون يخبر تعالى عنهم أنهم لما شاهدوا الخسف الذي حل بقارون وبداره قالوا ويكأن الله يبسط الرزق لمن يشاء أي نعجب عالمين، أن الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر أي على من يشاء فالبسط والقبض كله لله وبيد الله فما لنا لا نفزع إلى الله نطلب رضاه ولا نتمنى ما تمنيناه وقد أصبح ذَاهباً لا يرى بعين ولا يلمس بيدين، {لَوْلاۤ أَن مَّنَّ ٱللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لاَ يُفْلِحُ ٱلْكَافِرُونَ} أي نعجب أيضاً عالمين بأنه لا يفلح الكافرون كقارون وفرعون وهامان أي لا يفوز الكافرون لا بالنجاة من العذاب ولا بدخول الجنان. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- بيان أن الفتنة أسرع إلى قلوب الماديين أبناء الدنيا والعياذ بالله تعالى. 2- بيان موقف أهل العلم الديني وأنهم رُشَّد أي حكماء يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر. 3- بيان أن البغي يؤخذ به البغاة في الدنيا ويعذبون به في الآخرة. 4- بيان أن وجود الإِيمان خير من عدمه وإن قل وأن ذا الإِيمان أقرب إلى التوبة ممن لا إِيمان له.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلْحَيَاةَ} {يٰلَيْتَ} {قَارُونُ} (79) - وَخَرَجَ قَارُونُ ذَاتَ يومٍ عَلَى قَومِهِ، وَهُوَ في زِينَةٍ عَظِيمَةٍ، وتَجَمُّلٍ بَاهِرٍ، فلما رَآه مَنْ يُريدُ الحَيَاةَ الدُّنيا، وَيمَيلُ إلى زُخُرفِها وزِينَتِها مِنْ قَومِهِ، تَمَنُّوا أَنْ لَوْ كَانُوا يُعطَوْنَ مِثْلِ ما أُعْطِيَ قَارُونُ مِنَ المَالِ، فهوَ ذُو حَظٍّ عظيمٍ وافرٍ في الدُّنيا. في زِينتِه - في مَظَاهِرِ غِنَاهُ وَتَرَفِهِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : قلنا: إن قارون كان بطبيعة الحال غنياً وجيهاً، حَسَن الصوت والصورة، كثير العدد، كثير المال، فكيف لو أضفت إلى هذا كله أن يخرج في زينته وفي موكب عظيم، وفي أبهة {فَخَرَجَ عَلَىٰ قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ ..} [القصص: 79]. وللعلماء كلام كثير في هذه الزينة التي خرج فيها قارون، فقد كان فيها ألف جارية من صفاتهن كذا وكذا، وألف فرس .. إلخ، حتى أن الناس انبهروا به وبزينته، بل وانقسموا بسببه قسمين: جماعة فُتِنوا به، وأخذهم بريق النعمة والزينة والزهو وترف الحياة، ومدُّوا أعينهم إلى ما هو فيه من متعة الدنيا. وفي هؤلاء يقول تعالى: {قَالَ ٱلَّذِينَ يُرِيدُونَ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا يٰلَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَآ أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ} [القصص: 79] وقد خاطب الحق - تبارك وتعالى - نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم بقوله: {أية : وَلاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِّنْهُمْ زَهْرَةَ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا ..} تفسير : [طه: 131]. والمعنى: لا تنظر إلى ما في يد غيرك، واحترم قدر الله في خَلْق الله، واعلم أنك إنْ فرحت بالنعمة عند غيرك أتاك خيرها يطرق بابك وخدمتْك كأنها عندك، وإنْ كرهتها وحسدته عليها تأبَّت عليك، وحُرِمْت نفعها؛ لأن النعمة أعشق لصاحبها من عشقه لها، فكيف تأتيه وهو كاره لها عند غيره؟ لذلك من صفات المؤمن أن يحب الخير عند أخيه كما يحبه لنفسه، وحين لا تحب النعمة عند غيرك، فما ذنبه هو؟ فكأنك تعترض على قدر الله فيه، وما دُمْتَ قد تأبيت واعترضت على قدر المنعم، فلا بُدَّ أن يحرمك منها. لذلك يقول سبحانه في موضع آخر: {أية : وَلاَ تَتَمَنَّوْاْ مَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ..} تفسير : [النساء: 32]. لأن لكل منكم مهمة ودوراً في الحياة، ولكل منكم مواهبه وميزاته التي يمتاز بها عن الآخرين، ولا بُدَّ أن يكون فيك خصال أحسن ممن تحسده، لكنك غافل عنها غير متنبه لها. وسبق أن قلنا: إن الحق سبحانه قد وزَّع أسباب فَضْله على خَلْقه؛ لأننا جميعاً أمام الله سواء، وهو سبحانه لم يتخذ صاحبة ولا ولداً؛ لذلك قلنا: إن مجموع مواهب كل فرد تساوي مجموع مواهب الآخر، فقد تزيد أنت عني في خصلة، وأزيد عنك في أخرى، فهذا يمتاز بالذكاء، وهذا بالصحة، وهذا بالعلم، وهذا بالحِلْم .. إلخ. لأن حركة الحياة تتطلب كل هذه الإمكانيات، فبها تتكامل الحياة، وليس من الممكن أن تتوفر كل هذه المزايا لشخص واحد يقوم بكل الأعمال، بل إنْ تميزْتَ في عملك، وأتقنتَ مهمتك فلك الشكر. ومن العجيب ألاَّ تنتفع أنت بنبوغك، في حين ينتفع به غيرك، ومن ذلك قولهم مثلاً (باب النجار مخلع)، فلماذا لا يصنع باباً لنفسه، وهو نجار؟ قالوا: لأنه الباب الوحيد الذي لا يتقاضى عليه أجراً. إذن: حينما تجد غيرك مُتفوِّقاً في شيء فلا تحقد عليه؛ لأن تفوقه سيعود عليك، وضربنا لذلك مثلاً بشيء بسيط؛ حين تمسك المقصَّ بيدك اليمنى لتقصَّ أظافر اليد اليسرى تجد أن اليد اليمنى - لأنها مرنة سهلة الحركة - تقصُّ أظافر اليسرى بدقة، أما حين تقصُّ اليسرى أظافر اليمنى فإنها لا تعطيك نفس المهارة التي كانت لليمنى. إذن: فحُسْن اليمنى تعدَّى لليُسْرى ونفعها. وهكذا إذا رأيتَ أخاك قد تفوَّق في شيء أو أحسن في صُنْعه فاحمد الله؛ لأن حُسْنه وتفوقه سيعود عليك، وقد لا يعود عليه هو، فلا تحسده، ولا تحقد عليه، بل ادْعُ له بالمزيد؛ لأنك ستنتفع به في يوم من الأيام. لكن ماذا قال أهل الدنيا الذين بُهِروا بزينة قارون؟ قالوا: {يٰلَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَآ أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ} [القصص: 79] يعني: كما نقول نحن (حظه بمب)؛ لأن هؤلاء لا يعنيهم إلا أمر الدنيا ومُتعها وزُخْرفها، أما أهل العلم وأهل المعرفة فلهم رأْيٌ مخالف، ونظرة أبعد للأمور؛ لذلك رَدُّوا عليهم: {وَقَالَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ ...}.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : {فَخَرَجَ عَلَىٰ قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ} [القصص: 79] يُشير إلى أن قارون النفس مهما خرج على قومه أي: بني إسرائيل صفات القلب في إظهار ما {أية : زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ ٱلشَّهَوَاتِ مِنَ ٱلنِّسَاءِ وَٱلْبَنِينَ وَٱلْقَنَاطِيرِ ٱلْمُقَنْطَرَةِ مِنَ ٱلذَّهَبِ وَٱلْفِضَّةِ وَٱلْخَيْلِ ٱلْمُسَوَّمَةِ وَٱلأَنْعَامِ وَٱلْحَرْثِ} تفسير : [آل: عمران: 14] واستعماله في الصورة يفرز من تلك المعاملات ظلمات مسودة وجوه الصفات القلبية وتكدر صفوها وتقلب أحوالها وتغير طبعها حتى تتصف بصفات النفس، وتتبدل إرادة الآخرة بإرادة الدنيا وشهواتها إلى أن {قَالَ ٱلَّذِينَ يُرِيدُونَ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا يٰلَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَآ أُوتِيَ قَارُونُ} [القصص: 79] النفس، {إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ} [القصص: 79] من نعيم الدنيا وزينتها وإنما وقع نظرهم على عظمة الدنيا وزينتها مع دناءتها وخستها وهوانها وقلة متاعها؛ لأنه اعتل بعلة سبب حب الدنيا وزينتها المولد من تراكم شهوات ظلمات صفات النفس بعضها فوق بعض فهم ينظرون بنظر ظلمات صفات النفس بعد أن كانوا ينظرون بنظر نور صفات القلب ويبصرون عزة الآخرة وعظمتها وخسة الدنيا وهوانها، فإن الرضاع يغير الطباع. وبقوله: {وَقَالَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ} [القصص: 80] يشير إلى صفات الروح الباقية على حالها غير متصفة بصفات النفس إذ قالوا: {وَيْلَكُمْ} [القصص: 80] لصفات القلب المتغيرة توبيخاً لهم {ثَوَابُ ٱللَّهِ} [القصص: 80] أي: ما يجازي الله من القربات والوصلات من دون الجنة {خَيْرٌ لِّمَنْ آمَنَ} بوحدانية الله تعالى {وَعَمِلَ صَالِحاً} للوصول إلى الوحدة {وَلاَ يُلَقَّاهَآ} المرتبة {إِلاَّ ٱلصَّابِرُونَ} [القصص: 80] عن الدنيا وزينتها والآخرة ونعيمها والصابرون على مخالفات النفس وموافقات الشريعة على قانون الطريق إلى الوصول بعالم الحقيقة. وبقوله: {فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ ٱلأَرْضَ} [القصص: 81] يشير إلى أن حاصل قارون النفس إذا بغى على موسى القلب وصفاته وخرج عن المتابعة وعن زينة الحياة الدنيا واستيفاء لذاتها وشهواتها ومتابعاً لهواه أن يخسف به الأرض أرض دركات السفل وأسفل سافلين النار ثم يخسف بداره وداره قالبه والأرض أرض جهنم فها خالدين أبداً.

همام الصنعاني

تفسير : 2234- عبد الرزاق، قال: أنبأنا الثَّوري، عن عثمان الأسود، عن مجاهد، في قوله: {فَخَرَجَ عَلَىٰ قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ}: [الآية: 79]، قال: خرج على بَرَاذينَ بيض، سُرُوجُها أرجُوَان، وعليه ثيابٌ مُعَصْفَرة. 2235- حدّثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن قتادة، قال: خرج عَلَى أربعة آلاف دابة، عليهم ثياب حمر، منها ألف بغلة بيضاء، عَلَيْهَا قطائف أرْجُوان.