Verse. 3330 (AR)

٢٨ - ٱلْقَصَص

28 - Al-Qasas (AR)

قَالَ اِنَّمَاۗ اُوْتِيْتُہٗ عَلٰي عِلْمٍ عِنْدِيْ۝۰ۭ اَوَلَمْ يَعْلَمْ اَنَّ اللہَ قَدْ اَہْلَكَ مِنْ قَبْلِہٖ مِنَ الْقُرُوْنِ مَنْ ہُوَاَشَدُّ مِنْہُ قُوَّۃً وَّاَكْثَرُ جَمْعًا۝۰ۭ وَلَا يُسْـَٔــلُ عَنْ ذُنُوْبِہِمُ الْمُجْرِمُوْنَ۝۷۸
Qala innama ooteetuhu AAala AAilmin AAindee awalam yaAAlam anna Allaha qad ahlaka min qablihi mina alqurooni man huwa ashaddu minhu quwwatan waaktharu jamAAan wala yusalu AAan thunoobihimu almujrimoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«قال إنما أوتيته» أي المال «على علم عندي» أي في مقابلته وكان أعلم بني إسرائيل بالتوراة بعد موسى وهارون قال تعالى «أوَلم يعلم أن الله قد أهلك من قبله من القرون» الأمم «من هو أشد منه قوةً وأكثر جمعا» للمال: أي هو عالم بذلك ويهلكهم الله «ولا يُسأل عن ذنوبهم المجرمون» لعلمه تعالى بها فيدخلون النار بلا حساب.

78

Tafseer

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {قَالَ إِنَّمَآ أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِيۤ} يعني علم التوراة. وكان فيما روي من أقرأ الناس لها، ومن أعلمهم بها. وكان أحد العلماء السبعين الذين اختارهم موسى للميقات. وقال ابن زيد: أي إنما أوتيته لعلمه بفضلي ورضاه عني. فقوله: {عِنْدِي} معناه إن عندي أن الله تعالى آتاني هذه الكنوز على علم منه باستحقاقي إياها لفضل فيّ. وقيل: أوتيته على علم من عندي بوجوه التجارة والمكاسب؛ قاله علي بن عيسى. ولم يعلم أن الله لو لم يسهل له اكتسابها لما اجتمعت عنده. وقال ابن عباس: على علم عندي بصنعة الذهب. وأشار إلى علم الكيمياء. وحكى النقاش: أن موسى عليه السلام علمه الثلث من صنعة الكيمياء، ويوشع الثلث، وهارون الثلث، فخدعهما قارون ـ وكان على إيمانه ـ حتى علم ما عندهما وعمل الكيمياء، فكثرت أمواله. وقيل: إن موسى علم الكيمياء ثلاثة؛ يوشع بن نون، (وكالب بن يوفنا)، وقارون، واختار الزجاج القول الأول، وأنكر قول من قال إنه يعمل الكيمياء. قال: لأن الكيمياء باطل لا حقيقة له. وقيل: إن موسى علّم أخته علم الكيمياء، وكانت زوجة قارون، وعلمت أخت موسى قارون؛ والله أعلم. قوله تعالى: {أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ} أي بالعذاب. {مِنَ ٱلْقُرُونِ} أي الأمم الخالية الكافرة. {مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعاً} أي للمال، ولو كان المال يدلّ على فضل لما أهلكهم. وقيل: القوة الآلات، والجمع الأعوان والأنصار، والكلام خرج مخرج التقريع من الله تعالى لقارون؛ أي {أَوَلَمْ يَعْلَمْ} قارون {أَنَّ ٱللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ ٱلْقُرُونِ}. {وَلاَ يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ ٱلْمُجْرِمُونَ } أي لا يسألون سؤال استعتاب كما قال: {أية : وَلاَ هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ}تفسير : [النحل: 84] {أية : فَمَا هُم مِّنَ ٱلْمُعْتَبِينَ}تفسير : [فصلت: 24] وإنما يسألون سؤال تقريع وتوبيخ لقوله: {أية : فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ} تفسير : [الحجر: 92] قاله الحسن. وقال مجاهد: لا تسأل الملائكة غداً عن المجرمين؛ فإنهم يعرفون بسيماهم، فإنهم يحشرون سود الوجوه زرق العيون. وقال قتادة: لا يسأل المجرمون عن ذنوبهم لظهورها وكثرتها، بل يدخلون النار بلا حساب. وقيل: لا يسأل مجرمو هذه الأمة عن ذنوب الأمم الخالية الذين عذبوا في الدنيا. وقيل: أهلك من أهلك من القرون عن علم منه بذنوبهم فلم يحتج إلى مسألتهم عن ذنوبهم.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى مخبراً عن جواب قارون لقومه حين نصحوه، وأرشدوه إلى الخير: {قَالَ إِنَّمَآ أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِيۤ} أي: لا أفتقر إلى ما تقولون، فإن الله تعالى إنما أعطاني هذا المال لعلمه بأني أستحقه، ولمحبته لي، فتقديره: إنما أعطيته لعلم الله فيّ أني أهل له، وهذا كقوله تعالى: {أية : فَإِذَا مَسَّ ٱلإِنسَـٰنَ ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَـٰهُ نِعْمَةً مِّنَّا قَالَ إِنَّمَآ أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ} تفسير : [الزمر: 49] أي على علم من الله بي، وكقوله تعالى: {أية : وَلَئِنْ أَذَقْنَـٰهُ رَحْمَةً مِّنَّا مِن بَعْدِ ضَرَّآءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَـٰذَا لِي}تفسير : [فصلت: 50] أي: هذا أستحقه. وقد روي عن بعضهم أنه أراد {قَالَ إِنَّمَآ أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِيۤ} أي: إنه كان يعاني علم الكيمياء، وهذا القول ضعيف، لأن علم الكيمياء في نفسه علم باطل، لأن قلب الأعيان لا يقدر أحد عليها إلا الله عز وجل، قال الله تعالى: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَٱسْتَمِعُواْ لَهُ إِنَّ ٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ لَن يَخْلُقُواْ ذُبَاباً وَلَوِ ٱجْتَمَعُواْ لَهُ} تفسير : [الحج: 73]. وفي الصحيح: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : يقول الله تعالى: ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي؟ فليخلقوا ذرة، فليخلقوا شعيرة» تفسير : وهذا ورد في المصورين الذين يشبهون بخلق الله في مجرد الصورة الظاهرة أو الشكل، فكيف بمن يدعي أنه يحيل ماهية هذه الذات إلى ماهية ذات أخرى؟ هذا زور ومحال، وجهل وضلال، وإنما يقدرون على الصبغ في الصور الظاهرة، وهي كذب وزغل وتمويه، وترويج أنه صحيح في نفس الأمر، وليس كذلك قطعاً لا محالة، ولم يثبت بطريق شرعي أنه صح مع أحد من الناس من هذه الطريقة التي يتعاطاها هؤلاء الجهلة الفسقة الأفاكون، فأما ما يجريه الله سبحانه من خرق العوائد على يدي بعض الأولياء؛ من قلب بعض الأعيان ذهباً، أو فضة، أو نحو ذلك، فهذا أمر لا ينكره مسلم، ولا يرده مؤمن، ولكن هذا ليس من قبيل الصناعات، وإنما هذا عن مشيئة رب الأرض والسموات، واختياره وفعله؛ كما روي عن حيوة ابن شريح المصري رحمه الله تعالى: أنه سأله سائل، فلم يكن عنده ما يعطيه، ورأى ضرورته، فأخذ حصاة من الأرض، فأجالها في كفه، ثم ألقاها إلى ذلك السائل، فإذا هي ذهب أحمر، والأحاديث والآثار في هذا كثيرة جداً يطول ذكرها. وقال بعضهم: إن قارون كان يعرف الاسم الأعظم، فدعا الله به، فتمول بسببه. والصحيح المعنى الأول، ولهذا قال الله تعالى راداً عليه فيما ادعاه من اعتناء الله به فيما أعطاه من المال: {أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ ٱلْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعاً} أي قد كان من هو أكثر منه مالاً، وما كان ذلك عن محبة منّا له، وقد أهلكهم الله مع ذلك بكفرهم، وعدم شكرهم، ولهذا قال: {وَلاَ يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ ٱلْمُجْرِمُونَ} أي: لكثرة ذنوبهم قال قتادة: {عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِيۤ} على خير عندي. وقال السدي: على علم أني أهل لذلك. وقد أجاد في تفسير هذه الآية الإمام عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، فإنه قال في قوله: {قَالَ إِنَّمَآ أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِيۤ} قال: لولا رضا الله عني، ومعرفته بفضلي، ما أعطاني هذا المال، وقرأ: {أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ ٱلْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعاً} الآية، وهكذا يقول من قل علمه إذا رأى من وسع الله عليه: لولا أن يستحق ذلك، لما أعطي.

المحلي و السيوطي

تفسير : {قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ } أي المال {عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِى } أي في مقابلته وكان أعلم بني إسرائيل بالتوراة بعد موسى وهٰرون. قال تعالى: {أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ ٱلْقُرُونِ } الأمم {مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعاً } للمال؟ أي هو عالم بذلك ويهلكه الله {وَلاَ يُسْئَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ ٱلْمُجْرِمُونَ } لعلمه تعالى بها فيدخلون النار بلا حساب.

الماوردي

تفسير : قوله: {قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمِ عِنْدِي...} فيه خمسة أوجه: أحدها: أي بقوتي وعلمي، قاله يحيى بن سلام. الثاني: علىخير وعلم عندي، قاله قتادة. الثالث: لرضا الله عني ومعرفته باستحقاقي، قاله ابن زيد. الرابع: على علم بوجه المكاسب، قاله ابن عيسى. الخامس: العلم بصنعة الكيمياء. حكى النقاش أن موسى عليه السلام علّم قارون الثلث من صنعة الكيمياء، وعلم يوشع بن نون الثلث، وعلم ابني هارون الثلث فخدعهما قارون وكان على إيمانه حتى علم ما عندهما وعمل الكيمياء فكثرت أمواله. وفي قوله تعالى: {... وَلاَ يُسأُلَ عَن ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ} أربعة تأويلات: أحدها: يعذبون ولا يحاسبون، قاله قتادة. الثاني: لا يسألون عن إحصائها ويعطون صحائفها فيعرفون ويعترفون بها، قاله الربيع. الثالث: لأن الملائكة تعرفهم بسيماهم فلا تسأل عنهم، قاله مجاهد. الرابع: أنهم لا يُسألون سؤال استعتاب: لمَ لَمْ يؤمنوا، قاله ابن بحر كما قال {أية : وَلاَ هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ} تفسير : [الروم:57].

ابن عطية

تفسير : القائل قارون لما وعظه قومه وندبوه إلى اتقاء الله تعالى في المال الذي أعطاه تفضلاً منه عليه أخذته العزة بالإثم فأعجب بنفسه، وقال لهم على جهة الرد عليهم والروغان عما ألزموه فيه {إنما أوتيته على علم عندي}، ولكلامه هذا وجهان يحتملهما وبكل واحد منهما قالت فرقة من المفسرين فقال الجمهور منهم إنه ادعى أن عنده علماً استوجب به أن يكون صاحب ذلك المال وتلك النعمة، ثم اختلفوا في العلم الذي أشار إليه ما هو، فقال بعضهم علم التوراة وحفظها، قالوا وكانت هذه مغالطة ورياء، وقال أبو سليمان الداراني: أراد العلم بالتجارب ووجوه تثمير المال فكأنه قال {أوتيته} بإدراكي وبسعيي، وقال ابن المسيب: أراد علم الكيمياء، وقال ابن زيد وغيره: إنما أراد {أوتيته على علم} من الله وتخصيص من لدنه قصدني به أي فلا يلزمني فيه شيء مما قلتم، ثم جعل قوله {عندي} كما تقول في معتقدي على ما أراه. قال الفقيه الإمام القاضي: وعلى الاحتمالين معاً فقد نبه القرآن على خطئه في اغتراره وعارض منزعه بأن من معلومات الناس المتحققة عندهم {أن الله} تعالى {قد أهلك} من الأمم والقرون والملوك من هو أشد من قارون قوة وأكثر جمعاً إما للمال وإما للحاشية والغاشية، وقوله تعالى: {أو لم يعلم} يرجح أن قارون تشبع بعلم نفسه على زعمه، وقوله تعالى: {ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون}، قال محمد بن كعب: هو كلام متصل بمعنى ما قبله، والضمير في {ذنوبهم} عائد على من أهلك من القرون، أي أهلكوا ولم يُسأل غيرهم بعدهم عن ذنوبهم أي كل واحد إنما يكلم ويعاقب بحسب ما يخصه، وقالت فرقة: هو إخبار مستأنف عن حال يوم القيامة أن المجرمين لا يسألون عن ذنوبهم، قال قتادة ذلك لأنه يدخلون النار بغير حساب، وقال قتادة أيضاً ومجاهد: معناه أن الملائكة لا تسأل عن ذنوبهم لأنهم يعرفونهم بسيماهم من السواد والتشويه ونحو ذلك قوله تعالى: {أية : يعرف المجرمون بسيماهم} تفسير : [الرحمن: 41]. قال الفقيه الإمام القاضي: وفي كتاب الله تعالى آيات تقتضي أن الناس يوم القيامة يُسألون كقوله تعالى: {أية : وقفوهم إنهم مسؤولون} تفسير : [الصافات: 24] وغير ذلك، وفيه آيات تقتضي أنه لا يسأل أحد كقوله تعالى: {أية : فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان} تفسير : [الرحمن: 39]، وغير ذلك فقال الناس في هذا إنها مواطن وطوائف، وذلك من قوله محتمل ويشبه عندي أن تكون الآيات التي توجب السؤال إنما يراد بها أسئلة التوبيخ والتقرير والتي تنفي السؤال يراد بها أسئلة الاستفهام والاستخبار على جهة الحاجة إلى علم ذلك من المسؤولين، أي أن ذلك لا يقع لأن العلم بهم محيط وسؤال التوبيخ غير معتد به، ثم أخبر تعالى أن قارون "خرج على قومه" وقد أظهر قدرته من الملابس والمراكب وزينة الدنيا، قال جابر ومجاهد: خرج في ثياب حمر، وقال ابن زيد: خرج هو وجملته في ثياب معصفرة، وقيل: في ثياب الأرجوان، وقيل غير هذا، وأكثر المفسرون في تحديد زينة قارون وتعيينها بما لا صحة له فاختصرته، وباقي الآية في اغترار الجهلة والأغمار من الناس بين.

ابن عبد السلام

تفسير : {عِلْمٍ عِندِى} بقوتي وعملي، أو خير عندي، أو لرضا الله عني وعلمه باستحقاقي، أو علم بوجه المكاسب، أو صنعه الكيمياء علمه موسى ثلث الصنعة ويوشع الثلث وهارون الثلث. فخدعهما قارون وكان على إيمانه فعلم ما عندهما فعلم الكيمياء وكثرت أمواله. {وَلا يُسْئَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ} سؤال استعتاب، أو لا تسأل عنهم الملائكة لأنهم يعرفونهم بسيماهم، أو يعذبون ولا يحاسبون، أو لا يسألون عن إحصاء أعمالهم ويعطون الصحائف فيعرفونها ويعترفون بها.

النسفي

تفسير : {قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ } أي المال {عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِى } أي على استحقاق لما فيّ من العلم الذي فضلت به الناس وهو علم التوراة أو علم الكيمياء، وكان يأخذ الرصاص والنحاس فيجعلهما ذهباً، أو العلم بوجوه المكاسب من التجارة والزراعة. و {عندي} صفة لـــــ {علم} قال سهل: ما نظر أحد إلى نفسه فأفلح، والسعيد من صرف بصره عن أفعاله وأقواله وفتح له سبيل رؤية منة الله تعالى عليه في جميع الأفعال والأقوال، والشقي من زين في عينه أفعاله وأقواله وأحواله ولم يفتح له سبيل رؤية منة الله فافتخر بها وادعاها لنفسه، فشؤمه يهلكه يوماً كما خسف بقارون لما ادّعى لنفسه فضلاً {أَوَ لَمْ يَعْلَمْ } قارون {أَنَّ ٱللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ ٱلْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً } هو إثبات لعلمه بأن الله قد أهلك من القرون قبله من هو أقوى منه وأغنى لأنه قد قرأه في التوراة كأنه قيل: أو لم يعلم في جملة ما عنده من العلم هذا حتى لا يغتر بكثرة ماله وقوته، أو نفي لعلمه بذلك لأنه لما قال {أوتيته على علم عندي} قيل: أعنده مثل ذلك العلم الذي ادعى. ورأى نفسه به مستوجبة لكل نعمة ولم يعلم هذا العلم النافع حتى يقي به نفسه مصارع الهالكين {وَأَكْثَرُ جَمْعاً } للمال أو أكثر جماعة وعدداً {وَلاَ يُسْئلُ عَن ذُنُوبِهِمُ ٱلْمُجْرِمُونَ } لعلمه تعالى بهم بل يدخلون النار بغير حساب، أو يعترفون بها بغير سؤال، أو يعرفون بسيماهم فلا يسئولون، أو لا يسئولون لتعلم من جهتهم بل يسئولون سؤال توبيخ، أو لا يسئل عن ذنوب الماضين المجرمون من هذه الأمة. {فَخَرَجَ عَلَىٰ قَوْمِهِ فِى زِينَتِهِ } في الحمرة والصفرة. وقيل: خرج يوم السبت على بغلة شهباء عليها الأرجوان وعليها سرج من ذهب ومعه أربعة الاف على زيه. وقيل: عليهم وعلى خيولهم الديباج الأحمر وعن يمينه ثلثمائة غلام وعن يساره ثلثمائة جارية بيض عليهن الحليّ والديباج. و {فِى زِينَتِهِ } حال من فاعل {خرج} أي متزيناً {قَالَ ٱلَّذِينَ يُرِيدُونَ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا } قيل: كانوا مسلمين وإنما تمنوا على سبيل الرغبة في اليسار كعادة البشر. وقيل: كانوا كفاراً {يٰلَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِىَ قَـٰرُونُ } قالوه غبطة والغابط هو الذي يتمنى مثل نعمة صاحبه من غير أن تزول عنه كهذه الآية، والحاسد هو الذي يتمنى أن تكون نعمة صاحبه له دونه وهو كقوله تعالى؛ {أية : وَلاَ تَتَمَنَّوْاْ مَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ }تفسير : [النساء: 32] وقيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: هل تضر الغبطة؟ قال: حديث : «لا إلا كما يضر العضاه الخبط» تفسير : {إِنَّهُ لَذُو حَظّ عَظِيمٍ } الحظ الجد وهو البخت والدولة

التستري

تفسير : قوله تعالى: {إِنَّمَآ أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِيۤ}[78] قال: ما نظر إلى نفسه أحد فأفلح، ولا ادعى لنفسه حالاً فتم له. والسعيد من الخلق من صرف بصره عن أحواله، وأفعاله سبيل الفضل والإفضال، ورؤية منة الله في جميع الأفعال؛ والشقي من زين نفسه وأحواله وأفعاله حتى افتخر بها، وادعى ذلك لنفسه، فشؤمه يهلكه يوماً ما وإن يهلكه في الوقت، ألا ترى الله كيف حكى عن قارون بقوله: {إِنَّمَآ أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِيۤ}[78] يعني الفضل، وهو أنه كان أقرأهم للتوراة، فادعى لنفسه فضلاً، فخسف الله به الأرض ظاهراً، وكم قد خسف بالأشرار وصاحبها لا يشعر بذلك، وخسف الأشرار هو منع العصمة، والرد إلى الحول والقوة بإطلاق اللسان في الدعاوي العريضة، والعمى عن رؤية الفضل، والقعود عن القيام بالشكر على ما أعطي، فحينئذ يكون وقت الزوال.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {إِنَّمَآ أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِيۤ} [الآية: 78]. قال سهل رحمة الله عليه: ما نظر أحد إلى نفسه فأفلح ولا ادّعى لنفسه حالاً فتمت له، والسعيد من الخلق من صُرف بصره عن أفعاله وأقواله وفتح له سبيل الفضل والأفضال ورؤية منَّة الله عليه فى جميع الأحوال والشَّقى من زُيِّنت فى عينه أعماله وأقواله فافتخر بها وادّعاها لنفسه فتهلكه سمومها يومًا ما وإن لم تهلكه فى الوقت ألا ترى الله تعالى كيف حكى عن قارون {إِنَّمَآ أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِيۤ} نسى الفضل وادّعاها لنفسه فضلاً فخسف الله به الأرض ظاهرًا فكم قد خسف بالأسرار وصاحبها لا يشعر بذلك وخسف الأسرار هو منع العصمة والرد إلى الحول والقوة وإطلاق اللسان بالدّعوى العريضة والعمى عن رؤية الفضل والقعود عن القيام بالشكر على ما أولى وأعطى حينئذ يكون وقت الزوال.

القشيري

تفسير : قوله جلّ ذكره: {قَالَ إِنَّمَآ أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِيۤ}. ما لاحَظَ أحدٌ نَفْسَه إلا هَلَكَ بإعجابه. ويقال السُّمُّ القاتلُ، والذي يطفئ السراجَ المضيءَ النظرُ إلى النَّفْسِ بعين الإثباتِ، وتَوَهَّمُ أَنَّ منك شيئاً من النفي أو الإثبات.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {قَالَ إِنَّمَآ أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِيۤ} كل مريد نظر الى طاعته وعلمه كراماته وحكمته ونطقه وفصاحته وما يسهل له من مراداته فهو مفتون به عواه ساقط عن نظر الشيوخ بترك ادابه وسقوط احتشامهم عن قلبه نعوذ بالله من هذه الفتنة والله رايت اكثر اهل زماننا يسقطون من درجة الارادة والصدق ومن قلوب اهل الحقيقة باعجابهم بما هم فيه يصير حالهم اقبح من احوال العصاة المفلسين لان مال هؤلاء فى اواخر اعمارهم الانكار على اولياء الله وخروجهم بدعوى الى الشيخوخية عليهم اعمى الله ابصار قلوبهم وهم لا يشعرون قال سهل ما نظرا احد الى نفسه فافلح ولا ادعى لنفسه حالاً فتم له والسعيد من الخلق من صرف بصره عن افعاله واقواله وفتح له سبيل الفضل والافضال وروية منة الله عليه فى جميع الافعال والشقى من زين فى عينه افعاله واقواله وافتخر بها وادّعاها لنفسه اوتيته على علم عندى نسى الفضل وادعى لنفسه فضلا فخسف الله به الارض ظاهرا فكم قد خسف بالاسرار وصاحبها لا يشعر بذلك وخسف الاسرار هو منع العصمة الرد الى الحول والقوة واطلاق اللسان بالدعاوى العريضة والعمى عن رؤية بالفضل والقعود عن القيام بالشكر على ما اولى واعطى حينئذ يكون وقت الزوال.

اسماعيل حقي

تفسير : {قال} قارون مجيبا للناصحين {انما اوتيته} اى هذا المال {على علم عندى} حال من مرفوع اوتيته او متعلق باوتيته وعندى صفة له. والمعنى اوتيته حال كونى مستحقا لما فىّ من علم التوراة وكان اعلمهم بها ادعى ا ستحقاق التفضيل على الناس واستيجاب التفوق بالمال والجاه بسبب العلم ولم ينظر الى منة الله تعالى وفضله ولذا هلك وهكذا كل من كان على طريقه فى الادعاء والافتخار والكفران فانه يهلك يوما بشؤم معصيته وصنيعه: قال الحافظ شعر : مباش غره بعلم وعمل فقيه مدام كه هيجكس زقضاى خداى جان نبرد تفسير : وقال الصائب شعر : بفكر نيستى هركز نمى فتند مغروران اكرجه صورت مقراض لادارد كريبانها تفسير : وقال بعضهم المراد بعلم الكيمياء وكان موسى يعلمه تعلما من الله تعالى فعلم يوشع بن نون ثلث ذلك العلم وعلم كالب بن يوقنا ثلثه وعلم قارون ثلثه فخدعهما قارون حتى اضاف علمهما الى علمه او تعلم قارون صنعة الكيمياء من كلثوم اخت موسى وكان تعرف ذلك فرزق مالا عظيما يضرب به المثل على طول الدهر وكان يأخذ الرصاص فيجعله فضة والنحاس فيجعله ذهبا. قال الزجاج علم الكيمياء لاحقيقة له. وفى الكواشى ومتعاطى هذا العلم الكثير كذبه فلا يلتفت اليه. يقول الفقير هو اولى من قول الزجاج فان فيه اقرارا باصله فى الجملة وكذا بوجوده والكيمياء له حقيقة صحيحة وقد عمل به بعض الانبياء وكمل الاولياء فانه لاشك فى الاستحالة والانقلاب بعد تصفية الاجساد وتطهيرها من الكدورات وقد بين فى موضعه ورأيت من وصل اليه بلا نكير والله العليم الخبير شعر : زكرامات بلند اوليا اولا شعرست وآخر كيميا تفسير : وقال بعضهم المراد بالعلم علم التجارة والدهقنة وسائر المكاسب [كفته اند قارون جهل سال بركوه متعبد بود ودر عبادت وزهد برهمه بنى اسرائيل غلبه كرد وابليس شياطين را مى فرستاد تااورا وسوسه كنند وبدنيا دركشند شياطين براودست نمى يافتند ابليس خود برخاست وبصورت بيرى زاهد متعبد برابروى نشست وخدايرا عبادت همى كرد تا عبادت ابليس بر عبادت وى بيفزود وقارون بتواضع وخدمت وى در آمد وهرجه ميكفت باشارت وى ميرفت ورضاى وى مى جست ابليس. روزى كفت ما ازجمعه وجماعت بازمانده ايم واز زيارت نيك مردان وتشييع جنازهاى مؤمنان محروم اكر درميان مردم باشيم وآن خصلتهاى نيكو بر دست كيريم مكر صوابتر باشد قارون را بدين سخن از كوه بزير آورد ودربيعة شدند وتبعد كاه ايشان معين ساختند مردم دون ازحال ايشان باخبر شدند رفقا ازهر جانب وى بايشان نهاد وبا ايشان نيكو ميكردند وطعامها مى بردند. روزى ابليس كفت اكرما بهفته يكروز بكسب مشغول باشيم واين بار وثقل از مردم فرونهيم مكر بهتر باشد قارون همان صواب ديد وروز آذينه بكسب شدند وباقى هفته عبادت همى كردند روزى جند برآمد ابليس كفت يكروز وزكسب كنيم ديكر روزعبادت تااز معاش وبغت جيزى بسر آيد وبصدقه ميدهيم ومردمانرا از ما منفعت بود همان كردند وبكسب مشغول شدند تادوستىء كسب ودوستىء مال درسر قارون شد ابليس آنكاه ازوى جدايى كرفت وكفت من كار خود كردم واورا دردام دنيا آوردم بس قارون بكسب مشغعول كشت ودنيا بوى روى نهاد وطغيان بالاكرفت وادعاى استحقاق كرد بسبب علم مكاسب وطريق او] فقال تعالى {أو لم يعلم} [آيانداست قارون يعنى دانست] {ان الله قد اهلك من قبله من القرون} الكافرة: يعنى [ازاهل روز كارها] والقرن القوم المقترنون فى زمن واحد {من هو اشد منه قوة} بالعدد والعدد {واكثر جمعا} للمال كنمرود وغيره. وقال بعضهم واكثر جمعا للعلم الطاعة مثل ابليس. قال المفسرون هذا تعجيب منه وتوبيخ له من جهته تعالى على اغتراره بقوته وكثرة ماله مع علمه بذلك الاهلاك قراءة فى التوراة وتلقينا من موسى وسماعا من حفاظ التواريخ فالمعنى ألم يقرأ التوراة ويعلم مافعل الله باضرابه من اهل القرون السابقة حتى لايغتر بمااغتر به شعر : مكن تيكه بر ملك وجاه وحشم كه بيش ازتو بودست وبعد أزتوهم بكير عبرت از ماسواى قرون خورد ضرب هراسب كه باشد حرون تفسير : {ولايسأل عن ذنوبهم المجرمون} عند اهلاكهم لئلا يشتغلوا بالاعتذار كما قال تعالى {أية : ولا يؤذن لهم فيعتذرون}تفسير : كما فى التأويلات النجمية. وقال الحسن لايسألون عن القيامة سؤال استعلام فانه تعالى مطلع عليها بل يسألون سؤال تقريع وتوبيخ. وقال بعضهم لايسألون بل يعاقبون بلا توفق ولاحساب او لا يسألون لانهم تعرفهم الملائكة بسيماهم

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جل جلاله:{قال} قارون: {إنما أُوتيته} أي: المال {على علم عندي} أي: على استحقاق مني، لِمَا فيّ من العلم الذي فَضلت به الناس، وهو علم التوراة، وكان أعلم الناس به بعد، موسى وهارون، وكان من العباد، ثم كفر بعد ذلك. وذكر القشيري أنه كان منقطعاً في صومعة للعبادة، فصحبة إبليسُ على العبادة، واستمر معه على ذلك، وهو لا يشعر، إلى أن ألقى إليه: إن ما هما عليه، من الانقطاع عن التكسب، وكون أمرها على أيدي الناس، ليس بشيء، فرده إلى الكسب بتدريج، إلى أن استحكم في حب الدنيا والجمع والمنع، ثم تركه. هـ. وقيل: المراد به علم الكيمياء، وكان يأخذ الرصاص والنحاس فيجعلهما ذهبا. أو: العلم بوجوه المكاسب من التجارة والزراعة، أو: العمل بكنوز يوسف. قال تعالى: {أَوَلَمْ يعلم أن الله قد أهلكَ مِنْ قبله من القرون مَنْ هو أشدُّ منه قوةً وأكثرُ جَمْعاً}، أي: أو لم يكن في علمه، من جملة العلم الذي عنده، أن الله قد أهلك من قبله من القرون من هو أشد منه وأقوى وأغنى، وأكثر جمعاً للمال، أو أكثر جماعة وعددا، وهو توبيخ على اغتراره بقوته وكثرة ماله، مع علمه بذلك؛ لأن قرأه في التوراة، وسمعه من حفاظ التواريخ. أو: نفيٌ لعلمه بذلك؛ لأنه لَمَّا قال: {أُوتيته على علم عندي}؛ قيل له، أعنده مثل ذلك العلم الذي ادعاه, ورأى نفسه به مستوجبة لكل نعمة، ولم يعلم هذا العلم النافع، الذي هو الاعتبار بمن هلك قبله، حتى يَقِيَ نفسه مصارع الهالكين. {ولا يُسْئل عن ذنوبهم المجرمون}، لعلمه تعالى بعملهم، بل يُدخلهم النار بغتة. أو: يعترفون بها بغير سؤال، أو: يُعرفون بسيماهم فلا يُسألون، أو: لا يُسألون سؤال توبيخ، أو لا يُسْأَلُ المجرمون من هذه الأمة عن ذنوب الماضين. قال محمد بن كعب: هو كلام متصل بما قبله، والضمير في (ذنوبهم)؛ عائد على من أهلك من القرون، أي: أُهلكوا، ولم يُسْأَلُ غيرهم بعدهم عن ذنوبهم، بل كان أحد إنما يُعاتب على ما يخصه. هـ. وإذ قلنا هو؛ في القيامة فقد ورد في آيات أخر أنهم يُسْألون، ويومُ القيامة مواطن وطوائف. والله تعالى أعلم. الإشارة: إذا خص الله عبداً بخصوصية فلا ينسبها لنفسه، أو لحوله وقوته، أو لكسبه ومجاهدته، بل يشهدها منَّةً من الله عليه، وسابق عناية منه إليه، قال سهل رضي الله عنه: ما نظر أحد إلى نفسه فأفلح، والسعيد من صرف بصره عن أفعاله وأقواله، وفتح له سبيل رؤيةِ مِنَّةِ الله عليه، في جميع الأفعال والأقوال. والشقي مَنّ زُيِّنَ له في عينه أفعالهُ وأقوالُه وأحوالُه، ولا فتِحَ له سبيلُ رؤيةِ منَّةِ الله عليه، فافتخر بها وادعاها لنفسه، فشؤمه أن يهلكه كما خسف بقارون. لَمّا ادعى لنفسه فضلاً. هـ. ثم قال تعالى: {فَخَرَجَ عَلَىٰ قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ...}

الجنابذي

تفسير : {قَالَ} استنكافاً عن قبول قولهم واعجاباً بنفسه {إِنَّمَآ أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِيۤ} يعنى اورده الله على علم وكمال عندى فلم لا افرح به وابذله على من لم يكن له هذا الكمال؟! او المعنى اوتيته حال كونى مشتملاً على علم خاصّ بى وهو العلم بوجوه المكاسب وتحصيل الارباح، أو حال كونى مشتملاً على علم خاصّ بى هو علم الكيميا كما قيل، وقيل: انّ موسى (ع) علّم قارون شيئاً من الكيميا وعلم ابنه شيئاً وعلّم يوشع (ع) شيئاً فخدعهما قارون وتعلّم منهما ما علّمهما موسى (ع) من ذلك {أَوَلَمْ يَعْلَمْ} تعريض بالامّة وبطرهم واعتمادهم على الحيٰوة الدّنيا ومتاعها يعنى الم يعلم انّ حيٰوته ووجوده ليس باختياره فكيف باعراضه الدّنيويّة الّتى لا نسبة بينه وبينها الاّ محض الاعتبار الّذى اعتبره العرف او الشّرع، والم يعلم {أَنَّ ٱللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ ٱلْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعاً} للمال والاولاد والقوى والخدم والحشم {وَ} لكن {لاَ يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ ٱلْمُجْرِمُونَ} يعنى انّ الله اذا اراد ان يذنب العبد بسبب سوء استحقاقه اعماه عمّا يبصر قبح ذنبه وسوء عاقبته فى الذّنب فلا يسأل عن سبب ذنبه لانّ الله اوقعه عليه بسبب سوء استعداده الّذى لا يعلم هو به، او المعنى لا يسأل المجرمون عن ذنوبهم حتّى يعتذروا عنها ويجيبوا مثل قوله تعالى: {أية : فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُسْأَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلاَ جَآنٌّ} تفسير : [الرحمن:39] او المعنى لا يسأل المجرمون الماضون عن ذنوب هؤلاء الحاضرين كما قيل، ولمّا كان الاعراض الدّنيويّة لارباب النّفوس واهويتها مورثة للاستكبار والاعجاب بالنّفس وتحقير العباد صار قارون المبتلا باهوية النّفس معجباً بنفسه متكبّراً على غيره.

اطفيش

تفسير : {قَالَ} قارون {إِنَّمَا أُوتِيتُهُ} أوتيت المال. {عَلَى عِلْمٍ عِندِي} في مقابلته وكان كما مر اعلم بني اسرائيل بالتوراة بعد موسى وهارون فظن انه استوجب به التفوق على الناس والفضل عليهم بالمال والجاه وعلى متعلق بأوتيته او بمحذوف حال وهي للتعليل وعندي نعت لعلم وقيل علم الكيمياء وهو قول سعيد بن المسيب قال: كان موسى يعلم علم الكيمياء فعلمه اخته وعلمته اخته قارون وقيل علم موسى عليه السلام يوشع بن نون ثلث ذلك العلم وعلم كالب بن توفيا ثلثه وعلم قارون ثلثه فخدعهما قارون حتى اضاف علمهما الى علمه وكان يصنع من الرصاص فضة ومن النحاس ذهبا وكان ذلك سبب اجتماع ماله والقول في علم الكيمياء تحريم صنعته لانها غش وعن ابن يتمة انها اشد تحريما من الربا وانها تخييل ولو كانت حقا لوجبت فيها الزكاة ولم يوجبها فيها عالم وقيل العلم علمه بأنواع التجارة والدهقنة والمزارع وسائر المكاسب وهو قول ابي سليمان الدراني وقيل علمه بكنوز يوسف وعن ابي سليمان الدراني: ظهر ابليس لقارون كان قد اقام في جبل اربعين سنة حتى غلب بني اسرائيل في العبادة وبعث اليه ابليس شياطينه ولم يقدروا عليه فتقدم اليه ابليس وتعبد معه وقهر قارون بالعبادة وفاته فيها فخضع له قارون فقال له ابليس يا قارون قد رضيت ان تكون هكذا كلاً على بني اسرائيل فقال له في اي شيء الرأي عندك؟ قال: تكسب يوم الجمعة وتتعبد بقية الايام فكانا يكسبان يوم الجمعة ويتعبدان بقية الايام واقاما على ذلك زمانا فقال ابليس قد رضيت ان تكون هكذا قال قارون فما الرأي؟ قال نكسب يوما ونتعبد يوما فنتصدق ونعطي، فلما كسبا يوما وتعبدا يوما حسد ابليس فتركه ففتحت على قارون ابواب الدنيا فبلغ ماله ما اخبر به ابن ميمون عن المسيب بن شريك ان مفاتحه اربع مائة الف وقيل العلم علمه باسم الله الأعظم ورده ابن كثير بأن قارون كافر والاسم الأعظم لا يتأثر لكافر وقيل معنى عندي في ظني فيتعلق بأوتيته. {أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللهَ قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ القُرُونِ} الأمم. {مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَةً وَأَكْثَرُ جَمْعاً} للمال يعني ان قارون قد علم ذلك قرأه في التوراة وأخبره به موسى عليه السلام وسمعه من حفاظ التواريخ كأنه قيل قد علم ذلك فلم اغتر بقوته وماله والمراد اثبات العلم الذي ادعاه تهكما به ونفي هذا العلم عنه فكأنه قيل اعلم ذلك العلم الذي استوجب له المال ولم يعلم العلم الذي يقيه المهلكة العظيمة وهو ان يعلم بهلاك من هو أشد واكثر جمعا ويجوز ان يكون المعنى واكثر جماعة وذلك تعجيب وتوبيخ. {وَلا يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهُِ المُجْرِمُونَ} سؤال استعلام بل تقريع لعلمه تعالى بها والظاهر ان هذا كناية عن كونهم يعذبون بها بغتة لا يتركون ولو قدر ما يحاسب انسان انسانا وذلك تهديد لكل مجرم فلا يتوهم مجرم ان ذلك خاص بقارون او لا يسألون سؤال استرضاء واستعتاب او يسألون في موطن ولا يسألون في أجر ويوم القيامة مواطن او ذلك كناية عن كثرة ذنوبهم كأنها لا يضبطها حساب فضلا عن ان يسألوا عنها ولا يسألون عن فروع الايمان والهاء للمجرمين بعدها لأن النائب في نية التقديم وقيل الهاء عائدة الى المهلكين وان المعنى لا يسأل المجرمون عن ذنوب هؤلاء وانه انما يسأل كل مكلف عن ذنوبه وقيل لا تسأل الملائكة المجرمين عن ذنوبهم لأنها مكتوبة ومعلومة لله سبحانه وقيل المعنى انهم معروفة بسيماهم سواء الوجوه وزرقة العيون وان أثر ذنوبهم ظاهر.

اطفيش

تفسير : {قال إنَّما أوتيتُه} الهاء عائد الى ما من قوله: "فيما آتاك الله" {على عِلْمٍ} خصصت به من بين الناس، أو لأجل علم أو حال من تاء أوتيت {عِنْدى} نعت لعلم، وهو علم التوراة، وهو أعلم بنى إسرائيل بها، وقال أبو سليمان الدارانى المنسوب الى داران، موضع بأندلس علم التجارة والكسب، وقال ابن المسيب: علم الكيمياء وهو المتبادر، قيل: كان موسى عليه السلام يعلمه، فعلم يوشع بن نون ثلثه، وكالب بن يوقنا ثلثه، وقارون ثلثه، فتعلم منهما ثلثيهما ففاق فيه، وقيل: علمه موسى أخته فعلمته قارون، أو علم من التواريخ أو القصاص، وقيل: علم استخراج الدفائن، وقيل: على علم من الله عندى علمنيه، وليس فى هذا كفر بخلاف ما قيل من الأقوال، ففيه إشارة الى استقلاله عن الله فى ذلك، وهو كفر إلا أن قوله: "أوتيته" إن أراد أن الله آتانيه فاعتراف، ولا يخلو عن كفر لأنه أراد أنى متأهل لذلك بالذات، ولفظ الكيمياء يونانى، ومعناه الحيلة، أو عبرانى، ومعناه كيم يه بمعنى أنه من الله، أو فارسى وأصله كى ميا بمعنى متى يجىء، وهو استبعاد. {أو لم يعلم أن الله قَد أهْلَك من قَبْله مِن القُرونِ مَنْ هُو أشدّ منه قُوةً} فى العقل والبدن {وأكثْر جَمْعاً} جمع الرجال، أو جمع المال، وهذا مما يبين كذب من قال مفاتيحه وقْر سبعين بغلا من الجلد كالأصْبع فان الله عز وجل لم يعط أحدا قبله ذلك، ولا أكثر منه، والهمزة للإنكار مما بعد الواو، أو دخلت على محذوف كما يعلم من نظائره، أى أعلم ما ادعاه، ولم يعلم أن الله إلخ. بلغ {ولا يُسأل عن ذنُوبهم المجْرمُون} عطف على "أية : إنَّ قارون كان من قوم موسى"تفسير : [القصص: 76] عطف قصة على أخرى، أو حال من ضمير أهلك، أو من الموصول أى أو لم يعلم أن الله أهلك العصاة قبله، والحال أنه عالم بهم لا يحتاج الى السؤال عنهم، وكذا قارون، علم الله ذنوبه لا تخفى عنه، فهلا خاف الهلاك فخذ هذا ولا تخرج عن ذهنك جوازه، والسؤال فى الدنيا، والمجرمون على العموم، أو من قبله، وإن شئت فالسؤال فى الآخرة لا يسألهم يوم القيامة سؤال استعلام لعلمه بهم، ولا الملائكة لعلمهم بهم من صحائفهم، ومن سيماهم "أية : يعرف المجرمون بسيماهم"تفسير : [الرحمن: 41] وأما قوله تعالى: "أية : لنسألنهم أجمعين"تفسير : [الحجر: 92] فسؤال توبيخ لا استعلام، أو هو فى الموضعين توبيخ لا يسألون فى موطن إهانة لهم، وشدة الغضب، ويسألون فى آخر توبيخا، والأول أولى، ولا تعطف على أن الله قد أهلك لأنه لم يقل، وأنه لا يسأل.

الالوسي

تفسير : {قَالَ } مجيباً لمن نصحه {إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِى } كأنه يريد الرد على قولهم: {أية : كَمَا أَحْسَنَ ٱللَّهُ إِلَيْكَ}تفسير : [القصص: 77] لإنبائه عن أنه تعالى أنعم عليه بتلك الأموال والذخائر من غير سبب واستحقاق من قبله، وحاصله دعوى استحقاقه لما أويته لما هو عليه من العلم، وقوله: {عَلَىٰ عِلْمٍ } عند أكثر المعربين في موضع الحال من مرفوع أوتيته قيد به العامل إشارة إلى علة الإيتاء ووجه استحقاقه له أي إنما {أوتيته} كائناً على علم، وجوز كون (على) تعليلية والجار والمجرور متعلق بأوتيت على أنه ظرف لغو كأنه قيل أوتيته لأجل علم، و {عِندِى } في موضع الصفة لعلم والمراد لعلم مختص بـي دونكم، وجوز كونه متعلقاً بأوتيت، ومعناه في ظني ورأيي كما في قولك: حكم كذا الحل عند أبـي حنيفة عليه الرحمة، وفي «الكشاف» ما هو ظاهر في أن (عندي) إذا كان بمعنى في ظني ورأيـي كان خبر مبتدأ محذوف أي هو في ظني ورأيـي هكذا، والجملة عليه مستأنفة تقرر أن ما ذكره رأي مستقر هو عليه، قال في «الكشف»: وهذا هو الوجه. والمراد بهذا العلم قيل علم التوراة فإنه كان أعلم بني إسرائيل بها، وقال أبو سليمان الداراني: علم التجارة ووجوه المكاسب، وقال ابن المسيب: علم الكيمياء، وكان موسى عليه السلام يعلم ذلك فأفاد يوشع بن نون ثلثه وكالب بن يوفنا ثلثه وقارون ثلثه فخدعهما قارون حتى أضاف علمهما إلى علمه فكان يأخذ الرصاص والنحاس فيجعلهما ذهباً، وقيل: علَّم الله تعالى موسى عليه السلام علم الكيمياء فعلمه موسى أخته فعلمته أخته قارون، وروي عن ابن عباس تخصيصه بعلم صنعة الذهب، وقيل: علم استخراج الكنوز والدفائن، وعن ابن زيد أن المراد بالعلم علم الله تعالى وأن المعنى أوتيته على علم من الله تعالى وتخصيص من لدنه سبحانه قصدني به، و {عِندِى } عليه بمعنى في ظني ورأيـي، وقيل: العلم بمعنى المعلوم مثله في قوله تعالى: {أية : وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْء مّنْ عِلْمِهِ } تفسير : [البقرة: 255] وإلى ذلك يشير ما روي عن مقاتل أنه قال أي على خير علمه الله تعالى عندي وتفسيره بعلم الكيمياء شائع فيما بين أهلها، وفي «مجمع البيان» حكايته عن الكلبـي أيضاً، وأنكره الزجاج وقال: إنه لا يصح لأن علم الكيمياء باطل لا حقيقة له، وتعقبه الطيبـي بأنه لعله كان من قبيل المعجز، وتعقب بأنه ليس بسديد وإلا لما تمكن قارون منه، وإنكار الكيمياء وهو - لفظ يوناني معناه الحيلة أو عبراني وأصله كيم يه بمعنى أنه من الله تعالى أو فارسي وأصله كي ميا بمعنى متى يجيء على سبيل الاستبعاد غلب على تحصيل النقدين / بطريق مخصوص - مما لم يختص بالزجاج بل أنكرها جماعة أجلة وقالوا بعدم إمكانها، وذهب آخرون إلى خلاف ذلك. وإذا أردت نبذة من الكلام في ذلك فاستمع لما يتلى عليك. ذكر بعض المحققين أن مبنى الكلام في هذه الصناعة عند الحكماء على حال المعادن السبعة المنطرقة وهي الذهب والفضة والرصاص والقزدير والنحاس والحديد والخارصيني هل هي مختلفات بالفصول فيكون كل منها نوعاً غير النوع الآخر أو هي مختلفات بالخواص والكيفيات فقط فتكون كلها أصنافاً لنوع واحد فالذي ذهب إليه المعلم أبو نصر الفارابـي وتابعه عليه حكماء الأندلس أنها نوع واحد وأن اختلافها بالكيفيات من الرطوبة واليبوسة واللين والصلابة والألوان نحو الصفرة والبياض والسواد وهي كلها أصناف لذلك النوع الواحد وبنى على ذلك إمكان انقلاب بعضها إلى بعض بتبدل الأعراض بفعل الطبيعة أو بالصنعة. وقد حكى أبو بكر بن الصائغ المعروف بابن باجه في بعض تصانيفه عن المعلم المذكور أنه قال: قد بين أرسطو في كتبه في المعادن أن صناعة الكيمياء داخلة تحت الإمكان إلا أنها من الممكن الذي يعسر وجوده بالفعل اللهم إلا أن يتفق قرائن يسهل بها الوجود وذلك أنه فحص عنها أولاً على طريق الجدل فأثبتها بقياس وأبطلها بقياس على عادته فيما يكثر عناده من الأوضاع ثم أثبتها أخيراً بقياس ألفه من مقدمتين بينهما في أول الكتاب، الأولى: أن الفلزات واحدة بالنوع والاختلاف الذي بينها ليس في ماهياتها وإنما هو في أعراضها فبعضه في أعراضها الذاتية وبعضه في أعراضها العرضية، والثانية: أن كل شيئين تحت نوع واحد اختلفا بعرض فإنه يمكن انتقال كل منهما إلى الآخر فإن كان العرض ذاتياً عسر الانتقال وإن كان مفارقاً سهل الانتقال والعسر في هذه الصناعة إنما هو لاختلاف أكثر هذه الجواهر في أعراضها الذاتية ويشبه أن يكون الاختلاف الذي بين الذهب والفضة يسيراً جداً اهـ، والذي ذهب إليه الشيخ أبو علي بن سينا وتابعه عليه حكماء المشرق أنها مختلفة بالفصول وأنها أنواع متباينة وبني على ذلك إنكار هذه الصناعة واستحالة وجودها لأن الفصل لا سبيل بالصناعة إليه وإنما يخلقه خالق الأشياء ومقدرها وهو الله عز وجل، وهذا ما حكاه ابن خلدون عنه. وقال الإمام في «المباحث المشرقية» في الفصل الثامن من القسم الرابع منها: الشيخ سلم إمكان أن يصبغ النحاس بصبغ الفضة والفضة بصبغ الذهب وأن يزال عن الرصاص أكثر ما فيه من النقص، فإما أن يكون الفصل المنوع يسلب أو يكسى، قال: فلم يظهر لي إمكانه بعد، إذ هذه الأمور المحسوسة تشبه أن لا تكون الفصول التي بها تصير هذه الأجساد أنواعاً بل هي أعراض ولوازم وفصولها مجهولة وإذا كان الشيء مجهولاً كيف يمكن قصد إيجاده وإفنائه اهـ. وغلطه الطغرائي - وهو من أكابر أهل هذه الصناعة وله فيها عدة كتب - ورد عليه بأن التدبير والعلاج ليس في تخليق الفصل وإبداعه وإنما هو في إعداد المادة لقبول خاصة والفصل يأتي من بعد الإعداد من لدن خالقه وبارئه جل شأنه وعظمت قدرته كما يفيض سبحانه النور على الأجسام بالصقل ولا حاجة بنا في ذلك إلى تصوره ومعرفته، وإذا كنا قد عثرنا على تخليق بعض الحيوانات مثل العقرب من التراب والتبن، والحية من الشعر وغير ذلك فما المانع من العثور على مثل ذلك في المعادن وهذا كله بالصناعة وهي إنما موضوعها المادة فيعدها التدبير / والعلاج إلى قبول تلك الفصول لا أكثر، فنحن نحاول مثل ذلك في الذهب والفضة فنتخذ مادة نصفها للتدبير بعد أن يكون فيها استعداد أول لقبول صورة الذهب والفضة ثم نحاولها بالعلاج إلى أن يتم فيها الاستعداد لقبول فصلهما اهـ بمعناه وهو رد صحيح فيما يظهر. وقال الإمام بعد ذكره ما سمعت من كلام الشيخ: هو ليس بقوي لأنا نشاهد من الترياق آثاراً وأفعالاً مخصوصة فأما أن لا نثبت له صورة ترياقية بل نقول إن الأفعال الترياقية حاصلة من ذلك المزاج لا من صورة أخرى جاز أيضاً أن يقال صفرة الذهب ورزانته حاصلتان مما فيه من المزاج لا من صورة مقومة فحينئذ لا يكون للذهب فصل منوع إلا مجرد الصفرة والرزانة ولكنهما معلومتان فأمكن أن تقصد إزالتهما واتخاذهما فبطل ما قاله الشيخ. وأما إذا أثبتنا صورة مقومة له فنقول لا شك بأنا لا نعقل من تلك الصورة إلا أنها حقيقة تقتضي الأفعال المخصوصة الصادرة عن الترياق فإما أن يكون هذا القدر من العلم يكفي في قصد الإيجاد والإبطال أو لا يكفي فإن لم يكف وجب أن لا يمكننا اتخاذ الترياق وإن كفى فهو في مسألتنا أيضاً حاصل لأنا نعلم من الصورة الذهبية أنها ماهية تقتضي الذوب والصفرة والرزانة، ويجاب أيضاً بأنا وإن كنا لا نعلم الصورة المقومة على التفصيل إلا أنا نعلم الأعراض التي تلائمها والتي لا تلائمها ونعلم أن العرض الغير الملائم إذا اشتد في المادة بطلت الصورة مثل الصورة المائية فإنا نعلم أن الحرارة لا تلائمها وإن كنا لا نعلم ماهيتها على التفصيل فلذلك يمكننا أن نبطل الصورة المائية وأن نكسبها، أما الإبطال فبتسخين الماء وأما الاكتساب فبتبريد الهواء فكذلك في مسألتنا. واحتج قوم من الفلاسفة على امتناعها بأمور: أولها: أن الطبيعة إنما تعمل هذ الأجساد من عناصر مجهولة عندنا ولتلك العناصر مقادير معينة مجهولة عندنا أيضاً ولكيفيات تلك العناصر مراتب معلومة وهي مجهولة عندنا ولتمام الفعل والانفعال زمان معين مجهول عندنا، ومع الجهل بكل ذلك كيف يمكننا عمل هذه الأجساد، وثانيها: أن الجوهر الصابغ إما أن يكون أصبر على النار من المصبوغ أو يكون المصبوع أصبر أو يتساويان فإن كان الصابغ أصبر وجب أن يفنى المصبوغ ويبقى الصابغ بعد فنائه وإن كان المصبوغ أصبر وجب أن يبقى بعد فناء الصابغ وإن تساويا في الصبر على النار فهما من نوع واحد لاستوائهما في الصبر على النار فليس أحدهما بالصابغية والآخر بالمصبوغية أولى من العكس، وثالثها: أنه لو كان بالصناعة مثلاً لما كان بالطبيعة لكن التالي باطل، أما أولاً: فلأنا لم نجد له شبيهاً، وأما ثانياً: فلأنه لو جاز أن يوجد بالصناعة ما يحصل بالطبيعة لجاز أن يحصل بالطبيعة ما يحصل بالصناعة حتى يوجد سيف أو سرير بالطبيعة، ولما ثبت امتناع التالي ثبت امتناع المقدم، ورابعها: أن لهذه الأجساد أماكن طبيعية هي معادنها وهي لها بمنزلة الأرحام للحيوان فمن جوز تولدها في غير تلك المعادن كان كمن جوز تولد الحيوانات في غير الأرحام. وأجاب الإمام عن الأول بأنه منقوض بصناعة الطب. وعن الثاني: بأنه لا يلزم من استواء الصابغ والمصبوغ في الصبر على النار استواؤهما في الماهية لأن المختلفين قد يشتركان في بعض الصفات، وعن الثالث: بأنه قد يوجد بالصناعة مثل ما يوجد بالطبيعة مثل النار الحاصلة بالقدح، والنوشادر قد يتخذ من الشعير وكذلك كثير من الزاجات ثم بتقدير أن لا نجد له مثالاً لا يلزم الجزم بنفيه ولا يلزم من إمكان حصول الأمر الطبيعي بالصناعة إمكان عكسه بل الأمر فيه موقوف على الدليل. وعن الرابع: بأن من أراد أن يقلب النحاس فضة فهو لا يكون كالمحدث للشيء بل كالمعالج للمريض، فإن / النحاس من جوهر الفضة إلا أن فيه عللاً وأمراضاً وكما يمكن المعالجة لا في موضع التكون فكذلك في هذا الموضع، على أن حاصل الدليل أن الذي يتكون في الجبال لا يمكن تكونه بالصناعة، وفيه وقع النزاع. وابن خلدون بعد أن ذكر كلام ابن سينا ورد الطغرائي عليه قال: لنا في الرد على أهل هذه الصناعة مأخذ آخر يتبين منه استحالة وجودها وبطلان زعمهم أجمعين، وذلك أن حاصل علاجهم أنهم بعد الوقوف على المادة المستعدة بالاستعداد الأول يجعلونها موضوعاً ويحاذون في تدبيرها وعلاجها تدبير الطبيعة للجسم في المعدن حتى أحالته ذهباً أو فضة ويضاعفون القوى الفاعلة والمنفعلة ليتم في زمان أقصر لأنه تبين في موضعه أن مضاعفة قوة الفاعل تنقص من زمن فعله وتبين أن الذهب إنما يتم كونه في معدنه بعد ألف وثمانين من السنين دورة الشمس الكبرى فإذا تضاعفت القوى والكيفيات في العلاج كان زمان كونه أقصر من ذلك ضرورة على ما قلناه أو يتحرون بعلاجهم ذلك حصول صورة مزاجية لتلك المادة تصيرها كالخميرة للخبز تقلب العجين إلى ذاتها وتعمل فيه ما حصل لها من الانتفاش والهشاشة ليحسن هضمه في المعدة ويستحيل سريعاً إلى الغذاء فتفعل تلك الصورة الأفاعيل المطلوبة، وذلك هو الإكسير، واعلم أن كل متكون من المولدات العنصرية لا بد فيه من اجتماع العناصر الأربعة على نسبة متفاوتة إذ لو كانت متكافئة في النسبة لما حصل امتزاجها فلا بد من الجزء الغالب على الكل، ولا بد في كل ممتزج من المولدات من حرارة غريزية هي الفاعلة لكونها الحافظة لصورته ثم كل متكون في زمان لا بد من اختلاف أطواره وانتقاله في زمن التكوين من طور إلى طور حتى ينتهي إلى غايته، وانظر شأن الإنسان في تطوره نطفة ثم علقة ثم وثم إلى نهايته ونِسَبُ الأجزاء في كل طور مختلف مقاديرها وكيفياتها وإلا لكان الطور الأول بعينه هو الآخر، وكذا الحرارة المقدرة الغريزية في كل طور مخالفة لما في الطور الآخر، فانظر إلى الذهب ما يكون في معدنه من الأطوار منذ ألف سنة وثمانين، وما ينتقل فيه من الأحوال فيحتاج صاحب الكيمياء أن يساوق فعل الطبيعة في المدن ويحاذيه بتدبيره وعلاجه إلى أن يتم، ومن شرط الصناعة مطلقاً تصور ما يقصد إليه بها، فمن الأمثال السائرة في ذلك للحكماء أول العمل آخر الفكرة وآخر الفكرة أول العمل فلا بد من تصور هذه الحالات للذهب في أحواله المتعددة ونسبها المتفاوتة في كل طور وما ينوب عنه من مقدار القوى المتضاعفة ويقوم مقامه حتى يحاذي بذلك فعل الطبيعة في المعدن أو يعد لبعض المواد صورة مزاجية تكون كصورة الخميرة للخبز وتفعل في هذه المادة بالمناسبة لقواها ومقاديرها. وهذه كلها إنما يحصرها العلم المحيط وهو علمه عز وجل، والعلوم البشرية قاصرة عن ذلك، وإنما حال من يدعي حصوله على الذهب بهذه الصناعة بمثابة من يدعي صنعة تخليق الإنسان من المني ونحن إذا سلمنا الإحاطة بأجزائه ونسبه وأطواره وكيفية تخليقه في رحمه وعلم ذلك علماً محصلاً لتفاصيله حتى لا يشذ من ذلك شيء عن علمه سلمنا له تخليق هذا الإنسان وأنى له ذلك. والحاصل أن الفعل الصناعي على ما يقتضيه كلامهم مسبوق بتصورات أحوال الطبيعة المعدنية التي تقصد مساواتها ومحاذاتها، وفعل المادة ذات القوى فيها على التفصيل وتلك الأحوال لا نهاية لها والعلم البشري عاجز عما دونها، فقصد تصيير النحاس ذهباً كقصد تخليق إنسان أو حيوان أو نبات، وهذا أوثق ما علمته من البراهين الدالة على الاستحالة، وليست / الاستحالة فيه من جهة الفصول ولا من جهة الطبيعة وإنما هي من تعذر الإحاطة وقصور البشر عنها، وما ذكره ابن سينا بمعزل عن ذلك، ولذلك وجه آخر في الاستحالة من جهة غايته وهو أن حكمه الله تعالى في الحجرين وندرتهما أنهما عمدتا مكاسب الناس ومتمولاتهم فلو حصل عليها بالصنعة لبطلت حكمة الله تعالى في ذلك إذ يكثر وجودهما حتى لا يحصل أحد من اقتنائهما على شيء، وآخر أيضاً وهو أن الطبيعة لا تترك أقرب الطرق في أفعالها وترتكب الأبعد فلو كان هذا الطريق الصناعي الذي يزعمون صحته وأنه أقرب من طريق الطبيعة في معدنها وأقل زماناً صحيحاً لما تركته الطبيعة إلى طريقها الذي سلكته في تكوين الذهب والفضة وتخليصهما، وأما تشبيه الطغرائي هذا التدبير بما عثر عليه من مفردات لأمثاله في الطبيعة كالعقرب والحية وتخليقهما فأمر صحيح في ذلك أدى عليه العثور كما زعم، وأما الكيمياء فلم ينقل عن أحد من أهل العلم أنه عثر عليها ولا على طريقها وما زال منتحلوها يخبطون فيها خبط عشواء ولا يظفرون إلا بالحكايات الكاذبة ولو صح ذلك لأحد منهم لحفظه عنه ولده أو تلميذه وأصحابه وتنوقل في الأصدقاء وضمن تصديقه صحة العمل بعده إلى أن ينتشر ويبلغ إلينا أو إلى غيرنا، وأما قولهم: إن الإكسير بمثابة الخميرة وأنه مركب يحيل ما حصل فيه ويقلبه إلى ذاته فليس بشيء، لأن الخميرة إنما تقلب العجين وتعده للهضم وهو فساد والفساد في المواد سهل يقع بأيسر شيء من الأفعال والطبائع، والمطلوب من الإكسير قلب المعدن إلى ما هو أشرف منه وأعلى فهو تكوين والتكوين أصعب من الفساد فلا يقاس الإكسير على الخميرة، ثم قال: وتحقيق الأمر في ذلك أن الكيمياء إن صح وجودها كما يزعم الحكماء المتكلمون فيها فليس من باب الصنائع الطبيعية ولا يتم بأمر صناعي وليس كلامهم فيها من منحى الطبيعيات إنما هو من منحى كلامهم في الأمور السحرية وسائر الخوارق، وقد ذكر مسلمة المجريطي في كتابة «الغاية» ما يشبه ذلك وكلامه فيها في كتاب «رتبة الحكيم» من هذا المنحى، وكذا كلام جابر في «رسائله». وبالجملة إن نيلها إن كان صحيحاً فهو واقع مما وراء الصنائع والطبائع فهي إنما تكون بتأثيرات النفس وخوارق العادة كالمشي على الماء وتخليق الطير فليست إلا معجزة أو كرامة أو سحراً، ولهذا كان كلام الحكماء فيها ألغازاً لا يظفر بتحقيقه إلا من خاض لجة من علوم السحر واطلع على تصرفات النفس في عالم الطبيعة، وأمور خرق العادة غير منحصرة ولا يقصد أحد إلى تحصيلها اهـ. وإلى إمكانها ذهب الإمام الرازي فقال الحق إمكانها لأن الأجساد السبعة مشتركة في أنها أجساد ذائبة صابرة على النار منطرقة وأن الذهب لم يتميز عن غيره إلا بالصفرة والرزانة أو الصورة الذهبية المفيدة لهذين العرضين إن ثبت ذلك، وما به الاختلاف لا يكون لازماً لما به الاشتراك، فإذن يمكن أن تتصف جسمية النحاس بصفرة الذهب ورزانته وذلك هو المطلوب. والحق أن الكيمياء ممكنة وأنها من الصنائع الطبيعية لكن العلم بها من أقاصي العلوم الصعبة التي لا يطلع عليها إلا من أهله الله تعالى لها واختصه سبحانه من عباده وأوليائه بها وهو علم تاهت في طلبه العقول وطاشت الأحلام، وأصله من الوحي الإلهي وحصل لبعض بالتصفية وكثرة النظر مع التجربة ووصل إلى من ليس أهلاً للوحي ولم يتعاط ما تعاطاه البعض بالتعلم ممن مَنَّ الله تعالى به عليه، وقال أرس: وهو من أجلة أهل هذا العلم كان أوله وحياً الله تعالى ثم درس وباد فاستخرجه من استخرجه من الكتب وقد جرت سنة الله تعالى فيمن ظفر به بكتمه إلا على من شاء الله تعالى وتواصت الحكماء على كتمه عن غير أهله بل قيل: إن الله تعالى أخذ على العقول في فطرتها المواثيق / بكتمانه وصيانته والاحتراس من إذاعته وإضاعته ولذا ترى الحكماء قد ألغزوه نهاية الإلغاز وأغمضوه غاية الإغماض حتى عد كلامهم من لم يعرف مرامهم حديث خرافة وحكم على قائله بالسفه والسخافة وبهذا الكتم حفظت حكمة الله تعالى التي زعمها ابن خلدون في النقدين وسقط استدلاله الذي سمعته فيما مر. وقد نص جابر بن حيان - وهو إمام في هذه الصنعة وإنكار أنه كان موجوداً حمق - في كتابه «سر الأسرار» على ما قلنا حيث قال: كل حكيم وضع رمزه وكتابه على معنى مبهم من وضع الحل والإصعاد والغسل على أربع طبائع وسماها الأجساد الثقال ووصف التدابير على لفظ ومعنى مشتبه، فهو عند الحكيم مفتوح، وعند الجهلة مغلق، وربما تعدوا إلى أخذ تلك الأجساد بعينها واختبروها ولم ينتفعوا بها، وشتموا الحكماء على كتمانهم هذا العمل وإنما عمارة الدنيا بالدراهم والدنانير وأن الناس الصناع والمقاتلة لا يعملون إلا لرغبة أو رهبة فعلموا أنهم إن أفشوا هذا السر حتى يعلمه كل أحد لم يتم أمر الدنيا وخربت، ولم يعمل أحد لأحد فخرجوا من ذلك وكتموه اهـ. ثم لا يخفى أن ما ذكره ابن خلدون أولاً من أن الاستحالة لعدم الإحاطة إذا ثبت أنها كانت عن وحي ليس بشيء على أن فيه ما فيه وإن لم يثبت ذلك، ومثل ذلك ما ذكره من أن الطبيعة لا تترك أقرب الطرق في أفعالها وترتكب الأبعد، لأنا نقول ما يحصل من الطبائع أيضاً، فيكون لها طريقان بعيد اقتضت الحكمة أن تسلكه غالباً وقريب اقتضت الحكمة أيضاً أن تسلكه نادراً بواسطة من شاء الله تعالى من عباده، وكون المنتحلين لم يزالوا يخبطون خبط عشواء إن أراد بهم أئمة هذه الصناعة كهرمس وسقراط وأفلاطون وأغاريمون وفيثاغورس، وهرقل، وفرفريوس، ومارية، وذو سيموس وأرس، وذومقراط، وسفيدوس، وبليناس، ومهراريس، وجابر بن حيان، والمجريطي، وأبو بكر بن وحشية، ومحمد بن زكريا الرازي وغيرهم مما لا يحصون كثرة فهم لم يخبطوا، ودون إثبات خبطهم خرط القتاد، وألغازهم لنكتة صرحوا بها لا يدل على خبطهم، وإن أراد بهم من يتعاطاها من المشاقين في عصره وفي هذه الأعصار؛ فما ذكر مسلم في أكثرهم وهو لا يطعن في إمكانها. وقد ذم الطغرائي هذا الصنف من الناس فقال في كتابه «تراكيب الأنوار»: إن المعلم الناصح موجود في كل صنعة إلا في هذا الفن، وكيف يرجى النصح عند قوم يسمون فيما بينهم بالحسدة وتحالفوا فيما بينهم أن لا يوضحوا هذه السرائر أبداً لا سيما في هذا الزمان الذي قد باد فيه هذا العلم جملة وصار المتعرض له والباحث عنه عند الناس مسخرة وقد عنيت برهة من الزمان أبحث عن كل من يظن أن عنده طرفاً من هذا العلم فما وجدت أحداً شم له رائحة ولا عرف منه شطر كلمة، ووجدت منتحلي هذه الصنعة الشريفة بين خادع يبيع دينه ومروءته بعرض من الدنيا قليل ويتلف أموال الناس بالتجارب الصادرة عن الجهل، وبين مخدوع مأخوذ عن رشده بالأمر الخائب والطمع الكاذب والتشاغل بالباطل عن طلب المعاش الجميل والتعويل على الأماني والأكاذيب. قصارى أحدهم أن ينظر في «كتب جابر» وأضرابه فيأخذ بظواهر كلامهم، ويغتر بجلايا دعاويهم دون حقائق معانيهم وهم وجميع من مضى من حكماء هذه الصنعة يحذرون الناس من الاغترار بظواهر كتبهم، وينادون على أنفسهم بأنهم يرمزون ويلغزون ولا يلتفت إلى قولهم ولا يصدقون إلى آخر ما قال. وقد تفاقم الأمر في زماننا إلى ما لا تتسع العبارة لشرحه، وكون الكيمياء من تأثيرات النفوس وخوارق العادات فلا تكون إلا معجزة أو / كرامة أو سحراً ليس بشيء بل هي بأسباب عادية لكنها خفية على أكثر الناس لا دخل لتأثير النفوس فيها أصلاً. نعم قد يكون من النبـي أو الولي ما يكون من الكيماوي من غير معاطاة تلك الأسباب فيكون ذلك كرامة أو معجزة، وكون منحى كلام بعض الحكماء فيها منحى كلامهم في الأمور السحرية لا يدل على أنها من أنواع السحر أو توابعه فإن ذلك من إلغازهم لأمرها، وقد تفننوا في الإلغاز لها وسلكوا في ذلك كل مسلك، فوضع بليناس كتابه فيها على الأفلاك والكواكب، ومنهم من تكلم عليها بالأمثال ومنهم من تكلم عليها بالحكايات التي هي أشبه شيء بالخرافات إلى غير ذلك. وبالجملة هي صنعة قلَّ من يعرفها جداً، وأعد الاشتغال بها والتصدي لمعرفتها من كتبها من غير حكيم عارف برموزها كما يفعله جهلة المنتحلين لها اليوم محض جنون، وكون أصلها الوحي الإلهي أو نحو ذلك هو الذي يغلب على الظن، وقد أورد الطغرائي في كتبه «كجامع الأسرار» وغيره ما يدل على ذلك، فذكر أنه روي عن هرمس أنه قال: إن الله عز وجل أوحى إلى شيث بن آدم عليهما السلام أن ازرع الذهب في الأرض البيضاء النقية واسقه ماء الحياة، وقالت مارية: إني لست أقول لكم من تلقاء نفسي، ولكني أقول لكم ما أمر الله تعالى به نبيه موسى عليه السلام وأعلمه أن الحجر النسطريس هو الذي يمسك الصبغ وقال بنسبتها إلى موسى عليه السلام ذوسيموس وأرس، وذكر أرس أن العمل بها كان طوع اليهود بمصر، وكان يوسف عليه السلام وهو أول من دخل مصر من بني إسرائيل يعرف ذلك فأكرمه فرعون لحكمته التي آتاه الله تعالى إياها، وذكر أيضاً فصلاً مرموزاً فيها نسبه إلى سليمان عليه السلام. وقال الطرسوسي في «كتابه»: إن الله تعالى لما أهبط آدم عليه السلام من الجنة عوضه علم كل شيء وكان علم الصنعة مما علمه، وانتقل من قوم إلى قوم كما انتقلت العلوم الأخر إلى أيام هرمس الأول، وقال أيضاً: حدثونا عن محمد بن جرير الطبري بإسناد له متصل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : زويت لي الأرض فأريت مشارقها ومغاربها وأعطيت الكبريت الأبيض والأحمر»تفسير : . وروى جابر عن جعفر الصادق رضي الله تعالى عنه في ذلك روايات كثيرة حتى أنه أسند إليه عدة من كتبه ولا أحقق قوله ولا أكذبه وأجله لموضعه من العلم والعمل عن الافتراء على الأئمة، وروي عن أمير المؤمنين علي كرم الله تعالى وجهه أنه سئل فقيل: له ما تقول فيما خاض الناس فيه من علم الكيمياء؟ فأطرق ملياً ثم رفع رأسه ثم قال: سألتموني عن أخت النبوة وتوأم المروة لقد كان وإنه لكائن وما من شجرة ولا مدرة ولا شيء إلا وفيه أصل وفرع أو أصل أو فرع قيل: يا أمير المؤمنين أما تعلمه؟ قال: والله تعالى أنا أعلم به من العالِمين له لأنهم يتكلمون بالعلم على ظاهره دون باطنه وأنا أعلم العلم ظاهره وباطنه، قيل: فاذكر لنا منه شيئاً نأخذه منك، قال: والله تعالى لولا أن النفس أمارة بالسوء لقلت، قيل: فما كان تقول؟ قال: إني أعلم أن في الزئبق الرجراج والذهب الوهاج والحديد المزعفر وزنجار النحاس الأخضر لكنوزاً لا يؤتى على آخرها يلقح بعضها ببعض فتفتر عن ذهب كامن، قيل: يا أمير المؤمنين ما نعلم هذا، قال: هو ماء جامد وهواء راكد ونار حائلة وأرض سائلة قالوا ما نفقه هذا، قال: لو حل للمؤمنين من أهل الحكمة أن يكلموا الناس على غير هذا لعلمه الصبيان في المكاتب اهـ كلام الطغرائي باختصار. وذكر في كتابه «مفاتيح الرحمة ومصابيح الحكمة» عن ستين نبياً وحكيماً أنهم قالوا بحقية هذا العلم، وفي القلب من صحة هذه الأخبار شيء، والأغلب على الظن أنه لو كان في الكيمياء خبر مقبول عند المحدثين لشاع ولما أنكرها من هو من أجلتهم كشيخ الإسلام تقي الدين أحمد بن تيمية فإنه كان ينكر ثبوتها وألف رسالة في إنكارها، ولعل رد الشيخ نجم الدين ابن أبـي الذر البغدادي وتزييفه ما قاله فيها كما زعم الصفدي إنما كان فيما هو من باب الاستدلالات العقلية فإن الرجل في باب النقليات مما لا يجاريه نجم الدين المذكور وأمثاله وهو في باب العقليات وإن كان جليلاً أيضاً إلا أنه دونه في النقليات، والمطلب دقيق حتى أن بعض من تعقد عليه الخناصر اضطرب في أمرها فأنكرها تارة وأقربها أخرى، فهذا شيخ الحكماء ورئيسهم أبو علي بن سينا سمعت ما نقل عنه أولاً، وحكي عنه الرجوع عنه، وعلى جودة ذهنه وعلو كعبه في الحكمة بأقسامها لم يقف على حقيقة عملها حتى قال الطغرائي في «تراكيب الأنوار»: ما ينقضي عجبـي من أبـي علي بن سينا كيف استجاز وضع رسالة في هذا الفن فضح بها نفسه وخالف الأصول التي عنده وقصر فيها عن كثير من الحشوية الطغام المظلمة الأذهان الكليلة الأفهام. وقال في «جامع الأسرار»: إن الشيخ أبا علي بن سينا لفرط شغفه بهذا العلم وحدسه القوي بأنه حق صنف رسالة فيه فأحسن فيما يتعلق بأصول الطبيعيات ولخفاء طريق القوم واستعمائها دونه لم يذكر في التدابير المختصة بعلمنا لفظة صحيحة ولا أشار إلى ذكر المزاج الحق والأوزان والتراكيب المكتومة والنيران وطبقاتها والآلة التي لا يتم العمل إلا بها وهي أحد الشرائط العشرة، ولم يتجاوز ما عند الحشوية من تدابير الزوابق والكباريت والدفن في زبل الخيل والتشاغل بهذه القاذورات ولولا آفة الإعجاب وحسن ظن الإنسان بعلمه وحرصه على أن لا يشذ عنه شيء من المعارف لكان من الواجب على مثله مع غزارة علمه وعلو طبقته في الأبحاث الحقيقية أن يكتفي بما عنده، ولا يتعرض لما لا يعلمه، وقد تأدى إلينا من تدابيره عن أصحابه الذين شاهدوها أنه لم يكن يعرف حقيقة علمنا، وقد رأينا بخطه من التعاريق الملتقطة من كلام جابر بن حيان، وخالد بن يزيد ما يدل أيضاً على ذلك اهـ ملخصاً، والكلام في هذا المطلب طويل وفيما ذكرنا كفاية لمن أحب الاطلاع على شيء مما قيل في ذلك، والله تعالى الموفق، ثم إن القول بأن المراد بالعلم في الآية علم استخراج الكنوز والدفائن يستدعي ثبوت هذا العلم، وأهل علم الحرف وعلم الطلسمات يقولون به ولهم في ذلك كلام طويل والعقل يجوز ثبوته، والله تعالى أعلم بثبوته في نفس الأمر. {أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ ٱلْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعاً } تقرير لعلمه ذلك وتنبيه على خطئه في اغتراره وعلمه بذلك من التوراة أو من موسى عليه السلام أو من كتب التواريخ أو من القصاص، والقوة تحتمل القوة الحسية والمعنوية، والجمع يحتمل جمع المال وجمع الرجال، والمعنى ألم يقف على ما يفيده العلم ولم يعلم ما فعل الله تعالى بمن هو أشد منه قوة حساً أو معنى وأكثر مالاً أو جماعة يحوطونه ويخدمونه حتى لا يغتر بما اغتر به، ويحتمل أن تكون الهمزة للإنكار داخلة على مقدر، وجملة ولم يعلم حالية مقررة للإنكار ودالة على انتفاء ما دخلت عليه كما في قولك: أتدعي الفقه وأنت لا تعرف شروط الصلاة، والمراد رد ادعائه العلم والتعظم به بنفي هذا العلم عنه أي أعلم ما ادعاه (ولم يعلم) هذا حتى يقي به نفسه مصارع الهالكين، وقيل: إن {لَمْ يَعْلَمْ } عطف على ذلك المقدر ونفي العلم عنه لعدم جريه على موجبه. {وَلاَ يَسْـئَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ ٱلْمُجْرِمُونَ } الظاهر أن هذا في الآخرة وأن ضمير {ذنوبهم} للجرمين، وفاعل السؤال إما الله تعالى أو الملائكة عليهم السلام، والمراد بالسؤال المنفي هنا، وكذا في قوله تعالى: {أية : فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُسْـئَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلاَ جَانٌّ }تفسير : [الرحمن: 39] على ما قيل: سؤال الاستعلام، ونفي ذلك بالنسبة إليه عز وجل ظاهر، وبالنسبة إلى الملائكة عليهم السلام لأنهم مطلعون على صحائفهم أو عارفون إياهم بسيماهم كما قال سبحانه: {أية : يُعْرَفُ ٱلْمُجْرِمُونَ بِسِيمَـٰهُمْ فَيُؤْخَذُ بِٱلنَّوَاصِى وَٱلأَقْدَامِ } تفسير : [الرحمٰن: 41]. والمراد بالسؤال المثبت في قوله عز وجل: {أية : فَوَرَبّكَ لَنَسْـئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ } تفسير : [الحجر: 92] سؤال التوبيخ والتقريع فلا تناقض بين الآيتين، وجوز أن يكون السؤال في الموضعين بمعنى والنفي والإثبات باعتبار موضعين أو زمانين، والمواقف يوم القيامة كثيرة واليوم طويل فلا تناقض أيضاً، والظاهر أن الجملة غير داخلة في حيز العلم، ولعل وجه اتصالها بما قبلها أنه تعالى لما هدد قارون بذكر إهلاك من قبله من أضرابه في الدنيا أردف ذلك بما فيه تهديد كافة المجرمين بما هو أشنع وأشنع من عذاب الآخرة فإن عدم سؤال المذنب مع شدة الغضب عليه يؤذن بالإيقاع به لا محالة، وجعل الزمخشري الجملة تذييلاً لما قبلها، وقيل: إن ذلك في الدنيا. والمراد أنه تعالى أهلك من أهلك من القرون عن علم منه سبحانه بذنوبهم فلم يحتج عز وجل إلى مسألتهم عنها، وقيل: إن ضمير ذنوبهم لمن هو أشد قوة وهو المهلك من القرون، والإفراد والجمع باعتبار اللفظ والمعنى، والمعنى ولا يسأل عن ذنوب أولئك المهلكين غيرهم ممن أجرم، ويعلم أنه لا يسأل عن ذنوبهم من لم يجرم بالأولى لما بين الصنفين من العداوة فمآل المعنى لا يسأل عن ذنوب المهلكين غيرهم ممن أجرم وممن لم يجرم، بل كل نفس بما كسبت رهينة، وكلا القولين كما ترى، وربما يختلج في ذهنك عطف هذه الجملة على جملة الاستفهام أو جعلها حالاً من فاعل {أهلك} أو من مفعوله؛ لكن إذا تأملت أدنى تأمل أخرجته من ذهنك وأبيت حمل كلام الله تعالى الجليل على ذلك. وقرأ أبو جعفر في رواية {وَلاَ تُسْـئَلُ } بتاء الخطاب والجزم {ٱلْمُجْرِمِينَ } بالنصب، وقرأ أبو العالية. وابن سيرين {وَلاَ تُسْـئَلُ } كذلك ولم ندر أنصبا المجرمين كأبـي جعفر أم رفعاه كما هو في قراءة الجمهور، والظاهر الأول، وجوز صاحب «اللوامح» الثاني، وذكر له وجهين: الأول أن يكون ضمير {ذنوبهم} للمهلكين من القرون وارتفاع المجرمين بإضمار المبتدأ أي هم المجرمون. والثاني أن يكون {المجرمون} بدلاً من ضمير {ذنوبهم} باعتبار أن أصله الرفع لأن إضافة ذنوب إليه بمنزلة إضافة المصدر إلى اسم الفاعل وأورد على هذا أن ذنوب جمع فإن كان جمع مصدر ففي إعماله خلاف.

ابن عاشور

تفسير : جواب عن موعظة واعظيه من قومه. وقد جاء على أسلوب حكاية المحاورات فلم يعطف وهو جواب متصلف حاول به إفحامهم وأن يقطعوا موعظتهم لأنها أمرَّت بطره وازدهاءه. و {إنما} هذه هي أداة الحصر المركبة من (إنّ) و (ما) الكافة مصيّرتين كلمة واحدة وهي التي حقها أن تكتب موصولة النون بميم (ما). والمعنى: ما أوتيت هذا المال إلا على علم علمته. وضمير {أوتيته} عائد إلى (ما) الموصولة في قولهم {أية : وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة}تفسير : [القصص: 77]. وبني الفعل للنائب للعلم بالفاعل من كلام واعظيه. و {على علم} في موضع الحال من الضمير المرفوع. و {على} للاستعلاء المجازي بمعنى التمكن والتحقق، أي ما أوتيت المال الذي ذكرتموه في حال من الأحوال إلا في حال تمكني من علم راسخ، فيجوز أن يكون المراد من العلم علم أحكام إنتاج المال من التوراة، أي أنا أعلم منكم بما تعظونني به، يعني بذلك قولهم له {أية : لا تفرح - وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة - وأحسن كما أحسن الله إليك ولا تبغ الفساد في الأرض}تفسير : [القصص: 76، 77]. وقد كان قارون مشهوراً بالعلم بالتوراة ولكنه أضلّه الله على علم فأراد بهذا الجواب قطع موعظتهم نظير جواب عمرو بن سعيد بن العاص الملقب بالأشدق لأبي شريح الكعبي حين قدم إلى المدينة أميراً من قبل يزيد بن معاوية سنة ستين فجعل يجهز الجيوش ويبعث البعوث إلى مكة لقتال عبد الله بن الزبير الذي خرج على يزيد، فقال أبو شريح له: ائذن لي أيها الأمير أحدِّثك قولاً قام به رسول الله الغد من يوم الفتح فسمعته أذناي ووعاه قلبي وأبصرته عيناي حين تكلم به إنه حمد الله وأثنى عليه ثم قال: «حديث : إن مكة حرمها الله ولم يحرمها الناس فلا يحل لامرىء يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دماً ولا يعضد شجرة فإن أحد ترخص لقتال رسول الله فقولوا: إن الله أذن لرسوله ولم يأذن لكم وإنما أذِن لي ساعة من نهار وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس وليبلِّغ الشاهد الغائب»تفسير : فقال عمرو بن سعيد: أنا أعلم بذلك منك يا أبا شريح إن الحرم لا يعيذ عاصياً ولا فاراً بدم ولا فارّاً بخربة. ويجوز أن يكون المراد بالعلم علم اكتساب المال من التجارة ونحوها، فأراد بجوابه إنكار قولهم: آتاك الله صلفاً منه وطغياناً. وقوله {عندي} صفة لــــ {علم} تأكيداً لتمكنه من العلم وشهرته به. هذا هو الوجه في تفسير هذه الجملة من الآية وهو الذي يستقيم مع قوله تعالى عقبه {أو لم يعلم أن الله قد أهلك من قبله من القرون} الآية، كما ستعرفه. وذكر المفسرون وجوهاً تسفر عن أشكال أخرى من تركيب نظم الآية في محمل معنى {على} ومحمل المراد من (العلم) ومحمل {عندي} فلا نطيل بذكرها فهي منك على طرف الثمام. وقوله {أو لم يعلم} الآية إقبال على خطاب المسلمين. والهمزة في {أو لم يعلم} للاستفهام الإنكاري التعجيبي تعجيباً من عدم جريه على موجب علمه بأن الله أهلك أمماً على بطرهم النعمة وإعجابهم لقوتهم ونسيانه حتى صار كأنه لم يعلمه تعجيباً من فوات مراعاة ذلك منه مع سعة علمه بغيره من باب «حفظت شيئاً وغابت عنك أشياء». وعطف هذا الاستفهام على جملة {قال إنما أوتيته}. وهذه جملة معترضة بين أجزاء القصة. والقوة: ما به يستعان على الأعمال الصعبة تشبيهاً لها بقوة الجسم التي تخول صاحبها حمل الأثقال ونحوها قال تعالى {أية : وأعدّوا لهم ما استطعتم من قوة}تفسير : [الأنفال: 60]. والجمع: الجماعة من الناس. قيل: كان أشياع قارون مائتين وخمسين من بني إسرائيل رؤساء جماعات. وجملة {ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون} تذييل للكلام فهو استئناف وليس عطفاً على أن الله قد أهلك من قبله. والسؤال المنفي السؤال في الدنيا وليس سؤال الآخرة. والمعنى: يحتمل أن يكون السؤال كناية عن عدم الحاجة إلى السؤال عن ذنوبهم فهو كناية عن علم الله تعالى بذنوبهم، وهو كناية عن عقابهم على إجرامهم فهي كناية بوسائط. والكلام تهديد للمجرمين ليكونوا بالحذر من أن يؤخذوا بغتة، ويحتمل أن يكون السؤال بمعناه الحقيقي، أي لا يسأل المجرم عن جرمه قبل عقابه لأن الله قد بين للناس على ألسنة الرسل بحدي الخير والشر، وأمهل المجرم فإذا أخذه أخذه بغتة وهذا كقوله تعالى {أية : حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون}تفسير : [الأنعام: 44] وقول النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : إن الله يُمْهِل الظالم حتى إذا أخذه لم يفلته»

د. أسعد حومد

تفسير : {لاَ يُسْأَلُ} (78) - فَأَجَابَ قَارُونُ نَاصِحِيهِ مِنْ قَومِهِ: إِنَّهُ لاَ يَفْتَقِرُ إلى مَا يَقُولُونَ، فإِنَّ اللهَ إِنَّما أعطَاهُ هذا المَالَ لِعلمِهِ بأَنَّهُ يَسْتَحِقُّهُ، وَلأَنَّهُ يُحِبّهُ. ويَرُدّ اللهُ تَعَالى عَليهِ قائِلاً: إِنَّهُ كَانَ قَبلَ قَارُونَ أُناسٌ كثيرونَ أكثرُ منهُ مالاً، إِلاَّ أَنهُ سُبحَانَهُ لَمْ يُعْطِهِمْ هذا المَالَ عَنْ مَحَبَّةٍ منهُ لهُمْ، وَقَدْ أَهْلَكَهُمْ بِكُفْرِهِمْ، وَعَدمِ شُكرِهِمْ، وفي الآخِرَةِ لا يَسْأَلُ اللهُ تَعَالى المُجرِمينَ عَنْ ذُنُوبِهِمْ، ومِقْدَارِهَا وَكُنْهِها.. وَلاَ يُعَاتِبُهُم عَلَيها، وإِنِّما يُلْقِيهِمْ فِي جَهَّنَم دُونَ سُؤَالٍ. مِنَ القُرُونِ - مِنَ الأُمَمِ. لا يُسْأَلُ - سُؤَال اسْتِعلامٍ بلْ سُؤَالَ تَوِبيخٍ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : لكن ما وجه هذا الردّ {إِنَّمَآ أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِيۤ ..} [القصص: 78] على المطلوبات الخمسة التي طلبوها منه؟ كأنه يقول لهم: لا دخلَ لكم بهذه الأمور؛ لأن الذي أعطاني المال علم أنني أهْلٌ له، وأنني استحقه؛ لذلك ائتمنني عليه، ولسْتُ في حاجة لنصيحتكم. أو يكون المعنى {إِنَّمَآ أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِيۤ ..} [القصص: 78] يعني: بمجهودي ومزاولة الأعمال التي تُغِل علىَّ هذا المال، وكان قارون مشهوراً بحُسْن الصوت في قراءة التوراة، وكان حافظاً لها. وكان حسن الصورة، وعلى درجة عالية بمعرفة أحكام التوراة. فعجيب أن يكون عنده كل هذا العلم ويقول {إِنَّمَآ أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِيۤ ..} [القصص: 78] ولا يعلم أن الله قد أهلك من قبله قروناً كانوا أشدَّ منه قوة، وأكثر منه مالاً وعدداً. {أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ ٱلْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعاً ..} [القصص: 78] فكيف فاتتْه هذه المسألة مع عِلْمه بالتوراة؟ ومعنى {أَوَلَمْ يَعْلَمْ ..} [القصص: 78] أي: من ضمن ما علم {مِنَ ٱلْقُرُونِ ..} [القصص: 78] أناس كانوا أكثر منه مالاً، وقد أخذهم الله وهم أمم لا أفراد، وكلمة {جَمْعاً ..} [القصص: 78] يجوز أن تكون مصدراً يعني: جمع المال، أو: اسم للجماعة أي: له عُصْبة. وبعد ذلك قال سبحانه: {وَلاَ يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ ٱلْمُجْرِمُونَ} [القصص: 78] وعلامة أنهم لا يُسألون أن الله تعالى يأخذهم دون إنذار يأخذهم على غِرَّة، فلن يقول لقارون: أنت فعلت كذا وكذا، وسأفعل بك كذا وكذا، وأخسف بك وبدارك الأرض، فأفعالك معلومة لك، والحيثيات السابقة كفيلة بأنْ يُفاجئك العذاب. وهكذا يتوقع أنْ يأتيه الخَسْف والعذاب في أيِّ وقت، إذن: لن نسألهم، ولن نُجري معهم تحقيقاً كتحقيق النيابة أو (البوليس)، حيث لا فائدة من سؤالهم، وليس لهم عندنا إلا العقاب. وبعد هذا كله وبعد أنْ نصحه قومه ما يزال قارون متغطرساً بَطِراً لم يَرْعَو ولم يرتدع، بل ظل فََرِِحاً باغياً مفسداً، ويحكي عنه القرآن: {فَخَرَجَ عَلَىٰ قَوْمِهِ ...}.

الجيلاني

تفسير : وبعدما سمع قارون منهم المواعظ والتذكيرات المتعلقة بإصلاح حاله، النافعة له في الاولى والأخرى أعرض عنهم وعن مقالهم عتواً واستبكاراً، حيث {قَالَ} مستعظماً بشأنه، مستبدأ برأيه: {إِنَّمَآ أُوتِيتُهُ} أي: ما أوتيت بما أوتيت من الرزق الصوري إلا {عَلَىٰ عِلْمٍ} حاصلٍ {عِندِيۤ} يعني: منشأ إتيان المال عليَّ وحصولها عندي اتصافي بعلم كامل موجب لحصولها تحصيلها؛ أي: ما هي وجمعها إلا بحولي وقوتي وعلمي بطرق تحصيلها. إنما قال هذا بطراً واستغناءً، وكبراً وخيلاءً، وقيلأ: إنه عالم بعلم الكيمياء، قال سبحانه رداً عليه على سبيل التعيير والتوبيخ: {أَ} بتفوه ويقول هذا الطاغي الباغي الهالك في تيه الغي والضلال أمثال هذه الخرافات {وَلَمْ يَعْلَمْ} بالتواتر ومطالعة كتب التواريخ، ومن القصص المثبتة في التوراة {أَنَّ ٱللَّهَ} المتعزز برداء العظمة والكبرياء {قَدْ أَهْلَكَ} واستاصل كثيراً {مِن قَبْلِهِ مِنَ} أهل {ٱلْقُرُونِ} الماضية {مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً} بحسب الأولاد والأتباع {وَأَكْثَرُ جَمْعاً} لحطام الدنيا، أما يستحي هذا الطاغي المسرف يظهر على الله، ولم يخف من بطشه وانتقامه بغتةً {وَ} من سرعة نفوذ قضاء الله وقت إرادة إنفاذه عند الغضب على أعدائه {لاَ يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ ٱلْمُجْرِمُونَ} [القصص: 78] إذ اطلاعه سبحانه بحالهم وضلالهم يكفي في انتقامهم، فلا يحتاج إلى سؤالهم؟!. وبعدما ذكروا عنده من الزواجر والعبر فلم ينزجر ولم يعتبر، بل ما زاد إلا بطراً وخيلاءً {فَخَرَجَ} يوماً من الأيام من بيته مباهياً {عَلَىٰ قَوْمِهِ} مستكبراً عليهم، مستغرقاً {فِي زِينَتِهِ} الكاملة؛ إذ هو على بغلة شبهاء - هي الأبلق الذي كثر بياضه على سواده - وعليه ثباب فاخرة حمرٌ كلها تسر الناظر إليها؛ من صفاء لونها وبهائها، وعلى البغلة سرج من ذهب ومعه أربعة آلاف على زيِّة، وقيل: تسعون ألفاً على زيِّه، وعلى خيولهم ومراكبهم أيضاً لبسة حمراء، فخرج الناس معه صافين حوله، ناظرين نحوه، متعجبين من حاله، متمنين من الله رتبته، حيث {قَالَ ٱلَّذِينَ يُرِيدُونَ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا} وزينتها، وهمهم مقصور إليها، وغاية متمناهم حصول مثلها لهم: {يٰلَيْتَ لَنَا} من حظوظ الدنيا {مِثْلَ مَآ أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ} [القصص: 79] ونصيبٍ كامل من الدنيا. {وَقَالَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ} اللدني والمعرفة الكاملة وبالنشأة الأخرى؛ رداً عليهم وإزالةً لحسرتهم، وردعاً لهم عن متمناهم على أبلغ وجه وآدكده: {وَيْلَكُمْ} أي: يلزمكم ويلكم، ويحل عليكم هلاككم أيها القاصرون عن معرفة الحق، وما يترتب عليها من المكاشفات والمشاهدات التي ما لا عينٌ رأت، ولا أذنٌ سمعت، ولا خطر على قلب بشر، بل {ثَوَابُ ٱللَّهِ} المحسن المفضل، ورضاه من عبده {خَيْرٌ} من الدنيا وما فيها من أضعافها وآلافها {لِّمَنْ آمَنَ} له احتساباً على نفسه {وَعَمِلَ صَالِحاً} أي: قرنَ إيمانه بالعمل الصالح إحساناً منه بالنسبة إليه سبحانه، وطلباً لمرضاته {وَ} بالجملة: {لاَ يُلَقَّاهَآ} أي: لا يصل إلى هذه المثوبة العظمى، والدرجة العليا التي أعدها الله لعباده {إِلاَّ ٱلصَّابِرُونَ} [القصص: 80] على ما جرى عليهم من البليات، وعلى مشاق الطاعات ومتاعب العبادات، والرضا بما أعطاهم الحق ورزقهم من الحظوظ بلا تمنٍ منهم، ولا تحسرٍ إلى مرتبة أحد من أصحاب الجاه والثروة، بل هم بما عندهم راضون، وبما أعطاهم الحق على مقتضى قسمته الأزلية متمكنون مطمئنون، ألا أنهم هم المؤمنون حقاً وأولئك الفائزون المفلحون؟!. ربنا اجعلنا من زمرتهم بمنِّك العظيم وجودك الكريم.

همام الصنعاني

تفسير : 2233- حدّثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {وَلاَ يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ ٱلْمُجْرِمُونَ}: [الآية: 78]، قال: يدخُلُونَ النار بغيرِ حِسَاب.