Verse. 3337 (AR)

٢٨ - ٱلْقَصَص

28 - Al-Qasas (AR)

اِنَّ الَّذِيْ فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْاٰنَ لَرَاۗدُّكَ اِلٰى مَعَادٍ۝۰ۭ قُلْ رَّبِّيْۗ اَعْلَمُ مَنْ جَاۗءَ بِالْہُدٰى وَمَنْ ہُوَفِيْ ضَلٰلٍ مُّبِيْنٍ۝۸۵
Inna allathee farada AAalayka alqurana laradduka ila maAAadin qul rabbee aAAlamu man jaa bialhuda waman huwa fee dalalin mubeenin

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«إن الذي فرض عليك القرآن» أنزله «لرادّك إلى معاد» إلى مكة وكان قد اشتاقها «قل ربي أعلم من جاء بالهدى، ومن هو في ضلال مبين» نزل جواباً لقول كفار مكة له: إنك في ضلال، أي فهو الجائي بالهدى، وهم في ضلال وأعلم بمعنى عالم.

85

Tafseer

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ ٱلْقُرْآنَ لَرَآدُّكَ إِلَىٰ مَعَادٍ} ختم السورة ببشارة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم بردّه إلى مكة قاهراً لأعدائه. وقيل: هو بشارة له بالجنّة. والأوّل أكثر. وهو قول جابر ابن عبد الله وابن عباس ومجاهد وغيرهم. قال القتبي: معاد الرجل بلده؛ لأنه ينصرف ثم يعود. وقال مقاتل: خرج النبيّ صلى الله عليه وسلم من الغار ليلاً مهاجراً إلى المدينة في غير الطريق مخافة الطلب، فلما رجع إلى الطريق ونزل الجحفة عرف الطريق إلى مكة فاشتاق إليها، فقال له جبريل إن الله يقول: {إِنَّ ٱلَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ ٱلْقُرْآنَ لَرَآدُّكَ إِلَىٰ مَعَادٍ} أي إلى مكة ظاهراً عليها. قال ابن عباس: نزلت هذه الآية بالجُحفة ليست مكية ولا مدنية. وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس {إِلى مَعَادٍ} قال: إلى الموت. وعن مجاهد أيضاً وعكرمة والزهري والحسن: إن المعنى لرادّك إلى يوم القيامة؛ وهو اختيار الزجاج. يقال: بيني وبينك المعاد؛ أي يوم القيامة؛ لأن الناس يعودون فيه أحياء و{فَرَضَ} معناه أنزل. وعن مجاهد أيضاً وأبي مالك وأبي صالح: {إِلى مَعَادٍ} إلى الجنة. وهو قول أبي سعيد الخدري وابن عباس أيضاً؛ لأنه دخلها ليلة الإسراء. وقيل: لأن أباه آدم خرج منها. {قُل رَّبِّيۤ أَعْلَمُ} أي قل لكفار مكة إذا قالوا إنك لفي ضلال مبين {رَّبِّيۤ أَعْلَمُ مَن جَآءَ بِٱلْهُدَىٰ وَمَنْ هُوَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ} أنا أم أنتم. قوله تعالى: {وَمَا كُنتَ تَرْجُوۤ أَن يُلْقَىٰ إِلَيْكَ ٱلْكِتَابُ} أي ما علمت أننا نرسلك إلى الخق وننزل عليك القرآن. {إِلاَّ رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ} قال الكسائي: هو استثناء منقطع بمعنى لكن. {فَلاَ تَكُونَنَّ ظَهيراً لِّلْكَافِرِينَ} أي عوناً لهم ومساعداً. وقد تقدّم في هذه السورة. قوله تعالى: {وَلاَ يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ ٱللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنزِلَتْ إِلَيْكَ} يعني أقوالهم وكذبهم وأذاهم، ولا تلتفت نحوهم وامض لأمرك وشأنك. وقرأ يعقوب: {يَصُدُّنْكَ} مجزوم النون. وقرى: {يُصِدُّنَّكَ} من أصدّه بمعنى صدّه وهي لغة في كلب. قال الشاعر:شعر : أُنَاسٌ أصدوا الناسَ بالسيف عنهم صُدُودَ السَّوَاقِي عن أنوفِ الحَوَائِم تفسير : {وَٱدْعُ إِلَىٰ رَبِّكَ} أي إلى التوحيد. وهذا يتضمن المهادنة والموادعة. وهذا كله منسوخ بآية السيف. وسبب هذه الآية ما كانت قريش تدعو رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى تعظيم أوثانهم، وعند ذلك ألقى الشيطان في أمنيته أمر الغَرَانيق على ما تقدّم. والله أعلم. قوله تعالى: {وَلاَ تَدْعُ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهاً آخَرَ} أي لا تعبد معه غيره فإنه لا إلٰه إلا هو. نفي كل معبود وإثبات لعبادته. {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ} قال مجاهد: معناه إلا هو وقال الصادق: دينه. وقال أبو العالية وسفيان: أي إلا ما أريد به وجهه؛ أي ما يقصد إليه بالقربة. قال:شعر : أستغفرُ اللَّهَ ذنباً لستُ مُحْصِيَه ربَّ العبادِ إليه الوَجْهُ والعملُ تفسير : وقال محمد بن يزيد: حدّثني الثوري قال سألت أبا عبيدة عن قوله تعالى: {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ} فقال: إلا جاهه، كما تقول لفلان وجه في الناس أي جاه. {لَهُ ٱلْحُكْمُ} في الأولى والآخرة {وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ}. قال الزجاج: {وَجْهَهُ} منصوب على الاستثناء، ولو كان في غير القرآن كان إلا وجهه بالرفع، بمعنى كل شيء غير وجهه هالك كما قال:شعر : وكلُّ أخٍ مُفارقُهُ أخوه لَعَمْرُ أبيكَ إلاّ الْفَرْقَدَانِ تفسير : والمعنى كل أخ غير الفرقدين مفارقه أخوه. {وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} بمعنى ترجعون إليه.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى آمراً رسوله صلوات الله وسلامه عليه ببلاغ الرسالة وتلاوة القرآن على الناس، ومخبراً له بأنه سيرده إلى معاد، وهو يوم القيامة، فيسأله عما استرعاه من أعباء النبوة، ولهذا قال تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ ٱلْقُرْءَانَ لَرَآدُّكَ إِلَىٰ مَعَادٍ} أي: افترض عليك أداءه إلى الناس {لَرَآدُّكَ إِلَىٰ مَعَادٍ} أي: إلى يوم القيامة، فيسألك عن ذلك؛ كما قال تعالى: {أية : فَلَنَسْـأَلَنَّ ٱلَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْـألَنَّ ٱلْمُرْسَلِينَ} تفسير : [الأعراف: 6] وقال تعالى: {أية : يَوْمَ يَجْمَعُ ٱللَّهُ ٱلرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَآ أُجِبْتُمْ} تفسير : [المائدة: 109] وقال: {أية : &#1649وَجِـاْىۤءَ بِٱلنَّبِيِّيْنَ وَالْشُّهَدَآءِ} تفسير : [الزمر: 69]. وقال السدي عن أبي صالح عن ابن عباس: {إِنَّ ٱلَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ ٱلْقُرْءَانَ لَرَآدُّكَ إِلَىٰ مَعَادٍ} يقول: لرادك إلى الجنة، ثم سائلك عن القرآن. قاله السدي، وقال أبو سعيد مثلها، وقال الحكم بن أبان عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما: {لَرَآدُّكَ إِلَىٰ مَعَادٍ} قال: إلى يوم القيامة، ورواه مالك عن الزهري، وقال الثوري عن الأعمش عن سعيد بن جبير عن ابن عباس: {لَرَآدُّكَ إِلَىٰ مَعَادٍ} إلى الموت، ولهذا طرق عن ابن عباس رضي الله عنهما، وفي بعضها: لرادك إلى معدنك من الجنة. وقال مجاهد: يحييك يوم القيامة، وكذا روي عن عكرمة وعطاء وسعيد بن جبير وأبي قزعة وأبي مالك وأبي صالح. وقال الحسن البصري: إي والله إن له لمعاداً، فيبعثه الله يوم القيامة، ثم يدخله الجنة. وقد روي عن ابن عباس غير ذلك. كما قال البخاري في التفسير من "صحيحه": حدثنا محمد بن مقاتل، أنبأنا يعلى، حدثنا سفيان العصفري عن عكرمة عن ابن عباس: {لَرَآدُّكَ إِلَىٰ مَعَادٍ} قال: إلى مكة، وهكذا رواه النسائي في تفسير "سننه"، وابن جرير من حديث يعلى، وهو ابن عبيد الطنافسي به، وهكذا رواه العوفي عن ابن عباس {عَلَيْكَ ٱلْقُرْءَانَ لَرَآدُّكَ} أي: لرادك إلى مكة؛ كما أخرجك منها. وقال محمد بن إسحاق عن مجاهد في قوله: {لَرَآدُّكَ إِلَىٰ مَعَادٍ} إلى: مولدك بمكة. وقال ابن أبي حاتم: وقد روي عن ابن عباس ويحيى بن الجزار وسعيد بن جبير وعطية والضحاك نحو ذلك. وحدثنا أبي، حدثنا ابن أبي عمر قال: قال سفيان فسمعناه من مقاتل منذ سبعين سنة عن الضحاك قال: لما خرج النبي صلى الله عليه وسلم من مكة، فبلغ الجحفة، اشتاق إلى مكة، فأنزل الله عليه {إِنَّ ٱلَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ ٱلْقُرْءَانَ لَرَآدُّكَ إِلَىٰ مَعَادٍ} إلى مكة، وهذا من كلام الضحاك يقتضي أن هذه الآية مدنية، وإن كان مجموع السورة مكياً، والله أعلم. وقد قال عبد الرزاق: حدثنا معمر عن قتادة في قوله تعالى: {لَرَآدُّكَ إِلَىٰ مَعَادٍ} قال: هذه مما كان ابن عباس يكتمها. وقد روى ابن أبي حاتم بسنده عن نعيم القارىء أنه قال في قوله: {لَرَآدُّكَ إِلَىٰ مَعَادٍ} قال: إلى بيت المقدس، وهذا ــــ والله أعلم ــــ يرجع إلى قول من فسر ذلك بيوم القيامة، لأن بيت المقدس هو أرض المحشر والمنشر، والله الموفق للصواب. ووجه الجمع بين هذه الأقوال أن ابن عباس فسر ذلك تارة برجوعه إلى مكة، وهو الفتح الذي هو عند ابن عباس أمارة على اقتراب أجل النبي صلى الله عليه وسلم كما فسر ابن عباس سورة: {أية : إِذَا جَآءَ نَصْرُ ٱللَّهِ وَٱلْفَتْحُ}تفسير : [النصر: 1] إلى آخر السورة، أنه أَجَلُ رسول الله صلى الله عليه وسلم نُعِي إليه، وكان ذلك بحضرة عمر بن الخطاب، ووافقه عمر على ذلك، وقال: لا أعلم منها غير الذي تعلم، ولهذا فسر ابن عباس تارة أخرى قوله: {لَرَآدُّكَ إِلَىٰ مَعَادٍ} بالموت، وتارة بيوم القيامة الذي هو بعد الموت، وتارة بالجنة التي هي جزاؤه ومصيره على أداء رسالة الله وإبلاغها إلى الثقلين: الإنس والجن، ولأنه أكمل خلق الله، وأفصح خلق الله، وأشرف خلق الله على الإطلاق. وقوله تعالى: {قُل رَّبِّيۤ أَعْلَمُ مَن جَآءَ بِٱلْهُدَىٰ وَمَنْ هُوَ فِي ضَلَـٰلٍ مُّبِينٍ} أي: قل لمن خالفك وكذبك يا محمد من قومك من المشركين، ومن تبعهم على كفرهم، قل: ربي أعلم بالمهتدي منكم ومني، وستعلمون لمن تكون له عاقبة الدار، ولمن تكون العاقبة والنصرة في الدنيا والآخرة. ثم قال تعالى مذكراً لنبيه نعمته العظيمة عليه، وعلى العباد، إذ أرسله إليهم: {وَمَا كُنتَ تَرْجُواْۤ أَن يُلْقَىٰ إِلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبُ} أي: ما كنت تظن قبل إنزال الوحي إليك أن الوحي ينزل عليك، {وَلَـٰكِن رَّحْمَةً مِّن رَّبِّكَ} أي: إنما أنزل الوحي عليك من الله؛ من رحمته بك وبالعباد بسببك، فإذا منحك بهذه النعمة العظيمة، {فَلاَ تَكُونَنَّ ظَهيراً لِّلْكَـٰفِرِينَ} أي: معيناً {لِلْكَـٰفِرِينَ} ولكن فارقهم ونابذهم وخالفهم، {وَلاَ يَصُدُّنَّكَ عَنْ ءَايَـٰتِ ٱللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنزِلَتْ إِلَيْكَ} أي: لا تتأثر لمخالفتهم لك، وصدهم الناس عن طريقك، لا تلو على ذلك، ولا تباله، فإن الله مُعْلٍ كلمتك، ومؤيد دينك، ومظهر ما أرسلك به على سائر الأديان، ولهذا قال: {وَٱدْعُ إِلَىٰ رَبِّكَ} أي: إلى عبادة ربك وحده لا شريك له، {وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُشْرِكَينَ}. وقوله: {وَلاَ تَدْعُ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهاً ءَاخَرَ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ} أي: لا تليق العبادة إلاَّ له، ولا تنبغي الإلهية إلاَّ لعظمته، وقوله: {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ} إخبار بأنه الدائم الباقي الحي القيوم، الذي تموت الخلائق ولا يموت؛ كما قال تعالى: {أية : كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو ٱلْجَلاَلِ وَٱلإِكْرَامِ} تفسير : [الرحمن: 26 ــــ 27] فعبر بالوجه عن الذات، وهكذا قوله ههنا: {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ} أي: إلا إياه. وقد ثبت في الصحيح من طريق أبي سلمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : أصدق كلمة قالها الشاعر لَبيد ــــ ألا كُلُّ شيءٍ ما خلا الله باطلُ ــــ»تفسير : . وقال مجاهد والثوري في قوله: {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ} أي: إلاَّ ما أريد به وجهُه، وحكاه البخاري في "صحيحه" كالمقرر له، قال ابن جرير: ويستشهد من قال ذلك بقول الشاعر:شعر : أَسْتَغْفِرُ الله ذَنْباً لستُ مُحْصِيَه رَبّ العبادِ إليهِ الوَجْهُ والعَمَلُ تفسير : وهذا القول لا ينافي القول الأول، فإن هذا إخبار عن كل الأعمال بأنها باطلة، إلاَّ ما أريد به وجه الله تعالى من الأعمال الصالحة المطابقة للشريعة، والقول الأول مقتضاه أن كل الذوات فانية وزائلة، إلا ذاته تعالى وتقدس، فإنه الأول الآخر الذي هو قبل كل شيء وبعد كل شيء. قال أبو بكر عبد الله بن محمد بن أبي الدنيا في كتاب "التفكر والاعتبار": حدثنا أحمد بن محمد بن أبي بكر، حدثنا مسلم بن إبراهيم، حدثنا عمر بن سليم الباهلي، حدثنا أبو الوليد قال: كان ابن عمر إذا أراد أن يتعاهد قلبه، يأتي الخربة، فيقف على بابها، فينادي بصوت حزين، فيقول: أين أهلك؟ ثم يرجع إلى نفسه فيقول: {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ} ـ وقوله: {وَلَهُ ٱلْحُكْمُ} أي: الملك والتصرف، ولا معقب لحكمه، {وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} أي: يوم معادكم، فيجزيكم بأعمالكم، إن خيراً فخير، وإن شراً فشر. آخر تفسير سورة القصص ولله الحمد والمنّة.

المحلي و السيوطي

تفسير : {إِنَّ ٱلَّذِى فَرَضَ عَلَيْكَ ٱلْقُرْءَانَ } أنزله {لَرَادُّكَ إِلَىٰ مَعَادٍ } إلى مكة وكان قد اشتاقها {قُل رَّبِّى أَعْلَمُ مَن جَاءَ بِٱلْهُدَىٰ وَمَنْ هُوَ فِى ضَلَٰلٍ مُّبِينٍ } نزل جواباً لقول كفار مكة له: إنك في ضلال، أي فهو الجائي بالهدى، وهم في ضلال و «أعلم» بمعنى عالم.

الماوردي

تفسير : قوله تعالى: {إنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ} فيه خمسة تأويلات: أحدها: أنزل عليك القرآن، قاله يحيى ابن سلام والفراء. الثاني: أعطاكه، قاله مجاهد. الثالث: أوجب عليك العمل به، حكاه النقاش. الرابع: حمّلك تأديته وكلفك إبلاغه، حكاه ابن شجرة. الخامس: بينه على لسانك، قال ابن بحر. ويحتمل سادساً: أي قدر عليك إنزاله في أوقاته لأن الفرض التقدير. {لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ} فيه خمسة أوجه: أحدها: إلى مكة، قاله مجاهد والضحاك وابن جبير، والسدي. الثاني: إلى بيت المقدس، قاله نعيم القاري. الثالث: إلى الموت، قاله ابن عباس وعكرمة. الرابع: إلى يوم القيامة، قاله الحسن. الخامس: إلى الجنة، قاله أبو سعيد الخدري. وقيل: إن هذه الآية نزلت في الجحفة حين عسف به الطريق إليها فليست مكية ولا مدنية. قوله تعالى: {... كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إلاَّ وَجْهُهُ} فيه ستة تأويلات: أحدها: معناه إلا هو، قاله الضحاك. الثاني: إلا ما أريد به وجهه، قاله سفيان الثوري. الثالث: إلا ملكه، حكاه محمد بن إسماعيل البخاري. الرابع: إلا العلماء فإن علمهم باق، قاله مجاهد. الخامس: إلا جاهه كما يقال لفلان وجه في الناس أي جاه، قاله أبو عبيدة. السادس: الوجه العمل ومنه قولهم: من صلى بالليل حسن وجه بالنهار أي عمله. وقال الشاعر: شعر : أستغفر الله ذنباً لست محصيه رب العباد إليه الوجه والعمل تفسير : {لَهُ الْحُكْمُ} فيه وجهان: أحدهما: القضاء في خلقه بما يشاء من أمره، قاله الضحاك وابن شجرة. الثاني: أن ليس لعباده أن يحكموا إلا بأمره، قاله ابن عيسى. {وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} يوم القيامة فيثيب المحسن ويعاقب المسيء، والله أعلم.

ابن عبد السلام

تفسير : {فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْءَانَ} أنزله، أو أعطاكه، أو ألزمك العمل به، أو حَمَّلك تأديته وتبليغه، أو بينه على لسانك. {مَعَادٍ} مكة، أو بيت المقدس، أو الموت. "ع"، أو يوم القيامة، أو الجنة.

الثعالبي

تفسير : وقوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ ٱلْقُرْءَانَ} قالت فرقة: معناه فرض عليك أحكام القرآنِ. وقوله تعالى: {لَرَادُّكَ إِلَىٰ مَعَادٍ} قال الجمهور: معناه: لرادك إلى الآخرة، أي: باعِثُكَ بعد الموت، وقال ابن عباس وغيره: المعاد: الجنة، وقال ابن عباس؛ أيضاً ومجاهد: المعادُ: مكة، وفي البخاري بسنده عن ابن عباس: {لَرَادُّكَ إِلَىٰ مَعَادٍ}: إلى مكة، انتهى. وهذه الآية نزلت بالْجُحْفَةِ؛ كما تقدَّم، والمعاد: الموضع الذي يعاد إليه. وقوله تعالى: {وَمَا كُنْتَ تَرْجُو أَن يُلْقَىٰ إِلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبُ إِلاَّ رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ} هو تعديد نعم، والظهيرُ: المعينُ. وقوله تعالى: {وَلاَ يَصُدُّنَّكَ عَنْ ءَايَـٰتِ ٱللَّهِ}: بأقوالهم؛ ولا تَلْتَفِتْ نحوهم؛ وامضِ لِشَأْنِكَ، وادعُ إلى ربك، وآيات الموادَعَةِ كلُّها منسوخةٌ. وقوله تعالى: {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ وَجْهَهُ} قالت فرقة: المعنى: كلُّ شيءٍ هالكٌ إلا هو سبحانه؛ قاله الطبري وجماعة منهم أبو المعالي ـــ رحمه اللّه ـــ وقال الزَّجَّاجُ: إلا إياهُ.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك رضي الله عنه قال‏:‏ لما خرج النبي صلى الله عليه وسلم من مكة فبلغ الجحفة، اشتاق إلى مكة، فأنزل الله ‏ {‏إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد‏}‏ إلى مكة‏.‏ وأخرج ابن مردويه عن علي بن الحسين بن واقد رضي الله عنه قال‏:‏ كل القرآن مكي أو مدني غير قوله ‏ {‏إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد‏} فإنها أنزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجحفة حين خرج مهاجراً إلى المدينة‏.‏ فلا هي مكية ولا مدنية، وكل آية نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل الهجرة فهي مكية‏.‏ فنزلت بمكة أو بغيرها من البلدان، وكل آية نزلت بالمدينة بعد الهجرة فإنها مدنية‏.‏ نزلت بالمدينة أو بغيرها من البلدان‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد والبخاري والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في الدلائل من طرق عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله ‏ {‏لرادك إلى معاد‏} ‏ قال‏:‏ إلى مكة‏.‏ زاد ابن مردويه ‏{‏كما أخرجك منها‏} .‏ وأخرج الفريابي وعبد بن حميد عن مجاهد رضي الله عنه ‏ {‏لرادك إلى معاد‏} ‏ قال‏:‏ إلى مولدك؛‏ إلى مكة‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن الضحاك رضي الله عنه،‏ مثله‏.‏ وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما ‏ {‏لرادك إلى معاد‏} ‏ قال‏:‏ الموت‏. وأخرج عبد بن حميد وابن مردويه عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ‏ {‏لرادك إلى معاد‏} ‏ قال‏:‏ الموت‏. وأخرج عبد بن حميد وابن مردويه وأبو يعلى وابن جرير عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ‏{‏لرادك إلى معاد‏} ‏ قال‏:‏ الآخرة‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما ‏ {‏لرادك إلى معاد‏}‏ قال‏:‏ إلى يوم القيامة‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة رضي الله عنه‏، مثله‏.‏ وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه {‏إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد‏} ‏ قال‏:‏ يحييك يوم القيامة‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن الحسن رضي الله عنه ‏ {‏لرادك إلى معاد‏} ‏ قال‏:‏ إن له معاداً يبعثه الله يوم القيامة، ثم يدخله الجنة‏. وأخرج الحاكم في التاريخ والديلمي عن علي رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم ‏ {‏لرادك إلى معاد‏}‏ قال: الجنة‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري في تاريخه وأبو يعلى وابن المنذر عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ‏{‏لرادك إلى معاد‏} ‏ قال‏:‏ معاده الجنة، وفي لفظ ‏"معاده‏"‏ آخرته‏.‏ وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما ‏{‏لرادك إلى معاد‏} ‏ قال‏:‏ إلى معدنك من الجنة‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه عن ابن عباس ‏ {‏إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد‏}‏ قال‏:‏ لرادك إلى الجنة، ثم سائلك عن القرآن‏.‏ وأخرج الفريابي عن أبي صالح رضي الله عنه في قوله ‏{‏لرادك إلى معاد‏} ‏ قال‏:‏ إلى الجنة‏.‏ وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله ‏{‏لرادك إلى معاد‏} ‏ قال‏:‏ هذه مما كان يكتم ابن عباس رضي الله عنهما‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن نعيم القاري رضي الله عنه ‏{‏لرادك إلى معاد‏} ‏ قال‏:‏ إلى بيت المقدس‏.‏

ابو السعود

تفسير : {إِنَّ ٱلَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ ٱلْقُرْءانَ} أوجبَ عليك تلاوتَه وتبليغَه والعملَ به {لَرَادُّكَ إِلَىٰ مَعَادٍ} أي معادٍ تمتدُّ إليه أعناقُ الهممِ وترنُو إليه أحداقُ الأممِ وهو المقامُ المحمودُ الذي وعدك أنْ يبعثك فيه، وقيل هو مكَّةُ المعظَّمةُ على أنَّه تعالى قد وعدَه وهو بمكَّةَ في أذيَّةِ وشدَّة من أهلها أنَّه يُهاجرُ به منها ثم يعيدُه إليها بعزَ ظاهرٍ وسلطانٍ قاهرٍ، وقيل: نزلتْ عليه حينَ بلغ الجُحْفةَ في مهاجرهِ وقد اشتاق إلى مولده، ومولدِ آبائِه وحرمِ إبراهيمَ عليه السَّلام فنزلَ جبريلُ عليه السَّلامُ فقال له أتشتاقُ إلى مكَّةَ قال نعمَ فأَوحاها إليهِ {قُل رَّبّي أَعْلَمُ مَن جَاء بِٱلْهُدَىٰ} وما يستحقُّه من الثَّوابِ والنَّصرِ. ومَن منتصبٌ بفعلٍ يدلُّ عليهِ أعلمُ أي يعلُم وقيل: بأعلُم على أنَّه بمعنى عالمٍ. {وَمَنْ هُوَ فِي ضَلَـٰلٍ مُّبِينٍ} وما استحقَّه من العذابِ والإذلالِ يعني بذلك نفسَه والمشركينَ وهو تقريرٌ للوعيدِ السَّابقِ وكذا قولُه تعالى: {وَمَا كُنتَ تَرْجُو أَن يُلْقَىٰ إِلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبُ} أي سيردُّك إلى معادِك كما ألقى ألبـيك الكتابَ وما كنتَ ترجُوه{إِلاَّ رَحْمَةً مّن رَّبّكَ} ولكن ألقاه إليك رحمةً منه ويجوزُ أنْ يكون استثناءً محمُولاً على المعنى كأنَّه قيل: وما ألقي إليك الكتاب إلا رحمةً أي لأجلِ التَّرحُّمِ {فَلاَ تَكُونَنَّ ظَهيراً لّلْكَـٰفِرِينَ} بمدارتِهم والتحملِ عنهم والإجابةِ إلى طلبتِهم {وَلاَ يَصُدُّنَّكَ} أي الكافرون {عَنْ ءايَـٰتِ ٱللَّهِ} أي عن قراءتِها والعملِ بها {بَعْدَ إِذْ أُنزِلَتْ إِلَيْكَ} وفُرضت عليكَ وقُرىء يُصِدُّنك من أَصَدَ المنقُولِ من صَدَّ اللازمِ {وَٱدْعُ} النَّاسَ{إِلَىٰ رَبّكَ} إلى عبادتِه وتوحيدِه {وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُشْرِكَينَ} بمساعدتِهم في الأمورِ {وَلاَ تَدْعُ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهاً ءاخَرَ} هذا وما قبلَهُ للتَّهيـيجِ والألهابِ وقطعِ أطماعِ المُشركينَ عن مساعدتِه عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لهم وإظهارِ أنَّ المنهيَّ عنه في القُبحِ والشريَّةِ بحيثُ يُنهى عنْهُ من لا يمكن صدورُه عنه أصلاً {لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ} وحدَهُ {كُلُّ شَيْء هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ} إلا ذاتَه فإنَّ ما عداهُ كائناً ما كان ممكنٌ في حدِّ ذاتِه عرضةٌ للهلاكِ والعدمِ {لَهُ ٱلْحُكْمُ} أي القضاءُ النافذُ في الخلقِ {وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} عندَ البعثِ للجزاءِ بالحقِّ والعدلِ. عن النبـيِّ عليه الصَّلاة والسَّلام: «حديث : مَنْ قرأَ طسم القصصَ كانَ له من الأجرِ بعددِ مَن صدَّق مُوسى وكذَّب ولم يبقَ مَلَكٌ في السَّمواتِ والأرضِ إلا شهدَ له يومَ القيامةِ أنَّه كانَ صادقاً«

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ ٱلْقُرْآنَ لَرَآدُّكَ إِلَىٰ مَعَادٍ} [الآية: 85]. قال الواسطى رحمة الله عليه فى قوله: {لَرَآدُّكَ إِلَىٰ مَعَادٍ} قال: مجالسته ليلة المسرى والى مخاطبات الرُّوح بالقرآن وقيل العمل عند مباينة أثر الكون عليه. قال ابن عطاء: إن الذى يسّر عليك القرآن قادر أن يردك إلى وطنك الذى منه ظهرت حتى يشاهدك سرك على دوام أوقاتك. وقال الحسن: إن الذى فرقك يرسم الإبلاغ للخلق سيردك إلى معنى يجمع بالفناء عن ملاحظتهم والترسم معهم على حد البلاغ برسومهم بتخصيصك بمقام لا يخص وبيان الإخلاص. قال ابن عطاء: إنَّ الذى حفظك فى أوقات المخاطبة لرادك الى وطنك من المشاهدة. قال الواسطى رحمة الله عليه: إلى حيث شاهد روحك والى الكرم الذى أظهرك منه.

القشيري

تفسير : {لَرَآدُّكَ إِلَىٰ مَعَادٍ}: في الظاهر إلى مكة.. وكان يقول كثيراً: "الوطن الوطن"، فَحَقَّقَ اللَّهُ سُؤْلَه. وأَمَّا في السِّرِّ والإشارة فإنه {فَرَضَ عَلَيْكَ ٱلْقُرْآنَ} أي يَسَّرَ لك قراءةَ القرآن، والمَعَادُ هو الوصفُ الذي كانت عليه روحُك قبل حلول شَجِّك من مُلاَدغات القُرْبِ ومطالعات الحقِّ. وقيل الذي ينصبك بأوصاف التفرقة بالتبليغ وبسط الشريعة لرادُّك إلى عين الجمع بالتحقُّق بالحقِّ والفناء عن الخَلْق. ويقال إن الذي أقامك بشواهد العبودية فيما أثبتك به لرادُّك إلى الفناء عنك بمحقك في وجود الحقيقة.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {إِنَّ ٱلَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ ٱلْقُرْآنَ لَرَآدُّكَ إِلَىٰ مَعَادٍ} ان الله سبحانه خلق روح المصطفى صلى الله عليه وسلم بين قرين نور الجمال ونور الجلال حين اظهر ذاته سبحانه فوصل نور الذات الى نور الجمال والجلال ثم تجلى من جميع الصفات والذات بين الجلال والجمال المكمن غيب الغيب فظهر روحه عليه السّلام وصار اهلا للقران لانه كان مخصوصا باهلية روية الذات والصفات جميعا فنزل القرأن على معدن اهلية لياخذه ويرجع به الى معدن الذى بدأ منه وهذا معنى قوله تعالى ان الذى فرض عليك القرأن لرادك على معاد اى ان الذى خاطبك بكلامه القديم لرادك اليه بمراكب القرأن وذلك المعدن معدن التنزيه المنزه عن التشاكل والتباعد والاجتماع والافراق نظر الى شوقك فى قلبك الى معدنك من عالم الملكوت والجبروت بردك بانوار صفاته الى مشاهدات ذاته تعالى الله من اشارة الزنادقة والثنوبين لذلك قال عليه السّلام حب الوطن من الايمان قال الوساطى فى قوله لرادك الى معاد قال مجالسة ليلة المسرى ومالى مخاطبات الروح بالقرأن قال ابن عطا الذى يسر عليك القرأن قادران يروك الى وطنك الذى منه ظهرت حتى تشاهده بسرك على دوام اوقات لك قال الحسين ان الذى فوقك برسم الابلاغ الى الخلق سيردك الى معنى الجمع بالفناء عن ملاحظاتهم والترسم معهم على حد الابلاغ برسومهم ويخصصك بالمقام الاخص والبيان الاخلص وقال ابن عطا الذى حفظك فى اوقات المخاطبة لرادك الى وطنك من المشاهدة قال الواسطى الى حيث شاهد روحك الى الكرم الذى اظهرك منه قال الاستاذ ان الذى اقامك شواهد العبودية فيما اثبتك لرادك الى الفناء عنك بمحوك فى وجود الحقيقة.

اسماعيل حقي

تفسير : {ان الذى} اى ان الله الذى {فرض عليك القرءان} اوجب عليك تلاوته وتبليغه والعمل به {لرادك} اى بعد الموت والرد الصرف والارجاع {الى معاد} اى مرجع عظيم يغضبك به الاولون والآخرون وهو المقام المحمود الموعود ثوابا على احسانك فى العمل وتحمل هذه المشقات التى لا تحملها الجبال. وقال الامام الراغب فى المفردات الصحيح مااشار به امير المؤمنين وذكره ابن عباس رضى الله عنهما ان ذلك الجنة التى خلقه الله تعالى فيها بالقوة فى ظهر آدم واظهره منه يقال عاد فلان الى كذا وان لم يكن فيه سابقا. واكثر اهل التفسير على ان المراد بالمعاد مكة تقول العرب رد فلان الى معاده يعنى الى بلده لانه يتصرف فى الارض ثم يعود الى بلده والآية نزلت بالجحفة بتدقيم الجيم المضمومة على الحاء الساكنة موضع بين مكة والمدينة وهو ميقات اهل الشام وعليه المولى الفنارى فى تفسير الفاتحة. والمعنى لراجعك الى مكان هو لعظمته اهل لان يقصد العود اليه كل من خرج منه وهو مكة المشرفة وطنك الدنيوى ـ وروى ـ انه لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من الغار مهاجرا الى المدينة ومعه ابو بكر الصديق رضى الله عنه عدل عن الطريق مخافة الطلب فلما امن رجع الى الطريق ونزل الجحفة وكانت قرية جامعة على اثنين وثمانين ميلا وكانت تسمى مهيعة فنزلها بنوا عبيد وهم اخوة عاد وكان اخرجهم العماليق من يثرب فجاءهم سيل فاجحفهم اى ذبه بهم فسميت جحفة فلما نزل اشتاق الى مكة لانها مولده وموطنه ومولد آبائه وبها عشيرته وحرم ابراهيم عليه السلام شعر : مشتاب ساريان كه مرا باى دركلست بيرون شدن زمنزل اصحاب مشكلست جون عاقبت زصحبت ياران بريدنست بيوند باسكى نكند هركه عاقلست تفسير : وقال شعر : فتنها درانجمن بيداشود از شور من جون مرا در خاطر آيد مسكن ومأواى دوست تفسير : فنزل جبريل عليه السلام فقال له أتشتاق الى مكة قال نعم شعر : ممكن نشد شرح دهم اشتياق را تفسير : فاوحاها اى الآية اليه وبشره بالغلبة والظهور اى لرادك الى مكة ظاهرا من غير خوف فلا تظن انه يسلك به سبيل ابويك ابراهيم فى هجرته من حران بلد الكفر الى الارض المقدسة فلم يعد اليها واسماعيل من الارض المقدسمة الى اقدس منها فلم يعد اليها: قال الحافظ شعر : سروش عالم غيبم بشارتى خوش داد كه كسى هميشه بكيتى درم نخواهد ماند تفسير : قال ابن عطاء رحمه الله ان الذى يسر عليك القرآن قادر على ان يردك الى وطنك الذى ظهرت منه حتى تشاهد سرك على دوام اوقاتك كام قال فى التأويلات الكاشفى [معاد فنا فى الله است دراحديت ذات وبقا بالله درمقام تحقق بجميع صفات وبرسالك متبصر اينجا سر منه بدا واليه يعود روشن ميكردد شعر : جون اوزبد اين وآنرا ابتدا هم بدو بايدكه باشد انتها نورهايى راكه كردازحق طلوع جلمه راهم سوى اوباشدرجوع تفسير : ثم قرر الوعد السابق فقال {قل ربى اعلم} بعلم {من جاء بالهدى} ومايستحقه من الثواب فى المعاد والنصرة فى الدنيا {ومن هو فى ضلال مبين} يريد به المشركين. ودلت الآية على ان الله تعالى يفتح على المهتدى ويقهر الضال ولكل عسر يسر فسوف يراه من يصبر فلا ينبغى للعاقل ان ييأس من روح الله ـ روى ـ ان رجلا ركب البحر فانكسرت السفينة فوقع فى جزيرة فمكث ثلاثة ايام لايرى احدا ولم يذق شيئا فتمثل بقوله شعر : اذا شاب الغراب اتيت اهلى وصار القير كاللبن الحليب وصار البر مسكن كل حوت وصار البحر مرتع كل ذيب تفسير : فسمع هاتفا يهتف شعر : عسى الكرب الذى امسيت فيه يكون وراءه فرج قريب فيأمن خائف ويفك عان ويأتى اهله الرجل الغريب تفسير : قال فما لبث ساعة الا فرج الله عنه. وفى تفسير الآية اشارى الى ان حب الوطن من الايمان وكان عليه السلام يقول كثيرا الوطن الوطن فحقق الله سؤله يقال الابل نحن الى اوطانها وان كان عهدا بعيدا والطير الى وكره وان كان موضعه مجديا والانسان الى وطنه وان كان غيره اكثر له نفعنا وقدم اصيل الغفارى على رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قبل ان يضرب الحجاب فقالت له عائشة رضى الله عنها كيف تركت مكة قال اخضر نباتها وابيض بطحاؤها واغدق اذخرها واث سملها فقال عليه السلام "حديث : حسبك يااصيل لاتحزنى"تفسير : قال عمر رضى الله عنه لولا حب الوطن لخرب بلد السوء فبحب الاوطان عمرت البلدان. واعلم ان الميل الى الاوطان وان كان لاينقطع عن الجنان لكن يلزم للمرء ان يختار من البقاع احسنها دينا حتى يتعاون بالاخوان. قيل لعيسى عليه السلام من نجالس ياروح الله قال من يزيد فى علمكم منطقه ويذكركم الله رؤيته ويرغبكم فى الآخرة عمله: قال الشيخ سعدى قدس سره شعر : سعد ياحب وطن كرجه حديث است صحيح نتوان مرد بسختى كه من اينجا زادم تفسير : وقال الحافظ شعر : ديار يار مرد مرا مقيد ميكند ورنه جه جاى فارس كين محنت جهان بكسر نمى ازرد تفسير : والعاقل يختار الفراق عن الاحباب والاوطاق ولايجترىء على الفراق عن الملك الديان شعر : لكى شىء اذا فارقته عوض وليس لله ان فارقت من عوض تفسير : فاقطع الالفة عما سوى الله اختيارا قبل الانقطاع اضطرارا شعر : الفت مكير همجوالف هيج باكسى تابسته الم نشوى وقت انقطاع تفسير : ذو النون مصرى قدس سره [ميكويد روزى درثناى سفركه شهرى رسيدم خواستم كه دراندرون شهر روم بردران شهر كوشكى ديدم وجويى روان بنزديك جوى رفتم وطهارت كردم جون جشم بر بام كوشك افتاد كنيزكى را ديدم ايستاده درغايت حسن وجمال جون نظر او بمن افتاد كفت اى ذو النون من ترا ازدور ديدم بنداشتم كه مجنونى وجون طهارت كردى تصور كردم عالمى وجون از طهارت فارغ شدى وبيش آمدى بنداشتم عارفى اكنون محقق شدم نه مجنونى نه عالمى ونه عارفى كفتم جرا كفت اكر ديوانه بودى طهارت نكردى واكر عالم بودى نظر بخانه بيكانه ونامحرم نكردى واكر عارف بودى دل تو بما سوى الله مايل نبودى] كذا فى جليس الخلوة وانيس الوحدة

ابن عجيبة

تفسير : قلت: (ولا يصدنك): مجزوم بحذف النون، وحذفت الواو لالتقاء الساكنين، حين دخلت نون التوكيد. يقول الحق جل جلاله: لرسوله صلى الله عليه وسلم {إن الذي فَرَضَ عليك القرآن} أي: أوجب عليك تلاوته وتبليغه، والعمل بما فيه، {لرادُّك إلى معاد} عظيم، وهو المعاد الجسماني؛ لتقوم المقام المحمود، الذي لا يقوم فيه أحد غيرك، مع حضور الأكابر من الرسل وغيرهم. أو: لرادك إلى معادك الأول، وهو مكة، وكان عليه الصلاة والسلام اشتاق إليها؛ لأنها مولده ومولد آبائه، وقد ردّه إليها يوم الفتح، وإنما نكَّره؛ لأنه كان في ذلك اليوم معاد له شأن، ومرجع له اعتداد؛ لغلبته - عليه الصلاة والسلام - ونصره، وقهره لأعدائه، ولظهور عز الإسلام وأهله، وذل الشرك وحزبه. والسورة مكية، لكن هذه الآية نزلت بالجُحْفَةِ، لا بمكة ولا بالمدينة، وفي الآية وعد بالنصر، وأن العاقبة الحسنة والخير الجسيم للنبي صلى الله عليه وسلم لا يختص بالآخرة، بل يكون في الدنيا له ولمتَّبِعيهِ، ولكن بعد الابتلاء والامتحان، كما في صدر السورة الآتية بعدها، وبهذا يقع التناسب بينهما، فإنها كالتعليل لِمَا قبلها. ولما وعده بالنصر قال له: (قل ربي أعلم من جاء بالهُدى أي: يعلم مَنْ جاء بالحق، يعني نَفْسَهْ صلى الله عليه وسلم مع ما يستحقه من النصر والثواب، في معاده، {ومن هو في ضلال مبين}؛ وهم المشركون، مع ما يستحقونه من العقاب في معادهم. {وما كنتَ ترجو أن يُلقى}؛ يوحي {إليك الكتابُ} أي: القرآن، فكما ألقى إليك الكتاب، وما كنت ترجوه؛ كذلك يردك إلى معادك الأول، من غير أن تَرْجُوَهُ، {إلا من رحمةً من ربك}، لكن ألقاه إليك، رحمة منه إليك، ويجوز أن يكون استثناء محمولاً على المعنى, كأنه قال: وما أُلْقِيَ إليك الكتاب إلا رحمة من ربك, {فلا تكونن ظهيراً}؛ معيناً {للكافرين} على دينهم؛ بمُداراتهم والتحمل عنهم، والإجابة إلى طلبتهم. {ولا يَصُدُّنَّك عن آيات الله} أي: لا يمنعك هؤلاء عن العمل بآيات الله وتبليغها وإظهارها، {بعد إذ أُنزلت إليك} أي: بعد وقت إنزالها، و {إذ}: مضاف إليه أسماء الزمان، كقولك: حينئذٍ ويَومَئذٍ. {وادعُ إلى ربك}؛ إلى توحيده وعبادته، {ولا تكونن من المشركين}، نهاه، تنفيراً لغيره من الشرك. {ولا تَدْعُ مع الله إلهاً آخر}، قال ابن عباس رضي الله عنه: الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، والمراد به أَهْلُ دينه. قال البيضاوي. وهذا وما قبله تهييج، وقطع أطماع المشركين عن مساعدته لهم، {لا إله إلا هو}: استئناف، مقرر لِمَا قبله، {كلُّ شيءٍ هالكٌ إلا وَجْهَهُ} أي: ذاته، فالوجه يُعَبِّرُ به عن الذات، أي: لكل شيء فانٍ مستهلك معدوم، إلا ذاته المقدسة، فإنها موجودة باقية. وقال أبو العالية: إلا ما أريد به وجه الله، مِنْ عِلْمٍ وعمل، فإنه لا يفنى. قال عبادة بن الصامت رضي الله عنه: يجاء بالدنيا يوم القيامة، فيقال: ميزوا ما كان لله تعالى منها، فيميز، ثم يؤمر بسائرها فيُلقى في النار. هـ. وقال الضحاك: كل شيء هالك إلا الله والجنة والنار والعرش. {له الحُكْمُ}؛ القضاء النافذ في خلقه، {وإليه تُرجعون}؛ للجزاء والفصل. والله تعالى أعلم. الإشارة: أهل الاشتياق يُرَوِّحُونَ أرواحهم بهذه الآية، فيقولون لها: إن الذي فرض عليك القرآن، أن تعمل به في الدنيا لرادك إلى معاد جسماني روحاني، فتتصل نضرتك ونظرتك إلى وجه الحبيب، من غير عذول ولا رقيب، على سبيل الاتصال، من غير تكدر ولا انفصال، فإن وقع الإنكار على أهل الخصوصية؛ فيقولون: {ربي أعلم} الآية.. وما كنت ترجو أن تُلْقَى إليك الخصوصية إلا رحمة من ربك، فلا تكونن ظهيراً للكافرين المنكرين لها، معيناً لهم على إذاية من انتسب إليها، ولا يصدنك عن معرفة آيات الله الدالة عليه، بعد إذ أُنزلت إليك، أي: لا يمنعك الناس عن صحبة أولياء الله, الدالين عليه، وادع إلى ربك، أي: إلى معرفة ذاته ووحدانيته، ولا تكونن من المشركين بشهود شيء من السِّوى، فإن كل شيء هالك، أي: معدم في الماضي والحال والاستقبال، إلا وجهه: إلا ذاته، فلا موجود معها، وفي ذلك يقول الشاعر: شعر : الله قُلْ، وذَرِ الْوُجُودَ وَمَا حَوَى إِنْ كُنْتَ مُرْتَاداً بُلُوغَ كَمَال فَالْكُلُّ، دون اللهِ, إِن حَقَّقْتَهُ, عَدََمٌ عَلَى التَّفْصِيل وَالإجْمَالِ وَاعلَمْ بأنَّكَ, والعَوالِمَ كُلَّها, لَوْلاَهْ, فِي مَحْوٍ وَفِي اضْمِحْلاَلِ مَنْ لاَ وُجُودَ لِذَاتِهِ مِنْ ذَاتِهِ فَوُجُودُهُ، لولاه, عَيْنُ مُحَالِ فَالْعَارِفُون فَنَوْا، وَلَمْ يَشْهَدُوا شَيْئاً سِوَى المُتَكَبِّرِ الْمُتَعَالِ وَرَأَوْا سِوَاهُ عَلَى الحَقِيقَةِ هَالِكاً فِي الْحَاِلِ وَالْمَاضِي وَالاسْتِقْبَال تفسير : وبالله التوفيق، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وَصَلَّى اللهُ على سيدنا محمد وآله وصحبه، وسَلَّمَ.

الجنابذي

تفسير : {إِنَّ ٱلَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ ٱلْقُرْآنَ} اى عيّن عليك او فرض او سنّ عليك العمل بما فيه من اعماله واخلاقه {لَرَآدُّكَ إِلَىٰ مَعَادٍ} اى الى مكّة فانّ المعاد هو المحلّ الّذى كنت فيه ثمّ خرجت منه واردت العود اليه. اعلم، انّ القرآن اسم لمقام الجمع ولمّا كان كتاب محمّد (ص) مصدره مقام الجمع الّذى هو مقام المشيّة الّتى هو مقام الجمع المطلق والبرزخ بين الوجوب والامكان ومجمع بحرى الوجوب والامكان سمّاه الله تعالى بالقرآن، وفرض القرآن على محمّدٍ (ص) عبارة عن ايصاله الى ذلك المقام الّذى لم يصل اليه احد من الانبياء (ع)، ولمّا كان محمّد (ص) مبدء نزوله هذا المقام يصدق على هذا المقام انّه معاد محمّد (ص)، ولمّا كان محمّد (ص) محيطاً بالكلّ وله مقام فى الدّنيا ومقام فى نفوس العباد فاذا خرج من الدّنيا صحّ ان يقال اذا عاد اليها: انّها معاده، وكذا نفوس العباد فصحّ التّفسير بانّ الّذى فرض عليك العمل بالقرآن لرادّك الى مكّة، وصحّ التّفسير بانّ الّذى عيّن واثبت عليك مقام الجمع لرادّك الى ذلك المقام او الى الدّنيا او الى نفوس العباد حين احتضارهم او حين حسابهم كما اشير اليها فى الاخبار والاقوال، وعن السّجّاد (ع) انّه قال: يرجع ا ليكم نبيّكم (ص) وامير المؤمنين (ع) {قُل رَّبِّيۤ أَعْلَمُ مَن جَآءَ بِٱلْهُدَىٰ} ما يهدى به الى الجنّة ونعيمها او الى الله وقربه من الاعمال الحسنة او من جاء بوصف الاهتداء الى الدّين وهذا جوابٌ لادّعاءٍ كان مذكوراً فانّهم كثيراً كانوا ينسبون محمّداً (ص) الى الضّلال او جوابٌ لسؤالٍ ناشٍ من قوله: {مَن جَآءَ بِٱلْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا} (الآية) كأنّه قيل: من الّذى يجيء بالحسنة؟ ومن الّذى يجيء بالسّيّئة؟- {وَمَنْ هُوَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ} وخالف بين الفقرتين لايهام انّ الضالّ واقف فى جهنّام نفسه، والمهتدى مهاجر من دار شركه الى ربّه.

اطفيش

تفسير : {إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ القُرآنَ} أوجب عليك تلاوته وتبليغه والعمل به وقيل أنزله وقال مجاهد: اعطاكه. {لَرَّادُّكَ إِلَى مَعَادٍ} يردك بعد الموت الى موضع عظيم هو مرجعك ليس لغيرك من البشر وهو المقام المحمود يثيبك ثوابا لا غاية له ولا يوصف على التلاوة والتبليغ والعمل والمعاد اسم مكان اي موضع العود، والعود الرجوع ونكّره للتعظيم وذلك رواية عن ابن عباس وقال الجمهور المعاد الآخرة وعن ابن عباس المعاد الجنة وعنه وعن مجاهد مكة لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من الغار مهاجرا سار على غير الطريق مخافة الطلب فلما أمن ورجع الى الطريق نزل بالجحفة بين مكة والمدينة وعرف الطريق الى مكة اشتاق اليها وهي مولده ومولد آبائه ومنشأه وحرم ابراهيم عليهما الصلاة والسلام فنزل عليه جبريل فقال: أتشتاق الى بلدك؟ قال: نعم، فان الله تعالى يقول {إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ القُرآنَ لَرَّادُّكَ إِلَى مَعَادٍ} وهذه الآية نزلت بالجحفة وقيل السورة كلها مكية وعده الله وهو بمكة في أذى وغلبة من اهلها انه يهاجر به منها او يعيده اليها ظاهرا ظافرا وتنكير معاد للتعظيم فان مكة معاد لها شأن لغلبته صلى الله عليه وسلم وذلك بالفتح وفي رواية عن ابن عباس المعاد الموت وقيل القيامة وعلى ان المعاد مكة يجوز ان يكون مفعلا من العادة لأنه صلى الله عليه وسلم اعتاد مكة ولما حكم بأن العاقبة للمتقين واكد ذلك بوعد المحسنين ووعيد المسيئين وعد رسوله صلى الله عليه وسلم بالعاقبة الحسنى في الدارين وقال له صلى الله عليه وسلم كفار مكة: انك في ضلال مبين فأنزل الله سبحانه: {قُل رَّبِّي أَعْلَمُ مَن جَآءَ بِالهُدَى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُّبِينٍ} الجائي بالهدى وهم في ضلال مبين ومن مفعول لفعل محذوف دل عليه اسم التفضيل او لاسم التفضيل على انه بمعنى عالم وأجيز عمله في المفعول به ولو بقي على معناه وفي ذلك تقرير للوعد والوعيد السابقين كأنه قيل ربي اعلم بما يستحقه من جاء بالهدى من الثواب والنصر وبما يستحقه من هو في ضلال مبين من العقاب والاذلال فان علمه سبحانه بشيء كناية عن الجزاء به او مستلزم للجزاء به وقررهما ايضا بقوله: {وما كنت ترجوا...}

اطفيش

تفسير : {إنَّ الذى فرَضَ عليْك القُرآن} أوجب عليك العمل به وقراءته وإبلاغه {لرادكَ الى معادٍ} مرجع عظيم، موضع ترجع اليه قد كنت فيه قبل وهو مكة، أوحى الله عز وجل اليه وهو فيها أن ستهاجر منها، وترجع بالفتح إليها، وبلد الرجل معاده يخرج ويرجع اليه، وأيضا روى أنه لما بلغ الحجة فى هجرته اشتاق اليها، فنزلت الآية أن سار ذلك إليها، وأيضا قيل: معاد اسم لمكة، لأن العرب تعود إليها للبيت كل عام، أو ذلك من معنى الاعتياد، أى موضع ألفته واعتدته وهو مكة، والأول أولى، يرده إليها منصورا غالبا كما كانت العاقبة للمتقين، وكما نصر موسى على قارون، وقد فسره البخارى فى التاريخ، عن أبى سعيد بالجنة، والطبرى والطبرانى عن ابن عباس بها، والديلمى عن على، عنه صلى الله عليه وسلم بها، وقيل: إنه دخلها ليلة الإسراء، وقيل عن ابن عباس: المراد يوم القيامة، وقيل: المحشر، وقيل: هو المقام المحمود للشفاعة، وعن ابن عباس وأبى سعيد: أنه الموت، وقيل بيت المقدس دخله ليلة الإسراء، ووعده بإسراء آخر إليه، أو بالرجوع إليه بالحشر، لأنه أرض المحشر. {قَال ربِّى أعْلم من جاء بالهُدَى} وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن مفعول به لمحذوف، أى يعلم من جاء بالهدى لا مفعول إلا علم، لأنه اسم تفضيل، وهو لا ينصب المفعول به، وفى الآية الأخرى: {بمن جاء} بالباء، فهو ينصب المفعول بحرف الجر كالباء، وهذه الباء متعلقة باعلم، وهى كباء الإلصاق تعالى الله، واسم التفضيل يمنع من نصب المفعول به الصريح لا من التعدية بالحرف، فلا حاجة الى تقدير يعلم من جاء بالهدى، وقيل: الياء صلة ومن مفعول به لا علم خارجا عن التفضيل بمعنى عالم، ويرده أن اسم التفضيل لا ينصب المفعول ولو خرج عن التفضيل {ومَنْ هُو فى ضلال مبين} هم المشركون، قالوا له صلى الله عليه وسلم: أنت فى ضلال، مبين فنزلت الآية بأنهم فيه لا هو، وسبب ذلك مجيئه بالهدى، فكان الكلام له بالباء ولهم بقى.

الالوسي

تفسير : {إِنَّ ٱلَّذِى فَرَضَ عَلَيْكَ ٱلْقُرْءانَ } أي أوجب عليك العمل به كما روي عن عطاء وعن مجاهد أي أعطاكه، وعن مقاتل وإليه ذهب الفراء وأبو عبيدة أي أنزله عليك والمعول عليه ما تقدم. {لَرَادُّكَ إِلَىٰ مَعَادٍ } أي إلى محل عظيم القدر اعتدت به وألفته على أنه من العادة لا من العود، وهو كما في «صحيح البخاري»، وأخرجه ابن أبـي شيبة وعبد بن حميد والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبـي حاتم وابن مردويه والبيهقي في «الدلائل» من طرق عن ابن عباس مكة، وروي ذلك أيضاً عن مجاهد والضحاك وجوز أن يكون من العود، والمراد به مكة أيضاً بناء على ما في «مجمع البيان» عن القتيبـي أن معاد الرجل بلده لأنه يتصرف في البلاد ثم يعود إليه، وقد يقال: أطلق المعاد على مكة لأن العرب كانت تعود إليها في كل سنة لمكان البيت فيها، وهذا وعد منه عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم وهو بمكة أنه عليه الصلاة والسلام يهاجر منها ويعود إليها، وروي عن غير واحد أن الآية نزلت بالجحفة بعد أن خرج صلى الله عليه وسلم من مكة مهاجراً واشتاق إليها. ووجه ارتباطها بما تقدمها تضمنها الوعد بالعاقبة الحسنى في الدنيا كما تضمن ما قبلها الوعد بالعاقبة الحسنى في الآخرة. وقيل: إنه تعالى لما ذكر من قصة موسى عليه السلام وقومه مع قارون وبغيه واستطالته عليهم وهلاكه ونصرة أهل الحق عليه ما ذكر ذكر جل شأنه هنا ما يتضمن قصة سيدنا صلوات الله تعالى وسلامه عليه وأصحابه مع قومه واستطالتهم عليه وإخراجهم إياه من مسقط رأسه ثم إعزازه عليه الصلاة والسلام بالإعادة إلى مكة وفتحه إياها منصوراً مكرماً ووسط سبحانه بينهما ما هو كالتخلص من الأول إلى الثاني. وأخرج الحاكم في «التاريخ». والديلمي عن علي كرم الله تعالى وجهه عن النبـي صلى الله عليه وسلم أنه فسر المعاد بالجنة، وأخرج تفسيره بها ابن أبـي شيبة. والبخاري في «تاريخه». وأبو يعلى وابن المنذر عن أبـي سعيد الخدري وأخرجه ابن جرير وابن المنذر وابن أبـي حاتم والطبراني وابن مردويه عن ابن عباس، والتنكير عليه للتعظيم أيضاً، ووجه ارتباط الآية بما قبلها أنها كالتصريح ببعض ما تضمنه ذلك. واستشكل رده عليه الصلاة والسلام إلى الجنة من حيث إنه يقتضي سابقية كونه صلى الله عليه وسلم فيها مع أنه عليه الصلاة والسلام لم يكن فيها. / وأجيب بالتزام السابقية المذكورة ويكفي فيها كونه صلى الله عليه وسلم فيها بالقوة إذ كان في ظهر آدم عليهما الصلاة والسلام حين كان فيها، وقيل: إنه صلى الله عليه وسلم لما كان مستعداً لها من قبل كان كأنه كان فيها فالسابقية باعتبار ذلك الاستعداد على نحو ما قيل في قوله تعالى في الكفار: {أية : ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لإِلَى ٱلْجَحِيمِ } تفسير : [الصافات: 68] ولا يخفى ما في كلا القولين من البعد، وقريب منهما ما قيل: إن ذلك باعتبار أنه عليه الصلاة والسلام دخلها ليلة المعراج، وقد يقال: إن تفسيره بالجنة بيان لبعض ما يشعر به المعاد بأن يكون عبارة عن المحشر فقد صار كالحقيقة فيه لأنه ابتداء العود إلى الحياة التي كان المعاد عليها وجعله عظيماً كما يشعر به التنوين لعظمة ماله صلى الله عليه وسلم فيه ومنه الجنة، فالمعاد بواسطة تنوينه الدال على التعظيم يشعر بالجنة لأنها الحاوية مما أعد له صلى الله عليه وسلم من الأمور العظيمة ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، وقريب من تفسيره بالمحشر تفسيره بالآخرة كما أخرج ذلك عبد بن حميد وابن مردويه، عن أبـي سعيد الخدري، وتفسيره بيوم القيامة كما أخرجه ابن أبـي حاتم عن ابن عباس وعبد بن حميد عن عكرمة إلا أنه على ما ذكر اسم زمان، وعلى ما تقدم اسم مكان. ومما يشعر بأنه ليس المراد مجرد الرد إلى المحشر أو الآخرة أو يوم القيامة ما أخرجه الفريابـي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبـي حاتم عن مجاهد أنه قال في الآية: إن له معاداً يبعثه الله تعالى يوم القيامة ثم يدخله الجنة. ويتخرج على نحو ما قلنا تفسيره بالمقام المحمود وهو مقام الشفاعة العظمى يوم القيامة. وجاء في رواية أخرى رواها عبد بن حميد وابن مردويه عن ابن عباس وأبـي سعيد الخدري أيضاً تفسيره بالموت، ورواها معهما عن الحبر الفريابـي وابن أبـي حاتم والطبراني، وكونه معاداً لقوله تعالى: {أية : وَكُنتُم أَمْوٰتًا فَأَحْيَـٰكُمْ }تفسير : [البقرة: 28] ولعل تعظيمه باعتبار أنه باب لوصوله صلى الله عليه وسلم إلى ما أعد الله عز وجل له من المقام المحمود والمنزلة العليا في الجنة إلى ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، وجل المقصود ما أشعر به التعظيم. وأخرج ابن أبـي حاتم عن نعيم القاري أنه فسره ببيت المقدس. وكأن إطلاق المعاد عليه باعتبار أنه صلى الله عليه وسلم أسري به إليه ليلة المعراج، والوعد برده عليه الصلاة والسلام إليه وعد له بالإسراء إليه مرة أخرى أو باعتبار أن أرضه أرض المحشر فالمراد بالرد إليه الرد إلى المحشر، وهذا غاية ما يقال في توجيه ذلك. فإن قبل فذاك وإلا فالأمر إليك؛ وكأني بك تختار ما في «صحيح البخاري» ورواه الجماعة الذين تقدم ذكرهم عن ابن عباس من أنه مكة. وربما يخطر بالبال أن يراد بالمعاد الأمر المحبوب بنوع تجوز ويجعل بحيث يشمل مكة والجنة وغيرهما مما هو محبوب لديه صلى الله عليه وسلم، ويراد برده عليه الصلاة والسلام إلى الأمر المحبوب إيصاله إليه مرة بعد أخرى فالرد هنا مثله في قوله تعالى: {أية : فَرَدُّواْ أَيْدِيَهُمْ فِى أَفْوَاهِهِمْ } تفسير : [إبراهيم: 9] وعليه يهون أمر اختلاف الروايات التي سمعتها في ذلك فتدبر. {قُل رَّبّى أَعْلَمُ مَن جَاء بِٱلْهُدَىٰ } يريد بذلك نفسه صلى الله عليه وسلم وبقوله سبحانه: {وَمَنْ هُوَ فِى ضَلَـٰلٍ مُّبِينٍ } المشركين الذين بعث إليهم صلى الله عليه وسلم و {مِنْ } منتصب بفعل يدل عليه {أعلم} لا بأعلم لأن أفعل لا ينصب المفعول به في المشهور أي يعلم من جاء الخ، وأجاز بعضهم أن يكون / منصوباً بأعلم على أنه بمعنى عالم، والمراد أنه عز وجل يجازي كلاً ممن جاء بالهدى ومن هو في ضلال على عمله، والجملة تقرير لقوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِى فَرَضَ عَلَيْكَ ٱلْقُرْءانَ } الخ. وفي «معالم التنزيل» هذا جواب لكفار مكة لما قالوا للنبـي صلى الله عليه وسلم إنك في ضلال، ولعله لهذا وكون السبب فيه مجيئه عليه الصلاة والسلام إليهم بالهدى قيل: في جانبه صلى الله عليه وسلم {من جاء بالهدى} وفي جانبهم {من هو في ضلال مبين}، ولم يؤت بهما على طرز واحد.

سيد قطب

تفسير : والآن وقد انتهى القصص ـ وانتهت التعقيبات المباشرة على ذلك القصص. الآن يتوجه الخطاب إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ومن خلفه القلة المسلمة التي كانت يومها بمكة. يتوجه الخطاب إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهو مخرج من بلده، مطارد من قومه، وهو في طريقه إلى المدينة لم يبلغها بعد، فقد كان بالجحفة قريباً من مكة، قريبا من الخطر، يتعلق قلبه وبصره ببلده الذي يحبه، والذي يعز عليه فراقه، لولا أن دعوته أعز عليه من بلده وموطن صباه، ومهد ذكرياته، ومقر أهله. يتوجه الخطاب إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهو في موقفه ذاك: {إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد}.. فما هو بتاركك للمشركين، وقد فرض عليك القرآن وكلفك الدعوة. ما هو بتاركك للمشركين يخرجونك من بلدك الحبيب إليك، ويستبدون بك وبدعوتك، ويفتنون المؤمنين من حولك. إنما فرض عليك القرآن لينصرك به في الموعد الذي قدره، وفي الوقت الذي فرضه؛ وإنك اليوم لمخرج منه مطارد، ولكنك غداً منصور إليه عائد. وهكذا شاءت حكمة الله أن ينزل على عبده هذا الوعد الأكيد في ذلك الظرف المكروب، ليمضي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في طريقه آمناً واثقاً، مطمئناً إلى وعد الله الذي يعلم صدقه، ولا يستريب لحظة فيه. وإن وعد الله لقائم لكل السالكين في الطريق؛ وإنه ما من أحد يؤذى في سبيل الله، فيصبر ويستيقن إلا نصره الله في وجه الطغيان في النهاية، وتولى عنه المعركة حين يبذل ما في وسعه، ويخلي عاتقه، ويؤدي واجبه. {إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد}. ولقد رد موسى من قبل إلى الأرض التي خرج منها هارباً مطارداً. رده فأنقذ به المستضعفين من قومه، ودمر به فرعون وملأه، وكانت العاقبة للمهتدين.. فامض إذن في طريقك، ودع أمر الحكم فيما بينك وبين قومك لله الذي فرض عليك القرآن: {قل: ربي أعلم من جاء بالهدى، ومن هو في ضلال مبين}.. ودع الأمر لله يجازي المهتدين والضالين. وما كان فرض القرآن عليك إلا نعمة ورحمة؛ وما كان يجول في خاطرك أن تكون أنت المختار لتلقي هذه الأمانة. وإنه لمقام عظيم ما كنت تتطلع إليه قبل أن توهبه: {وما كنت ترجو أن يلقى إليك الكتاب إلا رحمة من ربك}.. وهو تقرير قاطع عن عدم تطلع الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلى الرسالة؛ إنما هو اختيار الله. والله يخلق ما يشاء ويختار، فذلك الأفق أعلى من أن يفكر فيه بشر قبل أن يختاره الله له ويؤهله ليرقاه. وهو رحمة من الله بنبيه وبالبشرية التي اختاره لهدايتها بهذه الرسالة. رحمة توهب للمختارين لا للمتطلعين. ولقد كان من حوله كثيرون في العرب وفي بني إسرائيل يتطلعون إلى الرسالة المنتظرة في آخر الزمان. ولكن الله ـ وهو أعلم حيث يجعل رسالته ـ قد اختار لها من لم يتطلّع إليها ولم يرجها، من دون أولئك الطامعين المتطلعين، حينما علم منه الاستعداد لتلقِّي ذلك الفيض العظيم. ومن ثم يأمره ربه ـ بما أنعم عليه بهذا الكتاب ـ ألا يكون ظهيراً للكافرين؛ ويحذره أن يصدوه عن آيات الله؛ ويمحض له عقيدة التوحيد خالصة في وجه الشرك والمشركين. {فلا تكونن ظهيراً للكافرين؛ ولا يصدنك عن آيات الله بعد إذ أنزلت إليك؛ وادع إلى ربك، ولا تكونن من المشركين. ولا تدع مع الله إلهاً آخر، لا إله إلا هو. كل شيء هالك إلا وجهه. له الحكم وإليه ترجعون}.. إنه الإيقاع الأخير في السورة، يفصل ما بين رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وطريقه وما بين الكفر والشرك وطريقه. ويبين لأتباع رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ طريقهم إلى يوم القيامة.. الإيقاع الأخير ورسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في طريق هجرته الفاصلة بين عهدين متميزين من عهود التاريخ. {فلا تكونن ظهيراً للكافرين}.. فما يمكن أن يكون هناك تناصر أو تعاون بين المؤمنين والكافرين. وطريقاهما مختلفان، ومنهجاهما مختلفان. أولئك حزب الله، وهؤلاء حزب الشيطان. فعلام يتعاونان؟ وفيم يتعاونان؟ {ولا يصدنك عن آيات الله بعد إذ أنزلت إليك}.. فطريق الكفار دائماً أن يصدوا أصحاب الدعوة عن دعوتهم بشتى الطرق والوسائل. وطريق المؤمنين أن يمضوا في طريقهم لا يلويهم عنها المعوقون، ولا يصدهم عنها أعداؤهم. وبين أيديهم آيات الله، وهم عليها مؤتمنون. {وادع إلى ربك}.. دعوة خالصة واضحة لا لبس فيها ولا غموض. دعوة إلى الله لا لقومية ولا لعصبية، ولا لأرض ولا لراية. ولا لمصلحة ولا لمغنم، ولا لتمليق هوى، ولا لتحقيق شهوة. ومن شاء أن يتبع هذه الدعوة على تجردها فليتبعها. ومن أراد غيرها معها فليس هذا هو الطريق. {ولا تكونن من المشركين. ولا تدع مع الله إلهاً آخر} يؤكد هذه القاعدة مرتين بالنهي عن الشرك والنهي عن اتخاذ إله آخر مع الله. ذلك أنها مفرق الطريق في العقيدة بين النصاعة والغموض. وعلى هذه القاعدة يقوم بناء هذه العقيدة كلها، وآدابها وأخلاقها وتكاليفها وتشريعاتها جميعاً. وهي المحور الذي يلتف عليه كل توجيه وكل تشريع. ومن ثم هي تذكر قبل كل توجيه وقبل كل تشريع. ثم يمضي في التوكيد والتقرير: {لا إله إلا هو}.. {كل شيء هالك إلا وجهه}.. {له الحكم}.. {وإليه ترجعون}.. {لا إله إلا هو}... فلا إسلام إلا لله، ولا عبودية إلا له، ولا قوة إلا قوته، ولا ملاذ إلا حماه. {كل شيء هالك إلا وجهه}.. فكل شيء زائل. وكل شيء ذاهب. المال والجاه. والسلطان والقوة. والحياة والمتاع. وهذه الأرض ومن عليها. وتلك السماوات وما فيها ومن فيها. وهذا الكون كله ما نعلمه منه وما نجهله.. كله. كله. هالك فلا يبقى إلا وجه الله الباقي. متفرداً بالبقاء. {له الحكم}.. يقضي بما يشاء ويحكم كما يشاء، لا يشركه في حكمه أحد، ولا يرد قضاءه أحد، ولا يقف لأمره أمر. وما يشاؤه فهو الكائن دون سواه. {وإليه ترجعون}.. فلا مناص من حكمه، ولا مفر من قضائه، ولا ملجأ دونه ولا مهرب. وهكذا تختم السورة التي تتجلى فيها يد القدرة سافرة، تحرس الدعوة إلى الله وتحميها، وتدمر القوى الطاغية الباغية وتمحوها. تختم بتقرير قاعدة الدعوة: وحدانية الله سبحانه وتفرده بالألوهية والبقاء والحكم والقضاء. ليمضي أصحاب الدعوات في طريقهم على هدى، وعلى ثقة، وعلى طمأنينة، وفي يقين..

ابن عاشور

تفسير : ابتداء كلام للتنويه بشأن محمد صلى الله عليه وسلم وتثبيت فؤاده ووعده بحسن العاقبة في الدنيا والآخرة، وأن إنكار أهل الضلال رسالته لا يضيره لأن الله أعلم بأنه على هدى وأنهم على ضلال بعد أن قدم لذلك من أحوال رسالة موسى عليه السلام ما فيه عبرة بالمقارنة بين حالي الرسولين وما لقياه من المعرضين. وافتتاح الكلام بحرف التأكيد للاهتمام به. وجيء بالمسند إليه اسم موصول دون اسمه تعالى العَلَم لما في الصلة من الإيماء إلى وجه بناء الخبر. وأنه خبر الكرامة والتأييد أي أن الذي أعطاك القرآن ما كان إلا مقدِّراً نصرك وكرامتك؛ لأن إعطاء القرآن شيء لا نظير له فهو دليل على كمال عناية الله بالمعطى. قال كعب بن زهير: شعر : مَهْلاً هداك الذي أعطاك نافلة الــــــــقرآن فيها مواعيظ وتفصيل تفسير : وفيه إيماء إلى تعظيم شأن الرسول صلى الله عليه وسلم ومعنى {فرض عليك القرآن} اختاره لك من قولهم: فرض له كذا، إذا عيَّن له فرضاً، أي نصيباً. ولما ضمن {فرض} معنى (أنزل) لأن فرض القرآن هو إنزاله، عُدِّي فرض بحرف (على). والردّ: إرجاع شيء إلى حاله أو مكانه. والمعاد: اسم مكان العَوْدِ، أي الأوْللِ كما يقتضيه حرف الانتهاء. والتنكير في {معاد} للتعظيم كما يقتضيه مقام الوعد والبشارة، وموقعُهما بعد قوله {أية : من جاء بالحسنة فله خير منها}تفسير : [القصص: 84]، أي إلى معاد أيَّ معاد. والمعاد يجوز أن يكون مستعملاً في معنى آخر أحوال الشيء وقراره الذي لا انتقال منه تشبيهاً بالمكان العائد إليه بعد أن صدر منه أو كناية عن الأخارة فيكون مراداً به الحياة الآخرة. قال ابن عطية: وقد اشتهر يوم القيامة بالمعاد لأنه معاد الكل اهــــ. أي فأبشر بما تلقى في معادك من الكرامة التي لا تعادلها كرامة والتي لا تُعطى لأحد غيرك. فتنكير {معاد} أفاد أنه عظيم الشأن، وترتبه على الصلة أفاد أنه لا يعطى لغيره مثله كما أن القرآن لم يفرض على أحد مثله. ويجوز أن يراد بالمعاد معناه المشهود القريب من الحقيقة. وهو ما يعود إليه المرء إن غاب عنه، فيراد به هنا بلدهُ الذي كان به وهو مكة. وهذا الوجه يقتضي أنه كناية عن خروجه منه ثم عوده إليه لأن الرد يستلزم المفارقة. وإذ قد كانت السورة مكية ورسول الله صلى الله عليه وسلم في مكة فالوعد بالرد كناية عن الخروج منه قبل أن يُردّ عليه. وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم أُرِيَ في النوم أنه يهاجر إلى أرض ذات نخل كما في حديث البخاري، وكان قال له ورقةُ ابن نَوفل: يا ليتني أكون معك إذ يُخرجك قومُك وإن يُدركْني يومُك أنصرْك نصراً مؤزَّراً، فما كان ذلك كله ليغيب عن علم رسول الله صلى الله عليه وسلم على أنه قد قيل: إن هذه الآية نزلت عليه وهو في الجُحْفة في طريقه إلى الهجرة كما تقدم في أول السورة فوعد بالرد عليها وهو دخوله إليها فاتحاً لها ومتمكناً منها. فقد روي عن ابن عباس تفسيرُ المعاد بذلك وكلا الوجهين يصح أن يكون مراداً على ما تقرر في المقدمة التاسعة. ثم تكون جملة {قل ربي أعلم من جاء بالهُدى} بالنسبة إلى الوجه الأول بمنزلة التفريع على جملة {لرادّك إلى معاد}، أي رادّك إلى يوم المعاد فمُظهرٌ المهتدي والضالين، فيكون علم الله بالمهتدي والضالّ مكنى به عن اتضاح الأمر بلا ريب لأن علم الله تعالى لا يعتريه تلبيس وتكون هذه الكناية تعريضاً بالمشركين أنهم الضالون. وأن النبي صلى الله عليه وسلم هو المهتدي. ولهذه النكتة عبّر عن جانب المهتدي بفعل {من جاء} للإشارة إلى أن المهتدي هو الذي جاء بهدي لم يكن معروفاً من قبل كما يقتضيه: جاء بكذا. وعبر عن جانب الضالين بالجملة الإسمية المقتضية ثبات الضلال المشعر بأن الضلال هو أمرهم القديم الراسخ فيهم مع ما أفاده حرف الظرفية من انغماسهم في الضلال وإحاطته بهم. ويكون المعنى حينئذ على حد قوله تعالى {أية : وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين}تفسير : [ سبأ: 24] لظهور أن المبلغ لهذا الكلام لا يفرض في حقه أن يكون هو الشق الضال فيتعين أن الضال من خالفه. وبالنسبة إلى الوجه الثاني تكون بمنزلة الموادعة والمتاركة وقطع المجادلة. فالمعنى: عدِّ عن إثبات هداك وضلالهم وكِلْهم إلى يوم ردك إلى معادك يوم يتبين أن الله نصرك وخذلهم. وعلى المعنيين فجملة {قل ربي أعلم} مستأنفة استئنافاً بيانياً عن جملة {إن الذي فرض عليك القرآن} جواباً لسؤال سائل يثيره أحد المعنيين. وفي تقديم جملة {إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد} على جملة {قل ربي أعلم من جاء بالهدى} إعداد لصلاحية الجملة الثانية للمعنيين المذكورين. فهذا من الدلالة على معاني الكلام بمواقعه وترتيب نظامه وتقديم الجمل عن مواضع تأخيرها لتوفير المعاني.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: إن الذي فرض عليك القرآن: أي الله الذي أنزل عليك القرآن وفرض عليك قراءته والعمل بما فيه وتبليغه. لرادك إلى معاد: أي لمرجعك إلى مكة فاتحاً إذ معاد الرجل بلده الذي يعود إليه. وما كنت ترجو: أي تأمل أن ينزل عليك القرآن ويوحى به إليك. إلا رحمة من ربك: لكن برحمة من الله وفضل أنزله عليك. فلا تكونن ظهيراً: أي فمن شكر هذه النعمة أن لا تكون معيناً للكافرين. ولا يصدنك: أي لا يصرفنك عن العمل بآيات الله بعد أن شرفك الله بإنزالها عليك. وادع إلى ربك: أي ادع الناس إلى الإِيمان بالله وعبادته وترك الشرك به. ولا تدع مع الله إلهاً آخر: أي لا تعبد مع الله إلهاً آخر بدعائه والذبح والنذر له. كل شيء هالك: أي فانٍ. إلا وجهه: أي إلا الله سبحانه وتعالى فلا يهلك كما يهلك ما عداه. معنى الآيات: تقدم في السياق الكريم الدعوة إلى أصول الدين الثلاثة: التوحيد، النبوة، البعث والجزاء وهذه خاتمة ذلك في هذه السورة الكريمة فقال تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ ٱلْقُرْآنَ} أي أنزله عليك وفرض عليك تلاوته وتبليغه والعمل بما فيه، {لَرَآدُّكَ} أي لمرجعك {إِلَىٰ مَعَادٍ} وهو العودة إلى مكة بعد خروجك منها واشتياقك إلى العودة إليها وإلى الجنة بعد وفاتك لأنك دخلتها ليلة عُرج بك إلى السماء وفي هذا تقرير لنبوته صلى الله عليه وسلم بالوحي إليه، وقوله تعالى: {قُل رَّبِّيۤ أَعْلَمُ مَن جَآءَ بِٱلْهُدَىٰ وَمَنْ هُوَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ} فإنه تعليم له صلى الله عليه وسلم بما يرد به على المشركين الذين اتهموه بأنه ضال في دعوته وخروجه عن دين آبائه وأجداده علَّمه أن يقول لهم ربي أعلم بمن جاء بالهدى وهو أنا، رسول الله، ومن هو في ضلال مبين وهو أنتم أيها المشركون. وقوله {وَمَا كُنتَ تَرْجُوۤ أَن يُلْقَىٰ إِلَيْكَ ٱلْكِتَابُ} أي وما كنت يا محمد تأمل أن ينزل عليك القرآن، وذلك قبل بعثته صلى الله عليه وسلم، وقوله {إِلاَّ رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ} أي لكن رحمة ربك عليك اقتضت إنزاله عليك لتكون رسول الله للعالمين، وهي نعمة كبيرة وإفضال عظيم فاشكره بما يلي: (1) {فَلاَ تَكُونَنَّ ظَهيراً لِّلْكَافِرِينَ} أي عوناً لهم بحال من الأحوال. (2) {وَلاَ يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ ٱللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنزِلَتْ إِلَيْكَ} فتترك تلاوتها وإِبلاغها والعمل بها. وفي هذا تقرير للنبوة المحمدية. (3) {وَٱدْعُ إِلَىٰ رَبِّكَ} ادع الناس إلى توحيد ربك والعمل بشرعه. (4) {وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ} أي فتبرَّأ منهم ولا ترضى بشركهم وادعهم إلى خلافه وهو التوحيد. (5) {وَلاَ تَدْعُ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهاً آخَرَ} أي لا تعبد مع الله إلهاً آخر لا بالدعاء ولا بالنذر والذبح ولا بتقديم أيّ قربان أو طاعة لغير الله سبحانه وتعالى، وفي هذا تقرير للتوحيد وقوله {لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ} تقرير للتوحيد بإبطال أن يكون هناك إله مع الله. وقوله {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ} يخبر تعالى أن كل عمل لا يراد به وجه الله فهو باطل ذاهب بلا مثوبة عليه. كما أن كل شيء سوى الله عز وجل فإن ولم يبق إلا الله سبحانه وتعالى كقوله {أية : كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو ٱلْجَلاَلِ وَٱلإِكْرَامِ} تفسير : [الرحمن: 26-27] {لَهُ ٱلْحُكْمُ} أي القضاء العادل بين عباده وقوله {وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} أي بعد الموت للحساب والجزاء يوم بعثكم وحشركم إليه عز وجل، وفي هذا تقرير للبعث والجزاء. والحمد لله أولاً وآخراً. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- معجزة القرآن في وقوع الغيب بعد الإِخبار به وذلك حيث عاد الرسول صلى الله عليه وسلم إلى مكة بعد الخروج منها. 2- مشروعية الملاينة في الجدال والمناظرة أثناء الدعوة باستعمال أسلوب التشكيك. 3- حرمة معاونة الكفار ومناصرتهم لا سيما ضد المؤمنين. 4- وجوب الثبات والصبر على الدعوة حتى نجاحها ببلوغها الناس واستجابتهم لها. 5- تقرير التوحيد والبعث والنبوة المحمدية. 6- فناء كل شيء إلا الله تعالى إلا ما ورد الدليل بعدم فنائه وعُدَّ منهُ ثمانية نظمها بعضهم بقوله: شعر : هي العرش والكرسي نار وجنة وعجب وأرواح كذا اللوح والقلم

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلْقُرْآنَ} {ضَلاَلٍ} (85) - يُخَاطِبُ الله تَعَالى رَسُولَهُ الكَريمَ فَيَقُولُ: إِنَّ الذي أَوْجَبَ عَلَيكَ العَمَلَ بأحْكَامِ القُرآنِ وفَرَائِضِهِ لَرَادُّكَ إِلى مَكَّةَ ظَافِراً مُنْتِصراً، كَمَا أَخْرَجَكَ مِنْها - وَتَمَّ ذلكَ بَعْدَ الفَتْح -. (وقيلَ بلْ إِنَّ المَعْنَى هُوَ: إِنَّ الذِي أَنزَلَ عَلَيكَ القُرآنَ لَرادُّكَ إِلى مَوْعِدٍ - وهُو يومُ القِيامةِ - لِيَفْصِلَ بَيْنَكَ وَبَيْنَ مُكَذِّبِيكَ). وَيُرْوَى أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم، لَمّا خَرَجَ مُهَاجراً مِنْ مكَّةَ إِلى المَدِينةِ، نَزَلَ بالجُحْفَةِ، فَعَرَفَ طَريقَ مَكَّةَ، واشْتَاقَ إِليها حِينَما تَذَكَّر مَولِدَهُ ومَوْلِدَ وَالِدِهِ فيها. فَنزَلَ عَليهِ جِبْرِيلُ عَلَيهِ السَّلامُ وقال لَهُ: أتَشْتَاقُ إِلى بلدِكَ ومَولِدِكَ؟ فَقالَ الرَّسُولُ صلى الله عليه وسلم: نَعَمْ: فَقَالَ لًَهُ جِبْرِيلُ إِنّ اللهَ تَعَالى يَقُولُ لَكَ {إِنَّ ٱلَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ ٱلْقُرْآنَ ...} الآية. مَعَادٍ - مَكَّةَ ظَاهراً عليها.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : معنى فرض: ألزم وأوجب وحتَّم. وأصل الفَرْض الحزّ والقطع، كما تقطع شيئاً بالسكين مثلاً تُسمّى فرضاً؛ لأنها خرجتْ عن طبيعة تكوينها، كذلك القرآن يُخرج النفس عن طبيعة مُشْتهاها، ويقطع عليها مشيئتها، ويردّها إلى مشيئة الله؛ لذلك يقول سبحانه في أول سورة النور: {أية : سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا ..} تفسير : [النور: 1]. يعني: حتَّمناها وألزمنا بها، والإلزام يعني ردّ النفس إلى ما يريده خالقها منها، بصرْف النظر عما تشتهيه هي، فقد يأمرها بما تكره، وينهاها عما تحب. إذن: يقطع سيال النفس؛ لأنها عادة ما تكون أمَّارة بالسوء، تنظر إلى العاجل، ولا تهتم بالآجل ولا تعمل له حساباً. فالقرآن منهج الله بافعل ولا تفعل، هو الذي يكبح جماح النفس، ويُحدِّد لها مجال مشيئتها؛ لأن الخالق - عز وجل - خلق النفس، وجعل مشيئتها صالحة لعمل الخير، ولعمل الشر. وسبق أن تكلمنا عن الفرق بين عباد وعبيد وقلنا: إن الخَلْق جميعاً عبيد الله، المؤمن منهم والكافر، وإنْ تأبَّى الكافر على الله في الإيمان، فهو مقهور له تعالى في مسائل أخرى، كالمرض والموت وغيره، ثم أعطانا الله تعالى مجالاً للاختيار، ليثيب من يُثيب بحق، ويُعذِّب مَنْ يُعذب بحق. والعاقل حينما يرى أنه مقهور لله في قدريات لا يستطيع منها فكاكاً، وليس له فيها تصرف، فيتنازل عن مراده، وعن اختياره لمراد ربه واختيار ربه، ويرضى أنْ يكون مُسيَّراً في كل شيء، وهنا يتحولون من عبيد إلى عباد. فالعباد إذن هم الذين يخرجون عن اختياراتهم الممنوحة لهم من الله إلى مراد الله في الحكم، وبهذا المنطق يكون الجميع في الآخرة عباداً؛ لأنه لا اختيار لهم، ويستوي في ذلك المؤمن والكافر، يوم يقول سبحانه: {أية : لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ لِلَّهِ ٱلْوَاحِدِ ٱلْقَهَّارِ} تفسير : [غافر: 16]. وسُمِّي إنزال القرآن فَرْضاً لما في القرآن من تكاليف، وهي عادةً ما تكون شاقة على النفس، أَلاَ ترى قوله تعالى عن الصلاة، وهي أم العبادات: {أية : وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى ٱلْخَاشِعِينَ} تفسير : [البقرة: 45]. فلا يعرف منزلتها ومكانتها إلا خاشع؛ لذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول لبلال: "حديث : أرحنا بها يا بلال" تفسير : ويقول: "حديث : وجُعِلَتْ قرة عيني في الصلاة"تفسير : ؛ لأنه صلى الله عليه وسلم أحبها وعشقها، حتى صارت قُرَّة عينه، ومُنْتهى راحته. إذن: أول ما يفرض التكليف لا بُدَّ أن يكون شاقاً؛ لذلك يحتاج إلى صلاة إيمان وجَلَد يقين، بحيث تثق في أن العمل الشاق عليك الآن سيجلب لك الخير والسعادة الباقية الدائمة في الآخرة. ويقول تعالى عن القتال: {أية : كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ ..} تفسير : [البقرة: 216] فلا شكَّ أنه مكروه للنفس، لكن إنِ استحضرت الجزاء، وعرفتَ أنه: إما النصر، وإما الشهادة، فإنه يحلو لك حتى تعشقه، وتبادر أنت إليه، كالصحابي في بدر بعد أن سمع ما للشهيد من الأجر وكان في فمه تمرة يمضغها فقال: "أليس بيني وبين الجنة إلا أنْ أقاتل فأُقتل"؟ ثم ألقى التمرة وأسرع إلى ساحة القتال. لذلك الحق سبحانه يُضخم الجزاءات في نفس المؤمن؛ ليقبل على العمل بحب وشهوة. ومن هنا يقول بعض العارفين الذين عشقوا الخير حتى أصبح شهوةَ نفْس عندهم: أخشى ألاَّ يُثيبني الله على الطاعة، لماذا؟ يقول: لأنني أصبحتُ أشتهيها، أي: كما يشتهي أهل المعصية المعصية. وحين يصل الإيمان بصاحبه إلى درجة أنه يعشق الطاعة، فقد أصبح ربانياً يثق فيما عند الله من الجزاء. حديث : وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقوم الليل حتى تورمَتْ قدماه، فلما سألتْه السيدة عائشة: ألم يغفر لك ربك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: "أفلا أكون عبداً شكوراً"؟ تفسير : ومعنى: {لَرَآدُّكَ إِلَىٰ مَعَادٍ ..} [القصص: 85] يعني: يجازيك أفضل الجزاء، ونزلتْ هذه الآية لما اضطهد أهلُ مكة رسولَ الله وآذوْه، حتى اضطروه للذهاب إلى الطائف ليبحث فيها عن نصير، لكنهم لم يكونوا أقلَّ قسوة من أهل مكة، فعزَّ على رسول الله النصير فيها، وعاد منكسراً حزيناً لم يجد مَنْ يدخل في جواره، إلى أن أجاره مطعم بن عدي. وتأمل حين يكون رسول الله بجلالة قدره لا يجد مَنْ يناصره، أو يُدخله في جواره، أما الصحابة فلم تكُنْ لهم شوكة بعد، ولا قوة لحماية رسول الله، وفي هذه الفترة لاقوا المشاق في سبيل الدعوة، فحاصرهم الكفار في شِعْب أبي طالب، وفرضوا عليهم المقاطعة التامة حتى عزلوهم عن الناس، ومنعوا عنهم الطعام والشراب، والبيع والشراء، حتى الزواج، وحتى اضطروا إلى أكل المخلَّفات وأوراق الشجر. لذلك أمرهم الله بالهجرة، والهجرة تكون إلى دار أمن، أو إلى دار إيمان، إلى دار أمن كالهجرة إلى الحبشة حيث قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم مُبيِّناً حيثية الهجرة إليها: "حديث : إن فيها ملكاً لا يُظلم عنده أحد" تفسير : يعني: النجاشي ملك الحبشة، وفعلاً صدق فيه قول رسول الله، فلما أرسلتْ قريش في إثرهم مَنْ يكلم النجاشي في طلبهم وإعادتهم إلى مكة، رفض أن يسلمهم، وأن يُمكِّن قريشاً منهم، مع أن هدايا قريش كانت عظيمة، والإغراء كان كبيراً. وهذا يدل على عظمة رسول الله، وعلى فكره الواسع، وعلى دراسة الخريطة من حوله، ومعرفة مَنْ يصلح لهجرة صحابته إليه، فاختياره ملك الحبشة لا يأتي إلا إما بإلهام من الله، أو بذكاء كبير، وهو رجل أمي في أمة أمية، ولو لم يذهب وفد قريش في طلب المهاجرين ما ظهر لنا الدليل على صدق مقولة رسول الله. ونتيجة "لا يظلم عنده أحد" فقد شرَّفه الله بالإسلام فأسلم ووكَّله رسول الله في أن يُزوِّجه من السيدة أم حبيبة بنت أبي سفيان، وكانت رضي الله عنها من المهاجرين الأوائل إلى الحبشة مع زوجها الذي تنصَّر هناك، وبقيتْ هي على دينها وتمسكتْ بعقيدتها. وفي هذا دليل أولاً: على مدى ما كان يلاقيه المؤمنون من إيذاء الكافرين، ثانياً: دليل على الطاعة الواعية للزوج، فقد آثرت الخروج مع زوجها لا عِشْقاً له، ولا هياماً به، إنما فراراً معه بدينها؛ لذلك لما تنصَّر لم تتردد في تركه؛ لذلك طلبها رسول الله لنفسه، ثم لما مات النجاشي صلى عليه رسول الله وترحَّم عليه. هذه هي هجرة الإيمان إلى دار الأمن. ثم كانت الهجرة بعد ذلك إلى دار الإيمان، إلى المدينة، بعد بيعة العقبة الأولى والثانية، وبعد أن وجد رسول الله أنصاراً يتحملون معه أعباء الدعوة، وقد ضرب الأنصار في المدينة أروع مَثَل في التضحية التي ليس لها مثيل في تاريخ البشرية. ذلك أن الرجل أغير ما يكون على زوجته، فلا يضِنّ على غيره بما يملك، فتعطيني سيارتك أركبها، أو بيتك أسكن فيه، أو ثوبك ألبسه، وأتقمَّش به، أما الزوجة فتظل مصونة لا يجرؤ أحد على النظر إليها. لكن كان للأنصار في هذه المسألة نظرة أخرى حيث أشركوا إخوانهم المهاجرين في كل شيء حتى في زوجاتهم، فقد راعوا فيهم خروجهم من أهلهم وبلادهم، وراعوا غربتهم وما لهم من إرْبة وحاجة للنساء. فكان الواحد منهم يقول لأخيه: انظر إلى زوجاتي، فأيتهنّ أعجبتك أُطلِّقها، وتتزوجها أنت، هذه تضحية لا نجد لها مثيلاً في تاريخ الناس حتى عند الكفرة. ثم أُمِر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالهجرة إلى المدينة، فخرج خُفْية في حين خرج عمر مثلاً جهراً وعلانية، حتى إنه وقف ينادي في أهل مكة بأعلى صوته يتحدى أهلها عند خروجه: مَنْ أراد أنْ تثكله أمه، أو يُيتم ولده، أو تُرمَّل زوجته فليلْقني خلف هذا الوادي. أما رسول الله فقد خرج خُفْية، وهذه المسألة يقف عندها البعض أو تَخْفى عليه الحكمة منها، فرسول الله صلى الله عليه وسلم كان دائماً أُسْوة للضعيف، أما القوي فلا يحتاج إلى حماية أحد، ولا عليه إنْ خرج علانية؛ لذلك لا يستحي أحد أن يتخفى كما تخفى رسول الله. ثم إنك حين تتأمل: نعم خرج رسول الله خُفْية لكنها خُفْية التحدي، فقد خرج من بين فتيانهم المتربصين به، وعفَّر وجوههم بالتراب، وهو يقول: "شاهت الوجوه". ومع ذلك لم يمنعه تأييد الله له أنْ يأخذ بأسباب النجاة، فخالف الطريق؛ لأن كفار مكة كانوا يعرفون أن وجهته المدينة لما عقد بيعة العقبة مع الأنصار؛ لذلك ترصدوا له على طريقها، وأرسلوا العيون للبحث عنه، وجعلوا جُعْلاً لمن يأتيهم به صلى الله عليه وسلم. والمتأمل في حادث الهجرة يجد أنها خطة محكمة تراعي كل جوانب الموقف، كأن الله تعالى يريد أنْ يُعلِّمنا في شخص رسول الله صلى الله عليه وسلم ألاَّ نهمل الأسباب، وألاَّ نتصادم مع الواقع ما دُمْنا قادرين على ذلك. فلما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة وهي بلده، وأحب البلاد إلى قلبه قال: "حديث : اللهم إنك أخرجتني من أحب البلاد إليَّ، فأسكنِّي أحب البلاد إليك ". تفسير : لذلك إنْ كانت مكةُ محبوبةً لرسول الله، فالمدينة محبوبة لله؛ لذلك بعد أن خرج رسول الله من مكة وقارب المدينة حَنَّ قلبه إلى مكة، فطمأنه ربه بهذه الآية: {إِنَّ ٱلَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ ٱلْقُرْآنَ لَرَآدُّكَ إِلَىٰ مَعَادٍ ..} [القصص: 85]. فالذي فرض عليك مشقة التكاليف، وحمَّلك مشاق الدعوة والإقناع بها، وتنفيذ أحكامها، هو الذي سيردُّك إلى بلدك ردَّ نصر، وردّ فتح، وما أشبهَ ردِّ رسول الله إلى بلده بردِّ موسى عليه السلام إلى أمه في قوله تعالى لأم موسى: {أية : إِنَّا رَآدُّوهُ إِلَيْكِ ..} تفسير : [القصص: 7] ليس رَدَّاً عادياً، إنما {أية : وَجَاعِلُوهُ مِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ} تفسير : [القصص: 7]. إذن: سيُردُّ إليك ولدك، لكن سيُرد رسولاً منتصراً. وكما صدق الله في ردِّ موسى يصدق في ردِّ محمد. ومعنى {مَعَادٍ ..} [القصص: 85] ليس هو الموعد كما يظن البعض، إنما يراد به المكان الذي تعود إليه بعد أن تفارقه، فالمعنى: سنردُّك إلى المكان الذي تحِنُّ إليه، ويتعلق به قلبك. أو نردك إلى (معاد) أي: إلينا، كما قال تعالى: {أية : فَـإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ ٱلَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ} تفسير : [غافر: 77] ولا مانع من إرادة المعنيين معاً. ثم يقول سبحانه: {قُل رَّبِّيۤ أَعْلَمُ مَن جَآءَ بِٱلْهُدَىٰ وَمَنْ هُوَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ} [القصص: 85] الحق تبارك وتعالى يعلِّم رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم الجدل العفيف، لا الجدل العنيف، يُعلِّمه كيف يردُّ على ما قالوا عن الذي يؤمن به (صبأ فلان) يعني: خرج عن دين آبائه وهم يعتقدون أنه الحق، فكأن الذي يؤمن في نظرهم خرج من الحق إلى الباطل. إذن: فهذه عقول تحتاج إلى سياسة وجدل، كما قال سبحانه: {أية : وَجَادِلْهُم بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ..} تفسير : [النحل: 125]؛ لأن الجدل العنيف يزيد خصمك عناداً ولجاجة، أمّا الجدل العفيف فيستميل القلوب ويعطفها نحوك؛ لذلك يرد رسول الله بقوله: {قُل رَّبِّيۤ أَعْلَمُ مَن جَآءَ بِٱلْهُدَىٰ وَمَنْ هُوَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ} [القصص: 85] أي: جاء بالهدى من عند الله وهو النبي صلى الله عليه وسلم: {وَمَنْ هُوَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ} [القصص: 85]. ثم يعطي الحق - تبارك وتعالى - لنبيه صلى الله عليه وسلم دليلاً من واقع حياته؛ ليطمئن على أنه مُؤيَّد من ربه، وأنه سبحانه سيفي له بما وعد، ولن يتخلى عنه، وكيف يختاره للرسالة، ثم يتخلى عنه؟

مجاهد بن جبر المخزومي

تفسير : أَنبا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا آدم، نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {إِنَّ ٱلَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ ٱلْقُرْآنَ} [الآية: 85]. يعني أَعطاكه. أَنا عبد الرحمن، ثنا إِبراهيم، نا آدم، نا حماد بن سلمة، عن علي بن زيد بن جدعان قال: نا عبد الله بن الحارث بن نوفل قال: كان قارون يؤذي موسى بكل أَذى وكان ابن عمه، فقال: لامرأَة بغي: إِذا اجتمع الناس عندي غداً، فتعالي فقولي: إِن موسى راودني عن نفسي. ولك كذا وكذا. فلما كان الغد واجتمع الناس عند قارون، جاءَت المرأَة فقالت: إِن قارون أَمرني أَن أَقول: إِن موسى راودني عن نفسي وإِن موسى لم يقل لي ذلك. فبلغ موسى قوله، وهو في المحراب، فسجد فقال: /58 ظ/ يا رب إِن قارون قد بلغ أَذاه أَن قال: كذا وكذا، فأَوحي الله إِليه: أَن يا موسى: إِني قد أَمرت الأَرض أَن تطيعك، وقد أَمرت السماءَ أَن تطيعك وقد أَمر الجبال أَن تطيعك، وقد أَمرت البحار أَن تطيعك. فأَتى موسى قارون وهو في غرفة، قد ضرب عليها صفائح الذهب فقال: يا قارون أَقلت كذا وكذا؟ يا أَرض خذيهم. فأَخذتهم إِلى أَكعبهم. فقال له قارون ومن معه: يا موسى ادع لنا ربك فينجينا ونؤمن بك. فقال: يا ارض خذيهم. فأَخذتهم إِلى ركبهم. فقالوا له مثل ذلك. فقال: يا أَرض خذيهم. فأَخذتهم إِلى أَنصافهم. فقالوا مثل ذلك. فلم يزل يقول ذلك ويقولون له: يا موسى ادع لنا ربك ينجينا، ونؤمن لك. حتى تطابقت عليهم، وهم يهتفون. فأَوحى الله إِليه: ما أَفظك يا موسى، أَما وعزتي، لو دعوتني دعوة واحدة لرحمتهم ولأَنجيتهم [الآية: 81].

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {فَرَضَ عَلَيْكَ ٱلْقُرْآنَ} معناه أنزلَهُ. وقال: أعطاكه. تفسير : وقوله تعالى: {لَرَآدُّكَ إِلَىٰ مَعَادٍ} معناه إلى المَوتِ. وقال: إلى مَولِدِكَ بِمكة. وقال: إلى الجَنةِ.

الجيلاني

تفسير : ثمَّ لمَّا اغتم رسول الله صلى الله عليه وسلم حين هاجر من مكة بسبب مكر المشركين، فلما وصل إلى جحفة اشتد اشتياقه إلى مولده وموطن آبائه، وتحزن حزناً شديداً إلى حيث أراد أن يعود منها إليها، فنزلت تسليةً عليه صلى الله عليه وسلم، وإزالةً لحزنه: {إِنَّ} القادر المقتدر {ٱلَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ ٱلْقُرْآنَ} وقدر لك إنزاله، وأقدرك على الامتثال بجميع ما فيه من الأوامر والنواهي وكشف عليك ما فيه من الحقائق والمعارف، والرموز والإشارات المتعقلة بصفاء مشرب التوحيد، وذكر لك فيه القصص والعبر والأمثال إرشاداً لك إلى مقامك الذي وعدك الحق تفضلاً وامتناناً، وسماه من عنده مقاماً محموداً {لَرَآدُّكَ} ومعاودك {إِلَىٰ مَعَادٍ} معهود، هو مولدك وموظن آبائك وأسلافك على أحسن وجه وأكمله. وبعدما عدت ورجعت إليه بعد هجرتك من بينهم أو أضلوك ونسبوك إلى ما لا يليق بشأنك {قُل} لهم على سبيل المجاراة: {رَّبِّيۤ} الذي وسع علمه كل شيء {أَعْلَمُ} بعلمه الحضوري {مَن جَآءَ بِٱلْهُدَىٰ} منَّا أنا أو أنتم {وَمَنْ هُوَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ} [القصص: 85] منَّا ومنكم. {وَ} عليك يا أكمل الرسل أن تفوض أمورك إلينا اتكالاً علينا، واعتصاماً لحولنا وقوتنا، ولا تلتفت إلى المشركين وإيمانهم ولا تداريهم، ولا تك في رعبٍ منهم، إنَّا كفيناك مؤنة شرورهم عنك. إذ {مَا كُنتَ تَرْجُوۤ} وتأمل {أَن يُلْقَىٰ إِلَيْكَ ٱلْكِتَابُ} الجامع لفوائد جميع الكتب المنزلة من عندنا، لكن ما أنزل إليك هذا {إِلاَّ رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ} تفضلاً عليك، وتلطفاً معك بلا تطلب منك وترقب من قبلك، فكذلك يكفيك جميع مهماتك على الوجه الأصلح، فاتكل عليه واتخذه وكيلاً، وفوِّض أمروك كلها إليه، ومتى سمعت نبذاً من شأنك الذي أنت عليه في ابتداء حالك {فَلاَ تَكُونَنَّ ظَهيراً} أي: معاوناً ومعيناً {لِّلْكَافِرِينَ} [القصص: 86] ولا مستظهراً ومستعيناً بهم، بل فلك أن تمضي وتبلغ على الوجه الذي أُمرت بلا مبالاة لهم ومداراة معهم. {وَلاَ يَصُدُّنَّكَ} ويصرفنك مواساتهم ومداراتهم، والمسامحة معهم {عَنْ} تبليغ {آيَاتِ ٱللَّهِ} المشتملة على الإنذارات والوعيدات الشديدة إياهم {بَعْدَ إِذْ أُنزِلَتْ إِلَيْكَ} وأُمرت بتبليغها {وَٱدْعُ إِلَىٰ} توحيد {رَبِّكَ} بعدما بعثك إلى كافة البرايا، وعامة الأمم كله، مَنْ جبله الحق على صورة الإنسان، وكلفه بالمعرفة والإيمان {وَلاَ تَكُونَنَّ} بالمداهنة والمسامحة معهم {مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ} [القصص: 87] المشتركين في شركهم وكفرهم. {وَلاَ} بعدما ظهرت على التوحيد الذاتي، وأكملت مراسم الدين، وأتممت مكارم الأخلاق واليقين {تَدْعُ} بحالٍ من الأحوال {مَعَ ٱللَّهِ} الواحد الأحد الصمد، الفرد الوتر الذي لم يلد ولم يولد، ولم يتخذ صاحبة ولا ولداً {إِلَـٰهاً آخَرَ} شريكاً له في الوجود والألوهية والربوبية، وجميع التصرفات الواقعة في مظاهره ومماليكه؛ إذ {لاَ إِلَـٰهَ} في الوجود، ولا موجود في الشهود {إِلاَّ هُوَ} هذا هو هايت ما نطق العارف عنه سبحانه، وبعد ذلك يقلق ويدهش ويهيم، ويفنى ويتلاشى. إذ {كُلُّ شَيْءٍ} يتراءى لك من أظلال أسمائه وعكوس صفاته {هَالِكٌ} في حد ذاته، باقٍ على عدمه، مستمراً على استحالته وامتناعه {إِلاَّ وَجْهَهُ} الذي اقتبس به النور من تجليات الحق على حسب أسمائه وصفاته، واستمد به العكس من شوارق بوارق شئونه المتشعشعة المتجددة، وعن دقائق رقائق لوائح لوامع تطوراته التي تخطف بها أبصار أرباب الكشف والشهود من المنجذبين نحو الحق، المتأملين في شأنهم، الوالهين بمطالعة جماله وجلاله، وبالجملة: بعدما ثبت هلاك الكل في ذاته سبحانه وظهوره وانعكاسه منه ابتداءً ثبت {لَهُ ٱلْحُكْمُ} والأمر في جميع ما كان ويكون أزلاً وابداً {وَإِلَيْهِ} انتهاء لا إلى غيره؛ إذ لا غير في الوجود معه {تُرْجَعُونَ} [القصص: 88] رجوع الأمواج إلى الماء، والأظلال إلى الأضواء. سبحان من ظهر على الكل فأظهره، وبطن في الكل فأهلكه، هو الأول والآخر والظاهر والباطن، وهو بكل شيء عليم. خاتمة السورة عليك أيها السالك المتوجه نحو الحق بوجهك الذي ليلي الحق المقتبس به منه أشعة أنوار تجلياته الذاتية حسب أسمائه الحسنى وصفاته العليا، أن تتأمل في كيفية نشآت الكثرات الغير المحصورة عن الواحد من كل الوجود، وتتعمق بمقتضى العقل المفاض لك من حضرة علمه سبحانه على سبيل التوديع؛ لتتدبر معرفة مبدئك ومعادك حسب استعدادك الفطري، وقابليتك الجبلية التي بها امتيازك عن سائر المظاهر والمصنوعات، وبها تستحق الخلافة والنيابة عن الله، وبواسطة تلك الوديعة البديعة المودعة فيك كلفك الحق إلى ما كلفك، وأعد لك من المراتب العلية والمقامات السنية عنده ما أعد لك حسب صعودك وترقيك في معارفك، وحقائقك على مقتضى التكاليف التي توصلك إليها إن أخلصت فيها. فلك أن تتحمل على مشاق التكليفات ومتاعب الرياضات ما دمت في مجال التكاليف ومنازل العروج إلى أن جذبك الحق منك نحوه، ومكنك بموعدك المعهود ومقامك المحمود الذي هو مرتبة الكشف والشهود، وحينئذٍ اتحد قوساً الوجوب والإمكان، وارتفعت الزبد والأمواج عن بحر العيان، وفزت بما فزت من موالد اللطف والإحسان، فظهر لك حينئذٍ معنى قوله: {لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ لَهُ ٱلْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [القصص: 88].

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : يقول تعالى { إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ } أي: أنزله، وفرض فيه الأحكام، وبين فيه الحلال والحرام، وأمرك بتبليغه للعالمين، والدعوة لأحكام جميع المكلفين، لا يليق بحكمته أن تكون الحياة هي الحياة الدنيا فقط، من غير أن يثاب العباد ويعاقبوا، بل لا بد أن يردك إلى معاد، يجازي فيه المحسنون بإحسانهم، والمسيئون بمعصيتهم. وقد بينت لهم الهدى، وأوضحت لهم المنهج، فإن تبعوك، فذلك حظهم وسعادتهم، وإن أبوا إلا عصيانك والقدح بما جئت به من الهدى، وتفضيل ما معهم من الباطل على الحق، فلم يبق للمجادلة محل، ولم يبق إلا المجازاة على الأعمال من العالم بالغيب والشهادة، والمحق والمبطل. ولهذا قال: { قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جَاءَ بِالْهُدَى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ } وقد علم أن رسوله هو المهتدي الهادي، وأن أعداءه هم الضالون المضلون. { وَمَا كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ } أي: لم تكن متحريا لنزول هذا الكتاب عليك، ولا مستعدا له، ولا متصديا. { إِلا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ } بك وبالعباد، فأرسلك بهذا الكتاب، الذي رحم به العالمين، وعلمهم ما لم يكونوا يعلمون، وزكاهم وعلمهم الكتاب والحكمة، وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين، فإذا علمت أنه أنزل إليك رحمة منه، [علمت] أن جميع ما أمر به ونهى عنه، فإنه رحمة وفضل من اللّه، فلا يكن في صدرك حرج من شيء منه، وتظن أن مخالفه أصلح وأنفع. { فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكَافِرِينَ } أي: معينا لهم على ما هو من شعب كفرهم، ومن جملة مظاهرتهم، أن يقال في شيء منه، إنه خلاف الحكمة والمصلحة والمنفعة. { وَلا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنزلَتْ إِلَيْكَ } بل أبلغها وأنفذها، ولا تبال بمكرهم ولا يخدعنك عنها، ولا تتبع أهواءهم. { وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ } أي اجعل الدعوة إلى ربك منتهى قصدك وغاية عملك، فكل ما خالف ذلك فارفضه، من رياء، أو سمعة، أو موافقة أغراض أهل الباطل، فإن ذلك داع إلى الكون معهم، ومساعدتهم على أمرهم، ولهذا قال: { وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ } لا في شركهم، ولا في فروعه وشعبه، التي هي جميع المعاصي. { وَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ } بل أخلص للّه عبادتك، فإنه { لا إِلَهَ إِلا هُوَ } فلا أحد يستحق أن يؤله ويحب ويعبد، إلا اللّه الكامل الباقي الذي { كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلا وَجْهَهُ } وإذا كان كل شيء هالكا مضمحلا سواه فعبادة الهالك الباطل باطلة ببطلان غايتها، وفساد نهايتها. { لَهُ الْحُكْمُ } في الدنيا والآخرة { وَإِلَيْهِ } لا إلى غيره { تُرْجَعُونَ } فإذا كان ما سوى اللّه باطلا هالكا، واللّه هو الباقي، الذي لا إله إلا هو، وله الحكم في الدنيا والآخرة، وإليه مرجع الخلائق كلهم، ليجازيهم بأعمالهم، تعيَّن على من له عقل، أن يعبد اللّه وحده لا شريك له، ويعمل لما يقربه ويدنيه، ويحذر من سخطه وعقابه، وأن يقدم على ربه غير تائب، ولا مقلع عن خطئه وذنوبه. تم تفسير سورة القصص -وللّه الحمد والثناء والمجد دائما أبدا-.

همام الصنعاني

تفسير : 2237- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {لَرَآدُّكَ إِلَىٰ مَعَادٍ}: [الآية: 85]، قال: هذه مما كان يكتم ابن عبَّاس. 2238- قال معمر، وأما الحَسَنُ، والزهري، فقالا: معاده يَوْمَ القيامة.