٢٩ - ٱلْعَنْكَبُوت
29 - Al-Ankabut (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
33
Tafseer
الرازي
تفسير : ثم إنهم جاؤا من عند إبراهيم إلى لوط على صورة البشر فظنهم بشراً فخاف عليهم من قومه لأنهم كانوا على أحسن صورة خلق الله والقوم كما عرف حالهم فسيء بهم أي جاءه ما ساءه وخاف ثم عجز عن تدبيرهم فحزن وضاق بهم ذرعاً كناية عن العجز في تدبيرهم، قال الزمخشري يقال طال ذرعه وذراعه للقادر وضاق للعاجز، وذلك لأن من طال ذراعه يصل إلى ما لا يصل إليه قصير الذراع والاستعمال يحتمل وجهاً معقولاً غير ذلك، وهو أن الخوف والحزن يوجبان انقباض الروح ويتبعه اشتمال القلب عليه فينقبض هو أيضاً والقلب هو المعتبر من الإنسان، فكان الإنسان انقبض وانجمع وما يكون كذلك يقل ذرعه ومساحته فيضيق، ويقال في الحزين ضاق ذرعه والغضب والفرح يوجبان انبساط الروح فينبسط مكانه وهو القلب ويتسع فيقال اتسع ذرعه، ثم إن الملائكة لما رأوا خوفه في أول الأمر وحزنه بسبب تدبيرهم في ثاني الأمر قالوا لا تخف علينا ولا تحزن بسبب التفكر في أمرنا ثم ذكروا ما يوجب زوال خوفه وحزنه فإن مجرد قول القائل لا تخف لا يوجب زوال الخوف فقالوا معرضين بحالهم: {إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ } وإنا منزلون عليهم العذاب حتى يتبين له أنهم ملائكة فيطول ذرعه ويزول روعه وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: أنه تعالى قال من قبل: { أية : وَلَمَّا جَاءتْ رُسُلُنَا إِبْرٰهِيمَ } تفسير : [العنكبوت: 31] وقال ههنا: {وَلَمَّا أَن جَاءتْ رُسُلُنَا } فما الحكمة فيه؟ فنقول حكمة بالغة وهي أن الواقع في وقت المجىء هناك قول الملائكة {إنا مهلكوا} وهو لم يكن متصلاً بمجيئهم لأنهم بشروا أولاً ولبثوا، ثم قالوا: إنا مهلكوا وأيضاً فالتأني واللبث بعد المجىء ثم الإخبار بالإهلاك حسن فإن من جاء ومعه خبر هائل يحسن منه أن لا يفاجىء به، والواقع ههنا هو خوف لوط عليهم، والمؤمن حين ما يشعر بمضرة تصل بريئاً من الجناية ينبغي أن يحزن ويخاف عليه من غير تأخير، إذا علم هذا فقوله ههنا: {وَلَمَّا أَن جَاءتْ رُسُلُنَا } يفيد الاتصال يعني خاف حين المجىء، فإن قلت هذا باطل بما أن هذه الحكاية جاءت في سورة هود(77)، وقال: {أية : وَلَمَّا جَاءتْ رُسُلُنَا لُوطاً }تفسير : من غير أن، فنقول هناك جاءت حكاية إبراهيم بصيغة أخرى حيث قال هناك: {أية : وَلَقَدْ جَاءتْ رُسُلُنَا إِبْرٰهِيمَ بِٱلْبُـشْرَىٰ } تفسير : [هود: 69] فقوله هنالك: {وَلَقَدْ جَاءتْ } لا يدل على أن قولهم: {أَنَّا أَرْسَلْنَا } كان في وقت المجىء. وقوله: {وَلَمَّا جَاءتْ رُسُلُنَا لُوطاً سِىء بِهِمْ } دل على أن حزنه كان وقت المجىء. إذا علم هذا فنقول: هناك قد حصل ما ذكرنا من المقصود بقوله في حكاية إبراهيم: { أية : وَلَقَدْ جَاءتْ رُسُلُنَا إِبْرٰهِيمَ بِٱلْبُـشْرَىٰ } تفسير : [هود: 69] ثم جرى أمور من الكلام وتقديم الطعام، ثم قالوا: {لاَ تَخَفْ } ولا تحزن { أية : إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَىٰ قَوْمِ لُوطٍ } تفسير : [هود: 70] فحصل تأخير الإنذار، وبقوله في حكاية لوط {وَلَمَّا جَاءتْ رُسُلُنَا } حصل بيان تعجيل الحزن، وأما هنا لما قال في قصة إبراهيم {وَلَمَّا جَاءتْ } قال في حكاية لوط {وَلَمَّا أَن جَاءتْ } لما ذكرنا من الفائدة. المسألة الثانية:: قال هنا {إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ } وقال لإبراهيم {أية : لَنُنَجّيَنَّهُ}تفسير : [العنكبوت:32] بصيغة الفعل فهل فيه فائدة؟ قلنا ما من حرف ولا حركة في القرآن إلا وفيه فائدة، ثم إن العقول البشرية تدرك بعضها ولا تصل إلى أكثرها، وما أوتي البشر من العلم إلا قليلاً، والذي يظهر لعقل الضعيف أن هناك لما قال لهم إبراهيم: {إِنَّ فِيهَا لُوطاً } وعدوه بالتنجية ووعد الكريم حتم، وههنا لما قالوا للوط وكان ذلك بعد سبق الوعد مرة أخرى قالوا: {إِنَّا مُنَجُّوكَ } أي ذلك واقع منا كقوله تعالى: { أية : إِنَّكَ مَيّتٌ } تفسير : [الزمر: 30] لضرورة وقوعه. المسألة الثالثة:قولهم: {لاَ تَخَفْ وَلاَ تَحْزَنْ } لا يناسبه {إِنَّا مُنَجُّوكَ } لأن خوفه ما كان على نفسه، نقول بينهما مناسبة في غاية الحسن، وهي أن لوطاً لما خاف عليهم وحزن لأجلهم قالوا له لا تخف علينا ولا تحزن لأجلنا فإنا ملائكة، ثم قالوا له: يا لوط خفت علينا وحزنت لأجلنا، ففي مقابلة خوفك وقت الخوف نزيل خوفك وننجيك، وفي مقابلة حزنك نزيل حزنك ولا نتركك تفجع في أهلك فقالوا: {إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ }. المسألة الرابعة: القوم عذبوا بسبب ما صدر منهم من الفاحشة وامرأته لم يصدر منها تلك فكيف كانت من الغابرين معهم؟ فنقول الدال على الشر له نصيب كفاعل الشر، كما أن الدال على الخير كفاعله وهي كانت تدل القوم على ضيوف لوط حتى كانوا يقصدونهم، فبالدلالة صارت واحدة منهم، ثم إنهم بعد بشارة لوط بالتنجية ذكروا أنهم منزلون على أهل هذه القرية العذاب فقالوا: {إِنَّا مُنزِلُونَ عَلَىٰ أَهْلِ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةِ رِجْزاً مّنَ ٱلسَّمَاء } واختلفوا في ذلك، فقال بعضهم حجارة وقيل نار وقيل خسف، وعلى هذا فلا يكون عينه من السماء وإنما يكون الأمر بالخسف من السماء أو القضاء به من السماء، ثم اعلم أن كلام الملائكة مع لوط جرى على نمط كلامهم مع إبراهيم قدموا البشارة على الإنذار حيث قالوا: {إِنَّا مُنَجُّوكَ } ثم قالوا: {إِنَّا مُنزِلُونَ عَلَىٰ أَهْلِ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةِ } ولم يعللوا التنجية، فما قالوا إنا منجوك لأنك نبـي أو عابد، وعللوا الإهلاك بقولهم: {بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ } وقالوا بما كانوا، كما قالوا هناك: { أية : إِنَّ أَهْلَهَا كَانُواْ ظَـٰلِمِينَ } تفسير : [العنكبوت: 31] ثم قال تعالى: {وَلَقَد تَّرَكْنَا مِنْهَا ءايَةً بَيّنَةً لّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ } أي من القرية فإن القرية معلومة وفيها الماء الأسود وهي بين القدس والكرك وفيها مسائل: المسألة الأولى: جعل الله الآية في نوح وإبراهيم بالنجاة حيث قال: { أية : فأَنْجَيْنـٰهُ وأَصْحَـٰبَ ٱلسَّفِينَةِ وَجَعَلْنَـٰهَا ءايَةً } تفسير : [العنكبوت: 15] وقال: { أية : فَأَنْجَاهُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلنَّارِ إِنَّ فِى ذٰلِكَ لآيَـٰتٍ } تفسير : [العنبكوت: 24] وجعل ههنا الهلاك آية فهل عندك فيه شيء؟ نقول نعم، أما إبراهيم فلأن الآية كانت في النجاة لأن في ذلك الوقت لم يكن إهلاك، وأما في نوح فلأن الإنجاء من الطوفان الذي علا الجبال بأسرها أمر عجيب إلهي، وما به النجاة وهو السفينة كان باقياً، والغرق لم يبق لمن بعده أثره فجعل الباقي آية، وأما ههنا فنجاة لوط لم يكن بأمر يبقى أثره للحس والهلاك أثره محسوس في البلاد فجعل الآية الأمر الباقي وهو ههنا البلاد وهناك السفينة وههنا لطيفة: وهي أن الله تعالى آية قدرته موجودة في الإنجاء والإهلاك فذكر من كل باب آية وقدم آيات الإنجاء لأنها أثر الرحمة وأخر آيات الإهلاك لأنها أثر الغضب ورحمته سابقة. المسألة الثانية: قال في السفينة: {وَجَعَلْنَـٰهَا ءايَةً } ولم يقل بينة وقال ههنا آية بينة نقول لأن الإنجاء بالسفينة أمر يتسع له كل عقل وقد يقع في وهم جاهل أن الإنجاء بالسفينة لا يفتقر إلى أمر آخر، وأما الآية ههنا الخسف وجعل ديار معمورة عاليها سافلها وهو ليس بمعتاد، وإنما ذلك بإرادة قادر يخصصه بمكان دون مكان وفي زمان دون زمان، فهي بينة لا يمكن لجاهل أن يقول هذا أمر يكون كذلك وكان له أن يقول في السفينة النجاة بها أمر يكون كذلك إلى أن يقال له فمن أين علم أنه يحتاج إليها ولو دام الماء حتى ينفد زادهم كيف كان يحصل لهم النجاة؟ ولو سلط الله عليهم الريح العاصفة كيف يكون أحوالهم؟. المسألة الثالثة: قال هناك {للعالمين} وقال ههنا: {لّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ } قلنا لأن السفينة موجودة في جميع أقطار العالم فعند كل قوم مثال لسفينة نوح يتذكرون بها حاله، وإذا ركبوها يطلبون من الله النجاة ولا يثق أحد بمجرد السفينة، بل يكون دائماً مرتجف القلب متضرعاً إلى الله تعالى طلباً للنجاة، وأما أثر الهلاك في بلاد لوط ففي موضع مخصوص لا يطلع عليه إلا من يمر بها ويصل إليها ويكون له عقل يعلم أن ذلك من الله المريد، بسبب اختصاصه بمكان دون مكان ووجوده في زمان بعد زمان.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَلَمَّا أَن جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطاً سِىءَ بِهِمْ } حزن بسببهم {وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا } صدراً لأنهم حسان الوجوه في صورة أضياف فخاف عليهم قومه فأعلموه أنهم رسل ربه {وَقَالُواْ لاَ تَخَفْ وَلاَ تَحْزَنْ إِنَّا مُنَجُّوكَ } بالتشديد والتخفيف {وَأَهْلَكَ إِلاَّ ٱمْرَأَتَكَ كَانَتْ مِنَ ٱلْغَٰبِرينَ } ونُصِبَ «أهل» عطفاً على محلّ الكاف.
البقاعي
تفسير : ولما لم يبق بعد هذا إلا خبر الرسل مع لوط عليه الصلاة والسلام، قال عاطفاً على ما تقديره: ثم فارقوه ومضوا إلى المدينة التي فيها لوط عليه السلام، مفهماً بالعدول عن الفاء إلى الواو أن بين المكانين بعداً: {ولما} وأثبت ما صورته صورة الحرف المصدري لما اقتضاه مقصود السورة، وأكثر سياقاتها بين التسليك في مقام الامتحان والاجتهاد في النهي عن المنكر، ولذا ذكر هنا في قصة إبراهيم عليه السلام القتل والإحراق، وأتبعت بشراء بإهلاك القرية الظالمة، فقال: {أن جاءت رسلنا} أي المعظمون بنا {لوطاً} بيانا لأنه {سيء} أي حصلت له المساءة {بهم} أول أوقات مجيئهم إليه وحين قدومهم عليه، فاجأته المساءة من غير ريب لما رأى من حسن أشكالهم، وخاف من تعرض قومه لهم، وهو يظن أنهم من الناس، وذلك أن أن في مثل هذا صلة وإن كان أصلها المصدر لتؤكد وجود الفعلين مرتباً وجود أحدهما على الآخر في وقتين متجاورين لا فاصل بينهما فإنها وجدا في جزء واحد من الزمان، قال ابن هشام في المغني ما معناه أن علة ذلك أن الزائد يؤكد معنى ما جيء به لتأكيده، ولما تقيد وقوع الفعل الثاني عقيب الأول وترتبه عليه فالحرف الزائد يؤكد ذلك. {وضاق بهم} أي بأعمال الحيلة في الدفع عنهم {ذرعاً} أي ذرعة طاقتهم كما بين وأشبع القول فيه في سورة هود عليه السلام، والأصل في ذلك أن من طالت ذراعه نال ما لا يناله قصيرها، فضرب مثلاً في العجز والقدرة، وذلك أنهم أتوه في صورة مردان ملاح جداً، وقد علم أمر أهل القرية في مثل ذلك ولم يعلم أنهم رسل الله. ولما كان التقدير: فقالوا له: يا لوط! إنا رسل ربك، فخفض عليك من هذا الضيق الذي نراه بك فإنا ما أرسلنا إلا لإهلاكهم، عطف عليه قوله: {وقالوا} أي لما رأوا ما لقي في أمرهم: {لا تخف} أي من أن يصلوا إلينا أو من أن تهلك أنت أو أحد من أهل طاعتك ولا تحزن أي على أحد ممن نهلكه فإنه ليس في أحد منهم خير يؤسف عليهم بسببه؛ ثم عللوا ذلك بقولهم مبالغين في التأكيد للإغناء به عن جمل طوال، إشارة إلى أن الوقت أرق فهو لا يحتمل التطويل: {إنا منجوك} أي مبالغون في إنجائك {وأهلك} أي ومهلكوا أهل هذه القرية، فلا يقع ضميرك أنهم يصلون إلينا، وقالوا: {إلا امرأتك} تنصيصاً على كل فرد منهم سواها؛ ثم دلوا على هلاكها بقولهم جواباً لمن كأنه قال: ما لها؟ فقيل: {كانت من الغابرين*} أي كأن هذا الحكم في أصل خلقتها. ولما أفهمت العبارة كما مضى إهلاكهم، صرحوا به فقالوا معينين لنوعه، معللين لما أخبروه به، مؤكدين إعلاماً بأن الأمر قد فرغ منه قطعاً لأن يشفع فيهم، جرياً على عادة الأنبياء في الشفقة على أممهم: {إنا منزلون} أي لا محالة {على أهل هذه القرية رجزاً} أي عذاباً يكون فيه اضطراب شديد يضطرب منه من أصابه كائناً من كان {من السماء} فهو عظيم وقعه، شديد صدعه {بما كانوا} أي كوناً راسخاً {يفسقون*} أي يخرجون في كل وقت من دائرة العقل والحياء. ولما كان التقدير: ففعلت رسلنا ما وعدوه به من إنجائه وإهلاك جميع قراهم، فتركناها، كأن لم يسكن بها أحد قط، عطف عليه قوله مؤكداً إشارة إلى فضيلة المخاطبين بهذه القصة من العرب وغيرهم، وأنه ليس بينهم وبين الهدى إلا تفكرهم في أمرهم مع الإنخلاع من الهوى: {ولقد تركنا} بما لنا من العظمة {منها} أي من تلك القرية {آية} علامة على قدرتنا على كل ما نريد {بينة} وهو الماء الأسود المنتن الذي غمر قراهم كلها بعد الخسف بها وهو مباين لجميع مياه الأرض لكونه ماء السخط لمن باينوا بفعلهم الخلق مع اشتهار كونه على الخسف. ولما كان سبحانه قد حجب عن الأبصار كثيراً من الناس قال: {لقوم يعقلون*} فعد من لم يستبصر به عير عاقل ولا شاعر بأنها آية ولا فيه أهلية القيام بما يريد. ولما كان السياق لإثبات يوم الدين وإهلاك المفسدين، ولمن طال ابتلاؤه من الصالحين ولم يجد له ناصراً من قومه، إما لغربته عنهم، وإما لقلة عشيرته لتسميتهم وعدم أتباعه، وكان شعيب عليه السلام ممن استضعفه قومه واستقلوا عشيرته لتسميتهم لهم رهطاً، والرهط ما دون العشرة أو من سبعة إلى عشرة، وما دون السبعة إلى الثلاثة نفر، فكان عليه السلام كذلك في هذا العداد، عقب قصة لوط بقصته عليه الصلاة والسلام فقال: {وإلى} أي ولقد أرسلنا إلى {مدين أخاهم} أي من النسب والبلد {شعيباً}. ولما كان مقصود السورة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من غير فترة، عبر بالفاء فقال: {فقال} أي فتسبب عن إرساله وتعقبه أن قال: {يا قوم اعبدوا الله} أي الملك الأعلى وحده، ولا تشركوا به شيئاً، فإن العبادة التي فيها شرك عدم، لأن الله تعالى أغنى الشركاء فهو لا يقبل إلا ما كان له خالصاً. ولما كان السياق لإقامة الأدلة على البعث الذي هو من مقاصد السورة قال: {وارجوا اليوم الآخر} أي حسن الجزاء فيه لتفعلوا ما يليق بذلك {ولا تعثوا في الأرض} حال كونكم {مفسدين*} أي متعمدين الفساد. ولما تسبب عن هذا النصح وتعقبه تكذيبهم فتسبب عنه وتعقبه إهلاكهم، تحقيقاً لأن أهل السيئات لا يسبقون قال: {فكذبوه فأخذتهم} أي لذلك أخذ قهر وغلبة {الرجفة} أي الصيحة التي زلزلت بهم فأهلكتهم {فأصبحوا في دارهم} أي محالهم التي كانت دائرة بهم وكانوا يدورون فيها {جاثمين*} أي واقعين على صدورهم، لازمين مكاناً واحداً، لا يقدرون على حركة أصلاً، لأنه لا أرواح لهم. ولما كان من المقاصد العظيمة الدلالة على اتباع بعض هذه الأمم بعضاً في الخير والشر على نسق، والجري بهم في إهلاك المكذبين وإنجاء المصدقين طبقاً عن طبق، وكان إهلاك عاد وثمود - لما اشتهروا به من قوة الأبدان، ومتانة الأركان - في غاية الغرابة، وكان معنى ختام قصة مدين: فأهلكناهم، عطف عليه على ذلك المعنى قوله: {وعاداً} أي وأهلكنا أيضاً عاداً {وثموداْ} مع ما كانوا فيه من العتو، والتكبر والعلو {وقد تبين لكم} أي ظهر بنفسه غاية الظهور أيها العرب أمرهم {من مساكنهم} أي ما وصف من هلاكهم وما كانوا فيه من شدة الأجسام، وسعة الأحلام، وعلو الاهتمام، وثقوب الأذهان، وعظيم الشأن، عند مروركم بتلك المساكن، ونظركم إليها في ضربكم في التجارة إلى الشام، فصرفوا أفكارهم في الإقبال على الاستمتاع بالعرض الفاني من هذه الدنيا، فأملوا بعيداً، وبنوا شديداً، ولم يغن عنهم شيء من ذلك شيئاً من أمر الله {وزين لهم} في غاية التزيين {الشيطان} أي بعيد من الرحمة، المحترق باللعنة، بقوة احتياله، ومحبوب ضلاله ومحاله {أعمالهم} أي الفاسدة، فأقبلوا بكليتهم عليها مع العدو المبين، وأعرضوا عن الهداة الناصحين. ولما تسبب عن هذا التزيين منعهم لعماهم عن الصراط المستقيم قال: {فصدهم عن السبيل} أي منعهم عن سلوك الطريق الذي لا طريق إلا هو، لكونه يوصل إلى النجاة، وغيره يوصل إلى الهلاك، فهو عدم بل العدم خير منه. ولما كان ذلك ربما ظن أنه لفرط غباوتهم قال: {وكانوا} أي فعل بهم الشيطان ما فعل من الإغواء والحال أنهم كانوا كوناً هم فيه في غاية التمكن {مستبصرين*} أي معدودين بين الناس من البصراء العقلاء جداً لما فاقوهم به مما يعلمون من ظاهر الحياة الدنيا، ولم يسبقونا، بل أوقعناهم بعملهم السيئات فيما أردنا من أنواع الهلكات، فاحذروا مثل مصارعهم فإنكم لا تشابهونهم في القوة، ولا تقاربونهم في العقول.
ابو السعود
تفسير : {وَلَمَّا أَن جَاءتْ رُسُلُنَا} المذكورينَ بعد مفارقتِهم لإبراهيمَ عليه السَّلامُ {لُوطاً سِيء بِهِمْ} اعتراهُ المساءةُ بسببهم مخافةَ أنْ يتعرَّض لهم قومُه بسوءٍ. وكلمةُ أنْ صلةٌ لتأكيدِ ما بـين الفعلينِ من الاتِّصالِ {وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا} أي ضاقَ بشأنِهم وتدبـير أمِرهم ذرعُه أي طاقتُه كقولِهم ضاقتْ يدُه وبإزائِه رَحُبَ ذَرْعُه بكذا إذا كان مُطبقاً به قادراً عليه وذلك أنَّ طويلَ الذِّراعِ ينالُ ما لا يناله قصير الذِّراع. {وَقَالُواْ} ريثما شاهدوا فيه مخايلَ التَّضجرِ من جهتهم وعاينُوا أنَّه قد عجزَ عن مُدافعةِ قومِه بعد اللَّتيا والتِّي حتى آلتْ به الحالُ إلى أنْ قالَ: {أية : لو أنَّ لي بكم قوةً أو آوي إلى رُكنٍ شديدٍ} تفسير : [سورة هود: الآية 80] {لاَ تَخَفْ} أي من قومِك علينا {وَلاَ تَحْزَنْ} أي على شيءٍ وقيل بإهلاكِنا إيَّاهم {إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ} ممَّا يُصيبهم من العذابِ {إِلاَّ ٱمْرَأَتَكَ كَانَتْ مِنَ ٱلْغَـٰبِرينَ} وقُرىء لننجينَّك ومنجُّوك من الإنجاءِ، وإيَّا ما كان فمحلُّ الكافِ الجرُّ على المختارِ ونصب أهلكَ بإضمار فعلٍ أو بالعطفِ على محلِّها باعتبارِ الأصلِ {إِنَّا مُنزِلُونَ عَلَىٰ أَهْلِ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةِ رِجْزاً مّنَ ٱلسَّمَاء} استئنافٌ مسُوقٌ لبـيانِ ما أشير إليه بوعدِ التَّنجيةِ من نزول العذابِ عليهم. والرِّجزُ العذابُ الذي يُقلقُ المعذَّبَ أي يُزعجُه من قولِهم ارتجزَ إذا ارتجسَ واضطربَ. وقُرىء مُنزِّلون بالتَّشديدِ. {بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ} بسببِ فسقِهم المستمرِّ {وَلَقَد تَّرَكْنَا مِنْهَا} أي من القريةِ {آيَةً بَيّنَةً} هي قصَّتُها العجيبةُ آثارُ ديارها الخربةِ وقيل: الحجارةُ المطمُورة فإنَّها كانتْ باقيةً بعدها وقيل: الماءُ الأسودُ على وجهِ الأرضِ {لّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} يستعملون عقولَهم في الاستبصارِ والاعتبارِ وهو متعلقٌ إما بتركنَا أو ببـينةً {وَإِلَىٰ مَدْيَنَ أَخَـٰهُمْ شُعَيْباً} متعلق بمضمن معطوفٍ على أرسلنا في قصَّة نوحٍ عليه السَّلام أي وأرسلنا إلى مدينَ شُعيباً {فَقَالَ يَـٰقَوْمِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ} وحدَه {وَٱرْجُواْ ٱلْيَوْمَ ٱلآخِرَ} أي توقَّعوه وما سيقعُ فيه من فُنون الأهوالِ وافعلُوا اليوم من الأعمالِ ما تأمنون غائلتَهُ وقيل: وارجُوا ثوابَه بطريقِ إقامةِ المسبَّبِ مقامَ السَّببِ وقيل: الرَّجاءُ بمعنى الخوفِ {وَلاَ تَعْثَوْاْ فِى ٱلأَرْضِ مُفْسِدِينَ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ ٱلرَّجْفَةُ} أي الزَّلزلةُ الشَّديدةُ وفي سورة هود وأخذتِ الذين ظلمُوا الصَّيحةُ أي صيحةُ جبريلَ عليه السَّلام فإنَّها المُوجِبة للرَّجفة بسبب تمويجِها للهواءِ وما يُجاورها من الأرض {فَأَصْبَحُواْ فِي دَارِهِمْ} أي بلدِهم أو منازِلهم والإفرادُ لأمنِ اللَّبسِ {جَـٰثِمِينَ} باركينَ على الرُّكبِ ميِّتينَ.
القشيري
تفسير : لمَّا أن رآهم لوطٌ ضاق بهم قلبُه لأنه لم يعلم أنهم ملائكةٌ، فخاف عليهم من فساد قومه: فكان ضِيقُ قلبِه لأَجْلِ الله - سبحانه، فأخبروه بأنهم ملائكة، وأنَّ قومه لن يَصِلُوا إليهم. فعند ذلك سَكَنَ قلبُه. وزال ضيقُ صَدْرِه. ويقال أقربُ ما يكون العبد في البلاءِ من الفرج إذا اشتدَّ عليه البلاءُ؛ فعند ذلك يكون زوال البلاء، لأنه يصير مُضْطّراً، واللَّهُ سبحانه وَعََدَ المضطرين وشيك الإجابة. كذلك كان لوط في تلك الليلة، فقد ضاق بهم ذَرْعاً ثم لم يلبث أَنْ وَجَدَ الخلاصَ من ضيقه.
اسماعيل حقي
تفسير : {ولما ان} صلة لتأكيد الفعلين ومافيهما من الاتصال {جاءت رسلنا} المذكورون بعد مفارقة ابراهيم {لوطا سيىء بهم} اى اعتراه المساءة بسببهم مخافة ان يتعرض لهم قومه بسوء اى الفاحشة لانهم كانوا يتعرضون للغرباء ولم يعرف لوط انهم ملائكة وانما رأى شبانا مردا حسانا بثياب حسان وريح طيبة فظن انهم من الانس {وضاق بهم ذرعا} اى ضاف بشأنهم وتدبير امرهم ذرعه اى طاقته فلم يدر أيأمرهم بالخروج ام بالنزول كقولهم ضاقت يده وبازائه رحب ذرعه بكذا اذا كان مطيقا به قادرا عليه وذلك ان طويل الذراع ينال مالا يناله قصير الذراع {وقالوا} لما رأوا فيه اثر الضجرة: يعنى [فرشتكان اثر ملال برجبين مبارك لوط مشاهده كرده اورا تسلى دادند وكفتند] {لاتخف} من قومك علينا {ولاتحزن} على شىء {انا منجوك واهلك} مما يصيب القوم من العذاب {الا امرأتك كانت من الغابرين انا منزلون على اهل هذه القرية} يعنى سدوم وكانت مشتملة على سبعمائة الف رجل كما فى كشف الاسرار {رجزا من السماء} عذابا منها يعنى الخسف والحصب والرجز العذاب الذى يقلق المعذب اى يزعجه من قولهم ارتجز اذا ارتعش واضطرب {بما كانوا يفسقون} بسبب فسقهم المستمر فانتسف جبريل المدينة واما فيها باحد جناحيه فجعل عاليها سافلها وانصبت الحجار على من كان غائبا اى بعد خروج لوط مع بناته منه [بس بحكم خداى لوط بااهالىء خود خلاص يافت وكفار موتفكه هلاك شدند وشهر خراب شده ايشان عبرت عالميان كشت جنانجه ميفرمايد]
اطفيش
تفسير : {وَلَمَّا أَن جَاءَت رُسُلُنَا لُوطاً} وهم الملائكة. {سِيءَ} لوط اي ضر. {بِهِمْ} اي بالرسل والمراد انه جاءته المساءة والغم بسببهم مخافة ان يقصدهم قومه بسوء ولا يدري انهم ملائكة وان صلة لتأكيد المجيء والسوء واتصالهما كأنه قيل لما أحس بمجيئهم فاجأته المساءة من غير بطي حذرا من قومه والظاهر عندي ان التأكيد للسوء واتصاله فقط. {وَضَاقَ} لوط. {بِهِمْ ذَرْعاً} اي ضاق بشأنهم وتدبير امرهم وذرعا تمييز محول عن الفاعل وهو مخرج اليد او العنق من القميص او هو الذراع وذلك كناية عن ضيق الطاقة من حيث ان ضيق مخرج اليد او قصير الذراع لا ينال ما يناله واسعي المخرج وطويل الذراع يقال: ضاقت يده اذا فقد الطاقة ورحبت ذراعه اذا وجدها ويجوز كون الذراع الصدر لاتصاله بذراع القميص وازداد ضيقه بكونهم على صور الآدميين الحسان الوجوه وعلى صورة الاضياف واعلموه بأنهم رسل الله. {وَقَالُوا} لما رأوا ضيقه. {لا تَخَفْ وَلا تَحْزَنْ} على تمكنهم منا او لا تخف منهم ولا تحزن علينا. {إِنَّا مُنَجُّوكَ} وقرأ حمزة وابن كثير والكسائي ويعقوب وابو بكر بالتخفيف. {وَأَهْلَكَ} عطف على محل الكاف الذي هو النصب باعتبار الاصل لأنه مفعول والاضافة انما هي للتخفيف ولو كان محل الكاف في الحال الجر على الاضافة بل قيل محله النصب وحذف النون للتخفيف او اهل مفعول لمحذوف اي وننجي اهلك او ومنجون اهلك. {إِلا امْرَأَتَكَ كَانَتْ مِنَ الغَابِرِينَ إِنَّا مُنزِلُونَ عَلَى أَهْلِ هَذِهِ القَرْيَةِ رِجْزاً مِّنَ السَّمَاءِ} اي عذابا يقع به هول عظيم واضطراب يقال ارتجز العذاب وارتجس اذا اضطرب لما يلحق المعذب من القلق والاضطراب وقرأ ابن عامر بضم الميم وفتح النون وتشديد الزاي عبر بالانزال لأن المعذب يعلوه العذاب. {بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ} أي بكونهم يفسقون فما مصدرية.
اطفيش
تفسير : {ولمَّا أن جاءت رُسُلنا لوطاً} هم الملائكة المعهودون، الذين بشروا ابراهيم: فارقوا وجاءوا لوطاً {سيء} لوط {بهم} ساءه الله بهم، اى غمه لانه ظن انهم آدميون، وكانوا على صور الشباب المرد الجميلين، فخاف لهم طلب قومه منهم الفاحشة، وقيل الهاء لقومه {سيء بهم} لعظم البلاء عليهم، ويرده انه لا يحزن لبلائهم، بل يفرح وقد طلب نزوله، وانه لا يناسب قول الملائكة: {لا تخف ولا تحزن إنا منجوك} {وضاقَ بِهم ذَرعاً} طاقة {وقالوا لا تَخَفْ} علينا {ولا تحزن} بنا اننا لسنا بشرا بل ملائكة رسل ربك لهلاكهم، لا ينالوننا، وقد علموا منه الضجر من قومه حتى قال: "أية : لو أنَّ لي بكم قوة" تفسير : [هود: 80] إلخ، ومن قال: الهاء لقومه كما مر آنفا، قال: المعنى لا تخف علينا وعليك، ولا تحزن بما نفعله بقومك. {إنَّا منجُّوك وأهلك} محل الكاف الجر بالاضافة وهو مفعول به، فعطف عليه بالنصب باعتبار المفعولية، تقول: إنى مكرم زيد غداً واياك، فلاحاجة الى جعل الواو للمعية، ولا الى تقدير ومنجون أهلك، ولا الى دعوى الاخفش وهشام ان النون حذفت لشدة الاتصال، والكاف مفعول به {إلاَّ امرأتك كانَتْ} في علم الله {من الغابرين إنا منزلون على أهل هذه القرية رجزاً} عذاباً مزعجاً، من ارتجز بمعنى اضطرب {من السَّماء بما كانوا يفسقون} لكونهم يفسقون الفسق المعهود المستمر، وعادة المفسرين يذكرون المصدر مما بعد كان، ويسقطونها كأنها زائدة، وكانها ليس لها مصدر اذا دخلت على المبتدأ والخبر، وعندى ليس كذلك، قال الشاعر: شعر : وكونك إياه عليك يسير تفسير : وفى تأويل المصدر منها فائدة فاتتهم، وهو الحكم على كونه يفعل زيادة على الحكم على الفعل، وذلك أبلغ فاحفظ ذلك ولا تضيعه، واعمل به فى القرآن العظيم وغيره.
الالوسي
تفسير : {وَلَمَّا أَن جَاءتْ رُسُلُنَا } المذكورون بعد مفارقتهم إبراهيم عليه السلام {لُوطاً سِىء بِهِمْ } أي اعتراه المساءة والغم بسبب الرسل مخافة أن يتعرض لهم قومه بسوء كما هو عادتهم مع الغرباء، وقد جاءوا إليه عليه السلام بصور حسنة إنسانية. وقيل: ضمير {بِهِمُ } للقوم أي سيء بقومه لما علم من عظيم البلاء النازل بهم، وكذا ضمير {بِهِمُ } الآتي وليس بشيء، و {أَن} مزيدة لتأكيد الكلام التي زيدت فيه فتؤكد الفعلين واتصالهما المستفاد من (لما) حتى كأنهما وجدا في جزء واحد من الزمان فكأنه قيل: لما أحس بمجيئهم فاجأته المساءة من غير ريث. {وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا } أي وضاق بشأنهم وتدبير أمرهم ذرعه أي طاقته كقولهم: ضاقت يده، ويقابله رحب ذرعه بكذا إذا كان مطيقاً له قادراً عليه، وذلك أن طويل الذراع ينال ما لا يناله قصير الذراع. {وَقَالُواْ لاَ تَخَفْ وَلاَ تَحْزَنْ } عطف على {سيء}، وجوز أن يكون عطفاً على مقدر أي قالوا: إنا رسل ربك وقالوا الخ، وأياً ما كان فالقول كان بعد أن شاهدوا فيه مخايل التضجر من جهتهم وعاينوا أنه عليه السلام قد عجز عن مدافعة قومه حتى آلت به الحال إلى أن قال: {أية : لَوْ أَنَّ لِى بِكُمْ قُوَّةً أَوْ ءاوي إِلَىٰ رُكْنٍ شَدِيدٍ }تفسير : [هود: 80] والخوف للمتوقع والحزن للواقع في الأكثر، وعليه فالمعنى لا تخف من تمكنهم منا ولا تحزن على قصدهم إيانا وعدم اكتراثهم بك، ونهيهم عن الخوف من التمكن إن كان قبل إعلامهم إياه أنهم رسل الله تعالى فظاهر، وإن كان بعد الإعلام فهو لتأنيسه وتأكيد ما أخبروه به. / وقال الطبرسي: المعنى لا تخف علينا وعليك ولا تحزن بما نفعله بقومك. {إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ } فلا يصيبكم ما يصيبهم من العذاب {إِلاَّ ٱمْرَأَتَكَ } إنها {كَانَتْ } في علم الله تعالى {مِنَ ٱلْغَـٰبِرِينَ } وقرأ حمزة والكسائي ويعقوب {أية : لَنُنَجّيَنَّهُ } تفسير : [العنكبوت: 32] و {منجوك} بالتخفيف من الإنجاء، ووافقهم ابن كثير في الثاني. وقرأ الجمهور بشد نون التوكيد، وفرقة بتخفيفها وأياً ما كان فمحل الكاف من {منجوك} الجر بالإضافة، ولذا حذفت النون عند سيبويه و {أَهْلِكَ } منصوب على إضمار فعل أي وننجي أهلك، وذهب الأخفش وهشام إلى أن الكاف في محل النصب و{أهلك} معطوف عليه وحذفت النون لشدة طلب الضمير الاتصال بما قبله للإضافة، وقال بعض الأجلة: لا مانع من أن يكون لمثل هذا الكاف محلان الجر والنصب ويجوز العطف عليها بالاعتبارين، وقرأ نافع وابن كثير والكسائي {سىء } بإشمام السين الضم، وقرأ عيسى وطلحة {سوء } بضمها وهي لغة بني هذيل وبني دبير يقولون في نحو قيل وبيع قول وبوع وعليه قوله:شعر : حوكت على نولين إذ تحاك تحتبط الشوك ولا تشاك
ابن عاشور
تفسير : قد أشعر قوله {أية : إنا مهلكوا أهل هذه القرية}تفسير : [العنكبوت: 31] أن الملائكة يحلون بالقرية واقتضى ذلك أن يخبروا لوطاً بحلولهم بالقرية، وأنهم مرسلون من عند الله استجابة لطلب لوط النصر على قومه، فكان هذا المجيء مقدراً حصوله، فمن ثم جعل شرطاً لحرف {لما} كما تقدم آنفاً في قوله {أية : ولما جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى}تفسير : [العنكبوت: 31]. و {أن} حرف مزيد للتوكيد وأكثر ما يزاد بعد {لما} وهو يفيد تحقيق الربط بين مضمون الجملتين اللتين بعد {لما}، فهي هنا لتحقيق الربط بين مجيء الرسل ومساءة لوط بهم. ومعنى تحقيقه هنا سرعة الاقتران والتوقيت بين الشرط والجزاء تنبيهاً على أن الإساءة عقبت مجيئهم وفاجأته من غير ريث، وذلك لما يعلم من عادة معاملة قومه مع الوافدين على قريتهم فلم يكون لوط عالماً بأنهم ملائكة لأنهم جاءوا في صورة رجال فأريد هنا التنبيه على أن ما حدث به من المساءة وضيق الذرع كان قبل أن يعلم بأنهم ملائكة جاءوا لإهلاك أهل القرية وقبل أن يقولوا {لا تخف ولا تحزن}. ولم تقع {أن} المؤكدة في آية سورة هود لأن في تلك السورة تفصيلاً لسبب إساءته وضيق ذرعه فكان ذلك مغنياً عن التنبيه عليه في هذه الآية فكان التأكيد هنا ضرباً من الإطناب. وقد تقدم تفصيل ذلك في سورة هود وتفسيرها هناك. وبناء فعل {سيء} للمجهول لأن المقصود حصول المفعول دون فاعله. وعطف عليه جملة {وقالوا لا تخف} لأنها من جملة ما وقع عقب مجيء الرسل لوطاً. وقد طويت جمل دل عليها قوله {إنا مُنَجُّوك وأهلك} وهي الجمل التي ذكرت معانيها في قوله {أية : وجاءه قومه يهرعون إليه}تفسير : [هود: 78] إلى قوله {أية : قالوا يا لوط إنا رسل ربك لن يَصِلُوا إليك}تفسير : في سورة [هود: 81]. وقدّموا تأمينه قبل إعلامه بأنهم منزلون العذاب على أهل القرية تعجيلاً بتطمينه. وعطفُ {ولا تحزن} على {لا تخف} جمع بين تأمينه من ضرّ العذاب وبين إعلامه بأن الذين سيهلكون ليسوا أهلاً لأن يحزن عليهم، ومن أولئك امرأته لأنه لا يحزن على من ليس بمؤمن به. وجملة {إنا منجوك} تعليل للنهي عن الأمرين. واستثناء امرأته من عموم أهله استثناء من التعليل لا من النهي، ففي ذلك معذرة له بما عسى أن يحصل له من الحزن على هلاك امرأته مع أنه كان يحسبها مخلصة له، وقد بيّنا وجه ذلك في تفسير سورة هود. وقرأ ابن كثير وحمزة والكسائي {مُنْجوك} بسكون النون. وقرأ الباقون بفتح النون وتشديد الجيم.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلْغَابِرينَ} (33) - وَجَاءَ رُسُلُ اللهِ إِلى بَيتِ لُوطٍ في صُورَةِ شُبَّانٍ حِسَانٍ الوُجُوهِ، فَخَافَ عَلَيْهِمْ لُوطٌ مِنْ قَومِهِ، وَاغْتَمَّ لمَجِيئِهِمْ إِليهِ، خَوْفاً مِنْ أَنْ يَقْصدَهُمْ أَحَدٌ مِنْ قَوْمِهِ بِسُوءٍ، لِمَا يَعْلَمُهُ مِنْ فَسَادِ قَومِهِ، ولِمَا يَعْلَمُهُ مِنْ عَجْزِهِ عَنْ حِمَايَتِهِمْ، وَدَفْعِ الأَذَى عَنْهُمْ. وَلمَّا رَأَوْا مِنْهُ هذِهِ الحَالَ مِنَ الهَمِّ وَالقَلَقِ قَالُوا لَهُ: هَوِّنْ عَليكَ، وَلاَ تَخَفْ عَلَينا مِنْ قَوْمِكَ، فَإِنَّنا رُسُلُ رَبِّكَ، وَقَدْ جِئْنَا لِنُهْلِكَ قَوْمَكَ لأَنَّهُمْ بَلَغُوا فِي فِعْلِ الخَبَائِثِ مَبْلَغاً لاَ مَطْمَعَ في رُجُوعِهِم عَنْهُ، وَإِنا سَنُنَجِّيكَ وَأَهْلَكَ وَمَن اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنينَ فَلاَ يُصِيبُكُمْ مَكْرُوهٌ. إِلا أَنَّ امرَأَتَكَ سَتَكُونُ مِنَ البَاقِينَ فِي القَرْيَةِ، وَسَتَهْلِكُ مَعَ قَوْمِها لِفَسَادِهَا، وَمُشَارَكَتِهَا قَوْمَهَا فِي فَسَادِهِمْ. (وَقِيلَ إِنَّها كَانَتْ تَدُلُّ قَوْمَها عَلَى أَضْيَافِ لُوطٍ لِيَقْصدُوهُمْ طَلَباً لِفِعْلِ الفَاحِشَةِ). مِنَ الغَابِرِينَ - مِنَ البَاقِينَ فِي القَريةِ - أَوْ مِنَ الهَالِكِينَ. سِيءَ بِهِمْ - اعْتَراهُ الغَمُّ لِمَجِيئِهِمْ إِليهِ خَوْفاً عَلَيْهِمْ. ضَاقَ بِهِم ذَرْعاً - ضَعُفَتْ طَاقَتُهُ عَنْ تَدبِيرِ خَلاَصِهِمْ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : شهد إبراهيم هذا الموقف مع لوط، وعلم سبب حضورهم إليه، لكن لماذا سيء بهم، مع أنهم رسل الله ملائكة جاءوه على أحسن صورة؟ قالوا: لأن الملَك يأتي على أجمل صورة، حتى إذا أردنا أن نمدح شخصاً بالجمال نقول: مثل الملاك، ومن ذلك قول النسوة لامرأة العزيز عن يوسف عليه السلام: {أية : مَا هَـٰذَا بَشَراً إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ} تفسير : [يوسف: 31]. فلما رآهم لوط على هذه الصورة خاف عليهم، بدل أنْ يفرح بمرآهم الجميل؛ لأن قومه قوم سوء وأهل رذيلة، ولا بُدَّ أنْ ينالوا ضيوفه بسوء؛ لذلك {سِيءَ بِهِمْ ..} [العنكبوت: 33] أي: أصابه السوء بسببهم {وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعاً ..} [العنكبوت: 33] الذرع هو طول الذراعين، فنقول: فلان باعُه طويل. يعني: يتناول الأشياء بسهولة؛ لأن يده طويلة، فالمعنى: ضاق بهم ذَرْعاً. يعني: لم يتسع جهده لحمايتهم من القوم. ونلحظ هنا اختلاف السياق بين الآيتين: {أية : وَلَمَّا جَآءَتْ رُسُلُنَآ إِبْرَاهِيمَ ..} تفسير : [العنكبوت: 31] أما في لوط فقال: {وَلَمَّآ أَن جَآءَتْ رُسُلُنَا لُوطاً ..} [العنكبوت: 33] لأنهم تأخروا بعض الشيء عند إبراهيم عليه السلام. فلما أن أصابه السوء بمرآهم، بدل أنْ يسعد بهم، وخاف عليهم طمأنوه {وَقَالُواْ لاَ تَخَفْ وَلاَ تَحْزَنْ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلاَّ ٱمْرَأَتَكَ كَانَتْ مِنَ ٱلْغَابِرينَ} [العنكبوت: 33] لا تخَفْ علينا من هؤلاء الأراذل، فلسنا بشراً، إنما نحن ملائكة ما جئْنا إلا لنريحك منهم، ونقطع جذور هذه الفِعْلة الخبيثة، وسوف ننجيك وأهلك من العذاب النازل بهم. ثم يستثنون من أهله {إِلاَّ ٱمْرَأَتَكَ ..} [العنكبوت: 33] فكثيراً ما ضايقته، وأفشتْ أسراره، ودلَّتْ القوم على ضيوفه {كَانَتْ مِنَ ٱلْغَابِرينَ} [العنكبوت: 33] الباقين في العذاب. لكن، ما الطريقة التي ستقضون بها على هؤلاء القوم؟ {إِنَّا مُنزِلُونَ عَلَىٰ أَهْلِ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةِ رِجْزاً ...}.
همام الصنعاني
تفسير : 2247- حدّثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {سِيءَ بِهِمْ}: [الآية: 33]، قال ساء ظنه بقومه وضاف بضيفه ذرعاً.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):