Verse. 3376 (AR)

٢٩ - ٱلْعَنْكَبُوت

29 - Al-Ankabut (AR)

وَاِلٰى مَدْيَنَ اَخَاہُمْ شُعَيْبًا۝۰ۙ فَقَالَ يٰقَوْمِ اعْبُدُوا اللہَ وَارْجُوا الْيَوْمَ الْاٰخِرَ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْاَرْضِ مُفْسِدِيْنَ۝۳۶
Waila madyana akhahum shuAAayban faqala ya qawmi oAAbudoo Allaha waorjoo alyawma alakhira wala taAAthaw fee alardi mufsideena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«و» أَرسلنا «إلى مدْين أخاهم شعيبا فقال يا قوم اعبدوا الله وارجوا اليوم الآخر» اخشوه، هو يوم القيامة «ولا تعثوْا في الأرض مفسدين» حال مؤكدة لعاملها من عثي بكسر المثلثة أفسد.

36

Tafseer

الرازي

تفسير : لما أتم الحكاية الثانية على وجه الاختصار لفائدة الاعتبار شرع في الثالثة وقال: {وَإِلَىٰ مَدْيَنَ أَخَـٰهُمْ } واختلف المفسرون في مدين، فقال بعضهم إنه اسم رجل في الأصل وحصل له ذرية فاشتهر في القبيلة كتميم وقيس وغيرهما، وقال بعضهم اسم ماء نسب القوم إليه، واشتهر في القوم، والأول كأنه أصح وذلك لأن الله أضاف الماء إلى مدين حيث قال: { أية : وَلَمَّا وَرَدَ مَاء مَدْيَنَ } تفسير : [القصص: 23] ولو كان اسماً للماء لكانت الإضافة غير صحيحة أو غير حقيقة والأصل في الإضافة التغاير حقيقة، وقوله: {أَخَـٰهُمْ } قيل لأن شعيباً كان منهم نسباً، وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: قال الله تعالى في نوح: { أية : وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوْمِهِ } تفسير : [العنبكوت: 14] قدم نوحاً في الذكر وعرف القوم بالإضافة إليه وكذلك في إبراهيم ولوط، وههنا ذكر القوم أولاً وأضاف إليهم أخاهم شعيباً، فنقول الأصل في جميع المواضع أن يذكر القوم ثم يذكر رسولهم لأن المرسل لا يبعث رسولاً إلى غير معين، وإنما يحصل قوم أو شخص يحتاجون إلى إنباء من المرسل فيرسل إليهم من يختاره غير أن قوم نوح وإبراهيم ولوط لم يكن لهم اسم خاص ولا نسبة مخصوصة يعرفون بها، فعرفوا بالنبـي فقيل قوم نوح وقوم لوط، وأما قوم شعيب وهود وصالح فكان لهم نسب معلوم اشتهروا به عند الناس فجرى الكلام على أصله وقال الله: {وَإِلَىٰ مَدْيَنَ أَخَـٰهُمْ شُعَيْباً } وقال: { أية : وَإِلَىٰ عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا } تفسير : [الأعراف: 65]. المسألة الثانية: لم يذكر عن لوط أنه أمر قومه بالعبادة والتوحيد، وذكر عن شعيب ذلك؟ قلنا قد ذكرنا أن لوطاً كان له قوم وهو كان من قوم إبراهيم وفي زمانه، وإبراهيم سبقه بذلك واجتهد فيه حتى اشتهر الأمر بالتوحيد عند الخلق من إبراهيم فلم يذكره عن لوط وإنما ذكر منه ما اختص به من المنع عن الفاحشة وغيرها، وإن كان هو أيضاً يأمر بالتوحيد، إذ ما من رسول إلا ويكون أكثر كلامه في التوحيد، وأما شعيب فكان بعد انقراض القوم فكان هو أصلاً أيضاً في التوحيد فدأبه وقال: {ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ }. المسألة الثالثة: الإيمان لا يتم إلا بالتوحيد، والأمر بالعبادة لا يفيده لأن من يعبد الله ويعبد غيره فهو مشرك فكيف اقتصر على قوله: {ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ }؟ فنقول: هذا الأمر يفيد التوحيد، وذلك لأن من يرى غيره يخدم زيداً وعمرو هناك وهو أكبر أو هو سيد زيد، فإذا قال له أخدم عمراً يفهم منه أنه يأمره بصرف الخدمة إليه، وكذا إذا كان لواحد دينار واحد، وهو يريد أن يعطيه زيداً، فإذا قيل له أعطه عمراً يفهم منه لا تعطه زيداً، فنقول هم كانوا مشتغلين بعبادة غير الله والله مالك ذلك الغير فقال لهم شعيب: {ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ } ففهموا منه ترك عبادة غيره أو نقول لكل واحد نفس واحدة ويريد وضعها في عبادة غير الله فقال لهم شعيب ضعوها في موضعها وهو عبادة الله ففهم منه التوحيد، ثم قال: {وَٱرْجُواْ ٱلْيَوْمَ ٱلأَخِرَ } قال الزمخشري: معناه افعلوا ما ترجون به العاقبة إذ قد يقول القائل لغيره كن عاقلاً، ويكون معناه افعل فعل من يكون عاقلاً، وقوله: {وَٱرْجُواْ ٱلْيَوْمَ ٱلأَخِرَ } فيه مسائل: المسألة الأولى: هذا يدل على صحة مذهبنا، فإن عندنا من عبد الله طول عمره يثيبه الله تفضلاً ولا يجب عليه ذلك لأن العابد قد وصل إليه من النعم ما لو زاد على ما أتى به لما خرج عن عهدة الشكر، ومن شكر المنعم على نعم سبقت لا يلزم المنعم أن يزيده، وإن زاده يكون إحساناً منه إليه وإنعاماً عليه، فنقول قوله: {وَٱرْجُواْ ٱلْيَوْمَ } بعد قوله: {ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ } يدل على التفضل لا على الوجوب فإن الفضل يرجى والواجب من العادل يقطع به. المسألة الثانية: قال: {وَٱرْجُواْ ٱلْيَوْمَ ٱلأَخِرَ } ولم يقل وخافوه مع أن ذلك اليوم مخوف عند الكل وغير مرجو عند كثير من الناس، لفسقه وفجوره ومحبته الدنيا ولا يرجوه إلا قليل من عباده، فنقول لما ذكر التوحيد بطريق الإثبات وقال: {ٱعْبُدُواْ } ولم يذكره بطريق النفي وما قال ولا تعبدوا غيره قال بلفظ الرجاء لأن عبادة الله يرجى منها الخير في الدارين، وفيه وجه آخر وهو أن الله حكى في حكاية إبراهيم أنه قال إنكم اتخذتم الأوثان مودة بينكم في الحياة الدنيا، وأما في الآخرة فتكفرون بها، وقال ههنا لا تكونوا كالذين سبق ذكرهم لم يرجوا اليوم الآخر، فاقتصروا على مودة الحياة الدنيا، وارجوا اليوم الآخر واعملوا له، ثم قال: {وَلاَ تَعْثَوْاْ فِى ٱلأَرْضِ مُفْسِدِينَ } يمكن أن يقال نصب مفسدين على المصدر كما يقال قم قائماً أي قياماً ويكون قوله: {وَلاَ تَعْثَوْاْ فِى ٱلأَرْضِ مُفْسِدِينَ } كقول القائل إجلس قعوداً لأن العيث والفساد بمعنى، وجمع الأوامر والنواهي في قوله: {ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ } وقوله: {وَلاَ تَعْثَوْاْ } ثم إن قومه كذبوه بعدما بلغ وبين، فحكى الله عنهم ذلك بقوله: {فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ ٱلرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُواْ فِى دَارِهِمْ جَاثِمِينَ } وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: ما حكى عن شعيب أمر ونهي والأمر لا يصدق ولا يكذب، فإن من قال لغيره قم لا يصح أن يقول له كذبت، فنقول كان شعيب يقول الله واحد فاعبدوه، والحشر كائن فارجوه، والفساد محرم فلا تقربوه، وهذه الأشياء فيها إخبارات فكذبوه فيما أخبرهم به. المسألة الثانية: قال ههنا وفي الأعراف (78): { أية : فَأَخَذَتْهُمُ ٱلرَّجْفَةُ } تفسير : وقال في هود: (94): { أية : وأخذت الذين ظلموا الصيحة } تفسير : والحكاية واحدة، نقول لا تعارض بينهما فإن الصيحة كانت سبباً للرجفة، إما لرجفة الأرض إذ قيل إن جبريل صاح فتزلزلت الأرض من صيحته، وإما لرجفة الأفئدة فإن قلوبهم ارتجفت منها، والإضافة إلى السبب لا تنافي الإضافة إلى سبب السبب، إذ يصح أن يقال روى فقوي، وأن يقال شرب فقوي في صورة واحدة. المسألة الثالثة: حيث قال: {فَأَخَذَتْهُمُ ٱلصَّيْحَةُ } قال: {فِى دِيَارِهِمْ } وحيث قال: {فَأَخَذَتْهُمُ ٱلرَّجْفَةُ } قال: {فِي دَارِهِمْ } فنقول المراد من الدار هو الديار، والإضافة إلى الجمع يجوز أن تكون بلفظ الجمع، وأن تكون بلفظ الواحد إذا أمن الالتباس، وإنما اختلف اللفظ للطيفة، وهي أن الرجفة هائلة في نفسها فلم يحتج إلى مهول، وأما الصيحة فغير هائلة في نفسها لكن تلك الصيحة لما كانت عظيمة حتى أحدثت الزلزلة في الأرض ذكر الديار بلفظ الجمع، حتى تعلم هيبتها والرجفة بمعنى الزلزلة عظيمة عند كل أحد فلم يحتج إلى معظم لأمرها، وقيل إن الصيحة كانت أعم حيث عمت الأرض والجو، والزلزلة لم تكن إلا في الأرض فذكر الديار هناك غير أن هذا ضعيف لأن الدار والديار موضع الجثوم لا موضع الصيحة والرجفة، فهم ما أصبحوا جاثمين إلا في ديارهم.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَإِلَىٰ مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً} أي وأرسلنا إلى مدين. وقد تقدّم ذكرهم وفسادهم في «الأعراف» و«هود» {وَٱرْجُواْ ٱلْيَوْمَ آلآخِرَ} وقال يونس النحوي؛ أي اخشوا الآخرة التي فيها الجزاء على الأعمال. {وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي ٱلأَرْضِ مُفْسِدِينَ} أي لا تكفروا فإنه أصل كل فساد. والعُثُوُّ والعِثيّ أشد الفساد. عَثِيَ يَعثَى وعَثَا يَعثُو بمعنى واحد. وقد تقدّم. وقيل: {وَارْجُوا الْيَوْمَ الآخِرَ} أي صدّقوا به فإن القوم كانوا ينكرونه.

ابن كثير

تفسير : يخبر تعالى عن عبده ورسوله شعيب عليه السلام، أنه أنذر قومه أهل مدين، فأمرهم بعبادة الله وحده لا شريك له، وأن يخافوا بأس الله ونقمته وسطوته يوم القيامة، فقال: {يٰقَوْمِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ وَٱرْجُواْ ٱلْيَوْمَ ٱلأَخِرَ} قال ابن جرير: قال بعضهم معناه واخشوا اليوم الآخر، وهذا كقوله تعالى: {أية : لِّمَن كَانَ يَرْجُو ٱللَّهَ وَٱلْيَوْمَ ٱلأَخِرَ} تفسير : [الممتحنة: 6] وقوله: {وَلاَ تَعْثَوْاْ فِى ٱلأَرْضِ مُفْسِدِينَ} نهاهم عن العيث في الأرض بالفساد وهو السعي فيها والبغي على أهلها، وذلك أنهم كانوا ينقصون المكيال والميزان ويقطعون الطريق على الناس، هذا مع كفرهم بالله ورسوله، فأهلكهم الله برجفة عظيمة زلزلت عليهم بلادهم، وصيحة أخرجت القلوب من حناجرها، وعذاب يوم الظلة الذي أزهق الأرواح من مستقرها، إنه كان عذاب يوم عظيم، وقد تقدمت قصتهم مبسوطة في سورة الأعراف وهود والشعراء. وقوله: {فَأَصْبَحُواْ فِي دَارِهِمْ جَـٰثِمِينَ} قال قتادة: ميتين، وقال غيره: قد ألقى بعضهم على بعض.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَ} أرسلنا {إِلَىٰ مَدْيَنَ أَخَٰهُمْ شُعَيْباً فَقَالَ يٰقَوْمِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ وَٱرْجُواْ ٱلْيَوْمَ ٱلأَخِرَ } اخشوْه، هو يوم القيامة {وَلاَ تَعْثَوْاْ فِى ٱلأَرْضِ مُفْسِدِينَ } حال مؤكدة لعاملها من (عَثِيَ) بكسر المثلثة أفسد.

ابن عطية

تفسير : نصب {شعيباً} بفعل مضمر يحسن مع إلى تقديره بعثنا أو أرسلنا، فأمر شعيب بعبادة الله تعالى والإيمان بالبعث واليوم الآخر ومع الإيمان به يصح رجاؤه، وذهب أبو عبيدة إلى أن المعنى وخافوا، و {تعثوا}، معناه تفسدون، يقال عثا يعثوا وعث يعث وعاث يعيث وعثى يعثي إذا فسد، وأهل {مدين} قوم شعيب هذا على أنها اسم البلدة، وقيل {مدين} اسم القبيلة وأصحاب الأيكة وغيرهم، وقيل هم بعضهم ومنهم وذلك أن معصيتهم في أمر الموازين والمكاييل كانت واحدة. و {الرجفة} ميد الأرض بهم وزلزلتها عليهم وتداعيها بهم وذلك نحو من الخسف، ومنه الإرجاف بالاخبار، و"الجثوم" في هذا الموضع تشبيه، أي كان همودهم على الأرض كالجثوم الذي هو للطائر والحيوان، ومنه قول لبيد: [الكامل] شعر : فغدوت في غلس الظلام وطيره غلب على خضل العضاة جثوم تفسير : وقوله {وعاداً} منصوب بفعل مضمر تقديره واذكر عاداً، وقيل هو معطوف على الضمير في قوله {فأخذتهم}، وقال الكسائي هو معطوف على قوله {أية : ولقد فتنا الذين من قبلهم} تفسير : [العنكبوت: 3]، وقرأ، "وثموداً" عاصم وأبو عمرو وابن وثاب، وقرأ "وثمود" بغير تنوين أبو جعفر وشيبة الحسن، وقرأ ابن وثاب "وعادٍ وثمودٍ" بالخفض والتنوين، ثم دل عز وجل على ما يعطي العبرة في بقايا {مساكنهم} ورسوم منازلهم ودثور آثارهم، وقرأ الأعمش "تبين لكم مَساكنهم" دون "من"، وقوله تعالى: {وزين لهم} عطف جملة من الكلام على جملة، و {السبيل}، هي طريق الإيمان بالله ورسله، ومنهج النجاة من النار، وقوله، {مستبصرين}، قال ابن عباس ومجاهد والضحاك معناه لهم بصيرة في كفرهم، وإعجاب به وإصرار عليه فذمهم بذلك، وقيل لهم بصيرة في أن الرسالة والآيات حق لكنهم كانوا مع ذلك يكفرون عناداً ويردهم الضلال إلى مجاهله ومتالفه، فيجري هذا مجرى قوله تعالى في غيرهم {أية : وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم} تفسير : [النمل: 14]، وتزيين الشيطان هو بالوسواس ومناجاة ضمائر الناس، وتزيين الله تعالى الشيء هو بالاختراع وخلق محبته والتلبس به في نفس العبد.

النسفي

تفسير : {وَإِلَىٰ مَدْيَنَ } وأرسلنا إلى مدين {أَخَـٰهُمْ شُعَيْباً فَقَالَ يٰقَوْمِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ وَٱرْجُواْ ٱلْيَوْمَ ٱلآخِرَ} وافعلوا ما ترجون به الثواب في العاقبة أو خافوه {وَلاَ تَعْثَوْاْ فِى ٱلأَرْضِ مُفْسِدِينَ} قاصدين الفساد {فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ ٱلرَّجْفَةُ} الزلزلة الشديدة أو صيحة جبريل عليه السلام لأن القلوب رجفت بها {فَأَصْبَحُواْ فِي دَارِهِمْ } في بلدهم وأرضهم {جَـٰثِمِينَ } باركين على الركب ميتين {وَعَاداً } منصوب بإضمار «أهلكنا» لأن قوله {فأخذتهم الرجفة} يدل عليه لأنه في معنى الإهلاك {وَثَمُودَاْ } حمزة وحفص وسهل ويعقوب {وَقَد تَّبَيَّنَ لَكُم } ذلك يعني ما وصفه من إهلاكهم {مّن مَّسَـٰكِنِهِمْ } من جهة مساكنهم إذا نظرتم إليها عند مروركم بها، وكان أهل مكة يمرون عليها في أسفارهم فيبصرونها {وَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَـٰنُ أَعْمَـٰلَهُمْ } من الكفر والمعاصي {فَصَدَّهُمْ عَنِ ٱلسَّبِيلِ } السبيل الذي أمروا بسلوكه هو الإيمان بالله ورسله {وَكَانُواْ مُسْتَبْصِرِينَ } عقلاء متمكنين من النظر وتمييز الحق من الباطل ولكنهم لم يفعلوا {وَقَـٰرُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَـٰمَـٰنَ } أي وأهلكناهم {وَلَقَدْ جَاءهُمْ مُّوسَىٰ بِٱلْبَيّنَـٰتِ فَٱسْتَكْبَرُواْ فِى ٱلأَرْضِ وَمَا كَانُواْ سَـٰبِقِينَ } فائتين أدركهم أمر الله فلم يفوتوه {فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنبِهِ } فيه رد على من يجوز العقوبة بغير ذنب {فَمِنْهُم مَّن أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِباً } هي ريح عاصف فيها حصباء وهي لقوم لوط {وَمِنْهُمْ مَّنْ أَخَذَتْهُ ٱلصَّيْحَةُ } هي لمدين وثمود {وَمِنْهُمْ مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ ٱلأَرْضَ } يعني قارون {وَمِنْهُمْ مَّنْ أَغْرَقْنَا } يعني قوم نوح وفرعون {وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ } ليعاقبهم بغير ذنب {وَلَـٰكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ } بالكفر والطغيان.

الثعالبي

تفسير : وقوله تعالى: {وَإِلَىٰ مَدْيَنَ أَخَـٰهُمْ شُعَيْباً فَقَالَ يَٰقَوْمِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ وَٱرْجُواْ ٱلْيَوْمَ ٱلأَخِرَ...} الآية، الرجاء في الآية: على بابه، وذهب أبو عُبَيْدَةَ إلى أن المعنى؛ وخافوا، و {تَعْثًواْ} معناه: تُفْسِدُوا، و{ٱلسَّبِيلِ}: هي طريق الإيمان، ومنهجُ النجاة من النار، و {مَا كَانُواْ سَٰبِقِينَ}، أي: مفلتين أخذنا وعقابنا، وقيل: معناه: وما كانوا سابقينَ الأمَمَ إلى الكُفْر، وباقي الآية بيِّن.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: "وإلَى مَدْيَنَ" أي وأرسلنا، أو بعثنا إلى مدين أخاهم "شعيباً" بدل، أو بيان، أو بإضمار: أعني، قيل: مدين: اسم رجل في الأصل وجهل وله ذرية فاشتهر في القبيلة، كتَمِيم، وقيسٍ وغيرهما، وقيل: اسم ما نسب القوم إليه فاشتهر في القوم، والأول أظهر، لأن الله تعالى أضافه إلى مدين بقوله: {وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ} ولو كان اسم الماء لكانت الإضافة غير صحيحة أو غير حقيقية فالأصل في الإضافة التغاير حقيقة وقوله: "أخاهم"، قيل: لأن شعيباً كان منهم نسباً. فإن قيل: قال الله (تعالى) في "نوح": {أية : وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَىٰ قَوْمِهِ}تفسير : [ العنكبوت: 14] فقدم نوحاً في الذِّكْرِ وعرف القوم بالإضافة إليه وكذلك في إبراهيم، ولوط، وههنا ذكر القوم أولاً، وأضاف إليهم أخاهم "شعيباً" فما الحكمة؟ فالجواب: أن الأصل في الجميع أن يذكر القوم ثم يذكر رسولهم لأن الرسل لا تبعث إلا غير معينين، وإنما تبعث الرسل إلى قوم محتاجين إلى الرسل فيرسل إليهم من يختاره، غير أن قوم نوح وإبراهيم ولوط لم يكن لهم اسم خاص، ولا نسبة مخصوصة يعرفون بها، فعرفوا بالنبي، فقيل: قوم نوح، وقوم لوط، وأما قوم "شعيب" و "هود" و "صالح" فكان لهم نسبٌ معلوم اشتهروا به عند الناس فجرى الكلام على أصله، وقال الله: {وَإِلَىٰ مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً}، {وَإِلَىٰ عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً} فإن قيل: لم يذكر عن "لوط" أنه أمر قومه بالعبادة والتوحيد، وذكر عن شعيب ذلك. فالجواب قد تقدم وهو أن "لوطاً" كان من قوم "إبْرَاهِيمَ"، وفي زمانه، وكان إبْراهيمُ سبقه بذلك، واجتهد فيه حتى اشتهر الأمر بالتوحيد عند الخلق عن "إبراهيم" فلم يحتج "لوطٌ" إلى ذكره، وإنما ذكر ما اختص به من المنع من الفاحشة وغيرها، وإن كان هو بدأ يأمر بالتوحيد، (إذ ما من رسول إلا ويكون أكثر كلاماً في التوحيد، وأما "شعيب" فكان بعد انقراض ذلك الزمان، وذلك القوم، فكان هو أصلاً في التوحيد) فبدأ به وقال اعبدوا الله. قوله: {وَٱرْجُواْ ٱلْيَوْمَ ٱلأَخِرَ}، قال الزمخشري: معناه افعلوا فعل من يَرْجُو اليومَ الآخر؛ إذ يقول القائل لغيره: كن عاقلاً ويكون معناه افعل فعل من يكون عاقلاً، فقوله: {وَٱرْجُواْ ٱلْيَوْمَ آلآخِرَ} بعد قوله: "واعْبُدُوا اللَّهَ" يدل علي التفضل لا على الوجوب. قوله: {وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي ٱلأَرْضِ مُفْسِدِينَ}، تقدم الكلام عليه، ونصب "مفسدين" على المصدر، كقول القائل: اجلس قعوداً. قوله: {فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ ٱلرَّجْفَةُ}. فإن قيل: (ما الحكمة) فيما حكاه الله عن شعيب من أمر ونهي، فالأمر لا يكذب، ولا يصدق، فإن قال لغيره اعبد الله لا يقال له: كذبت؟ فالجواب: كان شعيب يقول: الله واحد فاعبدوه، والحشر كائن فارجوه، والفساد محرم فلا تقربوه، وهذه فيها إخبارات، فكذبوه بما أخبر به. (فإن قيل هنا) قال في الأعراف: "فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ" وقال في هود: "فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ" والحكاية واحدة. (فالحواب): لا تعارض بينهما، فإن الصيحة كانت سبباً للرجفة، قيل: إن جبريل صاح فتزلزلت الأرض من صيحته، فرجفت قلوبهم، والإضافة إلى السبب لا تنافي الإضافة إلى سبب السبب. فإن قيل: ما الحكمة في أنه حيث قال: "فأخذتهم الصَّيْحَةُ" قال: "في دِيَارِهِمْ" وحيث قال: "فأخذتهم الرجفة" قال في "دَارِهِمْ"؟ فالجواب: أنّ المراد من الدارِ هو الديار، والإضافة إلى الجمع يجوز أن تكون بلفظ الجمع، وأن تكون بلفظ الواحد إذا أمِنَ (مِنَ) الالْتِباسِ، وإنما اختلف اللفظ لِلطيفة وهي أن اللطيفة هائلة في نفسها، فلم يحتج إلى تهول بها، وأما الصيحة فغير هائلة في نفسها ولكن تلك الصيحة لما كانت عظيمة حتى أحدثت الزلزلة في الأرض ذكر الديار بلفظ الجمع حتى يعلم هيئتها، والرجفة بمعنى الزلزلة عظيمة عند كل أحد فلم يُحْتَجْ إلى معظِّمٍ لأمرها، وقيل: إن الصيحة كانت أعظم حيث عمت الأرض والجو والزلزلة لم تكن إلا في الأرض فذكر الديار هنا، وهذا ضعيف لأن الدار والديار موضع الجثوم لا موضع الصيحة والرجفة فهم ما أصبحوا جاثمين إلا في ديارهم أو دارهم.

السيوطي

تفسير : أخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد ‏ {‏فأخذتهم الرجفة‏} ‏ قال‏:‏ الصيحة‏.‏ وفي قوله ‏ {‏وكانوا مستبصرين‏}‏ قال‏:‏ في الضلالة‏.‏ وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله ‏ {‏فأصبحوا في دارهم جاثمين‏} ‏ قال‏:‏ ميتين‏.‏ وفي قوله ‏ {‏وكانوا مستبصرين‏} ‏ قال‏:‏ معجبين بضلالتهم‏.‏ وفي قوله {‏فمنهم من أرسلنا عليه حاصبا‏ً} ‏ قال‏:‏ هم قوم لوط ‏ {‏ومنهم من أخذته الصيحة‏} ‏ قال‏:‏ قوم صالح، وقوم شعيب ‏{‏ومنهم من خسفنا به الأرض‏}‏ قال‏:‏ قارون ‏{‏ومنهم من أغرقنا‏} ‏ قال‏:‏ قوم نوح، وفرعون وقومه‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك رضي الله عنه في قوله ‏ {‏أرسلنا عليه حاصبا‏ً}‏ قال‏:‏ حجارة‏.‏

القشيري

تفسير : قوله جلّ ذكره: {وَإِلَىٰ مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً...} الآيات. ذَكَر قصةَ شعيبٍ وقصة عادٍ وثمود وقصة فرعون، وقصة قارون.. وكلهم نَسَجَ بعضُهم على مِنْوال بعضٍ، وسلك مسلكَهم، ولم يَقْبَلوا النصحَ، ولم يُبَالوا بمخالفة رُسِلِهم، ثم إن الله تعالى أهلكهم بأجمعهم، إمضاءً لِسُنّتِه في نصرة الضعفاء وقهر الظالمين.

اسماعيل حقي

تفسير : {والى مدين} اى وارسلنا الى اهل مدين {اخاهم شعيبا} لانه من نسبهم وقد سبق تفسير الآية على التفصيل مرارا {فقال} شعيب بطريق الدعوة {ياقوم} [اى كروه من] {اعبدوا الله} وحده {وارجوا اليوم الآخر} المراد يوم القيامة لانه آخر الايام اى توقعوه وماسيقع فيه من فنون الاحوال وافعلوا اليوم من الاعمال ماتنتفعون به فى العاقبة وتأمنون من عذاب الله ويقال وارجوا يوم الموت لانه آخر عمرهم {ولا تعثوا} عثا افسد من الباب الاول {فى الارض} فى ارض مدين حال كونكم {مفسدين} بنقص الكيل والوزن اى لا تعتدوا حال افسادكم وانما قيده وان غلب فى الفساد لانه قد يكون فيه ماليس بفساد كمقابلة الظالم المعتدى بفعله ومنه ما يتضمن صلاحا راجحا كقتل الخضر الغلام وخرقه السفينة

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جل جلاله: {و} أرسلنا {إلى مدينَ أخاهم شعيباً فقال يا قوم اعبدوا الله} وحده، {وارجُوا اليومَ الآخر} أي: خافوه، واعملوا ما ترجون به الثواب فيه، {ولا تعثوا في الأرض مفسدين}؛ قاصدين الفساد، {فكذّبوه فأخذتهم الرجفةُ}؛ الزلزلة الشديدة، أو: الصيحة من جبريل عليه السلام؛ لأن القلوب رجفت بها، {فأصبحوا في دارهم}؛ بلدهم وأرضهم، {جاثمين}؛ باركين على الرُكب؛ ميتين. الإشارة: العبادة مع الغفلة عن العواقب الغيبية المستقبلة، لا جدوى لها، كأنها عادة، وخوف العواقب، من غير استعداد لها، خذلان، والاجتهاد في العمل، مع ارتقاب العواقب الغيبية، فلاح، من شأن أهل البصائر، كما قال تعالى في حق من مدحهم من أكابر الرسل: {أية : أُوْلِي ٱلأَيْدِي وَٱلأَبْصَارِ إِنَّآ أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى ٱلدَّارِ} تفسير : [ص: 45 - 46]. ثم ذكر قوم هود وصالح وموسى - عليهم السلام - فقال: {وَعَاداً وَثَمُودَاْ وَقَد تَّبَيَّنَ...}

الطوسي

تفسير : قوله {وإلى مدين أخاهم شعيباً} عطف على قوله {ولقد أرسلنا نوحاً إلى قومه} وتقديره وأرسلنا إلى مدين، وقد فسرنا معنى {مدين} فيما تقدم {أخاهم شعيباً} وانه قال لهم {يا قوم اعبدوا الله} وحده لا شريك له ولا تشركوا معه في العبادة غيره {وارجوا اليوم الآخر} يحتمل أن يكون أراد وخافوا عقاب اليوم الآخرة بمعاصي الله، ويحتمل ان يكون أراد واطلبوا ثواب يوم القيامة بفعل الطاعات {ولا تعثوا في الأرض مفسدين} معناه لا تضطربوا بحال الجهالة يقال: عثى يعثي عثى، كقولهم عاث يعيث عيثاً وفيه معنى الأمر بالاستقامة، لانه إنما يخرج عن اضطراب الجهال إلى الاستقامة، في الأفعال. والفساد كل فعل ينافي العقل أو الشرع، فهو عبارة عن معاصي الله. ثم اخبر أن قومه كذبوه في ادعائه النبوة ولم يقبلوا منه فعاقبهم الله بعذاب الرجفة، وهي زعزعة الأرض تحت القدم، يقال: رجف السطح من تحت أهله يرجف رجفاً، ورجفة شديدة، والارجاف هو الأخبار بما يضطرب الناس لأجله من غير أن يحققونه {فأصبحوا في دارهم جاثمين} قال قتادة: ميتين بعضهم على بعض. وقيل: باركين على ركبهم، والجاثم البارك على ركبتيه مستقبلا بوجهه الأرض. وقوله {وعاداً وثمود} أي وأهلكنا أيضاً عاداً وثمود جزاء على كفرهم {وقد تبين لكم} معاشر الناس كثير {من مساكنهم}. ثم اخبر أنه {زين لهم الشيطان اعمالهم} التي كفروا بها وعصوا الله فيها، وذلك يدل على بطلان قول المجبرة الذين ينسبون ذلك إلى الله. ثم اخبر أن الشيطان صدهم ومنعهم عن طريق الحق {فهم لا يهتدون} اليه لاتباعهم دعاء الشيطان. وعدولهم عن الطريق الواضح {وكانوا مستبصرين} أي وكانوا عقلاء يمكنهم تمييز الحق من الباطل بابصارهم له وفكرهم فيه. وقال مجاهد وقتادة {وكانوا مستبصرين} في ضلالتهم لعجبهم به، فتصوروه بخلاف صورته. ثم اخبر انه تعالى أهلك قارون، وفرعون، وهامان. ويجوز أن يكون عطفاً على (الهاء والميم) في قوله {فصدهم عن السبيل} وكأنه قال فصد عاداً وثمود، وصد قارون وفرعون وهامان. وأنهم {جاءهم موسى بالبينات} يعني بالحجج الواضحات: من فلق البحر وقلب العصا وغير ذلك {فاستكبروا في الأرض} أي طلبوا التجبر فيها، ولم ينقادوا للحق وأنفوا من اتباع موسى {وما كانوا سابقين} أي فائتين لله، كما يفوت السابق. ثم اخبر تعالى فقال {فكلاً أخذنا بذنبه} أي اخذنا كلاً بذنبه {فمنهم من أرسلنا عليه حاصباً} وهو الريح العاصفة التي فيها حصباء وهي الحصى الصغار، وشبه به البرد والجليد، قال الاخطل: شعر : ولقد علمت إذا العشار تروحت هدج الرئال تكبهن شمالا ترمي الرياح بحاصب من ثلجها حتى تبيت على العضاة جفالا تفسير : وقال الفرزدق: شعر : مستقبلين شمال الشام يضربنا بحاصب كنديف القطن منثور تفسير : والذين أرسل عليهم الحاصب قوم لوط - في قول ابن عباس، وقتادة - والذين أخذتهم الصيحة ثمود وقوم شعيب - في قولهما - {ومنهم من خسفنا به الأرض} يعني قارون، {ومنهم من أغرقنا} يعني قوم نوم وفرعون. ثم اخبر تعالى أنه لم يظلمهم بما فعل معهم {ولكن كانوا أنفسهم يظلمون} بجحدهم نعم الله واتخاذهم مع الله آلهة عبدوها، وطغيانهم وفسادهم في الأرض. وذلك يدل على فساد قول المجبرة الذين قالوا: إن الظلم من فعل الله، لأنه لو كان من فعله لما كانوا هم الظالمين لنفوسهم، بل كان الظالم لهم من فعل فيهم الظلم

الجنابذي

تفسير : {وَإِلَىٰ مَدْيَنَ أَخَاهُمْ} فى المعاشرة والقبيلة {شُعَيْباً فَقَالَ يٰقَوْمِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ وَٱرْجُواْ ٱلْيَوْمَ ٱلأَخِرَ وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي ٱلأَرْضِ مُفْسِدِينَ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ ٱلرَّجْفَةُ} الزّلزلة الشّديدة فيها الصّيحة {فَأَصْبَحُواْ فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ وَعَاداً وَثَمُودَاْ} اى اذكر، او ذكّرهما، او ارسلنا اليهما فحذف حرف الجرّ ونصباً {وَقَد تَّبَيَّنَ لَكُم مِّن مَّسَاكِنِهِمْ} بعض مساكنهم عند المرور عليها او تبيّن لكم من مساكنهم ما فعلنا لهم {وَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ ٱلسَّبِيلِ} الّذى ينبغى ان يسلكه الانسان وهو سبيل الآخرة وسبيل الولاية {وَكَانُواْ مُسْتَبْصِرِينَ} قادرين على الابصار او ذوى بصر او ذوى فطانةٍ وبصيرةٍ باطنيّةٍ.

الأعقم

تفسير : قوله تعالى: {وإلى مدين أخاهم شعيباً} أي وأرسلنا إلى مدين أخاهم شعيباً، قيل: مدين قرية، والمراد أرسلنا إلى أهل مدين فكذبوا مدين شعيباً بعد ما أمرهم بالعدل والتوحيد {فقال يا قوم اعبدوا الله} وحدوه {وارجوا اليوم الآخر} واخشوا اليوم الآخرة وما فيه من العذاب {ولا تعثوا في الأرض مفسدين} أي لا تسعوا في الأرض بالفساد {فكذّبوه} بما به {فأخذتهم الرجفة} الزلزلة وعقاب يوم الظلة {فأصبحوا في دارهم جاثمين} قيل: كبوا على وجوههم هالكين، وقيل: جاثمين على ركبهم في بيوتهم، وقيل: صيحة جبريل لأن القلوب رجفت بها {في دارهم} بلدهم وأرضهم {جاثمين} باركين على الركب {وعاداً} هم قوم هود أي وأهلكنا عاداً {وثموداً وقد تبيّن لكم من مساكنهم} يعني ظهر لكم من آثارهم وبقايا دورهم وصنع الله بهم في إهلاكهم {وزيّن لهم الشيطان أعمالهم} أي بيّن لهم ما فيه من الضلال {فصدّهم عن السبيل} أي عن طريق الحق {وكانوا مستبصرين} قيل: كانوا عقلاء ذوو بصائر يمكنهم التمييز بين الحق والباطل {وقارون وفرعون وهامان ولقد جاءهم موسى بالبينات} بالحجج الظاهرة {فاستكبروا في الأرض} عن قبول الحق {وما كانوا سابقين} فائتين من عذابنا {فكلاًّ أخذنا بذنبه} يعني ممن تقدم ذكرهم وأنهم أتوا في هلاكهم من جهة أنفسهم، بذنبه أي عاقبنا بذنبه {فمنهم من أرسلنا عليه حاصبا} قيل: هم قوم لوط، وهي ريح عاصف فيها حصى، وقيل: ملك يرميهم {الصيحة} لمدين وثمود {ومنهم من خسفنا} الخسف لقارون {ومنهم من أغرقنا} وهم قوم نوح وفرعون {وما كان الله ليظلمهم} أي يعذبهم بغير ذنب {ولكن كانوا أنفسهم يظلمون} يكفرون {مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء} يعني من اتخذ الأصنام آلهة يرجو نصره والرجوع اليها عند الحاجة {كمثل العنكبوت اتخذت بيتاً} لتسكنه فلم يغن عنها عند الحاجة، فكما أن بيت العنكبوت لا تدفع حرّاً ولا برداً ولا ضراً ولا نفعاً كذلك الأوثان لا تملك لها ولا للعباد نفعاً ولا ضراً ولا خيراً {وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت} أضعفها {لو كانوا يعلمون} ذلك ولم يجهلوه {إن الله يعلم ما يدعون من دونه} هذا وعيدٌ منه تعالى، يعني ما يعبدون هؤلاء الكفار ويتخذونه أرباباً من دون الله تعالى {وهو العزيز} القادر {الحكيم} الذي لا يفعل إلا الحكمة فأمهلهم لوجوه من الحكمة {وتلك الأمثال} في القرآن {نضربها للناس} أي الأشياء والأوصاف نبيّنها لهم لنعرفهم قبح ما هم فيه من عبادة غير الله {وما يعقلها إلا العالمون} قيل: العالمون بالتوحيد لا يعقل صحتها وحسنها إلا هم، وعن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه تلا هذه الآية فقال: "حديث : العالم من عقل عن الله فعمل بطاعته واجتنب سخطه"تفسير : ، ثم بيّن تعالى على أنه المستحق للعبادة فقال سبحانه: {خلق الله السماوات والأرض بالحق} لغرض صحيح {إن في ذلك لآية للمؤمنين} وخصَّهم بذلك لأنهم ينتفعون بها {اتل ما أوحي إليك من الكتاب وأقم الصلاة} يعني بلغ ما أوحي إليك من القرآن وأقم الصلاة {إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر} المعاصي الذي ينكرها العقل والشرع، وعن ابن عباس وابن مسعود: الصلاة تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، قيل: هي بمنزلة النواهي بالقول لأن فيها التكبير والتسبيح والقراءة {ولذكر الله أكبر} يعني دعاء الله وذكره أكبر من الصلاة، وقيل: ذكر الله في الصلاة أكبر منه خارج الصلاة، وعن ابن عباس: ولذكر الله إياكم برحمته أكبر من ذكركم إياه بطاعته {والله يعلم ما تصنعون} من الخير والطاعة فيثيبكم أحسن الثواب.

اطفيش

تفسير : {وَإِلَى مَدْيَنَ} أي وأرسلنا الى مدين أي اهلها وهي قرية او المراد بها من حل فيها او ذرية مدين على ان مدين اسم رجل او سميت قبيلته باسمه. {أَخَاهُمْ شُعَيْباً فَقَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ وَارْجُوا اليَوْمَ الآَخِرَ} أي خافوه قاله ابو عبيدة او اقام المسبب وهو اليوم مقام السبب وهو فعل ما يرجون به ثوابه فكأنه قيل وافعلوا ما ترجون به الثواب في ذلك اليوم او أمرهم بالطمع في الجنة على اشتراط ما يسوغه من الايمان في الطاعة. {وَلا تَعْثَوا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ} حال موئلك لعامله لان العثو فساد وافساد.

اطفيش

تفسير : {وإلى مَدْين} عطف على الى قومه {أخاهُم شُعيباً} الهاء لمدين، لان مدين اسم لاهل القرية لعلاقة الحلول، او يقود: والى أهل مدين، واصل مدين اسم رجل {فقال} لهم {يا قوم اعبْدُوا الله} وحده {وارْجُو اليَوْم الآخر} اعملوا صالحاً سببا للرجاء، فعبر بالمسبب وهو الرجاء، عن السبب وهو العمل الصالح، والمراد أرجوا ثوب اليوم الاخر، او الرجاء انتظارا اى توقعوا اليوم الاخر بما فيه من خير لمن قدمه من لدنيا، او شر لمن لم يقدمه، او الرجاء الخوف، خافوا عقاب اليوم الاخر ان لم تعبدوه {ولا تعْثُوا في الأرض مُفْسدين} حال مؤكدة لعاملها.

الالوسي

تفسير : {وَإِلَىٰ مَدْيَنَ } متعلق بأرسلنا مقدر معطوف على {أية : أَرْسَلْنَا}تفسير : [العنكبوت: 14] في قصة نوح أي وأرسلنا إلى مدين {أَخَـٰهُمْ شُعَيْباً فَقَالَ } لهم {يٰقَوْمِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ } وحده {وَٱرْجُواْ ٱلْيَوْمَ ٱلأَخِرَ } أي توقعوه وما سيقع فيه من فنون الأهوال وافعلوا اليوم من الأعمال ما تأمنون به غائلته، أو الأمر بالرجاء أمر بفعل ما يترتب عليه الرجاء إقامة للمسبب مقام السبب، وفي الكلام مضاف مقدر فالمعنى افعلوا ما ترجون به ثواب اليوم الآخر، وجوز أن لا يقدر مضاف، وإرادة الثواب من إطلاق الزمان على ما فيه، وقيل: الأمر برجاء الثواب أمر بسببه اقتضاء بلا تجوز فيه بعلاقة السببية. وقال أبو عبيدة: الرجاء هنا بمعنى الخوف والمعنى وخافوا جزاء اليوم الآخر من انتقام الله تعالى منكم إن لم تعبدوه {وَلاَ تَعْثَوْاْ فِى ٱلأَرْضِ مُفْسِدِينَ } حال مؤكدة لأن العثو الفساد.

ابن عاشور

تفسير : عطف على {أية : ولوطاً}تفسير : [العنكبوت: 28] المعطوف على {أية : نوحاً}تفسير : [العنكبوت: 14] المعمول لــــ{أية : أرسلنا}تفسير : [العنكبوت: 14]. فالتقدير: وأرسلنا إلى مدين أخاهم شعيباً. والمناسبة في الانتقال من قصة لوط وقومه إلى قصة مدين ورسولهم أن مدين كان من أبناء إبراهيم وأن الله أنجاه من العذاب كما أنجى لوطاً. وتقديم المجرور في قوله {إلى مدين} ليتأتى الإيجاز في وصف شعيب بأنه أخوهم لأن هذا الوصف غير موجود في نوح وإبراهيم ولوط. وتقدم معنى كونه أخاً لهم في سورة هود. وقوله {فقال} عطف على الفعل المقدر، أي أرسلناه فعقب إرساله بأن قال. والرجاء: الترقب واعتقاد الوقوع في المستقبل. وأمره إياهم بترقب اليوم الآخر دل على أنهم كانوا لا يؤمنون بالبعث وتقدم الكلام على نظير قوله {ولا تعثوا في الأرض مفسدين} عند قوله تعالى {أية : كلوا واشربوا من رزق الله ولا تعثوا في الأرض مفسدين}تفسير : في سورة البقرة (60). وتقدمت قصة شعيب في سورة هود.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {وَإِلَىٰ مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً} إلى قوله: {فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ}. تقدم إيضاحه في سورة الأعراف، في الكلام على قصته مع قومه وفي الشعراء أيضاً.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: وإلى مدين: أي وأرسلنا إلى قبيلة مَدْين، ومدين أبو القبيلة فسميت باسمه. أخاهم شعيباً: أي أخاهم في النسب. اعبدوا الله: أي اعبدوه وحده ولا تشركوا به شيئاً. وارجوا اليوم الآخر: أي آمنوا به وتوقعوا مجيئه وما يحدث فيه. ولا تعثوا في الأرض مفسدين: أي ولا تعيثوا في الأرض فساداً بأن تنشروا فيها الفساد وهو العمل بالمعاصي فيها. فأخذتهم الرجفة: الهزة العنيفة والزلزلة الشديدة. في دارهم جاثمين: لاصقين بالأرض أمواتاً لا يتحركون. معنى الآيتين: هذا موجز لقصة شعيب عليه السلام مع قومه أهل مدين، والعبرة منه إهلاك تلك الأمة لما كذبت رسولها واستمرت على الشرك والمعاصي لعل قريشاً تعتبر بما أصاب هذه الأمة من هلاك ودمار من أجل تكذيبها لرسولها وعصيانها لربها قال تعالى {وَإِلَىٰ مَدْيَنَ} أي وأرسلنا إلى مدين {أَخَاهُمْ شُعَيْباً} وهو نبيّ عربي فلما انتهى إليهم برسالته قال {يٰقَوْمِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ} أي وحدوه في عبادته وأطيعوه فيما يأمركم به وينهاكم عنه من التطفيف في الكيل والوزن، {وَٱرْجُواْ ٱلْيَوْمَ ٱلأَخِرَ}، أي آمنوا بيوم القيامة وتوقعوا دائماً مجيئه وخافوا ما فيه من أهوال وأحوال فإن ذلك يساعدكم على التقوى وقوله: {وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي ٱلأَرْضِ مُفْسِدِينَ} وذلك أنهم ينقصون الكيل والوزن ويبخسون الناس أشياءهم ويفسدون في الأرض بالمعاصي. وقوله تعالى: {فَكَذَّبُوهُ} أي كذب أصحاب مدين نبيهم شعيباً فيما أخبرهم به ودعاهم إليه {فَأَخَذَتْهُمُ ٱلرَّجْفَةُ} أي رجفة الهلاك من تحتهم فأصبحوا في دارهم جاثمين على الركب هلكى وما ظلمهم الله ولكن كانوا هم الظالمين. هداية الآيتين: من هداية الآيتين: 1- تقرير التوحيد والنبوة والبعث الآخر. 2- حرمة الفساد في الأرض وذلك بارتكاب المعاصي وغشيان الذنوب. 3- بيان نقمة الله تعالى على المكذبين والظالمين والفاسقين.

القطان

تفسير : مدين: اسم قرية شعيب في شمال الحجاز، وشُعيب عربي. وارجو اليوم الآخر: توقعوا يوم القيامة وما يحدث فيه من أهوال. لا تعثوا: لا تفسدوا. الرجفة: الزلزلة. جاثمين: باركين على ركبكم، هالكين. ما كانوا سابقين: وما كانوا هاربين. حاصبا: ريحا فيها رمل وحجارة صغيرة. تقدم ذكر قصة شعيب في سورة الأعراف وهود والشعراء بأطولَ مما هنا، وكذلك مرت قصة صالح مع قومه عادٍ في سورة الأعراف وهود وغيرها، وهم عربٌ مساكنهم في الأحقاف في شمال حضرموت. وموضع بلادهم اليوم رمال خالية على اطراف الرَّبع الخالي. وصالح وقومه ثمود عربٌ ايضا، ومساكنهم الحِجر في شمال الحجاز وتُعرف اليوم بمدائن صالح، واسماؤهم عربية. وهذا نصٌّ وجده المنقبون على حجرٍ بالحرف النبطي وتاريخه قبل الميلاد. "هذا القبرُ الذي بنته كمكم بنتُ وائلة بنت حرم وكليبة ابنتها لأنفسِهن وذريتهن، في أشهرٍ طيبةٍ من السنة التاسعة للحارث ملك النبطيين محب شعبه.... الخ". لقد أهلك الله قوم شعيب في "مدين"، وقوم هود في "الاحقاف"، وقوم ثمود في "الحجر" ويخاطب قريشاً بقوله تعالى: {وَقَد تَّبَيَّنَ لَكُم مِّن مَّسَاكِنِهِمْ} لانهم يمرون عليها في ذهابهم الى اليمن والشام. وأهلك الله فرعون وقارون وهامان الذي جاءهم موسى بالمعجزات الواضحة فاستكبروا وكفروا، فما استطاعوا ان ينجوا من عذاب الله الأليم، بل أخذَهم الله بذنوبهم. فعادٌ أخذهم حاصبٌ، وهو الريح الصرصر التي تتطاير معها حصباء الأرض فتضربهم وتقتلهم. وثمود اخذتهم الرَّجفة والصيحة. وقارون خَسف به وبداره الأرض. وفرعون وهامان غرقا في اليمّ وذهبوا جميعا مأخوذين بظلمهم {وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَـٰكِن كَانُوۤاْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ}. وإذا نظرنا الى احوال الأمم الآن في معظم أقطار الأرض نجد الفتنَ والحروب والمشاكل التي لا تنتهي، وغلاءَ الاسعار المتزايدَ في جميع أقطار الأرض، أليسَ هذا كلّه من انواع العذاب والبلاء! لكن فرعون اليوم هو أمريكا وأوروبا من دول الاستعمار، وهامان هو بعض الحكّام الذين لا يخلصون لشعوبهم. اما نحن، المسلمين، فقد حِدنا عن جادة الصواب، وانحرفنا عن ديننا واتبعنا اهواءنا فضعُفنا وتخاذلنا وتأخرنا، وصرنا نهباً للأمم تنهب شركاتها خيراتنا حتى التي في باطن الارض، وتغتصب اراضينا بتواطؤ بعضنا في ذلك. أليس هذا من العذاب!!

د. أسعد حومد

تفسير : {يٰقَوْمِ} {ٱلأَخِرَ} (36) - وَأَرْسَلْنَا رَسُولَنا شُعَيْباً إِلى مَدْيَنَ فَقَالَ لَهُمْ: يَا قَوْم اعْبُدُوا اللهَ وَحْدَهُ، وأَخلِصُوا العِبَادَةِ لَهُ، وَارْجُوا بِعِبَادَتِكُمْ إِيَّاهُ اليَومَ الآخِرَ وثَوابَهُ، وَلا تُفْسِدُوا في الأَرْضِ، وَلاَ تَبْغُوا عَلى أَهْلِهَا، فَتُنْقِصُوا المِكْيَالَ والمِيزَانَ، وَتَقْطَعُوا الطَّرِيقَ عَلَى المَارَّةِ - كَمَا جَاءَ في آيةٍ أُخْرَى-. العَيْثُ - الفَسَادُ والبَغْيُ.

الثعلبي

تفسير : {وَإِلَىٰ مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً فَقَالَ يٰقَوْمِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ وَٱرْجُواْ ٱلْيَوْمَ ٱلأَخِرَ} وأخبرني ابن فنجويه قال: حدثني ابن شنبه قال: حدثنا أبو حامد المستملي قال: حدثنا محمد بن حاتم الرمني قال: حدثنا محمد بن سلامة الجمحي قال: قال يوسف النحوي: {وَٱرْجُواْ ٱلْيَوْمَ ٱلأَخِرَ} يعني اخشوا {وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي ٱلأَرْضِ مُفْسِدِينَ * فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ ٱلرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُواْ فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ * وَعَاداً وَثَمُودَاْ وَقَد تَّبَيَّنَ لَكُم مِّن مَّسَاكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ ٱلسَّبِيلِ وَكَانُواْ مُسْتَبْصِرِينَ} في الضلالة، قال مجاهد وقتادة: {مُسْتَبْصِرِينَ} في ضلالهم معجبين بها. الفراء: عقلاء ذوي بصائر. ضحاك ومقاتل والكلبي: حسبوا إنّهم على الهدى والحق وهم على الباطل. {وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَلَقَدْ جَآءَهُمْ مُّوسَىٰ بِٱلْبَيِّنَاتِ فَٱسْتَكْبَرُواْ فِي ٱلأَرْضِ وَمَا كَانُواْ سَابِقِينَ} فائتين من عذابنا {فَكُلاًّ أَخَذْنَا} عاقبنا {بِذَنبِهِ فَمِنْهُم مَّن أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِباً} ريحاً تأتي في الحصباء، وهي الحصى الصغار، وهم قوم لوط {وَمِنْهُمْ مَّنْ أَخَذَتْهُ ٱلصَّيْحَةُ} يعني ثموداً. {وَمِنْهُمْ مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ ٱلأَرْضَ} قارون وأصحابه {وَمِنْهُمْ مَّنْ أَغْرَقْنَا} فرعون وقومه وقوم نوح. {وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَـٰكِن كَانُوۤاْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ}.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : مدين: اسم من أسماء أولاد إبراهيم عليه السلام، وسُمِّيت باسمه القبيلة؛ لأنهم كانوا عادة ما يُسمُّون القوم باسم أبرز أشخاصها، فانتقل الاسم من الشخص إلى القبيلة، ثم إلى المكان، بدليل قوله تعالى في موضع آخر: {أية : وَلَمَّا وَرَدَ مَآءَ مَدْيَنَ ..} تفسير : [القصص: 23] فصارت مدين عَلَماً على البقعة، وقالوا: إنها من الطور إلى الفرات. هذه برقية موجزة لقصة مدين وأخيهم شعيب، وقد ذُكِرت أيضاً في قصة موسى عليه السلام. وقال {أَخَاهُمْ ..} [العنكبوت: 36] ليدلّك أن الله تعالى حين يصطفي للرسالة يصطفي مَنْ له وُدٌّ بالقوم، ولهم معرفة به وبأخلاقه وسيرته، ولهم به تجربة سابقة، فهو عندهم مُصلْح غير مُفْسِد، حتى إذا ما بلَّغهم عن الله صدَّقوه، وكانت له مُقدِّمات تُيسِّر له سبيل الهداية. وقوله: {فَقَالَ يٰقَوْمِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ ..} [العنكبوت:36] كلمة {يٰقَوْمِ ..} [العنكبوت: 36]: القوم لا تُقال إلا للرجال؛ لأنهم هم الذين يقومون لمهمات الأمور، ويتحملون المشاق؛ لذلك يقول تعالى: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَىٰ أَن يَكُونُواْ خَيْراً مِّنْهُمْ وَلاَ نِسَآءٌ مِّن نِّسَآءٍ عَسَىٰ أَن يَكُنَّ خَيْراً مِّنْهُنَّ ..} تفسير : [الحجرات: 11] فأطلق القوم، وهم الرجال في مقابل النساء. والعبادة: قلنا: طاعة الأمر والنهي {ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ ..} [العنكبوت: 36] أطيعوه فيما أمر، وانتهوا عما نهى عنه ما دُمْتم قد آمنتم به إلهاً خالقاً، فلا بُدَّ أنْ تسمعوا كلامه فيما ينصحكم به من توجيه بافعل ولا تفعل. وتعلم أنه سبحانه بصفات الكمال أوجدك وأوجد لك الأشياء، فأنت بعبادتك له لا تضيف إليه صفة جديدة، فهو إله قبل أن توجد أنت، وخالق بكامل القدرة قبل أنْ توجد، وخلق لك الكون قبل أنْ توجد. ثم بعد ذلك تعصاه وتكفر به، فلا يحرمك خيره، ولا يمنع عنك نعمه. إذن: فهو سبحانه يستحق منك العبادة والطاعة؛ لأن طاعته تعود عليك أنت بالخير. لذلك سبق أنْ قُلْنَا إن كلمة (العبودية) كلمة مذمومة تشمئز منها النفس، إنْ كانت عبودية للبشر؛ لأن عبودية البشر للبشر يأخذ فيها السيد خير عبده، لكن عبودية البشر لله تعالى يأخذ العبد خير سيده، فالعبودية لله عزٌّ وقوة ومنَعة وللبشر ذٌلٌّ وهوان؛ لذلك نرى كل المصلحين يحاربون العبودية للبشر، ويدعون العبيد إلى التحرر. فأوَّل شيء أمر به شعيب قومه {ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ ..} [العنكبوت: 36] كذلك قال إبراهيم لقومه {أية : ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ وَٱتَّقُوهُ ..} تفسير : [العنكبوت: 16]، لكن لوطاً عليه السلام لم يأمر قومه بعبادة الله، إنما اهتم بمسألة الفاحشة التي استشرتْ فيهم، مع أن كل الرسل جاءوا للأمر بعبادة الله. ونقول في هذه المسألة: لم يأمر لوط قومه بعبادة الله؛ لأنه كان من شيعة إبراهيم عليه السلام ومؤمناً بديانته، بدليل قوله تعالى: {أية : فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ ..} تفسير : [العنكبوت: 26] فهو تابع له؛ لذلك ينفذ التعاليم التي جاء بها إبراهيم، فلم يأمر بالعبادة لأن إبراهيم أمر القوم بها، لكنه تحمَّل مسألة أخرى، وخصَّه الله بمهمة جديدة، هي إخراج قومه من ممارسة الفاحشة التي انتشرت بينهم. وقوله تعالى: {وَٱرْجُواْ ٱلْيَوْمَ ٱلأَخِرَ ..} [العنكبوت: 36] فلا بُدَّ أن اليوم الآخر لم يكُنْ في بالهم، ولم يحسبوا له حساباً، كأنهم سيفلتون من الله، ولن يرجعوا إليه؛ لذلك يُذكِّرهم بهذا اليوم، ويحثُّهم على العمل من أجله. وكيف لا نعمل حساباً لليوم الآخر؟ ونحن في الدنيا نعامل أنفسنا بنفس منطق اليوم الآخر؟ فأنت مثلاً تتعب وتشقى في زراعة الأرض، وتتحمل مشاق الحرْث والبَذْر والسقي .. إلخ طوال العام، لكن حين تجمع زرعك يوم الحصاد، ويوم تملأ به مخازنك تنسى أيام التعب والمشقة، وساعتها يندم الكسول الذي قعد عن العمل والسعي، يوم الحصاد سترى أن أردب القمح الذي أخذتَه من المخزن وظننتَ أنه نقص من حسابك قد عاد إليك عشرة أرادبّ، فأخْذُك لم يقلل إنما زاد. وكذلك اليوم الآخر نفهمه بهذا المنطق، فنتحمل مشاقّ العبادة والطاعات في الدنيا لننال النعيم الباقي في الآخرة؛ لأن نعيم الدنيا مهما كان، يُنغصه عليك أمران: إما أنْ تفوته أنت بالموت، أو يفوتك هو بالفقر. أما في الآخرة فلا يفوتك نعيمها ولا تفوته. إذن: فالأَوْلى بك أنْ تزرع للآخرة، وأن تعمل لها ألف حساب، فإنْ كان في العبادة مشقة، وللإيمان تَبعات، فانظروا إلى عِظَم الجزاء، وإذا استحضرتَ الثواب على الطاعة هانتْ عليك مشقة الطاعة، وإذا استفظعت العقاب على المعصية، زهدتَ فيها ونأيْتَ عنها. إذن: الذي يجعل الإنسانَ يتمادى في المعصية أنه لا يستحضر العقاب عليها، ويزهد في الطاعة؛ لأنه لا يستحضر ثوابها. لذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن" تفسير : والمعنى: لو استحضر الإيمان ما فعل، إنما غفل عن إيمانه فوقع في المعصية. ومَن استحضر ثواب الطاعة وجد لها حلاوة في نفسه، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة: "حديث : أرحنا بها يا بلال ". تفسير : وقوله: {وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي ٱلأَرْضِ مُفْسِدِينَ} [العنكبوت: 36] العثو: الفساد المستور والفساد يقال للظاهر، فالمعنى: لا تعثَوا في الأرض عثواً، فالمفعول المطلق بمعنى الفعل، فقوله تعالى: {وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي ٱلأَرْضِ مُفْسِدِينَ} [العنكبوت: 36] كما نقول: اجلس قعوداً. والفاء في قوله: {فَقَالَ يٰقَوْمِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ ..} [العنكبوت: 36] تدل على أنها تعطف هذا الكلام على كلام سابق، والتقدير: وأرسلنا إلى مدين أخاهم شعيباً فقال: يا قوم إني رسول الله إليكم، ثم ذكر المطلوب منهم {يٰقَوْمِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ ..} [العنكبوت: 36] والجمع بين عبادة الله ورجاء اليوم الآخر يعني: لا تفصلوا العبادة عن غايتها والثواب عليها، ولا تفصلوا المعصية عن عقابها. وقوله: {وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي ٱلأَرْضِ مُفْسِدِينَ} [العنكبوت: 36] فلا أقول لكم: أصلحوا فلا أقلَّ من أن تتركوا الصالح على صلاحه لا تفسدوه؛ لأن الخالق - عز وجل - أعدَّ لنا الكون على هيئة الصلاح، وعلينا أنْ نُبقيه على صلاحه. فالنيل مثلاً هبة من هِبَات الخالق، وشُريان للحياة يجري بالماء الزلال، وتذكرون يوم كان الفيضان يأتي بالطمي فترى الماء مثل الطحينة تماماً، وكذا نملأ منه (الزير)، وبعد قليل يترسب الطمي آخذاً معه كل الشوائب، ويبقى الماء صافياً زلالاً. أما الآن فقد أصابه التلوث وفسَد ماؤه بما يُلْقى فيه من مُخلَّفات، وأصبحنا نحن أول مَنْ يعاني آثار هذا التلوث. لذلك أصبح ساكن المدن مهما توفرت له سُبُل الحضارة لا يرتاح إلا إذا خرج من المدينة إلى أحضان الطبيعة البكْر التي ظلتْ على طبيعتها كما خلقها الله، لا ضوضاء، ولا ملوثات، ولا كهرباء، ولا مدنية. ثم يقول الحق سبحانه: {فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ ٱلرَّجْفَةُ ...}.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {وَٱرْجُواْ ٱلْيَوْمَ ٱلأَخِرَ} معناه أَخشى يَومَ القِيامةِ.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : أي { و } أرسلنا { إِلَى مَدْيَنَ } القبيلة المعروفة المشهورة { شُعَيْبًا } فأمرهم بعبادة اللّه وحده لا شريك له، والإيمان بالبعث ورجائه، والعمل له، ونهاهم عن الإفساد في الأرض، ببخس المكاييل والموازين، والسعي بقطع الطرق، فكذبوه فأخذهم عذاب اللّه { فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ }.

همام الصنعاني

تفسير : 2258- حدّثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمرن عن قتادة، في قوله تعالى: {وَإِلَىٰ مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً}: [الآية: 36]، قال: بلغنا شُعَيْباً أُرْسِلَ مرتين إلى أُمَّتَيْن: مَدْيَن، وأصحاب الأيكة.