Verse. 3378 (AR)

٢٩ - ٱلْعَنْكَبُوت

29 - Al-Ankabut (AR)

وَعَادًا وَّثَمُــوْدَا۟ وَقَدْ تَّبَيَّنَ لَكُمْ مِّنْ مَّسٰكِنِہِمْ۝۰ۣ وَزَيَّنَ لَہُمُ الشَّيْطٰنُ اَعْمَالَہُمْ فَصَدَّہُمْ عَنِ السَّبِيْلِ وَكَانُوْا مُسْتَبْصِرِيْنَ۝۳۸ۙ
WaAAadan wathamooda waqad tabayyana lakum min masakinihim wazayyana lahumu alshshaytanu aAAmalahum fasaddahum AAani alssabeeli wakanoo mustabsireena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«و» أهلكنا «عادا وثمودا» بالصرف وتركه بمعنى الحي والقبيلة «وقد تبيّن لكم» إهلاكهم «من مساكنهم» بالحجر واليمن «وزيَّن لهم الشيطان أعمالهم» من الكفر والمعاصي «فصدهم عن السبيل» سبيل الحق «وكانوا مستبصرين» ذوي بصائر.

38

Tafseer

الرازي

تفسير : ثم قال تعالى: {وَعَاداً وَثَمُودَ } أي وأهلكنا عاداً وثمود لأن قوله تعالى: {فَأَخَذَتْهُمُ ٱلرَّجْفَةُ } دل على الإهلاك {وَقَد تَّبَيَّنَ لَكُم مّن مَّسَـٰكِنِهِمْ } الأمر وما تعتبرون منه، ثم بين سبب ما جرى عليهم فقال: {وَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَـٰنُ أَعْمَـٰلَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ ٱلسَّبِيلِ } فقوله: {وَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَـٰنُ أَعْمَـٰلَهُمْ } يعني عبادتهم لغير الله {فَصَدَّهُمْ عَنِ ٱلسَّبِيلِ } يعني عبادة الله {وَكَانُواْ مُسْتَبْصِرِينَ } يعني بواسطة الرسل يعني فلم يكن لهم في ذلك عذر فإن الرسل أوضحوا السبل. ثم قال تعالى: {وَقَـٰرُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَـٰمَـٰنَ } عطفاً عليهم أي: وأهلكنا قارون وفرعون وهامان. ثم قال تعالى: {وَلَقَدْ جَاءهُمْ مُّوسَىٰ بِٱلْبَيّنَـٰتِ } كما قال في عاد وثمود: {وَكَانُواْ مُسْتَبْصِرِينَ } أي بالرسل، ثم قال تعالى: {فَٱسْتَكْبَرُواْ } أي عن عبادة الله وقوله: {فِى ٱلأَرْضِ } إشارة إلى ما يوضح قلة عقلهم في استكبارهم، وذلك لأن من في الأرض أضعف أقسام المكلفين، ومن في السماء أقواهم، ثم إن من في السماء لا يستكبر على الله وعن عبادته، فكيف (يستكبر) من في الأرض. ثم قال تعالى: {وَمَا كَانُواْ سَـٰبِقِينَ } أي ما كانوا يفوتون الله لأنا بينا في قوله تعالى: { أية : وَمَا أَنتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي ٱلأَرْضِ } تفسير : [العنبكوت: 22] أن المراد أن أقطار الأرض في قبضة قدرة الله.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَعَاداً وَثَمُودَ} قال الكسائي: قال بعضهم هو راجع إلى أوّل السورة؛ أي ولقد فتنا الذين من قبلهم وفتنا عاداً وثمودا. قال: وأحب إليّ أن يكون معطوفاً على {فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ} وأخذت عاداً وثموداً. وزعم الزجاج: أن التقدير وأهلكنا عاداً وثموداً. وقيل: المعنى واذكر عاداً إذ أرسلنا إليهم هوداً فكذبوه فأهلكناهم، وثموداً أيضاً أرسلنا إليهم صالحاً فكذبوه فأهلكناهم بالصيحة كما أهلكنا عاداً بالريح العقيم. {وَقَد تَّبَيَّنَ لَكُم} يا معشر الكفار {مِّن مَّسَاكِنِهِمْ} بالحِجْر والأحقاف آياتٌ في إهلاكهم فحذف فاعل التبيّن. {وَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ} أي أعمالهم الخسيسة فحسبوها رفيعة. {فَصَدَّهُمْ عَنِ ٱلسَّبِيلِ} أي عن طريق الحق. {وَكَانُواْ مُسْتَبْصِرِينَ} فيه قولان: أحدهما وكانوا مستبصرين في الضلالة قاله مجاهد. والثاني: كانوا مستبصرين قد عرفوا الحق من الباطل بظهور البراهين. وهذا القول أشبه؛ لأنه إنما يقال فلان مستبصر إذا عرف الشيء على الحقيقة. قال الفراء: كانوا عقلاء ذوي بصائر فلم تنفعهم بصائرهم. وقيل: أتوا ما أتوا وقد تبين لهم أن عاقبتهم العذاب.

ابن كثير

تفسير : يخبر تعالى عن هؤلاء الأمم المكذبة للرسل كيف أبادهم وتنوع في عذابهم، وأخذهم بالإنتقام منهم، فعاد قوم هود عليه السلام كانوا يسكنون الأحقاف، وهي قريبة من حضرموت بلاد اليمن، وثمود قوم صالح كانوا يسكنون الحجر قريباً من وادي القرى، وكانت العرب تعرف مساكنهما جيداً، وتمر عليها كثيراً، وقارون صاحب الأموال الجزيلة ومفاتيح الكنوز الثقيلة، وفرعون ملك مصر في زمان موسى ووزيره هامان القبطيان الكافران بالله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم {فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنبِهِ} أي كانت عقوبته بما يناسبه {فَمِنْهُم مَّن أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِباً} وهم عاد، وذلك أنهم قالوا: من أشد منا قوة؟ فجاءتهم ريح صرصر باردة شديدة البرد، عاتية الهبوب جداً، تحمل عليهم حصباء الأرض فتلقيها عليهم، وتقتلعهم من الأرض، فترفع الرجل منهم من الأرض إلى عنان السماء، ثم تنكسه على أم رأسه فتشدخه، فيبقى بدنا بلا رأس، كأنهم أعجاز نخل منقعر {وَمِنْهُمْ مَّنْ أَخَذَتْهُ ٱلصَّيْحَةُ} وهم ثمود، قامت عليهم الحجة وظهرت لهم الدلالة من تلك الناقة التي انفلقت عنها الصخرة مثل ما سألوه سواء بسواء، ومع هذا ما آمنوا بل استمروا على طغيانهم وكفرهم، وتهددوا نبي الله صالحاً ومن آمن معه وتوعدوهم بأن يخرجوهم ويرجموهم، فجاءتهم صيحة أخمدت الأصوات منهم والحركات {وَمِنْهُمْ مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ ٱلأَرْضَ} وهو قارون الذي طغى وبغى وعتا، وعصى الرب الأعلى، ومشى في الأرض مرحاً، وفرح ومرح وتاه بنفسه، واعتقد أنه أفضل من غيره، واختال في مشيته، فخسف الله به وبداره الأرض، فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة {وَمِنْهُمْ مَّنْ أَغْرَقْنَا} وهو فرعون ووزيره هامان وجنودهما عن آخرهم أغرقوا في صبيحة واحدة فلم ينج منهم مخبر {وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ} أي فيما فعل بهم {وَلَـٰكِن كَانُوۤاْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ}. أي إنما فعل ذلك بهم جزاء وفاقاً بما كسبت أيديهم، وهذا الذي ذكرناه ظاهر سياق الآية، وهو من باب اللف والنشر، وهو أنه ذكر الأمم المكذبة، ثم قال {فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنبِهِ} أي من هؤلاء المذكورين، وإنما نبهت على هذا لأنه قد روى ابن جريج قال: قال ابن عباس في قوله: {فَمِنْهُم مَّن أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِباً} قال قوم لوط {وَمِنْهُمْ مَّنْ أَغْرَقْنَا} قال: قوم نوح، وهذا منقطع عن ابن عباس: فإن ابن جريج لم يدركه. ثم قد ذكر الله في هذه السورة إهلاك قوم نوح بالطوفان، وقوم لوط بإنزال الرجز من السماء، وأطال السياق والفصل بين ذلك وبين هذا السياق، وقال قتادة {فَمِنْهُم مَّن أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِباً} قال: قوم لوط، {وَمِنْهُمْ مَّنْ أَخَذَتْهُ ٱلصَّيْحَةُ} قوم شعيب، وهذا بعيد أيضاً لما تقدم، والله أعلم.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَ} أهلكنا {عَاداً وَثَمُودَاْ } بصرف (ثمود) وتركه بمعنى الحيّ والقبيلة {وَقَد تَّبَيَّنَ لَكُم } إهلاكهم {مّن مَّسَٰكِنِهِمْ } بالحِجْر واليمن {وَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَٰنُ أَعْمَٰلَهُمْ } من الكفر والمعاصي {فَصَدَّهُمْ عَنِ ٱلسَّبِيلِ } سبيل الحق {وَكَانُواْ مُسْتَبْصِرِينَ } ذوي بصائر.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: "وَعَاداً وَثمُوداً" نصب "بأَهْلَكْنَا" مقدراً، أو عطف على مفعول "فَأَخَذَتْهُمْ" أو على منصوب "ولقد فتنا" أول السورة، وهو قول الكسائي. وفيه بعد كثير وتقدم تنوين "ثمود"، وعدمه في هود، وقرأ ابن وثاب: "وعادٍ وَثُمُودٍ" بالخفض عطفاً على "مَدْيَنَ" عطف لمجرد الدلالة، وإلا يلزم أن يكون شعيبٌ مرسلاً إليهما، وليس كذلك. قوله: {وَقَد تَّبَيَّنَ لَكُم مِّن مَّسَاكِنِهِمْ} أي ما حلَّ بهم وقرأ الأعمش: "مَسَاكِنُهُم" بالرفع على الفاعلية بحذف "من". ثم (بين) سبب (ما) جرى عليهم فقال: {وَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ ٱلسَّبِيلِ} أي عن سبيل الحق، وهو عبادة الله "وكَانُوا مُسْتَبصْرِينَ" قال مقاتل والكلبي وقتادة كانوا معجبين في دينهم وضلالتهم يحسبون أنهم على هدى، وكانوا على الباطل، والمعنى أنهم كانوا عند أنفسهم مستبصرين وقال الفراء: كانوا عقلاء ذوي بصائر. وقيل: كانوا مستبصرين بواسطة الرسل، يعني لم يكن لهم في ذلك عذر لأن الرسل أوضحوا السبل. قوله: {وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ} عطف على "عاداً وثموداً" أو على مفعول: "فصدهم"، أو بإضمار: اذكروا، {وَلَقَدْ جَآءَهُمْ مُّوسَىٰ بِٱلْبَيِّنَاتِ} بالدلالات كما قال في عاد وثمود "وكانوا مستبصرين" أي بالرسل. {فَٱسْتَكْبَرُواْ فِي ٱلأَرْضِ} أي عن عبادة الله، فقوله "في الأَرْضِ" إشارة إلى قلة عقلهم فاسْتكبارهم، لأن من في الأرض أضعف أقسام المكلفين، ومن في السماء أقواهم، ثم إن "من في السماء" لا يستكبرون على الله بالعبادة فكيف "من في الأرض"، {وَمَا كَانُواْ سَابِقِينَ} أي فائتين من عقابنا. قوله: "فَكُلاًّ" منصوب "بأخذنا" و "بذَنْبِه" أي بسببه أو مصاحباً لذنبه، {فَمِنْهُم مَّن أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِباً} وهم قوم لوط والحاصب: الريح التي تحمل الحصباء وهي الحصا الصِّغَارُ وقيل: كانت حجارة مَحْمِيَّة تقع على واحد منهم وتَنْفُذُ من الجانب الآخر، {وَمِنْهُمْ مَّنْ أَخَذَتْهُ ٱلصَّيْحَةُ} يعني ثمود {وَمِنْهُمْ مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ ٱلأَرْضَ} وهم "قارون" وأصحابه، {وَمِنْهُمْ مَّنْ أَغْرَقْنَا} يعني قوم نوح وفرعون وقومه. وقوله: "مَنْ أَغْرَفْنَا" عائده محذوف لأجل سنة الفاصلة، ثم قال: {وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ} يعني لم يظلمهم بالهلاك وإنما ظلموا أنفسهم بالإشراك.

ابو السعود

تفسير : {وَعَاداً وَثَمُودَ} منصوبانِ بإضمارِ فعلٍ يُنبىء عنه ما قبلَه أي أهلكَنا. وقُرىء ثموداً بتأويلِ الحيِّ {وَقَد تَّبَيَّنَ لَكُم مّن مَّسَـٰكِنِهِمْ} أي وقد ظهرَ لكم إهلاكُنا إيَّاهم من جهةِ مساكنِهم بالنَّظر إليها عند اجتيازِكم بها ذهاباً إلى الشَّامِ وإياباً منه {وَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَـٰنُ أَعْمَـٰلَهُمْ} من فُنون الكفرِ والمَعاصي {فَصَدَّهُمْ عَنِ ٱلسَّبِيلِ} السَّويِّ الموصِّلِ إلى الحقِّ {وَكَانُواْ مُسْتَبْصِرِينَ} ممكِّنين من النَّظرِ والاستدلالِ ولكِنَّهم لم يفعلُوا ذلك أو متبـينين أنَّ العذابَ لاحقٌ بهم بإخبارِ الرُّسلِ عليهم الصَّلاةُ والسَّلامُ لهم ولكنَّهم لجُّوا حتَّى لقُوا ما لقُوا {وَقَـٰرُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَـٰمَـٰنَ} معطوفٌ على عاداً. قيل: تقديمُ قارونَ لشرفِ نسبِه {وَلَقَدْ جَاءهُمْ مُّوسَىٰ بِٱلْبَيّنَـٰتِ فَٱسْتَكْبَرُواْ فِى ٱلأَرْضِ وَمَا كَانُواْ سَـٰبِقِينَ} مفلتينَ فائتينَ من قولِهم سبقَ طالبَه إذا فاتَه ولم يُدركه ولقد أدركَهم أمرُ الله عزَّ أيَّ إدراكٍ فتداركُوا نحوَ الدَّمارِ والهَلاَكِ {فَكُلاًّ} تفسيرٌ لما يُنبىء عنه عدمُ سبِقهم بطريقِ الإبهامِ أي فكلُّ واحدٍ من المذكورينَ {أَخَذْنَا بِذَنبِهِ} أي عاقبناهُ بجنايتِه لا بعضِه دُون بعضٍ كما يُشعر به تقديمُ المفعولِ {فَمِنْهُم مَّن أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِباً} تفصيلاً للأخذِ أي ريحاً عاصفاً فيها حصباءُ وقيل مَلَكاً رماهم بها وهم قومُ لوطٍ {وَمِنْهُمْ مَّنْ أَخَذَتْهُ ٱلصَّيْحَةُ} كمدينَ وثمود {وَمِنْهُمْ مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ ٱلأَرْضَ} كقارون {وَمِنْهُمْ مَّنْ أَغْرَقْنَا} كقومِ نوحٍ وفرعونَ وقومِه {وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ} بما فعل بهم فإنَّ ذلك محالٌ من جهتِه تعالى {وَلَـٰكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} بالاستمرارِ على مُباشرةِ ما يُوجبُ ذلك من أنواعِ الكفرِ والمَعاصي. {مَثَلُ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَوْلِيَاء} أي فيما اتَّخذوه معتمداً ومتَّكلاً {كَمَثَلِ ٱلْعَنكَبُوتِ ٱتَّخَذَتْ بَيْتاً} فيما نسجتْهُ في الوهنِ والخورِ بل ذلك أوهنُ من هذا لأنَّ له حقيقةً وانتفاعاً في الجُملة أو مَثَلُهم بالإضافةِ إلى المُوحَّدِ كمثله بالإضافة إلى رجلٍ بنى بـيتاً من حجرٍ وجِصَ. والعنكبوتُ يقعُ على الواحدِ والجمعِ والمذكَّرِ والمؤنَّثِ، والغالبُ في الاستعمالِ التَّأنيثُ وتاؤُه كتاءِ طاغوت ويُجمع على عناكبَ وعنكبوتاتٍ وأمَّا العِكَابُ والعُكُبُ والأَعْكُبُ فأسماءُ الجموعِ {وَإِنَّ أَوْهَنَ ٱلْبُيُوتِ لَبَيْتُ ٱلْعَنكَبُوتِ} حيثُ لا يُرى شيءٌ يدانيِه في الوَهَنِ والوَهَى {لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ} أي شيئاً من الأشياءِ لجزمُوا أنَّ هذا مثلُهم وأنَّ دينَهم أَوْهى من ذلكَ ويجوزُ أنْ يجعلَ بـيتُ العنكبوتِ عبارةً عن دينِهم تحقيقاً للتَّمثيلِ فالمعنى وإنَّ أوهنَ ما يُعتمد به في الدِّين دينُهم.

اسماعيل حقي

تفسير : {وعادا} منصوب باضمار فعل دل عليه ماقبله اى واهلكنا عادا قوم هود {وثمود} قوم صالح وهو غير مصروف على تأويل القبيلة {وقد تبين لكم من مساكنهم} اى وقد ظهر لكم يااهل مكة اهلاكنا اياهم من جهة بقية منازلهم باليمن ديار عاد والحجر ديار ثمود بالنظر اليها عند مروركم بها فى اسفاركم {وزين لهم الشيطان اعمالهم} من فنون الكفر والمعاصى وحسنها فى اعينهم {فصدهم عن السبيل} صرفهم عن السبيل الذى و جب عليهم سلوكه وهو السبيل السوى الموصل الى الحق على التوحيد {وكانوا مستبصرين} يقال استبصر فى امره اذا كان ذا بصيرة اى والحال انهم اى عادا وثمود قد كانوا ذوى بصيرة عقلاء متمكنين من النظر والاستدلال ولكنهم لم يفعلوا ذلك لمتابعتهم الشيطان فلم ينتفعوا بعقولهم فى تمييز الحق من الباطل فكانوا كالحيوان: وفى المثنوى شعر : مهر حق برجشم وبركوش خرد كر فلاطونست حيوانش كند

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جل جلاله: {وعاداً وثمودَا} أي: اذكر عاداً وثموداً، أو أهلكنا عاداً، وثموداً يدل عليه {فأخذتهم الرجفة}؛ لأنه في معنى الإهلاك، {وقد تبيَّنَ لكم} ما وصفنا من إهلاكهم {من مساكنهم} الدارسة. أو تبين لكم بعض مساكنهم الخربة إذا مررتم بها خالية. {وزيَّنَ لهم الشيطانُ أعمالهم} من الكفر والمعاصي، {فصدَّهم عن السبيل}؛ عن الطريق الذي أُمروا بسلوكه، وهو الإيمان بالله ورسوله. {وكانوا مستبصرين}؛ متمكنين من النظر والاستبصار وتميز الحق من الباطل, ولكنهم لم يفعلوا. أو عارفين الحق من الباطل؛ بظهور دلائله، لكنهم عاندوا، حسداً. يقال: استبصر: إذا عرف الشيء على حقيقته. أو: متيقنين أن العذاب لاحق بهم؛ بإخبار الرسول، لكنهم لجّوا. أو: مستبصرين في ضلالتهم معجبين بها. وقال الفراء: عقلاء ذوو بصائر، يعني: علماء في أمور الدنيا، كقوله: {أية : يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِّنَ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا}تفسير : [الروم: 7] الآية. وقال مجاهد: حسبوا أنهم على الحق، وهم على الباطل. هـ. {وقارونَ وفرعونَ وهامان}: أي: أهلكناهم، {ولقد جاءهم موسى بالبينات فاستكبروا في الأرض وما كانوا سابقين}؛ فائتين، بل أدركهم أمر الله فلم يفوتوه. يقال: سبق طالبه: فاته، {فكُلاًّ أخذنا}؛ عاقبناه {بذنبه}، فيه رد على من يُجوز العقوبة بغير ذنب. قاله النسفي، وهو جائز عقلاً في حقه تعالى، لكنه لم يقع؛ لإظهار عدله. {فمنهم من أرسلنا عليه حاصباً} أي: ريحاً عاصفة فيها حصباء أو: مَلِكاً رماهم بها. قال ابن جزي: فيحتمل عندي أنه أراد به المعنيين؛ لأن قوم لوط هلكوا بالحجارة، وعاداً هلكوا بالريح. وإن حملناه على المعنى الواحد؛ نقض ذكر الآخر، وقد أجاز كثير من الناس استعمال اللفظ الواحد؛ في معنيين، ويقوي ذلك إن المقصود عموم أصناف الكفار. هـ. {ومنهم من أخذتهم الصيحةُ}؛ كمدين وثمود، {ومنهم من خسفنا به الأرضَ} كقارون، {ومنهم من أغرقنا}؛ كقوم نوح، وفرعون وقومه، {وما كان الله ليظلمهم} فيعاقبهم بغير ذنب؛ إذ ليس ذلك من عادته - عز وجل -، وإن جاز في حقه، {ولكن كانوا أنفسَهم يَظْلِمُون}؛ بالتعرض للعذاب بالكفر والطغيان. وبالله التوفيق. الإشارة: الاستبصار في أمور الدنيا والتحديق في تدبير شؤونها، حمق وبطالة، وقد وسم به الحق تعالى الكفرة بقوله: {وكانوا مستبصرين}، والاستبصار في أمور الله تعالى وما يقرب إليه وما يبعد عنه، والفحص عن ذلك، والتفكر في عواقب الأمور؛ من شأن العقلاء الأكياس، قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : ألا وإن من علامات العقل: التجافي عن دار الغرور؛ والإنابة إلى دار الخلود، والتزود لسكنى القبور، والتأهب ليوم النشور" تفسير : ، وقال أيضاً صلى الله عليه وسلم: "حديث : الكِّيسُ من دانَ نَفْسَه وعَمِلَ لِما بعدَ الموت، والأحمق من أتْبَعَ نفسه هواها، وتمنَّى على اللهِ الأماني" تفسير : ، وقيل للجنيد رضي الله عنه: متى يكون الرجل موصوفاً بالعقل؟ فقال: إذا كان للأمور متميزاً، ولها متصفحاً، وعما يوجبه عليه العقل باحثاً، فيتخيرُ بذلك طلب الذي هو أولى، ليعمل به، ويُؤْثِرَهُ على ما سواه. ثم قال: فمن كانت هذه صفته ترك العمل بما يفنى وينقضي، وذلك صفة كل ما حوت عليه الدنيا، وكذلك لا يرضى أن يشغل نفسه بقليل زائل، ويسير حائل، يصده التشاغُلُ به، والعملُ له، عن أمور الآخرة، التي يدوم نعيمها ونفعها، ويتأبد سرورها، ويتصل بقاؤها.. إلخ كلامه. وقد ضرب الله مثلاً لمن ركن إلى غير الله، فقال: {مَثَلُ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ....}

اطفيش

تفسير : {وَعَاداً وَثَمُودَ} أي واذكر عادا وثمودا واهلكنا عادا وثمودا وقرأ حمزة وحفص ويعقوب بعدم صرف ثمود على تأويل القبيلة. {وَقَد تَّبَيَّنَ لَكُم} اهلاكهم. {مِّن مَّسَاكِنِهِمْ} من جهة مساكنهم اذا نظرتم اليها عند مروركم بها في اسفاركم يا اهل مكة في الحجر واليمن فمن ابتدائية ويجوز ان تكون تبعيضية متعلقة بمحذوف نعت لفاعل محذوف اي شيء ثابت من مساكنهم ومن قال من التبعضية اسم فهي الفاعل عنده. {وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ} من الكفر والمعاصي. {فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ} سبيل الحق الذي بينه لهم الرسل. {وَكَانُوا مُسْتَبصِرِينَ} متمكنين من النظر والاستبصار لكنهم لم يفعلوا او متبينين ان العذاب لاحق بهم بأخبار الرسل لكن لجوا في طغيانهم حتى هلكوا او كانوا في زعمهم على الحق ذوي بصائر.

اطفيش

تفسير : {وعاداً وثموداً} واهلكنا عادا وثمود او اذكروا عادا وثمودا، المراد قصتهم، او اذكر يا محمد عادا وثمودا {وقَد تبيَّن لكُم} يا قوم محمد، او يا محمد وقومه {من مساكنهم} الجملة حال ن الكاف، أو واو اذكروا او ضميراً ذكرا ويقدر: قل لهم قد تبين لكم، وذلك التبين فى ذهابهم الى الشام، ورجوعهم، وفاعل تبين ضمير الاهلاك، او الهلاك المدلول عليه، او مساكنهم على زيادة من فى الاثبات والمعرفة، ويدل له قراءة الأعمش، وقد تبين لكم مساكنهم بالرفع دون من {وزيَّن لَهُم الشيطان) بالوسوسة {اعمالهم} الاشراك وسائر المعاصى {فصدًَّهم عن السَّبيل} المعهود دين الله الحق {وكانُوا} عاد وثمود {مُستْبَصرين} عقلاء مميزين بين الحق والباطل فى الجملة، لكن اغفلوا التمييز بين دين الله وغيره، او مستبصرين يمكن استبصارهم، او ميزوا ان دين الله حق وكفروا عنادا او عالمين بان العذاب يلحقهم باخبار الرسل، او كانوا على هدى فى زعمهم واعتقادهم.

الالوسي

تفسير : {وَعَاداً وَثَمُودَ } منصوبان بإضمار فعل ينبىء عنه ما قبله من قوله تعالى: {أية : فَأَخَذَتْهُمُ ٱلرَّجْفَةُ }تفسير : [العنكبوت: 37] أي وأهلكنا عاداً وثمود، وقوله تعالى: {وَقَد تَّبَيَّنَ لَكُم مّن مَّسَـٰكِنِهِمْ } عطف على ذلك المضمر أي وقد ظهر لكم أتم ظهور إهلاكنا إياهم من جهة مساكنهم أو بسببها، وذلك بالنظر إليها عند اجتيازكم بها ذهاباً إلى الشام وإياباً منه، وجوز كون {مِنْ } تبعيضية، وقيل: هما منصوبان بإضمار اذكروا أي واذكروا عاداً وثمود. / والمراد ذكر قصتهما أو باضمار اذكر خطاباً له صلى الله عليه وسلم، وجملة {قَد تَّبَيَّنَ } حالية، وقيل: هي بتقدير القول أي وقل: قد تبين، وجوز أن تكون معطوفة على جملة واقعة في حيز القول أي اذكر عاداً وثمود قائلاً قر مررتم على مساكنهم وقد تبين لكم الخ، وفاعل {تبين} الإهلاك الدال عليه الكلام أو مساكنهم على أن {مِنْ } زائدة في الواجب، ويؤيده قراءة الأعمش {مَسَـٰكِنِهِمْ } بالرفع من غير من، وكون {مِنْ } هي الفاعل على أنها اسم بمعنى بعض مما لا يخفى حاله. وقيل: هما منصوبان بالعطف على الضمير في {أية : فَأَخَذَتْهُمُ ٱلرَّجْفَةُ }تفسير : [العنكبوت: 37] والمعنى يأباه، وقال الكسائي: منصوبان بالعطف على {الذين} من قوله تعالى: {أية : وَلَقَدْ فَتَنَّا ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ }تفسير : [العنكبوت: 3] وهو كما ترى، والزمخشري لم يذكر في ناصبهما سوى ما ذكرناه أولاً وهو الذي ينبغي أن يعول عليه. وقرأ أكثر السبعة {وَثَمُودَاْ } بالتنوين بتأويل الحي، وهو على قراءة ترك التنوين بتأويل القبيلة، وقرأ ابن وثاب {وَعَادٌ وَثَمُودُ } بالخفض فيهما والتنوين عطفاً على {أية : مَدْيَنَ} تفسير : [العنكبوت: 36] على ما في «البحر» أي وأرسلنا إلى عاد وثمود. {وَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَـٰنُ } بوسوسته وإغوائه {أَعْمَـٰلَهُمْ } القبيحة من الكفر والمعاصي {فَصَدَّهُمْ عَنِ ٱلسَّبِيلِ } أي الطريق المعهود وهو السوي الموصل إلى الحق، وحمله على الاستغراق حصراً له في الموصل إلى النجاة تكلف {وَكَانُواْ } أي عاد وثمود لا أهل مكة كما توهم. {مُسْتَبْصِرِينَ } أي عقلاء يمكنهم التمييز بين الحق والباطل بالاستدلال والنظر ولكنهم أغفلوا ولم يتدبروا وقيل: عقلاء يعلمون الحق ولكنهم كفروا عناداً وجحوداً، وقيل: متبينين أن العذاب لاحق بهم بإخبار الرسل عليهم السلام لهم ولكنهم لجوا حتى لقوا ما لقوا. وعن قتادة والكلبـي كما في «مجمع البيان» أن المعنى كانوا مستبصرين عند أنفسهم فيما كانوا عليه من الضلالة يحسبون أنهم على هدى. وأخرج ابن المنذر وجماعة عن قتادة أنه قال: أي معجبين بضلالتهم وهو تفسير بحاصل ما ذكر، وهو مروي كما في «البحر» عن ابن عباس ومجاهد والضحاك، والجملة في موضع الحال بتقدير قد أو بدونها.

ابن عاشور

تفسير : لما جرى ذكر أهل مدين وقوم لوط أكملت القصص بالإشارة إلى عاد وثمود إذ قد عرف في القرآن اقتران هذه الأمم في نسق القصص. والواو عاطفة قصة على قصة. وانتصاب {عاداً} يجوز أن يكون بفعل مقدَّر يدل عليه السياق، تقديره: وأهلكنا عاداً، لأن قوله تعالى آنفاً {أية : فأخذتهم الرجفة}تفسير : [العنكبوت: 37] يدل على معنى الإهلاك، قاله الزجاج وتبعه الزمخشري. ومعلوم أنه إهلاك خاص من بطش الله تعالى، فظهر تقدير: وأهلكنا عاداً. ويجوز أن يقدر فعل (واذكر) كما هو ظاهر ومقدر في كثير من قصص القرآن. ويجوز أن يكون معطوفاً على ضمير {أية : فأخذتهم الرجفة}تفسير : [العنكبوت: 37] والتقدير: وأخذت عاداً وثمودا. وعن الكسائي أنه منصوب بالعطف على {الذين من قبلهم} من قوله تعالى {أية : ولقد فتنا الذين من قبلهم}تفسير : [العنكبوت: 3]. وهذا بعيد لطول بعد المعطوف عليه. والأظهر أن نجعله منصوباً بفعل تقديره (وأخذنا) يفسره قوله {أية : فكلاًّ أخذنا بذنبه}تفسير : [ العنكبوت: 40] لأن (كلاً) اسم يعم المذكورين فلما جاء منتصباً بــــ {أخذنا} تعين أن ما قبله منصوب بمثله وتنوين العوض الذي لحق (كلاً) هو الرابط وأصل نسج الكلام: وعاداً وثموداً وقارون وفرعون الخ... كلهم أخذنا بذنبه. وجملة {وقد تبين لكم من مساكنهم} في موضع الحال أو هي معترضة. والمعنى: تبين لكم من مشاهدة مساكنهم أنهم كانوا فيها فأهلكوا عن بكرة أبيهم. ومساكن عاد وثمود معروفة عند العرب ومنقولة بينهم أخبارها وأحوالها ويمرون عليها في أسفارهم إلى اليمن وإلى الشام. والضمير المستتر في {تبيّن} عائد إلى المصدر المأخوذ من الفعل المقدر، أي يتبين لكم إهلاكهم أو أخذنا إياهم. وجملة {وزين لهم الشيطان أعمالهم} معطوفة على جملة {وعاداً وثموداً}. والتزيين: التحسين. والمراد: زين لهم أعمالهم الشنيعة فأوهمهم بوسوسته أنها حسنة. وقد تقدم عند قوله تعالى {أية : كذلك زينا لكل أمة عملهم}تفسير : في سورة الأنعام (108). والصد: المنع عن عمل. و {السبيل} هنا: ما يوصل إلى المطلوب الحق وهو السعادة الدائمة، فإن الشيطان بتسويله لهم كفرهم قد حرمهم من السعادة الأخروية فكأنه منعهم من سلوك طريق يبلغهم إلى المقر النافع. والاستبصار: البصارة بالأمور، والسين والتاء للتأكيد مثل: استجاب واستمسك واستبكر. والمعنى: أنهم كانوا أهل بصائر، أي عقول فلا عذر لهم في صدهم عن السبيل. وفي هذه الجملة اقتضاء أن ضلال عاد كان ضلالاً ناشئاً عن فساد اعتقادهم وكفرهم المتأصل فيهم والموروث عن آبائهم وأنهم لم ينجوا من عذاب الله لأنهم كانوا يستطيعون النظر في دلائل الوحدانية وصدق رسلهم.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {وَعَاداً وَثَمُودَ وَقَد تَّبَيَّنَ لَكُم مِّن مَّسَاكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ ٱلسَّبِيلِ وَكَانُواْ مُسْتَبْصِرِينَ وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَلَقَدْ جَآءَهُمْ مُّوسَىٰ بِٱلْبَيِّنَاتِ فَٱسْتَكْبَرُواْ فِي ٱلأَرْضِ وَمَا كَانُواْ سَابِقِينَ فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنبِهِ فَمِنْهُم مَّن أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِباً وَمِنْهُمْ مَّنْ أَخَذَتْهُ ٱلصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ ٱلأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَّنْ أَغْرَقْنَا}. الظاهر أن قوله: وعاداً: مفعول به لأهلكنا مقدرة، ويدل على ذلك قوله قبل: {أية : فَأَخَذَتْهُمُ ٱلرَّجْفَةُ} تفسير : [العنكبوت: 37] أي أهلكنا مدين بالرجفة، وأهلكنا عاداً ويدل للإهلاك المذكور قوله بعده {وَقَد تَّبَيَّنَ لَكُم مِّن مَّسَاكِنِهِمْ} أي هي خالية منهم لإهلاكهم. وقوله: بعده أيضاً: {فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنبِهِ}. وقد أشار جل وعلا في هذه الآيات الكريمة إلى إهلاك عاد، وثمود، وقارون، وفرعون، وهامان، ثم صرح بأنه أخذ كلا منهم بذنبه، ثم فصل على سبيل ما يسمى في البديع باللف والنشر المرتب، أسباب إهلاكهم فقال: {فَمِنْهُم مَّن أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِباً}، وهي الريح يعني: عاداً، بدليل قوله: {أية : وَأَمَا عَادٌ فَأُهْلِكُواْ بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ} تفسير : [الحاقة: 6] وقوله: {أية : وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ ٱلرِّيحَ ٱلْعَقِيمَ} تفسير : [الذاريات: 41] ونحو ذلك من الآيات. وقوله تعالى: {وَمِنْهُمْ مَّنْ أَخَذَتْه ٱلصَّيْحَةُ} يعني ثمود بدليل قوله تعالى فيهم: {أية : وَأَخَذَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ ٱلصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُواْ فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَآ أَلاَ إِنَّ ثَمُودَ كَفرُواْ رَبَّهُمْ أَلاَ بُعْداً لِّثَمُودَ} تفسير : [هود: 67ـ68] وقوله: {وَمِنْهُمْ مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ ٱلأَرْضَ} يعني قارون بدليل قوله تعالى فيه: {أية : فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ ٱلأَرْضَ} تفسير : [القصص: 81] الآية. وقوله تعالى: {وَمِنْهُمْ مَّنْ أَغْرَقْنَا} يعني فرعون وهامان بدليل قوله تعالى: {أية : ثُمَّ أَغْرَقْنَا ٱلآخَرِينَ} تفسير : [الشعراء: 66] [الصافات: 82] ونحو ذلك من الآيات. والأظهر في قوله هذه الآية: وكانوا مستبصرين، أن استبصارهم المذكور هنا بالنسبة إلى الحياة الدنيا خاصة، كما دل عليه قوله تعالى: {أية : يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِّنَ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ ٱلآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ} تفسير : [الروم: 7]. وقوله تعالى: {أية : وَقَالُواْ لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِيۤ أَصْحَابِ ٱلسَّعِيرِ} تفسير : [الملك: 10] ونحو ذلك من الآيات. وقوله: {وَمَا كَانُواْ سَابِقِين} كقوله تعالى: {أية : أَمْ حَسِبَ ٱلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيِّئَاتِ أَن يَسْبِقُونَا سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ} تفسير : [العنكبوت: 4].

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: وعاداً وثمودا: أي وأهلكنا عاداً القبيلة وثمود القبيلة كذلك. وقد تبين لكم من مساكنهم: أي تبين لكم إهلاكهم من مساكنهم الخالية منهم بالحجر شمال الحجاز والشحر جنوب اليمن. عن السبيل: أي سبيل الهدى والحق التي بينتها لهم رسلهم. كانوا مستبصرين: أي ذوي بصائر لما علمتهم رسلهم. وقارون وفرعون وهامان: أي وأهلكنا قارون بالخسف وفرعون وهامان بالغرق. فاستكبروا: أي عن عبادة الله تعالى وطاعته وطاعة رسله. وما كانوا سابقين: أي فائتين عذاب الله أي فارين منه، بل أدركهم. فكلاً أخذنا بذنبه: أي فكل واحد من المذكورين أخذناه بذنبه ولم يفلت منا. ومنهم من أرسلنا عليه حاصباً: أي ريحاً شديدة، كعاد. ومنهم من أخذته الصيحة: أي ثمود. ومنهم من خسفنا به الأرض: أي كقارون. ومنهم من أغرقنا: كقوم نوح وفرعون. معنى الآيات: لما ذكر تعالى في الآيات قبل ذي إهلاكه لقوم لوط وقوم شعيب وقوم نوح من قبل لما ردوا دعوته وكذبوا رسله ذكر بقية الأقوام الذين كذبوا بآيات الله ورسله فأهلكهم، فقال عز وجل: {وَعَاداً وَثَمُودَاْ} أي وأهلكنا كذلك عاداً قوم هود، وثمود قوم صالح! وقوله تعالى: {وَقَد تَّبَيَّنَ لَكُم مِّن مَّسَاكِنِهِمْ} أي وقد تبين لكم يا معشر كفار مكة ومشركي قريش من مساكنهم بالحجر والشجر من حضرموت ما يؤكد لكم إهلاكنا لهم، إذ مساكنهم الخاوية دالة على ذلك دلالة عين. وقوله تعالى: {وَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ} أي وقد زين لهم الشيطان أعمالهم من الشرك والشر والظلم والفساد وصدهم بذلك التزيين عن السبيل، سبيل الإِيمان والتقوى المورثة للسعادة في الدنيا والآخرة. وقوله: {وَكَانُواْ مُسْتَبْصِرِينَ} أي ذوي بصائر أي معرفة بالحق والباطل والخير والشر ما علمتهم الرسل ولكن آثروا أهواءهم على عقولهم فهلكوا. وما ظلمهم الله ولكن كانوا هم الظالمين. وقوله تعالى: {وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ} أي أهلكنا قارون الإِسرائيلي ابن عم موسى عليه السلام، أهلكناه ببغيه وكفره، فخسفنا به الأرض وبداره أيضاً، وفرعون وهامان أغرقناهما في اليم بكفرهما وطغيانهما وظلمهما واستعلائهما وذلك بعدما جاءهم موسى بالبينات من الآيات والحجج الواضحات التي لم تُبق لهم عذراً في التخلف عن الإِيمان والتقوى ولكن {فَٱسْتَكْبَرُواْ فِي ٱلأَرْضِ}، أرض مصر وديارها فرفضوا الإِيمان والتقوى {وَمَا كَانُواْ سَابِقِينَ} ولا فائتين فأحلَّ الله تعالى بهم. نقمته وأنزل بهم بأسه الذي لا يرد عن القوم الظالمين. ثم في الآية الأربعين من هذا السياق بين تعالى أنواع العذاب الذي أهلك به هؤلاء الأقوام، فقال: {فَكُلاًّ} أي فكل واحد من هؤلاء المكذبين {أَخَذْنَا بِذَنبِهِ فَمِنْهُم مَّن أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِباً} أي ريحاً شديدة كعاد. {وَمِنْهُمْ مَّنْ أَخَذَتْهُ ٱلصَّيْحَةُ} كثمود {وَمِنْهُمْ مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ ٱلأَرْضَ} كقارون {وَمِنْهُمْ مَّنْ أَغْرَقْنَا} كفرعون، وقوله تعالى. {وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ} أي لم يكن من شأن الله تعالى الظلم فيظلمهم، {وَلَـٰكِن كَانُوۤاْ} أي أولئك الأقوام {أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} بالشرك والكفر والتكذيب والمعاصي فأهلكوها بذلك، فكانوا هم الظالمين. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- بيان أن الشيطان هو سبب هلاك الأقوام وذلك بتزيينه لهم الشر والقبيح كالشرك والباطل والشر والفساد. 2- بيان أن الاستكبار كالظلم عاقبتهما الهلاك والخسران. 3- بيان أن الله تعالى ما أهلك أمة حتى يبين لها ما يجب أن تتقيه من أسباب الهلاك والدمار فإذا أبت إلا ذاك أوردها الله موارده.

د. أسعد حومد

تفسير : {ثَمُودَاْ} {مَّسَاكِنِهِمْ} {ٱلشَّيْطَانُ} {أَعْمَالَهُمْ} (38) - يُخِبِرُ اللهُ تَعَالَى عَنِ الأُمَمِ المُكَذِّبَةِ، وَكَيْفَ أَهْلَكَهُمْ وانْتَقَمَ مِنْهُمْ بِأَنْواعٍ مِنَ العَذَابِ، فَعَادٌ، قومُ هُودٍ (وَكَانُوا يَسْكُنُونَ في الأحْقَافِ، في مِنْطَقَةِ حَضرَمَوتَ)، أَهْلَكَهُمُ اللهُ بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيةٍ، سَخَّرَهَا عَلَيهِمْ سَبْعَ لِيالٍ مُتَواصِلَةٍ فَلَمْ يَتْرُكْ لَهُمْ مِنْ بَاقِيةٍ. وثَمُودُ قُومُ صَالحٍ (وَكَانُوا يَسْكُنُونَ الحِجْرَ قُربَ وَادي القُرَى) أَهْلَكَهُمُ اللهُ جَمِيعاً بالصِّيْحَةِ، وبزَلزَلَةِ الأَرْضِ بِهِمْ، لَمَّا عَقَرُوا النَّاقَةَ التي أَخْرَجَها اللهُ لَهُم، بِنَاءً عَلَى طَلَبِهِمْ مِنْ صَخْرَةٍ صَمَّاءَ. وَكَانَتِ العَرَبُ تَعرِفُ مَسَاكِنَ قَومِ عَادٍ، وَقَومِ ثَمُودَ، وَتَمُرُّ بِها في تَرْحَالِها، وَتَرى آثَارَ الدَّمَارِ والهَلاَكِ الذي نَزَلَ بِهَا وَبأَهلِها. وَكَانَ سَبَبُ إِهْلاكِهِمْ هُوَ مَا زَيَّنهُ لَهُم الشَّيْطَانُ مِنْ أعمالٍ سَيِّئةٍ، وَعِبَادَةٍ غيرِ اللهِ تَعَالى، مَعَ أَنَّهُمْ كَانُوا قَادِرِينَ عَلى الإِدراكِ والاستبْصَارِ، والتَّميِيز بَيْنَ الحَقِّ وَالبَاطِلِ، وَلِذَلِكَ فَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ عُذْرٌ في الغَفْلَةِ، وَعَدَمِ التَّبَصُّرِ في العَوَاقِبِ. مُسْتَبْصِرِينَ - عُقَلاَءَ مُتَمَكِّنِينَ مِنَ التَّدَبُّرِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : نلحظ في هذه البرقيات السريعة أنها تذكر المقدمة، ثم النهاية مباشرة {وَعَاداً وَثَمُودَاْ ..} [العنكبوت: 38] هذه المقدمة {وَقَد تَّبَيَّنَ لَكُم مِّن مَّسَاكِنِهِمْ ..} [العنكبوت: 38] هذا موجز لما نزل بهم، وكأن الحق سبحانه يقول لنا: لن أحكي لكم ما حاق بهم؛ لأنكم تشاهدون ديارهم، وتمرون عليها ليل نهار {أية : وَإِنَّكُمْ لَّتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُّصْبِحِينَ * وَبِٱلَّيلِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} تفسير : [الصافات: 137-138]. والآن مع الثورة العلمية استطاعوا تصوير ما في باطن الأرض، وظهرت كثير من الآثار لهذه القرى عاد وثمود والأحقاف، واقرأ قوله سبحانه وتعالى: {أية : أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ ٱلْعِمَادِ} تفسير : [الفجر: 6-7]. وطبيعي الآن أن نجد آثار السابقين تحت التراب، ولا بُدَّ أن نحفر لنصل إليها؛ لأن عوامل التعرية طمرتها بمرور الزمن، ولمَ لا والواحد منّا لو غاب عن بيته شهراً يعود فيجد التراب يغطي أسطح الأشياء، مع أنه أغلق الأبواب والنوافذ، ولك أن تحسب نسبة التراب هذه على مدى آلاف السنين في أماكن مكشوفة. وحكَوْا أن الزوابع والعواصف الرملية في رمال الأحقاف مثلاً كانت تغطي قافلة بأكملها، إذن: كيف ننتظر أن تكون آثار هذه القرى باقية على سطح الأرض؟ والآن نشاهد في الطرق الصحراوية مثلاً إذا هبَّتْ عاصفة واحدة فإنها تغطي الطرق بحيث تعوق حركة المرور إلى أنْ تُزَاح عنها هذه الطبقة من الرمال. إذن: علينا أن نقول: نعم يا رب رأينا مساكنهم ومررنا بها - ولو من خلال الصور الحديثة التي التقطت لهذه القرى {وَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ ..} [العنكبوت: 38] يعني: أغواهم بالكفر، وأقنعهم أنه الأسلوب السليم والأمثل في حركة الحياة {فَصَدَّهُمْ عَنِ ٱلسَّبِيلِ ..} [العنكبوت: 38] فما دام قد زيَّن لهم سبيل الشيطان فلا بُدَّ أنْ يصدَّهم عن سبيل الإيمان {وَكَانُواْ مُسْتَبْصِرِينَ} [العنكبوت: 38] يعني: لم نأخذهم على غِرَّة. لأن المبدأ الذي اختاره الله تعالى لخلقه {أية : وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولاً} تفسير : [الإسراء: 15] رسولاً يُبيِّن لهم وينذرهم، ويحذرهم عاقبة الكفر؛ لذلك لم يأخذهم الله تعالى إلا بعد أنْ أرسل إليهم رسولاً فكذَّبوه. ثم يقول الحق سبحانه: {وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَلَقَدْ جَآءَهُمْ ...}.

الجيلاني

تفسير : {وَ} اذكر يا أكمل الرسل {عَاداً} المبالغين في الظلم والعدوان {وَثَمُودَاْ} المتجاوزين عن مقتضى حدود الله بالبغي والطغيان {وَقَد تَّبَيَّنَ لَكُم} وظهر عندكم ولاح عليكم أيها الناظرون المعتبرون عتوهم واستكبارهم {مِّن مَّسَاكِنِهِمْ} الرفيعة وحصونهم الحصينة المنيعة {وَ} ذلك بأنهم قوم {زَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ} وحسنها في نفوسهم فاستبدوا بها {فَصَدَّهُمْ عَنِ ٱلسَّبِيلِ} أي: أعرضهم الشيطان بتزيين أعمالهم الفاسدة عن الصراط المستقيم والطريق المستبين {وَ} هم {كَانُواْ مُسْتَبْصِرِينَ} [العنكبوت: 38] متمكنين، قادرين على الاستبصار والاعتبار، فلم يعتبروا؛ إذ لم يُسلب عنهم لوازم عقولهم، بل لبَّس عليهم الشيطان أفعالهم وحسن عندهم أعمالهم، فظنوا أنهم مهتدون وما كانوا مهتدين. {وَ} اذكر يا أكمل الرسل {قَارُونَ} المباهي بالمال والنسب على أهل عصره وزمانه {وَفِرْعَوْنَ} المستعلي بالسلطنة والملك إلى أن تفوه من غاية عتوه واستكباره بدعوى الألوهية لنفسه {وَهَامَانَ} وزيره، قد تفوق على أقرانه وأهل زمانه بالثروة والجاه والنيابة الكاملة وعلو المكانة والمنزلة بين الأنام {وَ} من كمال تعنت هؤلاء المفسدين المسرفين واستعلائهم {لَقَدْ جَآءَهُمْ مُّوسَىٰ} بوحينا رسولاً منا؛ ليهديهم إلى طريق الحق وصراط مستقيم، فكذبوه ولم يبالوا به وبكلامه مع كونه مؤيداً {بِٱلْبَيِّنَاتِ} القاطعة والمعجزات الساطعة {فَٱسْتَكْبَرُواْ فِي ٱلأَرْضِ} على الله وعلى رسله وعموم عباده وانصرفوا عن مطلق أوامره ونواهيه منكرين وجوده وإرساله ووحيه عناداً ومكابرة {وَ} مع ذلك {مَا كَانُواْ سَابِقِينَ} [العنكبوت: 39] بنا، حافظين نفوسهم عن إدراك عذابنا إياهم وانتقامنا منهم. {فَكُلاًّ} منهم {أَخَذْنَا بِذَنبِهِ} الذي صار علة لبطشه وانتقامه على مقتضى عدلنا، ثم فصل سبحانه أخذه إياهم بعدما أجمل، فقال: {فَمِنْهُم مَّن أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِباً} أي: ريحاً عاصفاً فيها حصباء، رميناهم ورجمناهم بها كقوم لوط وعاد {وَمِنْهُمْ مَّنْ أَخَذَتْهُ ٱلصَّيْحَةُ} الهائلة كثمود وأصحاب مدين {وَمِنْهُمْ مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ ٱلأَرْضَ} كقارون وما معه من زخارفه التي هي سبب طغيانه وبغيه {وَمِنْهُمْ مَّنْ أَغْرَقْنَا} كقوم نوح وفرعون وهامان وجميع جنودهما {وَ} ما أخذنا كلاً منهم إلا بذنوب عظيمة صدرت عنهم على سبيل الإصرار والاغترار؛ إذ {مَا كَانَ ٱللَّهُ} المستوي على العدل القويم والطريق المستقيم وما صح عليه وحق له سبحانه {لِيَظْلِمَهُمْ} ويأخذهم بلا ذنب صدر عنهم {وَلَـٰكِن كَانُوۤاْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} [العنكبوت: 40] أي: هم كانوا يظلمون أنفسهم باستجلاب عذاب الله عليها بارتكاب أسبابه وموجباته، وعرضها على غضب الله بالخروج عن مقتضى أوامره ومنهياته، وما ذلك إلا من رسوخ التقليدات التخمينات في نفوسهم، واستقرار الرسوم والعادات في جبلتهم؛ لذلك أصروا بما هم عليه وانصرفوا عن سواء السبيل وكذبا الرسل الهادين إليه، وأنكروا عليهم عتوّاً واستكباراً، فهلكوا خساراً وبواراً.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : أي: وكذلك ما فعلنا بعاد وثمود، وقد علمتم قصصهم، وتبين لكم بشيء تشاهدونه بأبصاركم من مساكنهم وآثارهم التي بانوا عنها، وقد جاءتهم رسلهم بالآيات البينات، المفيدة للبصيرة، فكذبوهم وجادلوهم. { وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ } حتى ظنوا أنها أفضل مما جاءتهم به الرسل، وكذلك قارون، وفرعون، وهامان، حين بعث اللّه إليهم موسى بن عمران، بالآيات البينات، والبراهين الساطعات، فلم ينقادوا، واستكبروا في الأرض، [على عباد اللّه فأذلوهم، وعلى الحق فردوه فلم يقدروا على النجاء حين نزلت بهم العقوبة] { وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ } اللّه، ولا فائتين، بل سلموا واستسلموا. { فَكُلا } من هؤلاء الأمم المكذبة { أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ } على قدره، وبعقوبة مناسبة له، { فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا } أي: عذابا يحصبهم، كقوم عاد، حين أرسل اللّه عليهم الريح العقيم، و {أية : سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ }. تفسير : { وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ } كقوم صالح، { وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الأرْضَ } كقارون، { وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا } كفرعون وهامان وجنودهما. { وَمَا كَانَ اللَّهُ } أي: ما ينبغي ولا يليق به تعالى أن يظلمهم لكمال عدله، وغناه التام عن جميع الخلق. { وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ } منعوها حقها التي هي بصدده، فإنها مخلوقة لعبادة اللّه وحده، فهؤلاء وضعوها في غير موضعها، وأشغلوها بالشهوات والمعاصي، فضروها غاية الضرر، من حيث ظنوا أنهم ينفعونها.

همام الصنعاني

تفسير : 2248- حدّثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {وَكَانُواْ مُسْتَبْصِرِينَ}: [الآية: 38]، قال: أي مُعْجَبين بضَلاَلَتِهِم.