Verse. 3379 (AR)

٢٩ - ٱلْعَنْكَبُوت

29 - Al-Ankabut (AR)

وَقَارُوْنَ وَفِرْعَوْنَ وَہَامٰنَ۝۰ۣ وَلَقَدْ جَاۗءَہُمْ مُّوْسٰي بِالْبَيِّنٰتِ فَاسْتَكْبَرُوْا فِي الْاَرْضِ وَمَا كَانُوْا سٰبِقِيْنَ۝۳۹ۚۖ
Waqaroona wafirAAawna wahamana walaqad jaahum moosa bialbayyinati faistakbaroo fee alardi wama kanoo sabiqeena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«و» أهلكنا «قارون وفرعون وهامان ولقد جاءهم» من قبل «موسى بالبيّنات» الحجج الظاهرات «فاستكبروا في الأرض وما كانوا سابقين» فائتين عذابنا.

39

Tafseer

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ} قال الكسائي: إن شئت كان محمولاً على عاد، وكان فيه ما فيه، وإن شئت كان على {فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ} وصدّ قارون وفِرعون وهامان. وقيل: أي وأهلكنا هؤلاء بعد أن جاءتهم الرسل {فَٱسْتَكْبَرُواْ فِي ٱلأَرْضِ} عن الحق وعن عبادة الله {وَمَا كَانُواْ سَابِقِينَ} أي فائتين. وقيل: سابقين في الكفر بل قد سبقهم للكفر قرون كثيرة فأهلكناهم. {فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنبِهِ} قال الكسائي: {فَكُلاًّ»} منصوب بـ{ـأَخَذْنَا} أي أخذنا كلاً بذنبه. {فَمِنْهُم مَّن أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِباً} يعني قوم لوط. والحاصب ريح يأتي بالحصباء وهي الحصى الصغار. وتستعمل في كل عذاب {وَمِنْهُمْ مَّنْ أَخَذَتْهُ ٱلصَّيْحَةُ} يعني ثموداً وأهل مدين. {وَمِنْهُمْ مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ ٱلأَرْضَ} يعني قارون {وَمِنْهُمْ مَّنْ أَغْرَقْنَا} قوم نوح وقوم فرعون. {وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ} لأنه أنذرهم وأمهلهم وبعث إليهم الرسل وأزاح العذر.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَ} أهلكنا {قَٰرُونُ وَفِرْعَوْنَ وَهَٰمَٰنَ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ } من قبل {مُّوسَىٰ بِٱلْبَيِّنَٰتِ } الحجج الظاهرات {فَٱسْتَكْبَرُواْ فِى ٱلأَرْضِ وَمَا كَانُواْ سَٰبِقِينَ } فائتين عذابنا.

ابن عطية

تفسير : نصب {قارون} إما بفعل مضمر تقديره اذكر وإما بالعطف على ما تقدم، و {قارون} من بني إسرائيل وهو الذي تقدمت قصته في الكنوز وفي البغي على موسى بن عمران عليه السلام، {وفرعون} مشهور، و {هامان} وزيره، وهو من القبط، و"البينات" المعجزات والآيات الواضحة، و {سابقين}، معناه مفلتين من أخذنا وعقابنا، وقيل معناه {سابقين} أولياءنا، وقيل معناه {ما كانوا سابقين} الأمم إلى الكفر، أي قد كانت تلك عادة أمم مع رسل، والذين أرسل عليهم الحاصب قال ابن عباس: هم قوم لوط. قال الفقيه الإمام القاضي: ويشبه أن يدخل قوم عاد في "الحاصب" لأن تلك الريح لا بد أنها كانت تحصبهم بأمور مؤذية، و"الحاصب" هو العارض من ريح أو سحاب إذا رمى بشيء، ومنه قول الأخطل: [الكامل] شعر : ترمي العضاة بحاصب من ثلجها حتى يبيت على العضاة جفالا تفسير : ومنه قول الفرزدق: [البسيط] شعر : مستقبلين شمال الشام تضربهم بحاصب كنديف القطن منثور تفسير : والذين أخذتهم {الصيحة} قوم ثمود، قاله ابن عباس وقال قتادة: هم قوم شعيب، و"الخسف" كان بقارون، قاله ابن عباس. قال الفقيه الإمام القاضي: ويشبه أن يكون أصحاب الرجفة في هذا النوع من العذاب، والغرق كان في قوم نوح، وبه فسر ابن عباس وفي فرعون وحزبه، وبه فسر قتادة، وظلمهم أنفسهم كان بالكفر ووضع العبادة في غير موضعها وقدم المفعول على {يظلمون} للاهتمام وهذا نحو {أية : إياك نعبد} تفسير : [الفاتحة: 5] وغيره، وحكى الطبري عن قتادة أن رجفة قوم شعيب كان صيحة أرجفتهم على هذا مع ثمود.

البقاعي

تفسير : ولما كان لفرعون ومن ذكر معه من العتو بمكان لا يخفى، لما أتوا من القوة بالأموال والرجال قال: {وقارون} أي أهلكناه وقومه لأن وقوعه في أسباب الهلاك أعجب، لكونه من بني إسرائيل، ولأنه ابتلى بالمال والعلم، فكان ذلك سبب إعجابه، فتكبر على موسى وهاورن عليهما السلام فكان ذلك سبب هلاكه {وفرعون وهامان} وزيره الذي أوقد له على الطين، فلا هو نجا ولا كان رأساً في الكفر، بل باع سعادته بكونه ذنباً لغيره. ولما كان هلاكهم مع رؤية الآيات أعجب، فكان جديراً بالإنكار، إشارة إلى أن رؤية الآيات جديرة بأن يلزم عنها الإيمان قال: {ولقد جاءهم موسى بالبينات} أي التي لم تدع لبساً فتسببوا عما يقتضيه من الاستبصار الاستكبار {فاستكبروا} أي طلبوا أن يكونوا أكبر من كل كبير بأن كانت أفعالهم أفعال من يطلب ذلك {في الأرض} بعد مجيء موسى عليه الصلاة والسلام إليهم أكثر مما كانوا قبله. ولما كان من يتكبر - وهو عالم بأنه مأخوذ - أشد لوماً ممن يجهل ذلك قال: {وما كانوا} أي الذين ذكروا هذا كلهم، كوناً ما {سابقين*} أي فائتين ما نريدهم، بأن يخرجوا من قبضتنا، بل هم في القبضة كما ذكرنا أول السورة وهم عالمون بذلك {فكلاً} أي فتسبب عن تكذيبهم وعصيانهم أن كلاًّ منهم {أخذنا} أي بما لنا من العظمة {بذنبه} أخذ عقوبة ليعلم أنه لا أحد يعجزنا {فمنهم من أرسلنا عليه} إرسال عذاب يا له من عذاب! {حاصباً} أي ريحاً ترمى لقوة عصفها وشدة قصفها بالحجارة كعاد وقوم لوط {ومنهم من أخذته} أخذ هلاك وغضب وعذاب، وعدل عن أسلوب العظمة لئلا يوهم الإسناد في هذه إليه صوتاً ليوقع في مصيبة التشبيه {الصيحة} التي تظهر شدتها الريح الحاملة لها الموافقة لقصدها فترجف لعظمتها الأرض كمدين وثمود {ومنهم من} وأعاد أسلوب العظمة الماضي لسلامة من الإيهام المذكور في الصيحة وللتنبيه على أنه لا يقدر عليه غير الله سبحانه ففيه من الدلالة على عظمته ما يقصر عنه الوصف فقال: {خسفنا به الأرض} بأن غيبناه فيها كقارون وجماعته {ومنهم من أغرقنا} بالغمر في الماء كقوم نوح وفرعون وجنوده، وعذاب قوم لوط صالحٌ للعد في الإغراق والعد في الخسف، فتارة نهلك بريح تقذف بالحجارة من السماء كقوم لوط، أو من الأرض كعاد، وأخرى بريح تقرع بالصرخة الأسماع فتزلزل القلوب والبقاع، ومرة نبيد بالغمس في الكثيف وكرة بالغمر في اللطيف - فللّه درّ الناظرين في هذه الأوامر النافذة، والمتفكرين في هذه الأقضية الماضية، ليعلموا حقيقة قوله {وما أنتم بمعجزين في الأرض ولا في السماء} - الآية. ولما كان ذلك ربما جر لأهل التعنت شيئاً مما اعتادوه في عنادهم قال: {وما كان الله} أي الذي لا شيء من الجلال والكمال إلا هو وله {ليظلمهم} أي مريداً ليعاملهم معاملة الظالم الذي يعاقب من لا جرم له، أو من أجرم ولم يتقدم إليه بالنهي عن إجرامه ليكف فيسلم، أو يتمادى فيهلك لأنه لا نفع يصل إليه سبحانه من إهلاكهم، ولا ضرر يلحقه عز شأنه من إبقائهم {ولكن كانوا} أي هم لا غيرهم {أنفسهم} لا غيرها {يظلمون*} بارتكابهم ما أخبرناهم غير مرة أنه يغضبنا وأنا نأخذ من يفعله، فلم يقبلوا النصح مع عجزهم، ولا خافوا العقوبة على ضعفهم، وأما ما عبدوه ورجوا نصره لهم وأملوه فأضعف منهم، ولكون شيء منه لم يغن عن أحد منم شيئاً فلم تختل سنة الله في أوليائه وأعدائه في قرن من القرون ولا عصر من العصور، بل جرت على أقوم نظام، واتقن إحكام، وصل بذلك قوله تعالى على وجه الاستنساج: {مثل الذين}. ولما كان دعاء غير الله مخالفاً لقويم العقل، وصريح النقل، وسليم الفطرة وصحيح الفكرة فكان ذلك يحتاج إلى تدرب إلى الجلافة، وتطبع في الكثافة، قال: {اتخذوا} أي تكلفوا أن أخذوا. ولما كانت الرتب تحت رتبته سبحانه لا تحصى، وكل الرتب دون رتبته، قال منبهاً على ذلك بالجار: {من دون الله} أي الذي لا كفوء له، فرضوا بالدون، عوضاً عمن لا تكفيه الأوهام والظنون {أولياء} ينصرونهم بزعمهم من معبودات وغيرها، في الضعف والوهي {كمثل العنكبوت} الدابة المعروفة ذات الأرجل الكثيرة الطوال؛ ثم استأنف ذكر وجه الشبه وعبر عنها بالتأنيث وإن كانت تقال بالتذكير تعظيماً لضعفها، لأن المقام لضعف ما تبنيه فقال: {اتخذت بيتاً} أي تكلفت أخذه في صنعتها له ليقيها الردى، ويحميها البلا، كما تكلف هؤلاء اصطناع أربابهم لينفعوهم، ويحفظوهم بزعمهم ويرفعوهم، فكان ذلك البيت مع تكلفها في أمره، وتعبها الشديد في شأنه، في غاية الوهن. ولما كان حالها في صنعها حال من ينكر وهنه، قال مؤكداً: {وإن} و واوه للحال من ضمير - {اتخذت} أي والحال أنه أوهن - هكذا كان الأصل، ولكنه أظهر للتعميم فقال: {أوهن البيوت} أي أضعفها {لبيت العنكبوت} التي عانت في حوكه ما عانت وقاست في نسجه ما قاست، لأنه لا يكنّ من حر، ولا يصون من برد، ولا يحصن عن طالب، كذلك ما اتخذ هؤلاء من هذه الأوثان، وهذا الدين الذي لا أصل له فهو أوهن الأديان وأهونها {لو كانوا يعلمون*} أي لو كان لهم نوع ما من العلم لانتفعوا به فعلموا أن هذا مثلهم، فأبعدوا عن اعتقاد ما هذا مثله.

اسماعيل حقي

تفسير : {وقارون وفرعون وهامان} معطوف على عادا وتقديم قارون لشرف نسبه كما سبق ففيه تنبيه لكفار قريش ان شرف نسبهم لايخلصهم من العذاب كما لم يخلص قارون {ولقد جاءهم موسى بالبينات} بالدلالات الواضحة والمعجزات الباهرة {فاستكبروا} وتعظموا عن قبول الحق {فى الارض} [در زمين مصر] {وماكانوا سابقين} مفلتين فائتين بل ادركهم امر الله فهلكوا من قولهم سبق طالبه اذا فاته ولم يدركه. قال الراغب اصل السبق التقدم فى السير ثم تجوز به فى غيره من التقدم كما قال بعضهم ان الله تعالى طالب كل مكلف بجزاء عمله ان خيرا فخير وان شرا فشر

الجنابذي

تفسير : {وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ} اى ذكّرهم او اذكر او ارسلنا اليهم {وَلَقَدْ جَآءَهُمْ مُّوسَىٰ بِٱلْبَيِّنَاتِ فَٱسْتَكْبَرُواْ فِي ٱلأَرْضِ وَمَا كَانُواْ سَابِقِينَ} فائتين او معجزين.

الهواري

تفسير : قال: {وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ} أي: وأهلكنا قارون وفرعون وهامان {وَلَقَدْ جَاءَهُم مُّوسَى بِالبَيِّنَاتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الأَرْضِ وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ} أي: ما كانوا يسبقوننا حتى لا نقدر عليهم فنعذبهم. قال الله: {فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنبِهِ} يعني من أهلك من الأمم الذين قصّ في هذه السورة إلى هذا الموضع. قال الله: {فَمِنْهُم مَّنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِباً} يعني قوم لوط، يعني الحجارة التي رمَى بها من كان خارجاً من المدينة وأهل السفر منهم وخسف بمدينتهم قال: {وَمِنْهُم مَّنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ} يعني ثمود {وَمِنْهُم مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ الأَرْضَ} يعني مدينة قوم لوط وقارون {وَمِنْهُم مَّنْ أَغْرَقْنَا} يعني قوم نوح وفرعون وقومه. قال الله: {وَمَا كَانَ اللهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} أي: يضرون. وقال الحسن: ينقضون بشركهم وجحودِهم رسلَهم. قوله: {مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللهِ أَوْلِيَاءَ} يعني أوثانهم التي عبدوها. {كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً وَإِنَّ أَوْهَنَ البُيُوتِ} أي: أضعف البيوت {لَبَيْتُ العَنكَبُوتِ} أي: إن أوثانهم لا تغني عنهم شيئاً كما لا يكن بيت العنكبوت من حرّ ولا برد {لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} أي: لعلموا أن أوثانهم لا تغني عنهم شيئاً كبيت العنكبوت. ثم قال: {إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ} يقوله للمشركين يعني ما تعبدون من دونه {وَهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ} أي: العزيز في نقمته الحكيم في أمره.

اطفيش

تفسير : {وَقَارُونَ} أي وأهلكنا قارون. {وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ} او عطف على او ثمودا وقدم قارون لشرف نسبه. {وَلَقَدْ جَاءَهُم مُّوسَى} من قبل. {بِالبَيِّنَاتِ} بالحجج الظاهرة. {فَاسْتَكْبَرُوا فِي الأَرْضِ وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ} فآيتين عذابنا وقيل وما كانوا سابقين الأمم الى الكفر.

اطفيش

تفسير : {وقارُون وفِرْعُون وهامان} عطف على عادا، او على ثمودا، وقدم قارون لان قريشا غيرهم كذبوه صلى الله عليه وسلم حسدا، كما كذب قارون موسى عليه السلام حسدا، او قدمه لانه اشرف من فرعون وهامان لايمانه، ولو افسده ولعلمه بالتوارة، وقرابته من موسى، فاذا اهلك مع ذلك علم العاقل ان الشرف لا يفيد مع المعصية، او لانه مستبصر كعاد وثمود لعلمه، فلم يفده استبصاره، كما لم يفدهم او لانه هلك قبل فرعون وهامان، والمقام لذكر الهلاك. {ولقد جاءهم} جاء قارون وفرعون وهامان {مُوسى بالبينات}اليد والعصا وغيرهما التوارة {فاسْتكبرُوا} عن الإيمان والطاعة، وإيمان قارون غير تام {في الأرض} أرض مصر، والمراد التوسع فى استكبارهم، ويقال ذكر الارض تلويحا بان من فى الارض لا يسوغ له الاستكبار لهو ان الارض، وأهل السماوات ملائكة لا يستكبرون، ولا كبرياء الا لله عز وجل {وما كانُوا سابقين} لا يفوتون حكم الله بإهلاكهم، او لم يسبقوا الامم فى الكفر، بل كفرت امم قبلهم، واهلكهم الله سبحانه، فليخافوا الإهلاك كما أصاب الامم على كفرهم.

الالوسي

تفسير : {وَقَـٰرُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَـٰمَـٰنَ } معطوف على {أية : عَاداً}تفسير : [العنكبوت: 38]، وتقدم قارون لأن المقصود تسلية النبـي صلى الله عليه وسلم فيما لقي من قومه لحسدهم له، وقارون كان من قوم موسى عليه السلام وقد لقي منه ما لقي، أو لأن حاله أوفق بحال عاد وثمود فإنه كان من أبصر الناس وأعلمهم بالتوراة ولم يفده الاستبصار شيئاً كما لم يفدهم كونهم مستبصرين شيئاً، أو لأن هلاكه كان قبل هلاك فرعون وهامان فتقديمه على وفق الواقع، أو لأنه أشرف من فرعون وهامان لإيمانه في الظاهر وعلمه بالتوراة وكونه ذا قرابة من موسى عليه السلام، ويكون في تقديمه لذلك في مقام الغضب إشارة إلى أن نحو هذا الشرف لا يفيد شيئاً ولا ينقذ من غضب الله تعالى على الكفر. {وَلَقَدْ جَاءهُمْ مُّوسَىٰ بِٱلْبَيّنَـٰتِ فَٱسْتَكْبَرُواْ } عن الإيمان والطاعة {فِى ٱلأَرْضِ } إشارة إلى قلة عقولهم لأن من في الأرض لا ينبغي له أن يستكبر. {وَمَا كَانُواْ سَـٰبِقِينَ } أي فائتين أمر الله تعالى، من قولهم: سبق طالبه أي فاته ولم يدركه، ولقد أدركهم أمره تعالى أي إدراك فتداركوا نحو الدمار والهلاك، وقال أبو حيان: المعنى وما كانوا سابقين الأمم إلى الفكر أي تلك عادة الأمم مع رسلهم عليهم السلام، وليس بذاك وأياً ما كان فالظاهر أن ضمير {كانوا} لقارون / وفرعون وهامان، وقيل: الجملة عطف على أهلكنا المقدر سابقاً وضمير - كانوا - لجميع المهلكين، وفيه بتر للنظم الجليل.

ابن عاشور

تفسير : كما ضرب الله المثل لقريش بالأمم التي كذبت رسلها فانتقم الله منها، كذلك ضرب المثل لصناديد قريش مثل أبي جهل، وأمية بن خلف، والوليد بن المغيرة، وأبي لهب، بصناديد بعض الأمم السالفة كانوا سبب مصاب أنفسهم ومصاب قومهم الذين اتبعوهم، إنذاراً لقريش بما عسى أن يصيبهم من جراء تغرير قادتهم بهم وإلقائهم في خطر سوء العاقبة. وهؤلاء الثلاثة جاءهم موسى بالبينات. وتقدمت قصصهم وقصة قارون في سورة القصص. فأما ما جاء به موسى من البينات لفرعون وهامان فهي المعجزات التي تحداهم بها على صدقه فأعرض فرعون عنها واتبعه هامان وقومه. وأما ما جاء به موسى لقارون فنهيه عن البطر. وأومأ قوله تعالى {فاستكبروا في الأرض} إلى أنهم كفروا عن عناد وكبرياء لا عن جهل وغلواء كما قال تعالى {أية : وأضله الله على علم}تفسير : [ الجاثية: 23] فكان حالهم كحال صناديد قريش الذين لا يُظن أن فطنتهم لم تبلغ بهم إلى تحقق أن ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم صدق وأن ما جاء به القرآن حقّ ولكن غلبت الأنفة. وموقع جملة {ولقد جاءهم موسى} كموقع جملة {أية : وقد تبيّن لكم من مساكنهم}تفسير : [العنكبوت: 38]. والاستكبار: شدة الكبر، فالسين والتاء للتأكيد كقوله {أية : وكانوا مستبصرين}تفسير : [العنكبوت: 38]. وتعليق قوله {في الأرض} بــــ {استكبروا} للإشعار بأن استكبار كل منهم كان في جميع البلاد التي هو منها، فيومىء ذلك أن كل واحد من هؤلاء كان سيداً مطاعاً في الأرض. فالتعريف في {الأرض} للعهد، فيصح أن يكون المعهود هو أرض كل منهم، أو أن يكون المعهود الكرة الأرضية مبالغة في انتشار استكبار كل منهم في البلاد حتى كأنه يعم الدنيا كلها. ومعنى السبق في قوله {وما كانوا سابقين} الانفلات من تصريف الحكم فيهم. وقد تقدم في قوله تعالى {أية : ولا يحسبنّ الذين كفروا سبقوا}تفسير : في سورة [الأنفال: 59]، فالواو للحال، أي استكبروا في حال أنهم لم يفدهم استكبارهم. وإقحام فعل الكون بعد النفي لأن المنفي هو ما حسبوه نتيجة استكبارهم، أي أنهم لا ينالهم أحد لعظمتهم. ومثل هذا الحال مثل أبي جهل حين قتله ابنا عفراء يوم بدر فقال له عبد الله بن مسعود حين وجده محتضراً: أنت أبو جهل؟ فقال: وهل أعْمَدُ من رجل قتلتموه لو غيرُ أكَّارٍ قتلني (أي زراع يعني رجلاً من الأنصار لأن الأنصار أهل حرث وزرع).

د. أسعد حومد

تفسير : {قَارُونَ} {هَامَانَ} {بِٱلْبَيِّنَاتِ} {سَابِقِينَ} (39) - واذْكُر لِهؤلاءِ المُغْتَرِّينَ بأَمْوالِهِمْ مِنْ قُريشٍ كَيفَ أَهْلَكَ اللهُ قَارُونَ صَاحِبَ الأموالِ الكثيرةِ، إِذْ خَسَفَ بهِ وبِدَارِهِ وكُنُوزِهِ الأَرْضَ، كَمَا أَهْلَكَ فِرْعَوْنَ مَلِكَ مِصْرَ وَوَزِيرَهُ هَامَانَ، فَقَدْ جَاءَهُمْ مُوسَى بالحُحَجِ والبَيِّنَاتِ الدَّالَّةِ عَلى صِدْقِ رِسَالتِهِ، فاسْتَكْبَرُوا في الأرضِ بغيرِ الحَقِّ، وأََبَوا أَنْ يُصَدِّقُوهُ وأَنْ يُؤمِنُوا لَهُ، وَلَمْ يَكُونُوا فَائِتينَ اللهَ، وَلاَ نَاجِينَ مِنْ عِقَابِهِ، فَهُوَ تَعَالَى قَادِرٌ عَليهِمْ في كُلِّ حِينٍ، وَهُوَ عَزيزٌ ذُو انتِقَامٍ. سَابِقينَ - فَائِتينَ مِنْ عَذَاب اللهِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : ما زالت الآيات تُحدِّثنا عن مواكب الرسالات، لكنها تتكلم عن المكذِّبين عاداً وثمود، وهنا {وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ ..} [العنكبوت: 39] والدليل على قوله سبحانه في الآية السابقة {أية : وَكَانُواْ مُسْتَبْصِرِينَ} تفسير : [العنكبوت: 38] قوله تعالى هنا {وَلَقَدْ جَآءَهُمْ مُّوسَىٰ بِٱلْبَيِّنَاتِ} [العنكبوت: 39] أي: بالأمور الواضحة التي لا تدع مجالاً للشك في صدْق الحق سبحانه، وفي صِدْق الرسول في البلاغ عن الله. {فَٱسْتَكْبَرُواْ فِي ٱلأَرْضِ ..} [العنكبوت: 39] استكبر: يعني افتعل الكِبْر، فلم يقُلْ تكبَّر، إنما استكبر كأنه في ذاته ما كان ينبغي له أنْ يستكبر؛ لأن الذي يتكبّر يتكبَّر بشيء ذاتي فيه، إنما بشيء موهوب؟ لأنه قد يسلب منه، فكيف يتكبَّر به؟ لذلك نقول للمتكبِّر أنه غفلت عينه عن مَرأْى ربه في آثار خَلْقه، فلو كان ربه في باله لاستحى أنْ يتكبّر. فالإنسان لو أنه يلحظ كبرياء ربه لَصَغُر في نفسه، ولاستحى أن يتكبَّر، كما أن المتكبر بقوته وعافيته غبي؛ لأنه لم ينظر في حال الضعيف الذي يتعالى عليه، فلربما يفوقه في شيء آخر، أو عنده عبقرية في أمر أهم من الفتوة والقوة، ثم ألم ينظر هذا الفتوة أنها مسألة عَرضية، انتقلتْ إليه من غيره، وسوف تنتقل منه إلى غيره. إذن: فقارون وفرعون وهامان لما جاءهم موسى بآيات الله الواضحات استكبروا في الأرض، وأنفوا أن يتبعوا لا بطبيعتهم وطبيعة وجود ذلك فيهم، إنما افتعالاً بغير حق {وَمَا كَانُواْ سَابِقِينَ} [العنكبوت: 39] فنفى عنهم أن يكونوا سابقين، كما قال سبحانه: {أية : وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ} تفسير : [الواقعة: 60]. والسبق لا يُمدح ولا يُذم في ذاته، لكن بنتيجته: إلى أيِّ شيء سبق؟ كما نسمع الآن يقولون: فلان رجعي، والرجعية لا تُذَم في ذاتها، وربما كان الإنسان مُسْرفاً على نفسه، ثم رجع إلى منهج ربه، فنِعمْ هذه الرجعية، فالسبق لا يُذَم لذاته، واقرأ إنْ شئت قوله تعالى: {أية : وَسَارِعُوۤاْ إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ ..} تفسير : [آل عمران: 133] أي: سابقوا. والمعنى هنا {وَمَا كَانُواْ سَابِقِينَ} [العنكبوت: 39] أن هناك مضمارَ سباق، فمن سبق قالوا: أحرز قَصَب السبق، فإنْ كان مضمار السباق هذا في الآخرة أيسبقنا أحد ليفلتَ من أخْذنا له؟ إنهم لن يسبقونا، ولن يُفلِتوا من قبضتنا، ولن يُعجِزوا قدرتنا على إدراكهم. ويقول الحق سبحانه: {فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنبِهِ فَمِنْهُم مَّن أَرْسَلْنَا ...}.