Verse. 3380 (AR)

٢٩ - ٱلْعَنْكَبُوت

29 - Al-Ankabut (AR)

فَكُلًّا اَخَذْنَا بِذَنْۢبِہٖ۝۰ۚ فَمِنْہُمْ مَّنْ اَرْسَلْنَا عَلَيْہِ حَاصِبًا۝۰ۚ وَمِنْہُمْ مَّنْ اَخَذَتْہُ الصَّيْحَۃُ۝۰ۚ وَمِنْہُمْ مَّنْ خَسَفْنَا بِہِ الْاَرْضَ۝۰ۚ وَمِنْہُمْ مَّنْ اَغْرَقْنَا۝۰ۚ وَمَا كَانَ اللہُ لِيَظْلِمَہُمْ وَلٰكِنْ كَانُوْۗا اَنْفُسَہُمْ يَظْلِمُوْنَ۝۴۰
Fakullan akhathna bithanbihi faminhum man arsalna AAalayhi hasiban waminhum man akhathathu alssayhatu waminhum man khasafna bihi alarda waminhum man aghraqna wama kana Allahu liyathlimahum walakin kanoo anfusahum yathlimoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«فكلا» من المذكورين «أخذنا بذنبه فمنهم من أرسلنا عليه حاصبا» ريحاً عاصفة فيها حصباء كقوم لوط «ومنهم من أخذته الصيحة» كثمود «ومنهم من خسفنا به الأرض» كقارون «ومنهم من أغرقنا» كقوم نوح وفرعون وقومه «وما كان الله ليظلمهم» فيعذبهم بغير ذنب «ولكن كانوا أنفسهم يظلمون» بارتكاب الذنب.

40

Tafseer

الرازي

تفسير : ذكر الله أربعة أشياء العذاب بالحاصب، وقيل إنه كان بحجارة محماة يقع على واحد منهم وينفذ من الجانب الآخر، وفيه إشارة إلى النار والعذاب بالصيحة وهو هواء متموج، فإن الصوت قيل سببه تموج الهواء ووصوله إلى الغشاء الذي على منفذ الأذن وهو الصماخ فيقرعه فيحس، والعذاب بالخسف وهو الغمر في التراب، والعذاب بالإغراق وهو بالماء. فحصل العذاب بالعناصر الأربعة والإنسان مركب منها وبها قوامه وبسببها بقاؤه ودوامه، فإذا أراد الله هلاك الإنسان جعل ما منه وجوده سبباً لعدمه، وما به بقاؤه سبباً لفنائه، ثم قال تعالى: {وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَـٰكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ } يعني لم يظلمهم بالهلاك، وإنما هم ظلموا أنفسهم بالإشراك وفيه وجه آخر ألطف وهو أن الله ما كان يظلمهم أي ما كان يضعهم في غير موضعهم فإن موضعهم الكرامة كما قال تعالى: { أية : وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِى ءادَمَ } تفسير : [الإسراء: 70] لكنهم ظلموا أنفسهم حيث وضعوها مع شرفهم في عبادة الوثن مع خسته.

المحلي و السيوطي

تفسير : {فَكُلاًّ } من المذكورين {أَخَذْنَا بِذَنبِهِ فَمِنْهُم مَّن أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِباً } ريحاً عاصفة فيها حصباء كقوم لوط {وَمِنْهُمْ مَّنْ أَخَذَتْهُ ٱلصَّيْحَةُ } كثمود {وَمِنْهُمْ مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ ٱلأَرْضَ } كقارون {وَمِنْهُمْ مَّنْ أَغْرَقْنَا } كقوم نوح وفرعون وقومه {وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ } فيعذبهم بغير ذنب {وَلَٰكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ } بارتكاب الذنب.

اسماعيل حقي

تفسير : {فكلا} تفسير لما ينبىء عنه عدم سبقهم بطريق الابهام اى كل واحد من المذكورين {اخذنا بذنبه} اى عاقبناه بجنايته لابعضهم دون بعض كما يشعر به تقديم المفعول. قال بعضهم الاخذ اصله باليد ثم يستعار فى مواضع فيكون بمعنى القبول كما فى قوله {أية : واخذتم على ذلك اصرى}تفسير : اى قبلتم عهدى وبمعنى التعذيب فى هذا المقام. قال فى المفردات الاخذ حوز الشىء وتحصيله وذلك تارة بالتناول نحو {أية : معاذ الله ان نأخذ الامن وجدنا متاعنا عنده}تفسير : وتارة بالقهر نحو {أية : لا تأخذه سنة ولا نوم}تفسير : ويقال اخذته الحمى ويعبر عن الاسير بالمأخوذ والاخيذ. قال فى الاسئلة المقحمة قوله {فكلا اخذنا بذنبه} دليل على انه تعالى لايعاقب احدا الا بذنبه وانهم يقولون انه تعالى لو عاقب ابتداء جاز والجواب نحن لاننكر انه تعالى يعاقب الكفار على كفرهم والمذنبين بذنبهم وانما الكلام فى انه لو عاقب ابتداء لايكون ظالما لانه يفعل مايشاء بحكم الملك المطلق {فمنهم من ارسلنا عليه حاصبا} تفصيل للاخذ اى ريحا عاصفا فيه حصباء وهى الحصى الصغار وهم عاد او ملكا رماهم بها وهم قوم لوط {ومنهم من اخذته الصيحة} كمدين وثمود صاح بهم جبريل صيحة فانشقت قلوبهم وزهقت ارواحهم. وبالفارسية [بانك كرفت ايشانرا تا زهره ايشان ترقيد] {ومنهم من} [وازايشان كسى بودكه] {خسفنا به الارض} [فرو برديم اورا بزمين جون قارون واتباع او] فالباء للتعدية وهو الجزاء الوفاق لعمله لان المال الكثير يوضع غالبا تحت الارض {ومنهم من اغرقنا} كقوم نوح وفرعون وقومه والاغراق [غرقه كردن] كام فى التاج والغرق الرسوب فى الماء اى السفول والنزول فيه {وما كان الله ليظلمهم} بما فعل بهم بان يضع العقوبة فى غير موضعها فان ذلك محال من جهته تعالى لانه قد تبين بارسال الرسل {ولكن كانوا انفسهم يظلمون} بالاستمرار على مايوجب العذاب من انواع الكفر والمعاصى شعر : اى كه حكم شرع را رد ميكنى راه باطل ميروى بدمكينى جون توبد كردى بدى يابى جزا بس بديها جلمه باخود ميكنى تفسير : وفى المثنوى شعر : بس تراهر غم كه بيش آيد زدرد بركسى تهمت منه برخويش كرد تفسير : قال وهب بن منبه قرأت فى بعض الكتب حلاوة الدنيا مرارة الآخرة ومرارة الدنيا حلاوة الآخرة وظمأ الدينا رّى الآخرة ورّى الدنيا ظمأ الآخرة وفرح الدنيا حزن الآخرة وحزن الدنيا فرح الآخرة ومن قدم شيئا من خير او شر وجده والامر بآخره ألا ترى ان هؤلاء المذكورين لما صار آخر امرهم التكذيب او اخذوا عليه ولو صار التصديق لسومحوا فيما صدر عنهم اولا. والحاصل انهم لما عاشوا على الاصرار هلكوا على العذاب ويحشرون على ماماتوا عليه ولذا يقولون عند القيام من قبورهم واويلاه فقط وعظا الله بهذه الآيات اهل مكة ومن جاء بعدهم الى يوم القيام ليعتبروا وينتفعوا بعقولهم ويجتنبوا عن الظلم والاذى والاستكبار والافساد فان فيه الصلاح والنجاة والفوز بالمراد لكن التربية والارشاد انما تؤثر فى المستعد من العباد: قال الشيخ سعدى قدس سره شعر : جون بود اصل جوهرى قابل تربيت را درو اثر باشد هيج صيقل نكو نداند كرد آهنى را كه بدكهر باشد تفسير : والقرآن كالبحر وانما يتطهر به من كان من شأنه ذلك كالانسان واما الكلب فلا شعر : سك بدرياى هفت كانه مشوى كه جو ترشد بليدتر باشد خر عيسى اكر بمكه برند جون بيايد هنوز خرباشد تفسير : ـ حكى ـ ان بعض المتشيخين ادعى الفضل بسبب انه خدم فلانا العزيز اربعين سنة فقال واحد من العرفاء كان لذلك العزيز بغل قد ركبه اربعين سنة فلم يزل من ان يكون بغلا حتى هلك على حاله اى لم يؤثر فيه ركوب الانسان الكامل لعدم استعداده لكونه انسانا فافحم المدعى ولله دره نسأل الله الخروج من موطن النفس والاقامة فى حظيرة القدس

الجنابذي

تفسير : {فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنبِهِ فَمِنْهُم مَّن أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِباً} الحاصب الرّيح للّتى تجمد التّراب او المراد من الحاصب من يسقط الحصباء فان كان المراد به الرّيح كان المراد قوم هود فانّه تعالى اهلكهم بريحٍ صرصرٍ عاتيةٍ وان كان المراد به المعنى الثّانى كان المقصود قوم لوطٍ {وَمِنْهُمْ مَّنْ أَخَذَتْهُ ٱلصَّيْحَةُ} كاهل مدين وقوم صالح {وَمِنْهُمْ مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ ٱلأَرْضَ} كقارون {وَمِنْهُمْ مَّنْ أَغْرَقْنَا} كقوم نوح وفرعون وقومه {وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَـٰكِن كَانُوۤاْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ مَثَلُ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ} متعلّق باتّخذوا او حال من قوله تعالى: {أَوْلِيَآءَ} اى اتّخذوا اولياء حال كون الأولياء بعضاً من غير الله {كَمَثَلِ ٱلْعَنكَبُوتِ ٱتَّخَذَتْ بَيْتاً وَإِنَّ أَوْهَنَ ٱلْبُيُوتِ لَبَيْتُ ٱلْعَنكَبُوتِ} ولمّا كانت الولاية تطلق على ولاية المعاشرة وهى المحابّة بين الخلق والمؤالفة وتطلق على قبول السّلطنة والحكومة الحاصل بالبيعة العامّة او الخاصّة وكلٌّ منهما يعتمد الصّاحب فيه على الصّاحب الّذى تولاّه ويجعله ظهراً لنفسه وحصناً لوقت حاجته، كانت قد تُمثّل بالبيت وقد تمثّل بالحبل وقد تمثّل بالحصن، وقد يقال لها الظّهر والوليجة والمعتمد والاستن وغير ذلك واذا كانت الولاية بالبيعة الالهيّة حصل من الوالى فى المولىّ عليه صورة ملكوتيّة هى ما بها الاتّصال بين الوالى والمولىّ عليه وهى حافظته من كلّ آفةٍ وهى حصنه المانع من تصرّف الشّيطان نحو تصرّفٍ يخرجه من تلك الولاية وبتلك الاعتبارات تسمّى بالحبل والبيت والحصن وغير ذلك، واذا لم تكن آلهيّة او لم تكن حاصلة بالبيعة كان اعتماد المولىّ عليه على الولى واتّصاله به وتحفّظه من الآفات بولايته من محض تخيّل المولّى عليه لا من امرٍ حاصلٍ من الوالى فيه وما كان محض تخيّل المولّى عليه لم يكن له اثر فيه فى نفس الامر وكان كالعنكبوت الّتى تتّخذ من ريقها بيتاً ليحفظها عن الحرّ والبرد ومن سائر الآفات الواردة عليه من سائر الحشرات ومن الرّياح وغيرها والحال انّه لا يحفظها من شيءٍ من ذلك {لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ} انّ تلك الولاية ليست الاّ محض التّخيّل من غير امرٍ حاصل منها فى نفس الامر لامتنعوا منها، او لفظة لو للتّمنّى، او المعنى لو كانوا من اهل العلم لعلموا انّ كلّ ما يدعونه ليس غير الله وانّما هو بحسب مداركهم الجزئيّة يتراءى غير الله.

اطفيش

تفسير : {فَكُلاًّ} من المذكورين. {أَخَذْنَا بِذَنبِهِ} عاقبناه بذنبه. {فَمِنْهُم مَّنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِباً} حجارة صغارا رماهم بها بالريح او بأيدي الملائكة او الحاصب الريح العاصف او الملك رماهم بالحصباء كقوم لوط رميت مدينتهم ومن غاب منها او كان خارجها وخسف بها. {وَمِنْهُم مَّنْ أَخَذّتْهُ الصَّيْحَةُ} كثمود ومدين. {وَمِنْهُم مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ الأَرْضِ} كقارون. {وَمِنْهُم مَّنْ أَغْرَقْنَا} كفرعون وقومه وقوم نوح. {وَمَا كَانَ اللهُ لِيَظْلِمَهُمْ} بالعذاب من غير ذنب. {وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} بفعل ما يوجب العذاب واما الله جل وعلا فليس له الظلم عادة ولا نادرا ولكن العدل.

اطفيش

تفسير : {فكُلاَّ} من المذكورين، وهم قوم نوح، ولو فصل ومن بعده {أخَذْنا بذَنْبه} كل فرد من المذكورين عاقبنا بذنيه، وقدم المفعول به على طريق الاهتمام بالاستغراق وللحصر، ولا يقال لفظ كل يفيد الحصر، ولو تاخر، لان الكلية ليست حصرا، ففى قولك: ما اخذنا الا كلا، بمعنى اخذنا كلا لا بعضا من التاكيد ما ليس فى اخذنا كلا. {فمنْهم من أرْسَلنا عَليْه حاصِباًَ} ريحا حاصبا يرميهم بالحصباء، او ملكا حاصبا يرميهم بها، او سحابا كقوم لوط قيل وعاد، لانهم اهلكوا بريح لا يخلو من حصباء، وذلك جائز احتمالا، والمشهور ان الريح تلويهم وتكسرهم كما يكسر العود، وتحملهم وتضرب بهم الارض. {ومنْهُم من أخذَتْه الصَّيحة} كمدين وثمود، والانسب بما قبل وما بعد ان يقول اخذناه بالصيحة باسناد الفعل اليه، ولم يقله دفعا لتوهم ان يقال هو الصائح حاشاه. {ومنْهُم من خَسفَنْا به الأرْض} كقارون {ومنْهُم من أغرقنا} كقوم نوح وفرعون وقومه {وما كانَ الله ليظْلمُهُم} بالعذاب من غير جرم منهم، اذ ليس من عادته الجارية، وليس من الحكمة عقلا وشرعا ان يثبت العاصى ويعذب المطيع، وأخطأت الأشعرية فى اجازة هذا، ولو قالوا لم يقع {ولكن كانُوا أنفُسهم} قدم المفعول للفاصلة {يظْلمون} بالذنب والاصرار عليه.

الالوسي

تفسير : {فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنبِهِ } هذا وما بعده كالفذلكة للآيات المتضمنة تعذيب من كفر ولم يمتثل أمر من أرسل إليه، وقال أبو السعود: هذا تفسير لما ينبىء عنه عدم سبقهم بطريق الإبهام وما بعده تفصيل للأخذ، وفي القلب منه شيء. وكأنه اعتبر رجوع ضمير {أية : كَانُوا} تفسير : [العنكبوت: 39] إلى المهلكين، وقد علمت حاله وتقديم المفعول للاهتمام بأمر الاستيعاب والاستغراق، وقال الفاضل: المذكور للحصر أي كل واحد من المذكورين عاقبناه بجنايته لا بعضاً دون بعض، وبحث فيه بأن كلاً متكفلة بهذا المعنى قدمت أو أخرت، وأجيب بأنا لا نسلم أنه يفهم منها لا بعضاً إذا أخرت وإنما يفهم منها بواسطة التقديم فتأمل، والكلام في مرجع ضمير {بذنبه} سؤالاً وجواباً لا يخفى على من أحاط علماً بما قيل في قولهم: كل رجل وضيعته. وقولهم: الترتيب جعل كل شيء في مرتبته، وهو شهير بين الطلبة. {فَمِنْهُم مَّن أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِباً } أي ريحاً عاصفاً فيها حصباء، وقيل: ملكاً رماهم بالحصباء وهم قوم لوط. وقال ابن عطية: يشبه أن يدخل عاد في ذلك لأن ما أهلكوا به من الريح كانت شديدة وهي لا تخلو عن الحصب بأمور مؤذية، والحاصب هو العارض من ريح أو سحاب إذا رمي بشيء {وَمِنْهُمْ مَّنْ أَخَذَتْهُ ٱلصَّيْحَةُ } هم مدين وثمود ولم يقل أخذناه بالصيحة ليوافق ما قبله وما بعده في إسناد الفعل إليه تعالى الأوفق بقوله تعالى: {فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنبِهِ } دفعاً لتوهم أن يكون سبحانه هو الصائح {وَمِنْهُمْ مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ ٱلأَرْضَ } وهو قارون {وَمِنْهُمْ مَّنْ أَغْرَقْنَا } وهو فرعون ومن معه، وذكر بعضهم قوم نوح عليه السلام أيضاً. واعترض بأنهم ليسوا من المذكورين، وتعقب بأنهم أول المذكورين في هذه السورة من الأمم السالفة، ولعل المعترض أراد بالمذكورين المذكورين متناسقين أي بلا فصل بأمة لم تفد قصتها إهلاكها، وقوم نوح وإن ذكروا أولاً لكن فصل بينهم وبين نظائرهم من المهلكين بقصة قوم إبراهيم عليه السلام وهي لم تفد أنهم أهلكوا، وذكر النيسابوري أنه سبحانه قرر بقوله تعالى: {فَكُلاًّ } الخ أمر المذنبين بإجمال آخر يفيد أنهم عذبوا بالعناصر الأربعة فجعل ما منه تركيبهم سبباً لعدمهم وما منه بقاؤهم سبباً لفنائهم، فالحاصب وهو حجارة محماة تقع على كل واحد منهم فتنفذ من الجانب الآخر إشارة إلى التعذيب بعنصر النار، والصيحة وهي تموج شديد في الهواء إشارة إلى التعذيب بعنصر الهواء، والخسف إشارة إلى التعذيب بعنصر التراب، والغرق إشارة إلى التعذيب بعنصر الماء اهـ ولا يخفى ما فيه. {وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ } أي ما كان سبحانه مريداً لظلمهم وذلك بأن يعاقبهم من غير جرم لأنه خلاف ما تقتضيه الحكمة وفي «أنوار التنزيل» أي ما كان سبحانه ليعاملهم معاملة الظالم فيعاقبهم بغير جرم إذ ليس ذلك من سنته عز وجل، ويفيد أنه لو وقع منه تعالى تعذيبهم من غير جرم لا يكون ظلماً لأنه تعالى مالك الملك يتصرف به كما يشاء فله أن يثيب العاصي ويعذب المطيع، وهذا أمر مشهور بين الأشاعرة والكلام في تحقيقه يطلب من علم الكلام. وقد أسلفنا في تفسير قوله تعالى: {أية : لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْـئَلُونَ }تفسير : [الأنبياء: 23] ما ينفعك في هذا المقام تذكره فتذكر. {وَلَـٰكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ } بالاستمرار على مباشرة ما يوجب ذلك من الكفر والمعاصي باختيارهم، وقال مولانا الشيخ إبراهيم الكوراني ما حاصله: إن ظلم الكفرة أنفسهم / إنما هو لسوء استعدادهم الذي هم عليه في نفس الأمر من غير مدخل للجعل فيه وبلسان ذلك الاستعداد طلبوا من الجواد المطلق جل وعلا ما صار سبباً لظهور شقائهم اهـ، والبحث في ذلك طويل الذيل فليطلب من محله، وتقديم المعمول لرعاية رؤوس الآي.

ابن عاشور

تفسير : أفادت الفاء التفريع على الكلام السابق لما اشتمل عليه من أن الشيطان زين لهم أعمالهم ومن استكبار الآخرين، أي فكان من عاقبة ذلك أن أخذهم الله بذنوبهم العظيمة الناشئة عن تزيين الشيطان لهم أعمالهم وعن استكبارهم في الأرض، وليس المفرّع هو أخذ الله إياهم بذنوبهم لأن ذلك قد أشعر به ما قبل التفريع، ولكنه ذكر ليفضى بذكره إلى تفصيل أنواع أخذهم وهو قوله {فمنهم من أرسلنا عليه حاصباً} إلى آخره، فالفاء في قوله {فمنهم من أرسلنا عليه} الخ لتفريع ذلك التفصيل على الإجمال الذي تقدمه فتحصل خصوصية الإجمال ثم التفصيل، وللدلالة على عظيم تصرف الله. فأما الذين أرسل عليهم حاصب فهم عاد. والحاصب: الريح الشديدة، سميت حاصباً لأنها تقلع الحصباء من الأرض. قال أبو وجرة السعدي: شعر : صببتُ عليكم حاصبي فتركتكم كأصرام عادٍ حين جلّلها الرَّمْدُ تفسير : فجعل الحاصب مما أصاب عاداً. وليس المراد بهم قوم لوط كالذي في قوله تعالى {أية : إنا أرسلنا عليهم حاصباً إلا آل لوط}تفسير : [ القمر: 34] لأن قوم لوط مر آنفاً الكلام على عذابهم مفصلاً فلا يدخلون في هذا الإجمال. والذين أخذتهم الصيحة هم ثمود. والذين خسفت بهم الأرض هو قارون وأهله. وقد تقدم ذكر الخسف في سورة القصص (81، 82) والذين أغرقهم: فرعون وهامان ومن معهما من قومهما. وقد جاء هذا على طريقة النشر على ترتيب اللف. والأخذ: الإتلاف والإهلاك؛ شبه الإعدام بالأخذ بجامع إزالة الشيء من مكانه فاستعير له فعل {أخذنا}. وقد نُفي عن الله تعالى ظلم هؤلاء لأن إيلامهم كان جزاء على أعمالهم وكل ما كان من نوع الجزاء يوصف بالعدل وقد نفى الله عن نفسه الوصف بالظلم فوجب الإيمان به سمعاً لا عقلاً في مقام الجزاء، وأما في مقام التكوين فلا. وظلمهم أنفسهم هو تسببهم في عذاب أنفسهم فجرُّوا إليها العقاب لأن النفس أولى الأشياء برأفة صاحبها بها وتفكيره في أسباب خيرها. والاستدراك ناشىء عن نفي الظلم عن الله في عقابهم لأنه يتوهم منه انتفاء موجب العقاب فالاستدراك لرفع هذا التوهم.

د. أسعد حومد

تفسير : (40) - وَقَدْ أَرسَلَ اللهُ تَعَالَى عَلَى كُلِّ فِئَةٍ لوناً مِنْ ألوانِ العَذَابِ يَتَنَاسَبُ مَعَ عُتَوِّهِمْ وَجَرَائِمِِهِمْ: - فَقَومُ عَادٍ كَانُوا يَقُولُونَ: (مَنْ أَشَدُّ مِنّا قُوَّةً)، فَأَرْسَلَ اللهُ عَلَيهِمْ، رِيحاً شَدِيدَةَ البُرُودَةِ (صَرْصَراً)، بَالِغَةَ العُنفِ والعُتُوِّ (عَاتِيَةً)، تَحْمِلُ الحَصْبَاءَ، وَترمِيهِمْ بِها، فَأَهْلَكَتْهُمْ جَمِيعاً. - وقَومُ ثَمودَ كَذَّبُوا رَسُولَهُم صَالِحاً، وَتَهَدَّدُوهُ وَعَقَرُوا النَّاقَةَ، فَأَرْسَلَ اللهُ عَلَيهِمْ صَيْحَةً أَخْمَدَتْ أَنفَاسَهُمْ، وَلَمْ تَتْرُكْ مِنْهُمْ أَحَداً. - وَقَارُونُ طَغَى وَبَغَى وَعَصَى اللهَ، وَمَشَى في الأَرْضِ مَرَحاً فَخَسَفَ اللهُ بهِ وبِدَارِهِ الأَرضَ، وأَهلَكَهُ وكُنُوزَهُ. - وَفِرْعَوْنُ وهَامَانُ وقَومُهُما مِنَ القِبطِ أَغرَقَهُمُ اللهُ في صَبيحَةٍ وَاحِدَةٍ، وَكانَتْ هذهِ العُقُوبَةُ جَزَاءً لَهُمْ عَلَى مَا اجتَرَحُوهُ مِنَ الإِجْرامِ، ولمْ يَظْلِمْهُمُ اللهُ فيما فَعَلَ بِهِمْ، ولَكِنَّهُمْ هُمُ الذينَ كَانُوا يَظْلِمُونَ أَنَفُسَهُمْ بِالكُفْرِ، والبَطَرِ والعُتُوِّ والطُّغيَانِ، فَأَوْصَلُوها إِلى العَذَابِ والبَلاَءِ الذي حَلَّ بِها. حَاصِباً - رِيحاً عَاصِفاً تَرمِيهِم بالحَصْبَاءِ. أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ - صَوْتٌ مِنَ السَّمَاءِ مُهْلِكٌ مُرْجِفٌ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : الكلام هنا عن المكذِّبين والكافرين الذين سبق ذكرهم: قوم عاد، وثمود، ومدين، وقوم لوط، وقارون، وفرعون، وهامان، فكان من المناسب أنْ يذكر الحق سبحانه تعليقاً يشمل كُلَّ هؤلاء لأنهم طائفة واحدة. فقال: {فَكُلاًّ ..} [العنكبوت: 40] أي: كل مَنْ سبق ذكرهم من المكذِّبين فالتنوين في {فَكُلاًّ ..} [العنكبوت: 40] عوض عن كل من تقدَّم ذكرهم، كالتنوين في: {أية : وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ} تفسير : [الواقعة: 84] فهو عِوَض عن جملة {أية : فَلَوْلاَ إِذَا بَلَغَتِ ٱلْحُلْقُومَ} تفسير : [الواقعة: 83]. وقوله سبحانه: {أَخَذْنَا بِذَنبِهِ ..} [العنكبوت: 40] والأخذ يناسب قوة الأخذ وقدرته؛ لذلك يقول سبحانه عن أخْذه للمكذِّبين {أية : أَخْذَ عِزِيزٍ مُّقْتَدِرٍ} تفسير : [القمر: 42] فالعزيز: الذي يغلب ولا يُغلب، والمقتدر أي: القادر على الأَخْذ، بحيث لا يمتنع منه أحد؛ فهو عزيز. والأخذ هنا بسبب الذنوب {بِذَنبِهِ ..} [العنكبوت: 40] ليس ظلماً ولا جبروتاً ولا جزافاً، إنما جزاءً بذنوبهم وعدلاً؛ ولذلك يأتي في تذييل الآية: {وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَـٰكِن كَانُوۤاْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} [العنكبوت: 40]. ثم يُفصِّل الحق سبحانه وتعالى وسائل أَخْذه لهؤلاء المكذبين: {فَمِنْهُم مَّن أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِباً ..} [العنكبوت: 40] الحاصب: هو الحصَى الصِّغار ترمي لا لتجرح، ولكن يُحْمي عليها لتكون وتلسع حين يرميهم بها الريح، ولم يقُلْ هنا: أرسلنا عليهم ناراً مثلاً؛ لأن النار ربما إنْ أحرقته يموت وينقطع ألمه، لكن رَمْيهم بالحجارة المحمية تلسعهم وتُديم آلامهم، كما نسمعهم يقولون: سأحرقه لكن على نار باردة؛ ذلك ليطيل أمد إيلامه. ثم يقول سبحانه: {وَمِنْهُمْ مَّنْ أَخَذَتْهُ ٱلصَّيْحَةُ ..} [العنكبوت: 40] وهو الصوت الشديد الذي تتزلزل منه الأرض، وهم ثمود {وَمِنْهُمْ مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ ٱلأَرْضَ ..} [العنكبوت: 40] أي: قارون {وَمِنْهُمْ مَّنْ أَغْرَقْنَا ..} [العنكبوت: 40] وهم قوم نوح، وفرعون. هذه وسائل أربعة لإهلاك المكذِّبين، النار في الحصباء، والهواء في الصيحة، والتراب في الخسف، ثم الماء في الإغراق، ورحم الله الفخر الرازي حين قال في هذه الآية أنها جمعت العناصر التي بها وجود الإنسان والعناصر الأساسية أربعة: الماء والنار والتراب والهواء. وكانوا يقولون عنها في الماضي العناصر الأربعة، لكن العلم فرَّق بعد ذلك بين العنصر والمادة. فالمادة تتحلَّل إلى عناصر، أمّا العنصر فلا يتحلل لأقل منه، فهو عبارة عن ذرات متكررة لا يأتي منها شيء آخر، فالهواء مادة يمكن أنْ نُحلِّله إلى أكسجين و ... إلخ وكذلك الماء مادة تتكوَّن من عدة عناصر وذرات إلى أن جاء (مندليف) ووضع جدولاً للعناصر، وجعل لكل منها رقماً أسماها الأرقام الذرية، فهذا العنصر مثلاً رقم واحد يعني: يتكون من ذرة واحدة، وهذا رقم اثنين يعني يتكون من ذرتين.. إلخ إلى أنْ وصل إلى رقم 93، لكن وجد في وسط هذه الأرقام أرقاماً ناقصة اكتشفها العلماء فيما بعد. فمثلاً، جاءت مدام كوري، واكتشفت عنصر الراديوم، فوجدوا فعلاً أن رقمه من الأرقام الناقصة في جدول (مندليف)، فوضعوه في موضعه، وهذا يدل على أن الكون مخلوق بعناصر مرتبة وصلت مع التقدم العلمي الآن إلى 105 عناصر. ولما حلَّل العلماء عناصر التربة المخصبة التي نأكل منها المزروعات وجدوها 16 عنصراً، تبدأ بالأكجسين كأعلى نسبة، وتنتهي بالمنجنيز كأقل نسبة، لأنها لم تصل إلى الواحد من الألف. فلما حلَّلوا عناصر جسم الإنسان وجدوا نفس هذه العناصر الستة عشرة. وكأن الحق - سبحانه وتعالى - أقام حتى الكفار ليثبتوا الدليل على صِدْقه تعالى في خَلْق الإنسان من طين، لنعلم أن الحق سبحانه حينما يريد أنْ يُظهِر سِرَّاً من أسرار كونه يأتي به ولو على أيدي الكفار. وأول مَنْ قال بالعناصر الأربعة التي يتكون منها الكون فيلسوف اليونان أرسطو الذي توفي سنة 384 قبل الميلاد، وعلى أساس هذه العناصر الأربع كانوا يحسبون النجم، فمثلاً عن الزواج يحسبون نجم الزوج والزوجة حسب هذه العناصر، فوجدوا نجم الزوج هواءً، ونجم الزوجة ناراً، فقالوا (هيجعلوها حريقة)، وفي مرة أخرى وجدوا الزوجة مائية والزوج ترابياً فقالوا (هيعملوها معجنة). ومعلوم أن الحق سبحانه لطلاقة قدرته تعالى يجعل عناصر البقاء هي نفسها عناصر الفناء، وهو سبحانه القادر على أنْ يُنجي ويُهلك بالشيء الواحد، كما أهلك فرعون بالماء، وأنجى موسى - عليه السلام - بالماء. كذلك حين نتأمل هذه العناصر الأربعة نجدها عناصر تكوين الإنسان، حيث خلقه الله من ماء وتراب فكان طيناً، ثم جفَّ بالحرارة حتى صار صلصالاً كالفخار، ثم هو بعد ذلك يتنفس الهواء، فبنفس هذه العناصر التي كان منها الخَلْق يكون بها الهلاك. والحق - سبحانه وتعالى - يريد من خَلْقه أنْ يُقبلوا على الكون في كل مظاهره وآياته بيقظة ليستنبطوا ما فيه من مواطن العبر والأسرار؛ لذلك نجد أن كل الاكتشافات جاءت، نتيجة دِقَّة الملاحظة لظواهر الكون. ويلفتنا ربنا إلى أهمية العلم التجريبي، فيقول: {أية : وَكَأَيِّن مِّن آيَةٍ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ} تفسير : [يوسف: 105] فينبغي إذن أن نتأمل فيما نرى وما توصَّل الإنسان إلى عصر البخار وإلى قانون الطَّفْو عند أرشميدس، وما توصل إلى الكهرباء والجاذبية والبنسلين إلا بالتأمل الدقيق لظواهر الأشياء، لذلك فالملاحظة هي أساس كل علم تجريبي أولاً، ثم التجريب ثانياً، ثم إعادة التجريب لتخرج النتيجة العلمية. والهواء سبب أساسي في حياة الإنسان، وبه يحدث التوازن في الكون، لكن إنْ أراد الحق سبحانه جعله زوبعة أو إعصاراً مدمراً. وسبق أن قلنا: إنك تصبر على الطعام شهراً، وعلى الماء عشرة أيام، لكن لا تصبر على الهواء إلا بمقدار شهيق وزفير، فالهواء إذن أهم سبب من أسباب بقاء الحياة؛ لذلك نسمعهم يقولون في شدة الكيد: (والله لأكتم أنفاسه) لأنها السبيل المباشر إلى الموت؛ لذلك فالهواء عامل أساسي في وسائل الإهلاك المذكورة. وبالهواء تحفظ الأشياء توازنها، فالجبال العالية والعمارات الشاهقة ما قامت بقوة المسلحات والخرسانات، إنما بتوازن الهواء، بدليل أنك لو فرَّغْتَ جانباً منها من الهواء لانهارتْ في هذا الجانب فوراً. وبهذه النظرية يحدث الدمار بالقنابل؛ لأنها تعتمد على نظرية تفريغ الهواء وما يسمونه مفاعل القبض ومفاعل البسط، فما قامتْ الأشياء من حولك إلا لأن الهواء يحيط بها من كل جهاتها. وقلنا: إن القرآن الكريم حينما يحدثنا عن الهواء يحدثنا عنه بدقة الخالق الخبير، فكل ريح مفردة جاءت للتدمير والإهلاك، وكل ريح بصيغة الجمع للنماء والخير والإعمار، واقرأ إن شئت قوله تعالى: {أية : وَأَرْسَلْنَا ٱلرِّيَاحَ لَوَاقِحَ ..} تفسير : [الحجر: 22]. وقوله سبحانه: {أية : وَأَمَا عَادٌ فَأُهْلِكُواْ بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ} تفسير : [الحاقة: 6] لأنها ريح واحدة تهبُّ من جهة واحدة فتدمر. ثم تُختم الآية بهذه الحقيقة: {وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَـٰكِن كَانُوۤاْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} [العنكبوت: 40] لأن الخالق - عز وجل - كرَّم الإنسان {أية : وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي ءَادَمَ ..} تفسير : [الإسراء: 70] كرَّمه من بين جميع المخلوقات بالعقل والاختيار، فإذا نظرتَ في الكون واستقرأتَ أجناس الوجود لوجدتَ الإنسان سيد هذا الكون كله. فالأجناس في الكون مرتبة: الإنسان ودونه مرتبة الحيوان، ثم النبات، ثم الجماد، فالجماد إذا أخذ ظاهرة من ظواهر فَضْل الحق عليه من النمو يصير نباتاً، وإذا أخذ النبات ظاهرة من ظواهر فيض الحق على الخَلْق فأعطاه مثلاً الإحساس يصير حيواناً، فإذا تجلى عليه الحق سبحانه بفضله وأعطاه نعمة العقل يصير إنساناً. لكن هل النبات حين يأخذ خاصية النمو فَفُضِّل عن الجماد يخرج عن الجمادية؟ لا إنما تظل فيه الجمادية بدليل أنه إذا امتنع عنه النمو يعود جماداً كالحجر، وكذلك الحيوان أخذ ظاهرة الحسِّ وتميَّز بها عن النبات، لكن تظل فيه النباتية حيث ينمو ويكبر. والإنسان وهو سيد الكون الذي كرَّمه ربه بالعقل تظل فيه الجمادية بدليل أثر الجاذبية عليه، فإذا ألقى بنفسه من مكان عالٍ لا يستطيع أن يمسك نفسه في الهواء، وكذلك تظل فيه النباتية والحيوانية، ففيه إذن كل خصائص الأجناس الأخرى دونه، ويزيد عليهم بالعقل. لذلك لا يكلّفه الله إلا بعد أنْ ينضج عقله ويبلغ، وبشرط أن يسلم من العطب في عقله كالجنون مثلاً، وأن يكون مختاراً فالمكره لا تكليفَ عليه؛ لأنه غير مختار. والإنسان الذي كرَّمه ربه بالعقل والاختيار، وفضَّله على كل أجناس الوجود لا يليق به أن يخضع أو يعبد إلا أعلى منه درجة، أما أنْ يتدنى فيعبد ما هو أقل منه رتبة، فهذا شيء عجيب لا يليق به، فالعابد لا بُدَّ أنْ يكون أدنى درجةً من المعبود، وأنت بالحكم أعلى درجة مما تحتك من الحيوان والنبات والجماد، فكيف تجعله يتصرف فيك، مع أنه من تصرفاتك أنت حين تُوجِده نَحْتاً، وتقيمه في المكان الذي تريده وإن انكسر تصلحه؟!! إذن: كرَّمك ربك، وأهنْتَ نفسك، ورضيت لها بالدونية، جعلك سيداً وجعلت نفسك عبداً لأحقر المخلوقات؛ لذلك يقول تعالى في الحديث القدسي "حديث : يا ابن آدم، خلقتُك من أجلي، وخلقتُ الكون كله من أجلك، فلا تشتغل بما هو لك عما أنت له ". تفسير : إذن: {وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ ..} [العنكبوت: 40] أي: لا ينبغي لله تعالى أنْ يظلمهم، فساعةَ تسمع ما كان لك أنْ تفعل كذا، فالمعنى أنك تقدر على هذا، لكن لا يصح منك، فالحق سبحانه ينفي الظلم عن نفسه، لا لأنه لا يقدر عليه، إنما لأنه لا ينبغي له أنْ يظلم؛ لأن الظلم يعني أن تأخذ حقَّ الغير، والله سبحانه مالك كل شيء، فلماذا يظلم إذن. ومثال ذلك نَفْي انبغاء قول الشعر من رسول الله صلى الله عليه وسلم كما قال سبحانه: {أية : وَمَا عَلَّمْنَاهُ ٱلشِّعْرَ وَمَا يَنبَغِي لَهُ ...} تفسير : [يس: 69] فالنبي صلى الله عليه وسلم كان يستطيع أن يقول شعراً، فلديه كل أدواته، لكن لا ينبغي للرسول أن يكون شاعراً؛ لأنهم كذابون، وفي كل واد يهيمون، ففَرْق بين انبغاء الشيء ووجوده فعلاً. ويؤكد هذا المعنى قوله تعالى: {أية : وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ} تفسير : [فصلت: 46] بصيغة المبالغة ظلام، ولم يقل ظالم، لماذا؟ لأن الله تعالى إنْ أباح لنفسه سبحانه الظلم، فسيأتي على قَدْر قوته تعالى، فلا يقال له ظالم إنما ظلاَّم - وتعالى الله عن هذا عُلُواً كبيراً. ولما تكلمنا عن المبالغة وصيغها قلنا: إن المبالغة قد تكون في الحدث ذاته، كأن تأكل في الوجبة الواحدة رغيفاً، ويأكل غيرك خمسة مثلاً، أو تكون في تكرار الحدث، فأنت تأكل ثلاث وجبات، وغيرك يأكل ستاً، فنقول: فلان آكل، وفلان أَكُول أو أكال، فالمبالغة نشأتْ إما من تضخيم الحدث ذاته، أو من تكراره. ففي قوله تعالى: {أية : وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ} تفسير : [فصلت: 46] لم يقل للعبد، إذن: تعدُّد الناس يقتضي تعدُّد الظلم - إن تُصور - فجاء هنا بصيغة المبالغة (ظََلاَّم). وهناك قضية لغوية في مسألة المبالغة تقول: إن نَفْي المبالغة لا ينفي الأصل، وإثبات الأصل لا يثبت المبالغة، فحين نقول مثلاً: فلان أكول، فهو آكل من باب أَوْلَى، وحين نقول: فلان آكل، فلا يعني هذا أنه أكول. فنَفْي المبالغة في {أية : وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ} تفسير : [فصلت: 46] لا ينفي الأصل (ظالم)، وحاشا لله تعالى أن يكون ظالماً. وقوله تعالى: {وَلَـٰكِن كَانُوۤاْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} [العنكبوت: 40] وظلمهم لأنفسهم جاء من تدنّيهم وإهانتهم لأنفسهم بالكفر بعد أنْ كرّمهم الله، وكان عليهم أنْ يُصعِّدوا هذا التكريم، لا أن يُهينوا أنفسهم بعبادة الأدنى منهم. وبعد أن حدثتنا الآيات عن الكافرين الذين اتخذوا الشركاء مع الله، وعن المكذِّبين للرسل وما كان من عقابهم، تعطينا مثلاً يُقرِّب لنا هذه الحقائق، فيقول سبحانه: {مَثَلُ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ ...}.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {فَمِنْهُم مَّن أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِباً} معناه ريحٌ عاصفٌ وحَصبٌ.