Verse. 3381 (AR)

٢٩ - ٱلْعَنْكَبُوت

29 - Al-Ankabut (AR)

مَثَلُ الَّذِيْنَ اتَّخَذُوْا مِنْ دُوْنِ اللہِ اَوْلِيَاۗءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوْتِ۝۰ۖۚ اِتَّخَذَتْ بَيْتًا۝۰ۭ وَاِنَّ اَوْہَنَ الْبُيُوْتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوْتِ۝۰ۘ لَوْ كَانُوْا يَعْلَمُوْنَ۝۴۱
Mathalu allatheena ittakhathoo min dooni Allahi awliyaa kamathali alAAankabooti ittakhathat baytan wainna awhana albuyooti labaytu alAAankabooti law kanoo yaAAlamoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء» أي أصناماً يرجون نفعها «كمثل العنكبوت اتخذت بيتاً» لنفسها تأوي إليه «وإن أوهن» أضعف «البيوت لبيت العنكبوت» لا يدفع عنها حراً ولا برداً كذلك الأصنام لا تنفع عابديها «لو كانوا يعلمون» ذلك ما عبدوها.

41

Tafseer

الرازي

تفسير : ثم قال تعالى: {مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء كمثل العنكبوت اتخذت بيتاً}. لما بين الله تعالى أنه أهلك من أشرك عاجلاً وعذب من كذب آجلاً، ولم ينفعه في الدارين معبوده ولم يدفع ذلك عنه ركوعه وسجوده، مثل اتخاذه ذلك معبوداً باتخاذ العنكبوت بيتاً لا يجير آوياً ولا يريح ثاوياً، وفي الآية لطائف نذكرها في مسائل: المسألة الأولى:ما الحكمة في اختيار هذا المثل من بين سائر الأمثال؟ فنقول فيه وجوه الأول: أن البيت ينبغي أن يكون له أمور: حائط حائل، وسقف مظل، وباب يغلق، وأمور ينتفع بها ويرتفق، وإن لم يكن كذلك فلا بد من أحد أمرين. إما حائط حائل يمنع من البرد وإما سقف مظل يدفع عنه الحر، فإن لم يحصل منهما شيء فهو كالبيداء ليس ببيت لكن بيت العنكبوت لا يجنها ولا يكنها وكذلك المعبود ينبغي أن يكون منه الخلق والرزق وجر المنافع وبه دفع المضار، فإن لم تجتمع هذه الأمور فلا أقل من دفع ضر أو جر نفع، فإن من لا يكون كذلك فهو والمعدوم بالنسبة إليه سواء، فإذن كما لم يحصل للعنكبوت باتخاذ ذلك البيت من معاني البيت شيء، كذلك الكافر لم يحصل له باتخاذ الأوثان أولياء من معاني الأولياء شيء الثاني: هو أن أقل درجات البيت أن يكون للظل فإن البيت من الحجر يفيد الاستظلال ويدفع أيضاً الهواء والماء والنار والتراب، والبيت من الخشب يفيد الاستظلال ويدفع الحر والبرد ولا يدفع الهواء القوي ولا الماء ولا النار، والخباء الذي هو بيت من الشعر أو الخيمة التي هي من ثوب إن كان لا يدفع شيئاً يظل ويدفع حر الشمس لكن بيت العنكبوت لا يظل فإن الشمس بشعاعها تنفذ فيه، فكذلك المعبود أعلى درجاته أن يكون نافذ الأمر في الغير، فإن لم يكن كذلك فيكون نافذ الأمر في العابد، فإن لم يكن فلا أقل من أن لا ينفذ أمر العابد فيه لكن معبودهم تحت تسخيرهم إن أرادوا أجلوه وإن أحبوا أذلوه الثالث: أدنى مراتب البيت أنه إن لم يكن سبب ثبات وارتفاق لا يصير سبب شتات وافتراق، لكن بيت العنكبوت يصير سبب انزعاج العنكبوت، فإن العنكبوت لو دام في زاوية مدة لا يقصد ولا يخرج منها، فإذا نسج على نفسه واتخذ بيتاً يتبعه صاحب الملك بتنظيف البيت منه والمسح بالمسوح الخشنة المؤذية لجسم العنكبوت، فكذلك العابد بسبب العبادة ينبغي أن يستحق الثواب، فإن لم يستحقه فلا أقل من أن لا يستحق بسببها العذاب، والكافر يستحق بسبب العبادة العذاب. المسألة الثانية: مثل الله اتخاذهم الأوثان أولياء باتخاذ العنكبوت نسجه بيتاً ولم يمثله بنسجه وذلك لوجهين أحدهما:أن نسجه فيه فائدة له، لولاه لما حصل وهو اصطيادها الذباب به من غير أن يفوته ما هو أعظم منه، واتخاذهم الأوثان وإن كان يفيدهم ما هو أقل من الذباب من متاع الدنيا، لكن يفوتهم ما هو أعظم منها وهو الدار الآخرة التي هي خير وأبقى فليس اتخاذهم كنسج العنكبوت الوجه الثاني: هو أن نسجه مفيد لكن اتخاذها ذلك بيتاً أمر باطل فكذلك هم لو اتخذوا الأوثان دلائل على وجود الله وصفات كماله وبراهين على نعوت إكرامه وأوصاف جلاله لكان حكمة، لكنهم اتخذوها أولياء كجعل العنكبوت النسج بيتاً وكلاهما باطل. المسألة الثالثة: كما أن هذا المثل صحح في الأول فهو صحيح في الآخر، فإن بيت العنكبوت إذا هبت ريح لا يرى منه عين ولا أثر بل يصير هباءً منثوراً، فكذلك أعمالهم للأوثان كما قال تعالى: { أية : وَقَدِمْنَا إِلَىٰ مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُوراً } تفسير : [الفرقان: 23]. المسألة الرابعة: قال: {مَثَلُ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَوْلِيَاء } ولم يقل آلهة إشارة إلى إبطال الشرك الخفي أيضاً، فإن من عبد الله رياء لغيره فقد اتخذ ولياً غيره فمثله مثل العنكبوت يتخذ نسجه بيتاً. ثم إنه تعالى قال: {وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت لو كانوا يعلمون}. إشارة إلى ما بينا أن كل بيت ففيه إما فائدة الاستظلال أو غير ذلك، وبيته يضعف عن إفادة ذلك لأنه يخرب بأدنى شيء ولا يبقى منه عين ولا أثر فكذلك عملهم لو كانوا يعلمون.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {مَثَلُ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَوْلِيَآءَ كَمَثَلِ ٱلْعَنكَبُوتِ} قال الأخفش: {كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ} وقف تام، ثم قصّ قصّتها فقال: {ٱتَّخَذَتْ بَيْتاً} قال ابن الأنباري: وهذا غلط؛ لأن {اتَّخَذَتْ بَيْتاً} صلة للعنكبوت، كأنه قال: كمثل التي اتخذت بيتاً فلا يحسن الوقف على الصلة دون الموصول، وهو بمنزلة قوله: {أية : كَمَثَلِ ٱلْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً} تفسير : [الجمعة: 5] فيحمل صلة للحمار ولا يحسن الوقف على الحمار دون يحمل. قال الفراء: هو مثل ضربه الله سبحانه لمن اتخذ من دونه آلهة لا تنفعه ولا تضره؛ كما أن بيت العنكبوت لا يقيها حراً ولا برداً. ولا يحسن الوقف على العنكبوت؛ لأنه لما قصد بالتشبيه لبيتها الذي لا يقيها من شيء، فشبهت الآلهة التي لا تنفع ولا تضر به. {وَإِنَّ أَوْهَنَ ٱلْبُيُوتِ} أي أضعف البيوت {لَبَيْتُ ٱلْعَنكَبُوتِ}. قال الضحاك: ضرب مثلاً لضعف آلهتهم ووهنها فشبهها ببيت العنكبوت. {لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ} {لَوْ} متعلقة ببيت العنكبوت. أي لو علموا أن عبادة الأوثان كاتخاذ بيت العنكبوت التي لا تغني عنهم شيئاً، وأن هذا مثلهم لَمَا عبدوها؛ لا أنهم يعلمون أن بيت العنكبوت ضعيف. وقال النحاة: إن تاء العنكبوت في آخرها مزيدة؛ لأنها تسقط في التصغير والجمع وهي مؤنثة. وحكى الفراء تذكيرها وأنشد:شعر : على هَطَّالهِمْ منهمْ بُيوتٌ كأنّ العنكبوتَ قدِ ابتناهَا تفسير : ويروى:شعر : على أهطالهم منهمْ بيوتٌ تفسير : قال الجوهري والهطال: اسم جبل. والعنكبوت الدويّبة المعروفة التي تنسج نسجاً رقيقاً مهلهلاً بين الهواء. ويجمع عناكِيب وعَنَاكِب وعِكَاب وعُكُب وأَعْكُب. وقد حكي أنه يقال عَنْكَب وعَكَنْبَاة قال الشاعر:شعر : كأنَّما يَسقطُ من لُغَامها بيتُ عَكَنْبَاةٍ على زِمَامهَا تفسير : وتصغَّر فيقال عُنَيْكِب. وقد حكي عن يزيد بن مَيْسرة أن العنكبوت شيطان مسخها الله تعالى. وقال عطاء الخراساني: نسجت العنكبوت مرتين مرة على داود حين كان جالوت يطلبه، ومرة على النبي صلى الله عليه وسلم؛ ولذلك نهي عن قتلها. ويروى عن عليّ رضي الله عنه أنه قال: طهروا بيوتكم من نسج العنكبوت فإن تركه في البيوت يورث الفقر، ومنع الخمير يورث الفقر. قوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ} {ما} بمعنى الذي، و{مِنْ} للتبعيض، ولو كانت زائدة للتوكيد لانقلب المعنى؛ والمعنى: إن الله يعلم ضعف ما يعبدون من دونه. وقرأ عاصم وأبو عمرو ويعقوب: {يَدْعُونَ} بالياء وهو اختيار أبي عبيد؛ لذكر الأمم قبلها. الباقون بالتاء على الخطاب. قوله تعالى: {وَتِلْكَ ٱلأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا} أي هذا المثل وغيره مما ذكر في «البقرة» و«الحج» وغيرهما {نَضْرِبُهَا} نبينها {لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَآ} أي يفهمها {إِلاَّ ٱلْعَالِمُونَ} أي العالمون بالله؛ كما روى جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : العالم من عقل عن الله فعمل بطاعته واجتنب سخطه".

البيضاوي

تفسير : {مَثَلُ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَوْلِيَاءَ} فما اتخذوه معتمداً ومتكلاً. {كَمَثَلِ ٱلْعَنكَبُوتِ ٱتَّخَذَتْ بَيْتاً} فيما نسجته في الوهن والخور بل ذاك أوهن فإن لهذا حقيقة وانتفاعاً ما، أو مثلهم بالإضافة إلى رجل بنى بيتاً من حجر وجص، والعنكبوت يقع على الواحد والجمع والمذكر والمؤنث، والتاء فيه كتاء طاغوت ويجمع على عناكيب وعناكب وعكاب وعكبة وأعكب. {وَإِنَّ أَوْهَنَ ٱلْبُيُوتِ لَبَيْتُ ٱلْعَنكَبُوتِ} لا بيت أوهن وأقل وقاية للحر والبرد منه. {لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ} يرجعون إلى علم لعلموا أن هذا مثلهم وأن دينهم أوهن من ذلك، ويجوز أن يكون المراد ببيت العنكبوت دينهم سماه به تحقيقاً للتمثيل فيكون المعنى: وإن أوهن ما يعتمد به في الدين دينهم. {إِنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مِن شَىْء} على إضمار القول أي قل للكفرة إن الله يعلم، وقرأ البصريان بالياء حملاً على ما قبله و {مَا} استفهامية منصوبة بـ {تَدْعُونَ} و {يَعْلَمْ} معلقة عنها و {مِنْ} للتبيين أو نافية و {مِنْ} مزيدة و {شَىْء} مفعول {تَدْعُونَ} أو مصدرية و {شَىْء} مصدر أو موصولة مفعول ليعلم ومفعول {تَدْعُونَ} عائدها المحذوف، والكلام على الأولين تجهيل لهم وتوكيد للمثل وعلى الأخيرين وعيد لهم. {وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ} تعليل على المعنيين فإن من فرط الغباوة إشراك ما لا يعد شيئاً بمن هذا شأنه، وأن الجماد بالإِضافة إلى القادر القاهر على كل شيء البالغ في العلم وإتقان الفعل الغاية كالمعدوم، وأن من هذا وصفه قادر على مجازاتهم. {وَتِلْكَ ٱلأَمْثَـٰلُ} يعني هذا المثل ونظائره. {نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ} تقريباً لما بعد من أفهامهم. {وَمَا يَعْقِلُهَا} ولا يعقل حسنها وفائدتها. {إِلاَّ ٱلْعَـٰلِمُونَ} الذين يتدبرون الأشياء على ما ينبغي. وعنه صلى الله عليه وسلم أنه تلا هذه الآية فقال: «حديث : العالم من عقل عن الله فعمل بطاعته واجتنب سخطه»تفسير : . {خَلَقَ ٱللَّهُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ بِٱلْحَقّ} محقاً غير قاصد به باطلاً، فإن المقصود بالذات من خلقها إفادة الخير والدلالة على ذاته وصفاته كما أشار إليه بقوله: {إِنَّ فِى ذَلِكَ لآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ} لأنهم المنتفعون به. {ٱتْلُ مَا أُوْحِىَ إِلَيْكَ مِنَ ٱلْكِتَـٰبِ} تقرباً إلى الله تعالى بقراءته وتحفظاً لألفاظه واستكشافاً لمعانيه، فإن القارىء المتأمل قد ينكشف به بالتكرار ما لم ينكشف له أول ما قرع سمعه. {وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ إِنَّ الصَّلاَةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَر} بأن تكون سبباً للانتهاء عن المعاصي حال الاشتغال بها وغيرها من حيث إنها تذكر الله وتورث النفس خشية منه. روي أن فتى من الأنصار كان يصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلوات ولا يدع شيئاً من الفواحش إلا ارتكبه، فوصف له عليه السلام فقال: «حديث : إن صلاته ستنهاه» تفسير : فلم يلبث أن تاب. {وَلَذِكْرُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ} وللصلاة أكبر من سائر الطاعات، وإنما عبر عنها به للتعليل بأن اشتمالها على ذكره هو العمدة في كونها مفضلة على الحسنات ناهية عن السيئات، أو لذكر الله إياكم برحمته أكبر من ذكركم إياه بطاعته. {وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ} منه ومن سائر الطاعات فيجازيكم به أحسن المجازاة. {وَلاَ تُجَـٰدِلُواْ أَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ إِلاَّ بِٱلَّتِي هِىَ أَحْسَنُ} إلا بالخصلة التي هي أحسن كعارضة الخشونة باللين والغضب بالكظم والمشاغبة بالنصح، وقيل هو منسوخ بآية السيف إذ لا مجادلة أشد منه وجوابه أنه آخر الدواء، وقيل المراد به ذو العهد منهم. {إِلاَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ } بالإِفراط في الاعتداء والعناد أو بإثبات الولد وقولهم {أية : يَدُ ٱللَّهِ مَغْلُولَةٌ }تفسير : [المائدة: 64] أو بنبذ العهد ومنع الجزية. {وَقُولُواْ ءَامَنَّا بِٱلَّذِي أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ} هو من المجادلة بالتي هي أحسن. وعن النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم وقولوا آمنا بالله وبكتبه ورسله فإن قالوا باطلاً لم تصدقوهم وإن قالوا حقاً لم تكذبوهم»تفسير : {وَإِلَـٰهُنَا وَإِلَـٰهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} مطيعون له خاصة وفيه تعريض باتخاذهم أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله. {وَكَذٰلِكَ} ومثل ذلك الإِنزال. {أَنزَلْنَا إِلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ } وحياً مصدقاً لسائر الكتب الإلهية وهو تحقيق لقوله: {فَٱلَّذِينَ ءَاتَيْنَـٰهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ يُؤْمِنُونَ بِهِ} هم عبد الله بن سلام وأضرابه، أو من تقدم عهد الرسول صلى الله عليه وسلم من أهل الكتاب. {وَمِنْ هَـؤُلاء} ومن العرب أو أهل مكة أو ممن في عهد الرسول من أهل الكتابين. {مَن يُؤْمِنُ بِهِ} بالقرآن. {وَمَا يَجْحَدُ بِـئَايَـٰتِنَا } مع ظهورها وقيام الحجة عليها. {إِلاَّ ٱلْكَـٰفِرونَ } إلا المتوغلون في الكفر فإن جزمهم به يمنعهم عن التأمل فيما يقيد لهم صدقها لكونها معجزة بالإِضافة إلى الرسول صلى الله عليه وسلم كما أشار إليه بقوله: {وَمَا كُنْتَ تَتْلُواْ مِنْهُ قَبْلِهِ مِن كِتَـٰبٍ وَلاَ تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ } فإن ظهور هذا الكتاب الجامع لأنواع العلوم الشريفة أمي لم يعرف بالقراءة والتعلم خارق للعادة، وذكر اليمين زيادة تصوير للمنفي ونفي للتجوز في الإِسناد. {إِذاً لاَّرْتَـٰبَ ٱلْمُبْطِلُونَ} أي لو كنت ممن يخط ويقرأ لقالوا لعله تعلمه أو التقطه من كتب الأولين الأقدمين، وإنما سماهم مبطلين لكفرهم أو لارتيابهم بانتفاء وجه واحد من وجوه الإعجاز المكاثرة، وقيل لارتاب أهل الكتاب لوجدانهم نعتك على خلاف ما في كتبهم فيكون إبطالهم باعتبار الواقع دون المقدر. {بَلْ هُوَ} بل القرآن.

ابن كثير

تفسير : هذا مثل ضربه الله تعالى للمشركين في اتخاذهم آلهة من دون الله يرجون نصرهم ورزقهم، ويتمسكون بهم في الشدائد، فهم في ذلك كبيت العنكبوت في ضعفه ووهنه، فليس في أيدي هؤلاء من آلهتهم، إلا كمن يتمسك ببيت العنكبوت، فإنه لا يجدي عنه شيئاً، فلو علموا هذا الحال لما اتخذوا من دون الله أولياء، وهذا بخلاف المسلم المؤمن قلبه لله وهو مع ذلك يحسن العمل في اتباع الشرع، فإنه متمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها لقوتها وثباتها. ثم قال تعالى متوعداً لمن عبد غيره وأشرك به، إنه تعالى يعلم ما هم عليه من الأعمال ويعلم ما يشركون به من الأنداد، وسيجزيهم وصفهم، إنه حكيم عليم، ثم قال تعالى: {وَتِلْكَ ٱلأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَآ إِلاَّ ٱلْعَـٰلِمُونَ} أي وما يفهمها ويتدبرها إلا الراسخون في العلم المتضلعون منه، قال الإمام أحمد: حدثنا إسحاق بن عيسى، حدثني ابن لهيعة عن أبي قبيل عن عمرو بن العاص رضي الله عنه قال: عقلت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ألف مثل، وهذه منقبة عظيمة لعمرو بن العاص رضي الله عنه حيث يقول الله تعالى: {وَتِلْكَ ٱلأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَآ إِلاَّ ٱلْعَـٰلِمُونَ}. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا أحمد بن عبد الرحمن، حدثنا أبي، حدثنا ابن سنان عن عمرو بن مرة قال: ما مررت بآية من كتاب الله لا أعرفها إلا أحزنني، لأنني سمعت الله تعالى يقول: {وَتِلْكَ ٱلأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَآ إِلاَّ ٱلْعَـٰلِمُونَ}.

المحلي و السيوطي

تفسير : {مَثَلُ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَوْلِيَاءَ } أي أصناماً يرجون نفعها {كَمَثَلِ ٱلْعَنكَبُوتِ ٱتَّخَذَتْ بَيْتاً } لنفسها تأوي إليه {وَإِنَّ أَوْهَنَ } أضعف {ٱلْبُيُوتِ لَبَيْتُ ٱلْعَنكَبُوتِ } لا يدفع عنها حرًّا ولا برداً كذلك الأصنام لا تنفع عابديها {لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ } ذلك ما عبدوها.

الشوكاني

تفسير : قوله: {مَثَلُ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَوْلِيَاء } يوالونهم، ويتكلون عليهم في حاجاتهم من دون الله سواء كانوا من الجماد أو الحيوان، ومن الأحياء أو من الأموات {كَمَثَلِ ٱلْعَنكَبُوتِ ٱتَّخَذَتْ بَيْتاً } فإن بيتها لا يغني عنها شيئاً لا في حرّ ولا قرّ ولا مطر، كذلك ما اتخذوه ولياً من دون الله، فإنه لا ينفعهم بوجه من وجوه النفع، ولا يغني عنهم شيئاً. قال الفراء: هو مثل ضربه الله لمن اتخذ من دونه آلهة لا تنفعه ولا تضرّه، كما أن بيت العنكبوت لا يقيها حرّاً، ولا برداً. قال: ولا يحسن الوقف على العنكبوت؛ لأنه لما قصد بالتشبيه لبيتها الذي لا يقيها من شيء شبهت الآلهة التي لا تنفع ولا تضرّ به، وقد جوّز الوقف على العنكبوت الأخفش، وغلطه ابن الأنباري قال: لأن اتخذت صلة للعنكبوت كأنه قال: كمثل العنكبوت التي {اتخذت} بيتاً، فلا يحسن الوقف على الصلة دون الموصول. والعنكبوت تقع على الواحد، والجمع والمذكر والمؤنث، وتجمع على عناكب وعنكبوتات، وهي: الدّويبة الصغيرة التي تنسج نسجاً رقيقاً. وقد يقال لها: عكنبات، ومنه قول الشاعر:شعر : كأنما يسقط من لغامها بيت عكنبات على زمامها تفسير : {وَإِنَّ أَوْهَنَ ٱلْبُيُوتِ لَبَيْتُ ٱلْعَنكَبُوتِ } لا بيت أضعف منه مما يتخذه الهوامّ بيتاً، ولا يدانيه في الوهي والوهن شيء من ذلك {لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ } أن اتخاذهم الأولياء من دون الله كاتخاذ العنكبوت بيتاً، أو لو كانوا يعلمون شيئاً من العلم لعلموا بهذا {إِنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مِن شَيْء } ما استفهامية، أو نافية، أو موصولة، ومن للتبعيض أو مزيدة للتوكيد. وقيل: إن هذه الجملة على إضمار القول، أي قل للكافرين: إن الله يعلم أيّ شيء يدعون من دونه. وحرّم أبو علي الفارسي بأنها استفهامية، وعلى تقدير النفي كأنه قيل: إن الله يعلم أنكم لا تدعون من دونه من شيء، يعني: ما تدعونه ليس بشيء، وعلى تقدير الموصولة: إن الله يعلم الذين تدعونهم من دونه، ويجوز أن تكون "ما" مصدرية، و{من شيء} عبارة عن المصدر. قرأ عاصم وأبو عمرو ويعقوب: "يدعون" بالتحتية. واختار هذه القراءة أبو عبيد لذكر الأمم قبل هذه الآية. وقرأ الباقون بالفوقية على الخطاب {وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ } الغالب المصدر أفعاله على غاية الإحكام والإتقان. {وَتِلْكَ ٱلأَمْثَـٰلُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ } أي هذا المثل، وغيره من الأمثال التي في القرآن نضربها للناس تنبيهاً لهم، وتقريباً لما بعد من أفهامهم {وَمَا يَعْقِلُهَا } أي يفهمها ويتعقل الأمر الذي ضربناها لأجله {إِلاَّ ٱلْعَـٰلِمُونَ } بالله الراسخون في العلم المتدبرون المتفكرون لما يتلى عليهم وما يشاهدونه. {خَلَقَ ٱللَّهُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ بِٱلْحَقّ } أي بالعدل، والقسط مراعياً في خلقها مصالح عباده. وقيل: المراد بالحق: كلامه وقدرته، ومحل {بالحق} النصب على الحال {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ } أي لدلالة عظيمة وعلامة ظاهرة على قدرته، وتفرّده بالإلٰهية، وخص المؤمنين لأنهم الذين ينتفعون بذلك. {ٱتْلُ مَا أُوْحِيَ إِلَيْكَ مِنَ ٱلْكِتَـٰبِ } أي القرآن، وفيه الأمر بالتلاوة للقرآن، والمحافظة على قراءته مع التدبر لآياته والتفكر في معانيه {وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ إِنَّ ٱلصَّلاَةَ تَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنْكَرِ} أي: دم على إقامتها، واستمرّ على أدائها كما أمرت بذلك، وجملة: {إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر} تعليل لما قبلها، والفحشاء ما قبح من العمل، والمنكر: ما لا يعرف في الشريعة، أي تمنعه عن معاصي الله، وتبعده منها، ومعنى نهيها عن ذلك أن فعلها يكون سبباً للانتهاء، والمراد هنا الصلوات المفروضة {وَلَذِكْرُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ } أي أكبر من كل شيء، أي أفضل من العبادات كلها بغير ذكر. قال ابن عطية: وعندي أن المعنى: ولذكر الله أكبر على الإطلاق، أي هو الذي ينهى عن الفحشاء والمنكر، فالجزء الذي منه في الصلاة يفعل ذلك، وكذلك يفعل ما لم يكن منه في الصلاة؛ لأن الانتهاء لا يكون إلاّ من ذاكر لله مراقب له. وقيل: ذكر الله أكبر من الصلاة في النهي عن الفحشاء، والمنكر مع المداومة عليه. قال الفراء، وابن قتيبة: المراد بالذكر في الآية: التسبيح، والتهليل، يقول: هو أكبر وأحرى بأن ينهى عن الفحشاء، والمنكر. وقيل: المراد بالذكر هنا الصلاة، أي وللصلاة أكبر من سائر الطاعات، وعبر عنها بالذكر كما في قوله: {أية : فَٱسْعَوْاْ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ } تفسير : [الجمعة: 9] للدلالة على أن ما فيها من الذكر هو العمدة في تفضيلها على سائر الطاعات، وقيل: المعنى: ولذكر الله لكم بالثواب والثناء عليكم منه أكبر من ذكركم له في عبادتكم وصلواتكم، واختار هذا ابن جرير، ويؤيده حديث: «حديث : من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، ومن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم» تفسير : {وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ } لا تخفى عليه من ذلك خافية، فهو مجازيكم بالخير خيراً وبالشرّ شرّاً. {وَلاَ تُجَـٰدِلُواْ أَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ إِلاَّ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ } أي إلاّ بالخصلة التي هي أحسن، وذلك على سبيل الدعاء لهم إلى الله عزّ وجلّ والتنبيه لهم على حججه وبراهينه رجاء إجابتهم إلى الإسلام، لا على طريق الإغلاظ والمخاشنة {إِلاَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ } بأن أفرطوا في المجادلة ولم يتأدّبوا مع المسلمين فلا بأس بالإغلاظ عليهم والتخشين في مجادلتهم، هكذا فسر الآية أكثر المفسرين بأن المراد بأهل الكتاب: اليهود والنصارى. وقيل: معنى الآية: لا تجادلوا من آمن بمحمد من أهل الكتاب كعبد الله بن سلام وسائر من آمن منهم {إلاّ بالتي هي أحسن} يعني: بالموافقة فيما حدّثوكم به من أخبار أهل الكتاب، ويكون المراد بالذين ظلموا على هذا القول هم: الباقون على كفرهم. وقيل: هي الآية منسوخة بآيات القتال، وبذلك قال قتادة، ومقاتل. قال النحاس: من قال: هذه منسوخة، احتج بأن الآية مكية، ولم يكن في ذلك الوقت قتال مفروض، ولا طلب جزية ولا غير ذلك. قال سعيد بن جبير ومجاهد: إن المراد بالذين ظلموا منهم: الذين نصبوا القتال للمسلمين فجدالهم بالسيف حتى يسلموا أو يعطوا الجزية {وَقُولُواْ ءَامَنَّا بِٱلَّذِي أُنزِلَ إِلَيْنَا } من القرآن {وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ } من التوراة والإنجيل، أي آمنا بأنهما منزلان من عند الله، وأنهما شريعة ثابتة إلى قيام الشريعة الإسلامية والبعثة المحمدية، ولا يدخل في ذلك ما حرّفوه وبدّلوه {وَإِلَـٰهُنَا وَإِلَـٰهُكُمْ وَاحِدٌ } لا شريك له ولا ضدّ ولا ندّ {وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ } أي ونحن معاشر أمة محمد مطيعون له خاصة، لم نقل: عزير ابن الله، ولا المسيح ابن الله، ولا اتخذنا أحبارنا ورهباننا أرباباً من دون الله، ويحتمل أن يراد: ونحن جميعاً منقادون له، ولا يقدح في هذا الوجه كون انقياد المسلمين أتمّ من انقياد أهل الكتاب وطاعتهم أبلغ من طاعاتهم. وقد أخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: {مَثَلُ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَوْلِيَاء } الآية قال: ذاك مثل ضربه الله لمن عبد غيره أن مثله كمثل بيت العنكبوت. وأخرج أبو داود في مراسيله عن يزيد بن مرثد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : العنكبوت شيطان مسخها الله فمن وجدها فليقتلها»تفسير : . وأخرج ابن أبي حاتم عن مزيد بن ميسرة قال: العنكبوت شيطان. وأخرج الخطيب عن عليّ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : دخلت أنا وأبو بكر الغار فاجتمعت العنكبوت فنسجت بالباب فلا تقتلوهنّ» تفسير : وروى القرطبي في تفسيره عن عليّ أيضاً أنه قال: طهروا بيوتكم من نسج العنكبوت فإن تركه في البيت يورث الفقر. وأخرج ابن أبي حاتم عن عطاء الخراساني قال: نسجت العنكبوت مرتين مرة على داود، والثانية على النبيّ صلى الله عليه وسلم. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {إِنَّ ٱلصَّلاَةَ تَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنْكَرِ} قال: في الصلاة منتهى ومزدجر عن المعاصي. وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن عمران بن حصين قال: سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن قول الله: {إِنَّ ٱلصَّلاَةَ تَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنْكَرِ} فقال: «حديث : من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر فلا صلاة له»تفسير : . وأخرج ابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم يزدد بها من الله إلاّ بعدًا»تفسير : . وأخرج عبد بن حميد وابن جرير، والبيهقي في الشعب عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر فلا صلاة له»تفسير : ، وفي لفظ: «حديث : لم يزدد بها من الله إلاّ بعدا»تفسير : . وأخرج الخطيب عن ابن عمر مرفوعاً نحوه. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن مردويه عن ابن مسعود مرفوعاً نحوه. قال السيوطي: وسنده ضعيف. وأخرج سعيد بن منصور، وأحمد في الزهد، وابن جرير وابن المنذر، والطبراني [والبيهقي] في الشعب عنه نحوه موقوفاً. قال ابن كثير في تفسيره: والأصح في هذا كله الموقوفات عن ابن مسعود وابن عباس والحسن وقتادة والأعمش وغيرهم. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {وَلَذِكْرُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ } يقول: ولذكر الله لعباده إذا ذكروه أكبر من ذكرهم إياه. وأخرج الفريابي وسعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، والبيهقي في الشعب عن عبد الله بن ربيعة قال: سألني ابن عباس عن قول الله: {وَلَذِكْرُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ } فقلت: ذكر الله بالتسبيح والتهليل والتكبير قال: لذكر الله إياكم أكبر من ذكركم إياه، ثم قال: {أية : فاذكروني أذكركم} تفسير : [البقرة: 152]. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد الله بن أحمد في زوائد الزهد، وابن جرير عن ابن مسعود: {وَلَذِكْرُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ } قال: ذكر الله العبد أكبر من ذكر العبد لله. وأخرج ابن السني وابن مردويه والديلمي عن ابن عمر نحوه. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في الآية قال: لها وجهان ذكر الله أكبر مما سواه، وفي لفظ ذكر الله عندما حرّمه، وذكر الله إياكم أعظم من ذكركم إياه. وأخرج أحمد في الزهد، وابن المنذر عن معاذ بن جبل قال: ما عمل آدميّ عملاً أنجى له من عذاب الله من ذكر الله، قالوا: ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: ولا أن يضرب بسيفه حتى يتقطع، لأن الله يقول في كتابه العزيز: {وَلَذِكْرُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ }. وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن المنذر، والحاكم في الكنى، والبيهقي في الشعب عن عنترة قال: قلت لابن عباس: أيّ العمَل أفضل؟ قال: ذكر الله. وأخرج ابن أبي حاتم عنه في قوله: {وَلاَ تُجَـٰدِلُواْ أَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ إِلاَّ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ } قال: بلا إلٰه إلاّ الله. وأخرج البخاري والنسائي وابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه، والبيهقي في الشعب عن أبي هريرة قال: كان أهل الكتاب يقرءون التوراة بالعبرانية، ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لا تصدّقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم، وقولوا: آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم، وإلٰهنا وإلٰهكم واحد ونحن له مسلمون»تفسير : . وأخرج البيهقي في الشعب، والديلمي، وأبو نصر السجزي في الإبانة عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء فإنهم لن يهدوكم وقد ضلوا، إما أن تصدّقوا بباطل، أو تكذبوا بحق، والله لو كان موسى حيًّا بين أظهركم ما حلّ له إلاّ أن يتبعني»تفسير : . وأخرج عبد الرزاق وابن جرير عن ابن مسعود قال: لا تسألوا أهل الكتاب، وذكر نحو حديث جابر، ثم قال: فإن كنتم سائليهم لا محالة فانظروا ما واطأ كتاب الله فخذوه، وما خالف كتاب الله فدعوه.

ابن عطية

تفسير : شبه تعالى الكفار في عبادتهم الأصنام وبنائهم جميع أمورهم على ذلك بـ {العنكبوت} التي تبني وتجتهد وأمرها كلها ضعيف متى مسته أدنى هابة أذهبته فكذلك أمر أولئك وسعيهم مضمحل لا قوة له ولا معتمد، ومن حديث ذكره النقاش "حديث : العنكبوت شيطان مسخه الله تعالى فاقتلوه"تفسير : ، وروي عن علي رضي الله عنه أنه قال: "طهروا بيوتكم من نسج العنكبوت فإن تركه يورث الفقر"، وقوله {لو كانوا يعلمون}، أي {يعلمون} أن هذا مثلهم وأن حالهم ونسبتهم من الحق هذه الحال، وقوله {إن الله يعلم ما تدعون من دونه من شيء}. قرأ أبو عمرو وسلام "يعلم ما" بالإدغام، وقرأ عامة القراء بالفك، وقرأ الجمهور "تدعون" بالتاء من فوق، وقرأ أبو عمرو وعاصم بخلاف "يدعون" بالياء من تحت على الغيبة، فأما موضع {ما} من الإعراب فقيل معناه أن الله يعلم الذين يدعون من دونه من جميع الأشياء أن حالهم هذه وأنهم لا قدرة لهم، وقيل قوله {إن الله يعلم} إخبار تام، وقوله {وهو العزيز الحكيم} متصل به، واعترض بين الكلامين {ما تدعون من دونه من شيء}، وذلك على هذا النحو من النظر يحتمل معنيين أحدهما أن تكون {ما} نافية أي لستم تدعون شيئاً له بال ولا قدر ولا خلاق فيصلح أن يسمى شيئاً وفي هذا تعليق {يعلم} وفيه نظر، الثاني أن تكون {ما} استفهاماً كأنه قرر على جهة التوبيخ على هذا المعبود من جميع الأشياء ما هو إذا لم يكن الله تعالى أي ليس لهم على هذا التقرير جواب مقنع البتة، فـ {من} على القول الأول والثالث للتبعيض المجرد، وعلى القول الوسط هي زائدة في الجحد ومعناها التأكيد، وقال أبو علي {ما} استفهام نصب بـ {تدعون} ولا يجوز نصبها بـ {يعلم}، والتقدير أن الله يعلم أوثاناً تدعون من دونه أو غيره لا يخفى ذلك عليه، وقوله {وتلك الأمثال} إشارة إلى هذا المثل ونحوه، و {نضربها} مأخوذ من الضرب أي النوع كما تقول هذان من ضرب واحد وهذا ضريب هذا أي قرينه وشبهه، فكأن ضرب المثل هو أن يجعل للأمر الممثل ضريب، وباقي الآية بين. وقرأت فرقة "يدعون" بالياء من تحت، وقرأت فرقة "تدعون" بالتاء على المخاطبة، وقال جابر: قال النبي صلى الله عليه وسلم في قوله {إلا العالمون}: "حديث : العالم من عقل عن الله فعمل بطاعته وانتهى عن معصيته ".

ابن عبد السلام

تفسير : {كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ} كما لا يغني عنها بيتها كذلك لا تغني عبادة الأصنام شيئاً وقيل العنكبوت شيطان مسخها الله عز وجل.

النسفي

تفسير : {مَثَلُ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَوْلِيَاء } أي آلهة يعني مثل من أشرك بالله الأوثان في الضعف وسوء الاختيار {كَمَثَلِ ٱلْعَنكَبُوتِ ٱتَّخَذَتْ بَيْتاً } أي كمثل العنكبوت فيما تتخذه لنفسها من بيت فإن ذلك بيت لا يدفع عنها الحر والبرد ولا يقي ما تقي البيوت، فكذلك الأوثان لا تنفعهم في الدنيا والآخرة، جعل حاتم {اتخذت} حالاً {وَإِنَّ أَوْهَنَ ٱلْبُيُوتِ لَبَيْتُ ٱلْعَنكَبُوتِ } لا بيت أوهن من بيتها. عن عليّ رضي الله عنه: طهروا بيوتكم من نسج العنكبوت فإن تركه يورث الفقر {لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ } أن هذا مثلهم وأن أمر دينهم بالغ هذه الغاية من الوهن. وقيل: معنى الآية مثل الشرك الذي يعبد الوثن بالقياس إلى المؤمن الذي يعبد الله مثل عنكبوت تتخذ بيتاً بالإضافة إلى رجل يبنى بيتاً بآجر وجص أو ينحته من صخر، وكما أن أوهن البيوت إذا استقريتها بيتاً بيتاً بيت العنكبوت، كذلك أضعف الأديان إذا استقريتها ديناً ديناً عبادة الأوثان لو كانوا يعلمون. وقال الزجاج: في جماعة تقدير الآية: مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء لو كانوا يعلمون كمثل العنكبوت {إِنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ } بالياء: بصري وعاصم، وبالتاء: غيرهما غير الأعشى والبرجمي. و «ما» بمعنى «الذي» وهو مفعول {يعلم} ومفعول {يدعون} مضمر أي يدعونه يعني يعبدونه {مِن دُونِهِ مِن شَىْء } «من» في {من شيء} للتبيين {وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ } الغالب الذي لا شريك له {ٱلْحَكِيمُ } في ترك المعاجلة بالعقوبة، وفيه تجهيل لهم حيث عبدوا جماداً لا علم له ولا قدرة وتركوا عبادة القادر القاهر على كل شيء الحكيم الذي لا يفعل كل شيء إلا بحكمة وتدبير

الخازن

تفسير : قوله تعالى: {مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء} يعني الأصنام يرجون نصرها ونفعها {كمثل العنكبوت اتخذت بيتاً} لنفسها تأوي إليه وإن بيتها في غاية الضعف والوهن لا يدفع عنها حراً ولا برداً فكذلك الأوثان لا تملك لعابدها نفعاً ولا ضراً. وقيل معنى هذا المثل أن المشرك الذي يعبد الأصنام بالقياس إلى المؤمن الذي يعبد الله مثل العنكبوت تتخذ بيتاً من نسجها بالإضافة إلى رجل بنى بيتاً بآجر وجص أو نحته من صخر فكما أن أوهن البيوت إذا استقريتها بيتاً بيتاً بيت العنكبوت فكذلك أضعف الأديان إذا استقريتها ديناً ديناً عبادة الأوثان لأنها لا تضر ولا تنفع {وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت} أشار إلى ضعفه فإن الريح إذا هبت عليه أو لمسه لامس فلا يبقى له عين ولا أثر فقد صح أن أوهن البيوت لبيت العنكبوت وقد تبين أن دينهم أوهن الأديان {لو كانوا يعلمون} أي أن هذا مثلهم وأن أمر دينهم بلغ هذه الغاية من الوهن {إن الله يعلم ما يدعون من دونه من شيء} هذا توكيد للمثل وزيادة عليه يعني إن الذي يدعون من دونه ليس بشيء {وهو العزيز الحكيم} معناه كيف يجوز للعاقل أن يترك عبادة الله العزيز الحكيم القادر على كل شيء ويشتغل بعبادة من ليس بشيء أصلاً {وتلك الأمثال} أي الأشباه يعني أمثال القرآن التي شبه بها أحوال الكفار من هذه الأمة بأحوال كفار الأمم السابقة {نضربها} أي نبينها {للناس} أي لكفار مكة {وما يعقلها إلا العالمون} يعني ما يعقل الأمثال إلا العلماء الذين يعقلون عن الله عز وجل. روى البغوي بإسناد الثعلبي عن جابر بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم تلا هذه الآية. {وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون} قال: "حديث : العالم من عقل عن الله فعمل بطاعته واجتنب سخطه"تفسير : {خلق الله السموات والأرض بالحق} أي للحق وإظهار الحق {إن في ذلك لآية} أي دلالة {للمؤمنين} على قدرته وتوحيده. وقوله تعالى {اتل ما أوحي إليك من الكتاب} يعني القرآن {وأقم الصلاة} فإن قلت: لم أمر بهذين الشيئين تلاوة الكتاب وإقامة الصلاة فقط؟ قلت لأن العبادة المختصة بالعبد ثلاثة: قلبية وهي الاعتقاد الحق ولسانية وهي الذكر الحسن وبدنية وهي العمل الصالح، لكن الاعتقاد لا يتكرر فإن اعتقد شيئاً لا يمكنه أن يعتقده مرة أخرى بل ذلك يدوم مستمراً فبقي الذكر والعبادة البدنية وهما ممكنا التكرار فلذلك أمر بهما {إن الصلاة تنهى عن الفحشاء} أي ما قبح من الأعمال {والمنكر} أي ما لا يعرف في الشرع. قال ابن مسعود وابن عباس في الصلاة منتهى ومزدجر عن معاصي الله، فمن لم تأمره صلاته بالمعروف ولم تنهه عن المنكر لم تزده صلاته من الله إلا بعداً. وقال الحسن وقتادة: من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر فصلاته وبال عليه وقيل من داوم على الصلاة جره ذلك إلى ترك المعاصي والسيئات كما روي عن أنس قال: "حديث : كان فتى من الأنصار يصلي الصلوات مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم لم يدع من الفواحش شيئاً إلا ركبه فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال إن صلاته ستنهاه يوماً فلم يلبث أن تاب وحسنت حاله" تفسير : وقيل: معنى الآية أنه ما دام في صلاته فإنها تنهاه عن الفحشاء والمنكر ومنه قوله: "حديث : إن في الصلاة لشغلاً"تفسير : وقيل أراد بالصلاة القرآن وفيه ضعف لتقدم ذكر القرآن وعلى هذا يكون معناه أن القرآن ينهاه عن الفحشاء والمنكر كما روي عن جابر قال: قال رجل لرسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : إن رجلاً يقرأ القرآن الليل كله فإذا أصبح سرق قال ستنهاه قراءته"تفسير : . وفي رواية "حديث : أنه قيل يا رسول الله إن فلاناً يصلي بالنهار ويسرق بالليل فقال إن صلاته لتردعه"تفسير : وعلى كل حال فإن المراعي للصلاة لا بد وأن يكون أبعد عن الفحشاء والمنكر ممن لا يراعيها {ولذكر الله أكبر} أي أنه أفضل الطاعات. عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : ألا أنبئكم بخير أعمالكم وأزكاها عند مليككم وأرفعها في درجاتكم وخير لكم من إعطاء الذهب والورق وخير لكم من أن تلقوا أعداءكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم قالوا بلى يا رسول الله قال ذكر الله"تفسير : . أخرجه الترمذي وله عن أبي سعيد الخدري قال: "حديث : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل أي العباد أفضل درجة عند الله يوم القيامة؟ قال الذاكرون الله كثيراً قالوا يا رسول الله والغازي في سبيل الله؟ فقال لو ضرب بسيفه الكفار والمشركين حتى ينكسر ويختضب في سبيل الله دماً لكان الذاكرون الله كثيراً أفضل منه درجة"تفسير : (م) عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : سبق المفردون قالوا وما المفردون يا رسول الله؟ قال: الذاكرون الله كثيراً والذاكرات"تفسير : يروي المفردون بتشديد الراء وتخفيفها والتشديد أتم يقال فرد الرجل بتشديد الراء إذا تفقه واعتزل الناس وحده مراعياً للأمر والنهي وقيل هم المتخلفون عن الناس بذكر الله لا يخلطون به غيره (خ) عن أبي هريرة وأبي سعيد الخدري أنهما شهدا على رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : لا يقعد قوم يذكرون الله إلا حفتهم الملائكة وغشيتهم الرحمة ونزلت عليهم السكينة وذكرهم الله فيمن عنده"تفسير : . وروي "حديث : أن أعرابياً قال يا رسول الله أي الأعمال أفضل قال أن تفارق الدنيا ولسانك رطب بذكر الله"تفسير : وقال ابن عباس: معنى ولذكر الله أكبر ذكر الله إياكم أفضل من ذكركم إياه ويروى ذلك مرفوعاً عن ابن عمر عن النبيّ صلى الله عليه سلم وقال ابن عطاء ولذكر الله أكبر أي لن تبقى معه معصية {والله يعلم ما تصنعون} يعني لا يخفى عليه شيء من أمركم.

ابن عادل

تفسير : قوله (تعالى): {مَثَلُ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ (أَوْلِيَآءَ)} يعني الأصنام يرجون نصرها ونفعها {كَمَثَلِ ٱلْعَنكَبُوتِ ٱتَّخَذَتْ} لنفسها {بَيْتاً} تأوي إليه، وإن بيتها في غاية الضعف والوهي لا يدفع عنها حراً ولا برداً كذلك الأوثان لا تملك لعابدها نفعاً ولا ضرّاً {وَإِنَّ أَوْهَنَ ٱلْبُيُوتِ لَبَيْتُ ٱلْعَنكَبُوتِ (لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ}. واعلم أنه تعالى مثل اتخاذهم الأوثان أولياء باتخاذِ العنكبوت) نسجه بيتاً ولم يمثل "نسجه" لأن "نسجه" له فائدة لولاه لما حصل، وهو اصطيادها الذباب من غير أن يفوته ما (هو) أعظم منه واتخاذهم الأوثان يفيدهم ما هو أقل من الذباب من متاع الدنيا ولكن يفوتهم ما هو أعظم منها وهو الدار الآخرة (التي) هي خير وأبقى، فليس اتخاذهم كنسج العنكبوت. وقوله: {وَإِنَّ أَوْهَنَ ٱلْبُيُوتِ لَبَيْتُ ٱلْعَنكَبُوتِ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ} إشارة إلى ما بينا أن كل بيت ففيه إما فائدة الاستظلال أو غير ذلك، وبيته يضعف عن إفادة ذلك لأنه يَخْرُبُ بأدنى شيء، ولا يبقى منه عينٌ ولا أثر، فذلك عملهم، {لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ}. (وَ) العنكبوت معروف، ونونه أصلية. والواو والتاء مزيدتان بدليل جمعه على "عناكب" وتصغيره عنيكب ويذكر ويؤنث، فمن التأنيث قوله: "اتخذت بيتاً" ومن التذكير قوله: شعر : 4030 - عَلَى هَطَّالِهِمْ مِنْهُمْ بُيُوتٌ كَأَنَّ العَنْكبُوت هو ابْتَنَاهَا تفسير : وهذا مطرد في أسماء الأجناس يذكر ويؤنث. قوله: {لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ} جوابه محذوف أي لما اتخذوا من يضرب له بهذه الأمثال لِحَقَارَتِهِ ومتعلق يعلمون لا يجوز أن يكون من جنس قوله: {وإنّ أوهنَ البيوت} لأن كل أحد يعلم ذلك، وإنما متعلَّقَهُ مقدر من جنس ما يدل عليه السياق أي لو كانوا يعلمون أن هذا مثلهم. قوله: {إِنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ}، قرأ أبو عمرو وعاصم "يَدْعُون" بياء الغيبة، والباقون بالخطاب. و "ما" يجوز أن تكون موصولة منصوبة بـ "يَعْلَمُ" أي يعلم الذين يدعونهم ويعلم أحوالهم، و "من شيء" مصدر، وأن تكون استفهامية، وحينئذ يجوز فيها وجهان أن تكون هي وما عملت فيها معترضاً بين قوله: "يَعْلَمُ" وبين قوله: {وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ} كأنه قيل: أَيُّ شيءٍ تدعون من دون الله. والثاني: أن تكون متعلقة "لِيَعْلَمَ" فتكون في موضع نصب بها، وإليه ذهب الفارسي وأن تكون نافية و "مِنْ" في "مِنْ شَيْءٍ" مزيدة في المفعول به كأنه قيل: ما تدعون من دون الله ما يستحق أن يطلق عليه شيء. قال الزمخشري: هذا زيادة توكيد على التمثيل حيث إنهم لا يدعون من دونه من شيء يعني ما يدعون ليس بشيء، وهو عزيز حكيم، فكيف يجوز للعاقل أن يترك القادر الحكيم ويشتغل بعبادة ما ليس بشيء أصلاً وهذا يفهم منه أنه جعل "ما" نافية، والوجه فيه حينئذ أن تكون الجملة معترضة كالأول من وجهي الاستفهامية، وأن تكون مصدرية، قال أبو البقاء: و "شيء" مصدر، وفي هذا نظر، إذ يصير التقدير يعلم دعاءكم في شيء من الدعاء. قوله: {وَتِلْكَ ٱلأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ} يجوز أن يكون "نضربها" خبر "تلك الأمثال" و "الأمثال" نعت أو بدل، أو عطف بيان، وأن يكون "الأمثال" خبراً، و "نضربها" حال، وأن يكون خبراً ثانياً. فصل وتلك الأمثال: الأشباه، والمَثَل: كلام سائغ يتضمن تشبيه الآخر بالأول، يريد أمثال القرآن التي شبه بها أحوال الكفار هذه الأمة بأحوال كفار الأمم المتقدمة "نضربها" تَنْبِيهاً للناس، قال مقاتل: لكفار مكة {وَمَا يَعْقِلُهَآ إِلاَّ ٱلْعَالِمُونَ} أي ما يعقل الأمْثَالَ إلا العلماءُ الذين يعقلون عن الله. روى جابر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - تلا هذه الآية {وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون} قال: "حديث : العالم من عقل عن الله فعمل بطاعته، واجتنب سَخَطَهُ ". تفسير : فصل روي أن الكفار قالوا: كيف يضرب خالقُ الأرض والسموات الأمثال بالهوامُ والحشرات كالبعوض والذباب والعنكبوت، فقيل: الأمثال تضربها للناس إذْ لم يَكونوا كالأنعام يحصل لكم منه إدراك ما يوجب نُفْرَتَكُمْ مما أنتم فيه لأن التشبيه يؤثر في النفس تأثيراً مثل تأثير الدليل، فإذا قال الحكيم لمن يغتاب (بالغيبة) كأنك تأكل لحم ميت لأنك وقعت في هذا الرجل الغائب وهو غائب لا يفهم ما تقول ولا يسمع حتى يجيبك كمن يقع في ميت يأكل كما ينفر إذا قال له: إنك توجب العقاب ويورث العتاب.

السيوطي

تفسير : أخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله ‏{‏مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء كمثل العنكبوت‏} ‏قال‏:‏ هذا مثل ضربه الله للمشرك‏.‏ انه لن يغني عنه إلهه شيئاً من ضعفه وقلة اجزائه، مثل ضعف بيت العنكبوت‏.‏ وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله ‏{‏مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء‏} ‏ قال‏:‏ ذاك مثل ضربه الله لمن عبد غيره‏.‏ إن مثله كمثل بيت العنكبوت‏. وأخرج أبو داود في مراسيله عن يزيد بن مرثد رضي الله عنه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏"حديث : ‏العنكبوت شيطان مسخها الله، فمن وجدها فليقتلها‏ "‏‏. تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم عن زيد بن ميسرة قال ‏(العنكبوت‏) شيطان‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن عطاء قال‏:‏ نسجت العنكبوت مرتين‏.‏ مرة على داود عليه السلام‏.‏ والثانية على النبي صلى الله عليه وسلم‏.‏ وأخرج الخطيب عن علي رضي الله عنه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏"‏حديث : دخلت أنا وأبو بكر الغار، فاجتمعت العنكبوت فنسجت بالباب، فلا تقتلوهن‏ "‏‏.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {مَثَلُ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَوْلِيَآءَ كَمَثَلِ ٱلْعَنكَبُوتِ ٱتَّخَذَتْ بَيْتاً} [الآية: 41]. قال ابن عطاء: من اعتمد شيئًا فهو هباء لا حاصل له وهلاكه فى نفس ما اعتمد ومن اتخذ سواه ظهيرًا قطع عن نفسه سبيل العصمة وردّ إلى حوله وقوته فالعنكبوت اتخذت بيتًا ظن أنه يكنه وأوهن البيوت بيت ظن بانيه أنه عامره أو به قيامه فهدمه حين بناه وخربه حين عمره.

القشيري

تفسير : العنكبوب يتخذ لنفسه بيتاً، ولكن كلما زاد نسجاً في بيته ازداد بُعْداً في الخروج منه؛ فهو يبني ولكن على نفسه يبني... كذلك الكافر يسعى ولكن على نفسه يجني. وبيتُ العنكبوتِ أكثره في الزوايا من الجدران، كذلك الكافر أمره على التّقِيّةِ والكتمان، وأمَّا المؤمِن فظاهِرُ المعاملةِ، لا ستر ولا يُدْخِمس. وبيتُ العنكبوت أوهنُ البيوت لأنه بلا أساسٍ ولا جدران ولا سقف ولا يمسك على أَدْوَن دَفْع.. كذلك الكافر؛ لا أصلَ لشأنه، ولا أساسَ لبنيانه، يرى شيئاً ولكن بالتخييل، فأمَّاً في التحقيق.. فَلاَ.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {مَثَلُ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَوْلِيَآءَ كَمَثَلِ ٱلْعَنكَبُوتِ} بين الله سبحانه ان من اعتمد على غير الله فى اسباب الدنيا والأخرة فهو ينقطع عن مراده غير واصل بربه قال ابن عطا من اعتمد شيئا سوى الله فهو هباء الا حاصل وهلاكه فى نفس ما اعتمد ومن اتخذ سواه ظهيرا قطع عن نفسه سبيل العصمة وردّ الى حوله وقوته.

اسماعيل حقي

تفسير : {مثل الذين اتخذوا من دون الله اولياء} مثل الشىء بفتحتين صفته كما فى المختار والاتخاذ افتعال من الاخذ والمراد بالاولياء الآلهة اى الاصنام. والمعنى صفتهم العجيبة فيما اتخذوه معتمدا {كمثل العنكبوت} يقع على الواحد والجمع والمذكر والمؤنث والغالب فى الاستعمال التأنيث وتاؤه كتاء طاغوت اى زائدة لا للتأنيث {اتخذت} نفسها {بيتا} اى كمثلها فيما نسجته فى الوهن بل ذلك اوهن من هذا لان له حقيقة وانتفاعا فى الجملة فالآية من قبيل تشبيه الهيئة بالهيئة لتشبيه حال من اتخذ الاصنام اولياء وعبدها واعتمد عليها راجيا نفعها وشفاعتها بحال العنكبوت التى اتخذت بيتا فكما ان بيتها لايدفع عنها حرا ولا بردا ولا مطرا ولا اذى وينتقض بادنى ريح فكذلك الاصنام لا تملك لعابديها نفعا ولا ضرا ولا خيرا ولا شرا شعر : بيش جوب وبيش سنك نقش كند كه بسا كولان سرها مى نهند تفسير : ومن تخيل السراب شرابا لم يلبث الا قليلا حتى يعلم انه كان تخييلا ومن اعتمد شيئا سوى الله فهو هباء لا حاصل له وهلاكه فى نفس مااعتمد ومن اتخذ سواه ظهيرا قطع من نفسه سبيل العصمة ورد الى حوله وقوته، وفى الآية اشارة الى ان الذين اتخذوا الله وليا وعبدوه واعتمدوا عليه وهم المؤمنون فمثلهم كمثل من بنى بيتا من حجر وجص له حائط يحول عن تطرق الشرور الىمن فيه وسقف مظل يدفع عنه البرد والحر شعر : دوستيهاى همه عالم بروب از دل كمال باك بايد داشتن خلوت سراى دوست را تفسير : {وان اوهن البيوت} اى اضعفها: وبالفارسية [سست ترين خانها] {لبيت العنكبوت} لابيت اوهن منه فيما تتخذه الهوام لانه بلا اساس ولا جدار ولا سقف لايدفع الحر والبرد ولذا كان سريع الزوال، وفيه اشارة الى انه لااصل لموالاة ماسوى الله فانه لااس لبنيانها يقول الفقير شعر : تكيه كم كن صوفى برديوار غير غير او ديار نى خلاق دير تفسير : {لو كانوا يعلمون} اى شيئا من الاشياء لجزموا ان هذا مثلهم وابعدوا عن اعتقاد ماهذا مثله. قال الكاشفى [صاحب بحر الحقائق آورده كه عنكبوت هرجند برخود مى تند زندان براى نفس خود ميسازد وقيدى بدست وباى خود مى نهد بس خانه او محبس اوست آنهانيزكه بدون خداى تعالى اوليا كيرند يعنى برستش هوا وبيروى دنيا ومتابعت شيطان ميكنند بسلاسل واغلال ووزر وبال مقيد كشته روى خلاصى ندارند وعاقبت در مهلكه نيران ودركه بعد وحرمان افتاده معاقب ومعذب كردند وبعضى هواى نفس را در بى اعتبارى بتار عنكبوت تشبيه كرده اند] كما قيل شعر : از هوابكذر كه بس بى اعتبار افتاده است رشته دام هوا جون تار بيت عنكبوت تفسير : اللهم ارزقنا دنيا بلا هوى وخلصنا مما يطلق عليه السوى. قال بعض العارفين [عاشقان در دمى دو عيد كنند عنكبوتان مكس قديد كنند. دو عيد عبارتست از نيستى وهستى كه هر لحظه در نظر عارف واقع است جه عيد در اصلاح مايعود على القلب است. وجماعتى كه بدام تعينات كرفتارندكه عنكبوتان عبارت ازان جماعت است مكس قديد كنند يعنى وجودات موهومه عالم را متحقق مى شمارند واز حقيقت حال غافلندكه اشيارا وجود حقيقى نيست وموجوديت اشيا عبارت از نسبت وجود حقست با ايشان وجون آن نسبت قطع كرده ميشود اشيا معدومانندكه] التوحيد اسقاط الاضافات شعر : جهانرانيست هستى جز مجازى سراسر حال او لهواست وبازى تفسير : كذا قال بعض اهل التأويل يقول الفقير لعل العيدين اشارة الى النفس الداخل والخارج وللعارفين فى كل منهما عيد اكبر باعتبار كونهم مع الحق وشهوده والعناكيب اشارة الى العباد الذين يتقيدون بالعبادات الظاهرة من غير شهود الحق فاين من يأكل القديد ممن يأكل الحلاوى

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جل جلاله: {مَثَلُ الذين اتخذوا من دون اللهِ أولياءَ}؛ أصناماً يعبدونها، أي: مَثَلُ من أشرك بالله الأوثان؛ في الضعف، وسوء الاختيار، {كَمَثَل العنكبوتِ اتخذت بيتاً}، أي: كمثل العنكبوت فيما تتخذه لنفسها من بيت؛ فإنه لا يدفع الحر والبرد، ولا يقي ما تقي البيوت، فكذلك الأوثان، لا تنفعهم في الدنيا والآخرة، بل هي أَوْهَى وأضعف، فإن لبيت العنكبوت حقيقةً وانتفاعاً عاماً، وأما الأوثان فتضر ولا تنفع، {وإنَّ أوْهَنَ البيوتِ} أي: أضعفها {لبيتُ العنكبوت}؛ لا بَيْتَ أوهن من بيته؛ إذْ أضعف شيء يسقطها. عن عليّ رضي الله عنه: "طهروا بيوتكم من نسج العنكبوت، فإن تركه يُورث الفقر". والعنكبوت يقع على الواحد والجمع، والمذكر والمؤنث، ويجمع على عناكيب وعناكب وعِكاب وعكَبَة وأعكُب. {لو كانوا يعلمون} لعلموا أن هذا مثلُهم، وأنَّ ما تمسكوا به من الدين أرق من بيت العنكبوت. وقال الزجاج: تقدير الآية: مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء، لو كانوا يعلمون، كمثل العنكبوت. وقيل: معنى الآية: مَثَلُ المشركِ يعبد الوثن، بالقياس إلى المؤمن الذي يعبد الله، مثل عنكبوت تتخذ بيتاً بالإضافة إلى رجل بنى بيتاً بآجُرٍّ وجص، أو جص وصخور، فكما أن أوهن البيوت، إذا استقرأتَهَا بيتاً بيتاً، بيت العنكبوت، كذلك أضعف الأديان، إذا تتبعتها ديناً ديناً، عبادةُ الأوثان. وقال الضحاك: ضرب مثلاً لضعف آلهتهم ووهنها، فلو علموا أن عبادة الأوثان، في عدم الغنى، كما ذكرنا في المثل، لَمَا عبدوها، ولكنهم لا يعلمون، بل الله يعلم ضَعف ما تعبدون من دونه وعجزه، ولذلك قال: {إن الله يعلم ما تدعون من دونه من شيء}، أي: يعلم حاله، وصفته، وحقيقته، وعدم صلاحيته لِمَا تؤملونه منه، فما: موصولة، مفعول "يعلم"، وهي تامة، أي: يتعلق علمه بجميع ما يعبدونه من دونه, أيّ شيء كان. أو ناقصة, والثاني محذوف, أي: يعلمه وهياً وباطلاً. وقيل: استفهامية معلقة، وأما كونها نافية فضعيف، و"من" الثانية؛ للبيان، ومن قرأ بالخطاب؛ فعلى حذف القول، أي: ويقال للكفرة: إن الله يعلم ما تعبدونه من دونه من جيمع الأشياء، أو: أيّ شيء كان. {وهو العزيزُ} الغالب الذي لا شريك له, {الحكيمُ} في ترك المعاجلة بالعقوبة, وفيه تجهيل لهم, حيث عبدوا جماداً لا علم له ولا قدرة, وتركوا عبادة القادر القاهر على كل شيء, الحكيم الذي لا يفعل إلا لحكمة وتدبير. {وتلك الأمثالُ} الغريبة، أي: هذا المثل ونظائره {نضربها للناس}؛ نُبّيِّنُها لهم؛ تقريباً لما بَعُدَ عن أفهامهم. كان سفهاء قريش وجهَلَتُهم يقولون: إن رب محمد يضرب المثل بالذباب والعنكبوت، ويضحكون من ذلك، فلذلك قال تعالى: {وما يعقلها إلا العالِمون}، أي: بالله وصفاته وأسمائه، وبمواقع كلامه وحِكَمه، أي: لا يعقل صحتها وحُسنها، ولا يفهم حكمتها، إلا هم؛ لأن الأمثال والتشْبيهات إنما هي طرق إلى المعاني المستورة، حتى يبرزها ويصورها للأفهام، كما صور هذا التشبيه الذي بيّن فيه حال المشرك وحال المؤمن. وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه تلا في هذه الآية، وقال: "حديث : العالِم: مَنْ عقل عن الله، فعمل بطاعته، واجتنب سخطه" تفسير : ، وَدَلَّتْ هذه الآية على فضل العلم وأهله. {خلقَ اللهُ السمواتِ والأرضَ بالحق} أي: محقاً، لم يخلقها عبثاً، كما لم يضرب الأمثال عبثاً، بل خلقها لحكمة، وهي أن تكون مساكن عباده، وعبرة للمعتبرين منهم ودلائل على عظم قدرته، بدليل قوله: {إن في ذلك لآيةً للمؤمنين}؛ لأنهم هم المنتفعون بها. وقيل: بالحق؛ العدل، وقيل: بكلامه وقدرته، وذلك هو الحق الذي خلق به الأشياء. وخص السموات والأرض؛ لأنها المشهودات. والله تعالى أعلم. الإشارة: من اعتمد على غير الله، أو مال بالمحبة إلى شيء سواه، كان كمن اعتمد على خيط العنكبوت، فعن قريب يذهب ويفوت، يا من تعلق بمن يموت؛ قد تَمَسَّكَتَ بأضعف من خيط العنكبوت. تنبيه: الأشياء الحسية جعل الله فيها القوي والضعيف، والعزيز والذليل، والفقير والغني؛ لِحكمة، وأما أسرار المعاني القائمة بها؛ فكلها قوية عزيزة غنية، فالأشياء، بهذا الإعتبار - أعني: النظر لحسها ومعناها - كلها قوية في ضعفها، عزيزة في ذلها، غنية في فقرها. ولذلك تجد الحق تعالى يدفع بأضعف شيء وأقوى شيء، وينصر بأذل شيء على أقوى شيء. رُوي أنه لما نزل قوله تعالى: {وإن أوْهَن البيوت لبيتُ العنكبوت}؛ شكى العنكبوتُ إلى الله تعالى، وقال ربِّ خلقتني ضعيفاً، ووصفتني بالإهانة والضعف، فأوحى الله تعالى إليه: انكسر قلبك من قولنا، ونحن عند المنكسرة قلوبهم من أجلنا، وقد صددنا بنسجك الضعيف صناديد قريش، وأغنينا محمداً عن كل ركن كثيف، فقال: يا رب حسبي أن خلقت في ذلي عزتي، وفي إهانتي قوتي. هـ. ذكره في اللباب. ثم أمره بالاشتغال بالتلاوة والصلاة تسلية وغَيبة عمّن آذاه، فقال: {ٱتْلُ مَا أُوْحِيَ إِلَيْكَ مِنَ ٱلْكِتَابِ ...}

الطوسي

تفسير : قرأ ابو عمرو ويعقوب وعاصم - في رواية حفص - والعليمي، والعبسي {إن الله يعلم ما يدعون من دونه} بالياء على الخبر عن الغائب. الباقون بالتاء على الخطاب. قال ابو علي: {ما} استفهام وموضعها النصب بـ {يدعون} ولا يجوز أن يكون نصباً بـ {يعلم} ولكن صارت الجملة التي هي منها في موضع نصب، وتقديره إن الله يعلم أوثاناً يدعون من دونه، لا يخفى عليه ذلك. ومثله {أية : فسوف تعلمون من تكون له عاقبة الدار} تفسير : والمعنى سيعلمون آلمسلم يكون له عقابة الدار أم الكافر؟. وكل ما كان من هذا فهكذا القول فيه، وهو قياس قول الخليل. شبه الله سبحانه حال من اتخذ من دونه أولياء ينصرونه عند الحاجة في الوهن والضعف بحال العنكبوت الذي يتخذ بيتاً ليأوى اليه، فكما أن بيت العنكبوت في غاية الوهن والضعف، فكذلك حال من اتخذ من دون الله أولياء مثله في الضعف والوهن. والمثل قول سائر يشبه به حال الثاني بالاول. و (الاتخاذ) أخذ الشيء على اعداده لنائبة، وهو (افتعال) من (الاخذ) فلما اخذوا عبادة غير الله إعداداً لنائبة كانوا اتخذوا الأولياء من دون الله، وذلك فاسد لأن عبادة الله هي العاصمة من المكاره دون عبادة الأوثان. والمولي هو المتولي للنصرة، وهو أبلغ من الناصر، لان الناصر قد يكون ناصراً بأن يأمر غيره بالنصرة، والولي هو الذي يتولى فعلها بنفسه. والعنكبوت هو دابة لطيفة تنسج بيتاً تأويه، في غاية الوهن والضعف، ويجمع عناكب، ويصغر عنيكب ووزنه (فعللوت) وهو يذكر ويؤنث، قال الشاعر: شعر : على هطأ لهم منهم بيوت كأن العنكبوت هو ابتناها تفسير : ويقال: هو العنكباء. ثم اخبر تعالى {إن أوهن البيوت لبيت العنكبوت} الذي شبه الله حال من اتخذ من دونه أولياء به، فاذا حاله أضعف الاحوال. وقوله {لو كانوا يعلمون} صحة ما أخبرناهم به ويتحققونه، لكنهم كفار بذلك، فلا يعلمونه فـ (لو) متعلقة بقوله {اتخذوا} أي لو علموا أن اتخاذهم الأولياء كاتخاذ العنكبوت بيتاً سخيفاً لم يتخذوهم أولياء، ولا يجوز أن تكون متعلقة بقوله {وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت} لأنهم كانوا عالمين بأن بيت العنكبوت واه ضعيف. ثم قال تعالى {إن الله يعلم ما تدعون من دونه من شيء} سواء كان صنماً او وثناً أو ما كان مثل ذلك {وهو العزيز} في انتقامه الذي لا يغالب في ما يريده {الحكيم} في جميع أحواله وأفعاله، واضع لها في مواضعها. ثم قال {وتلك الأمثال} وهي الاشباه والنظائر، قال الشاعر: شعر : هل يذكر العهد في تنمص إذ يضرب لي قاعدة بها مثلا تفسير : {يضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون} أي ما يدركها إلا من كان عالماً بمواقعها. ثم اخبر تعالى انه {خلق السماوات والأرض} وأخرجهما من العدم إلى الوجود {بالحق} أي على وجه الحكمة دون العبث الذي لا فائدة فيه وانه قصد بها الدلالة على توحيده {إن في ذلك} يعني في خلق الله ذلك على ما ذكره {لآية للمؤمنين} المصدقين بتوحيد الله، لأنهم المنتفعون بها دون الكفار الذين لم ينتفعوا بها لتفريطهم، فلذلك اسندها إلى المؤمنين. ثم قال لنبيه صلى الله عليه وآله {اتل ما أوحي إليك من الكتاب} يا محمد يعني القرآن - على المكلفين، واعمل بما تضمنه {وأقم الصلاة} بحدودها {إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر} يعني فعلها فيه لطف للمكلف في فعل الواجب والامتناع عن القبيح، فهي بمنزلة الناهي بالقول إذا قال: لا تفعل الفحشاء ولا المنكر، وذلك لأن فيها: التكبير، والتسبيح، والقراءة، وصنوف العبادة، وكل ذلك يدعو إلى شكله ويصرف عن ضده، كالأمر والنهي بالقول، وكل دليل مؤد إلى المعرفة بالحق، فهو داع اليه وصارف عن ضده من الباطل. وقال ابن مسعود: الصلاة تنهى عن المنكر وتأمر بالمعروف. وبه قال ابن عباس. وقال ابن مسعود: الصلاة لا تنفع إلا من أطاع. وقوله {ولذكر الله أكبر} معناه ولذكر الله إياكم برحمته اكبر من ذكركم إياه بطاعته - ذكره ابن عباس، وسلمان، وابن مسعود، ومجاهد - وقيل: معناه ذكر العبد لربه أفضل من جميع عمله - في رواية أخرى - عن سلمان، وهو قول قتادة وابن زيد وابي الدرداء. وقال ابو مالك: معناه إن ذكر العبد لله تعالى في الصلاة أكبر من الصلاة. وقيل: ذكر الله بتعظيمه اكبر من سائر طاعاته. وقيل: ولذكر الله اكبر من النهي عن الفحشاء. وقوله {والله يعلم ما تصنعون} من خير وشر، فيجازيكم بحسبه. وفي الآية دلالة على بطلان قول من قال: ان المعرفة ضرورة، ودلالة على بطلان قول المجبرة في أن الله خلق الكافر للضلال.

اطفيش

تفسير : {مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللهِ أَوْلِيَاءَ} فيما اتخذوه معتمدا ومتكلا من الأصنام. { كَمَثَلِ العَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً} في الوهن والضعف فضعف الأصنام عند المؤمن وفي الحقيقة كضعف بيت نسجته العنكبوت او مثل دين المشركين بالنسبة الى دين المسلمين {كمثل بيت العنكبوت} بالنسبة الى بيت مبني بخشب صحاح والجص والآجر والصخر او مثل المشركين في عبادة الأصنام بالنسبة للمؤمنين مثل عنكبوت نسجت بيتا فكما ان العنكبوت لا يدفع عن نفسه حرا ولا بردا بنسجه كذلك عبدة الأوثان لا يجلبون لأنفسهم بعبادتها نفعا ولا يدفعون ضراً بل ذلك اضعف من العنكبوت وبيتها فان للعنكبوت حقيقة وامتناعا من ضر وجلب نفع بيته بخلاف هؤلاء والعنكبوت يطلق على المفرد وغيره والمذكر وغيره والمراد هنا الجماعة او الفرد وتاؤه زائدة للمبالغة في الاصل ويجمع على عناكيب وعكاب وعكبة واعكب. { وَإِنَّ أَوْهَنَ} أضعف. {البُيُوتِ} اذا استقريتها بيتا بيتا. {لَبَيْتُ العَنكَبُوتِ} لا يدفع عنها حرا ولا بردا ولا يدفع عن الآدمي وغيره حرا ولا بردا كذا عبادة الأوثان اضعف الأديان واذا هبت ريح على بيت العنكبوت او لمسه لامس تقطع. {لَو كَانُوا يَعْلَمُونَ} لو شرطية محذوفة الجواب اي لو كان يرجعون الى علم لعلموا ان هذا مثلهم او ان دينهم اوهن من ذلك او اخرج الكلام بعد التشبيه مخرج المجاز فكأنه قيل أوهن ما يعتمد عليه في الدين عبادة الأوثان فالمراد ببيت العنكبوت دينهم وجملة اتخذت حال من العنكبوت بناء على زيادة مثل لئلا يكون الحال من المضاف اليه شرطه او نعت للعنكبوت وأل فيه للجنس ويتعين هذا اذا جعلت مثل بمعنى صفة فلا يكون زائدا ويجوز زيادة الكاف وجعل مثل بمعنى مشابه.

اطفيش

تفسير : {مَثلُ} صفة او شبه {الَّذين اتخذوا مِن دُون الله أولياء} حيوانا او جمادا للعبادة او دونها، يعتمدون عليها ممن ذكر وغيرهم {كَمثَل} صفة او شبه {العنْكَبَوُت اتَّخذتْ بيتاً} فى مجرد الحقارة والضعف، وليس المراد المساواة من كل وجه، فان بيت العنكبوت ينفعها، وذكر ايضاً من الادوية ونفع شئ شيئا اخر استقلالا عن الله سبحانه لا يتصور، فاتخاذهم اولياء من دون الله باطل بخلاف اتخاذ المؤمن الله وليا، فانه اعظم من اتخاذ بيت من حجر وجص، او بيت منحوت فى جبل، وجملة اتخذت نعت العنكبوت، ولو قرن بال لانها للجنس، فجاز نعته بالجملة، لان كالنكرة لا حال الا على قول مجيز الحال من المضاف اليه بلا شرط، والعنكبوت مفرد يؤنث ولا يعارض افراده بقوله: {الذين} لجواز تشبيه جماعة بواحد، بل قد علمت ان المراد بالعنكبوت الجنس ونونه زائدة كواوه وتائه يجمع على عناكب، لجواز الجمع بالزائد وهو مطرد كفتاح ومفاتيح، وجمعه على عكاب يدل على زيادتها، وكذا قول سيبويه فى موضع من كتابه وزن عناكب، فناعل نص فى زيادتها، لكن قال فى موضع آخر وزنه فعالل، فهذا نص فى اصالتها، ولعل ذلك احتمالان عنده او لغتان فى اصالتها وزيادتها، والظاهر الزيادة من العكب، وهو الغلظ او شدة السير، فانه يشتد فى وثوبه الى الذباب وفى فراره. {وإنَّ أوْهَنَ البيُوت لَبيتُ العَنْكبوت} هذه الجملة حال من ضمير اتخذت، وفى مراسل ابى داود، عن يزيد بنى مرتد، عنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : العنكبوت شيطان مسخها الله ومن وجدها فليقتلها" تفسير : وهو ضعيف مناف لرواية على عنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : دخلت أنا وأبو بكر الغار فاجتمعت العنكبدت فنسجت بالباب فلا تقتلوهن" تفسير : وفى هذا الحديث ان العنكبوت اسم جمع، ولعل المراد بحديث قتلها عنكبوت اخر ذو سم يحفر فى الارض، ويخرج فى الليل، ونسج العنكبوت طاهر، والاصل الطهارة، سواء من فيه كما هو الظاهر او جلده، والمشاهد انه من فيه،، وانه يدور به من فيه فى بعض الاحيان على ذباب، فيربطه به، او بيت العنكبوت دينهم. {لوْ كانُوا يعْلمُون} شيئاً من دين الله لعلموا ما ذكرنا من ان دينهم كنسيج العنكبوت، او مبالغة فى استجهالهم، حتى كأنهم لم يعلموا شيئا ما، ولو علموه لعلموا ما ذكر او اغنى ما مر عن جوابها، لان ما قبلها بمنزلة ان الامر ظاهر لهم، لا يخفى لو كانوا يعلمون، او لو للتمنى، والله منزه عنه، والرسول والمؤمنون لا يتمنون لهم العلم، بل يلعنونهم، ولكن على معنى انهم بصورة من يتمنى له، او يراد بتمنيهم حب ان يعلموا، والرغبة فيه.

الالوسي

تفسير : {مَثَلُ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَوْلِيَاء } استئناف متضمن تقبيح حال أولئك المهلكين الظالمين لأنفسهم وأضرابهم ممن تولى غير الله عز وجل، وفيه إشارة إلى أعظم أنواع ظلمهم فالمراد بالموصول جميع المشركين الذين عبدوا من دون الله عز وجل الأوثان. وجوز أن يكون جميع من اتخذ غيره تعالى متكلاً ومعتمداً آلهة كان ذلك أو غيرها، ولذا عدل إلى أولياء من آلهة أي صفتهم أو شبههم {كَمَثَلِ ٱلْعَنكَبُوتِ } أي كصفتها أو شبهها. {ٱتَّخَذَتْ بَيْتاً وَإِنَّ أَوْهَنَ ٱلْبُيُوتِ لَبَيْتُ ٱلْعَنكَبُوتِ } بيانا لصفة العنكبوت التي يدور عليها أمر التشبيه. والجملة على ما نقل عن الأخفش من لزوم الوقف على العنكبوت مستأنفة لذلك {وَإِنَّ أَوْهَنَ ٱلْبُيُوتِ } الخ في موضع الحال من فاعل {اتخذت} المستكن فيه، وجوز كونه في موضع الحال من مفعوله بناء على جواز مجيء الحال من النكرة، وعلى الوجهين وضع المظهر موضع الضمير الراجع إلى ذي الحال، والجملة من تتمة الوصف. واللام في {البيوت} للاستغراق، والمعنى مثل المتخذين لهم من دون الله تعالى أولياء في اتخاذهم إياهم كمثل العنكبوت وذلك أنها اتخذت لها بيتاً والحال أن أوهن كل البيوت وأضعفها بيتها، وهؤلاء اتخذوا لهم من دون الله تعالى أولياء والحال أن أوهن كل الأولياء وأضعفها أولياؤهم، وإن شئت فقل: إنها اتخذت بيتاً في غاية الضعف وهؤلاء اتخذوا لها أو متكلاً في غاية الضعف فهم وهي مشتركان في اتخاذ ما هو في غاية الضعف في بابه، ويجوز أن تكون جملة {اتخذت} حالاً من {العنكبوت} بتقدير قد أو بدونها أو صفة لها لأن أل فيها للجنس، وقد جوزوا الوجهين في الجمل الواقعة بعد المعرف بأل الجنسية نحو قوله تعالى: {أية : كَمَثَلِ ٱلْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً }تفسير : [الجمعة: 5] وعن الفراء أن الجملة صلة لموصول محذوف وقع صفة {ٱلْعَنكَبُوتِ } أي التي اتخذت، وخرج الآية التي ذكرناها على هذا واختار حذف الموصول في مثله ابن درستويه، وعليه لا يوقف على {العنكبوت}، وأنت تعلم أن كون الجملة صفة أظهر. والمعنى حينئذ مثل المشرك الذي عبد الوثن بالقياس إلى الموحد الذي عبد الله تعالى كمثل عنكبوت اتخذت بيتاً بالإضافة إلى رجل بنى بيتاً بآجر وجص أو نحته من صخر وكما أن أوهن البيوت إذا استقريتها بيتاً بيتاً بيت العنكبوت كذلك أضعف الأديان إذا استقريتها ديناً ديناً عبادة الأوثان، وهو وجه حسن ذكره الزمخشري في الآية، وقد اعتبر فيه تفريق التشبيه، والغرض إبراز تفاوت المتخذين والمتخذ مع تصوير توهين أمر أحدهما وإدماج توطيد الآخر، وعليه يجوز أن يكون قوله تعالى: {وَإِنَّ أَوْهَنَ ٱلْبُيُوتِ } جملة حالية لأنه من تتمة التشبيه، وأن يكون اعتراضية لأنه لو لم يؤت به لكان في ضمنه ما يرشد إلى هذا المعنى وإلى كونه جملة حالية ذهب الطيبـي. وقال صاحب «الكشف»: كلام الزمخشري إلى كونه اعتراضية أقرب لأن قوله: وكما أن أوهن البيوت الخ ليس فيه إيماء إلى تقييد الأول، وقد تعقب أبو حيان هذا الوجه بأنه لا يدل عليه لفظ الآية، وإنما هو تحميل اللفظ ما لا يحتمله كعادته في كثير من «تفسيره»، وهذه مجازفة على صاحب «الكشاف» كما لا يخفى، ويجوز أن يكون المعنى مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء فيما اتخذوه معتمداً ومتكلاً في دينهم وتولوه من دون / الله تعالى كمثل العنكبوت فيما نسجته واتخذته بيتاً، والتشبيه على هذا من المركب فيعتبر في جانب المشبه اتخاذ ومتخذ واتكال عليه، وكذلك في الجانب الآخر ما يناسبه ويعتبر تشبيه الهيئة المنتزعة من ذلك كله بالهيئة المنتزعة من هذا بالأسر، والغرض تقرير وهن أمر دينهم وأنه بلغ الغاية التي لا غاية بعدها، ومدار قطب التشبيه أن أولياءهم بمنزلة منسوج العنكبوت ضعف حال وعدم صلوح اعتماد، وعلى هذا يكون قوله تعالى: {إِنٍ أَوْهَنَ ٱلْبُيُوتِ } تذييلاً يقرر الغرض من التشبيه. وجوز أن يكون المعنى والغرض من التشبيه ما سمعت إلا أنه يجعل التذييل استعارة تمثيلية ويكون ما تقدم كالتوطئة لها، فكأنه قيل: وإن أوهن ما يعتمد عليه في الدين عبادة الأوثان، وهي تقرر الغرض من التشبيه بتبعية تقرير المشبه، وكأن التقرير في الوجه السابق بتبعية تقرير المشبه به، وهذا قريب من تجريد الاستعارة وترشيحها، ونظير ذلك قولك: زيد في الكلام بحر والبحر لا يخيب من أتاه إذا كان البحر الثاني مستعاراً للكريم، وذكر الطرفين إنما يمنع من كونه استعارة لو كان في جملته، ورجح السابق لأن عادة البلغاء تقرير أمر المشبه به ليدل به على تقرير المشبه، ولأن هذا إنما يتميز عن الإلغاز بعد سبق التشبيه. وجوز أن يكون قوله تعالى: {مَثَلُ ٱلَّذِينَ } الخ كالمقدمة الأولى، وقوله سبحانه: {وَإِنَّ أَوْهَنَ ٱلْبُيُوتِ } كالثانية وما هو كالنتيجة محذوف مدلول عليه بما بعد كما في «الكشف»، والمجموع يدل على المراد من تقرير وهن أمر دينهم وأنه بلغ الغاية التي لا غاية بعدها على سبيل الكناية الإيمائية فتأمل. والظاهر أن المراد بالعنكبوت النوع الذي ينسج بيته في الهواء ويصيد به الذباب لا النوع الآخر الذي يحفر بيته في الأرض ويخرج في الليل كسائر الهوام، وهي على ما ذكره غير واحد من ذوات السموم فيسن قتلها لذلك، لا لما أخرج أبو داود في «مراسيله» عن يزيد بن مرثد من قوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : العنكبوت شيطان مسخها الله تعالى فمن وجدها فليقتلها»تفسير : فإنه كما ذكر الدميري ضعيف. وقيل: لا يسن قتلها فقد أخرج الخطيب عن علي كرم الله تعالى وجهه قال: «حديث : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم دخلت أنا وأبو بكر الغار فاجتمعت العنكبوت فنسجت بالباب فلا تقتلوهن» تفسير : ذكر هذا الخبر الجلال السيوطي في «الدر المنثور»، والله تعالى أعلم بصحته وكونه مما يصلح للاحتجاج به، ونصوا على طهارة بيتها لعدم تحقق كون ما تنسج به من غذائها المستحيل في جوفها مع أن الأصل في الأشياء الطهارة، وذكر الدميري أن ذلك لا تخرجه من جوفها بل من خارج جلدها، وفي هذا بعد. وأنا لم أتحقق أمر ذلك ولم أعين كونه من فمها أو دبرها أو خارج جلدها لعدم الاعتناء بشأن ذلك لا لعدم إمكان الوقوف على الحقيقة، وذكر أنه يحسن إزالة بيتها من البيوت لما أسند الثعلبـي وابن عطية وغيرهما عن علي كرم الله تعالى وجهه أنه قال: «طهروا بيوتكم من نسج العنكبوت فإنه تركه في البيوت يورث الفقر» وهذا إن صح عن الإمام كرم الله تعالى وجهه فذاك، وإلا فحسن الإزالة لما فيها من النظافة ولا شك بندبها. والتاء في العنكبوت زائدة كتاء طالوت فوزنه فعللوت وهو يقع على الواحد والجمع والمذكر والمؤنث، ومن استعماله مذكراً قوله:شعر : على هَطَّالهم منهم بيوت كأن العنكبوت هو ابتناها تفسير : واستظهر الفاضل سعدي جلبـي كون المراد به هنا الواحد، وذهب إلى تأنيثه أيضاً فذكر أنه اختير هنا / تأنيثه لأنه المناسب لبيان الخور والضعف فيما يتخذه، وقال مولانا الخفاجي معرضاً به: الظاهر أن المراد الجمع لا الواحد لقوله تعالى: {ٱلَّذِينَ } وأما افراد البيت فلأن المراد الجنس، ولذلك أنث {ٱتَّخَذْتَ } لا لأن المراد المؤنث، وفي «القاموس» ((العنكبوت معروف وهي العنكباة والعكنباة والعنكبوة والعنكباء، والذكر عنكب وهي عنكبة، وجمعه عنكبوتات وعناكب، والعِكاب. والعُكُب والأعْكُب أسماء الجموع))، وتعقب بأن عد ما عدا ما ذكره أولاً اسم جمع لا وجه له لأن أعكب لا يصح فيه ذلك، وذكروا في جمعه أيضاً عناكيب. واختلف في نونه فقيل أصلية، وقيل: زائدة كالتاء، وجمعه على عكاب يدل على ذلك. وذكر السجستاني في «غريب سيبويه» أنه ذكر عناكب في موضعين فقال في موضع: وزنه فناعل وفي آخر فعالل، فعلى الأول النون زائدة وهو مشتق من العكب وهو الغلظ اهـ المراد منه، ولعل الأقرب على ذلك كونه مشتقاً من العكب بالفتج بمعنى الشدة في السير فكأنه لشدة وثبه لصيد الذباب أو لشدة حركته عند فراره أطلق عليه اسم العنكبوت. {لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ } أي لو كانوا يعلمون شيئاً من الأشياء لعلموا أن هذا مثلهم أو أن أمر دينهم بالغ هذه الغاية من الوهن، وقيل: أي لو كانوا يعلمون وهن الأوثان لما اتخذوها أولياء من دون الله تعالى، وفي «الكشف» أن قوله تعالى: {لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ } على جميع التقادير أي المذكورة في «الكشاف» وقد ذكرناها فيما مر من الإيغال، جعلهم سبحانه في الاتخاذ ثم زادهم جل وعلا تجهيلاً أنهم لا يعلمون هذا الجهل البين الذي لا يخفى على من له أدنى مسكة، و {لَوْ } شرطية وجوابها محذوف على ما أشرنا إليه، وجوز بعضهم كونها للتمني فلا جواب لها وهو غير ظاهر.

ابن عاشور

تفسير : لما بينت لهم الأشباه والأمثال من الأمم التي اتخذت الأصنام من دون الله فما أغنت عنهم أصنامهم لما جاءهم عذاب الله أعقب ذلك بضرب المثل لحال جميع أولئك وحال من ماثلهم من مشركي قريش في اتخاذهم ما يحسبونه دافعاً عنهم وهو أضعف من أن يدفع عن نفسه، بحال العنكبوت تتخذ لنفسها بيتاً تحسب أنها تعتصم به من المعتدي عليها فإذا هو لا يصمد ولا يثبت لأضعف تحريك فيسقط ويتمزق. والمقصود بهذا الكلام مشركو قريش، وتعلم مساواة غيرهم لهم في ذلك بدلالة لحن الخطاب، والقرينة قوله بعده {أية : إن الله يعلم ما تدعون من دونه من شيء}تفسير : [العنكبوت: 42] فضمير {اتخذوا} عائد إلى معلوم من سياق الكلام وهم مشركو قريش. وجملة {اتخذت بيتاً} حال من {العنكبوت} وهي قيد في التشبيه. وهذه الهيئة المشبه بها مع الهيئة المشبهة قابلة لتفريق التشبيه على أجزائها فالمشركون أشبهوا العنكبوت في الغرور بما أعدوه، وأولياؤهم أشبهوا بيت العنكبوت في عدم الغناء عمن اتخذوها وقت الحاجة إليها وتزول بأقل تحريك، وأقصى ما ينتفعون به منها نفع ضعيف وهو السكنى فيها وتوهم أن تدفع عنهم كما ينتفع المشركون بأوهامهم في أصنامهم. وهو تمثيل بديع من مبتكرات القرآن كما سيأتي قريباً عند قوله {أية : وتلك الأمثال نضربها للناس}تفسير : في هذه السورة. (43) و {العنكبوت}: صنف من الحشرات ذات بطون وأرجل وهي ثلاثة أصناف، منها صنف يسمى ليث العناكب وهو الذي يفترس الذباب، وكلها تتخذ لأنفسها نسيجاً تنسجه من لُعابها يكون خيوطاً مشدودة بين طرفين من الشجر أو الجدران، وتتخذ في وسط تلك الخيوط جانباً أغلظ وأكثر اتصال خيوط تحتجب فيه وتفرّخ فيه. وسمي بيتاً لشبهه بالخيمة في أنه منسوج ومشدود من أطرافه فهو كبيت الشعر. وجملة {وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت} معترضة مبينة وجه الشبه. وهذه الجملة تجري مجرى المثل فيضرب لقلة جدوى شيء فاقتضى ذلك أن الأديان التي يعبد أهلها غير الله هي أحقر الديانات وأبعدها عن الخير والرشد وإن كانت متفاوتة فيما يعرض لتلك العبادات من الضلالات كما تتفاوت بيوت العنكبوت في غلظها بحسب تفاوت الدويبات التي تنسجها في القوة والضعف. وجملة {لو كانوا يعلمون} متصلة بجملة {كمثل العنكبوت} لا بجملة {وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت}. فتقدير جواب {لو} هكذا: لو كانوا يعلمون أن ذلك مثَلُهم، أي ولكنهم لا يعلمون انعدام غناء ما اتخذوه عنهم. وأما أوهنية بيت العنكبوت فلا يجهلها أحد.

الشنقيطي

تفسير : قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة الأعراف في الكلام على قوله تعالى: {أية : فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ ٱلْكَلْبِ} تفسير : [الأعراف: 176] الآية وفي مواضع أخر.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 41- شأن المبطلين الموالين لغير الله فى الضعف والوهن والاعتماد على غير معتمد؛ كشأن العنكبوت فى اتخاذها بيتاً تحتمى به، وبيتها أوهى البيوت وأبعد عن الصلاحية للاحتماء، ولو كان هؤلاء المبطلون أهل علم وفطنة لما فعلوا ذلك. 42- إن الله - سبحانه - محيط علماً ببطلان عبادة الآلهة، وهو - سبحانه - الغالب على كل شئ الحكيم فى تدبيره وتشريعه. 43- وهذه العبر والأمثال يذكرها الله للناس للعظة والاعتبار، وما يعتبر بها إلا العقلاء الذين يتدبرون. 44- وبجانب ما ذكر الله من القصص والأمثال والآيات آية أوضح، هى خلق السموات والأرض بالقدرة والحكمة والتدبير الكامل لصالح الناس، وفى هذا دلائل صادقة لمن يؤمنون بالحق. 45- اقرأ - أيها النبى - كتاب الله، ولا تلتفت إليهم، وأد الصلاة على وجهها، لأن الصلاة مع الإخلاص من شأنها أن تصرف من يقيمها عن الذنوب وكل ما ينكره الشرع. ولتقوى الله ومراقبته فى الصلاة وغيرها أكبر أثراً وأعظم ثواباً. والله يعلم ما تفعلون من الخير والشر فيجازيكم عليه.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء: أي صفة وحال الذين اتخذوا أصناماً يرجون نفعها. كمثل العنكبوت اتخذت بيتاً: أي لنفسها تأوي إليه. أوهن البيوت: أضعف البيوت وأقلها جدوى. يعلم ما يدعون من دونه من شيء: أي من الأوثان والأصنام وغيرها. وهو العزيز الحكيم: أي الغالب على أمره الحكيم في تدبير أمور خلقه. وما يعقلها إلا العالمون: أي العالمون بالله وآياته وأحكام شرعه وأسراره. خلق الله السماوات والأرض بالحق: أي من أجل أن يعبد لا للهو ولا لباطل. أتل ما أوحي إليك من الكتاب: اقرأ يا رسولنا ما أنزل إليك من القرآن. وأقم الصلاة: بأدائها مقامة مراعى فيها شروطها وأركانها وواجباتها وسننها. تنهى عن الفحشاء والمنكر: أي الصلاة بما توجده من نور في قلب العبد يصبح به لا يقدر على فعل فاحشة ولا إتيان منكر. ولذكر الله أكبر: أي ذكر الله عبده أكبر من ذكر العبد ربه كما أن ذكر الله أكبر في النهي عن الفحشاء والمنكر من الصلاة وغيرهما. معنى الآيات: بعد أن ذكر تعالى نقمته على أعدائه الذين كفروا به وأشركوا غيره في عبادته وكذبوا رسله وكان ذلك تنبيهاً وتعليماً للمشركين والكافرين المعاصرين لنزول القرآن لعلهم يستجيبون للدعوة المحمدية فيؤمنوا ويوحدوا ويسلموا من العذاب والخسران. ذكر هنا في هذه الآيات مثلاً لعبادة الأوثان في عدم نفعها لعابديها والقصد هو تقرير التوحيد، وإبطال الشرك العائق عن كمال الإِنسان وسعادته وقال تعالى: {مَثَلُ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ} أي شركاء وهي الأصنام والأوثان يعبدونها راجين نفعها وشفاعتها لهم عند الله تعالى {كَمَثَلِ ٱلْعَنكَبُوتِ ٱتَّخَذَتْ بَيْتاً} لتأوي إليه قصد وقايتها مما تخاف من جراء برد أو اعتداء حشرة عليها، {وَإِنَّ أَوْهَنَ ٱلْبُيُوتِ لَبَيْتُ ٱلْعَنكَبُوتِ} والحال أن أوهن البيوت أي أضعفها وأحقرها شأناً وأقلها مناعة هو بيت العنكبوت فهذه حال المشركين الذين اتخذوا من دون الله {أَوْلِيَآءَ} أي أصناماً يرجون النفع، ودفع الضر بها فهم واهمون في ذلك غالطون، مخطئون، إنه لا ينفع ولا يضر إلا الله فليعبدوه وحده وليتركوا ما سواه. وقوله: {لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ} أي لو كان المشركون يعلمون أن حالهم في عبادتهم غير الله في عدم الانتفاع بها كحال العنكبوت في عدم الانتفاع ببيتها الواهي لما رضوا بعبادة غير الله وتركوا عبادة الله الذي بيده كل شيء وإليه مصير كل شيء. وقوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ} فيه تهديد للمشركين المصرين على الشرك بأنه لا يخفى عليه ما هم عليه من دعاء غيره، ولو شاء لأهلكهم كما أهلك من قبلهم {وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ} أي الغالب على أمره {ٱلْحَكِيمُ} في تدبير خلقه ولذا يعجل العقوبة لمن يعجل لحكمة ويؤخرها لمن يؤخرها عنه لحكمة فلا يغتر المشركون بتأخير العذاب، ولا يستدلون به على رضا الله تعالى بعبادتهم، وكيف يرضاها وقد أهلك أمماً بها وأنزل كتابه وبعث رسوله لإِبطالها والقضاء عليها وقوله تعالى: {وَتِلْكَ ٱلأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ} أي وهذه الأمثال نضربها للناس لأجل إيقاظهم وتبصيرهم وهدايتهم، وما {وَمَا يَعْقِلُهَآ إِلاَّ ٱلْعَالِمُونَ} أي وما يدرك مغزاها وما تهدف إليه من التنفير من الشرك العائق عن كل كمال وإسعاد في الدارين {إِلاَّ ٱلْعَالِمُونَ} أي بالله وشرائعه وأسرار كلامه وما تهدي إليه آياته. وقوله تعالى: {خَلَقَ ٱللَّهُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ بِٱلْحَقِّ} إخبار بأنه تعالى هو الذي خلق السماوات والأرض وهي مظاهر قدرته وعلمه وحكمته موجبة لعبادته بتعظيمه وطاعته ومحبته والإِنابة إليه والخوف منه. وخلقهما بالحق لا بالباطل وذلك من أجل أن يذكر فيهما ويشكر فمن كفر به فترك ذكره وشكره كان كمن عبث بالسماوات والأرض وأفسدها، لذا يعذب نظراً إلى عظم جرمه عذاباً دائماً أبداً. وقوله: {إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَةً لِّلْمُؤْمِنِينَ} أي إن في خلق السماوات والأرض بالحق {لآيَةً} أي علامة بارزة على وجود الله وقدرته وعلمه وحكمته، وهذه موجبات ألوهيته على سائر عباده فهو الإِله الحق الذي لا رب غيره. ولا إله سواه وبعد هذا البيان والبرهان لم يبق عذر لمعتذر، وعليه فـ {ٱتْلُ} أيها الرسول {مَا أُوْحِيَ إِلَيْكَ مِنَ ٱلْكِتَابِ} تعليماً وتذكيراً وتعبداً وتقرباً {وَأَقِمِ ٱلصَّلاَةَ} طرفي النهار وزلفاً من الليل فإن في ذلك عوناً كبيراً لك على الصبر والثبات وزاداً عظيماً لرحلتك إلى الملكوت الأعلى. وقوله تعالى: {إِنَّ ٱلصَّلاَةَ تَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنْكَرِ} تعليل للأمر بإقام الصلاة فإن الصلاة بما توجده من إشراقات النفس والقلب والعقل حال تحول بين العبد وبين التلوث بقاذورات الفواحش ومفاسد المنكر وذلك يفيد إقامتها لا مجرد أدائها والإِتيان بها. وإقامة الصلاة تتمثل في الإِخلاص فيها لله تعالى أولاً ثم بطهارة القلب من الالتفات إلى غير الرب تعالى أثناء أدائها ثانياً، ثم بأدائها في أوقاتها المحددة لها وفي المساجد بيوت الله، ومع جماعة المسلمين عباد الله وأوليائه، ثم بمراعاة أركانها من قراءة الفاتحة والركوع والطمأنينة فيه والاعتدال والطمأنينة فيه، والسجود على الجبهة والأنف والطمأنينة فيه، وآخر أركانها الخشوع وهو السكون ولين القلب وذرف الدمع. هذه هي الصلاة التي توجد طاقة النور التي تحول دون الانغماس في الشهوات والذنوب وإتيان الفاحشة وارتكاب المنكر. وقوله تعالى: {وَلَذِكْرُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ} أي أكبر في النهي عن الفحشاء والمنكر من إقامة الصلاة لأن الصلاة أثناء أدائها مانعة عاصمة لكن إذا خرج منها، قد يضعف تأثيرها، أما ذكر الله بالقلب واللسان في كل الأحيان فهو عاصم مانع من الوقوع في الفحشاء والمنكر وفي اللفظ معنى آخر وهو أن ذكر الله للعبد في الملكوت الأعلى أكبر من ذكر العبد للرب في ملكوت الأرض ويدل عليه قوله: "حديث : من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، ومن ذكرني في ملإٍ، ذكرته في ملإِ خير منه" تفسير : كما في الحديث الصحيح. وقطعاً والله لذكر الرب العبد الضعيف أكبر من ذكر العبد الضعيف الرب العظيم. اللهم اجعلنا من الذاكرين الشاكرين لآلائك. وقوله: {وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ} فيه وعد وعيد، فإن علمه يترتب عليه الجزاء فمن كان يصنع المعروف جزاه به، ومن كان يصنع السوء جزاه به. اللهم ارزقنا صنائع المعروف وأبعد عنا صنائع السوء آمين. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- استحسان ضرب الأمثال لتقريب المعاني للأفهام. 2- تقرير التوحيد وإبطال التنديد. 3- فصل العلماء على غيرهم، العلماء بالله، بصفاته وأسمائه وآياته، وشرائعه، وأسرارها. 4- وجوب تلاوة القرآن، وإقامة الصلاة، وذكر الله، إذ هي غذاء الروح وزاد العروج إلى الملكوت الأعلى. 5- بيان فائدة إقام الصلاة وتلاوة القرآن وذكر الله تعالى بالقلب واللسان.

القطان

تفسير : بعد هذه الجولة في سورة العنكبوت، والحديث عن الفتنة والابتلاء والاغراء وقصص بعض الانبياء وأممهم، والذين بهرتهم قوى المال والجاه، فظنوا انها تحميهم من الله - يضرب الله المثلَ لحقيقة القوى المتصارعة في هذه الميادين وانهم خاطئون بكل تقديراتهم، وان هنالك قوة واحدة هي قوة الله، وما عداها فهو هزيل ضعيف، لن يحميهم الا كالعنكبوت الضعيفة التي اتخذت أوهنَ البيوت لحمايتها. ثم زاد الله الانكار توكيدا بقوله: {إِنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ} فكيف يتسنى للعاقل ان يترك القادر الحكيم ويعبد سواه!!، بعد ذلك بين الله فائدة ضرب الامثال للناس، وانه لا يدرك مغزاها الا ذوو الألباب الذين يعلمون ويعقلون. إن الإله الذي يستحق العبادة هو الذي {خَلَقَ ٱللَّهُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ بِٱلْحَقِّ}، لا عبثا ولا لعباً بل لحكمة يعلمها المؤمنون، وفي نظام دقيق لا يتخلف ولا يبطىء ولا يصدم بعضه بعضا. {إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَةً لِّلْمُؤْمِنِينَ} الذين تتفتح قلوبهم لآيات الله الكونية وعجائب هذا الكون الكبير. وبعد نهاية هذه الجولة العظيمة سلّى رسوله الكريم بتلاوة ما أوحى اليه من الكتاب، وامره بإقامة الصلاة التي تنهى عن الفحشاء والمنكر، هي اكبر مطهر للانسان حين يقيمها حق الاقامة. {وَلَذِكْرُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ}. فذِكر الله اكبر من كل شيء، واكبر من كل تعبد وخشوع. والله يعلم ما تفعلون من خيرٍ وشر فيجازيكم عليه. قراءات: قرأ ابو عمرو ويعقوب عاصم: ان الله يعلم ما يدعون من دونه، بالياء، والباقون: ان الله يعلم ما تدعون من دونه، بالتاء.

د. أسعد حومد

تفسير : (41) - ثُمَّ ضَرَبَ اللهُ تَعَالَى مَثَلاً لِلْمُشرِكِينَ الذينَ اتَخَذُوا آلِهَةٌ مِنْ دُونِ اللهِ، يَرْجُونَ نَفْعَهُمْ وَنَصْرَهُمْ وَرِزْقَهُمْ، فَقَالَ: إِنَّ مَثَلَ عَمَلِ هؤُلاءِ المُشرِكِينَ، مَثَلُ العَنْكَبُوتِ التِي اتَّخَذَتْ بَيتاً تَحْتمي بهِ، مَعَ أَنَّ بيتَها هُوَ أَوْهَى البُيُوتِ، وأَضْعَفُها، وأَبْعَدُها عَنِ الصَّلاحِ لِتَأْمِينِ الحِمَايَةِ. وَلَوْ علِمَ المُشْرِكُونَ حَقيقَةَ حَالِهِمْ لَمَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ أَوْلِياءَ لاَ يُغْنُونُ عنهُمْ شَيئاً، لكِنَّ الجَهْلَ بَلَغَ مِنْ هؤُلاءِ حَداً لا يَسْتَطِيعُونَ مَعَهُ التَّميِيزَ بينَ الخَيرِ والشَّرِّ.

الثعلبي

تفسير : {مَثَلُ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَوْلِيَآءَ} يعني: الأصنام يرجون نصرها ونفعها عند حاجتهم إليها {كَمَثَلِ ٱلْعَنكَبُوتِ ٱتَّخَذَتْ بَيْتاً} لنفسها كيما يكنّها فلم يغن عنها بناؤها شيئاً عند حاجتها إياه، فكما أنّ بيت العنكبوت لا يدفع عنها برداً ولا حراً كذلك هذه الأوثان لا تملك لعابديها نفعاً ولا ضراً ولا خيراً ولا شراً. {وَإِنَّ أَوْهَنَ} أضعف {ٱلْبُيُوتِ لَبَيْتُ ٱلْعَنكَبُوتِ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ} قال النحاة: العنكبوت مؤنثة التاء التي فيها، وقد يذكّرها بعض العرب، أنشد الفراء: شعر : على هطالهم منهم بيوت كأنّ العنكبوت هو ابتناها تفسير : وزنته فعللون. أخبرني ابن فنجويه، قال: حدثنا ابن شنبه، قال: حدثنا أبو حامد المستملي، قال: حدثنا محمد بن عمران الضبي، قال: حدثني محمد بن سليمان المكي، قال: حدثني عبد الله بن ميمون القداح، قال: سمعت جعفر بن محمد يقول: سمعت أبي يقول: قال علي بن أبي طالب: طهّروا بيوتكم من نسيج العنكبوت، فإنّ تركه في البيوت يورث الفقر، قال: سمعت علياً يقول: منع الخميرة يورث الفقر. {إِنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ} بالياء أهل البصرة واختاره أبو عبيد قال: لذكر الأمم قبلها. واختلف فيها عن عاصم، غيرهم بالتاء. {مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ * وَتِلْكَ ٱلأَمْثَالُ} الأشياء والأوصاف، والمثل: قول سائر يشبّه حال الثاني بالأول {نَضْرِبُهَا} يبيّنها {لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَآ إِلاَّ ٱلْعَالِمُونَ}. أخبرني ابن فنجويه، قال: حدثنا ابن مندة قال: حدثنا الحارث بن أبي أسامة قال: حدثنا داود بن المخبر قال: حدثنا عباد بن كثير، عن أبي جريج، عن عطاء وأبي الزبير، عن جابر أنّ حديث : النبي صلى الله عليه وسلم تلا هذه الآية: {وَتِلْكَ ٱلأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَآ إِلاَّ ٱلْعَالِمُونَ} فقال: "العالم من عقل عن الله فعمل بطاعته واجتنب سخطه" . تفسير : {خَلَقَ ٱللَّهُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ بِٱلْحَقِّ إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَةً لِّلْمُؤْمِنِينَ * ٱتْلُ مَا أُوْحِيَ إِلَيْكَ مِنَ ٱلْكِتَابِ وَأَقِمِ ٱلصَّلاَةَ إِنَّ ٱلصَّلاَةَ تَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنْكَرِ} قال ابن عمر: تغني. الفراء: أن تنهي عن الفحشاء والمنكر ودليل هذا التأويل قوله: {أية : وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ}تفسير : [الإسراء: 110] أي بقراءتك. وقال آخرون: هي الصلاة التي فيها الركوع والسجود. قال ابن مسعود وابن عباس: يقول: في الصلاة: منتهى ومزدجر عن معاصي الله سبحانه وتعالى، فمن لم تأمره صلاته بالمعروف وتنهاه عن المنكر لم يزدد بصلاته من الله إلاّ بعداً. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا صلاة لمن لم يطع الصلاة، وإطاعة الصلاة أن تنهي عن الفحشاء والمنكر ". تفسير : وروى أبو سفيان عن جابر قال: حديث : قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إنّ فلاناً يصلي بالنهار ويسرق بالليل، فقال: "إنّ صلاته لتردعه" . تفسير : وقال أنس بن مالك: حديث : كان فتى من الأنصار يصلي الصلاة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم لا يدع شيئاً من الفواحش إلاّ ركبه، فوصف لرسول الله صلى الله عليه وسلم حاله، فقال: "إنّ صلاته تنهاه يوماً ما"، فلم يلبث أن تاب وحسن حاله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "ألم أقل لكم إنّ صلاته تنهاه يوماً ما" . تفسير : وقال ابن عون: معناه أنّ الصلاة تنهى صاحبها عن الفحشاء والمنكر ما دام فيها، وقال أهل المعاني: ينبغي أن تنهاه صلاته كقوله: {أية : وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً}تفسير : [آل عمران: 97]. {وَلَذِكْرُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ} اختلفوا في تأويله، فقال قوم: معناه {وَلَذِكْرُ ٱللَّهِ} إياكم أفضل من ذكركم إياه، وهو قول عبد الله وسلمان ومجاهد وعطية وعكرمة وسعيد بن جبير، ورواية عبد الله بن ربيعة عن ابن عباس، وقد روى ذلك مرفوعاً: أخبرناه الحسين بن محمد بن الحسين الدينوري، قال: حدثنا أحمد بن محمد بن إسحاق السني، قال: حدثني أحمد بن علي بن الحسين، قال: حدثنا إبراهيم بن أبي داود البزكي، قال: حدثنا الحسين اللهبني، قال: حدثنا صالح بن عبد الله بن أبي فروة، عن إسماعيل بن إبراهيم بن عقبة، عن عمّه موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر إنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في قول الله سبحانه: {وَلَذِكْرُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ} قال: "حديث : ذكر الله إياكم أكبر من ذكركم إياه ". تفسير : قالت الحكماء: لأنّ ذكر الله سبحانه للعبد على حدّ الاستغناء، وذكر العبد إياه على حدّ الافتقار، ولأنّ ذكره دائم، وذكر العبد مؤقت، ولأنّ ذكر العبد بحد رفع أو دفع ضر، وذكر الله سبحانه إياه للفضل والكرم. وقال ذو النون: لأنّك ذكرته بعد أن ذكرك، وقال ابن عطاء: لأنّ ذكره لك بلا علة، وذكرك مشوب بالعلل. أبو بكر الوراق: لأنّ ذكره تعالى للعبد أطلق لسانه بذكره له، ولأنّ ذكر العبد مخلوق وذكره غير مخلوق. وقال أبو الدرداء وابن زيد وقتادة: معناه ولذكر الله أكبر مما سواه وهو أفضل من كل شيء. أخبرني أبو عبد الله الحسين بن محمد بن محمد الثقفي الحافظ قال: حدثنا أبو حذيفة أحمد بن محمد بن علي قال: حدثنا زكريا بن يحيى بن يعقوب المقدسي، قال: حدثنا عيسى بن يونس قال: حدثنا عبد الوارث بن سعيد، عن جويبر عن الضحاك، عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: {وَلَذِكْرُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ} قال: "حديث : ذكر الله على كل حال أحسن وأفضل، والذكر أن نذكره عند ما حرم، فندع ما حرم ونذكره عند ما أحل فنأخذ ما أحل ". تفسير : وأخبرني الحسين بن محمد قال: حدثنا ابن شنبه قال: حدثنا جعفر بن محمد الفرباني قال: حدثنا إسحاق بن راهويه قال: أخبرنا إسحاق بن سليمان الرازي قال: سمعت موسى بن عبيدة الزيدي يحدث أبي عبد الله القراظ، عن معاذ بن جبل قال: بينما نحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم نسير بالدف من حمدان إذ استنبه، فقال: "حديث : يا معاذ إن السابقين الذين يستهترون بذكر الله، من أحب أن يرتع في رياض الجنة فليكثر ذكر الله سبحانه ". تفسير : قال إسحاق بن سليمان: سمعت حريز بن عثمان يحدث، عن أبي بحرية، عن معاذ بن جبل، قال: ما عمل آدمي عملا أنجى له من عذاب الله من ذكر الله سبحانه، قالوا: ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: لا ولو ضرب بسيفه، قال الله سبحانه: {وَلَذِكْرُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ}. وأخبرني الحسين بن محمد، قال: حدثنا ابن شنبه، قال: حدثنا جعفر بن محمد الفرباني، قال: حدثنا يحيى بن عمار المصيصي، قال: حدثنا أبو أسامة، عن عبد الحميد بن جعفر، عن صالح بن أبي غريب، عن كثير بن مرة الحضرمي، قال: سمعت أبا الدرداء يقول: ألا أخبركم بخير أعمالكم لكم وأحبها إلى مليككم وأتمها في درجاتكم، وخير من أن تغزوا عدوكم فتضرب رقابكم وتضربون رقابهم، وخير من إعطاء الدنانير والدراهم، قالوا: وما هو يا أبا الدرداء؟ قال: ذكر الله، قال الله سبحانه: {وَلَذِكْرُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ}. وقيل لسلمان: أي العمل أفضل؟ قال: أما تقرأ القرآن {وَلَذِكْرُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ} لا شيء أفضل من ذكر الله سبحانه. وأنبأني عبد الله بن حامد، قال: أخبرنا محمد بن يعقوب، قال: حدثنا حميد بن داود، قال: حدثني يزيد بن خالد قال: حدثنا عبد الرحمن بن ثابت، عن أبيه، عن مكحول، عن جبير ابن هبير، عن مالك بن عامر، عن معاذ بن جبل قال: حديث : سألت رسول الله": أي الأعمال أحب إلى الله تعالى؟ قال صلى الله عليه وسلم: "أن تموت ولسانك رطب من ذكر الله" . تفسير : وأنبأني عبد الله بن حامد، قال: أخبرنا إسماعيل بن إبراهيم، قال: حدثنا سلمة بن محمد ابن أحمد بن مجاشع الباهلي، قال: حدثنا خالد بن يزيد العمري، قال: حدثنا سفيان الثوري، عن عطاء بن قرة، عن عبد الله بن ضمرة، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : الدنيا ملعونة ملعون ما فيها، إلاّ ذكر الله عز وجل وما والاه أو عالم أو متعلم ". تفسير : قالت الحكماء: وإنّما كان الذكر أفضل الأشياء لأنّ ثواب الذكر الذكر، قال الله تعالى: {فَٱذْكُرُونِيۤ أَذْكُرْكُمْ} ويؤيد هذا ما أخبرنا عبد الله بن حامد قال: أخبرنا مكي بن عبدان، قال: حدثنا عبد الله بن هشام، قال: حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : يقول الله عز وجل: أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه حين يذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم، وإن اقترب إلي شبراً اقتربت إليه ذراعاً، وإن اقترب إلي ذراعاً اقتربت إليه باعاً، ومن أتاني يمشي أتيته هرولة ". تفسير : وأخبرنا عبد الله، قال: أخبرنا علي، قال: أخبرنا عبد الله بن هاشم، قال: حدثنا عبد الرحمن، قال: حدثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن الأعز أبي مسلم، قال: أشهد على أبي هريرة وأبي سعيد إنّهما شهدا على رسول الله صلى الله عليه وسلم إنّه قال: "حديث : ما جلس قوم يذكرون الله سبحانه إلاّ حفّت بهم الملائكة وغشيتهم الرحمة وذكرهم فيمن عنده ". تفسير : وأخبرني ابن فنجويه، قال: حدثنا ابن شيبة، قال: حدثنا الفرباني، قال: حدثنا أبو بكر بن أبي شنبه، قال: حدثنا عبد الله، عن إسرائيل، عن السدي، عن أبي مالك {وَلَذِكْرُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ} قال: ذكر الله العبد في الصلاة أكبر من الصلاة. ابن عون: معناه: الصلاة التي أنت فيها وذكرك الله فيها أكبر مما نهتك عنه الصلاة من الفحشاء والمنكر، وقال ابن عطاء: {وَلَذِكْرُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ} من أن تبقى معه بالمعصية. {وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ}.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : كلمة (مَثَلُ) وردت بمشتقاتها في القرآن الكريم مرات عدة، ومادة الميم والثاء واللام جاءت لتعبر عن معنى يجب أنْ نعرفه، فإذا قيل (مِثْل) بسكون الثاء، فمعناها التشبيه، لكن تشبيه مفرد بمفرد. كما في قوله تعالى: {أية : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ..} تفسير : [الشورى: 11] وقوله تعالى: {أية : وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا ..} تفسير : [الشورى: 40]. أما (مَثَل) بالفتح، فتعني تشبيه قصة أو متعدّد بمتعدّد، كما في قوله تعالى: {أية : وَٱضْرِبْ لَهُم مَّثَلَ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا كَمَآءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ ٱلسَّمَاءِ ..} تفسير : [الكهف: 45]. فالحق - سبحانه وتعالى - لا يُشبِّه شيئاً بشيء إنما يُشبه صورة متكاملة بصورة أخرى: فالحياة الدنيا في وجودها وزهرتها وزخرفها وخضرتها ومتاعها، ثم انتهائها بعد ذلك إلى زوال مثل الماء حين ينزل من السماء فيختلط بتربة الأرض، فينبت النبات المزهر الجميل، والذي سرعان ما يتحول إلى حطام. لذلك اعترض بعض المتمحكين على أسلوب القرآن في قول الحق سبحانه وتعالى عن موسى عليه السلام: {أية : إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ ٱللَّهِ كَمَثَلِ ءَادَمَ ..} تفسير : [آل عمران: 59]. ووجه اعتراضه أن (مَثَل) جاءت تُشبه مفرداً بمفرد، وهو عيسى بآدم عليهما السلام، ونحن نقول: إنها تشبه صورة متكاملة بأخرى ونقول: هذا الاعتراض ناتج عن عدم فهم المعنى المراد من الآية، فالحق سبحانه لا يُشبِّه عيسى بآدم كأشخاص، إنما يُشبِّه قصة خَلْق آدم بقصة خلق عيسى، فآدم خُلِق من غير أب، وكذلك عيسى خُلِق من غير أب. والمعنى: إنْ كنتم قد عجبتم من أن عيسى خُلِق بدون أب، فكان ينبغي عليكم أنْ تعجبُوا أكثر من خَلْق آدم؛ لأنه جاء بلا أب وبلا أم، وإذا كنتم اتخذتم عيسى إلهاً؛ لأنه جاء بلا أب، فالقياس إذنْ يقتضي أن تكون الفتنة في آدم لا في عيسى. والمسألة أن الله تعالى شاء أن يعلن خلْقه عن طلاقة قدرته في أنه لا يخلق بشكل مخصوص، إنما يخلق كما يشاء سبحانه من أب وأم، أو من دون أب، ومن دون أم، ويخلق من أب فقط، أو من أم فقط. إذن: هذه المسألة لا تخضع للأسباب، إنما لإرادة المسبِّب سبحانه، فإذا أراد قال للشيء: كُنْ فيكون. وقد يجتمع الزوجان، ويكتب عليهما العقم، فلا ينجبان، وقد يصلح الله العقيم فتلد، ويُصلح العجوز فتنجب - والأدلة على ذلك واضحة - إذن: فطلاقة القدرة في هذه المسألة تستوعب كل الصور، بحيث لا يحدها حَدٌّ. والحق سبحانه حين يضرب لنا الأمثال يريد بذلك أنْ يُبيِّن لنا الشيء الغامض بشيء واضح، والمبهم بشيء بيِّن، والمجمل بشيء مُفصَّل، وقد جرى القرآن في ذلك على عادة العرب، حيث استخدموا الأمثال في البيان والتوضيح. ويُحكَى أن أحدهم، وكان صاحب سمعة طيبة وسيرة حسنة بين الناس، فحسده آخر، وأراد أنْ يلصق به تهمة تُشوِّه صورته، وتذهب بمكانته بين الناس فاتهمه بالتردد على أرملة حسناء، وقد رآه الناس فعلاً يذهب إلى بيتها، فتخرج له امرأة فيعطيها شيئاً معه. ولما تحقق الناس من المسألة وجدوها عجوزاً لها أولاد صغار وهم فقراء، وهذا الرجل يعطف عليهم ويفيض عليهم مما رزقه الله، فلما عرفوا ذلك عن الرجل عظَّموه، ورفعوا من شأنه، وزاد في نظرهم مجداً وفضلاً. وقد أخذ الشاعر هذا المعنى وعبَّر عنه قائلاً مستخدماً المثل: شعر : وإذَا أَرادَ اللهُ نَشْر فَضِيلةٍ طُويَتْ أَتاحَ لَها لِسَانَ حَسُود لَوْلا اشْتِعالُ النارِ فيما جاورَتْ مَا كان يعرف طِيب عَرْفِ العُودِ تفسير : والعود نوع من البخور، طيب الرائحة، لا تنتشر رائحته إلا حين يُحرَق. ومن مشتقاتها أيضاً (مَثُلَة) كما في قوله تعالى: {أية : وَقَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمُ ٱلْمَثُلاَتُ ..} تفسير : [الرعد: 6] وهي العقوبات التي حاقتْ بالأمم المكذِّبة، حتى جعلتها عبرةً لغيرها. فإذا اشتهر المثَل انتشر على الألسنة، وضربه الناس مثلاً كما اشتهر حاتم الطائي بالكرم والجود حتى صار مضرب المثل فيه، وقد تشتهر بيننا عبارة موجزة، فتصير مثلاً يضرب في مناسبها كما نقول للتلميذ الذي يهمل طوال العام، ثم يجتهد ليلة الامتحان (قبل الرماء تملأ الكنائن) مع الاحتفاظ بنص المثل في كل مناسبة، وإن لم يكُنْ هناك رمي ولا كنائن. كما أن المثَل يقال كما هو دون تغيير، سواء أكان للمفرد، أم المثنى، أم الجمع المذكر، أو للمؤنث. كذلك نقول (ماذا وراءك يا عصامِ) بالكسر؛ لأنها قيلت في أصل المثَل لامرأة. يقول الحق سبحانه: {مَثَلُ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَوْلِيَآءَ كَمَثَلِ ٱلْعَنكَبُوتِ ٱتَّخَذَتْ بَيْتاً ..} [العنكبوت: 41] . فهذا مثل في قمة العقيدة، ضربه الله لنا للتوضيح وللبيان، ولتقريب المسائل إلى عقولنا، وإياك أن تقول للمثل الذي ضربه الله لك: ماذا أراد الله بهذا؟ لأن الله تعالى قال: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَسْتَحْى أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا ..} تفسير : [البقرة: 26]. فالبعض يرى أن البعوضة هذه شيء تافه، فكيف يجعله الله مثلاً؟ والتحقيق أن البعوضة خَلْق من خَلْق الله، فيها من العجائب والأسرار ما يدعوك للتأمل والنظر، وليست شيئاً تافهاً كما تظن، بل يكفيك فَخْراً أنْ تصل إلى سِرِّ العظمة فيها. ففي هذا المخلوق الضئيل كل مُقوِّمات الحياة والإدراك، فهل تعرف فيها موضع العقل وموضع جهازها الدموي .. إلخ وفضلاً عن الذباب والناموس وصغار المخلوقات ألا ترى الميكروبات التي لا تراها بعينك المجردة ومع ذلك يصيبك وأنت القوى بما يؤرقك وينغص عليك. إذن: لا تقُلْ لماذا يضرب الله الأمثال بهذه الأشياء لأن الله {أية : إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَسْتَحْى أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا ..} تفسير : [البقرة: 26] ما فوقها أي: في الصِّغَر والاستدلال. أي: ما دونها صِغَراً؛ لأن عظمة الخلق كما تكون بالشيء الأكثر ضخامة تكون كذلك بالشيء الأقلّ حجماً الأكثر دِقَّة. لو نظرتَ مثلاً إلى ساعة (بج بن) وهي أضخم وأشهر ساعة في العالم، وعليها يضبط العالم الوقت لوجدتَها شيئاً ضخماً من حيث الحجم ليراها القادم من بعيد، ويستطيع قراءتها، فدلَّتْ على عظمة الصَّنْعة ومهارة المهندسين الذين قاموا ببنائها، فعظمتها في ضخامتها وفخامتها، فإذا نظرتَ إلى نفس الساعة التي جعلوها في فصِّ الخاتم لوجدتَ فيها أيضاً عظمة ومهارة جاءت من دِقَّة الصنعة في صِغَر الحجم. كذلك الراديو أول ما ظهر كان في حجم (النورج)، والآن أصبح صغيراً في حجم الجيب. ومن مخلوقات الله ما دق؛ لدرجة أنك لا تستطيع إدراكه بحواسك، والعجيب أن يطلب الإنسان أنْ يرى الله جهرة، وهو لا يستطيع أنْ يرى آثار خَلْقه وصَنْعته. فأنت لا ترى الجن، ولا ترى الميكروب والجراثيم، ولا ترى حتى روحك التي بين جنبيك والتي بها حياتُك، لا يرى هذه الأشياء ولا يدركها بوسائل الإدراك الأخرى، فمن عظمته تعالى أنه يدرك الأبصار، ولا تدركه الأبصار. نعود إلى المثَل الذي ضربه الله لنا: {مَثَلُ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَوْلِيَآءَ ..} [العنكبوت: 41] أي: شركاء وشفعاء {كَمَثَلِ ٱلْعَنكَبُوتِ ..} [العنكبوت: 41] هذا المخلوق الضعيف الذي ينسج خيوطه بهذه الدقة التي نراها، والذي نسج خيوطه على الغار في هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، واشترك مع الحمامة في التعمية على الكفار. {ٱتَّخَذَتْ بَيْتاً ..} [العنكبوت: 41] أي: من هذه الخيوط الواهية {وَإِنَّ أَوْهَنَ ٱلْبُيُوتِ لَبَيْتُ ٱلْعَنكَبُوتِ ..} [العنكبوت: 41] فخطأ العنكبوت ليس في اتخاذ البيت، إنما في اتخاذ هذه الخيوط الواهية بيتاً له وهبّة ريح كافية للإطاحة بها، ويشترط في البيت أن يكون حصيناً يحمي صاحبه، وأن تكون له أبواب ونوافذ وحوائط .. إلخ. أما لو اتخذها شبكة لصيد فرائسه لكان أنسب، وكذلك الكفار اتخذوا من الأصنام آلهة، ولو اتخذوها دلالة على قدرة الحق في الخَلْق لكان أنسب وأَجدْى. وكما أن بيت العنكبوت تهدمه هَبَّة ريح وتُقطعه وأنت مثلاً تنظف بيتك، وربما تقتل العنكبوت نفسه، فكذلك طبْق الأصل يفعل الله بأعمال الكافرين: {أية : وَقَدِمْنَآ إِلَىٰ مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَآءً مَّنثُوراً} تفسير : [الفرقان: 23]. وكذلك يضرب لهم مثلاً آخر: {أية : مَّثَلُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ ٱشْتَدَّتْ بِهِ ٱلرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ ..} تفسير : [إبراهيم: 18]. ومعنى: {لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ} [العنكبوت: 41] أي: حقيقة الأشياء، فشبكة العنكبوت لا تصلح بيتاً، ولكن تصلح مصيدةً للحشرات، وكذلك الأصنام والأحجار لا تنفع لأنْ تكون آلهة تُعبد، إنما لأنْ تكون دلالة على قدرة الخالق - عز وجل - فلو فكَّروا فيها وفي أسرار خَلْقها لاهتدوا من خلالها للإيمان. فهي - إذن - دليلُ قدرة لو كانوا يعلمون، فالجبل هذا الصخر الذي تنحتون منه أصنامكم هو أول خادم لكم، ولمن هو أَدْنى منكم من الحيوان والنبات، وسبق أن قلنا: إن الجماد يخدم النبات، ويخدم الحيوان، وهم جميعاً في خدمة الإنسان. إذن: فالجماد خادم الخدامين، ومع ذلك جعلتموه إلهاً، فانظروا إذن إلى هذه النقلة، وإلى خِسَّة فكركم، وسوء طباعكم حيث جعلتم أدنى الأشياء وأحقرها أعلى الأشياء وأشرفها - أي: في زعمكم. فكيف وقد ميَّزك الله على كل الأجناس؟ لقد كان ينبغي منك أن تبحث عن شيء أعلى منك يناسب عبادتك له، وساعتها لن تجد إلا الله تتخذه إلهاً. بل واقرأ إنْ شِئْتَ عن الجماد قوله تعالى: {أية : قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِٱلَّذِي خَلَقَ ٱلأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَاداً ذَلِكَ رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ * وَجَعَلَ فِيهَا...} تفسير : [فصلت: 9-10] أي: في الأرض {أية : رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَآ أَقْوَاتَهَا فِيۤ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَآءً لِّلسَّآئِلِينَ} تفسير : [فصلت: 10]. فكأن الجبال الصَّماء الراسية هي مخازن القوت للناس على مَرِّ الزمان، فمنها تتفتت الصخور، ويتكوَّن الطمي الذي يحمله إلينا الماء في أيام الفيضانات، ومنها تتكون الطبقة المخصبة في السهول والوديان، فتكون مصدر خصْب ونماء دائم ومتجدد لا ينقطع. وتذكرون أيام الفيضان وما كَان يحمله نيل مصر إلينا من خير متجدد كل عام، وكيف أن الماء كان يأتينا أشبه ما يكون بالطحينة من كثرة ما به من الطمي. فياليت عُبَّاد الأصنام الذين نحتوا الصخور أصناماً تأملوا هذه الآيات الدالة على قدرة الخالق سبحانه بدل أن يعبدوها من دون الله. وفي موضع آخر يضرب لنا الحق سبحانه مثلاً في قمة العقيدة أيضاً فيقول سبحانه: {أية : ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً رَّجُلاً فِيهِ شُرَكَآءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلاً سَلَماً لِّرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً ٱلْحَمْدُ للَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} تفسير : [الزمر: 29]. ففَرْق بين عبد مملوك لسيد واحد يتلقَّى منه وحده الأمر والنهي، وبين عبد مملوك لعدة شركاء، وليتهم متفقون، لكن {أية : شُرَكَآءُ مُتَشَاكِسُونَ ..} تفسير : [الزمر: 29] مختلفون لكلٍّ أوامر، ولكلٍّ منهم مطالب، فكيف إذن يُرضيهم؟ وكيف يقوم بحقوقهم وهم يتجاذبونه؟ فالذي يعبد الله وحده لا شريك له كالعبد لسيد واحد، والذين يعبدون الأصنام كالعبد فيه شركاء متشاكسون. إذن: فالحق سبحانه يضرب الأمثال للناس في الحقائق ليُبيِّنها لهم بياناً واضحاً. ثم يقول الحق سبحانه: {إِنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا ...}.

الجيلاني

تفسير : ثم أشار سبحانه إلى توهيم جميع التقليدات والتخمينات الحاصلة من هوية النفوس الخبيثة بالماديات، والعقول المكدرة بكدورات الأوهام والخيالات، فقال على سبيل التمثيل والتشبيه، على مقتضى إدراك العوام؛ توضيحاً لهم ليتنبهوا على طريق الحق ويتفطنوا بالتوحيد القويم: {مَثَلُ} القوم {ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ} المنزه عن الأشباه والأنداد مطلقاً {أَوْلِيَآءَ} يوالونهم كولاية الله ويعبدونهم مثل عبادته، متوهمين أنهم شركاء معه أو شفعاء لهم عنده سبحانه مع أنهم لا يتأتى منهم الشركة والشفاعة أصلاً، إنما مثلهم في هذا الاتخاذ والاعتقاد {كَمَثَلِ ٱلْعَنكَبُوتِ} التي {ٱتَّخَذَتْ بَيْتاً} من لعابها، ثم تركتها واتخذت آخر مثلها، ثم تركتها، وهكذا حالها دائماً مع أن هذه الأبنية البيوتات المتخذة لا تدفع حراً ولا برداً، ولا تصير مانعاً له من العدو وحجاباً كهؤلاء المقلدين الضالين الذين اتخذوا تقليد بعض الضلال ديناً، ثم تركوها بتقليدٍ آخر منهم بلا رسوخ ولا تمكن، وهكذا حالهم دائماً مع أن الأديان المتخذة لا تكشف لهم طريق الحق، ولا توصلهم إلى معرفته وتوحيده، ولا تنقذهم من الأوهام والخيالات الباطلة العائقة عن مشرب التوحيد، ولا تخرجهم من سجن الطبيعة وقيود الإمكان وأغلال الأنانيات وسلاسل العينات. {وَ} قال سبحانه على سبيل التأكيد والمبالغة والتصريح بالتوهين بعدما كنى؛ لينزجروا ويرتدوا على ما هم عليه من الأديان الباطلة: {إِنَّ أَوْهَنَ ٱلْبُيُوتِ} وأضعف الأبنية {لَبَيْتُ ٱلْعَنكَبُوتِ} إذ لا بيت أضعف منه، وأشرف إلى التخريب والانهدام، وأقل وقاية من الحر والبرد ودفع الضر {لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ} [العنكبوت: 41] وهنه وعدم نفعه لما اتخذوها، لكنهم لم يعلموا، فاتخذوا جهلاً وعناداً، فيسعلمون عاقبة ما اتخذوا ووبال ما عبدوا. ثم قال سبحانه على وجه الوعيد إياهم، آمراً لحبيبه صلى الله عليه وسلم: قل لهم يا أكمل الرسل: {إِنَّ ٱللَّهَ} المطلع لضمائر عباده وسرائرهم {يَعْلَمُ} بعلمه الحضوري {مَا يَدْعُونَ} وتعبدون {مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ} من الأصنام والأوثان على التفصيل؛ إذ لا يعزب عن حيطة علمه شيء مما ظهر وبطن وخفي وعلم، ولكن يمهلهم ويؤخر أخذهم بها زماناً؛ لحكم ومصالح استأثر الله بها ولم يطلع أحداً عليها {وَ} كيف لا يأخذهم بما صدر عنهم إنه {هُوَ ٱلْعَزِيزُ} الغالب القادر على الانتقام بالقوى الكاملة والبطش الشديد {ٱلْحَكِيمُ} [العنكبوت: 42] المقتن في أفعاله بما لا مزيد عليه. {وَ} إن استهزءوا معك يا أكمل الرسل، متهكمين بما في كتابك من التمثيلات بأحقر الأشياء وأضعفها مثل: الذباب والعنكبوت والنمل وغيرها لا تبال بهم وبتهكمكم و استهزائهم؛ إذ {تِلْكَ ٱلأَمْثَالُ} التي {نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ} المنهمكين في الغفلة والنسيان؛ لنوضح لهم طريق التوحيد والعرفان وسبيل السلامة والإيمان، إنما هو للموفقين منهم المجبولين في استعداد القبول وفطرة الإسلام، لا كل أحدٍ من أهل الغفلة والمترددين في أودية الجهل والخيال وهاوية المراء والجدال {وَ} لذلك {مَا يَعْقِلُهَآ} ويفهم معناها وما يصل إلى مغزاها {إِلاَّ ٱلْعَالِمُونَ} [العنكبوت: 43] الواصلون بما فاض عليهم من رشحات بحر العلم الإلهي ينبوع بحر الوحدة الذاتية التي هي منبع جميع الكمالات اللائحة على صحائف الآفاق وصفحات الأكوان، حيث {خَلَقَ ٱللَّهُ} المتجلي بجميع صور الكمالات وأظهر على مقتضى الأسماء والصفات {ٱلسَّمَٰوَٰتِ} أي: العلويات المتفاوتة، المتخالفة باختلاف الأسماء والصفات، والمنتشئة من الذات الأحدية حسب الشئون والتطورات المترتبة على الكمالات المندمجة فيها {وَٱلأَرْضَ} أي: طبيعة العدم، القابلة لجميع الانعكاسات المنعكسة من أشعة التجليات الذاتية غيباً وشهادةً، ظهوراً وبطوناً، بروزاً وكموناً، جمالاً وجلالاً؛ يعني: ما خلق وأظهر ما ظهر وبطن إلا ملتبساً {بِٱلْحَقِّ} المطابق للواقع بلا شائبة شك فيه وارتياب {إِنَّ فِي ذٰلِكَ} الإيجاد والإظهار على الوجه الأبدع الأبلغ والنظام الأتم الأكمل {لآيَةً لِّلْمُؤْمِنِينَ} [العنكبوت: 44] الموحدين الموقنين بوحدة ذاته وكثرة أسمائه وصفاته حسب شئونه وتطورات على مقتضى التجليات المتجددة الغير المتكررة أزلاً وأبداً. {ٱتْلُ} يا أكمل الرسل {مَا أُوْحِيَ إِلَيْكَ مِنَ ٱلْكِتَابِ} الجامع لما في النشأتين، الحاوي لجميع الأمور الجارية في المنزلتين، وتأمل في مرموزاته وإشارته حق التأمل والتدبر واتصف بأوامره واجتنب عن نواهيه، واعتبر عن عبره وأمثاله وذق حلاوة معارفه وحقائقه {وَأَقِمِ ٱلصَّلاَةَ} أي: دوام على الميل المقرب إلى الله بجميع جوارحك وأركانك بالانخلاع عن لوازم ناستوك مطلقاً {إِنَّ ٱلصَّلاَةَ} على الوجه المذكور {تَنْهَىٰ} وتكف صاحبه {عَنِ ٱلْفَحْشَآءِ} المترتبة عن القوى البهيمية من الشهوية والغضبية {وَٱلْمُنْكَرِ} المترتب على البشرية المنغمسة بالعلائق المادية والشواغل الجسمانية {وَ} بالجملة: {لَذِكْرُ ٱللَّهِ} المنزه في ذاته عن جميع الأكوان، المبرئ أوصافه وأسماءه عن وصمة النقصان وسمة الحدوث والإمكان، والاشتغال بذكره حسب إطلاقه {أَكْبَرُ} شمولاً وأتم توجهاً وأكمل حصولاً ووصولاً لو جذبتك العناية من لدن جنابه ووفقك التوفيق منه نحو بابه {وَ} كن يا أكمل الرسل في نفسك متوجهاً إلى ربك، متقرباً إليه على الوجه الذي أمرت به، ولا تلتفت إلى هذيانات أهل البدع والأهواء الفاسدة؛ إذ {ٱللَّهُ} المطلع بجميع حالاتهم {يَعْلَمُ} منهم {مَا تَصْنَعُونَ} [العنكبوت: 45] من الاستخفاف الاستهزاء وعدم المبالاة بمعالم الدين ومراسم التوحيد واليقين، فيجازيهم على مقتضى علمه بهم.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : ثم أخبر عن وهن ولاة أهل الولاية فيما اتخذوه أولياء بقوله تعالى: {مَثَلُ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَوْلِيَآءَ كَمَثَلِ ٱلْعَنكَبُوتِ ٱتَّخَذَتْ بَيْتاً} [العنكبوت: 41] يشير على أن مثل النفس وصفاتها في اتخاذها من دون الله أولياء من الهوى والدنيا والشيطان كمثل العنكبوت اتخذت بيتاً لمعانٍ: أحدها: معنى قوله: {وَإِنَّ أَوْهَنَ ٱلْبُيُوتِ لَبَيْتُ ٱلْعَنكَبُوتِ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ} [العنكبوت: 41] أنه سريع الزوال وشيك الانفصال، وإن حاصل ولايتهم اليوم العداوة في الآخرة كما قال تعالى: {أية : ٱلأَخِلاَّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ ٱلْمُتَّقِينَ} تفسير : [الزخرف: 67] يعني إلا الذين اتقوا عن اتخاذ الأولياء دون الله. والثاني: أن العنكبوت كلما زاد على نسجه في بيته ازداد بعد أمن الخروج فهو يعني ولكن سجناً على نفسه وقيداً على رجله بحيث يتوقع هلاكه، كذلك من اتخذ الهوى والدنيا والشيطان أولياء سجن فيه بسلاسل الإضلال والإغواء على طريق الشهوات إلى مهلكة النيران، ولا ينفعه استغاثة {أية : يَٰوَيْلَتَىٰ لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاَناً خَلِيلاً * لَّقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ ٱلذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَآءَنِي وَكَانَ ٱلشَّيْطَانُ لِلإِنْسَانِ خَذُولاً} تفسير : [الفرقان: 28-29]. والآخر: هو أن بيت العنكبوت أوهن البيوت؛ لأنه بلا أساس ولا جدار ولا سقف، فلا يمسك على أهون دفع، كذلك الكافر لا أصل لشأنه ولا أساس لبنيانه {أية : كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ ٱلظَّمْآنُ مَآءً} تفسير : [النور: 39]. {إِنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ} [العنكبوت: 42] من الهوى عن الحق تعالى وطلبه الخشية وركاكةٍ ودناءةٍ جبلت عليها {وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ} [العنكبوت: 42] لا يطلبه ولا يقبل عليه إلا عزيز، وهو أعز من أن يطلب الأذلاء ويهتدي إليه الأخشياء {ٱلْحَكِيمُ} [العنكبوت: 42] فبالحكمة يعز من يشاء بالهداية ويذل من يشاء بالضلالة. وبقوله: {وَتِلْكَ ٱلأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ} [العنكبوت: 43] أي: للناسين عهد الميثاق {وَمَا يَعْقِلُهَآ إِلاَّ ٱلْعَالِمُونَ} [العنكبوت: 43] يشير إلى أن الكل مشتركون في سماع الأمثال، ولكن يتفرقون ويجتمعون في إدراك وفهم دقائقها ومعانيها وأسرارها ليسمعوا بسمع القول فما يعلقها إلا العالمون بالله؛ لأن عقولهم مؤيدة بأنوار العلوم، وكل فعل لم يكن مؤيداً بالأنوار الإلهي لا يدرك حقائق القرآن وأسرارها، ولا يعد العاقل في زمرة العقلاء، كما قال تعالى: {أية : صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ} تفسير : [البقرة: 171] أي: صم عن سماع حقائق الأمثال بكم عن الإقرار بقبول فوائدها عمي عن رؤية آثار وكمالها فهم لا يعقلون لطائف خصائصها {خَلَقَ ٱللَّهُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ بِٱلْحَقِّ} لمراتب صفات الحق تعالى ليكون مظهرها {إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَةً} أي: في السماوات والأرض آية الحق مودعة ولكن {لِّلْمُؤْمِنِينَ} [العنكبوت: 44] الذين ينظرون بنور الله تعالى، فإن النور لا يرى إلا بالنور، ومن لم يجعل الله له نوراً فما له من نور. وقوله: {ٱتْلُ مَا أُوْحِيَ إِلَيْكَ مِنَ ٱلْكِتَابِ وَأَقِمِ ٱلصَّلاَةَ إِنَّ ٱلصَّلاَةَ تَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنْكَرِ} [العنكبوت: 45] يشير إلى أن الله قبل تلاوة القرآن حق تلاوته وذلك بأن يعمل به حتى يتخلق بخلق القرآن لا يقدر على إقامة الصلاة والاستدامة لتنهاه عن الفحشاء، وهي الالتفات إلى الدنيا والمنكر وهو طلب غير الله وكل صلاة ليست موصوفة بهذه الصفة فهي خداع، ثم أشار بقوله تعالى: {وَلَذِكْرُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ} [العنكبوت: 45] أي: أن موجب تلاوة القرآن وإقامة الصلاة تنهي العبد عن الفحشاء والمنكر وهما من أمارات مرض القلب ومرضه لعله نسيان ذكر الله. كما قال تعالى: {أية : نَسُواْ ٱللَّهَ فَنَسِيَهُمْ} تفسير : [التوبة: 67] إنما كان لإزالة مرض النسيان عن القلب من تلاوة القرآن وإقامة الصلاة؛ لأن تلاوة القرآن على نسيان القلب الساهي، كما قال: "رب تال للقرآن والقرآن يلعنه"، وكذلك الصلاة هي مصليها مستوجب للويل، كما قال تعالى: {أية : فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ * ٱلَّذِينَ هُمْ عَن صَلاَتِهِمْ سَاهُونَ} تفسير : [الماعون: 4-5] وأما الذكر فله اختصاص في إزالة مرض النسيان عن القلب بقوله تعالى: {أية : أَلاَ بِذِكْرِ ٱللَّهِ تَطْمَئِنُّ ٱلْقُلُوبُ} تفسير : [الرعد: 28] وعند الاطمئنان توجب سلامة القلب من الأمراض ألا ترى أن إبراهيم عليه السلام لما نظر نظرة في النجوم، فقال: {أية : إِنِّي سَقِيمٌ} تفسير : [الصافات: 89] كان طلبه من الله في إزالة سقمه وسلامة قلبه اطمئنان القلب مع وجود الإيمان قال: {أية : قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَىٰ وَلَـكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي} تفسير : [البقرة: 260] إنما اختص الذكر بإزالة مرض القلب دون تلاوة القرآن وإقامته صفته؛ لأنهما صادرتان من قلب مريض معلوم بالنسيان الطبيعي للإنسان، ورأي العليل عليل، وأما الذكر وإن كان أيضاً صادراً من القلب المريض ولكنه مختص بطرح إكسير ذكر الله فأبطل خاصية المعلولية وجعله إبريزاً خالصاً مخصوصاً بخاصية المذكورية بقوله تعالى: {أية : فَٱذْكُرُونِيۤ أَذْكُرْكُمْ} تفسير : [البقرة: 152] فذكر العبد قد فني في ذكر الله فلا جرم، {وَلَذِكْرُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ} في إزالة مرض النسيان عن القلب بإقامة الصلاة وتلاوة القرآن وجميع أركان الإسلام بحضور القلب المتنور بنور الذكر صارت صادرة بجميع شرائطها موجبة للفلاح الحقيقي، وهو قوله تعالى: {أية : وَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ كَثِيراً لَّعَلَّكُمْ تُفْلَحُونَ} تفسير : [الأنفال: 45] وقوله تعالى: {أية : قَدْ أَفْلَحَ ٱلْمُؤْمِنُونَ * ٱلَّذِينَ هُمْ فِي صَلاَتِهِمْ خَاشِعُونَ} تفسير : [المؤمنون: 1-2] وقوله: {أية : قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّىٰ * وَذَكَرَ ٱسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّىٰ} تفسير : [الأعلى: 14-15] والفلاح الحقيقي الإخلاص من جبل الوجود بجود واجب الوجود. وبقوله: {وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ} [العنكبوت: 45] يشير إلى نظر إليه لا يدرك كمالية الجزاء المعد له بمباشرة أركان الشريعة وملازمة آداب الطريقة للوصول إلى عالم الحقيقة، كما قال تعالى: {أية : فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّآ أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} تفسير : [السجدة: 17] ولكن يعلم ما تصنعون باستعمال مفتاح الشريعة وصناعة الطريقة لفتح أبواب طلسم الوجود المجازي الموصل إلى الكنز المخفي من الوجود الحقيقي.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : هذا مثل ضربه اللّه لمن عبد معه غيره، يقصد به التعزز والتَّقَوِّي والنفع، وأن الأمر بخلاف مقصوده، فإن مثله كمثل العنكبوت، اتخذت بيتا يقيها من الحر والبرد والآفات، { وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ } أضعفها وأوهاها { لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ } فالعنكبوت من الحيوانات الضعيفة، وبيتها من أضعف البيوت، فما ازدادت باتخاذه إلا ضعفا، كذلك هؤلاء الذين يتخذون من دونه أولياء، فقراء عاجزون من جميع الوجوه، وحين اتخذوا الأولياء من دونه يتعززون بهم ويستنصرونهم، ازدادوا ضعفا إلى ضعفهم، ووهنا إلى وهنهم. فإنهم اتكلوا عليهم في كثير من مصالحهم، وألقوها عليهم، وتخلوا هم عنها، على أن أولئك سيقومون بها، فخذلوهم، فلم يحصلوا منهم على طائل، ولا أنالوهم من معونتهم أقل نائل. فلو كانوا يعلمون حقيقة العلم، حالهم وحال من اتخذوهم، لم يتخذوهم، ولتبرأوا منهم، ولتولوا الرب القادر الرحيم، الذي إذا تولاه عبده وتوكل عليه، كفاه مئونة دينه ودنياه، وازداد قوة إلى قوته، في قلبه وفي بدنه وحاله وأعماله. ولما بين نهاية ضعف آلهة المشركين، ارتقى من هذا إلى ما هو أبلغ منه، وأنها ليست بشيء، بل هي مجرد أسماء سموها، وظنون اعتقدوها، وعند التحقيق، يتبين للعاقل بطلانها وعدمها، ولهذا قال: { إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ } أي: إنه تعالى يعلم -وهو عالم الغيب والشهادة- أنهم ما يدعون من دون اللّه شيئا موجودا، ولا إلها له حقيقة، كقوله تعالى: {أية : إِنْ هِيَ إِلا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنزلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ } تفسير : وقوله: {أية : وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ شُرَكَاءَ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلا الظَّنَّ وإن هم إلا يخرصون }. تفسير : { وَهُوَ الْعَزِيزُ الحكيم } الذي له القوة جميعا، التي قهر بها جميع المخلوقات، { الْحَكِيمُ } الذي يضع الأشياء مواضعها، الذي أحسن كل شيء خلقه، وأتقن ما أمره. { وَتِلْكَ الأمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ } أي: لأجلهم ولانتفاعهم وتعليمهم، لكونها من الطرق الموضحة للعلوم، ولأنها تقرب الأمور المعقولة بالأمور المحسوسة، فيتضح المعنى المطلوب بسببها، فهي مصلحة لعموم الناس. { و } لكن { مَا يَعْقِلُهَا } بفهمها وتدبرها، وتطبيقها على ما ضربت له، وعقلها في القلب { إِلا الْعَالِمُونَ } أي: أهل العلم الحقيقي، الذين وصل العلم إلى قلوبهم. وهذا مدح للأمثال التي يضربها، وحثٌّ على تدبرها وتعقلها، ومدح لمن يعقلها، وأنه عنوان على أنه من أهل العلم، فعلم أن من لم يعقلها ليس من العالمين. والسبب في ذلك، أن الأمثال التي يضربها اللّه في القرآن، إنما هي للأمور الكبار، والمطالب العالية، والمسائل الجليلة، فأهل العلم يعرفون أنها أهم من غيرها، لاعتناء اللّه بها، وحثه عباده على تعقلها وتدبرها، فيبذلون جهدهم في معرفتها. وأما من لم يعقلها، مع أهميتها، فإن ذلك دليل على أنه ليس من أهل العلم، لأنه إذا لم يعرف المسائل المهمة، فعدم معرفته غيرها من باب أولى وأحرى. ولهذا، أكثر ما يضرب اللّه الأمثال في أصول الدين ونحوها.

همام الصنعاني

تفسير : 2249- حدّثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {كَمَثَلِ ٱلْعَنكَبُوتِ}: [الآية: 41]، قال: هَذَا مَثَلٌ ضَرَبَهُ الله أنه لن يُغْنِي عنه شيئاً مِنْ ضعفه وقلة إجزائه، مثل ضعف بيت العنكبوت.