٢٩ - ٱلْعَنْكَبُوت
29 - Al-Ankabut (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
42
Tafseer
الرازي
تفسير : قال الزمخشري: هذا زيادة توكيد على التمثيل حيث إنهم لا يدعون من دونه من شيء، بمعنى ما يدعون ليس بشيء وهو عزيز حكيم فكيف يجوز للعاقل أن يترك القادر الحكيم ويشتغل بعبادة ما ليس بشيء أصلاً، وهذا يفهم منه أنه جعل ما نافية، وهو صحيح، والعلم يتعلق بالجملة كما يقول القائل: إني أعلم أن الله واحد حق، يعني أعلم هذه الجملة، وإن كنا نجعل ما خبرية فيكون معناه ما يدعون من شيء فالله يعلمه وهو العزيز الحكيم قادر على إعدامه وإهلاكهم، لكنه حكيم يمهلهم ليكون الهلاك عن بينة والحياة عن بينة، ومن ههنا يكون الخطاب مع أمة محمد صلى الله عليه وسلم وعلى هذا لو قال قائل ما وجه تعلق هذه الآية بالتمثيل السابق؟ فنقول لما قال إن مثلهم كمثل العنكبوت، فكان للكافر أن يقول أنا لا أعبد هذه الأوثان التي أتخذها وهي تحت تسخيري، وإنما هي صورة كوكب أنا تحت تسخيره ومنه نفعي وضري وخيري وشري ووجودي ودوامي فله سجودي وإعظامي، فقال الله تعالى: الله يعلم أن كل ما يعبدون من دون الله هو مثل بيت العنكبوت لأن الكوكب والملك وكل ما عدا الله لا ينفع ولا يضر إلا بإذن الله فعبادتكم للغائب كعبادتكم للحاضر ولا معبود إلا الله ولا إله سواه.
المحلي و السيوطي
تفسير : {إِنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا } بمعنى الذي {يَدْعُونَ } يعبدون بالياء والتاء {مِن دُونِهِ } غيره {مِن شَىْءٍ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ } في ملكه {ٱلْحَكِيمُ } في صنعه.
القمي النيسابوري
تفسير : القراءات: {ما يدعون} بياء الغيبة: أبو عمرو وسهل ويعقوب وعاصم غير الأعشى والبرجمي. الباقون: بتاء الخطاب {آية} على التوحيد: ابن كثير وعاصم سوى حفص والمفضل وحمزة وعلي غير قتيبة وخلف لنفسه. {ويقول} بالياء: نافع وعاصم وحمزة وعلي وخلف. الباقون: بالنون {يا عبادي الذين} بسكون الياء: أبو عمرو وسهل ويعقوب وحمزة وعلي وخلف. الباقون: بفتح الياء والوقف للجميع بالياء لا غير {ارضي} بفتح الياء ابن عامر {يرجعون} بضم الياء التحتانية وفتح الجيم: يحيى وهشام {ترجعون} بفتح التاء الفوقانية وكسر الجيم. الباقون: بضم التاء الفوقانية وفتح الجيم {لنثوينهم} بسكون الثاء المثلثة: حمزة وعلي وخلف. والآخرون: بفتح الياء التحتانية الموحدة. وتشديد الواو {وليتمتعوا} بسكون اللام: ابن كثير وقالون وحمزة وعلي وخلف {سبلنا} بسكون الباء: أبو عمرو. الوقوف: {من شيء} ط {الحكيم} ه {للناس} ط لاختلاف الجملتين والعدول عن العموم إلى الخصوص {العالمون} ه {بالحق} ه {للمؤمنين} ه {الصلاة} ط {والمنكر} ط {أكبر} ط {ما تصنعون} ه {مسلمون} ه {إليك الكتاب} ط {يؤمنون به} ج فصلاً بين حال الفريقين مع اتفاق الجملتين {يؤمن به} ط {الكافرون} ه {المبطلون} ه {العلم} ط {الظالمون} ه {من ربه} ط {عند الله} ط {مبين} ه {عليهم} ط {يؤمنون} ه {شهيداً} ج لأن ما بعده يصلح وصفاً واستئنافاً {والأرض} {بالله} لا لأن ما بعده خبر {الخاسرون} ه {بالعذاب} ط {العذاب} ط {لا يشعرون} ه {بالعذاب} ط {بالكافرين} ه لا لأن {يوم} ظرف {المحيطة} {تعملون} ه {فاعبدون} ط {ترجعون} ه {خالدين فيها} ط {العاملين} قف بناء على أن التقدير هم الذين أو أعني الذين {يتوكلون} ه {رزقها} ق قد قيل: والوصل أولى لأنه وصف آخر لدابة {وإياكم} ج لاحتمال الاستئناف والوصل أولى ليكون حالاً متمماً للمعنى {العليم} ه {ليقولن الله} لا للاستفهام مع الفاء {يؤفكون} ه {ويقدر له} ط {عليم} ه {ليقولن الله} ط {الحمد لله} ط لتمام المقول {لا يعقلون} ه {ولعب} ط {الحيوان} ط لأن الشرط غير معلق {يعلمون} ه {الذين} ه {يشركون} لا لتعلق لام كي ومن جعلها لام أمر تهديد وقف عليه {آتيناهم} ط لمن قرأ {وليتمتعوا} بالجزم على استئناف الأمر، ومن جعل لام {ليكفروا} للأمر عطف هذه عليها فلم يقف {وليتمتعوا} لا لاستئناف التهديد {يعلمون} ه {من حولهم} ط {يكفرون} ه {جاءه} ط {الكافرين} ه {سبلنا} ط {المحسنين} ه. التفسير: هذا توكيد للمثل المذكور وزيادة عليه حيث لم يجعل ما يدعونه شيئاً هذا على تقدير كون "ما" نافية و"من" زائدة، ويجوز أن تكون استفهاماً نصباً بـ {يدعون} أو بمعنى الذي و "من" للتبيين المراد ما يدعون من دونه من شيء فإن الله يعلمه. وهو العزيز الحكيم قادر على إعدامه وإهلاكهم لكنه حكيم يمهلهم ليكون الهلاك عن بينة والحياة عن بينة. وفيه ايضاً تجهيل لهم حيث عبدوا ما هو أقل من لا شيء وتركوا عبادة القاهر القادر الحكيم. ثم إن الجهلة من قريش كانوا يسخرون من ضرب المثل بالذباب والعنكبوت ونحوهما فنزلت {وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون} وذلك لأن الأمثال والتشبيهات وسائل إلى المعاني المحتجبة في الأستار كما سبق في أول البقرة، حيث ضرب المثل بالبعوضة. قال الحكيم: العلم الحدسي يعرفه العاقل، وأما إذا كان فكرياً دقيقاً فإنه لا يعقله إلا العالم لافتقاره إلى مقدمات سابقة. والمثل مما يفتقر في إدراك صحته وحسن موقعه إلى أمور سابقة ولاحقة يعرف بها تناسب مورده ومضربه وفائدة إيراده فلا يعقل صحتها إلا العلماء. وحين أمر الخلق بالإيمان وأظهر الحق بالبرهان وقص قصصاً فيها عبر، وأنذر أهل الكفر بإهلاك من غبر ووصف سبيل أهل الاباطيل بالتمثيل، قوى قلوب أهل الإيمان بأن كفرهم ينبغي أن لا يورث شكاً في صحة دينكم، وشكهم يجب أن لا يؤثر في رد يقينكم، ففي خلق السموات والأرض بالحق بيان ظاهر وبرهان باهر وإن لم يؤمن به على وجه الأرض كافر. وإنما قال ههنا {لآية للمؤمنين} مع قوله {ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض... ليقولن الله} وقوله {أية : إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار}تفسير : [البقرة: 164] إلى قوله {أية : لآيات لقوم يعقلون} تفسير : [البقرة: 164] لأن المؤمن لا يقصر نظره من الخلق على معرفة الخالق فحسب ولكنه يرتقي منه إلى نعوت الكمال والجلال فيعرف أنه خلقهما متقناً محكماً وهو المراد بقوله {بالحق} والخلق المتقن المحكم لا يصدر إلا عن العالم بالكليات والجزئيات، وإلا عن الواجب الواحد الذات والصفات كقوله {أية : لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا}تفسير : [الأنبياء: 22] ثم يرتقي من مجموع هذه المقدمات إلى صحة الرسالة وحقيقة المعاد فيحصل له الإيمان بتمامه من خلق ما خلقه على أحسن نظامة. وإنما وحد الآية ههنا لأنه إشارة إلى التوحيد وهو سبحانه واحد لا شريك له. وفي قصة إبراهيم إشارة إلى النبوة وفي النبيين صلى الله عليه وسلم كثرة. وحيث قوى قلب المؤمنين بالتخصيص المذكور سلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله {اتل ما أوحي إليك من الكتاب} لتعلم أن نوحاً ولوطاً وغيرهما بلغوا الرسالة وبالغوا في إقامة الدلالة، ولم ينقذوا قومهم من الضلالة والجهالة، ولهذا قال {اتل} ولم يقل "اتل عليهم" لأن التلاوة بعد اليأس منهم ما كانت إلا لتسلية قلب النبي صلى الله عليه وسلم. أو نقول: إن الكاتب الإلهي قانون كلي فيه شفاء للصدور فيجب تلاوته مرة بعد أخرى ليبلغ إلى حد التواتر وينقله قرن إلى قرن ويأخذه قوم من قوم إلى يوم النشور. وأيضاً فيه من العبر والمواعظ ما يهش لها الأسماع وتطمئن إليها القلوب كالمسك يفوح لحظة فلحظة، وكالروض يستلذه النظر ساعة فساعة. وفي الجمع بين الأمرين التلاوة وأقامة الصلاة معنيان: أحدهما زيادة تسلية النبي صلى الله عليه وسلم كأنه قيل له: إذا تلوت ولم يقبل منك فأقبل على الصلاة لأنك وساطة بين الطرفين، فإن لم يتصل الطرف الأول وهو من الخالق إلى المخلوق، فليتصل الطرف الآخر وهو من المخلوق إلى الخالق. والثاني أن العبادات إما اعتقادية وهي لا تتكرر بل تبقى مستمراً عليها. وإما لسانية، وإما بدنية خارجية وافضلها الصلاة، فأمر بتكرار الذكر والصلاة حيازة للفضيلتين ثم علل الأمر بإقامة الصلاة فقال {إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر} فقال بعض المفسرين: اراد بالصلاة القرآن وفيه النهي عنهما وهو بعيد وقيل: أراد نفس الصلاة وإنما تنهى عنهما ما دام العبد في الصلاة، وضعف بأنه ليس مدحاً كاملاً لأن غيرها من الأعمال الفاضلة والمباحة قد يكون كذلك كالنوم وغيره. والذي عليه المحققون أن للصلاة لطفاً في ترك المعاصي فكأنها ناهية عنها وذلك إذا كانت الشروط من الخشوع وغيره مرعية. فقد روي عن ابن عباس: حديث : من لم تأمره صلاته بالمعروف ولم تنهه عن المنكر لم يزدد بصلاته من الله إلا بعداً. حديث : وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قيل له: إن فلاناً يصلي بالنهار ويسرق بالليل. فقال: إن صلاته لتردعه حديث : وروي أن فتى من الأنصار كان يصلي معه الصلاة ثم يرتكب الفواحش، فوصف ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن صلاته ستنهاه، فلم يلبث أن تابتفسير : . وعلى كل حال فالمراعي لأوقات الصلاة لا بد أن يكون أبعد من القبائح. واللفظ لا يقتضي إلا هذا القدر وكيف لا تنهى ونحن نرى أن من لبس ثوباً فاخراً فإنه يتجنب مباشرة القاذورات، فمن لبس لباس القتوى كيف لا يتجنب الفواحش. وإيضاً الصلاة توجب القرب من الله تعالى كما قال {أية : واسجد واقترب}تفسير : [العلق: 19] ومقرِّب الملك المجازي يجل منصبه أن يتعاطى الشغال الخسيسة فكيف يكون مقرب الملك الحقيقي؟ وأيضاً من دخل في خدمة الملك فأعطاه منصباً له مقام خاص مرتفع فإذا دخل وجلس في صف النعال لم يتركه الملك هنالك، فإذا صار العبد برعاية شروط الصلاة وحقوقها من أصحاب اليمين فكيف يتركه الله الكريم في أصحاب الشمال؟ وتفسير الفحشاء والمنكر مذكور مراراً، وقال أهل التحقيق: الفحشاء التعطيل وهو إنكار وجود الصانع، والمنكر الإشراك به وهو إثبات إله غير الله وذلك أن وجود الواجب الواحد أظهر من الشمس وإنكار الظاهر منكر ظاهر. واعلم أن الصلاة لها هيئة فأولها وقوف بين يدي الله كوقوف العبد بين يدي السلطان، وآخرها جثو بين يدي الله كما يجثو أهل الإخلاص بين يدي السلطان. وإذا جثا في الدنيا هكذا لم يجث في الآخرة كما قال {أية : ونذر الظالمين فيها جثياً} تفسير : [مريم: 72] فالمصلي إذا قال "الله" نفى التعطيل وإذا قال "أكبر" نفى الشرك لأن الشريك لا يكون أكبر من الشريك الآخر فيما فيه الاشتراك، وإذا قال {بسم الله} نفى التعطيل، وإذا قال {الرحمن الرحيم} نفى الإشراك لأن الرحمن هو المعطي للوجود بالخلق والرحيم هو المفيض للبقاء بالرزق، وهكذا {الحمد لله} خلاف التعطيل، وقوله {رب العالمين} خلاف التشريك وفي قوله {إياك نعبد} نفي التعطيل والإشراك من حيث إفادة التقديم الاختصاص بالعبادة، وكذا قوله {وإياك نستعين} وفي قوله {اهدنا الصراط} نفى التعطيل لأن المعطل لا مقصد له. وفي قوله {المستقيم} نفى الإشراك لأن المستقيم أقرب الطرق وهو أحد، والمشرك يزيد في الطريق بتحصيل الوسائط. وعلى هذا إلى آخر الصلاة وهو قوله في التشهد "أشهد أن لا إله إلا الله" نفى التعطيل والإشراك، فأول الصلاة "الله" وآخرها "الله". ثم إن الله سبحانه كأنه قال للعبد: أنت إنما وصلت إلى هذه المنزلة الرفيعة بهداية محمد صلى الله عليه وسلم، فقل بعد ذكري: أشهد أن محمدا رسول الله، واذكر إحسانه بالصلاة عليه. ثم إذا رجعت من معراجك وانتهيت إلى إخوانك فسلم عليهم وبلغه سلامي كما هو دأب المسافرين {ولذكر الله} أي الصلاة {أكبر} من غيرها من الطاعات. وفي تسمية الصلاة بالذكر إشارة إلى أن شرف الصلاة بالذكر. وجوز في الكشاف أن يراد ولذكر الله عند الفحشاء والمنكر وذكر نهيه عنهما ووعيده عليهما أكبر فكان أولى بأن ينهى من اللطف الذي في الصلاة. وعن ابن عباس: ولذكر الله إياكم برحمته أكبر من ذكركم إياه بالطاعة. {والله يعلم ما تصنعون} من الأعمال فيثيبكم أو يعاقبكم على حسب ذلك. وحين بين طريقة إرشاد المسلمين ونفع من انتفع واليأس ممن امتنع، أراد ان يبين طريقة إرشاد أهل الكتاب وهي مجادلتهم بالخصلة التي هي أحسن، يعني مقابلة الخشونة باللين والغضب بالحلم والعجلة بالتأني. قال بعض المفسرين: أراد لا تجادلهم بالسيف وإن لم يؤمنوا إلا إذا ظلموا فنبذوا الذمة أو منعوا الجزية. وقيل: إلاّ الذين اشركوا منهم بإثبات الولد لله والقول بثالث ثلاثة وقيل: إلا الذين آذوا رسول الله. والتحقيق أن أكثر أهل الكتاب جاؤا بكل حسن إلا الاعتراف بمحمد صلى الله عليه وسلم فوحدوا وآمنوا بإنزال الكتب وإرسال الرسل والمبدأ والمعاد، فلمقابلة إحسانهم يجادلون أولاً بالأحسن، ولا تستهجن آراؤهم ولا ينسب إلى الضلال آباؤهم بل يقال لهم {آمنا بالذي أنزل إلينا} إلى آخر الاية. وعن النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : ما حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم وقولوا آمنا بالله وكتبه ورسله، فإن كان باطلاً لم تصدقوهم، وإن كان حقاً لم تكذبوهم"تفسير : . ثم ذكر دليلاً قياسياً فقال {وكذلك} يعني كما أنزلنا على من تقدمك أنزلنا عليك وقال جار الله: هو تحقيق لقوله {آمنا بالذي أنزل إلينا} اي ومثل ذلك الإنزال أنزلناه مصدقاً لسائر الكتب السماوية. {فالذين آتيناهم الكتاب} هم عبد الله بن سلام وأضرابه {ومن هؤلاء} اي من اهل مكة أو الأولون هم الأقدمون من أهل الكتاب، والآخرون هم المعاصرون منهم للنبي صلى الله عليه وسلم وقيل: الأولون هم الأنبياء لأن كلهم آمنوا بكلهم ومن هؤلاء هم أهل الكتاب {وما يجحد بآياتنا} مع وضوحها إلا المصرون على الكفر المتوغلون فيه نحو كعب الأشرف وأصحابه. واعلم أن المجادل إذا ذكر مسألة خلافية كقوله: الزكاة تجب في مال الصغير. فإذا قيل له: لم؟ قال: كما تجب النفقة في ماله ولا يذكر الجامع بينهما. فإن فهم الجامع من نفسه فذاك، وإلا قيل له: لأن كليهما مال فضل عن الحاجة. فالله سبحانه ذكر أولاً التمسك بقوله {وكذلك أنزلنا} ثم ذكر الجامع بقوله {وما كنت تتلو} الآية. وفي قوله {بيمينك} زيادة تصوير لما نفى عنه من كونه كاتباً. ومعنى {إذا لارتاب} لو كان شيء من ذلك أي من التلاوة والخط لارتاب {المبطلون} من أهل الكتاب، وارتاب الذين من شأنهم الركون إلى الأباطيل، لأن النبي إذا كان قارئاً كاتباً أمكن أن يسبق إلى الوهم أن الكلام كلامه لا كلام الله، وإذا كان أمياً فلا مجال لهذا الوهم. أو المراد أن سائر الأنبياء لم يكونوا أميين ووجب الإيمان بهم لمكان معجزتهم فهبوا أنه قارئ كاتب اليس صاحب آيات ومعجزات فإذا هم مبطلون على كل حال. ثم أكد إزالة ريبهم بقوله {بل هو} يعني القرآن {آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم} وهو الحفاظ والقراء وسائر الكتب السماوية، ما كانت تقرأ إلا من القراطيس ولهذا جاء في صفة هذه الأمة "صدورهم أناجيلهم" {وما يجحد بآياتنا} الباهرة النيرة إلا المتوغلون في الظلم. سماهم أولاً كافرين لأجل مجرد الجحود، ثم بعد بيان المعجزة سماهم ظالين لأن الكفر إذا انضم معه الظلم كان أشنع. ويجوز أن يراد بالظلم الشرك كأنهم بغولهم في الجحود ألحقوا بأهل الشرك حكماً أو حقيقة. ولما بين الدليل من جانب النبي صلى الله عليه وسلم ذكر شبهتهم وهي الفرق بين المقيس والمقيس عليه، وذلك أن موسى أوتي تسع آيات علم بها كون الكتاب من عند الله وأنت ما أوتيت شيئاً منها فأرشد الله نبيه إلى الجواب وهو أن يقول {إنما الآيات عند الله} ووجههأنه ليس من شرط الرسالة إظهار المعجزة وإنما المعجزة بعد التوقف في الرسالة، ولهذا علم وجود رسل كشيث وادريس وشعيب، ولم يعلم لهم معجزة وكان في بني إسرائيل أنبياء لم تعرف نبوتهم إلا بقول موسى أو غيره، فليس على النبي إلا النذارة. وأما إنزال الآية فإلى رحمة الله إذا شاء تخليص القوم من تصديق المتنبئ وتكذيب النبي. ثم قال {أولم يكفهم} الآية. والمعنى هبوا أن إنزال الآية شرط أليس القرآن المتلو الذي أخرس شقاشق فصائحهم كافياً في بيان الإعجاز؟ {إن في ذلك} المتلو على وجه الأرضين {لرحمة} من الله على الخلق وإلا اشتبه عليهم النبي بالمتنبئ {وذكرى} ليتعظ بها الناس ما بقي الزمان. وإنما كانت هذه الرحمة من الله على الخلق والتذكرة مختصة بالمؤمنين، لأن المعجزة للكافرين سبب لمزيد الإنكار المستلزم لإلزام الحجة والخلود في النار، ثم ختم الدلائل بأن أمر نبيه صلى الله عليه وسلم بكلام منصف وهو قوله {كفى بالله بيني وبينكم شهيداً} وقال في آخر سورة الرعد {أية : قل كفى بالله شهيداً بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب} تفسير : [الآية: 43] لأن الكلام هناك مع المشركين فاستشهد عليهم بأهل الكتاب أيضاً وأما هنا فالكلام مع أهل الكتاب فاقتصر على شهادة الله، ثم بين كون شهادة الله كافية بقوله {يعلم ما في السموات والأرض} ثم هددهم بقوله {والذين آمنوا بالباطل وكفروا بالله} وهما متلازمان لأن الإيمان بما سوى الله وهو الباطل الهالك الزائل الزاهق كفر بالله وجحود بحقه. {أولئك هم الخاسرون} لا يستحق لهذا الاسم في الحقيقة غيرهم إذ لا غبن افحش من اشتراء الباطل بالحق والكفر بالإيمان وإضاعة العمر في ما عبادة مالا ينفعهم بل يضرهم قيل: إن ناساً من المسلمين أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بكتف قد كتبوا فيها بعض ما يقول اليهود، فلما نظر إليها ألقاها وقال: كفى بها حماقة قوم ان يرغبوا عما جاءهم به نبيهم إلى ما جاء به غير نبيهم فنزلت {أولم يكفهم} الآية. ويروى أن كعب بن الأشرف وأصحابه قالوا: يا محمد من يشهد لك بأنك رسو الله؟ فنزلت {قل كفى} الآية. فعلى هذا فالآية نازلة في المشركين، وعلى ا مر فهل يتناول أهل الكتاب؟ قالوا: نعم، لأنه صح عندهم معجزة محمد صلى الله عليه وسلم وقطعوا بأنها ليست من عند الله بل من تلقاء محمد صلى الله عليه وسلم فيلزمهم أن يقولوا: إن محمداً هو الله فيكون إيماناً بالباطل وكفراً بالله. قلت: ولعل وجه التناول هو أنهم آمنوا بالمحرف من التوراة وعبدوا العجل والله أعلم. ثم إن النضر بن الحرث وغيره من كفار قريش كانوا يستعجلون بالعذاب كما مر استهزاء منهم وتكذيباً فنزلت {ويستعجلونك بالعذاب ولولا أجل مسمى} هو الموت أو يوم بدر أو ما كتب في اللوح أنه لا يعذب هذه الأمة عذاب الاستئصال إلى يوم القيامة. وقوله {وهم لايشعرون} تأكيد للبغتة، أو هو كلام مستقل أي إنهم لا يشعرون هذا الأمر ويظنون أن العذاب لا يأتيهم اصلاً. ثم كرر قوله {يستعجلونك بالعذاب} تعجباً منهم وتعجيباً، فإن من توعد بأمر يسير كلطمة أو لكمة يحتمل أن يظهر من نفسه الجلادة ويقول: هات ما عندك. وأما الذي توعد بإحراق ونحوه فكيف يتجلد ويستعجل خصوصاً إذا كان الموعد لا يخلف الميعاد ويقدر على كل ما اراد. وقوله {لمحيطة} بمعنى الاستقبال أي ستحبط بهم يوم كذا ويجوز أن يكون بمعنى الحال حقيقة لأن المعاصي التي توجبها محيطة بهم في الدنيا، أو مجازاً لأن جهنم مآلهم ومرجعهم فكأنها الساعة محيطة بهم. والظرف على هذين الوجهين منصوب بمضمر اي {يوم يغشاهم العذاب} كان كيت وكيت. وإنما خص الغشيان بالفوق والتحت دون باقي الجهات، لأن نار جهنم بذلك تتميز عن نار الدنيا لأن نار الدنيا، لا تنزل من فوق ولا تؤثر شعلتها من تحت بل تنطفئ الشعلة تحت القدم، وإنما لم يقل "ومن تحتهم" كما قال {من فوقهم} لأن نزول النار من فوق عجيب سواء كان من سمت الراس أو من موضع آخر. وأما الاشتعال من تحت فليس بعجيب إلا حيث يحاذي الرجل. ويجوز أن يكون زيادة الأرجل تصويراً لوقوفهم في النار أو لجثوهم فيها. وقوله {ذوقوا ما كنتم} أي جزاء ما كنتم تعملونه أمر إهانة، وحين ذكر حال الكفرة من أهل الكتاب والمشركين وجمعهم في الإنذار وجعلهم من اهل النار اشتد عنادهم وزاد فسادهم وسعوا في إيذاء المؤمنين ومنعهم من عبادة الله فقال {يا عبادي} فإن كانت الإضافة للتشريف كقوله {أية : عيناً يشرب بها عباد الله} تفسير : [الدهر: 6] فقوله {الذين آمنوا} صفة موضحة. وإن كانت للتخصيص فهي صفة مميزة. ومعنى الآية أن المؤمن إذا لم يتسهل له عبادة الله في بلد على وجه الإخلاص فليهاجر عنه إلى بلد يكون فيه أفرغ بالاً أو ارفع حالاً وأقل عوارض نفسانية وأكمل دواعي روحانية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : من فر بدينه من أرض إلى أرض وإن كان شبراً من الأرض استوجب الجنة وكان رفيق إبراهيم ومحمد"تفسير : . واعلم أني عند الوصول إلى تفسير هذه السورة عنَّ لي سفر من غير اختيار كلي فأقول متضرعاً إلى الله الكريم ومستمداً من إعجاز الفرقان العظيم: اللهم إن كنت تعلم أن هذا السفر مشوب بشيء من رضاك فإن كل الرضا لا يمكنني أن أراعيه فاجعله سبباً لنجح المقاصد وحصول المآرب والاشتمال على الفوائد الدنيوية والدينية والخلاص من شماتة الأعداء الدنية حتى أفرع لنشر العلوم الشرعية إنك على ما تشاء قدير وبالإسعاف والإجابة جدير. والفاء في قوله {فإياي} للدلالة على أنه جواب الشرط كأنه قال: إذا كان لا مانع من عبادتي {فاعبدوني} ثم أريد معنى الاختصاص والإخلاص فقدم المفعول على شريطة التفسير، وجيء بالفاء الثانية الدالة على ترتيب المقتضى على المقتضي كما يقال: هذا عالم فأكرموه كما مر في قوله {أية : وإياي فارهبون}تفسير : [البقرة: 40] فصار حاصل المعنى: إن لم تخلصوا العبادة لي في ارض فاخلصوها لي في غيرها. والفائدة في الأمر بالعبادة بعد قوله {يا عبادي} الدال على العبودية إما المداومة أي يا من عبدتموني في الماضي اعبدوني في المستقبل، أو الإخلاص في العبادة. ويجوز أن يقال: العبودية غير العبادة، فكم من عبد لا يطيع سيده، ثم لما أمر المؤمنين بالمهاجرة صعب عليهم ترك الأوطان ومفارقة الإخوان والخلان فقال {كل نفس ذائقة الموت} أي إن الذي تكرهون لا بد من وقوعه فالأولى أن يكون ذلك في سبيل الله {ثم إلينا ترجعون} فنثيبكم على ذلك، وفيه أن كل نفس ذائقة الموت اضطراراً فمن اراد أن لا يموت ابداً فليمت اختياراً فإن أولياء الله لا يموتون ولكن ينقلون من دار إلى دار. ثم بين أن للمؤمنين الجنان في مقابلة ما للكافرين من النيران، وأن في الجنة غرفاً تجري من تحتها الأنهار في مقابلة ما يحيط بالكافرين من النار. وبين أن ذلك أجر عملهم بقوله {نعم أجر العالمين} بإزاء ما بين جزاء عمل الكفار بقوله {ذوقوا ما كنتم تعلمون} وقوله {لنبوئنهم} أَ لننزلنهم {من الجنة} عوالي ومن قرأ بالثاء المثلثة فمن الثواء يقال: ثوى في المنزل لازماً وأثوى غيره متعدياً إلى واحد. فانتصاب {غرفاً} إمات بنزع الخافض، وإما لتضمين الإِثواء معنى التبوئة والإِنزال، وإما التشبيه الظرف المؤقت بالمبهم. ثم مدح {الذين صبروا} على المكاره في الحال. {وعلى ربهم يتوكلون} فيما يحتاجون إليه في الاستقبال. وكل واحد من الصبر والتوكل يحتاج إليه المسافر والمقيم، فكما أن المهاجر يصبر على فراق الأوطان ويتوكل في سفره على الرحمن، فالمتوطن يصبر على الأذيات والمحن ويتوكل في أموره على فضل ذي المنن. والصبر والتوكل صفتان لا تحصلان إلا مع سعة العلم بالله وبما سوى الله، فمن علم أنه باق لا يصبر عنه ولا يتوكل في الأمور إلا عليه، ومن علم أن ما سواه فإن هان عليه الصبر وعلم أنه لا يصلح للاعتماد عليه. ثم ذكر ما يعين على الصبر والتوكل وهو النظر في حال الدواب. وقال المفسرون: لما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم من اسلم بمكة بالهجرة خافوا الفقر والضيعة فكان الرجل منهم يقول: كيف اقدم بلدة ليست لي فيها معيشة فنزلت {وكاين من دابة لا تحمل رزقها} عن الحسن اي لا تدخره وقال غيره: لا تطيق حمل الرزق {الله يرزقها} بإيجاد غذائها وهدايتها إليه. ثم بتشبث ذلك الغذاء بالمغتذي بتوسط قوى أودعها فيها وهيأها لذلك. {وإياكم} بمثل ما قلنا وبزيادة الاهتداء إلى وجوه المكاسب والمعايش وترتيب الملبس والمسكن وتهيئة الأقوات وادخار الأموال وتملكها اختياراً وقهراً، ومنه يعلم أن الاشتغال بترتيب بعض الوسائط وتدبيرها لا ينافي التوكل فقد يكون الزارع الحاصد متوكلاً والراكع الساجد غير متوكل. عن ابن عيينة: ليس شيء يخبأ إلا الإِنسان والنملة والفأرة وللعقعق مخابئ إلا أنه ينساها. وحكي أن البلبل يحتكر في حضنيه أي يجمع. وإذا كان أكثر الحيوان على صورة المتوكلين فالإنسان العاقل العارف بالمبدأ والمعاد، العالم بوجوه المكاسب الذي يأتيه الرزق من جهات الإرث والعمارة والهدية ونحوها، كيف يظاهر على الحطام الزائل أشد حرص؟! {وهو السميع} لدعاء طلبة الرزق {العليم} بطوياتهم ومقادير حاجاتهم. ثم عجب أهل العجب من حال المشركين من أهل مكة وغيرهم لم يعبدوا الله مخلصين مع علمهم بأنه خالقهم ورازقهم، فكيف يصرفون عن توحيد الله؟ فإن من علمت عظمته وجبت خدمته، ولا عظمة فوق عظمة خالق الذرات وإليه اشار بخلق الأرض والسموات موجد الصفات وإليه الإشارة بتسخير الشمس والقمر ولا حقارة فوق حقارة الجماد لأنه دون النبات وهو دون الحيوان وهو دون الإنسان وهو دون سكان السموات، فكيف يتركون عبادة أشرف الموجودات ويشتغلون بعبادة أخس المخلوقات، وحين ذكر الخلق أتبعه ذكر الرزق وحكمة البسط والقبض في ذلك الباب. ومعنى {يقدر} يضيق فالضمير في {له} إما للشخص المعين المبسوط له والمراد أن تعاقب الأمرين عليه بمشيئة الله وإما لمبهم غير معين كأن الضمير وضع موضع من يشاء. وفي قوله {إن الله بكل شيء عليم} إشارة إلى أنه عالم بمقادير الحاجات فإذا علم احتياج العبد إلى الرزق أوصله إليه من غير تأخير إن شاء. ثم احتج على المشركين بوجه آخر وهو اعترافهم بأن إِحياء الأرض الميتة بواسطة تنزيل ماء السماء هو من الله. ثم قال {قل الحمد لله} وهو كلام مستقل على سبيل الاعتراض أو هو متصل بما قبله كأنه استحمد رسوله على البراءة من التناقض والتهافت خلاف أهل الشرك المعترفين بأن النعمة من الله ثم يتركون عبادته إلى عبادة الصنم الذي لا يملك نفعاً ولا ضراً. وفيه أن العالم إذا لم يعمل بعلمه انخرط في سلك من لا عقل له ولهذا عقبه بقوله {بل أكثرهم لا يعقلون} وقال جار الله: اراد لا يعقلون ما يقولون وما فيه من الدلالة على بطلان الشرك وصحة التوحيد، أو لا يعقلون ما تريد بقولك: "الحمد لله" ولا يفطنون لم حمدت الله عند مقالتهم. واعلم أن المشركين معترفون بأن الخلق والرزق من الله، ولكن حب الدنيا وزينتها حملتهم على موافقة أهل الشرك والمداومة على الدين الباطل، فصغر الله تعالى أمر الدنيا وعظم أمر الاخرة ليعلم أن رعاية جانب الآخرة أهم من رعاية صلاح الدنيا. قال أهل العلم: الإقبال على الباطل لعب، والإعراض عن الحق لهو، والمشتغل بالدنيا كذلك. ويمكن أن يقال: المشتغل بها لا على وجه الاستغراق بل على وجه يفرغ لبعض أمور الآخرة لاعب، والمشغول بها بحيث ينسى الآخرة بالكلية لاهٍ وحين كان الكلام في الأنعام بعد ذكر الآخرة وما يجري فيها من الحيرة والحسرة قدم اللعب هناك لأن الاستغراق الكلي بالنسبة إلى أهل الآخرة أبعد فأخر الأبعد. ولما كان المذكور ههنا من قبيل الدنيا ولهذا أشار إليها بقوله {وما هذه الحياة الدنيا} وقال في الأنعام {أية : وما الحياة الدنيا}تفسير : [الآية: 32] وهي خداعة تدعو النفوس إلى الإقبال عليها بالكلية، فلا جرم قدم اللهو. ويحتمل أن يقال: إنه تعالى قدم اللعب على اللهو في موضعين من "الأنعام" وكذلك في القتال ويقال لها "سورة محمد" صلى الله عليه وسلم وفي "الحديد". وقدم اللهو على اللعب في "الأعراف" و"العنكبوت". فاللعب مقدم في الأكثر لأن اللعب زمانه الصبا، واللهو زمانه الشباب، وزمان الصبا مقدم على زمان الشباب. "تنبيه" ما ذكر في الحديد {أية : اعلموا أَنما الحياة الدنيا لعب}تفسير : [الحديد: 20] كلعب الصبيان {أية : ولهو}تفسير : [الحديد: 20] كلهو الشبان و {أية : زينة}تفسير : [الحديد: 20] كزينة النسوان {أية : وتفاخر}تفسير : [الحديد: 20]كتفاخر الإخوان {أية : وتكاثر}تفسير : [الآية: 20] كتكاثر السلطان وقدم اللهو في الأعراف لأن ذلك في القيامة فذكر على ترتيب ما انقضى وبدأ بما بدأ به الإنسان وانتهى من الجانبين. وأما هذه السورة فأراد فيها ذكر سرعة زمان الآخرة، فبدأ بذكر ما هو أكثر ليكون غلى المقصود اقرب. ثم إن الحال في سورة الأنعام لما كانت حال إظهار الحسرة لم يحتج المكلف إلى وازع قوي فاقتصر على قوله {أية : وللدار الآخرة خير}تفسير : [الأنعام: 32] ولما كان ههنا حال الاشتغال بالدنيا احتاج إلى وازع أقوى فقال {وإن الدار الآخرة لهي الحيوان} أي لا حياة إلا حياة الآخرة وليس فيها إلا حياة مستمرة دائمة بلا موت فكأنها في ذاتها حياة. ولا يخفى ما في التركيب من أنواع المبالغة من جهة "إن" ومن جهة صيغة الفصل، ولام التأكيد، وبناء الفعلان بتحريك العين وهو مصدر "حيي" بياءين لفقد ما عينه ياء ولامه واو. ولو كانا واوين لقيل: حوى مثل قوى وقياسه "حييان" بياءين قلبت الثانية واواً على منوال حيوة في اسم رجل. ولأن المبالغة ههنا أزيد مما في الأنعام قال ههنا {لو كانوا يعلمون} وهنالك {أية : أفلا تعقلون}تفسير : [الأنعام: 32] لأن المعلوم أكثر مقمدة من المعقول وقد مر في السورة ثم أشار بقوله {فإذا ركبوا في الفلك} إلى أن المانع من التوحيد والإخلاص هو الحياة الدنيا لأنهم إذا انقطع رجاؤهم رجعوا إلى الفطرة الشاهدة بالتوحيد والإخلاص، فإذا نجاهم إلى البر عادوا إلى ما كانوا عليه من حب الدنيا وأشركوا لأجلها. ثم بين أن نعمة الأمن يجب أن تقابل بالشكر لا بالكفر فقال {أولم يروا} الآية. وقد مر مثله في "القصص". ثم ذكر أن الذين سمعوا البيانات المذكورة ولم يؤمنوا فلا أظلم منهم لأن من وضع شيئاً في غير موضعه فهو ظالم. فمن وضع شيئاً في موضع لا يمكن أن يكون ذلك موضعه يكون أظلم، وإنهم جعلوا الله شريكاً مع عدم إمكان الشريك له، فلا أظلم منهم. وأيضاً من كذب صادقاً يجوز عليه الكذب كان ظالماً، فمن كذب صادقاً لا يجوز عليه الكذب يكون حاله وإنهم كذبوا النبي والقرآن؟ وفي قوله {لما جاءه} إشارة إلى أنهم لم يتلعثموا في التكذيب وقت أن سمعوه ولم يستعملوا التدبر التفكر فيما يجب أن يستعمل فيه التأني والتثبت، وهذا أيضاً نوع من الظلم بل ظلم مضموم إلى ظلم. وفي قوله {اليس} معنيان بعد كون الاستفهام للتقرير. فإن أريد نفي الحال فمعناه ألم يصح عندهم أن في جهنم مثوى للكافرين حتى اجترؤا على مثل هذه الجرأة؟ وإن اريد نفي الاستقبال فالمراد ألا يثوون في جهنم وقد افتروا على الله وكذبوا بالحق؟ وقيل: هو من الكلام المنصف لأنه قدم مقدمة هي أنه لا أظلم من المفتري وهو المتنبئ ومن الذي كذب النبي. ثم ذكر أن جهنم مقام الكافر سواء كان هو المتنبئ أو المكذب للنبي فهو كقوله {أية : وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين}تفسير : [سبأ: 24] ثم ختم السورة بآية جامعة فيها تسلية قلوب المؤمنين والمراد أن من جاهد النفس أو الشيطان الجني والإنسي {فينا} أي في حقنا ومن أجل رضانا خالصاً {لنهدينهم} سبيل الجنة أو سبيل الخير بإعطاء ميزد اللطاف والتوفيق. وقيل: والذين جاهدوا فيما علموا ولم يقصروا في العمل به لنهدينهم إلى ما لم يعلموا وهو قريب من قول الحكيم: إن النظر في المقدمات يعد النفس لقبول الفيض وهو النتيجة من واهب الصور الجسمانية والعقلية. وقوله {وإن الله لمع المحسنين} أي بالنصر والإعانة إشارة إلى مرتبة أعلى من الاستدلال وهو الذي يسمى العلم اللدني، فكأنه تعالى أشار في خاتمة السورة إلى الفرق الثلاث. فأشار إلى الناقصين بقوله {ومن أظلم} وذلك أنهم صرفوا الاستعداد في غير ما خلق لأجله، وإلى المتوسطين الذين يحصلون العلم بالكد بقوله {والذين جاهدوا} وإلى اصحاب الحدس وصفاء الضمير بقوله {وإن الله لمع المحسنين} والله أعلم بمراده. التأويل: {وما يعقلها إلا العالمون} بالله لأن عقولهم مؤيدة بأنوار العلم اللدني {إن في ذلك لآية للمؤمنين} الذين ينظرون بنور الله فان النور لا يرى إلا بالنور {اتل ما أوحي إليك من الكتاب وأقم الصلاة} فيه أن التلاوة والعمل به يجب أن يتقارنا حتى يتخلق بخلق القرآن ويحصل الانتهاء عن الفحشاء وهي طلب الدنيا. والمنكر وهو الالتفات إلى غير الله فإن لم تكن الصلاة متصفة بذلك فهي كالصلاة. {ولذكر الله} في إزالة مرض القلب {أكبر} من تلاوة القرآن وإقامة الصلاة، لأن القلب لا يطمئن إلا بذكر الله، وعند الاطمئنان توجد سلامة القلب. فلاذكر له خاصية الإكسير في جعل الإبريز ذهباً خالصاً. {والله يعلم ما تصنعون} من استعمال مفتاح الشريعة وآداب الطريقة لفتح أبواب طلسم الوجود المجازي والوصول إلى الكنز الخفي {ولا تجادلوا} يا ارباب القلوب أهل العلم الظاهر إلا بطريق الإنصاف والرفق {إلا الذين ظلموا} بمزيد الإنكار والعناد فحينئذ لا تجادلوهم إذ لا يرجى منهم قبول الحق والإذعان له، فخلوا بينهم وبين باطلهم {وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا} من العلوم الباطنة {وأنزل إليكم} من العلوم الظاهرة {وكذلك} اي كما أنزلنا الدلائل والبراهين العقلية على أهل الظاهر {أنزلنا عليكم} الكشوف والمعارف {فالذين آتيناهم الكتاب} وهم أرباب القلوب يصدقون به، {ومن هؤلاء} العلماء الظاهريين من يؤمن به {وما يجحد بآياتنا إلا الذين} يشترون الحق بالباطل {وما كنت تتلو} وفيه أن القلب إذا كان خالياً عن النقوش الفاسدة كان أقبل للعلوم اللدنية كقلب النبي صلى الله عليه وسلم، ولذلك قال {بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم} يعني أن قلوب الخواص خزائن الغيب. سأل موسى عليه السلام: إلهي أين أطلبك؟ فقال: أنا عند المنكسرة قلوبهم لأجلي. ثم اشار بقوله {وما يجحد} إلى أن الحرمان من الرؤية من خصوصية الرين ولهذا قالوا {لولا أنزل عليه آية} وذلك لعمى عيون قلوبهم. ثم أشار إلى ظلومية الإنسان وجهوليته بأنه يستعجل بالعذاب مع عدم صبره عليه {وإن جهنم} الحرص وغيره من الأخلاق الذميمة {لمحيطة} بهم من فوقهم وهو الكبر والغضب {ومن تحت أرجلهم} وهو الحرص والشره والشهوة {وهم لا يشعرون} لأنهم نائمون فإذا ماتوا انتبهوا {يا عبادي} أن أرض حضرة جلالي {واسعة} فهاجروا بالخروج من حبس وجودكم إلى سرادقات هويتي {كل نفس ذائقة الموت} بالإضطرار فارجعوا إلينا بالاختيار {لنبوئنكم} من جنة الوصال غرفاً من المعارف {تجري من تحتها} أنهار الحكمة {الذين صبروا} في الباية على حبس النفس بالفطام عن المرام، وفي الوسط على تجرع القلب كاسات التقدير من غير تعبير، وفي النهاية صبروا على بذل الروح لنيل الفتوح {وكأين من دابة} شخص كالدابة {لا تحمل} النظر عن {رزقها} لضعف نفسها عن التوكل {الله يرزقها وإياكم} أيها الطالبون للمشاهدات والمكاشفات {ليقولن الله} لأن كلهم قالوا في الأزل: بلى عند خطاب {أية : ألست بربكم} تفسير : [الأعراف: 172] والفرق إثبات الشريك ونفيه وذلك لعدم إصابة النور المرشش وإصابة دليله قوله {الله يبسط الرزق} بإصابته النور {ويقدر} بأخطائه {إن الله عليم} باستحقاق كل فريق من نزل من سماء الروحاينة ماء الإيمان فأحيا به أرض القلوب {لهي الحيوان} لأن جميع أجزائها حي فقد ورد في الحديث "حديث : إن الجنة وما فيها من الأشجار والأثمار والغرف والحيطان والأنار حتى ترابها وحصباؤها كلها حي" تفسير : قلت: ولعل ذلك لبقاء كل منها على كماله الآخر. ثم بين بقوله {فإذا ركبوا} أن إخلاص المؤمن بثابت وإخلاص الكافر مضطرب ثم بين أن حرم القلب آمن وما حوله من صفات النفس ومشاهدة ربها مظنة تصرف الشيطان، فمن افترى على الله بأن لا يكون له مع الله وقت وحال ويظهر ذلك من نفسه، أو كذب طريقة أهل الحق جاهدوا فينا يخرج منه مجاهدة الرهبانيين والفلاسفة والبراهمة ونحوهم لأنهم مرتاضون رياء وكسلاً.
الثعالبي
تفسير : وقوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ}، قيل: معناه: إن اللّه يعلم الذين تدعون من دونه من جميع الأشياء، وقيل: ما نافية؛ وفيه نظر، وقيل: ما استفهامية، قال جابر: قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: {وَمَا يَعْقِلُهَا إِلاَّ ٱلْعَـٰلِمُونَ}: العَالِمُ: مَنْ عَقَلَ عَنِ اللّهِ تَعَالَىٰ فَعَمِلَ بِطَاعَتِهِ وَٱنْتَهَىٰ عَنْ مَعْصِيَتِهِ. قوله تعالى: {وَخَلَقَ ٱللَّهُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ بِٱلْحَقِّ} أي: لا للعبث واللعب؛ بل ليدل على سلطانه؛ وتثبيت شرائعه، ويضع الدلالة لأهلها ويعم بالمنافع؛ إلى غير ذلك مما لا يُحْصَىٰ عداً. ثم أمر تعالى نبيه عليه السلام بالنفوذ لأمره؛ وتلاوة القرآن الذي أُوحِيَ إليه وإقامة الصلاة، أي: إدامتها؛ والقيام بحدودها. ثم أخبر سبحانه حُكْماً منه أن الصلاة تنهى صاحبَها وممتثلَها عن الفحشاء والمنكر. قال * ع *: وذلك عندي بأن المصلي إذا كان على الواجبِ من الخشوعِ، والإخبات وتذكرِ اللّه، وَتَوَهِّمِ الوقوف بين يديه، وإنَّ قلبه وإخلاصه مُطّلَعٌ عليه مَرْقُوبٌ صَلُحَتْ لذلك نَفْسُهُ، وتذلَّلَتْ، وخَامَرَها ارتقابُ اللّه تعالى؛ فاطَّرَدَ ذلك في أقواله، وأفعاله، وانتهَى عن الفحشاء والمنكر، ولم يكَدْ يَفْتُرُ من ذلك حتى تظله صلاةٌ أخْرى؛ يرجع بها إلى أفضل حاله؛ فهذا معنى هذا الإخبار؛ لأن صلاةَ المؤمن هكذا ينبغي أن تكون، وقد رُوِيَ عن بعض السلف: أنه كان إذا أقام الصلاة ارتعد، واصفر لونُه، فكُلِّم في ذلك، فقال: إني أقف بين يدي اللّه تعالى. قال * ع *: فهذه صلاة تنهى ـــ ولا بد ـــ عن الفحشاء والمنكر، وأما من كانت صلاته دائرةً حول الإجزاء، بلا تذكر ولا خشوع، ولا فضائل؛ فتلك تترك صاحبَها من منزلته حيثُ كانَ. وقوله تعالى: {وَلَذِكْرُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ} قال ابن عباس وأبو الدرداء وسلمان وابن مسعود وأبو قرة: معناه: ولذكر اللّه إياكم؛ أكبر من ذكركم إياه. وقيل: معناه: ولذكر اللّه أكبر؛ مع المداومة من الصلاة في النهي عن الفحشاء والمنكر. وقال ابن زيد وغيره: معناه: ولذكر اللّه أكبر من كل شيء. وقيل لسلمان: أيُّ الأعمالِ أفضل؟ فقال: أَمَا تَقْرَأُ {وَلَذِكْرُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ}. والأحاديثُ في فَضْلِ الذّكْر كثيرةٌ؛ لا تنحصر. وقال ابن العربي في «أحكامه»: قوله: و{لَذِكْرُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ} فيه أربعة أقوال. الأول: ذكر اللّه لكم أفضلُ من ذكرِكم له؛ أضاف المصدر إلى الفاعل. الثاني: ذكر اللّه أفضل من كل شيء. الثالث: ذكر اللّه في الصلاة؛ أفضل من ذكره في غيرها؛ يعني: لأنهما عبادتان. الرابع: ذكر اللّه في الصلاة؛ أكبر من الصلاة؛ وهذه الثلاثة الأخيرة من إضافة المصدر إلى المفعول، وهذه كلها صحيحةٌ، وإن للصلاةِ بركةً عظيمةً، انتهى. قال * ع *: وعندي، أن المعنى: ولذكر اللّه أكبر على الإطلاق، أي: هو الذي ينهى عن الفحشاء والمنكر، فالجُزء الذي منه في الصلاة؛ يفعل ذلك، وكذلك يفعل في غير الصلاة، لأنَّ الانتهاءَ لا يكونُ إلا من ذَاكِرٍ للَّهِ تعالى، مراقب له، وثوابُ ذلك الذكر أن يذكُرَه اللّه تعالى، كما في الحديث الصحيح: «حديث : وَمَنْ ذَكَرَنِي فِي مَلإٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلإٍ خَيْرٍ مِنْهُمْ»تفسير : والحركاتُ التي في الصلاة؛ لا تأثيرَ لها في نهي، والذكرُ النافع هو مع العلم؛ وإقبال القلب وتفرُّغه إلا من اللّه تعالى. وأما ما لا يتجاوز اللسانَ ففي رتبة أخرى، وذكر اللّه تعالى للعبد؛ هو إفاضةُ الهدى ونور العلم عليه؛ وذلك ثمرة ذكر العبدِ ربَّه. قال اللّه عز وجل: {أية : فَٱذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ} تفسير : [البقرة:152]. وعبارة الشيخ ابن أبي جمرة: {وَلَذِكْرُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ} معناه: ذكره لك في الأزل أن جعلك من الذاكرينَ له؛ أكبرٌ من ذكرِك أنت الآن له، انتهى. قال القُشَيْريُّ في «رسالته» الذكر ركن قوي في طريق الحق سبحانه؛ وهو العمدة في هذا الطريق؛ ولا يصل أحد إلى اللّه سبحانه إلا بدوام الذكر، ثم الذكرُ على ضربين: باللسان، وذكرٌ بالقلب، فذكر اللسان: به يصل العبد إلى استدامة ذكر القلب، والتأثيرُ لذكر القلب، فإذا كان العبد ذاكراً بلسانه، وقلبه؛ فهو الكامل في وصفه، سمعتُ أبا علي الدقاق يقول: الذكر: منشورُ الولاية، فمن وُفِّقَ للذكر؛ فقد وُفِّقَ للمنشور، ومن سُلِبَ الذكرَ فقد عُزِلَ والذكر بالقلب مستدام في عموم الحالات. وأسند القشيريُّ عن المظفر الجصاص قال: كنت أنا ونصرَ الخراط ليلةً في موضع؛ فتذاكرنا شَيْئاً من العلم؛ فقال الخراط: الذاكر للَّه تعالى فائدته في أول ذكره: أنْ يعلمَ أنَّ اللّه ذكَره؛ فبذكر اللّه له ذِكرُه، قال: فخالفته، فقال: لو كان الخضرُ ها هنا لشهد لصحته، قال فإذا نحن بشيخٍ يجيء بين السماء والأرض، حتى بلغ إلينا وقال صدق؛ الذاكر للَّه بفضل اللّه، وذكره له ذكرَه، فعلمنا أنه الخضر عَليه السلام، انتهى. وباقي الآيةِ ضَرْبٌ من التَوعُّدِ وحثٌّ على المراقبةِ، قال البَاجِيُّ في «سنن الصالحين»: قال بعض العلماء: إن اللّه عز وجل يقول: «حديث : أَيُّمَا عَبْدٍ ٱطَّلَعْتُ عَلَى قَلْبِهِ؛ فَرَأَيْتُ الغَالِبَ عَلَيْهِ التَّمَسُّكَ بِذِكْرِي؛ تَوَلَّيْتُ سِيَاسَتَهُ وَكُنْتُ جَلِيسَهُ وَمُحَادِثَهُ وَأَنِيسَهُ»تفسير : . انتهى.
البقاعي
تفسير : ولما انتفى نفعهم بعلمهم، صح نفيه، فكانوا وإياها على حد سواء، ليس لفريق منهما شيء مما نوى، فيا لها من صفقة خاسرة، وتجارة كاسدة بائرة. ولما كان ضرب المثل للشيء لا يصح إلا من العالم بذلك الشيء، وكان النصير على شيء لا يمكن أن يتوجه إلى معارضته إلا أن يعلمه ويعلم مقدار قدرته، وعدة جنوده، وصل بذلك أن هذا شأنه سبحانه وأن شركاءهم في غاية البعد عن ذلك، فكيف يعلقون بنصرهم آمالهم، وزاد ذلك ذاك حسناً تعقيبه لنفي العلم عنهم، فقال إشارة إلى جهلهم في إنكارهم أن يقدر أحد على إهلاك آلهتهم التي هي أو هي الأشياء: {إن الله} أي الذي له صفات الكمال {يعلم} بما له من تلك الصفات {ما} أي الذي {يدعون} أي الذين ضرب لهم المثل، أو أنتم - في قراءة الفوقانية التفاتاً إلى أسلوب الخطاب إيذاناً بالغضب {من دونه} إشارة إلى سفول رتبتهم، وأكد العموم بقوله: {من شيء} أي سواء كان نجماً أو صنماً أو ملكاً أو جنيناً أو غيره، وهم لا يعلمونه ولا يعلمون شيئاً مما يتوصلون إليه، فكيف يشفعون عنده أو ينصرون منه، وإليه الإشارة بقوله: {وهو العزيز} أي عن أن يعلمه شركاؤهم أو يحيط به أحداً علماً، أو يمتنع عليه شيء يريده؛ وجوزوا أن تكون ما نفية، أي شيء يعتد به. ولما كان ذلك ربما أفهم أنه لا يعلم أصلاً قال: {الحكيم*} أي البالغ العلم، الواضع كل شيء يريده في أكمل مواضعه، فأبطن نفسه بكبريائه وجلاله حتى لا باطن سواه، وأظهرها بأفعاله وما كشف من جماله حتى لا ظاهر في الحقيقة غيره، وهو يغلب من شاء بعزته، ويمهله إن شاء بحكمته، فلا يغتر أحد بإمهاله فيظن أنه لإهماله. ولما فرغ من مثلهم ومما تتوقف صحته عليه، كان كأنه قيل على وجه التعظيم لهذا المثل: هذا مثلهم فعطف عليه قوله إشارة إلى أمثال القرآن كلها تعظيماً لها وتنبيهاً على جليل قدرها وعليّ شأنها: {وتلك الأمثال} أي العالية عن أن تنال بنوع احتيال؛ ثم استأنف قوله: {نضربها} بما لنا من العظمة، بياناً {للناس} تصويراً للمعاني المعقولات بصور المحسوسات، لعلها تقرب من عقولهم فينتفعوا بها، وهكذا حال التشبيهات كلها في طرق للأفهام إلى المعاني المحتجبة في الأستار، تبرزها وتكشف عنها وتصورها. ولما كانوا يتهكمون بما رأوه من الأمثال مذكوراً به الذباب والبعوض ونحوهما قال مجملاً لهم: {وما يعقلها} أي حق عقلها فينتفع بها {إلا العالمون*} أي الذين هيئوا للعلم وجعل طبعاً بما بث في قلوبهم من أنواره، وأشرق في صدورهم من أسراره، فهم يضعون الأشياء مواضعها؛ روى الحارث بن أبي أسامة عن جابر رضي الله تعالى عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : العالم الذي عقل عن الله فعمل بطاعته واجتنب سخطه"تفسير : . قال البغوي: والمثل كلام سائر يتضمن تشبيه الآخر بالأول. ولما قدم أنه لا معجز له سبحانه، ولا ناصر لمن أخذ، وصحح ذلك بالمشاهدة في القرون البائدة، وقربه إلى الأذهان بالمثل المستولي على غاية البيان، وختم ذلك أنه حجب فهمه عن أكثر خلقه، دل على ذلك كله بقوله مظهراً لقوته وسائر صفات كماله، بعد ما حقق أن أولياءهم في أنزل مراتب الضعف {خلق الله} أي الذي لا يداني في عظمة ولا جلال، ولا جمال ولا كمال {السماوات والأرض بالحق} أي الأمر الذي يطابقه الواقع، أو بسبب إظهار أن الواقع يطابق إخباره، أو بسبب إثبات الحق وإبطال الباطل، فلا تجد أحداً يفهم عنه حق الفهم مع تساويهم في الإنسانية إلا وهو من أهل السكينة، والإخبات والطمأنينة، ولا يعجزه أحد يريد أخذه، ولا يفلح أحد عصى أنبياءه، فبانت عزته، وظهرت حكمته، فطابق الواقع ما أخبر به، وأيضاً فالأمثال إنما تكون بالمحسوسات، وهي إما سماوية أو أرضية، فإيجاد هذه الموجودات إنما هو لأجل العلم بالله تعالى. ولما كان المراد بالعالم قد يخفي، بينه بقوله مشيراً بالتأكيد إلى أن حالهم في عدم الانتفاع بالنظر فيها حال من ينكر أن يكون فيها دلالة: {إن في ذلك} أي الأمر العظيم من تأملهم لمطابقة الواقع لإخباره سبحانه، فلا يخبر بشيء إلا كان الواقع منهما أو مما فيهما يطابقه سواء بسواء {لآية} أي دلالة مسعدة {للمؤمنين*} أي الذين هم العالمون في الحقيقة، حداهم علمهم بما في الكونين من المنافع المترتبة على النظام المعروف مع ما في خلقهما أنفسهما مع كبر الأجرام وبديع الإحكام، على الإيمان بجميع ما أخبر به حتى لم يكن عندهم نوع شك، وصار لهم صفة لا تنفك. ولما أفاد هذا الخبر كله القرآن الذي لا حق أحقّ منه، ودل على أن فهم أمثاله يحتاج إلى مزيد علم، وأن مفتاح العلم به سبحانه رسوخ الإيمان، خاطب رأس أهل الإيمان لأنه أعظم الفاهمين له ليقتدي به الأتباع فقال: {اتل ما} أي تابع قراءته؛ ودل على شرفه لا ختصاصه به بقوله: {أوحي إليك} إذ الوحي الإلقاء سراً {من الكتاب} أي الجامع لكل خير، فإنه المفيد للإيمان، مع أنه أحق الحق الذي خلقت السماوات والأرض لأجله، والإكثار في تلاوته يزيد بصيرة في أمره، ويفتح كنوز الدقائق من علمه، وهو أكرم من أن ينيل قارئه فائده وأجلّ من أن يعطي قياد فوائده ويرفع الحجاب عن جواهره وفرائده في أول مرة، بل كلما ردده القارىء بالتدبر حباه بكنز من أسراره، ومهما زاد زاده من لوامع أنواره، إلى أن يقطع بأن عجائبه لا تعد، وغرائبه لا تحد. ولما أرشد إلى مفتاح العلم، دل قانون العمل الذي لايصح إلا بالقرآن، وهو ما يجمع الهم، فيحضر القلب، فينشرح الصدر، فينبعث الفكر في رياض علومه، فقال: {وأقم الصلاة} أي التي هي أحق العبادات، ثم علل ذلك بقوله دالاً بالتأكيد على فخامة أمرها، وأنه مما يخفى على غالب الناس: {إن الصلاة تنهى} أي توجد النهي وتجدده للمواظب على إقامتها بجميع حدودها {عن الفحشاء} أي الخصال ألتي بلغ قبحها {والمنكر} أي الذي فيه نوع قبح وإن دق، وأقل ما فيها من النهي النهي عن تركها الذي هو كفر، ومن انتهى عن ذلك انشرح صدره، واتسع فكره، فعلم من أسرار القرآن ما لا يعلمه غير {أية : واتقوا الله ويعلمكم الله}تفسير : [البقرة: 282]. ولما كان الناهي في الحقيقة إنما هو ذكر الله، أتبع ذلك الحث على روح الصلاة والمقصد الأعظم منها، وهو المراقبة لمن يصلي له حتى كأنه يراه ليكون بذلك في أعظم الذكر بقوله: {ولذكر الله} أي ولأن ذكر المستحق لكل صفة كمال {أكبر} أي من كل شيء، فمن استحضر ذلك بقلبه هان عنده كل شيء سواه "حديث : إن عبدي كل عبدي للذي يذكرني عند لقاء قرنه" تفسير : أو يكون المراد أن من واظب على الصلاة ذكر الله، ومن ذكره أوشك أن يرق قلبه، ومن رق قلبه استنار لبه، فأوشك أن ينهاه هذا الذكر المثمر لهذه الثمرة عن المعصية، فكان ذكر الذاكر له سبحانه أكبر نهياً له عن المنكر من نهي الصلاة له، وكان ذكره له سبحانه كبيراً، كما قال تعالى {فاذكروني أذكركم} وإذا كان هذا شأن ذكر العبد لمولاه، فما ظنك بذكر مولاه له كلما أقبل عليه بصلاة فإنه جدير بأن يرفعه إلى حد لا يوصف، ويلبسه من أنواره ملابس لا تحصر. ولما كان ذلك يحتاج إلى علاج لمعوج الطباع ومنحرف المزاج، وتمرن على شاق الكلف، ورياضة لجماح النفوس، وكان صلى الله عليه وسلم قد نزه عن ذلك كله بما جبل عليه من أصل الفطرة، ثم بما غسل به قلبه من ماء الحكمة، وغير ذلك من جليل النعمة، عدل إلى خطاب الأتباع يحثهم على المجاهدة فقال: {والله} أي المحيط علماً وقدرة {يعلم} أي في كل وقت {ما تصنعون*} من الخير والشر، معبراً بلفظ الصنعة الدال على ملازمة العمل تنبيهاً على أن إقامة ما ذكر تحتاج إلى تمرن عليه وتدرب، حتى يصير طبعاً صحيحاً، ومقصوداً صريحاً. ولما انتهى الكلام إلى روح الدين وسر اليقين مما لا يعلمه حق علمه إلا العلماء بالكتب السماوية والأخبار الإلهية، وكان العالم يقدر على إيراد الشكوك وترويج الشبه، فربما أضل بالشبهة الواحدة النيام من الناس، بما له عندهم من القبول، وبما للنفوس من النزوع إلى الأباطيل، وبما للشيطان في ذلك من التزيين، وكان الجدال يورث الإحن، ويفتح أبواب المحن، فيحمل على الضلال، قال تعالى عاطفاً على {اتل} مخاطباً لمن ختم الآية بخطابهم تنزيهاً لمقامه صلى الله عليه وسلم عن المواجهة بمثل ذلك تنبيهاً على أنه لا يصوب همته الشريفة إلى مثل ذلك، لأنه ليس في طبعه المجادلة، والمماراة والمغالبة: {ولا تجادلوا أهل الكتاب} أي اليهود والنصارى ظناً منكم أن الجدال ينفع الدين، أو يزيد في اليقين، أو يرد أحداً عن ضلال مبين {إلا بالتي} أي بالمجادلة التي {هي أحسن} أي بتلاوة الوحي الذي أمرنا راس العابدين بإدامة تلاوته فقط، وهذا كما تقدم عند قوله تعالى في سبحان {أية : وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن} تفسير : [الإسراء: 53]. ولما كان كل من جادل منهم في القرآن ظالماً، كان من الواضح أن المراد بمن استثنى في قوله تعالى: {إلا الذين ظلموا منهم} أي تجاوزوا في الظلم بنفي صحة القرآن وإنكار إعجازه مثلاً وأن يكون على أساليب الكتب المتقدمة، أو مصدقاً لشيء منها، أو بقولهم {أية : ما أنزل الله على بشر من شيء} تفسير : [الأنعام: 91] ونحو هذا من افترائهم، فإن هؤلاء يباح جدالهم ولو أدى إلى جلادهم بالسيف، فإن الدين يعلو ولا يعلى عليه. ولما نهى عن موجب الخلاف، أمر بالاستعطاف، فقال: {وقولوا آمنا} أي أوقعنا الإيمان {بالذي أنزل إلينا} أي من هذا الكتاب المعجز {وأنزل إليكم} من كتبكم، يعني في أن أصله حق وإن كان قد نسخ منه ما نسخ، وما حدثوكم به من شيء ليس عندكم ما يصدقه ولا ما يكذبه فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم، فإن هذا أدعى إلى الإنصاف، وأنفى للخلاف. ولما لم يكن هذا جامعاً للفريقين، أتبعه بما يجمعهما فقال: {وإلهنا وإلهكم} ولما كان من المعلوم قطعاً أن المراد به الله، لأن المسلمين لا يعبدون غيره، وكان جميع الفرق مقرين بالإلهية ولو بنوع إقرار لم تدع حاجة إلى أن يقول {إله} كما في بقية الآيات فقال: {واحد} إلى لا إله لنا غيره وإن ادعى بعضكم عزيراً والمسيح {ونحن له} خاصة {مسلمون*} أي خاضعون منقادون أتم انقياد فيما يأمرنا به بعد الأصول من الفروع سواء كانت موافقة لفروعكم كالتوجه بالصلاة إلى بيت المقدس، أو ناسخة كالتوجه إلى الكعبة، ولا نتخذ الأحبار والرهبان أرباباً من دون الله لنأخذ ما يشرعونه لنا مخالفاً لكتابه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، فنكون حينئذ قد خضعنا لهم وتكبرنا عليه فأوقعنا الإسلام في غير موضعه ظلماً.
ابو السعود
تفسير : {إِنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ مِن شَىْء} على إضمارِ القولِ أي قُل للكَفَرةِ إنَّ الله الخ وما استفهامَّيةٌ منصوبةٌ بـيدعونَ معلقةٌ ليعلم ومِن للتَّبـيـينِ أو نافيةٌ، ومِنْ مزيدةٌ وشيءٍ مفعولُ يدعون أو مصدريةٌ وشيءٍ عبارةٌ عن المصدرِ أو موصولةٌ مفعولٌ ليعلمُ ومفعولُ يدعون عائدُه المحذوفُ. وقُرىء تَدعُون بالتَّاءِ والكلامُ على الأولين تجهيلٌ لهم وتأكيدٌ وعلى الآخرينَ وعيدٌ لهم {وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ} تعليلٌ على المعنيـينِ فإنَّ إشراكَ ما لا يُعدُّ شيئاً بمن هَذا شأنُه من فرطِ الغباوةِ وأنَّ الجمادَ بالنسبةِ إلى القادرِ القاهرِ على كلِّ شيءٍ البالغِ في العلم وإتقانِ الفعلِ الغايةَ القاصيةَ كالمعدومِ البحت وأنَّ منَ هذه صفاتُه قادرٌ على مجازاتِهم. {وَتِلْكَ ٱلأَمْثَـٰلُ} أي هذا المثلُ وأمثاله {نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ} تقريباً لما بعُد من أفهامِهم {وَمَا يَعْقِلُهَا} على ما هي عليه من الحُسنِ واستتباع الفوائدِ {إِلاَّ ٱلْعَـٰلِمُونَ} الرَّاسخون في العلمِ المتدبِّرون في الأشياءِ على ما ينبغِي وعنه عليهِ الصَّلاة والسَّلامُ أنَّه تَلاَ هذه فقال: «حديث : العالمُ من عقلَ عنِ الله تعالى وعمِل بطاعتِه واجتنبَ سَخَطَه»تفسير : {خَلَقَ ٱللَّهُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ بِٱلْحَقّ} أي مُحقَّاً مُراعياً للحكمِ والمَصَالح على أنَّه حالٌ من فاعلِ خلقَ أو ملتبسةً بالحقِّ الذي لا محيدَ عنه مستتبعةً للمنافعِ الدِّينيةِ والدُّنيويةِ على أنَّه حالٌ من مفعولِه فإنَّها مع اشتمالِها على جميعِ ما يتعلَّقُ به معاشُهم شواهدُ دالَّةٌ على شؤونِه تعالى المتعلقةِ بذاتِه وصفاتِه كما يُفصحُ عنه قولُه تعالى: {إِنَّ فِى ذَلِكَ لآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ} دالَّة لهم ما ذُكر من شؤونِه سبحانه وتخصيصُ المؤمنينَ بالذكر مع عمومِ الهدايةِ والإرشادِ في خلقهِما للكلِّ لأنَّهم المُنتفعون بذلكَ. {ٱتْلُ مَا أُوْحِيَ إِلَيْكَ مِنَ ٱلْكِتَابِ} تقرُّباً إلى الله تعالى بقراءتِه وتذكُّراً لما في تضاعيفهِ من المعاني وتذكيراً للنَّاس وحملاً لهم على العملِ بما فيه من الأحكامِ ومحاسنِ الآدابِ ومكارمِ الأخلاقِ {وَأَقِمِ الصَّلاَةَ} أي داوِمْ على إقامتِها وحيثُ كانتِ الصَّلاةُ منتظمةً للصَّلواتِ المكتوبةِ المؤدَّاةِ بالجماعةِ وكان أمرُه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ بإقامتِها متضمناً لأمرِ الأمَّة بها علِّل بقوله تعالى: {إِنَّ الصَّلاَةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ والْمُنكَر} كأنّه قيل: وصلِّ بهم إنّ الصَّلاة تنهاهم عن الفحشاء والمنكر، ومعنى نهيها عنهُما أنَّها سببٌ للانتهاءِ عنُهما لأنَّها مناجاةٌ لله تعالى فلا بدَّ أنْ تكونَ مع إقبالٍ تامَ على طاعتِه وإعراضِ كليَ عن معاصيِه قال ابنُ مسعودٍ وابنُ عبَّاسٍ رضي الله تعالى عنهما: «في الصَّلاةِ مُنتهى ومُزدجرٌ عن مَعَاصي الله تعالى فمَن لم تأمْره صلاتُه بالمعروفِ ولم تنهَه عن المنكرِ لم يزددْ بصلاتِه من الله تعالى إلا بُعداً» وقال الحسنُ: وقَتادةُ من لم تنهَه صلاتُه عن الفحشاءِ والمنكر فصلاتُه وبالٌ عليه. ورَوَى أنسٌ رضيَ الله عنه «حديث : إنَّ فتى من الأنصارِ كانَ يصلِّي مع رسولِ الله صلى الله عليه وسلم ثمَّ لا يدع شيئاً من الفواحِش إلا ركبَهُ فوُصفَ له عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ حاله فقال: "إنَّ صلاتَه ستنهاهُ" فلم يلبثْ أن تابَ وحسُنَ حالُهتفسير : . {أية : وَلَذِكْرُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ} تفسير : [سورة الجمعة: الآية 9] أي وللصَّلاةُ أكبرُ من سائرِ الطَّاعاتِ وإنَّما عبرَّ عنها بهِ كما في قوله تعالى: {فَٱسْعَوْاْ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ} للإيذان ٱتْلُ مَا أُوْحِيَ إِلَيْكَ مِنَ ٱلْكِتَابِ وَأَقِمِ ٱلصَّلاَةَ إِنَّ ٱلصَّلاَةَ تَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ ِ بأنَّ ما فيها من ذكرِ الله تعالى هو العمدةُ في كونِها مفضَّلةً على الحسناتِ ناهيةً عن السيئاتِ وقيل ولذكرُ الله تعالى عندَ الفحشاءِ والمُنكر وذكرُ نهيهِ عنهُما ووعيدِه عليهما أكبرُ في الزَّجرِ عنهما وقيل: ولذكرُ الله إيَّاكم برحمتِه أكبرُ من ذكِركم إيَّاه بطاعتِه. {وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ} منه ومن سائرِ الطَّاعات فيحازيكم بها أحسنَ المُجازاةِ.
اسماعيل حقي
تفسير : {ان الله} على اضمار القول اى قل للكفرة تهديدا ان الله {يعلم مايدعون} يعبدون وما استفهامية منصوبة بيدعون ويعلم معلق عنها {من دونه} اى من دون الله {من شىء} من للتبيين اى سواء كان مايدعون صنما او نجما او ملكا او جنيا او غيره لايخفى عليه ذلك فهو يجازيهم على كفرهم {وهو العزيز} الغالب القادر على انتقام اعدائه {الحكيم} ذو الحكمة فى ترك المعاجلة بالعقوبة. ولما كان الجهلة والسفهاء من قريش يقولون ان رب محمد لايستحيى ان يضرب مثلا بالذباب والبعوضة والعنكبوت ويضحكون من ذلك قال تعالى {وتلك الامثال} اى هذا المثل وامثاله والمثل كلام سائر يتضمن تشبيه الآخر بالاول اى تشبيه حال الثانى بالاول {نضربها للناس} نذكرها ونبينها لاهل مكة وغيرهم تقريبا لما بعد عن افهامهم. قال فى المفردات ضرب المثل هو من ضرب الدرهم اعتبارا بضربه بالمطرقة وهو ذكر شىء اثره يظهر فىغيره {وما يعقلها} اى وما يفهم حسن تلك الامثال وفائدتها {الا العالمون} اى الراسخون فى العلم المتدبرون فى الاشياء على ماينبغى وهم الذين عقلوا عن الله اى ما صدر عنه فعملوا بطاعته واجتنبوا سخطه والعالم على الحقيقة من حجزه علمه عن المعاصى فالعاصى جاهل وان كان عالما صورة. فان قيل لم لم يقل ومايعلمها الا العاقلون والعقل يسبق العلم. قلنا لان العقل آلة تدرك بها معانى الاشياء بالتأمل فيها ولا يمكن التأمل فيها والوصول اليها بطريقها الا بالعلم. ودلت الآية على فضل العلم على العقل ولا عالم منا الا وهو عاقل فاما العاقل فقد يكون غير عالم. قال الامام الراغب فى المفردات العقل يقال للقوة المتهيئة لقبول العلم ويقال للعلم الذى يستفيده الانسان بتلك القوة عقل ولهذا قال امير المؤمنين على رضى الله عنه اقول شعر : العقل عقلان فمبطوع ومسموع ولاينفع مطبوع اذا لم يك مسموع كما لاتنفع الشمس وضوء العين ممنوع تفسير : والى الاول اشار عليه السلام بقوله "حديث : ماخلق الله خلقا اكرم عليه من العقل"تفسير : والى الثانى اشار بقوله "حديث : ماكسب احد شيئا افضل من عقل يهديه الى هدى ويرده عن ردى"تفسير : وهذا العقل هو المعنى بقوله {وما يعقلها الا العالمون} وكل موضع ذم فيه الكفار بعدم العقل فاشارة الى الثانى دون الاول وكل موضع رفع فيه التكليف عن العبد لعدم العقل فاشارة الى الاول انتهى: وفى المثنوى شعر : عقل دو عقلست اول مكسبى كه در آموزى جودر مكتب صبى از كتاب واوستاد وفكر وذكر از علوم واز معانى خوب وبكر عقل تو افزون شود برديكران ليك توباشى ز حفظ آن كران لوح حافظ باشى اندر دور وكشت لو محفوظ اوست كوزين در كذشت عقل ديكر بخشش يزدان بود جشمه آن درميان جان بود جون زسينه آب دانش جوش كرد نى شود كنده نى ديرينه نى زرد ورره نبعش بود بسته جه غم كو همى جوشد زخانه دمبدم عقل تحصيلى مثال جويها كان رود درخانه از كويها راه آبش بسته شد شد بى نوا ازدرون خويشتن جون جشمه را جهد كن تابين عقل ودين شوى تاجو عقل كل توباطن بين شوى
الجنابذي
تفسير : {إِنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ} ما نافية وما تدعون منقطع عن سابقه او متّصل به ويعلم معلّق عن العمل فيه وهذا اوفق بالمعنى الاخير لقوله لو كانوا يعلمون يعنى انّ كلّما تدعونه وتتخيّلون انّه غير الله ليس غير الله بل الظّاهر فيه هو الله والباطن فيه ايضاً هو الله لكنّكم لتقيّدكم وتحدّدكم بالمدارك الجزئيّة الّتى لا تدرك الاّ الكثرات المتغايرات المتحدّدات لا تدركون منها الواحد الاحد المقوّم لها وتدعونها من حيث انّها متغايراتٌ كلٌّ من الآخر والكلّ مع الله والله يعلم ذلك ويعلم انّ المقوّم للكلّ والظّاهر فيه والباطن فيه هو الله، وانّ كلّ ما يدعونه كانوا فى تلك الدّعوة داعين لله لا غيره، ولمّا كان العبادة بنيّة العابد والنّيّة لا تكون الاّ بالعلم بالمنوىّ وهؤلاء لا يعلمون ذلك حتّى ينووا عبادة الله فى تلك العبادة كانوا مؤاخذين فى تلك الدّعوة والعبادة لا مأجورين وقد مضى فى سورة البقرة عند قوله تعالى ولكنّ الله يفعل ما يريد ما يبيّن هذا المطلب ويحقّقه وقد قيل بالفارسيّة بياناً لهذا المطلب: شعر : اكر مؤمن بدانستى كه بت جيست يقين كردى كه دين در بت برستيست اكر كافر زبت آكاه بودى جرا در دين خود كمراه بودى تفسير : او لفظة ما موصولة والمعنى ظاهر، او مصدريّة ومن شيءٍ بيان للمصدر والشّيء عبارة عن الدّعاء اليسير او ما استفهاميّة مفعول تدعون {وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ} الغالب الّذى لا يغلبه شيءٌ حتّى يكون معبوداً من دونه {ٱلْحَكِيمُ} الّذى صنع صنع المخلوقات بنحوٍ لا تكون خالية منه ومع ذلك لا يدركه الاّ قليل من عباده فيها للطفه فى صنعه وهذا المعنى يناسب كون ما نافية.
اطفيش
تفسير : {إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ} القول مقدر أي قل للكفرة يا محمد ان الله يعلم الخ وما نافية وشيء مفعول به لتدعون مجرور بمن التي هي توكيد أي يعلم انكم ما دعوتم شيئا معتدا به ينفع او يضر او استفهامية انكارية بمعنى النفي مفعول ليدعون ومن الجارة لشيء للبيان متعلقة بمحذوف نعت لما او حال منها بناء على جواز ذلك من ما الاستفهامية وجملة تدعون في محل نصب ليعلم سدت مسد مفعولين معلقا عنها والكلام على الوجهين تجهيل لهم وتوكيد للمثلية وزيادة عليها حيث لم يجعل ما يدعونه شيئا او ما مصدرية وشيئا مفعول مطلق ليدعون زيدت فيه من او مفعول ليدعون وهذا على انه تجوز زيادتها في الاثبات ويعلم بمعنى يعرف على هذا متعد الى واحد وهذا بناء على مرادفة العلم والمعرفة او هو على اصله وشيئا مفعول ثان اي شيئا غير نافع او ما موصول اسمي مفعول ليعلم بمعنى يعرف وشيئا مفعول مطلق او مفعول به ثان على ان يعلم على اصله او متعلق بمحذوف حال من ما أو من عائدها المقدر اي ما تدعونه ومن دونه على كل حال متعلق بتدعون او بمحذوف حال من شيء والكلام على جعل ما مصدرية او موصولا اسميا وعيد لهم وقرأ عاصم وابو عمرو ويعقوب (يدعون) بالتحتية. {وَهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ} فهو الذي هو أهل للعبادة لا الجماد الذي لا يعلم شيئا ولا يقدر على شيء.
اطفيش
تفسير : {إنّ الله} قل ان الله، او على طريق الالتفات، والكلام تجهيل، لهم وتوكيد للمثل {يعلم ما يدعون من دونه من شئ} ما نافية، ومن الثانية صلة فى مفعول تدعو، والجملة معلق عنها يعلم، قائمة مقام مفعولية، اى ما تدعون شيئا نافعا او كأنه لبطلانه غير شئ، او استفهامية مفعول مقدم لتدعون، والجملة معلق عنها، كذلك يعلم، ولا يخفى ان التاكيد يلائم الاخبار، وان ساغ هنا مع الاستفهام، لانه انكار فى معنى النفى، لا يقال: ان زيدا هل قام الابتأويل تقدير القول مثلا، اى يقال فيه: هل قام، واجيز ان تكون مصدرية، فيكون يعلم بمعنى يعرف بناء على جواز وصف الله عز وجل بالمعرفة، اى يعرف دعاءكم شيئا من دونه، فيكون الكلام وعيدا كما اذا جعلت اسما موصولا، او نكرة موصوفة، اى يعرف الذى تدعونه او شيئا تدعونه دعوة شيئا، اى حقيرة {وهُو العَزيزُ الحكيم} عطف على {إنَّ الله} الخ او على يعلم، او حال من اقبح الجهل ان يبعد جماد دون الغالب لكل شئ الحكيم فى شانه.
الالوسي
تفسير : {إِنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ مِن شَىْء } على إضمار القول أي قل للكفرة إن الله الخ، وقيل: لا حاجة إلى إضماره لجواز أن يكون {تَدْعُونَ } من باب الالتفات للإيذان بالغضب، وفيه بحث. وقرأ أبو عمرو وسلام {يَعْلَمُ مَا } بالإدغام، وأبو عمرو وعاصم بخلاف {يَدَّعُونَ } بياء الغيبة حملاً على ما قبله، و {مَا } استفهامية منصوبة بتدعون و {يَعْلَمْ } معلقة عنها فالجملة في موضع نصب بها و {مِنْ } الأولى متعلقة بتدعون على ما هو الظاهر و {مِنْ } الثانية للتبيين، وجوز كونها للتبعيض، ويجوز كون (ما) نافية و(من) الثانية مزيدة و(شيء) مفعول (تدعون)، أي لستم تدعون من دونه تعالى شيئاً، كأن ما يدعونه من دونه عز وجل لمزيد حقارته لا يصلح أن يسمى شيئاً، وجوز كونها مصدرية وهي وما بعدها في تأويل مصدر مفعول {يعلم} على أنها بمعنى يعرف ناصبة لمفعول واحد و(من) تبعيضية، أي يعرف دعاءكم وعبادتكم بعض شيء من دونه وقيل: {مِنْ } للتبيين و {شَىْء } بمعنى ذلك المصدر وتنوينه للتحقير، أي يعرف دعوتكم من دونه هي دعوة حقيرة، وجوز كونها موصولة مفعول يعلم بمعنى يعرف ومفعول {تدعون} عائدها المحذوف و(من) إما بيان للموصول أو تبعيضية. وجوز زيادتها على هذا الوجه وما بعده، ولا يخفى ما فيه، والكلام على الوجهين الأولين في {مَا } تجهيل للكفرة المتخذين من دون الله تعالى أولياء لما فيهما من نفي الشيئية عما اتخذوه ولياً؛ والاستفهام عنه الذي هو في معنى النفي لأنه إنكار، وفيه توكيد للمثل لأن كون معبودهم ليس بشيء يعبأ به مناسب ولذا لم يعطف، وعلى الوجهين الأخيرين فيها وعيد لهم لأن العلم بدعوتهم وعبادتهم عبارة عن مجازاتهم عليها وكذا العلم بما يدعونه عبارة عن مجازاتهم على دعائهم إياه، وترك العطف فيه لأنه استئناف، ويجوز أرادة التجهيل والوعيد في الوجوه كلها. وقوله تعالى: {وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ } في موضع الحال ويفهم منه التعليل على المعنيين، فإن من فرط الغباوة اشراك ما لا يعد شيئاً بمن هذا شأنه، وإن الجماد بالإضافة إلى القادر القاهر على كل شيء البالغ في العلم وإتقان الفعل الغاية القاصية كالمعدوم البحت، وإن من هذا صفته قادر على مجازاتهم.
ابن عاشور
تفسير : لما نفى عنهم العلم بما تضمنه التمثيل من حقارة أصنامهم التي يعبدونها وقلة جدواها بقوله {أية : لو كانوا يعلمون}تفسير : [العنكبوت: 41] المفيد أنهم لا يعلمون، أعقبه بإعلامهم بعلمه بدقائق أحوال تلك الأصنام على اختلافها واختلاف معتقدات القبائل التي عبدتها، وأن من آثار علمه بها ضرب ذلك المثل لحال من عبدوها وحالها أيضاً دفعاً بهم إلى أن يتهموا عقولهم وأن عليهم النظر من حقائق الأشياء تعريضاً بقصور علمهم كقوله تعالى {أية : والله يعلم وأنتم لا تعلمون}تفسير : [ البقرة: 216]، فهذا توقيف لهم على تفريطهم في علم حقائق الأمور التي عَلِمها الله وأبلغهم دلائلها النظرية ونظائرها التاريخية، وقربها إليهم بالتمثيلات الحسية فعموا وصموا عن هذا وذاك. و {ما} من قوله {ما تدعون} يجوز أن تكون نافية معلِّقة فعل {يعلم} عن العمل، وتكون {من} زائدة لتوكيد النفي، ومجرورها مفعول في المعنى لــــ {تدعون} ظهرت عليه حركة حرف الجر الزائد. ومعنى الكلام: أن الله يعلم أنكم لا تدعون موجوداً ولكنكم تدعون أموراً عدمية، ففيه تحقير لأصنامهم بجعلها كالعدم لأنها خلو عن جميع الصفات اللائقة بالإلهية. فهي في بابها كالعدم فلما شابهت المعدومات في انتفاء الفائدة المزعومة لها استعمل لها التركيب الدال على نفي الوجود على طريقة التمثيلية. ولا يتوهم السامع أن المراد نفيُ أن يكونوا قد دعوا أولياء من دون الله، لأن سياق الكلام سابقه ولاحقه يأباه وهذا كقوله تعالى {أية : ليست النصارى على شيء}تفسير : في سورة البقرة (113)، و{أية : لستم على شيء}تفسير : في سورة المائدة (68)، حديث : وكقول النبي صلى الله عليه وسلم لما سُئل عن الكهان: إنهم ليسوا بشيءتفسير : ، أي ليسوا بشيء فيما يدعونه من معرفة الغيب. وحاصل المعنى: أن من علمه تعالى بأنها موجودات كالعدم ضرَبَ لها مثلاً ببيت العنكبوت ولعبدتها مثلاً بالعنكبوت الذي اتخذها، وعلى هذا الوجه فالكلام صريح في إبطال إلهية الأصنام وفي أنها كالعدم. ويجوز أن تكون {ما} استفهامية معلِّقة فعل {يعلم} عن العمل من باب قولهم: علمت هل زيد قائم، أي علمت جوابه. و {من} بيانية لما في {ما} الاستفهامية من الإبهام، أي من شيء من المدعوات العديدة في الأمم. ففيه تعريض بأن المشركين لا يعلمون جواب سؤال السائل «ما تدعون من دون الله»، أي قد علم الله ذلك، ومن علمه بذلك أنه ضرب لهم المثل بالعنكبوت اتخذت بيتاً، وللمعبودات مثلاً ببيت العنكبوت، وأنتم لو سئلتم: ما تدعون من دون الله، لتلعثمتم ولم تحيروا جواباً؛ فإن شأن العقائد الباطلة والأفهام السقيمة أن لا يستطيع صاحبها بيانها بالقول وشرحها، لأنها لما كانت تتألف من تصديقات غير متلائمة لا يستطيع صاحبها تقريرها فلا يلبث قليلاً حتى يفتضح فاسد معتقده من تعذر إفصاحه عنه. وجعل بعض المفسرين {يعلم} هنا متعدياً إلى مفعول واحد وأنه بمعنى (يعرف) وجعل {ما} موصولة مفعول {يدعون} والعائد محذوفاً، ويعكر عليه أن إسناد العلم بمعنى المعرفة وهو المتعدي إلى مفعول واحد إلى الله يؤول إلى إسناد فعل المعرفة إلى الله بناء على إثبات الفرق بين فعل (علم) وفعل (عرف) عند من فسر المعرفة بإدراك الشيء بواسطة آثاره وخصائصه المحسوسة، وأنها أضعف من العلم لأن العلم شاع في معرفة حقائق الأشياء ونسبها. وعن الخليل بن أحمد «العلم معرفتان مجتمعان، ففي قولك: عرفت زيداً قائماً، يكون (قائماً) حالاً من (زيداً)، وفي قولك: علمت زيداً قائماً، يكون (قائماً) مفعولاً ثانياً لــــ (علمت)" اهــــ. يريد أن فعل (عرف) يدل على إدراك واحد وهو إدراك الذات، وفعل (علم) يدل على إدراكين هما إدراك الذات وإدراك ثبوت حكم لها، على نحو ما قاله أهل المنطق في التصور والتصديق، فلذلك لم يرد في الكتاب والسنة إسناد فعل المعرفة إلى الله فكيف يسند إليه ما يؤوَّل بمعناها. وجملة {وهو العزيز الحكيم} تذييل لجملة {إن الله يعلم} لأن الجملة على كلا المعنيين في معاني {ما} تدل على أن الذي بيَّن حقارة حال الأصنام واختلال عقول عابديها فلم يعبأ بفضحها وكشفها بما يسوءها مع وفرة أتباعها ومع أوهام أنها لا يمسها أحد بسوء إلا كانت ألْباً عليه؛ فلو كان للأصنام حظ في الإلهية لما سلم من ضرّها من يُحقرها كقوله تعالى {أية : قل لو كان معه آلهة كما يقولون إذا لابتغوا إلى ذي العرش سبيلاً}تفسير : [الإسراء: 42] كما تقدم، وأنه لما فضح عقول عُبادها لم يخشهم على أوليائه بَلْهَ ذاته، فهو عزيز لا يُغلب، وحكيم لا تنطلي عليه الأوهام والسفاسط بخلاف حال هاتيك وأولئك. وقرأ الجمهور {تدعون} بالفوقية على طريقة الالتفات. وقرأه أبو عمرو وعاصم ويعقوب بالتحتية.
د. أسعد حومد
تفسير : (42) - واللهُ تَعَالَى يَعْلَمُ حَالَ مَا يَعْبُدُهُ هؤُلاءِ مِنْ دُونِ اللهِ مِنَ الأَصْنَامِ والأَوثَانِ والأَندَادِ، وَيَعلَمُ أَنَّ عِبَادَتَها لا تَنْفَعُهُمْ شَيئاً وَلا تَضُرُّهُمْ إِنْ أَرادَ اللهُ بهِمْ نَفْعاً أَوْ ضَرّاً، وَمَثَلُها في قِلَّةِ نَفْعِها كَمَثَلِ بَيْتِ العَنْكَبُوتِ في ضَعْفِهِ، وَقِلَّةِ نَفْعِهِ. واللهُ تَعالى هُوَ العَزيزُ في انتِقَامِهِ ممَّنْ كَفَرَ، وَهُوَ الحَكِيمُ في شَرعِهِ، وَتَدبِيرِهِ أُمُورَ خَلْقِهِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : يقول سبحانه: {إِنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ ..} [العنكبوت: 42] لأنهم حين ضُيِّق عليهم الخناق قالوا: نحن لا نعبد الأصنام، إنما نعبد الكواكب التي تُسيِّر هذه الأصنام أو الملائكة، فردَّ الله عليهم: {إِنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ ..} [العنكبوت: 42] وقوله هنا {مِن شَيْءٍ ..} [العنكبوت: 42] للتقليل، كأنَّ ما يدعونه من دونه لا يُعَد شيئاً، أو هو أتفه من أن يكون شيئاً، أو يعلم سبحانه ما يدعون من دونه من أي شيء. أو أن (شيء) من قولنا: شاء يشاء شيئاً، فالشيء ما يُراد من الغير أنْ يفعله، والذي شاء هو الله تعالى، وكأنهم يعبدون الشيء ويتركون خالقه، وهو الأحقُّ بالعبادة سبحانه، فماذا جرى لكم؟! تعبدون المخلوق وتتركون الخالق، وبعد أن كرمكم الله تهينون أنفسكم، وترضون لها الدون، حيث تعبدون ما هو أقلّ منكم مرتبةَ في الخَلْق، والأصنام جمادات، وهي أدنى أجناس الوجود. ثم يقول سبحانه: {وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ} [العنكبوت: 42] العزيز الذي يَغْلب، ولا يُغلب، وهو الحكيم في كُلِّ ما قضى وأمر. ثم يقول الحق سبحانه: {وَتِلْكَ ٱلأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا ...}.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):