Verse. 3410 (AR)

٣٠ - ٱلرُّوم

30 - Ar-Roum (AR)

الۗمّۗ۝۱ۚ
Aliflammeem

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«الم» الله أعلم بمراده في ذلك.

1

Tafseer

الرازي

تفسير : {آلم * غلبت الروم * في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون * في بضع سنين}. وجه تعلق أول هذه السورة بما قبلها يتبين منه سبب النزول، فنقول لما قال الله تعالى في السورة المتقدمة { أية : وَلاَ تُجَـٰدِلُواْ أَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ إِلاَّ بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ } تفسير : [العنكبوت: 46] وكان يجادل المشركين بنسبتهم إلى عدم العقل كما في قوله: { أية : صُمٌّ بُكْمٌ عُمْىٌ فَهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ } تفسير : [البقرة: 171] وكان أهل الكتاب يوافقون النبـي في الإله كما قال: { أية : وَإِلَـٰهُنَا وَإِلَـٰهُكُمْ وَاحِدٌ } تفسير : [العنكبوت: 46] وكانوا يؤمنون بكثير مما يقوله بل كثير منهم كانوا مؤمنين به كما قال: { أية : وَٱلَّذِينَ ءاتَيْنَـٰهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ يُؤْمِنُونَ بِهِ } تفسير : [العنكبوت: 47] أي أبغض المشركون أهل الكتاب وتركوا مراجعتهم وكانوا من قبل يراجعونهم في الأمور، فلما وقعت الكرة عليهم حين قاتلهم الفرس المجوس فرح المشركون بذلك، فأنزل الله تعالى هذه الآيات لبيان أن الغلبة لا تدل على الحق، بل الله تعالى قد يريد مزيد ثواب في المحب فيبتليه ويسلط عليه الأعادي، وقد يختار تعجيل العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر قبل يوم الميعاد للمعادي، وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: ما الحكمة في افتتاح هذه السورة بحروف التهجي؟ فنقول قد سبق منا أن كل سورة افتتحت بحروف التهجي فإن في أوائلها ذكر الكتاب أو التنزيل أو القرآن كما في قوله تعالى: { أية : الم * ذٰلِكَ ٱلْكِتَابُ } تفسير : [البقرة: 1، 2]، { أية : المص * كِتَابٌ } تفسير : [الأعراف: 1]، { أية : طه * مَا أَنَزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْقُرْءانَ } تفسير : [طه: 1، 2]، { أية : الم * تَنزِيلُ ٱلْكِتَـٰبِ } تفسير : [السجدة:1، 2] { أية : حـم * تَنزِيلٌ مّنَ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ } تفسير : [فصلت:1، 2]، { أية : يس * وَٱلْقُرْءانِ } تفسير : [يس: 1، 2]، { أية : ص * وَٱلْقُرْءانِ } تفسير : [ص: 1،2] إلا هذه السورة وسورتين أخريين ذكرناهما في العنكبوت وقد ذكرنا ما الحكمة فيهما في موضعهما فنقول ما يتعلق بهذه السور وهو أن السورة التي في أوائلها التنزيل والكتاب والقرآن في أوائلها ذكر ما هو معجزة فقدمت عليها الحروف على ما تقدم بيانه في العنكبوت وهذه ذكر في أولها ما هو معجزة وهو الإخبار عن الغيب، فقدمت الحروف التي لا يعلم معناها ليتنبه السامع فيقبل بقلبه على الاستماع، ثم ترد عليه المعجزة وتقرع الأسماع. المسألة الثانية: قوله تعالى: {فِى أَدْنَى ٱلأرْضِ } أي أرض العرب، لأن الألف واللام للتعريف والمعهود عندهم أرضهم وقوله تعالى: {وَهُم مّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ } أية فائدة في ذكره مع أن قوله: {سَيَغْلِبُونَ } بعد قوله: {غُلِبَتِ ٱلرُّومُ } لا يكون إلا من بعد الغلبة؟ فنقول الفائدة فيه إظهار القدرة وبيان أن ذلك بأمر الله لأن من غلب بعد غلبه لا يكون إلا ضعيفاً، فلو كان غلبتهم لشوكتهم لكان الواجب أن يغلبوا قبل غلبهم فإذا غلبوا بعدما غلبوا، دل على أن ذلك بأمر الله، فذكر من بعد غلبهم ليتفكروا في ضعفهم ويتذكروا أنه ليس بزحفهم، وإنما ذلك بأمر الله تعالى وقوله: {فِى أَدْنَى ٱلأرْضِ } لبيان شدة ضعفهم، أي انتهى ضعفهم إلى أن وصل عدوهم إلى طريق الحجاز وكسروهم وهم في بلادهم ثم غلبوا حتى وصلوا إلى المدائن وبنوا هناك الرومية لبيان أن هذه الغلبة العظيمة بعد ذلك الضعف العظيم بإذن الله. المسألة الثالثة: قال تعالى: {فِى بِضْعِ سِنِينَ } قيل هي ما بين الثلاثة والعشرة، أبهم الوقت مع أن المعجزة في تعيين الوقت أتم فنقول السنة والشهر واليوم والساعة كلها معلومة عند الله تعالى وبينها لنبيه وما أذن له في إظهارها لأن الكفار كانوا معاندين والأمور التي تقع في البلاد النائية تكون معلومة الوقوع بحيث لا يمكن إنكارها لكن وقتها يمكن الاختلاف فيه فالمعاند كان يتمكن من أن يرجف بوقوع الواقعة قبل الوقوع ليحصل الخلف في كلامه ولما وردت الآية ذكر أبو بكر رضي الله عنه أن الروم ستغلب وأنكره أبـي بن خلف وغيره، وناحبوا أبا بكر أي خاطروه على عشرة قلائص إلى ثلاث سنين فقال عليه السلام لأبـي بكر البضع ما بين الثلاثة والعشرة فزايده في الإبل وماده في الأجل فجعلا القلائص مائة والأجل سبعاً، وهذا يدل على علم النبـي عليه السلام بوقت الغلبة. [قوله تعالى: {لِلَّهِ ٱلأَمْرُ مِن قََبْلُ وَمِن بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ ٱلْمُؤْمِنُونَ }]. ثم قال تعالى: {لِلَّهِ ٱلأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ } أي من قبل الغلبة ومن بعدها أو من قبل هذه المدة ومن بعدها، يعني إن أراد غلبهم غلبهم قبل بضع سنين وإن أراد غلبهم غلبهم بعدها، وما قدر هذه المدة لعجز وإنما هي إرادة نافذة، وبنيا على الضم لما قطعا عن الإضافة لأن غير الضمة من الفتحة والكسرة يشتبه بما يدخل عليهما وهو النصب والجر، أما النصب ففي قولك جئت قبله أو بعده، وأما الجر ففي قولك من قبله ومن بعده فنياً على الضم لعدم دخول مثلهما عليه في الإعراب وهو الرفع {وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ ٱلْمُؤْمِنُونَ } قيل يفرحون بغلبة الروم على الفرس كما فرح المشركون بغلبة الفرس على الروم، والأصح أنهم يفرحون بغلبتهم المشركين وذلك لأن غلبة الروم كانت يوم غلبة المسلمين المشركين ببدر، ولو كان المراد ما ذكروه لما صح لأن في ذلك اليوم بعينه لم يصل إليهم خبر الكسر فلا يكون فرحهم يومئذٍ بل الفرح يحصل بعده.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {الۤـمۤ * غُلِبَتِ ٱلرُّومُ * فِيۤ أَدْنَى ٱلأَرْضِ} روى الترمذِيّ عن أبي سعيد الخُدْريّ قال: لما كان يوم بدرٍ ظهرت الروم على فارس فأعجب ذلك الْمُوْمِنِينَ فنزلت: {الۤـمۤ * غُلِبَتِ ٱلرُّومُ * فِيۤ أَدْنَى ٱلأَرْضِ} ـ إلى قوله ـ {يَفْرَحُ ٱلْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ ٱللَّهِ}. قال: ففرح المؤمنون بظهور الروم على فارس. قال: هذا حديث غريب من هذا الوجه. هكذ قرأ نصر بن عليّ الجَهْضَمِيّ «غَلَبَتِ الرُّومُ». ورواه أيضاً من حديث ابن عباس بأتمّ منه: قال ابن عباس في قول الله عز وجل: {الۤـمۤ * غُلِبَتِ ٱلرُّومُ * فِيۤ أَدْنَى ٱلأَرْضِ} قال: غَلَبَتِ وغُلِبَتِ، قال: حديث : كان المشركون يحبون أن يظهر أهل فارس على الروم لأنهم وإياهم أهل أوثان، وكان المسلمون يحبون أن تظهر الروم على فارس لأنهم أهل كتاب؛ فذكروه لأبي بكر فذكره أبو بكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «أما إنهم سيغلِبون» فذكره أبو بكر لهم فقالوا: اجعل بيننا وبينك أجلاً، فإن ظهرنا كان لنا كذا، وإن ظهرتم كان لكم كذا وكذا فجعل أجل خمس سنين، فلم يظهروا؛ فذكر ذلك للنبيّ صلى الله عليه وسلم فقال: «ألا جعلته إلى دون» تفسير : ـ أراه قال العشر ـ قال: قال أبو سعيد: والبِضع ما دون العشرة. قال: ثم ظهرت الروم بعد، قال: فذلك قوله: {الۤـمۤ * غُلِبَتِ ٱلرُّومُ } ـ إلى قوله ـ {وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ ٱلْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ ٱللَّهِ}. قال سفيان: سمعت أنهم ظهروا عليهم يوم بدر. قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح غريب. ورواه أيضاً عن نِيَار بن مُكْرَم الأسْلَمِيّ قال: لما نزلت: {الۤـمۤ * غُلِبَتِ ٱلرُّومُ * فِيۤ أَدْنَى ٱلأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ} وكانت فارس يوم نزلت هذه الآية قاهرين للروم، وكان المسلمون يحبون ظهور الروم عليهم لأنهم وإياهم أهل كتاب، وفي ذلك نزل قول الله تعالى: {وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ ٱلْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ ٱللَّهِ يَنصُرُ مَن يَشَآءُ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ } وكانت قريش تحب ظهور فارس لأنهم وإياهم ليسوا بأهل كتاب ولا إيمانٍ ببعثٍ، فلما أنزل الله هذه الآية خرج أبو بكر الصديق رضي الله عنه يصِيح في نواحي مكة: {الۤـمۤ * غُلِبَتِ ٱلرُّومُ * فِيۤ أَدْنَى ٱلأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ}. قال ناس من قريش لأبي بكر: فذلك بيننا وبينكم، زعم صاحبك أن الروم ستغلب فارس في بضع سنين! أفلا نراهنك على ذلك؟ قال: بلى. وذلك قبل تحريم الرِّهان، فارتهن أبو بكر والمشركون وتواضعوا الرّهان. وقالوا لأبي بكر: كم تجعل البِضع؟ ثلاث سنين إلىٰ تسع سنين؟ فَسمِّ بيننا وبينك وسطاً تنتهي إليه؛ قال فسَمَّوا بينهم ستّ سنين؛ قال: فمضت الست سنين قبل أن يظهروا، فأخذ المشركون رهن أبي بكر، فلما دخلت السنة السابعة ظهرت الروم على فارس، فعاب المسلمون على أبي بكر تسمية ست سنين، قال: لأن الله تعالى قال: {فِي بِضْعِ سِنِينَ} قال: وأسلم عند ذلك ناس كثير. قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح غريب. وروى القُشَيْرِيّ وابن عطية وغيرهما: أنه لما نزلت الآيات خرج أبو بكر بها إلى المشركين فقال: أسرّكم أن غَلبت الروم؟ فإن نبيّنا أخبرنا عن الله تعالى أنهم سيغلِبون في بضع سنين. فقال له أبيّ بن خلف وأُميّة أخوه ـ وقيل أبو سفيان بن حرب ـ: يا أبا فَصِيل! ـ يعرّضون بكنيته «يا أبا بكر» ـ فْلَنَتَنَاحَبْ ـ أي نتراهن في ذلك فراهنهم أبو بكر. قال قتادة: وذلك قبل أن يحرم القمار، وجعلوا الرّهان خمس قلائص والأجل ثلاث سنين. وقيل: جعلوا الرهان ثلاث قلائص. ثم أتى النبيَّ صلى الله عليه وسلم فأخبره فقال: «حديث : فهلا احتطت، فإن البِضع ما بين الثلاث والتسع والعشر! ولكن ارجع فزدهم في الرهان واستزدهم في الأجل» تفسير : ففعل أبو بكر، فجعلوا القلائص مائة والأجل تسعة أعوام؛ فغلبت الروم في أثناء الأجل. وقال الشعبيّ: فظهروا في تسع سنين. القشيرِيّ: المشهور في الروايات أن ظهور الروم كان في السابعة من غلبة فارس للروم، ولعل رواية الشعبيّ تصحيف من السبع إلى التسع من بعض النقلة. وفي بعض الروايات: أنه جعل القلائص سبعاً إلى تسع سنين. ويقال: إنه آخر فتوح كسرى أبروِيز فتح فيه القسطنطينية حتى بنى فيها بيت النار؛ فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فساءه ذلك، فأنزل الله تعالى هاتين الآيتين. وحكى النقاش وغيره:حديث : أن أبا بكر الصدّيق رضي الله عنه لما أراد الهجرة مع النبيّ صلى الله عليه وسلم تعلق به أُبيّ بن خلف وقال له: أعطني كفِيلاً بالخطر إن غلبت؛ فكفل به ابنه عبد الرحمن، فلما أراد أبيّ الخروج إلى أُحد طلبه عبد الرحمن بالكفيل فأعطاه كفيلاً، ثم مات أبيّ بمكة من جرح جرحه النبيّ صلى الله عليه وسلم، وظهرت الروم على فارس يوم الحديبية على رأس تسع سنين من مناحبتهم. وقال الشعبيّ: لم تمض تلك المدّة حتى غلبت الروم فارس؛ وربطوا خيلهم بالمدائن، وبنوا رومِيَة؛ فقَمَر أبو بكر أبَيًّا وأخذ مال الخَطَر من ورثته، فقال له النبيّ صلى الله عليه وسلم: «تصدّق به» فتصدّق بهتفسير : . وقال المفسرون: إن سبب غلبة الروم فارس امرأةٌ كانت في فارس لا تلد إلا الملوك والأبطال، فقال لها كسرى: أريد أن أستعمل أحد بنِيك على جيش أجهزه إلى الروم؛ فقالت: هذا هُرْمُز أرْوَغ من ثعلب وأحذر من صقر، وهذا فَرُّخان أحدّ من سِنان وأنفذ من نَبْل، وهذا شهر بزان أحلم من كذا، فاخْتَر؛ قال فاختار الحليم وولاّه، فسار إلى الروم بأهل فارس فظهر على الروم. قال عكرمة وغيره: إن شهر بزان لما غلب الروم خرّب ديارها حتى بلغ الخليج، فقال أخوه فَرُّخان: لقد رأيتني جالساً على سرير كِسرى؛ فكتب كسرى إلى شهر بزان أرسل إليّ برأس فرخان فلم يفعل؛ فكتب كسرى إلى فارس: إني قد استعملت عليكم فرُّخان وعزلت شهر بزان، وكتب إلى فَرُّخان إذا ولي أن يقتل شهر بزان؛ فأراد فَرُّخان قتل شهر بزان فأخرج له شهر بزان ثلاث صحائف من كسرى يأمره بقتل فرُّخان، فقال شهر بزان لفرخان: إن كسرى كتب إليّ أن أقتلك ثلاث صحائف وراجعته أبداً في أمرك، أفتقتلني أنت بكتاب واحد؟ فرد المُلْك إلى أخيه، وكتب شهر بزان إلى قيصر ملك الروم فتعاونا على كسرى، فغلبت الروم فارس ومات كسرى. وجاء الخبر إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم يوم الحديبِية ففرح من معه من المسلمين؛ فذلك قوله تعالى: {الۤـمۤ * غُلِبَتِ ٱلرُّومُ * فِيۤ أَدْنَى ٱلأَرْضِ} يعني أرض الشام. عكرمة: بأذرعات، وهي ما بين بلاد العرب والشام. وقيل: إن قيصر كان بعث رجلاً يدعى يحنّس وبعث كسرى شهر بزان فالتقيا بأذرعات وبصرى وهي أدنى بلاد الشام إلى أرض العرب والعجم. مجاهد: بالجزيرة، وهو موضع بين العراق والشام. مقاتل: بالأردنّ وفلسطين. و«أدنى» معناه أقرب. قال ابن عطية: فإن كانت الواقعة بأذرعات فهي من أدنى الأرض بالقياس إلى مكة، وهي التي ذكرها امرؤ القيس في قوله:شعر : تنوّرتها من أذرعات وأهلُها بيثرِبَ أدنى دارِها نظر عالِ تفسير : وإن كانت الواقعة بالجزيرة فهي أدنى بالقياس إلى أرض كِسرى، وإن كانت بالأردنّ فهي أدنى إلى أرض الروم. فلما طرأ ذلك وغُلبت الروم سُرّ الكفار فبشر الله عباده بأن الروم سيغلبون وتكون الدولة لهم في الحرب. وقد مضى الكلام في فواتح السور. وقرأ أبو سعيد الخدريّ وعلي بن أبي طالب ومعاوية بن قُرّة «غَلَبَتِ الرُّومُ» بفتح الغين واللام. وتأويل ذلك أن الذي طرأ يوم بدر إنما كانت الروم غلبت فعز ذلك على كفار قريش وسرّ بذلك المسلمون، فبشر الله تعالى عباده أنهم سيغلبون أيضاً في بضع سنين؛ ذكر هذا التأويل أبو حاتم. قال أبو جعفر النحاس: قراءة أكثر الناس «غُلِبت الروم» بضم الغين وكسر اللام. وروي عن ابن عمر وأبي سعيد الخدري أنهما قرأا «غَلَبْت الروم» وقرأا «سيُغْلبون». وحكى أبو حاتم أن عِصمة روى عن هارون: أن هذه قراءة أهل الشام؛ وأحمد بن حنبل يقول: إن عصمة هذا ضعيف، وأبو حاتم كثير الحكاية عنه، والحديث يدل على أن القراءة «غُلِبْت» بضم الغين، وكان في هذا الإخبار دليل على نبوّة محمد صلى الله عليه وسلم، لأن الروم غلبتها فارس، فأخبر الله عز وجل نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم أن الروم ستغلب فارس في بضع سنين، وأن المؤمنين يفرحون بذلك، لأن الروم أهل كتاب، فكان هذا من علم الغيب الذي أخبر الله عز وجل به مما لم يكن علموه، وأمر أبا بكر أن يراهنهم على ذلك وأن يبالغ في الرهان، ثم حُرّم الرهان بعدُ ونُسخ بتحريم القِمار. قال ابن عطية: والقراءة بضم الغين أصح، وأجمع الناس على «سيغلِبون» أنه بفتح الياء، يراد به الروم. ويروى عن ابن عمر أنه قرأ أيضاً بضم الياء في «سيغلِبون»، وفي هذه القراءة قلب للمعنى الذي تظاهرت الروايات به. قال أبو جعفر النحاس: ومن قرأ «سيُغلبون» فالمعنى عنده: وفارس من بعد غلبهم، أي من بعد أن غَلَبوا، سيُغلبون. وروي أن إيقاع الروم بالفرس كان يوم بدر؛ كما في حديث أبي سعيد الخدري حديثِ الترمذِيّ، وروي أن ذلك كان يوم الحديبية، وأن الخبر وصل يوم بيعة الرّضوان؛ قاله عكرمة وقتادة. قال ابن عطية: وفي كلا اليومين كان نصر من الله للمؤمنين. وقد ذكر الناس أن سبب سرور المسلمين بغلبة الروم وهمّهم أن تغلب إنما هو أن الروم أهل كتاب كالمسلمين، وفارس من أهل الأوثان؛ كما تقدّم بيانه في الحديث. قال النحاس: وقول آخر وهو أولى ـ أن فرحهم إنما كان لإنجاز وعد الله تعالى؛ إذ كان فيه دليل على النبوّة لأنه أخبر تبارك وتعالى بما يكون في بضع سنين فكان فيه. قال ابن عطية: ويشبه أن يعلّل ذلك بما يقتضيه النظر من محبة أن يغلب العدوّ الأصغر لأنه أيسر مؤونة، ومتى غلب الأكبر كثر الخوف منه؛ فتأمل هذا المعنى، مع ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ترجّاه من ظهور دينه وشَرْعِ الله الذي بعثه به وغلبته على الأمم، وإرادة كفار مكة أن يرميه الله بملِك يستأصله ويريحهم منه. وقيل: سرورهم إنما كان بنصر رسول الله صلى الله عليه وسلم على المشركين؛ لأن جبريل أخبر بذلك النبيَّ عليه السلام يوم بدر، حكاه القُشَيْرِيّ. قلت؛ ويحتمل أن يكون سرورهم بالمجموع من ذلك، فسروا بظهورهم على عدوّهم وبظهور الروم أيضاً وبإنجاز وعد الله. وقرأ أبو حَيْوَة الشاميّ ومحمد بن السَّمَيْقَع «من بعد غَلْبهم» بسكون اللام، وهما لغتان؛ مثل الظَّعْن والظَّعَن. وزعم الفرّاء أن الأصل «من بعد غلبتهم» فحذفت التاء كما حذفت في قوله عز وجل: «وَإِقَامِ الصَّلاَةِ» وأصله وإقامة الصلاة. قال النحاس: «وهذا غلط لا يُخِيل على كثير من أهل النحو؛ لأن «إقام الصلاة» مصدر قد حذف منه لاعتلال فعله، فجعلت التاء عوضاً من المحذوف، و«غلب» ليس بمعتل ولا حذف منه شيء. وقد حكى الأصمعِيّ: طَرَدَ طَرَداً، وجَلَبَ جَلَباً، وحَلَبَ حَلَباً، وغَلَبَ غَلَباً، فأيّ حذف في هذا، وهل يجوز أن يقال في أَكَلَ أكْلا وما أشبهه ـ: حذف منه»؟. {فِي بِضْعِ سِنِينَ} حذفت الهاء من «بِضع» فرقاً بين المذكر والمؤنث، وقد مضى الكلام فيه في «يوسف». وفتحت النون من «سِنِينَ» لأنه جمع مسلم. ومن العرب من يقول «في بضع سنين» كما يقول في «غِسلِين». وجاز أن يُجمع سنة جمع من يعقل بالواو والنون والياء والنون؛ لأنه قد حذف منها شيء فجعل هذا الجمع عوضاً من النقص الذي في واحده؛ لأن أصل «سنة» سنهة أو سنوة، وكسرت السين منه دلالة على أن جمعه خارج عن قياسه ونمطه؛ هذا قول البصريين. ويلزم الفرّاء أن يضمها لأنه يقول: الضمة دليل على الواو وقد حذف من سنة واو في أحد القولين، ولا يضمها أحد علِمناه. قوله تعالى: {لِلَّهِ ٱلأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ} أخبر تعالى بانفراده بالقدرة وأن ما في العالم من غلبة وغيرها إنما هي منه وبإرادته وقدرته فقال «لله الأمر» أي إنفاذ الأحكام. «مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ» أي من قبل هذه الغلبة ومن بعدها. وقيل: من قبلِ كل شيء ومن بعد كل شيء. و«مِن قبلُ ومِن بعدُ» ظرفان بنيا على الضم؛ لأنهما تعرّفا بحذف ما أضيفا إليهما وصارا متضمنين ما حذف فخالفا تعريف الأسماء وأشبها الحروف في التضمين فبنِيا، وخُصّا بالضم لشبههما بالمنادى المفرد في أنه إذا نُكِّر وأضيف زال بناؤه، وكذلك هما فَضُمّا. ويقال: «من قبلٍ ومِن بعدٍ». وحكى الكسائي عن بعض بني أسد «لِلَّهِ الأَمْرُ مِنْ قَبْلٍ وَمِنْ بَعْدُ» الأوّل مخفوض منوّن، والثاني مضموم بلا تنوين. وحكى الفرّاء «مِن قبلِ ومن بعدِ» مخفوضين بغير تنوين. وأنكره النحاس وردّه. وقال الفرّاء في كتابه: في القرآن أشياء كثيرة، الغلط فيها بيّن، منها أنه زعم أنه يجوز «من قبلِ ومن بعدِ» وإنما يجوز «من قبلٍ ومن بعدٍ» على أنهما نكرتان. قال الزجاج: المعنى من متقدّم ومن متأخر. {وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ ٱلْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ ٱللَّهِ} تقدم ذكره. {يَنصُرُ مَن يَشَآءُ} يعني من أوليائه؛ لأن نصره مختصّ بغلبة أوليائه لأعدائه فأما غلبة أعدائه لأوليائه فليس بنصره، وإنما هو ابتلاء وقد يسمّى ظَفَرا. {وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ} في نِقمته {ٱلرَّحِيمُ } لأهل طاعته.

البيضاوي

تفسير : مكية إلا قوله تعالى فسبحان الله الآية وآيها ستون أو تسع وخمسون آية {بسم الله الرحمن الرحيم} {الم }. {غُلِبَتِ ٱلرُّومُ فِى أَدْنَى ٱلأَرْضِ} أرض العرب منهم لأنها الأرض المعهودة عندهم، أو في أدنى أرضهم من العرب واللام بدل من الإِضافة. {وَهُم مّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ} من إضافة المصدر إلى المفعول، وقرىء {غَلَبِهِمْ } وهو لغة كالجلب والجلب. {سَيَغْلِبُونَ }. {فِى بِضْعِ سِنِينَ} روي أن فارس غزوا الروم فوافوهم بأذرعات وبصرى، وقيل بالجزيرة وهي أدنى أرض الروم من الفرس فغلبوا عليهم وبلغ الخبر مكة ففرح المشركون وشمتوا بالمسلمين وقالوا: أنتم والنصارى أهل كتاب ونحن وفارس أميون وقد ظهر إخواننا على إخوانكم ولنظهرن عليكم فنزلت، فقال لهم أبو بكر: لا يقرن الله أعينكم فوالله لتظهرن الروم على فارس بعد بضع سنين، فقال له أبي بن خلف: كذبت اجعل بيننا أجلاً أناحبك عليه، فناحبه على عشر قلائص من كل واحد منهما وجعلا الأجل ثلاث سنين، فأخبر أبو بكر رضي الله عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال البضع ما بين الثلاث إلى التسع فزايده في الخطر وماده في الأجل، فجعلاه مائة قلوص إلى تسع سنين ومات أبي من جرح رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد قفوله من أحد وظهرت الروم على فارس يوم الحديبية فأخذ أبو بكر الخطر من ورثة أبي، وجاء به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال تصدق به. واستدلت به الحنفية على جواز العقود الفاسدة في دار الحرب، وأجيب بأنه كان قبل تحريم القمار، والآية من دلائل النبوة لأنها إخبار عن الغيب. وقرىء »غَلَبَت« بالفتح و »سَيُغْلِبُونَ« بالضم ومعناه أن الروم غلبوا على ريف الشام والمسلمون سيغلبونهم، وفي السنة التاسعة من نزوله غزاهم المسلمون وفتحوا بعض بلادهم وعلى هذا تكون إضافة الغلب إلى الفاعل. {لِلَّهِ ٱلأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ} من قبل كونهم غالبين وهو وقت كونهم مغلوبين، ومن بعد كونهم مغلوبين وهو وقت كونهم غالبين أي له الأمر حين غلبوا وحين يغلبون ليس شيء منهما إلا بقضائه، وقرىء {مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ} من غير تقدير مضاف إليه كأنه قيل قبلاً وبعداً أي أولاً وآخراً. {وَيَوْمَئِذٍ } ويوم تغلب الروم. {يَفْرَحُ ٱلْمُؤْمِنُونَ}. {بِنَصْرِ ٱللَّهِ} من له كتاب على من لا كتاب له لما فيه من انقلاب التفاؤل وظهور صدقهم فيما أخبرا به المشركين وغلبتهم في رهانهم وازدياد يقينهم وثباتهم في دينهم، وقيل بنصر الله المؤمنين بإظهار صدقهم أو بأن ولي بعض أعدائهم بعضاً حتى تفانوا. {يَنصُرُ مَن يَشَاءُ} فينصر هؤلاء تارة وهؤلاء أخرى. {وَهُوَ العَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ} ينتقم من عباده بالنصر عليهم تارة ويتفضل عليهم بنصرهم أخرى. {وَعَدَ ٱللَّهِ} مصدر مؤكد لنفسه لأن ما قبله في معنى الوعد. {لاَ يُخْلِفُ ٱللَّهُ وَعْدَهُ } لامتناع الكذب عليه تعالى. {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ } وعده ولا صحة وعده لجهلهم وعدم تفكرهم.

ابن كثير

تفسير : نزلت هذه الآيات حين غلب سابور ملك الفرس على بلاد الشام وما والاها من بلاد الجزيرة وأقاصي بلاد الروم. واضطر هرقل ملك الروم حتى ألجأه إلى القسطنطينية وحاصره فيها مدة طويلة، ثم عادت الدولة لهرقل كما سيأتي. قال الإمام أحمد: حدثنا معاوية بن عمرو، حدثنا أبو إسحاق عن سفيان عن حبيب بن أبي عمرة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: {الۤـمۤ غُلِبَتِ ٱلرُّومُ فِيۤ أَدْنَى ٱلأَرْضِ} قال غلبت وغلبت، قال: كان المشركون يحبون أن تظهر فارس على الروم، لأنهم أصحاب أوثان، وكان المسلمون يحبون أن تظهر الروم على فارس، لأنهم أهل كتاب، فذكر ذلك لأبي بكر، فذكره أبو بكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : أما إنهم سيغلبون» تفسير : فذكره أبو بكر لهم، فقالوا: اجعل بيننا وبينك أجلاً، فإن ظهرنا كان لنا كذا وكذا، وإن ظهرتم كان لكم كذا وكذا، فجعل أجلاً خمس سنين، فلم يظهروا، فذكر ذلك أبو بكر للنبي صلى الله عليه وسلم فقال «حديث : ألا جعلتها إلى دون ــــ أراه قال العشر ــــ» تفسير : قال سعيد بن جبير: البضع ما دون العشر، ثم ظهرت الروم بعد قال فذلك قوله {الۤـمۤ غُلِبَتِ ٱلرُّومُ فِيۤ أَدْنَى ٱلأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ} - إلى قوله - {وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ} هكذا رواه الترمذي والنسائي جميعاً عن الحسين بن حريث عن معاوية بن عمرو، عن أبي إسحاق الفزاري عن سفيان بن سعيد الثوري به. وقال الترمذي: حديث حسن غريب، إنما نعرفه من حديث سفيان عن حبيب. ورواه ابن أبي حاتم عن محمد بن اسحاق الصاغاني عن معاوية بن عمرو به. ورواه ابن جرير: حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا محمد بن سعيد أو سعيد الثعلبي، الذي يقال له أبو سعد من أهل طرسوس، حدثنا أبو إسحاق الفزاري فذكره، وعندهم قال سفيان: فبلغني أنهم غلبوا يوم بدر. (حديث آخر) قال سليمان بن مهران الأعمش عن مسلم عن مسروق قال: قال عبد الله: خمس قد مضين، الدخان، واللزام، والبطشة، والقمر، والروم، أخرجاه. وقال ابن جرير: حدثنا ابن وكيع، حدثنا المحاربي عن داود بن أبي هند، عن عامر ــــ هو الشعبي ــــ عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: كان فارس ظاهراً على الروم، وكان المشركون يحبون أن تظهر فارس على الروم. وكان المسلمون يحبون أن تظهر الروم على فارس، لأنهم أهل كتاب وهم أقرب إلى دينهم، فلما نزلت {الۤـمۤ غُلِبَتِ ٱلرُّومُ فِيۤ أَدْنَى ٱلأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ فِي بِضْعِ سِنِينَ} قالوا: يا أبا بكر إن صاحبك يقول إن الروم تظهر على فارس في بضع سنين؟ قال: صدق. قالوا: هل لك أن نقامرك؟ فبايعوه على أربع قلائص إلى سبع سنين، فمضت السبع ولم يكن شيء، ففرح المشركون بذلك، وشق على المسلمين، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال «حديث : ما بضع سنين عندكم؟» تفسير : قالوا: دون العشر. قال «حديث : اذهب فزايدهم، وازدد سنتين في الأجل» تفسير : قال: فما مضت السنتان حتى جاءت الركبان بظهور الروم على فارس، ففرح المؤمنون بذلك، وأنزل الله تعالى: {غُلِبَتِ ٱلرُّومُ} ــــ إلى قوله ــــ {وَعْدَ ٱللَّهِ لاَ يُخْلِفُ ٱللَّهُ وَعْدَهُ}. (حديث آخر) قال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا أحمد بن عمر الوكيعي، حدثنا مؤمن عن إسرائيل عن أبي إسحاق عن البراء قال: لما نزلت {الۤـمۤ غُلِبَتِ ٱلرُّومُ فِيۤ أَدْنَى ٱلأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ} قال المشركون لأبي بكر: ألا ترى إلى ما يقول صاحبك يزعم أن الروم تغلب فارس؟ قال: صدق صاحبي. قالوا: هل لك أن نخاطرك؟ فجعل بينه وبينهم أجلاً، فحل الأجل قبل أن تغلب الروم فارس، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فساءه ذلك وكرهه، وقال لأبي بكر «حديث : ما دعاك إلى هذا؟» تفسير : قال: تصديقاً لله ولرسوله. قال «حديث : تعرض لهم وأعظم الخطر واجعله إلى بضع سنين» تفسير : فأتاهم أبو بكر فقال لهم: هل لكم في العود، فإن العود أحمد؟ قالوا: نعم، فلم تمض تلك السنون حتى غلبت الروم فارس، وربطوا خيولهم بالمدائن وبنوا الرومية، فجاء أبو بكر إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: هذا السحت، قال «حديث : تصدق به».تفسير : (حديث آخر) قال أبو عيسى الترمذي: حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا إسماعيل بن أبي أويس، أخبرني ابن أبي الزناد عن عروة بن الزبير عن نيار بن مكرم الأسلمي قال: لما نزلت {الۤـمۤ غُلِبَتِ ٱلرُّومُ فِيۤ أَدْنَى ٱلأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ فِي بِضْعِ سِنِينَ} فكانت فارس يوم نزلت هذه الآية قاهرين للروم، وكان المسلمون يحبون ظهور الروم عليهم، لأنهم وإياهم أهل كتاب، وفي ذلك قول الله: {وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ ٱلْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ ٱللَّهِ يَنصُرُ مَن يَشَآءُ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ} وكانت قريش تحب ظهور فارس، لأنهم وإياهم ليسوا بأهل كتاب، ولا إيمان ببعث، فلما أنزل الله هذه الآية، خرج أبو بكر يصيح في نواحي مكة {الۤـمۤ غُلِبَتِ ٱلرُّومُ فِيۤ أَدْنَى ٱلأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ فِي بِضْعِ سِنِينَ} فقال ناس من قريش لأبي بكر: فذاك بيننا وبينكم، زعم صاحبكم أن الروم ستغلب فارس في بضع سنين،أفلا نراهنك على ذلك؟ قال: بلى، وذلك قبل تحريم الرهان، فارتهن أبو بكر والمشركون، وتواضعوا الرهان وقالوا لأبي بكر: كم نجعل البضع ثلاث سنين إلى تسع سنين، فسم بيننا وبينك وسطاً ننتهي إليه؟ قال: فسموا بينهم ست سنين، قال: فمضت ست السنين قبل أن يظهروا، فأخذ المشركون رهن أبي بكر، فلما دخلت السنة السابعة ظهرت الروم على فارس: فعاب المسلمون على أبي بكر تسمية ست سنين، قال: لأن الله قال في بضع سنين، قال: فأسلم عند ذلك ناس كثير. هكذا ساقه الترمذي، ثم قال: هذا حديث حسن صحيح، لا نعرفه إلا من حديث عبد الرحمن بن أبي الزناد. وقد روي نحو هذا مرسلاً عن جماعة من التابعين مثل عكرمة والشعبي ومجاهد وقتادة والسدي والزهري وغيرهم، ومن أغرب هذه السياقات ما رواه الإمام سنيد بن داود في تفسيره حيث قال: حدثني حجاج عن أبي بكر بن عبد الله عن عكرمة قال: كان في فارس امرأة لا تلد إلا الملوك الأبطال، فدعاها كسرى فقال: إني أريد أن أبعث إلى الروم جيشاً وأستعمل عليهم رجلاً من بنيك، فأشيري علي أيهم أستعمل؟ فقالت: هذا فلان وهو أروغ من ثعلب، وأحذر من صقر، وهذا فرخان وهو أنفذ من سنان، وهذا شهريراز وهو أحلم من كذا، تعني أولادها الثلاثة، فاستعمل أيهم شئت، قال: فإني استعملت الحليم، فاستعمل شهريراز فسار إلى الروم بأهل فارس، فظهر عليهم فقتلهم وخرب مدائنهم، وقطع زيتونهم، قال أبو بكر بن عبد الله: فحدثت بهذا الحديث عطاء الخراساني فقال: أما رأيت بلاد الشام؟ قلت: لا، قال: أما إنك لو رأيتها لرأيت المدائن التي خربت والزيتون الذي قطع، فأتيت الشام بعد ذلك فرأيته. قال عطاء الخراساني: حدثني يحيى بن يعمر أن قيصر بعث رجلاً يدعى قطمة بجيش من الروم، وبعث كسرى شهريراز فالتقيا بين أذرعات وبصرى، وهي أدنى الشام إليكم، فلقيت فارس الروم فغلبتهم فارس، ففرحت بذلك كفار قريش، وكرهه المسلمون، قال عكرمة: ولقي المشركون أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وقالوا: إنكم أهل كتاب، والنصارى أهل كتاب، ونحن أميون، وقد ظهر إخواننا من أهل فارس على إخواننا من أهل الكتاب، وإنكم إن قاتلتمونا لنظهرن عليكم، فأنزل الله تعالى: {الۤـمۤ غُلِبَتِ ٱلرُّومُ} - إلى قوله - {بِنَصْرِ ٱللَّهِ يَنصُرُ مَن يَشَآءُ} فخرج أبو بكر الصديق إلى الكفار فقال: أفرحتم بظهور إخوانكم على إخواننا، فلا تفرحوا ولا يقرن الله أعينكم، فوالله ليظهرن الله الروم على فارس، أخبرنا بذلك نبينا صلى الله عليه وسلم فقام إليه أبي بن خلف فقال: كذبت يا أبا فضيل، فقال له أبو بكر: أنت أكذب يا عدو الله، فقال: أُناحِبُكَ عشر قلائص مني وعشر قلائص منك، فإن ظهرت الروم على فارس غرمت، وإِن ظهرت فارس غرمت إلى ثلاث سنين، ثم جاء أبو بكر إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره، فقال «حديث : ما هكذا ذكرت إنما البضع ما بين الثلاث إلى التسع، فزايده في الخطر وماده في الأجل» تفسير : فخرج أبو بكر فلقي أبيا، فقال: لعلك ندمت؟ فقال: لا، تعال أزايدك في الخطر وأمادك في الأجل، فاجعلها مائة قلوص لمائة قلوص إلى تسع سنين، قال: قد فعلت، فظهرت الروم على فارس قبل ذلك، فغلبهم المسلمون. قال عكرمة: لما أن ظهرت فارس على الروم، جلس فرخان يشرب وهو أخو شهريراز، فقال: لأصحابه: لقد رأيت كأني جالس على سرير كسرى، فبلغت كسرى، فكتب كسرى إلى شهريراز: إذا أتاك كتابي فابعث إلي برأس فرخان، فكتب إليه: أيها الملك إنك لن تجد مثل فرخان له نكاية وصوت في العدو، فلا تفعل،فكتب إليه: إن في رجال فارس خلفاً منه، فعجل إلي برأسه. فراجعه، فغضب كسرى فلم يجبه، وبعث بريداً إلى أهل فارس: إِني قد نزعت عنكم شهريراز واستعملت عليكم فرخان، ثم دفع إلى البريد صحيفة لطيفةٍ صغيرة، فقال: إذا ولي فرخان الملك وانقاد إليه أخوه، فأعطه هذه، فلما قرأ شهريراز الكتاب قال: سمعاً وطاعة، ونزل عن سريره وجلس فرخان، ودفع إليه الصحيفة قال: ائتوني بشهريراز، وقدمه ليضرب عنقه، فقال شهريراز، لا تعجل عليّ حتى أكتب وصيتي، قال: نعم، فدعا بالسفط فأعطاه الصحائف، فقال: كل هذا راجعت فيك كسرى وأنت أردت أن تقتلني بكتاب واحد، فرد الملك إلى أخيه شهريراز، وكتب شهريراز إلى قيصر ملك الروم إن لي إليك حاجة لا تحملها البرد، ولا تحملها الصحف فالقني ولا تلقني إلا في خمسين رومياً، فإني لا ألقاك إلاَّ في خمسين فارسياً، فأقبل قيصر في خمسمائة ألف رومي، وجعل يضع العيون بين يديه في الطريق، وخاف أن يكون قد مكر به حتى أتاه عيونه أنه ليس معه إلا خمسون رجلاً، ثم بسط لهما والتقيا في قبة ديباج ضربت لهما، مع كل واحد منهما سكين فدعيا ترجماناً بينهما، فقال شهريراز: إن الذين خربوا مدائنك أنا وأخي بكيدنا وشجاعتنا، وإن كسرى حسدنا وأراد أن أقتل أخي فأبيت، ثم أمر أخي أن يقتلني فقد خلعناه جميعاً، فنحن نقاتله معك. قال: قد أصبتما، ثم أشار أحدهما إلى صاحبه أن السر بين اثنين، فإذا جاوز اثنين فشا، قال: أجل، فقتلا الترجمان جميعاً بسكينيهما، فأهلك الله كسرى، وجاء الخبر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية، ففرح والمسلمون معه. فهذا سياق غريب وبناء عجيب. ولنتكلم عن كلمات هذه الآيات الكريمة، فقوله تعالى: {الۤـمۤ غُلِبَتِ ٱلرُّومُ} قد تقدم الكلام على الحروف المقطعة في أوائل السور في أول سورة البقرة، وأما الروم، فهم من سلالة العيص بن إسحاق بن إبراهيم، وهم أبناء عم بني إسرائيل، ويقال لهم: بنو الأصفر، وكانوا على دين اليونان، واليونان من سلالة يافث بن نوح أبناء عم الترك، وكانوا يعبدون الكواكب السيارة السبعة، ويقال لها: المتحيرة، ويصلون إلى القطب الشمالي، وهم الذين أسسوا دمشق، وبنوا معبدها، وفيه محاريب إلى جهة الشمال، فكان الروم على دينهم إلى بعد مبعث المسيح بنحو من ثلثمائة سنة، وكان من ملك الشام مع الجزيرة منهم يقال له: قيصر، فكان أول من دخل في دين النصارى من الملوك قسطنطين بن قسطس، وأمه مريم الهيلانية الشدقانية من أرض حران، كانت قد تنصرت قبله، فدعته إلى دينها، وكان قبل ذلك فيلسوفاً، فتابعها، يقال: تقية، واجتمعت به النصارى، وتناظروا في زمانه مع عبد الله بن أريوس، واختلفوا اختلافاً منتشراً متشتتاً لا ينضبط، إلا أنه اتفق من جماعتهم ثلثمائة وثمانية عشر أسقفاً، فوضعوا لقسطنطين العقيدة، وهي التي يسمونها: الأمانة الكبيرة، وإنما هي الخيانة الحقيرة، ووضعوا له القوانين، يعنون: كتب الأحكام؛ من تحريم وتحليل، وغير ذلك مما يحتاجون إليه، وغيروا دين المسيح عليه السلام، وزادوا فيه، ونقصوا منه، فصلوا إلى المشرق، واعتاضوا عن السبت بالأحد، وعبدوا الصليب، وأحلوا الخنزير، واتخذوا أعياداً أحدثوها كعيد الصليب والقداس والغطاس، وغير ذلك من البواعيث والشعانين، وجعلوا له الباب، وهو كبيرهم، ثم البتاركة، ثم المطارنة، ثم الأساقفة، والقساقسة، ثم الشمامسة، وابتدعوا الرهبانية، وبنى لهم الملك الكنائس والمعابد، وأسس المدينة المنسوبة إليه، وهي القسطنطينية، يقال: إنه بنى في أيامه اثني عشر ألف كنيسة، وبنى بيت لحم بثلاث محاريب، وبنت أمه القمامة، وهؤلاء هم الملكية، يعنون: الذين هم على دين الملك. ثم حدثت بعدهم اليعقوبية أتباع يعقوب الأسكاف، ثم النسطورية أصحاب نسطورا، وهم فرق وطوائف كثيرة، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : إنهم افترقوا على اثنتين وسبعين فرقة» تفسير : والغرض أنهم استمروا على النصرانية، كلما هلك قيصر، خلفه آخر بعده، حتى كان آخرهم هرقل، وكان من عقلاء الرجال، ومن أحزم الملوك وأدهاهم، وأبعدهم غوراً، وأقصاهم رأياً، فتملك عليهم في رياسة عظيمة وأبهة كبيرة، فناوأه كسرى ملك الفرس وملك البلاد كالعراق وخراسان والري وجميع بلاد العجم، وهو سابور ذو الأكتاف، وكانت مملكته أوسع من مملكة قيصر، وله رياسة العجم، وحماقة الفرس، وكانوا مجوساً يعبدون النار، فتقدم عن عكرمة أنه: بعث إليه نوابه وجيشه، فقاتلوه، والمشهور أن كسرى غزاه بنفسه في بلاده، فقهره وكسره وقصره، حتى لم يبق معه سوى مدينة قسطنطينية، فحاصره بها مدة طويلة، حتى ضاقت عليه، وكانت النصارى تعظمه تعظيماً زائداً، ولم يقدر كسرى على فتح البلد، ولا أمكنه ذلك؛ لحصانتها؛ لأن نصفها من ناحية البر، ونصفها الآخر من ناحية البحر، فكانت تأتيهم الميرة والمدد من هنالك، فلما طال الأمر، دبر قيصر مكيدة، ورأى في نفسه خديعة، فطلب من كسرى أن يقلع من بلاده على مال يصالحه عليه ويشترط عليه ما شاء، فأجابه إلى ذلك، وطلب منه أموالاً عظيمة لايقدر عليها أحد من ملوك الدنيا من ذهب وجواهر وأقمشة وجوار وخدام وأصناف كثيرة، فطاوعه قيصر، وأوهمه أن عنده جميع ما طلب، واستقل عقله لما طلب منه ما طلب، ولو اجتمع هو وإياه، لعجزت قدرتهما عن جمع عشره، وسأل كسرى أن يمكنه من الخروج إلى بلاد الشام وأقاليم مملكته، ليسعى في تحصيل ذلك من ذخائره وحواصله ودفائنه، فأطلق سراحه، فلما عزم قيصر على الخروج من مدينة قسطنطينية فجمع أهل ملته وقال: إني خارج في أمر قد أبرمته في جند قد عينته من جيشي، فإن رجعت إليكم قبل الحول، فأنا ملككم، وإن لم أرجع إليكم قبلها، فأنتم بالخيار: إن شئتم استمررتم على بيعتي، وإن شئتم وليتم عليكم غيري، فأجابوه بأنك ملكنا مادمت حياً، ولو غبت عشرة أعوام، فلما خرج من القسطنطينية، خرج جريدة في جيش متوسط هذا، وكسرى مخيم على القسطنطينية ينتظره ليرجع، فركب قيصر من فوره، وسار مسرعاً حتى انتهى إلى بلاد فارس، فعاث في بلادهم قتلاً لرجالها ومن بها من المقاتلة أولاً فأولاً، ولم يزل يقتل حتى انتهى إلى المدائن، وهي كرسي مملكة كسرى، فقتل من بها، وأخذ جميع حواصله وأمواله، وأسر نساءه وحريمه، وحلق رأس ولده، وركبه على حماره، وبعث معه من الأساورة من قومه في غاية الهوان والذلة، وكتب إلى كسرى يقول: هذا ما طلبت، فخذه، فلما بلغ ذلك كسرى، أخذه من الغم ما لا يحصيه إلا الله تعالى، واشتد حنقه على البلد، فاشتد في حصارها بكل ممكن، فلم يقدر على ذلك، فلما عجز، ركب، ليأخذ عليه الطريق من مخاضة جيحون التي لا سبيل لقيصر إلى القسطنطينية إلا منها، فلما علم قيصر بذلك، احتال بحيلة عظيمة لم يسبق إليها، وهو أنه أرصد جنده وحواصله التي معه عند فم المخاضة، وركب في بعض الجيش، وأمر بأحمال من التبن والبعر والروث، فحملت معه، وسار إلى قريب من يوم في الماء مصعداً، ثم أمر بالقاء تلك الأحمال في النهر، فلما مرت بكسرى، ظن وجنده أنهم قد خاضوا من هنالك، فركبوا في طلبهم، فشغرت المخاضة عن الفرس، وقدم قيصر، فأمرهم بالنهوض والخوض، فخاضوا وأسرعوا السير، ففاتوا كسرى وجنوده، ودخلوا القسطنطينية، فكان ذلك يوماً مشهوداً عند النصارى، وبقي كسرى وجيوشه حائرين لا يدرون ماذا يصنعون، لم يحصلوا على بلاد قيصر، وبلادهم قد خربتها الروم، وأخذوا حواصلهم، وسبوا ذراريهم، ونساءهم، فكان هذا من غلب الروم لفارس، وكان ذلك بعد تسع سنين من غلب الفرس للروم، وكانت الوقعة الكائنة بين فارس والروم حين غلبت الروم بين أذرعات وبصرى على ما ذكره ابن عباس وعكرمة وغيرهما، وهي طرف بلاد الشام مما يلي بلاد الحجاز، وقال مجاهد: كان ذلك في الجزيرة، وهي أقرب بلاد الروم من فارس، فالله أعلم. ثم كان غلب الروم لفارس بعد بضع سنين، وهي تسع، فإن البضع في كلام العرب ما بين الثلاث إلى التسع، وكذلك جاء في الحديث الذي رواه الترمذي وابن جرير وغيرهما من حديث عبد الله بن عبد الرحمن الجمحي عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأبي بكر في مناحبة {الۤـمۤ غُلِبَتِ ٱلرُّومُ} الآية: «حديث : ألا احتطت يا أبا بكر فإن البضع ما بين ثلاث إلى تسع؟» تفسير : ثم قال: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه. وروى ابن جرير عن عبد الله بن عمرو أنه قال ذلك. وقوله تعالى: {لِلَّهِ ٱلأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ} أي: من قبل ذلك ومن بعده، فبني على الضم لما قطع المضاف، وهو قوله: قبل، عن الإضافة، ونويت، {وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ ٱلْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ ٱللَّهِ} أي: للروم أصحاب قيصر ملك الشام على فارس أصحاب كسرى، وهم المجوس، وكانت نصرة الروم على فارس يوم وقعة بدر في قول طائفة كثيرة من العلماء؛ كابن عباس والثوري والسدي وغيرهم. وقد ورد في الحديث الذي رواه الترمذي وابن جرير وابن أبي حاتم والبزار من حديث الأعمش عن عطية عن أبي سعيد قال: لما كان يوم بدر، ظهرت الروم على فارس، فأعجب ذلك المؤمنين، ففرحوا به، وأنزل الله: {وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ ٱلْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ ٱللَّهِ يَنصُرُ مَن يَشَآءُ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ}. وقال الآخرون: بل كان نصر الروم على فارس عام الحديبية. قاله عكرمة والزهري وقتاده وغير واحد. ووجه بعضهم هذا القول بأن قيصر كان قد نذر لئن أظفره الله بكسرى، ليمشين من حمص إلى إيليا، وهو بيت المقدس؛ شكراً لله تعالى، ففعل، فلما بلغ بيت المقدس، لم يخرج منه حتى وافاه كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي بعثه مع دحية بن خليفة، فأعطاه دحية لعظيم بصرى، فدفعه عظيم بصرى إلى قيصر، فلما وصل إليه، سأل من بالشام من عرب الحجاز، فأحضر له أبو سفيان صخر بن حرب الأموي في جماعة من كبار قريش، وكانوا بغزة، فجيء بهم إليه، فجلسوا بين يديه. فقال: أيكم أقرب نسباً بهذا الرجل الذي يزعم أنه نبي؟ فقال أبو سفيان: أنا، فقال لأصحابه، وأجلسهم خلفه: إني سائل هذا عن هذا الرجل، فإن كذب فكذبوه، فقال أبو سفيان: فوالله لولا أن يأثروا علي الكذب، لكذبت، فسأله هرقل عن نسبه وصفته، فكان فيما سأله أن قال: فهل يغدر؟ قال: قلت: لا، ونحن منه في مدة لا ندري ما هو صانع فيها، يعني بذلك: الهدنة التي كانت قد وقعت بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وكفار قريش عام الحديبية على وضع الحرب بينهم عشر سنين، فاستدلوا بهذا على أن نصر الروم على فارس كان عام الحديبية؛ لأن قيصر إنما وفى بنذره بعد الحديبية، والله أعلم. ولأصحاب القول الأول أن يجيبوا عن هذا بأن بلاده كانت قد خربت وتشعثت، فما تمكن من وفاء نذره حتى أصلح ما ينبغي له إصلاحه وتفقد بلاده، ثم بعد أربع سنين من نصرته، وفى بنذره، والله أعلم، والأمر في هذا سهل قريب، إلا أنه لما انتصرت فارس على الروم، ساء ذلك المؤمنين، فلما انتصرت الروم على فارس، فرح المؤمنون بذلك؛ لأن الروم أهل كتاب في الجملة، فهم أقرب إلى المؤمنين من المجوس، كما قال تعالى: {أية : لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ ٱلنَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱلْيَهُودَ وَٱلَّذِينَ أَشْرَكُواْ وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱلَّذِينَ قَالُوۤاْ إِنَّا نَصَارَىٰ} تفسير : ــــ إلى قوله ــــ {أية : رَبَّنَآ آمَنَّا فَٱكْتُبْنَا مَعَ ٱلشَّاهِدِينَ}تفسير : [المائدة: 82 ــــ 83]. وقال تعالى ههنا: {وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ ٱلْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ ٱللَّهِ يَنصُرُ مَن يَشَآءُ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ}. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا صفوان، حدثنا الوليد، حدثني أسيد الكلابي قال: سمعت العلاء بن الزبير الكلابي يحدث عن أبيه قال: رأيت غلبة فارس الروم، ثم رأيت غلبة الروم فارس، ثم رأيت غلبة المسلمين فارس والروم، كل ذلك في خمس عشرة سنة. وقوله تعالى: {وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ} أي: في انتصاره وانتقامه من أعدائه {ٱلرَّحِيمُ} بعباده المؤمنين. وقوله تعالى: {وَعْدَ ٱللَّهِ لاَ يُخْلِفُ ٱللَّهُ وَعْدَهُ} أي: هذا الذي أخبرناك به يا محمد؛ من أنا سننصر الروم على فارس، وعد من الله حق، وخبر صدق لا يخلف، ولا بد من كونه ووقوعه؛ لأن الله قد جرت سنته أن ينصر أقرب الطائفتين المقتتلين إلى الحق، ويجعل لها العاقبة، {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} أي: بحكم الله في كونه، وأفعاله المحكمة الجارية على وفق العدل. وقوله تعالى: {يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِّنَ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ ٱلأَخِرَةِ هُمْ غَـٰفِلُونَ} أي: أكثر الناس ليس لهم علم إلا بالدنيا وأكسابها وشؤونها وما فيها، فهم حذاق أذكياء في تحصيلها ووجوه مكاسبها، وهم غافلون عما ينفعهم في الدار الآخرة؛ كأن أحدهم مغفل لا ذهن له ولا فكرة، قال الحسن البصري: والله لبلغ من أحدهم بدنياه أن يقلب الدرهم على ظفره، فيخبرك بوزنه، وما يحسن أن يصلي. وقال ابن عباس في قوله تعالى: {يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِّنَ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ ٱلآخِرَةِ هُمْ غَـٰفِلُونَ} يعني: الكفار يعرفون عمران الدنيا، وهم في أمر الدين جهال.

المحلي و السيوطي

تفسير : {الم } الله أعلم بمراده بذلك.

الشوكاني

تفسير : قد تقدّم الكلام على فاتحة هذه السورة في فاتحة سورة البقرة، وتقدّم الكلام على محلها من الإعراب، ومحلّ أمثالها في غير موضع من فواتح السور. قرأ الجمهور: {غلبت الروم} بضم الغين المعجمة وكسر اللام مبنياً للمفعول، وقرأ عليّ بن أبي طالب وأبو سعيد الخدري ومعاوية بن قرّة وابن عمر وأهل الشام بفتح الغين، واللام مبنياً للفاعل. قال النحاس: قراءة أكثر الناس: {غُلِبَتِ } بضم الغين وكسر اللام. قال أهل التفسير: غلبت فارس الروم ففرح بذلك كفار مكة وقالوا: الذين ليس لهم كتاب غلبوا الذين لهم كتاب، وافتخروا على المسلمين وقالوا: نحن أيضاً نغلبكم كما غلبت فارس الروم، وكان المسلمين يحبون أن تظهر الروم على فارس لأنهم أهل كتاب. ومعنى {فِي أَدْنَى ٱلأَرْضِ }: في أقرب أرضهم من أرض العرب، أو في أقرب أرض العرب منهم. قيل: هي أرض الجزيرة. وقيل: أذرعات. وقيل: كسكر: وقيل: الأدرن. وقيل: فلسطين، وهذه المواضع هي أقرب إلى بلاد العرب من غيرها، وإنما حملت الأرض على أرض العرب لأنها المعهود في ألسنتهم إذا أطلقوا الأرض أرادوا بها جزيرة العرب. وقيل: إن الألف واللام عوض عن المضاف إليه. والتقدير: في أدنى أرضهم فيعود الضمير إلى الروم، ويكون المعنى: في أقرب أرض الروم من العرب. قال ابن عطية: إن كانت الوقعة بأذرعات، فهي من أدنى الأرض بالقياس إلى مكة، وإن كانت الوقعة بالجزيرة، فهي أدنى بالقياس إلى أرض كسرى، وإن كانت بالأردن، فهي أدنى إلى أرض الروم {وَهُم مّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ } أي والروم من بعد غلب فارس إياهم سيغلبون أهل فارس، والغلب والغلبة لغتان، والمصدر مضاف إلى المفعول على قراءة الجمهور، وإلى الفاعل على قراءة غيرهم. قرأ الجمهور: {سيغلبون} مبنياً للفاعل، وقرأ علي وأبو سعيد ومعاوية بن قرّة وابن عمر، وأهل الشام على البناء للمفعول، وسيأتي في آخر البحث ما يقوّي قراءة الجمهور في الموضعين. وقرأ أبو حيوة الشامي وابن السميفع: "من بعد غلبهم" بسكون اللام. {فِي بِضْعِ سِنِينَ } متعلق بما قبله، وقد تقدّم تفسير البضع واشتقاقه في سورة يوسف، والمراد به هنا ما بين الثلاثة إلى العشرة {لِلَّهِ ٱلأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ } أي هو المنفرد بالقدرة وإنقاذ الأحكام وقت مغلوبيتهم ووقت غالبيتهم، فكلّ ذلك بأمر الله سبحانه وقضائه، قرأ الجمهور: {من قبل ومن بعد} بضمهما لكونهما مقطوعين عن الإضافة، والتقدير: من قبل الغلب ومن بعده، أو من قبل كل أمر ومن بعده. وحكى الكسائي "من قبل ومن بعدُ" بكسر الأوّل منوّناً وضم الثاني بلا تنوين. وحكى الفراء "من قبلِ ومن بعدِ" بكسرهما من غير تنوين، وغلطه النحاس. قال شهاب الدين: قد قرىء بكسرهما منوّنين. قال الزجاج: ومعنى الآية: من متقدّم ومن متأخر {وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ ٱلْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ ٱللَّهِ } أي يوم أن تغلب الروم على فارس في بضع سنين يفرح المؤمنون بنصر الله للروم لكونهم أهل كتاب كما أن المسلمين أهل كتاب، بخلاف فارس فإنه لا كتاب لهم، ولهذا سرّ المشركون بنصرهم على الروم. وقيل: نصر الله هو إظهار صدق المؤمنين فيما أخبروا به المشركين من غلبة الروم على فارس، والأوّل أولى. قال الزجاج: وهذه الآية من الآيات التي تدل على أن القرآن من عند الله لأنه إنباء بما سيكون، وهذا لا يعلمه إلاّ الله سبحانه {يَنصُرُ مَن يَشَاء } أن ينصره {وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ } الغالب القاهر {ٱلرَّحِيمِ } الكثير الرحمة لعباده المؤمنين. وقيل: المراد بالرحمة هنا: الدنيوية، وهي شاملة للمسلم والكافر. {وَعْدَ ٱللَّهِ لاَ يُخْلِفُ ٱللَّهُ وَعْدَهُ } أي: وعد الله وعداً لا يخلفه، وهو ظهور الروم على فارس {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ } أن الله لا يخلف وعده، وهم الكفار، وقيل: كفار مكة على الخصوص. {يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مّنَ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا } أي يعلمون ظاهر ما يشاهدونه من زخارف الدنيا وملاذها وأمر معاشهم وأسباب تحصيل فوائدهم الدنيوية. وقيل: هو ما تلقيه الشياطين إليهم من أمور الدنيا عند استراقهم السمع. وقيل: الظاهر: الباطل {وَهُمْ عَنِ ٱلآخِرَةِ } التي هي النعمة الدائمة، واللذة الخالصة {هُمْ غَـٰفِلُونَ } لا يلتفتون إليها ولا يعدون لها ما يحتاج إليه، أو غافلون عن الإيمان بها والتصديق بمجيئها. {أَوَ لَمْ يَتَفَكَّرُواْ فِي أَنفُسِهِمْ مَّا خَلَقَ ٱللَّهُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا } الهمزة للإنكار عليهم، والواو للعطف على مقدّر كما في نظائره، و{في أنفسهم} ظرف للتفكر وليس مفعولاً للتفكر والمعنى: أن أسباب التفكر حاصلة لهم، وهي أنفسهم لو تفكروا فيها كما ينبغي لعلموا وحدانية الله وصدق أنبيائه. وقيل: إنها مفعول للتفكر. والمعنى: أو لم يتفكروا في خلق الله إياهم ولم يكونوا شيئاً؟ و«ما» في: {ما خلق الله} نافية، أي لم يخلقها إلاّ بالحق الثابت الذي يحق ثبوته، أو هي اسم في محل نصب على إسقاط الخافض، أي بما خلق الله، والعامل فيها العلم الذي يؤدي إليه التفكر. وقال الزجاج: في الكلام حذف، أي فيعلموا، فجعل "ما" معمولة للفعل المقدّر لا للعلم المدلول: عليه، والباء في: {إِلاَّ بِٱلْحَقّ } إما للسببية، أو هي ومجرورها في محل نصب على الحال، أي ملتبسة بالحق. قال الفراء: معناه: إلاّ للحق، أي للثواب، والعقاب. وقيل: بالحق: بالعدل. وقيل: بالحكمة. وقيل: بالحق، أي أنه هو الحق وللحق خلقها {وَأَجَلٌ مُّسَمًّى } معطوف على الحق، أي وبأجل مسمى للسماوات والأرض وما بينهما تنتهي إليه، وهو يوم القيامة، وفي هذا تنبيه على الفناء، وأن لكل مخلوق أجلاً لا يجاوزه. وقيل: معنى {وَأَجَلٌ مُّسَمًّى }: أنه خلق ما خلق في وقت سماه لخلق ذلك الشيء {وَإِنَّ كَثِيراً مّنَ ٱلنَّاسِ بِلِقَاء رَبّهِمْ لَكَـٰفِرُونَ } أي لكافرون بالبعث بعد الموت، واللام هي المؤكدة، والمراد بهؤلاء: الكفار على الإطلاق، أو كفار مكة. {أَوَ لَمْ يَسِيرُواْ فِى ٱلأَرْضِ } الاستفهام للتقريع والتوبيخ لعدم تفكرهم في الآثار وتأملهم لمواقع الاعتبار، والفاء في: {فَيَنظُرُواْ } للعطف على {يسيروا} داخل تحت ما تضمنه الاستفهام من التقريع والتوبيخ، والمعنى: أنهم قد ساروا وشاهدوا {كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ } من طوائف الكفار الذين أهلكهم الله بسبب كفرهم بالله، وجحودهم للحق وتكذيبهم للرسل، وجملة: {كَانُواْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً } مبينة للكيفية التي كانوا عليها، وأنهم أقدر من كفار مكة ومن تابعهم على الأمور الدنيوية، ومعنى {وَأَثَارُواْ ٱلأَرْضَ }: حرثوها وقلبوها للزراعة وزاولوا أسباب ذلك، ولم يكن أهل مكة أهل حرث {وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا } أي عمروها عمارة أكثر مما عمرها هؤلاء؛ لأن أولئك كانوا أطول منهم أعماراً، وأقوى أجساماً، وأكثر تحصيلاً لأسباب المعاش، فعمروا الأرض بالأبنية والزراعة والغرس {وَجَاءتْهُمْ رُسُلُهُم } بالبينات، أي المعجزات. وقيل: بالأحكام الشرعية {فَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ } بتعذيبهم على غير ذنب {وَلَـٰكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ } بالكفر والتكذيب. {ثُمَّ كَانَ عَـٰقِبَةَ ٱلَّذِينَ أَسَاءُواْ } أي عملوا السيئات من الشرك والمعاصي {السُوأَى} هي فعلى من السوء ثأنيث الأسوأ، وهو: الأقبح، أي كان عاقبتهم العقوبة التي هي أسوأ العقوبات. وقيل: هي اسم لجهنم كما أن الحسنى اسم للجنة، ويجوز أن تكون مصدراً كالبشرى والذكرى، وصفت به العقوبة مبالغة. قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو: "عاقبة" بالرفع على أنها اسم كان، وتذكير الفعل لكون تأنيثها مجازياً، والخبر السوأى، أي الفعلة أو الخصلة أو العقوبة السوأى أو الخبر {أَن كَذَّبُواْ } أي: كان آخر أمرهم التكذيب، وقرأ الباقون: {عاقبة} بالنصب على خبر كان، والاسم السوأى، أو أن كذبوا، ويكون التقدير: ثم كان التكذيب عاقبة الذين أساؤوا، والسوأى مصدر أساؤوا، أو صفة لمحذوف. وقال الكسائي: إن قوله: {أَن كَذَّبُواْ } في محل نصب على العلة، أي لأن كذبوا بآيات الله التي أنزلها على رسله، أو بأن كذبوا، ومن القائلين بأن السوأى: جهنم، الفراء والزجاج وابن قتيبة وأكثر المفسرين، وسميت: سوأى لكونها تسوء صاحبها. قال الزجاج: المعنى: ثم كان عاقبة الذين أشركوا النار بتكذيبهم آيات الله واستهزائهم، وجملة: {وَكَانُواْ بِهَا يَسْتَهْزِئونَ } عطف على كذبوا، داخلة معه في حكم العلية على أحد القولين، أو في حكم الاسمية لكان، أو الخبرية لها على القول الآخر. وقد أخرج أحمد، والترمذي وحسنه، والنسائي وابن المنذر وابن أبي حاتم، والطبراني في الكبير، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي في الدلائل، والضياء في المختارة عن ابن عباس في قوله: {الم * غُلِبَتِ ٱلرُّومُ } قال: كان المشركون يحبون أن تظهر فارس على الروم، لأنهم كانوا أصحاب أوثان، وكان المسلمون يحبون أن تظهر الروم على فارس لأنهم أصحاب كتاب، فذكروه لأبي بكر، فذكره أبو بكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : أما إنهم سيغلبون»تفسير : فذكره أبو بكر لهم، فقالوا: اجعل بيننا وبينك أجلاً فإن ظهرنا كان لنا كذا وكذا، وإن ظهرتم كان لكم كذا وكذا، فجعل بينهم أجلاً خمس سنين فلم يظهروا، فذكر ذلك أبو بكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: "حديث : ألا جعلته"تفسير : - أراه قال -: دون العشر، فظهرت الروم بعد ذلك، فذلك قوله: {الم غُلِبَتِ ٱلرُّومُ } فغلبت، ثم غلبت بعد بقول الله: {لِلَّهِ ٱلأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ ٱلْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ ٱللَّهِ } قال سفيان: سمعت أنهم ظهروا عليهم يوم بدر. وأخرج أبو يعلى وابن أبي حاتم وابن مردويه وابن عساكر عن البراء بن عازب نحوه، وزاد: أنه لما مضى الأجل ولم تغلب الروم فارس، ساء النبيّ ما جعله أبو بكر من المدّة وكرهه وقال: "حديث : ما دعاك إلى هذا؟"تفسير : قال: تصديقاً لله ولرسوله فقال: "حديث : تعرّض لهم وأعظم الخطة واجعله إلى بضع سنين"تفسير : ، فأتاهم أبو بكر فقال: هل لكم في العود، فإن العود أحمد؟ قالوا: نعم، فلم تمض تلك السنون حتى غلبت الروم فارس، وربطوا خيولهم بالمدائن وبنوا رومية، فقمر أبو بكر، فجاء به أبو بكر يحمله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: "حديث : هذا السحت تصدّق به".تفسير : وأخرج الترمذي وصححه، والدارقطني في الأفراد، والطبراني وابن مردويه، وأبو نعيم في الدلائل، والبيهقي في الشعب عن نيار ابن مكرم الأسلمي قال: لما نزلت {الم * غُلِبَتِ ٱلرُّومُ } الآية كانت فارس يوم نزلت هذه الآية قاهرين الروم، وكان المسلمون يحبون ظهور الروم عليهم، لأنهم وإياهم أهل الكتاب، وفي ذلك يقول الله: {وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ ٱلْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ ٱللَّهِ } وكانت قريش تحبّ ظهور فارس لأنهم وإياهم ليسوا أهل كتاب ولا إيمان ببعث، فلما أنزل الله هذه الآية خرج أبو بكر يصيح في نواحي مكة: {الم * غُلِبَتِ ٱلرُّومُ فِي أَدْنَى ٱلأرْضِ وَهُم مّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ فِي بِضْعِ سِنِينَ } فقال ناس من قريش لأبي بكر: ذلك بيننا وبينكم يزعم صاحبك أن الروم ستغلب فارس في بضع سنين، أفلا نراهنك على ذلك؟ قال: بلى، وذلك قبل تحريم الرهان، فارتهن أبو بكر والمشركون وتواضعوا الرهان، وقالوا لأبي بكر: لم تجعل البضع ثلاث سنين إلى تسع سنين فسم بيننا وبينك وسطاً ننتهي إليه، قال: فسموا بينهم ستّ سنين، فمضت الستّ قبل أن يظهروا، فأخذ المشركون رهن أبي بكر، فلما دخلت السنة السابعة ظهرت الروم، فعاب المسلمون على أبي بكر تسميته ستّ سنين؛ لأن الله قال: {فِي بِضْعِ سِنِينَ } فأسلم عند ذلك ناس كثير. وأخرج الترمذي وحسنه، وابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي بكر: «حديث : لا احتطت يا أبا بكر، فإن البضع ما بين ثلاث إلى تسع»تفسير : . وأخرج البخاري عنه في تاريخه نحوه. وأخرج الفريابي، والترمذي وحسنه، وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن أبي سعيد قال: لما كان يوم بدر ظهر الروم على فارس، فأعجب ذلك المؤمنين، فنزلت: "الم * غُلِبَتِ ٱلرُّومُ" قرأها بالنصب يعني للغين على البناء للفاعل إلى قوله: {يَفْرَحُ ٱلْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ ٱللَّهِ }. قال: ففرح المؤمنون بظهور الروم على فارس، وهذه الرواية مفسرة لقراءة أبي سعيد ومن معه. وأخرج الحاكم وصححه عن أبي الدرداء قال: سيجيء أقوام يقرؤون: "الم * غَلِبَتِ ٱلرُّومُ" يعني: بفتح الغين، وإنما هي {غلبت}: يعني: بضمها، وفي الباب روايات وما ذكرناه يغني عما سواه. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس: {يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مّنَ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا } يعني: معايشهم، متى يغرسون؟ ومتى يزرعون؟ ومتى يحصدون؟ وأخرج ابن مردويه عن ابن عمر في قوله: {كَانُواْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً } قال: كان الرجل ممن كان قبلكم بين منكبيه ميل.

الماوردي

تفسير : قوله تعالى: {الم. غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الأَرْضِ} الآية. روى ابن جبير عن ابن عباس قال: كان المسلمون يحبون أن يظهر الروم على فارس لأنهم أهل كتاب، وكان المشركون يحبون أن تظهر فارس على الروم لأنهم أهل أوثان. قال ابن شهاب: فغلبت فارس الروم فسر بذلك المشركون وقالوا للمسلمين إنكم تزعمون أنكم ستغلبوننا لأنكم أهل كتاب، وقد غلبت فارس الروم والروم أهل كتاب. وقيل: إنه كان آخر فتوح كسرى أبرويز فتح فيه القسطنطينية حتى بنى فيها بيت النار فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك فساءه فأنزل الله هاتين الآيتين فلما قال: {وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيْغْلِبُونَ فِي بِضْعِ سِنِينَ} سر بذلك المسلمون وبادر أبو بكر رضي الله عنه إلى مشركي قريش فأخبرهم بما أنزل عليهم وأن الروم ستغلب الفرس. قال قتادة: فاقتمر أبو بكر والمشركون على ذلك، وذلك قبل تحريم القمار مدة اختلف الناس فيها على ثلاثة أقاويل: أحدها: مدة ثلاث سنين تظهر الروم فيها على فارس، قاله السدي. الثاني: خمس سنين، قاله قتادة. الثالث: سبع سنين، قاله الفراء. وكان الذي تولى ذلك من المسلمين أبو بكر رضي الله عنه، واختلف في الذي تولاه من المشركين مع أبي بكر على قولين: أحدهما: أنه أبو سفيان بن حرب، قاله السدي. الثاني: أنه أُبي بن خلف، قاله قتادة. وحكىالنقاش أن أبا بكر لما أراد الهجرة مع النبي صلى الله عليه وسلم عَلِق به أبي بن خلف وقال: اعطني كفيلاً بالخطر إن غلبت فكفله ابنه عبد الرحمن. واختلف في قدر العوض المبذول على قولين: أحدهما: أربع قلائص، قاله عامر. الثاني: خمس قلائص، قاله قتادة. فلما علم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أبا بكر لهم هذه المدة أنكرها وقال: "حديث : مَا حَمَلَكَ عَلَىَ مَا فَعَلْتَ؟" تفسير : قال: ثقة بالله وبرسوله، قال: "حديث : فَكَم البِضْعُ" تفسير : قال: ما بلغ بين الثلاث والعشر فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : زِدْهُم فِي الخَطَرِ فِي وَزِدْ الأَجَلِ" تفسير : فزادهم قلوصين وازداد منهم في الأجل سنتين فصارت القلائص ستاً على القول الأول، وسبعاً على الثاني، وصار الأجل خمساً على القول الأول، وسبعاً على الثاني: وتسعاً على الثالث. واختلف في الاستزاده والزيادة على قولين: أحدهما: أنها كانت بعد انقضاء الأجل الأول قبل ظهور الغلبة، قاله عامر. الثاني: أنها كانت قبل انقضاء الأجل الأول، قاله ابن شهاب، فأظفر الله الروم بفارس قبل انقضاء الأجل الثاني تصديقاً لخبره في التقدير ولرسوله صلى الله عليه وسلم في التنزيل. واختلف في السنة التي غلبت الروم أهل فارس على ثلاثة أقاويل: أحدها: أنها عام بدر ظهر الروم على فارس فيه وظهر المسلمون على قريش فيه، قاله أبو سعيد، قال: فكان يوم بدر. الثاني: أن ظهور فارس على الروم كان قبل الهجرة بسنتين، وظهور المسلمين على قريش كان في عام بدر بعد الهجرة بسنتين، ولعله قول عكرمة. الثالث: عام الحديبية ظهرت الروم على فارس وكان ظهور المسملين على المشركين في الفتح بعد مدة الحديبية، قاله عبيد الله بن عبد الله. فأما قوله تعالى: {فِي أَدْنَى الأَرْضِ} ففيه قولان: أحدهما: في أدنى أرض فارس؛ حكاه النقاش. الثاني: في أدنى أرض الروم، وهو قول الجمهور وفي أدنى أرض الروم أربعة أقاويل: أحدها: أطراف الشام، قاله ابن عباس. الثاني: الجزيرة وهي أقرب أرض الروم إلى فارس، قاله مجاهد. الثالث: الأردن وفلسطين، قاله السدي. الرابع: أذرعات الشام وكانت بها الوقعة، قاله يحيى بن سلام. وقرأ أبو عمرو وحده: {غَلَبَتِ} بالفتح أي ظهرت فقيل له علام غلبت؟ فقال: في أدنى ريف الشام. قوله تعالى: {فِي بِضْعِ سِنِينَ} وهو ما بين الثلاث إلى العشر وهذا نص عن الرسول صلى الله عليه وسلم. وقال بعض أهل اللغة هو ما بين العقدين من الواحد إلى العشرة فيكون من الثاني إلى التاسع. وأما النيف ففيه قولان: أحدهما: ما بين الواحد والتسعة، قاله ابن زيد. الثاني: ما بين الواحد والثلاثة، وهو قول الجمهور. {لِلَّهِ الأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ} فيه وجهان: أحدهما: من قبل أن تغلب الروم ومن بعد ما غلبت. الثاني: من قبل غلبة دولة فارس على الروم ومن بعد غلبة دولة الروم على فارس. {وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ} فيه قولان: أحدهما: أنه الخبر الذي ورد على رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية بهلاك كسرى ففرح ومن معه فكان هذا يوم فرحهم بنصر الله لضعف الفرس وقوة العرب. الثاني: يعني به نصر الروم على فارس. وفي فرحهم بذلك ثلاثة أوجه: أحدها: تصديق خبر الله وخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم. الثاني: لأنهم أهل كتاب مثلهم. الثالث: لأنه مقدمة لنصرهم على المشركين. {بِنَصْرِ اللَّهِ} يعني من أوليائه لأن نصره مختص بغلبة أوليائه لأعدائه فأما غلبة أعدائه لأوليائه فليس بنصر وإنما هو ابتلاء. {وَهُوَ الْعَزِيزُ} في نقمته {الرَّحِيمُ} لأهل طاعته. قوله تعالى: {يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} فيه وجهان: أحدهما: يعلمون أمر معايشهم متى يزرعون ومتى يحصدون وكيف يغرسون وكيف يبنون، قاله ابن عباس وعكرمة وقتادة. وقال الضحاك: هو بنيان قصورها وتشقيق أنهارها وغرس أشجارها فهذا ظاهر الحياة الدنيا. الثاني: يعلمون ما ألقته الشياطين لهم من أمور الدنيا عند استراقهم السمع من سماء الدنيا، قاله ابن جبير. ويحتمل ثالثاً: أن ظاهر الحياة الدنيا العمل لها، وباطنها عمل الآخرة. {وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ} يحتمل وجهين: أحدهما: عما أعده الله في الآخرة من ثواب عن طاعته وعقاب على معصيته. الثاني: عما أمرهم الله به من طاعة وألزمهم إياه.

ابن عطية

تفسير : تقدم القول في الحروف التي في أوائل السور بما فيه كفاية، وقرأ الجمهور "غُلبت" بضم الغين وقالوا معنى الآية أنه طرأ بمكة أن الملك كسرى هزم جيش ملك الروم قال مجاهد: في الجزيرة وهو موضع بين العراق والشام، وقال عكرمة: وهي بين بلاد العرب والشام، وقال مقاتل: بالأردن وفلسطين، فلما طرأ ذلك سر الكفار فبشر الله عباده بأن الروم {سيغلبون في بضع سنين} وتكون الدولة لهم في الحرب، وقرأ أبو سعيد الخدري وعلي بن أبي طالب ومعاوية بن قرة وعبد الله بن عمر "غَلَبت" الروم بفتح الغين واللام، وتأويل ذلك أن الذي طرأ يوم بدر إنما كان أن الروم غلبت فعز ذلك على كفار قريش وسر المسلمون فبشر الله تعالى عباده بأنهم {سيغلبون} أيضاً {في بضع سنين}، ذكر هذا التأويل أبو حاتم، والرواية الأولى والقراءة بضم الغين أصح، وأجمع الناس على "سيَغلبون" أنه بفتح الياء يريد به الروم، وروي عن ابن عمرو أنه قرأ أيضاً "سيُغلبون" بضم الياء، وفي هذه القراءة قلب للمعنى الذي تظاهرت الروايات به، و {أدنى الأرض} معناه أقرب الأرض، فإن كانت الوقعة في أذرعات فهي من {أدنى الأرض} بالقياس إلى مكة وهي التي ذكر امرؤ القيس في قوله: [الطويل] شعر : تنورتها من أذرعات وأهلها بيثرب أدنى دارها نظر عال تفسير : وإن كانت الوقعة بالجزيرة فهي {أدنى} بالقياس إلى أرض كسرى، وإن كانت بالأردن فهي {أدنى} إلى أرض الروم، قال أبو حاتم: وقرىء "أداني الأرض"، وقرأ جمهور الناس "غلَبهم" بفتح اللام كما يقال أحلب حلباً لك شطره، وقرأ ابن عمر بسكونها وهما مصدران بمعنى واحد وأضيف إلى المفعول، وروي في قصص هذه الآية عن ابن عباس وغيره أن الكفار لما فرحوا بمكة بغلب الروم بشر الله نبيه والمؤمنين بأن الروم {سيغلبون في بضع سنين} أي من الثلاثة إلى التسعة على مشهور قول اللغويين. كأنه تبضيع العشرة أي تقطيعها وقال أبو عبيدة: من الثلاث إلى الخمس، وقوله مردود، فلما بشرهم بذلك خرج أبو بكر الصديق إلى المسجد فقال لهم: أسركم إن غلبت الروم فإن نبينا أخبرنا عن الله تعالى أنهم {سيغلبون في بضع سنين} فقال له أبي بن خلف وأمية أخوه وقيل أبو سفيان بن حرب تعال يا أبا فصيل يعرضون بكنيته بالبكر فلنتناحب، أي نتراهن، في ذلك فراهنهم أبو بكر قال قتادة: وذلك قبل أن يحرم القمار وجعل الرهن خمس قلائص، والأجل ثلاث سنين، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك فقال له "حديث : إن البضع إلى التسعة ولكن زدهم في الرهن واستزدهم في الأجل"تفسير : ، ففعل أبو بكر فجعلوا القلائص مائة والأجل تسعة أعوام، فغلبت الروم في أثناء الأجل، فروي عن أبي سعيد الخدري أن إيقاع الروم بالفرس كان يوم بدر، وروي أن ذلك كان يوم الحديبية وأن الخبر بذلك وصل يوم بيعة الرضوان، روي نحوه عن قتادة، وفي كلا اليومين كان نصر من الله تعالى للمؤمنين، وذكر الناس أن سبب سرور المسلمين بغلبة الروم وهمهم أن تغلب وكون المشركين من قريش على ضد ذلك إنما هو أن الروم أهل كتاب كالمسلمين، والفرس أهل الأوثان أو نحوه من عبادة النار ككفار قريش والعرب. قال القاضي أبو محمد: ويشبه أن يعلل ذلك بما تقتضيه الفطر من محبة أن يغلب العدو الأصغر لأنه أيسر مؤنة ومتى غلب الأكبر كثر الخوف منه، فتأمل هذا المعنى مع ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ترجاه من ظهور دينه وشرع الله الذي بعثه به وغلبته على الأمم وإرادة كفار مكة أن يرميه الله بملك يستأصله ويريحهم منه. و {سنين}، يجمع كجمع من يعقل عوضاً من النقص الذي في واحده لأن أصل سنة سنهة أو سنوة، وكسرت السين منه دلالة على أن جمعه خارج عن قياسه ونمطه ثم أخبر تعالى بانفراده بالقدرة وأن ما في العالم من غلبة وغيرها إنما هي منه وبإرادته وقدره، فقال {لله الأمر} أي إنفاذ الأحكام {من قبل ومن بعد} أي من بعد هذه الغلبة التي بين هؤلاء القوم، و {قبل} و {بعد} ظرفان بنيا على الضم لأنهما تعرفا بحذف ما أضيفا إليه وصارا متضمنين ما حذف فخالفا معرب الأسماء وأشبها الحروف في التضمين فبينا وخصا بالضم لشبههما بالمنادى المفرد في أنه إذا نكر أو أَضيف زال بناؤه، وكذلك هما فضما كما المنادى مبني على الضم، وقيل في ذلك أيضاً أن الفتح تعذر فيهما لأنه حالهما في إظهار ما أضيفا إليه، وتعذر الكسر لأنه حالهما عند إضافتهما إلى المتكلم، وتعذر السكون لأن ما قبل أحدهما ساكن، فلم يبق إلا الضم فبنيا عليه، ومن العرب من يقول "من قبلٍ ومن بعدٍ" بالخفض والتنوين. قال الفراء: ويجوز ترك التنوين فيبقى كما هو في الإضافة وإن حذف المضاف، وقوله تعالى: {ويومئذ} يحتمل أن يكون عطفاً على القبل والبعد، كأنه حصر الأزمنة الثلاثة الماضي والمستقبل والحال، ثم ابتدأ الإخبار بفرح المؤمنين بالنصر، ويحتمل أن يكون الكلام تم في قوله {بعد}، ثم استأنف عطف جملة أخبر فيها أن يوم غلبت الروم الفرس {يفرح المؤمنون بنصر الله}، وعلى هذا الاحتمال مشى المفسرون، والنصر الذي {يفرح} به {المؤمنون} يحتمل أن يشار فيه إلى نصر الروم على فارس وهي نصرة الإسلام بحكم السببين اللذين قد ذكرتهما، ويحتمل أن يشار فيه إلى نصر يخص المؤمنين على عدوهم وهذا أيضاً غيب أخبر به وأخرجه الوجود إما يوم بدر وإما يوم بيعة الرضوان، ويحتمل أن يشار به إلى فرح المسلمين بنصر الله إياهم في أن صدق ما قال نبيهم من أن الروم ستغلب فارس فإن هذا ضرب من النصر عظيم، وقوله تعالى: {وعدَ الله} نصب على المصدر المؤكد، وقوله {ولكن أكثر الناس لا يعلمون} يريد الكفار من قريش والعرب، أي لا يعلمون أن الأمور من عند الله وأن وعده لا يخلف وأن ما يورده نبيه حق. قال القاضي أبو محمد: هذا الذي ذكرناه هو عمدة ما قيل: وقد حكى الطبري وغيره روايات يردها النظر أو قول الجمهور، من ذلك أن بعضهم قال إنما نزلت {وعد الله لا يخلف الله وعده} بعد غلبة الروم لفارس ووصول الخبر بذلك، وهذا يقتضي أن الآية مدنية والسورة مكية بإجماع ونحو هذا من الأقوال.

ابن عبد السلام

تفسير : كان المسلمون يؤثرون ظهور الروم على فارس لأنهم أهل كتاب، وآثر المشركون ظهور فارس على الروم لأنهم أهل أوثان فلما غلبت فارس سُرَّ المشركون وقالوا للمسلمين إنكم تزعمون أنكم تغلبونا لأنكم أهل كتاب وقد غلبت فارس الروم وهم أهل كتاب وكان آخر فتوح كسرى فتح فيه القسطنطينية بنى فيها بيت النار فبلغ الرسول صلى الله عليه وسلم فساءه ذلك فنزلت هاتان الآيتان فبادر أبو بكر رضي الله عنه فأخبر المشركين بذلك فاقتمر المسلمون والكفار على أنهم يغلبون إلى ثلاث سنين، أو خمس سنين، أو سبع سنين. قامر عن المسلمين أبو بكر رضي الله تعالى عنه. وعن المشركين أبو سفيان بن حرب، أو أُبي بن خلف وذلك قبل تحريم القمار وكان العوض خمس قلائص، أو سبع قلائص فلما علم الرسول صلى الله عليه وسلم أن أبا بكر قدر المدة أمره أن يزيد في الخطر فزاد قلوصين وازداد سنتين وكانت الزيادة بعد انقضاء الأجل الأول قبل الغلبة، أو قبل انقضاء الأجل الأول. وغلبت الروم فارس عام بدر في يوم بدر، أو قبل الهجرة بسنتين، أو عام الحديبية. {أدنى الأرض} أدنى أرض فارس، أو أدنى أرض الروم عند الجمهور بأطراف الشام "ع"، أو أذرعات الشام كانت بها الوقعة، أو الجزيرة أقرب أرض الروم إلى فارس، أو الأردن وفلسطين.

النسفي

تفسير : مكية وهي ستون أوتسع وخمسون آية والاختلاف في بضع سنين بسم الله الرحمن الرحيم {الم غُلِبَتِ ٱلرُّومُ } أي غلبت فارس الروم {فِى أَدْنَى ٱلأَرْضِ} أي في أقرب أرض العرب لأن الأرض المعهودة عند العرب أرضهم، والمعنى غلبوا في أدنى أرض العرب منهم وهي أطراف الشام، أو أراد أرضهم على إنابة اللام مناب المضاف إليه أي في أدنى أرضهم إلى عدوهم {وَهُمْ } أي الروم {مّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ } أي غلبة فارس إياهم. وقرىء بسكون اللام فالغلب والغلب مصدران وقد أضيف المصدر إلى المفعول {سَيَغْلِبُونَ } فارس، ولا وقف عليه لتعلق {فِى بِضْعِ سِنِينَ } به، وهو ما بين الثلاث إلى العشرة. قيل: احتربت فارس والروم بين أذرعات وبصرى فغلبت فارس الروم ــ والملك بفارس يومئذ كسرى ابرويز ــ فبلغ الخبر مكة فشق على رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين لأن فارس مجوس لا كتاب لهم والروم أهل كتاب، وفرح المشركون وشمتوا وقالوا: أنتم والنصارى أهل كتاب ونحن وفارس أميون وقد ظهر إخواننا على إخوانكم ولنظهرن نحن عليكم فنزلت. فقال لهم أبو بكر: والله ليظهرن الروم على فارس بعد بضع سنين، فقال له أبيّ بن خلف: كذبت فناحبه على عشر قلائص من كل واحد منهما وجعل الأجل ثلاث سنين، فأخبر أبو بكر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عليه السلام «حديث : زد في الخطر وأبعد في الأجل»تفسير : فجعلاها مائة قلوص إلى تسع سنين. ومات أبيّ من جرح رسول الله صلى الله عليه وسلم وظهرت الروم على فارس يوم الحديبية أو يوم بدر فأخذ أبو بكر الخطر من ذرية أبيّ فقال عليه السلام: «حديث : تصدق به»تفسير : وهذه آية بينة على صحة نبوته وأن القرآن من عند الله لأنها إنباء عن علم الغيب وكان ذلك قبل تحريم القمار. عن قتادة ومن مذهب أبي حنيفة ومحمد أن العقود الفاسدة كعقد الربا وغيره جائزة في دار الحرب بين المسلمين وقد احتجا على صحة ذلك بهذه القصة. {لِلَّهِ ٱلأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ } أي من قبل كل شيء ومن بعد كل شيء أو حين غلبوا وحين يغلبون كأنه قيل: من قبل كونهم غالبين وهو وقت كونهم مغلوبين، ومن بعد كونهم مغلوبين وهو وقت كونهم غالبين يعني أن كونهم مغلوبين أولاً وغالبين آخراً ليس إلا بأمر الله وقضائه {أية : وَتِلْكَ ٱلأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ ٱلنَّاسِ تفسير : [آل عمران: 140] {وَيَوْمَئِذٍ } ويوم تغلب الروم على فارس ويحل ما وعد الله من غلبتهم {يَفْرَحُ ٱلْمُؤْمِنُونَ بنصر الله}

الخازن

تفسير : قوله عز وجل {الم غلبت الروم في أدنى الأرض} سبب نزول هذه الآية على ما ذكره المفسرون أنه كان بين فارس والروم قتال وكان المشركون يودون أن تغلب فارس الروم لأن فارساً كانوا مجوساً أميين والمسلمون يودون غلبة الروم على فارس لكونهم أهل كتاب فبعث كسرى جيشاً إلى الروم واستعمل عليهم رجلاً يقال له شهرمان وبعث قيصر رجالاً وجيشاً وأمر عليهم رجلاً يدعى بخين فالتقيا بأذرعات وبصرى وهي أدنى الشام إلى أرض العرب والعجم فغلبت فارس الروم فبلغ ذلك المسلمين بمكة فشق عليهم وفرح به كفار مكة، وقالوا للمسلمين: إنكم أهل كتاب والنصارى أهل كتاب ونحن أميون وفارس أميون وقد ظهر إخواننا من أهل فارس على إخوانكم من الروم فإنكم إن قاتلتمونا لنظهرن عليكم فأنزل الله هذه الآيات فخرج أبو بكر الصديق إلى كفار مكة فقال: فرحتم بظهور إخوانكم فلا تفرحوا فوالله ليظهرن الروم على الفرس. أخبرنا بذلك نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فقام إليه أبي بن خلف الجمحي فقال كذبت: فقال أنت أكذب يا عدو الله فقال: اجعل بيننا أجلاً أناحبك عليه والمناحبة بالحاء المهملة القمار والمراهنة أراهنك على عشر قلائص مني وعشر قلائص منك فإذا ظهرت فارس على الروم غرمت وإذا ظهرت الروم على فارس غرمت ففعلوا وجعلوا الأجل ثلاث سنين فجاء أبو بكر إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأخبره بذلك قبل تحريم القمار. فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: حديث : ما هكذا ذكرت إنما البضع ما بين الثلاث إلى التسع فزايده في الخطر ومادده في الأجل فخرج أبو بكر فلقي أبيّاً فقال لعلك ندمت فقال لا فتعال أزايدك في الخطر وأماددك في الأجل فاجعلها مائة قلوص ومائة قلوص إلى تسع سنين فقال قد فعلت فلما خشي أبي بن خلف أن يخرج أبو بكر من مكة أتاه ولزمه وقال: إني أخالف أن تخرج من مكة فأقم لي ضماناً كفيلاً فكفله ابنه عبدالله بن أبي بكر فلما أراد أبي بن خلف أن يخرج إلى أحد أتاه عبدالله بن أبي بكر فلزمه وقال والله لا أدعك حتى تعطيني كفيلاً فأعطاه كفيلاً ثم خرج إلى أحد قال: ثم رجع أبي بن خلف إلى مكة ومات بها من جراحته التي جرحه النبيّ صلى الله عليه وسلم حين بارزه وظهرت الروم على فارس يوم الحديبية وذلك على رأس سبع سنين ومن مناحبتهم وقيل كان يوم بدر وربطت الروم خيولهم بالمدائن وبنوا بالعراق مدينة وسموها رومية فقمر أبو بكر أبيّاً وأخذ مال الخطر من ورثته وجاء به للنبي صلى الله عليه وسلم وذلك قبل أن يحرم القمار فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم تصدق بهتفسير : . كان سبب غلبة الروم فارساً على ما قال عكرمة وغيره: أن شهرمان لما غلب الروم لم يزل يطؤهم ويخرب مدائنهم حتى بلغ الخليج فبينا أخوه فرحان جالس ذات يوم قال لأصحابه: لقد رأيت كأني جالس على سرير كسرى فبلغت كلمته كسرى فكتب إلى شهرمان إذا أتاك كتابي فابعث إلي برأس أخيك فرحان فكتب إليه أيها الملك إنك لم تجد مثل فرحان إن له لنكاية وصولة في العدو، فلا تفعل فكتب إليه إن في رجال فارس خلفاً عنه فعجل إليَّ برأسه فراجعه فغضب كسرى ولم يجبه وبعث بريداً إلى أهل فارس إني قد عزلت عنكم شهرمان واستعملت عليكم فرحان ثم بعث مع البريد صحيفة صغيرة وأمره فيها بقتل شهرمان. وقال إذا ولي فرحان الملك وانقاد له أخوه فأعطه الصحيفة، فلما وصل البريد إلى شهرمان عرض عليه كتاب كسرى فلما قرأه قال: سمعاً وطاعة ونزل عن سرير الملك وأجلس عليه أخاه فرحان فدفع البريد الصحيفة إلى فرحان فلما قرأها: استدعى بأخيه شهرمان وقدمه ليضرب عنقه فقال له لا تعجل حتى أكتب وصيتي قال نعم فدعا بسفط ففتحه وأعطاه ثلاث صحائف منه وقال كل هذا راجعت فيك كسرى وأنت تريد قتلي بكتاب واحد فرد فرحان الملك إلى أخيه شهرمان فكتب إلى قيصر ملك الروم؛ أما بعد إن لي إليك حاجة لا تحملها البرد ولا تبلغها الصحف فالقني في خمسين رومياً حتى ألقاك في خمسين فارسياً فأقبل قيصر في خمسمائة ألف رومي وجعل يضع العيون بين يديه في الطريق مخافة أن يريد أن يمكر به حتى أتاه عيونه فأخبروا أنه ليس معه إلا خمسون فارسياً، فلما التقيا ضرب لهما فيها ديباج فدخلاها ومع كل واحد سكين ودعوا بترجمان يترجم بينهما فقال شهرمان: إن الذي خرب بلادك أنا وأخي بكيدنا وشجاعتنا وإن كسرى حسدنا وأراد أن يقتل أخي فأبيت عليه ثم أمر أخي بقتلي فأبى عليه، وقد خلعناه جميعاً ونحن نقاتله معك فقال: قد أصبتما وأشار أحدهما إلى صاحبه أن السر بين اثنين فإذا جاوزهما فشا. فقتلا الترجمان معاً بسكينيهما فأديلت الروم على فارس عند ذلك وغلبوهم وقتلوهم ومات كسرى. وجاء الخبر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية ففرح ومن كان معه من المسلمين بذلك فذلك قوله عز وجل {الم غلبت الروم في أدنى الأرض} يعني أقرب أرض الشام إلى فارس وقيل هي أذرعات وقيل الأردن وقيل الجزيرة {وهم من بعد غلبهم} أي فارس لهم {سيغلبون} أي الروم لفارس.

القمي النيسابوري

تفسير : القراءات: {عاقبة} بالنصب: ابن عامر وعاصم وحمزة وعلي وخلف. الآخرون: بالرفع. {السوأى} بالإمالة: أبو عمرو وحمزة وعلي وخلف وحماد {يرجعون} على الغيبة: أبو عمرو غير عباس وأوقية وسهل ويحيى وحماد {تخرجون} بفتح التاء وضم الراء: حمزة وعلي وخلف. الباقون: مجهولاً {للعالمين} بكسر اللام: حفص يفصل على الغيبة: عباس. الآخرون: بالنون. الوقوف: {ألم} كوفي {غلبت} {الروم} ه {سيغلبون} ه {سنين} ه {ومن بعد} ط {المؤمنون} ه {ينصر الله} ط وكلاهما مبني على أن قوله {بنصر الله} يتعلق بـ {يفرح} {ينصر من يشاء} ط {الرحيم} ه {وعد الله} ه {لا يعلمون} ه {الدنيا} ج لعطف الجملتين المختلفتين والوصل أولى {غافلون} ه {في أنفسهم} ط لحق الحذف أي فيعلموا ذلك أو فيقولوا هذا القول {مسمى} ط {لكافرون} ه {من قبلهم} ط {بالبينات} ط {يظلمون} ه لا لأن "ثم" لترتيب الأخبار {يستهزؤن} ه {يرجعون} ه {المجرمون} ه والوصل جائز {كافرين} ه {يتفرقون} ه {يجبرون} ه {محضرون} ه {تصبحون} ه {تظهرون} ه {بعد موتها} ط {تخرجون} ه {تنتشرون} ه {ورحمة} ط {يتفكرون} ه {وألوانكم} ط {للعالمين} ه {من فضله} ط {يسمعون} ه {موتها} ط {يعقلون} ه {بأمره} ط لأن "ثم" لترتيب الأخبار {دعوة} لا وقيل: على من الأرض وكلاهما تعسف. والحق أن قوله {من الأرض} متعلق بـ {دعاكم} كقولك دعوت زيداً من بيته لا كقولك دعوته من بيتي {تخرجون} ه {والأرض} ط {قانتون} ه {أهون عليه} ج {والأرض} ط {الحكيم} ه {من أنفسكم} ط لانتهاء الإخبار إلى الاستفهام {كخيفتكم أنفسكم} ط {يعقلون} ه {بغير علم} ج لابتداء الاستفهام مع الفاء {أضل الله} ط لتمام الاستفهام وابتداء النفي {ناصرين} ه {حنيفا} ط {عليها} ط {لخلق الله} ط {القيم} ه لا للاستدراك {لا يعلمون} ه وقيل: لا وقف عليه بناء على أن {منيبين} حال من ضمير {أقم} على أن الأمر له ولأمته مثل {أية : يا أيها النبي إذا طلقتم} تفسير : [الطلاق: 1] والوقف أوضح لبعد العامل عن المعمول بل التقدير: كونوا منيبين بدليل قوله {ولا تكونوا من المشركين} لأن قوله {من الذين} كالبدل مما قبله {شيعاً} ط {فرحون} ه. التفسير: وجه تعلق السورة بما قبلها هو أنه صلى الله عليه وسلم كان يقول للمشركين ماأمر الله به {أية : صم بكم عمي فهم لا يعقلون} تفسير : [البقرة: 171] وكان يحقر آلهتهم وينسبها إلى العجز وعدم النفع والضر، وكان أهل الكتاب يوافقون المسلمين في الإله وفي كثير من الأحكام ولذلك قال {ولا تجادلوا أهل الكتاب} إلى قوله {أية : وإلهنا وإلهكم واحد}تفسير : [العنكبوت: 46] فلا جرم أبغض المشركون أهل الكتاب وتركوا مراجعتهم في الأمور. فاتفق أن بعث كسرى جيشاً إلى الروم واستعمل عليهم رجلاً يقال له شهريران، فسار إلى الروم بأهل فارس فظفر عليهم وقتلهم وخرب مدائنهم. وكان قيصر بعث رجلاً يدعى بجنس فالتقى مع شهريران بأذرعات وبصرى وهو أدنى الشأم إلى أرض العرب وإليه الإشارة بقوله {أدنى الأرض} لأن الأرض المعهودة عند العرب هي أرضهم أي غلبوا في أقرب أرض العرب منهم وهي أطراف الشأم. وجوز جار الله أن يراد بأرضهم على إنابة اللام مناب المضاف إليه أي في أدنى أرضهم إلى عدوهم. وهذا تفسير مجاهد لأنه قال: هي أرض الجزيرة وهي أدنى أرض الروم إلى فارس. عن ابن عباس: الأردن وفلسطين. ففرح المشركون بذلك فأنزل الله تعالى هذه الآيات لبيان أن الغلبة لا تدل على الحق فقد يبتلى المحبوب ويعجل عذابه ليسلم في الآجل. وقوله {في أدنى الأرض} إشارة إلى ضعفهم أي انتهى ضعفهم إلى أن وصل عدوهم إلى طريق الحجاز وكسروهم وهم في بلادهم. ثم بين أن الروم سيغلبون غلبة عظيمة بعد ذلك الضعف العظيم، وكل ذلك دليل على أن الأمر بيد الله من قبل الغلبة ومن بعدها، أو من قبل تلك المدة ومن بعد ذلك، وقد وقع كما أخبر فغلبت الروم على فارس حتى وصلوا إلى المدائن وبنوا هنالك الرومية، قال المفسرون: لما نزلت الآية قال أبو بكر للمشركين: لا أقر الله أعينكم، والله ليظهرن الروم على فارس بعد بضع سنين. فقال له أبي ابن خلف: كذبت يا أبا فضيل اجعل بيننا أجلاً أناحبك عليه، فخاطره على عشر قلائص من كل واحد منهما وجعل الأجل ثلاث سنين. فأخبر أبو بكر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: البضع ما بين الثلاث إلى التسع فزايده في الخطر وماده في الأجل فجعلاها مائة قلوص إلى تسع سنين. فلما أراد ابو بكر أن يخرج من مكة أتاه أبي فلزمه وطلب كفيلاً فكفله ابنه عبد الله بن أبي بكر، فلما أراد أن يخرج إلى أحد أتاه عبدالله فلزمه إلى أن أقام كفيلاً ثم خرج إلى أحد ثم رجي أبي فمات بمكة من جراحته التي جرحها رسول الله صلى الله عليه وسلم فظهرت الروم على فارس يوم الحديبية. وذلك عند رأس سبع سنين. فأخذ أبو بكر الخطر من ذرية أبي وجاء به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمره أن يتصدق به. قالت العلماء: إنما أبهم الوقت لأن الكفار كانوا معاندين والأمور التي تقع في البلاد الشاسعة قلما يحصل الاتفاق على وقتها المعين من السنة والشهر واليوم والساعة وإن كان معلوماً للنبي بإعلام الله إياه، فالمعاند كان يتمكن من الإرجاف بوقوع الواقعة قبل وقوعها ليحصل الخلف في الميعاد ولكن المعاند لا يتمكن من إنكار الواقعة في البضع، {ويومئذ} أي يوم يغلب الروم فارس ويحصل ما وعد الله من غلبتهم {يفرح المؤمنون بنصر الله} وبغلبة من له كتاب على من لا كتاب له، أو بغيظ الشامتين بهم من كفار مكة. وقيل: نصر الله هو إظهار صدق المؤمنين فيما أخبر به نبيهم من غلبة الروم. وعن أبي سعيد الخدري: وافق ذلك يوم بدرٍ وهو المراد بنصر الله، وذلك أن خبر الكسر لم يصل إليهم في ذلك اليوم بعينه فلا يكون فرحهم يومئذ بل الفرح يحصل بعده، ولناصر القولين الأولين أن يقول: اقيم سبب الفرح، مقام الفرح أو المراد باليوم الوقت الواسع الشامل لما بين زمان وقوع الكسر إلى زمان وصول خبر الكسر الموجب للفرح. ومن علق قوله {بنصر الله} بقوله {ينصر} بناء على أن المقصود بيان أن النصرة بيد الله لا بيان وقوع النصرة لم يقف ههنا ووقف على {المؤمنون} {وهو العزيز الرحيم} فإذا سلط العدو على الحبيب فلعزته واستغنائه عن العالمين، وإذا نصر الحبيب فرحمته عليه. أو نقول: إن نصر المحب فلعزته واستغنائه عنه ورحمته في الآخرة واصله إليه. {وعد الله} مصدر مؤكد لنفسه لأن ما سبق في معنى الوعد {ولكن أكثر الناس لا يعلمون} أنه لا خلف في وعده لأنهم بله في أمور الدين. وفي إبدال قوله {يعلمون} من قوله {لا يعلمون} أو في بيان هذا بذاك إشارة أن العلم بأمور الدنيا كالجهل المطلق، وفي تنكير {ظاهراً} إشارة إلى قلة علمهم بظاهر الدنيا أيضاً وفي تكرير "هم" إشارة إلى أن الغفلة منهم وإلا فأسباب التذكرة حاصلة وظاهر الدنيا ملاذها وملاعبها وباطنها مضارها ومتاعبها. شعر : هي الدنيا تقول بملء فيها حذار حذار من سفكي وفتكي فلا يغرركم طول ابتسامي فقولي مضحك والفعل مبكي تفسير : ثم أشار إلى وجه التفكر بقوله {أولم يتفكروا} وقوله {في أنفسهم}يتعلق به أما تعلق الظرف بالفعل كأنه قال: أولم يحدثوا التفكر في قلوبهم الفارغة فيكون كما لو قلت لأجل زيادة التصوير اعتقده في قلبك وأضمره في نفسك مع أن الاعتقاد لا يكون إلا في القلب، والإضمار لا يوجد إلا في النفس. وأما تعلق الجار بالفعل كقولك: تفكر في الأمور. وذلك أنه إذا تفكر في نفسه التي هي أقرب الاشياء إليه وقف على غرائب الحكم ودقائق الصنع التي أودعها الله تعالى فيها كما يكفل بيان بعضها علم التشريح فجره ذلك إلى العلم بأنه سبحانه ما خلق السموات والأرض وما بينهما إلا متلبساً بالغرض الصحيح الذي أودعه الله فيها، وبتقدير أجل مسمى هو وقت الجزاء والحساب، ثم في الآية تقريران: أحدهما يناسب أصول الأشاعرة وهو أن دلائل الأنفس منجرة إلى دلائل الآفاق المذكورة للتوحيد وللعلم بالإله القادر المختار الصادق كلامه، لكنه أخبر عن تخريب السموات والأرض وعن حشر الأجساد وانتهاء الجسمانيات إلى الإفناء ث الإعادة في الوقت المعلوم فيكون الأمر على ما أخبر. وثانيهما يتوقف على أصول المعتزلة، وهو أن التفكر في النفس يجذب بصنعه إلى معرفة الإِله الحكيم الذي لا يفعل العبث والجزاف، فإنه خلق السموات وغيرها من الأسجام لمنافع المكلفين، وإذا انتهى التكليف فلا بد من تخريب السموات والأرض وانتهاء الأمر إلى حالة الجزاء واللقاء كيلا تنخرم قاعدة الحكمة والتدبير ورعاية الصلاح والعدل. ثم قال {وإن كثيراً من الناس} وقد قال قبل ذلك {ولكن أكثر الناس} لأنه قد ذكر دليلاً على الأصول، ولا شك أن الإيمان بعد الدليل يكون أكثر من الإيمان قبل الدليل فلا يبقى الأكثر مكما هو فعبر عن الباقي بالكثير. قال في الكشاف والمراد {بلقاء ربهم} الأجل المسمى، والأشاعرة يحملونه على الرؤية، واعلم أن دليل الأنفس مقدم على دليل الآفاق، لأن الإنسان قلما يذهل عن نفسه، وأن نفسه أقرب الشياء إليه نظير الآية قوله سبحانه {أية : الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السموات والأرض}تفسير : [آل عمران: 191] أي يعرفون الله بدلائل الأنفس في سائر الأحوال، ويتفكرون في خلق السموات والأرض بدلائل الآفاق. وإنما أخر الأنفس في قوله {أية : سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم}تفسير : [فصلت: 53] لإن الإراءة إنما يفتقر إليها في معرفة الأبعد الأخفى كأنه قال: سنريهم آياتنا الآفاقية فإن لم يفهموها فآيات الأنفس معلومة. وهذا الترتيب لا يناسب التفكر بل الفكر يتصور دليل الأنفس أولاً ثم يرتقي إلى دليل الآفاق فظهر أن كل آية وردت على ما اقتضته الحكمة والبلاغة. وحين ذكر دليل النفس الذي لا يقع الذهول عنه إلا ندرة ارتقى إلى دليل السموات والأرض الذي يقع الذهول عنه في كثير من الأحوال لكنه لا يحتاج إلا إلى التفات ذهني، ثم أتبعه دليل الآفاق الذي يتوقف على السير والتحول ليقفوا على أمر أمثالهم. وحكاية أشكالهم ثم ذكر أنهم أولى بالهلاك لأن من تقدمهم كعاد وثمود كانوا أشد منهم قوة جسمانية وأثاروا الأرض حرثوها وهو إشارة إلى القوة المالية. ثم اشار إلى القوة الظهرية التي يستند إليها عند الضعف والفتور وهي الحصون والعمائر بقوله {وعمروها أكثر مما عمروها} هؤلاء يعني أهل مكة كانوا أهل واد غير ذي زرع ما لهم أثارة أرض أصلاً ولا عمارة لها راساً، ففيه نوع تهكم بهم. قال أهل البرهان: إنما قال في هذه السورة وفي آخر "فاطر" وفي "المؤمن" {أولم يسيروا} بالواو وفي غيرهن {أفلم} بالفاء لأن ما قبلها في هذه السورة {أولم يتفكروا} وما بعدها {وأثاروا} بالواو فوافق ما قبلها وما بعدها. وكذا في "فاطر" ما قبله {أية : ولن تجد لسنتنا تحويلاً}تفسير : [الآية: 43] وما بعده {أية : وما كان}تفسير : [الآية: 44] وفي "المؤمن" ما قبله {والذين يدعون} وأما في آخر "المؤمن" فما قبله {فأي آيات الله} وما بعده {أية : فما أغنى عنهم}تفسير : [الآية: 82] وكلاهما بالفاء. قوله في هذه السورة {من قبلهم} متصل بكون آخر مضمر. وقوله {كانوا أشد منهم قوة} وكذا معطوفاه إخبار عما كانوا عليه قبل الإهلاك. وإنما قال في "فاطر" {وكانوا} بزيادة الواو لأن التقدير فينظروا كيف أهلكوا وكانوا اشد، وخصت السورة به لقوله {أية : وما كان الله ليعجزه}تفسير : [فاطر: 44] وقال في "المؤمن" {كانوا من قبلهم كانوا هم أشد} فأظهر "كان" وزاد لفظه "هم" لأن الآية وقعت في أوائل قصة موسى وهي تتم في ثلاثين آية، فكان اللائق به البسط دون الوجازة ولم يبسط هذا البسط في آخر السورة اكتفاء بالأول والله أعلم. {ولكن كانوا أنفسهم يظلمون} بوضع الأنفس الشريفة في موضع خسيس هو عبادة الأصنام. قال أهل السنة: هذا الوضع كان بمشيئة الله وإرادته لكنه صدر عنهم فأضيف إليهم {والسوأى} تانيث الأسوا وهو الأقبح وهي خبر "كان" فيمن قرأ {عاقبة} بالرفع واسم "كان" فيمن قرأ {عاقبة} بالنصب. و"ثم" لتفاوت الرتبة، وفي التركيب وضع للمظهر موضع المضمر. والمعنى أنهم أهلكوا ثم كانت عاقبتهم السوأى وهي عذاب النار. و {أن كذبوا} المعنى لأن "أو" بأن كذبوا أو هو تفسير اساؤا على أن الإساءة في معنى القول نحو: نادى وكتب معناه أي كذبوا وجوز جار الله أن يكون السوأى مفعول {اساؤا} و {أن كذبوا} عطف بيان لها، وخبر "كان" محذوف إرادة الإبهام ليذهب الوهم كل مذهب فيكون تقدير الكلام. ثم كان عاقبة الذين اقترفوا الخطيئة التي هي أسوأ الخطايا أن كذبوا كذا وكذا مما لا يكتنه كنهه. قال أهل التحقيق: ذكر الزيادة في حق المحسن في قوله {أية : للذين أحسنوا الحسنى وزيادة}تفسير : [يونس: 26] ولم يذكر في الحق المسيء لأن جزاء سيئة سيئة بمثلها، وذكر السبب في العقوبة وهو قوله {أن كذبوا} ولم يذكره في الآية ليعلم أن إحسانه لا يتوقف على السبب بل فضله كافٍ فيه. وحين ذكر ان عاقبتهم النار وكان في ذلك إشارة إلى الإعادة والحشر لم يتركه دعوى بلا بينة فقال {الله يبدأ} يعني من خلق بالقدرة والإرادة لا يعجز عن الرجعة والإعادة. ثم بين ما يكون وقت الرجوع فقال {ويوم تقوم الساعة يبلس المجرمون} يعني في ذلك اليوم يتبين إفلاسهم ويتحقق إبلاسهم وهو سكوت مع تحير ويأس مع بؤس ويأس لا اليأس الذي هو إحدى الراحتين وذلك إذا كان المرجو أمراً غير ضروري فيستريح الطامع من الانتظار. ثم ذكر وجه الإبلاس وذلك قوله {ولم يمكن لهم من شركائهم شفعاء وكانوا بشركائهم كافرين} يجحدونها وقتئذ بقوله {أية : سيكفرون بعبادتهم}تفسير : [مريم: 82] أو كانوا في الدنيا كافرين بسببهم. ثم حكى أنهم يعني المسلمين والكافرين {يومئذ يتفرقون} فريق في الجنة وفريق في السعير تفصيله في الآيتين بعده والروضة عندهم كل أرض ذات نبات وماء. وفي الأمثال "أحسن من بيضة في روضة" يعنون بيضة النعامة وتنكير روضة للتعظيم ومعنى {يحبرون} يسرون بأنواع المسار لحظة فلحظة. حبره إذا سره سروراً تهلل ببشر. وخصه مجاهد بالتكريم، وقتادة بالتنعيم، وابن كيسان بالتحلية، ووكيع بالسماع. عن النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : إن في الجنة لنهراً حافتاه الأبكار من كل بيضاء رخصة يتغنين بأصوات لم تسمع الخلائق بمثلها قط فذلك افضل نعيم الجنة"تفسير : قال الراوي: سألت ابا الدرداء بم تغنين؟ قال: بالتسبيح. وروي أن في الجنة لأشجاراً عليها أجراس من فضة، فإذا أراد أهل الجنة السماع بعث الله ريحاً من تحت العرش في تلك الأشجار فتحرك تلك الأجراس باصوات لو سمعها أهل الدنيا لماتوا. وأما معنى {محضرون} لا يغيبون عنه وقد مر في قوله {أية : ثم هو يوم القيامة من المحضرين} تفسير : [القصص: 61] وإنما أهمل ذكر الفسقة من أهل الإيمان اكتفاء بما ذكر في الآيات الأخر كقوله {أية : إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء}تفسير : [النساء: 48] وكقوله {أية : إنما التوبة على الله}تفسير : [النساء: 17] إلى قوله {أية : تبت الآن}تفسير : [النساء: 18] قال جار الله: لما ذكر الوعد والوعيد أتبعه ذكر ما يوصل إلى الوعد وينجي من الوعيد وقال آخرون: لما ذكر عظمته في المبدأ بقوله {ما خلق الله السموات والأرض وما بينهما إلا بالحق} وفي الانتهاء بقوله {ويوم تقوم الساعة} وكرر ذكر قيام الساعة للتأكيد والتخويف، أراد أن ينزه نفسه عن كل سوء ويثبت لذاته كل حمد ليعلم أنه منزه عن طاعات المطيعين، محمود على كل ما يوصل إلى المكلفين، مذكور على لسان أهل السموات والأرضين. والتسبيح في الظاهر هو تنزيه الله من السوء والثناء عليه بالخير في هذه الأوقات لما في كل منها من كل نعمة متجددة. وخص بعضهم التسبيح بالصلاة لما روي عن ابن عباس أنه قال {تمسون} صلاتا المغرب والعشاء {ويصبحون} صلاة الفجر {وعشياً} صلاة العصر و {يظهرون} صلاة الظهر أمر بالصلاة في أول النهار ووسطه وآخره، وأمر بالصلاة أول الليل ووسطه وهو العشاء بقوله صلى الله عليه وسلم "حديث : لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك وبتأخير العشاء إلى نصف الليل"تفسير : ولم يأمر بالصلاة في آخر الليل لأن النوم فيه غالب وإنه منَّ على عباده بالإستراحة في الليل بالنوم في مواضع منها قوله {ومن آياته منامكم بالليل} [الروم: 23] كما يجيء. روي عن الحسن أن الاية مدنية بناء على أنه كان يقول: فرضت الصلوات الخمس بالمدينة وكان الواجب بمكة ركعتين في غير وقت معلوم. وقول الأكثر إن الخمس فرضت بمكة. قوله {وعشياً} معطوف على {حين} وما بينهما وهو قوله {وله الحمد في السموات والأرض} اعتراض. قال جار الله: معناه إن على المميزين كلهم من أهل السموات والأرض أن يحمدوه قلت: فيه ايضاً أن الله غني عن تسبيح المسبحين فلو لم يحمده حامد فله استئهال الحمد على الإطلاق ولو حمدوه لعاد نفعه إليهم. وقدم الإمساك لأن الظلمة عدمية والأصل في الأشياء العدم، وقدم العشي على الظهيرة لأجل الفاصلة أو للتنبيه على فضيلة صلاة العصر، ولعل في تقديم الاعتراض المذكور على العشي إشارة إلى هذا ومعنى {ويخرج الحي من الميت} قد سلف مراراً ويحتمل أن يراد ههنا اليقظان والنائم لقوله {وكذلك تخرجون} اي من القبور، فتنبيه النائم بعد اليقظة يشبه الإعادة، وكذا رد الأرض إلى حالة الخضرة والنضرة بعد ذبولها. عن رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : من قال حين يصبح فسبحان الله حين تمسون إلى قوله وكذلك تخرجون أدرك ما فاته من يومه، ومن قالها حين يمسي أدرك ما فاته من ليلته" تفسير : ثم اراد أن يذكر الحجج الباهرة علىاستحقاق التسبيح والتحميد له فقال {ومن آياته أن خلقكم} أي أصلكم أو كلاً منكم كما مر في أول الحج {من تراب} وذلك ان التراب أبعد الأشياء عن درجة الإحياء لكثافته ولبرودته ويبسه والحياة بالحرارة والرطوبة، ولكدورته والأروح نير ولثقله وخفة الرواح ولسكونه والحي متحرك حساس، ولا تتنافي بين هذا وبين قوله {أية : خلق من الماء بشراً}تفسير : [الفرقان: 54] لأنه أراد الأصل الثاني الذي هو النطفة، أو أراد أن أصل البشر في الظاهر هو التراب والماء وأما النار فللإنضاج، والهواء فللاستبقاء كالزق المنفوخ يقوم بالهواء، و{ثم} لتبعيد الرتبة و{إذا} للمفاجأة أي ثم فاجأتم وقت كونكم بشراً. قالوا: فيه إشارة إلى مسألة حكمية وهي أن الله تعالى يخلق أولاً إنساناً فيتبعه أنه حيوان تام لا أنه يخلق أولاً حيواناً ثم يجعله إنساناً، فخلق الأنواع هو المراد الأول ثم تكون الأنواع فيها الأجناس بتلك الإرادة الأولى. وقوله {بشراً} إشارة إلى القوة المدركة التي البشر بها بشروا بها يمتاز عن غيره من الحيوانات. وقوله {تنتشرون} إشارة إلى القوة المتحركة التي بها الحيوان حيوان فكأنه أشار إلى فصله وجنسه، وكان الأولى تقديم الجنس على الفصل، إلا أنه عكس الترتيب لأنه كأنه قال: العجب غير مختص بالإنسان بل الحيوان المنتشر من التراب الساكن عجيب أيضاً. والانتشار إما بمعنى التردد في الحوائج كقوله {أية : فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله}تفسير : [الجمعة: 10] وإما بمعنى البث والتفريق كقوله {أية : وبث منهما رجالاً كثيراً ونساء} تفسير : [النساء: 1]. وحين بين خلق الإنسان ولم يكن مما يبقى على مر الزمان منَّ عليهم بأن جعل نوع الإنسان باقياً بتعاقب الأشخاص فقال {ومن آياته أن خلق لكم} ولا يلزم منه أن لا يكنَّ مخلوقات للعبادة والتكليف لأن تخصيص الشيء بالذكر لا يدل على نفي ما عداه، فقد يكون الشيء مختصاً باثنين وجعل مهيأ لآخرين على أن النعمة ما كانت تتم علينا إلا بتكليفهن، فلولا خوف العقاب لتمردت النسوان على أزواجهن. و{من أنفسكم} أي من جنسكم أو هو إشارة إلى أن حواء خلقت من ضلع آدم وقد مر في "النحل" ويشهد للتفسير الأول قوله {لتسكنوا إليها} فإن الجنس إلى الجنس أسكن {وجعل بينكم مودة} عن الحسن هي الجماع {ورحمة} هي الولد. وقال غيره: المودة حالة حاجة نفسه إليها، والرحمة حالة حاجة صاحبته إليه، وقد تفضي المودة إلى مجرد الرحمة وذلك إذا خرجت عن محل الشهوة بكبر أو مرض، أو خرج عن إمكان رعاية حقها بكبر أو زمانة أو فقر. قال بعضهم: المودة والرحمة بعصمة الزواج من غير سابقة معرفة وقرابة وهي من قبل الله، والفرك من قبل الشيطان {إن في ذلك} الخلق والجعل {لآيات لقوم يتفكرون} فخلق الإنسان من الوالدين آية، وجعل أحدهما ذكراً والآخر أنثى آية، وخروج الولد الضعيف من الموضع الضيق آية، وجعل التوادد بين الزوجين من غير صلة رحم آية ولما ذكر دلائل الأنفس أتبعها دلائل الآفاق وأعظمها خلق السموات والأرض، فإن خلق المركبات قد يسنده بعض الجهلة إلى ما في العناصر من الكيفيات وإلى ما في السموات من الحركات والاتصالات، وأما السماء والأرض فلا يجد بداً من أن يقول: إنهما بقدرة الله تعالى. ثم عاد إلى ذكر أحوال الأنفس ومن جملتها اختلاف الألسنة لا جرمها، فإن التباين بين أجرامها ليس يبلغ إلى حد يعد آية بل وصفها وهو النطق وتقطيع الأصوات اللذان بهما يمتاز بعض الأصناف والأشخاص عن بعض، واختلاف الألوان والحلي فبذلك يقع التفاوت ويرتفع الاشتباه، فحس البصر يدرك اختلاف الصور وحَسن السمع يدرك اختلاف الأصوات وأما اللمس والشم والذوق فلا حكم ظاهراً لها في باب التمييز بين الأشخاص الإنسانية. وحيث ذكر بعض العرضيات اللازمة أراد أن يذكر الأعراض المفارقة بعضها فقال {ومن آياته منامكم} قال جار الله: هذا من باب اللف والنشر وتقدير الكلام. ومن آياته منامكم بالليل وابتغاؤكم من فضله بالنهار ليكون موافقاً لما جاء في مواضع آخر كقوله{أية : وجعلنا الليل لباساً وجعلنا النهار معاشاً}تفسير : [النبأ: 10 - 11] وقدم المنام على الابتغاء لأن الاستراحة مطلوبة لذاتها والطلب لا يكون إلا لحاجة قال: وإنما فصل بين القرينتين الأوليين بالقرينتين الآخريين لأنهما زمانان، والزمان والواقع فيه كشيء واحد مع إعانة اللف على الاتحاد يعني كأنه لم يعطف النهار على الليل والابتغاء على المنام. وجوز أن يراد منامكم بالليل والنهار وابتغاؤكم من فضله بالليل والنهار، فان الإنسان كثيراً ما ينام بالنهار ويكسب بالليل. وفي اقتران الفضل بالابتغاء إشارة إلى أن العبد ينبغي أن لا يرى الرزق من نفسه وبحذقه بل يرى كل ذلك من فضل ربه. ثم أشار إلى عوارض الآفاق فقال {ومن آياته يريكم} فأضمر "أن" واسكن الياء بعد حذفها وإنزال الفعل منزلة المصدر كما في المثل السائر "تسمع بالمعيدي خير من أن تراه" قيل: لما كان البرق من الأمور التي تتجدد زماناً دون زمان ذكره بلفظ المستقبل ولم يذكر معه "أن" وقيل: ومن آياته كلام كافٍ كما تقول: منها كذا ومنها كذا. وتسكت تريد بذلك الكثرة: وقيل: أراد ويريكم من آياته البرق. وانتصاب {خوفاً وطمعاً} كما مر في "الرعد" ثم ذكر بعض لوازم الآفاق قائلاً {ومن آياته أن تقوم السماء والأرض بأمره} فقيام السموات والأرض استمساكهما بغير عمد، ومن نسب ذلك إلى الطبيعة فلا بد أن يستند الطبع إلى واجب لذاته وأمره أن يقول لهما كونا كذلك نظيره قوله {أية : إن الله يمسك}تفسير : [ فاطر: 41] إلى قوله {أية : من بعده} تفسير : [فاطر: 41] واعلم أن الأمر عند المعتزلة موافق للإرادة، وعند الأشاعرة ليس كذلك. ولكن النزاع في الأمر الذي هو للتكليف لا الذي للتكوين، فإن قوله {أية : كن فيكون} تفسير : [يس: 82] موافق للإرادة بالتفاق. قال جار الله: قوله {إذا دعاكم} بمنزلة قوله {يريكم} في إيقاع الجملة موقع المفرد على المعنى كأنه قال: ومن آياته قيام السموات والأرض، ثم خروج الموتى من القبور إذا دعاكم مرة واحدة يا أهل القبور اخرجوا والمراد سرعة الخروج من غير توقف وإلا فلا أمر ظاهراً. أو أراد نداء الملك والأرض مكان المدعو على التقديرين لا الداعي إذ لا مكان لله مطلقاً ولا للملك في جوف الأرض. نعم، لو كان المراد أن الملك يدعوهم وهو على وجه الأرض جاز. ومعنى "ثم" عظم ما يكون من ذلك الأمر وتهويل لتلك الحالة، وإذا الأولى للشرط، والثانية للمفاجأة نائبة مناب الفاء. واعلم أنه تعالى ذكر في كل باب أمرين: أما من الأنفس فخلق البشر ثم خلقهم زوجين، وأما من الآفاق فخلق السموات والأرض. ومن لوازم الإنسان اختلاف اللسان والألوان، ومن عوارضه المنام والابتغاء، ومن عوارض الآفاق البروق والأمطار، ومن لوازمها قيام السماء والأرض. والواحد يكفي للإقرار بالحق، إلا أن الثاني يجري مجرى الشاهد الآخر. وراعى في تعداد العرضيات لطيفة، بدأ باللوازم وختم باللوازم وذلك أن الإنسان متغير الحال، فالأحوال اللازمة له أغرب والأفلاك ثابتة بالنسبة إلى الإنسان فعوارضها أغرب، وبدأ في كل باب بما هو أعجب، وإنما ختم الآية الأولى بقوله {إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون} لأن الفكر يؤدي إلى الوقوف على المعاني المقتضية للإنس والسكون وعلى دقائق صنع الله في خلق الإنسان وبثهم في الأرض، أو نقول: إن من الأشياء ما يعلم بمجرد الفكر كدقائق حكمة الله في خلق الإنسان، لأن أقرب الأشياء إلى الإنسان هو ذاته فلذلك قال هنالك {لقوم يتفكرون} ومنها ما يعلم من غير تجشم فكر كالاستدلال على قدرة الله بخلق السماء والأرض، واختلاف ألسنة الناس وألوانهم، فإن الكل تظلهم السماء وتقلهم الأرض. وكل واحد منفرد بلطيفة في صورته يمتاز بها عن غيره، ولهذا يشترك في معرفتها الناس جميعاً فلهذا قال {لآيات للعالمين} ومن حمل اختلاف الألسن على اللغات اختلاف الألوان على البياض والسواد والصفرة والسمرة، فالاشتراك في معرفتها أيضاً ظاهر. ومن قرأ {للعالمين} بكسر اللام فقد أحسن، فبالعلم يمكن الوصول إلى معرفة ما سبق ذكره، ومن الأشياء ما يحتاج الفكر فيه إلى إعانة مرشد كالمنام والابتغاء فإنهما لزوالهما في بعض الأوقات قد يرفعان لوازمهما فلهذا قال {لقوم يسمعون} ويجعلون بالهم إلى كلام المرشد، ومن هنا ذهب بعضهم إلى أن معنى {يسمعون} ههنا يستجيبون لما يدعون إليه، ثم إن حدوث الولد من الوالدين كالأمر المطرد العادي فكان الولد يمكن أن يسبق إلى الوهم إسناده إلى الطبيعة فأمر هنالك بالفكر. وأما البرق والمطر فليس أمراً عادياً ولذلك يختلف بالشدة والضعف وبحسب الأوقات والأمكنة فالعقل الصحيح يجزم بأن من فعل الفاعل المختار فلذلك قال {لقوم يعقلون} وقيل: إن العقل ملاك الأمر وهو المؤدي إلى العلم فوقع الختم عليه. وحين فرغ من تعداد الآيات وكان مدلولها الوحدانية التي هي الأصل الأول والقدرة على الحشر التي هي الأصل الآخر أكد الأول بقوله {وله من في السموات والأرض كل له قانتون} مطيعون منقادون وأكد الأصل الآخر بل كلا الأصلين بقوله {وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو} يعني أن يعيده {أهون عليه} أي في نظركم وعند معقولكم وإلا فلا صعوبة في الإبداء أصلاً حتى يقع التفضيل على حده. وإنما أخرت الصلة ههنا وقدمت في قوله في سورة مريم {أية : وهو علي هين}تفسير : [مريم: 9] لأنه قصد هناك الاختصاص يعني أن خلق الولد بين هرم وعاقر لا يهون إلا علي، ولا معنى للاختصاص ههنا فإن الأمر مبني على المعقول بين الآدميين من ان المعاد أهون من المبدأ ولهذا قيل: أول الغزو أخرق. وليس الدخيل في أمر كالناشئ عليه. ومن الدليل العقلي على هذا المطلوب أن الإبداء خلق الأجزاء وتأليفها، والإعادة تأليف فقط، ولا شك أن أمراً واحداً أهون من الأمرين ولا يلزم منه أن يكون في الأمرين صعوبة فإن من قال: الرجل القوي يقدر على حمل شعيرة من غير صعوبة وسلم السامع له ذلك فإذا قال فلان لا يتعب من حمل خردلة وإن حمل خردلة أهون عليه. كان كلاماً معقولاً وقد أجرى الزجاج قوله {وهو أهون عليه} مجرى المثل فيما يصعب ويسهل. وفسر به قوله {وله المثل الأعلى} يعني هذا مثل مضروب لكم في الأرض وله المثل الأعلى من هذا المثل ومن كل مثل يضرب في السموات فيما بين الملائكة. وعن ابن عباس: أراد أن فعله وإن شبهه بفعلكم ومثله به لكنه ليس كمثله شيء فله المثل الأعلى وقال جار الله: المثل الوصف أي له الوصف الأعلى الذي ليس لغيره مثله قد عرف به ووصف في السموات والأرض على ألسنة الخلائق وألسنة الدلائل، وهو أنه القادر الذي يقدر على الخلق والإعادة، العليم الذي لا يعزب عن علمه شيء فلا يصعب عليه جمع الأجزاء بعد تفرّقها على الوجه الذي يقتضيه التدبير ولهذا ختم الاية بقوله: {وهو العزيز الحكيم} وعن مجاهد: المثل الأعلى وصفه بالوحدانية وهو قوله "لا إله إلا الله" وقد ضرب لذلك مثلاً. ومعنى {من انفسكم} أنه أخذ مثلاً وانتزعه من أقرب شيء منكم وهي أنفسكم و"من" للابتداء وفي قوله {مما ملكت أيمانكم} للتبعيض، والثالثة مزيدة لتأكيد الاستفهام الجاري مجرى النفي. والمعنى هل ترضون لأنفسكم أن يكون لكم شركاء من بعض عبيدكم يشاركونكم فيما رزقناكم من الأموال والأملاك {فأنتم} يعني بسبب ذلك أنتم أيها السادات والعبيد في ذلك المرزوق {سواء} من غير تفضيل وففضل للأحرار على العبيد {تخافونهم} أن تستبدوا بتصرف دونهم {كخيفتكم أنفسكم} أي كما يهاب بعضكم بعضاً من الأحرار. والحاصل أن من يكون له مملوك لا يكون شريكاً له في ماله ولا يكون له حرمة كحرمة سيده فكيف يجوز أن يكون عباد الله شركاء له أو شفعاء عنده بغير إذنه؟ وكيف يجوز أن يكون لهم عظمة مثل عظمة الله حتى يعبدوا كعبادته على أن مملوككم ليس مملوكاً لكم في الحقيقة ليس إلا اختصاص المبايعة، ولهذا لا حكم لهم عليهم بالقتل والقطع وبالمنع من الفرائض وقضاء الحاجة والنوم. وقد يزول الاختصاص بالبيع والعتق ومملوك الله لا خروج له من ملكه بوجه من الوجوه وفي قوله {فيما رزقناكم} إشارة إلى أن الذي هو لكم ليس في الحقيقة لكم وإنما الله استخلفكم فيه ورزقكموه من فضله {كذلك} أي مثل هذا التفصيل والتبعيد للتعظيم أو لدخوله في حيز الذكر أو المضي {نفصل الآيات} نبينها {لقوم يعقلون} لأن التمثيل إنما يكشف المعاني لأرباب العقول. ثم شوه صورة الشرك بقوله {بل اتبع الذين ظلموا} أي اشركوا {أهواءهم بغير علم} فهوى العالم ربما يتبدل بالهدى وأما الجاهل فإنه هائم في هواه كالبهائم لا يرجى ارعواه يؤكده قوله {فمن يهدي من اضل الله وما لهم من ناصرين} والإضلال ههنا لا يخفى أن الأشاعرة يحملونه على خلق الضلال في المكلف، والمعتزلة يحملونه على الخذلان ومنع الألطاف وقد تقدم مراراً. ثم قال لرسوله ولأمته تبعية إذا تبين الحق وظهرت الوحداينة {فأقم وجهك للدين} أي سدده نحوه غير مائل إلى غير من الأديان الباطلة {فطرت الله} أي الزموها أو عليكم بها. قال جار الله: إنما اضمرته على خطاب الجماعة لقوله {منيبين} وهو حال منهم ولأن الأمر والنهي بعده معطوفان عليه لكنك قد عرفت في الوقوف أن هذا التقدير غير لازم وعلى ذلك يحتمل أن يقدر الزم أو عليك أو أخص أو اريد واشباه ذلك. وفطرة الله هي التوحيد الذي تشهد به العقول السليمة والنظر الصحيح كما جاء في الحديث النبوي "حديث : كل مولود يولد على الفطرة حتى يكون أبواه هما اللذان يهودانه وينصرانه". تفسير : ويحتمل أن تكون الفطرة إشارة إلى أخذ الميثاق من الذر. وقوله {لا تبديل لخلق الله} نفي في معنى النهي أي لا تبدلوا خلقه الذي فطلكم عليه لكن الإيمان الفطري غير كافٍ. وقيل: هو تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم حيث لم يؤمن قومه فكأنه قال: إنهم أشقياء ومن كتب شقياً لم يسعد. وقيل: أراد أن الخلق لا خروج لهم عن عبوديته بخلاف مماليك الإنسان فإنهم قد يخرجون من ايديهم بالبيع والعتق. وفيه فساد قول من زعم أن العبادة لتحصيل الكمال فإذا كمل العبد لم يبق عليه تكليف، وفساد قول الصابئة وبعض أهل الشك أن الناقص لا يصلح لعبادة الله ونما الإنسان عبد الكواكب والكواكب عبيد الله، وفساد قول النصارى والحلولية أن الله يحل في بعض الأشخاص كعيسى وغيره فيصير إلهاً. ومعنى {فرقوا دينهم وكانوا شيعاً} قد مر في آخر "الأنعام" وأنهم فرق كل واحدة تشايع إمامها الذي أضلها وقال أهل التحقيق: بعضهم يعبد الدنيا وبعضهم يعبد الهوى وبعضهم يريد الجنة وبعضهم يطلب الخلاص من النار. ومعنى {كل حزب بما لديهم فرحون} قد مر في "المؤمنين" وجوز جار الله أن يكون {من الذين} منقطعاً عما قبله {وكل حزب} مبتدأ و {فرحون} صفة كل ومعناه من المفارقين دينهم كل حزب بصفة كذا والله أعلم. التأويل: الألف ألفة طبع المؤمنين، واللام لوم طبيعة الكافرين، والميم مغفرة رب العالمين، فمن اللفة أحبوا أهل الكتاب، ومن اللوم أبغضهم الكافرون، ومغفرة رب العالمين شملت الفريقين حتى قال {أية : إن الله يغفر الذنوب جميعاً}تفسير : [الزمر: 53] إلا أن يكون هناك مخصص. ثم أشار إلى أن حال أهل الطلب يتغير بتغير الأوقات فيغلب فارس النفس روم القلب تارة وسيغلب روم القلب فارس النفس بتأييد الله ونصره {في بضع سنين} من أيام الطلب {ويومئذ يفرح المؤمنون} وهم الروح والسر والعقل. {أولم يتفكروا} {في} استعداد {أنفسهم ما خلق الله السموات} الروحانية {والأرض} النفسانية إلا ليكون مظهراً للحق ولأجل مسمى بالصبر والثبات في تصفية مرآة القلوب عن صدا الأوصاف الذميمة النفسانية. والأجل المسمى هو أوان صفاء القلب متوجهاً إلى الحق {أولم يسيروا} في أرض البشرية بالسلوك لتبديل الأخلاق {والذين من قبلهم} هم الفلاسفة والبراهمة المعتمدون على مجرد البراهين من غير اعتبار الشرائع. والسوأى هي أن صاروا أئمة الكفر والضلال {الله يبدؤا الخلق} بتصيير النفس متعلقة بالقالب {ثم يعيده} بطريق السير والسلوك والعبور عن المنازل والمقامات إلى عالم الأرواح {ثم إليه ترجعون} بجذبة {أية : ارجعي}تفسير : [الفجر: 28] {ويوم تقوم الساعة} الإرادة {يبلس المجرمون} بتضييع الأوقات في طلب ما سوى الله. ويوم تقوم الساعة قيامة العشق يومئذ تتفرق المحبون، فبعضهم يطلب الجنة، وبعضهم يطلب الوصلة، وبعضهم يريد الوحدة {فسبحان الله} حين تغلبون على ليل نيل الشهوات وحين صباح نهار تجلي شموس الوصال، وله الحمد إن كنتم في سموات القربات أو أرض البعد والغفلات، وسبحانه في عشاء غشاء القساوة وفي حالة استواء شمس المعرفة في وسط سماء القلب، فإن الربح الخسران في كلتا الحالتين راجع إلى الطائفتين والله منزه عن العالمين. يخرج القلب الحي بنور الله من النفس الميتة في ظلمات صفاتها إبرازاً للطفه، ويخرج القلب الميت عن الأخلاق الحميدة من النفس الحية بالصفات الحيوانية، إظهاراً لقهره، ويحيي أرض القلوب بعد موتها وكذلك تخرجون بدأ وإعادة. فمن آياته خلق سموات القلوب وأرض النفوس، واختلاف ألسنة القلوب وألسنة النفوس، فلسان القلب يتكلم بلغة العلويات، ولسان النفس يتكلم بلغات السفليات {واختلاف ألوانكم} وهي الطبائع المختلفة. منكم منيريد الدنيا، ومنكم من يريد الآخرة ومنكم من يريد الله {ومن آياته منامكم} في ليل البشرية {وابتغاؤكم من فضله} في نهار الروحاينة والمكاشفات الربانية {لقوم يسمعون} كلام الله من شجرة الوجود، ويريكم بروق شواهد الحق ثم اللوامع ثم الطوالع. فتلك الأنوار ترى شهوات الدنيا نيراناً فيخاف منها، وترى مكاره التكاليف جناناً فيطمع فيها. أن تقوم سماء النفس وارض القلب بأمره لأن الروح من أمره {ثم إذا دعاكم} بجذبة {أية : ارجعي}تفسير : [الفجر: 28] {إذ أنتم} يعني النفس والقلب والروح {تخرجون} من أنانيته وجودكم {وهو أهون عليه} لأنه في البداية كان مباشراً بنفسه وفي الإعادة يكون المباشر إسرافيل بنفخه، والمباشرة بنفس الغير في العمل أهون من المباشرة بنفسه عند نظر الخلق. ويحتمل أن يكون أهون من الهون بالضم وهو الذلة والضمير للخلق، وذلك أنهم في البداية لم يكونوا ملوثين بلوث الحدوث، ولا مدنسين بأدناس الشرك والمعاصي، فلعزتهم في البداية باشر خلقهم بنفسه، ولهونهم في الإعادة باشرهم بغيره، {وله المثل الأعلى} فيما أودع من الآيات في سموات الأرواح وأرض القلوب. {ضرب لكم} أي للروح والقلب والسر والعقل {مما ملكت أيمانكم} من الأعضاء والجوارح والحواس والقوى {فيما رزقناكم} من العلوم والكشوف {تخافونهم} أن لا يضيعوا شيئاً من المواهب بالتصرفات الفاسدة {كخيفتكم أنفسكم} اي كخيفة الروح من القلب أن لا يضيع شيئاً منها بأن يصرفها في غير موضعها رياء وسمعة وهوى، أو كخيفة القلب من السر والعقل بأن يصرفها فيما يفسد العقائد ويوقع في الشكوك. فكما لا يصلح هؤلاء لشركتكم فكذلك لا تصلحون أنتم لشركتي إذا تجليت عليكم، فدعوى الاتحاد والحلول باطلة والكبرياء ردائي لا غير.

الثعالبي

تفسير : قوله تعالى: {الۤـمۤ * غُلِبَتِ ٱلرُّومُ} قرأ الجمهور: «غُلبت» ـــ بضم الغين، ـــ وقالوا: معنى الآية: أنه بلغ أهلَ مكةَ أنّ الملكَ كِسْرَى هَزمَ جَيْشَ الروم بأذْرِعَاتٍ؛ وهي أدنى الأرض إلى مكة؛ قاله عكرمة. فَسُرَّ بذلك كفارُ مكةَ فبشر اللّه تعالى المؤمنين بأن الرومَ سيَغْلِبونَ في بضْعِ سنين، فخرج أبو بكر رضي اللّه عنه إلى المسجد الحرام؛ فقال للكفار: أسركم أن غُلِبَتِ الرُّوم؟ فإن نبيَّنا أخبرنا عن اللّه تعالى: أنهم سَيغْلبون في بضع سنين، فقال له أُبَيُّ بن خلف وأخوه أمية بن خلف: يا أبا بكر: تعالَ فَلْنَتَنَاحَبْ، أي: نتراهنْ في ذلك، فراهنهم أبو بكر على خمس قلائص، والأجل ثلاث سنين، وذلك قبل أن يحرم القِمار, فأخبر النبيُّ صلى الله عليه وسلم بذلك؛ فقال له: إن البضع إلى التسع، ولكن زِدْهم في الرهن؛ واستزدهم في الأجل، ففعل أبو بكرٍ، فجعلوا القلائصَ مائةً، والأجل تسعةَ أعوامٍ، فَغَلَبَتْ الرومُ فارسَ فِي أثْنَاءِ الأَجَلِ يوم بدر ورُوِيَ أن ذلك كان يوم الحُدَيْبِية، يوم بيعة الرضوان؛ وفي كلا اليومين كان نصرٌ من اللّه تعالى للمؤمنين، وذكر الناسُ سرورَ المؤمنين بغلبةِ الروم؛ من أجل أنهم أهل كتاب، وفرحت قريشٌ بغلبة الفرسِ؛ من أجل أنهم أهل أوثان. ونحوه من عبادة النار. وقوله تعالى: {لِلَّهِ ٱلأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ}. أي: له إنفاذ الأحكام من قبل ومن بعد هذه الغلبةِ التي بين هؤلاء؛ ثم أخبر تعالى أن يوم غلبة الروم للفرس يفرح المؤمنون بنصر اللّه، {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} يريدُ: كُفَّارَ قريش والعرب، أي: لا يعلمون أن الأمور من عند اللّه، وأن وعده لا يُخْلَفُ، وأن ما يورده نبيُّه حق. قال * ع *: وهذا الذي ذكرناه عُمْدَةُ ما قيل. ثم وصف تعالى الكفرةَ الذين لا يعلمون أمر اللّه وصِدْقَ وعدِه بأنهم إنما: {يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِّنَ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ ٱلأَخِرَةِ هُمْ غَـٰفِلُونَ}، قال صاحب «الكلم الفارقية»: الدنيا طَبَقٌ مسموم، لا يعرف ضرره إلا أربابُ الفهوم. قوةُ الرغبة في الدنيا علامة ضعفها في الآخرة. بحسب انصرافُ الرغبةِ إلى الشيء، يجدُّ الراغبُ في طلبه، وتتوفَّرُ دواعيه على تحصيلهِ. المطلوبات تُظهر وتبيِّنُ أقدارَ طُلاَّبها؛ فمن شَرُفَتْ همَّتُهُ شَرُفَتْ رغبته؛ وعزت طلبته. يا غافل، سكر حبك لدنياك؛ وطول مُتابعتِكَ لَغاوِي هواك - أنساك عظمةَ مولاك؛ وَثَنَاكَ عن ذكره وألهاك؛ وَصَرَفَ وجه رغبتك عن آخرتك إلى دنياك. إنْ كنت من أَهل الاستِبْصَار، فألقِ ناظرَ رغبتك عن زخارف هذه الدار؛ فإنها مجمعُ الأكدار، ومنبَعُ المضار؛ وسِجْنُ الأَبرار؛ ومجلس سرور الأشرار. الدنيا كالحيةِ تجمع في أنيابها؛ سُمُومَ نَوَائِبِها؛ وتفرغه في صميمِ قلوب أبنائها، انتهى. قال عياض في الشفا: قال أبو العباس المبرِّد ـــ رحمه اللّه ـــ قَسَّم كِسرى أيامَه؛ فقال: يَصْلُحُ يَوْمَ الريح للنوم، ويومُ الغَيْم للصيد، ويوم المطر للشُّرْب واللهو، ويوم الشمس للحوائج. قال ابن خَالَوَيْهِ: ما كان أعرفَهم بسياسة دنياهم، {يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِّنَ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ ٱلأَخِرَةِ هُمْ غَـٰفِلُونَ}، لكنْ نبينَا محمداً صلى الله عليه وسلم جزأها ثلاثةَ أجزاء: جزءاً للَّه تعالى، وجزءاً لأهله، وجزءاً لنفسه. ثم جزَّأ جزءه بينه وبين الناس؛ فكان يستعين بالخاصة على العامة؛ وَيَقُولُ: أَبْلِغُوا حَاجَةَ مَنْ لاَ يَسْتَطِيعُ إبْلاَغِي؛ فَإنَّهُ مَنْ أَبْلَغَ حَاجَةَ مَنْ لاَ يَسْتَطِيعُ، أَمَّنَهُ اللّهُ يَوْمَ الفَزَعِ الأَكْبَرِ، انتهى. والمؤمن المنهمك في أمور الدنيا التي هي أكبر همه، يأخذ من هذه الآيةِ بحظٍّ. نوَّر اللّهُ قلوبَنا بهداه. * ت *: قد تقدم ما جاء في الفكرة في «آل عمران». قال ابن عطاء اللّه: الفكرة سراج القلب؛ فإذا ذهبت فلا إضاءة له. وقال: ما نفع القلبَ شيءٌ مثلُ عُزْلَةٍ يدخل بها ميدانَ فكرة، انتهى وباقي الآية بَيِّن.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {الۤـمۤ غُلِبَتِ ٱلرُّومُ} وجه تعلق هذه السورة بما قبلها أن الله تعالى لما قال: {أية : وَلاَ تُجَادِلُوۤاْ أَهْلَ ٱلْكِتَابِ إِلاَّ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} تفسير : [العنكبوت: 46] وكان يجادل المشركين بنسبتهم إلى عدم العقل كما في قوله: {أية : صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ}تفسير : [البقرة: 18] وكان أهل الكتاب يوافقون النبي والإله كما قال: {أية : وَإِلَـٰهُنَا وَإِلَـٰهُكُمْ وَاحِدٌ}تفسير : [العنكبوت: 46] وكانوا يؤمنون بكثير مما يقوله، بل كثير منهم كانوا مؤمنين (به) كما قال: {أية : فَٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ}تفسير : [العنكبوت: 47] أبغض المشركون أهل الكتاب وتركوا مراجعتهم وكانوا من قبل يراجعونهم في الأمور، وكان بين فارس والروم قتال والمشركون يودون أن تغلب فارس الروم لأن أهل فارس كانوا مجوساً آمنين، والمسلمين يَودُّون غلبة الروم على فارس لكونهم أهل كتاب فبعث "كسرى" جيشاً إلى الروم واستعمل عليهم رجلاً (يقال له: شهريار وبعث "قيصر" جيشاً واستعمل عليهم) رجلاً يدعى يحانس، فالتقيا باذْرِعاتَ، وبُصْرَى، وقال عكرمة: هي أذرعات وكسكر، وقال مجاهد: أرض الجزيرة، وقال مقاتل: الأردن وفلسطين وهي أدنى الشام إلى أرض العرب والعجم فغلبت فارس الروم فبلغ ذلك المسلمين بمكة، فشق ذلك عليهم وفرح به كفار مكة وقالوا للمسلمين: إنكم أهل الكتاب والنصارى أهل كتاب ونحن أمّيُّون وقد ظهر إخواننا من أهل فارس على إخوانكم من الرُّوم وإنكم إن قاتلتمونا لنَظْهَرَنَّ عليكم فأنزل الله هذه الآيات لبيان أن الغلبة لا تدل على الحق بل الله قد يريد في ثواب المؤمنين من يبتليه، ويسلط عليه الأعادي، وقد يختار تعجيل العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر قبل يوم الميعاد. فصل قد تقدم أن كل سورة افْتُتِحَتْ بحروف التَّهَجِّي فَإِن في أولها ذكرَ الكتاب أو التنزيلَ أو القرآنَ، كقوله: {الۤـمۤ. ذلك الكتاب} {المص. كتاب} {طه ما أنزلنا عليك القرآن} {الۤـمۤ. تنزيل الكتاب} {حم. تنزيل من الرحمن الرحيم} {يس. والقرآن} {ق. والقرآن} إلا هذه السورة وسورتين أخريين ذكرناهما في العنكبوت، وذكرنا الحكمة منهما هناك. وأما ما يتعلق بهذه السورة فنقول: إن السورة التي في أوائلها التنزيل والكتاب والقرآن في أوائلها ذكر ما هو معجزة فقدمت عليها الحروف على ما تقدم بيانه في العنكبوت، وهذه في أوائلها ذكر ما هو معجز وهو الإخبار عن الغيب، فقدمت الحروف التي لا يعلم معناها ليتنبه السامع فيقبل بقلبه على الاستماع لما ترد عليه المعجزة ويفزع للاستماع. قوله: {فِيۤ أَدْنَى ٱلأَرْضِ} زعم بعضهم أن "أل" عوض عن الضمير، وأن الأصل "فِي أَدْنَى أرْضهم" وهو قول كُوفي، وهذا على قول إن الهرب كان من جهة بلادهم، وأما من يقول: إنه من جهة بلاد العرب فلا يتأتى ذلك. وقرأ العامة "غُلِبَتْ" مبنياً للمفعول، وعلي بن أبي طالب وأبو سعيد الخُدْري وابن عمر وأهل الشام ببنائه للفاعل. قوله: {وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ} أي الروم من بعد غلب فارس إِيَّاهم. والغَلَبُ. والغَلَبَةُ "لُغْتَانِ" فعلى القراءة الشهيرة يكون المصدر مضافاً لمفعوله. ثم هذا المفعول إما أن يكون مرفوع المحل على أن المصدر المضاف إليه مأخوذ من مبني (للمفعول) على خلاف في ذلك. وإما منصوب المحل على أن المصدر من مبني للفاعل، والفاعل محذوف تقديره: من بعد أن غلبهم عدوهم وهم فارس، وأما على القراءة الثانية فهو مضاف لفاعله. قوله: "سَيَغْلِبُونَ" خبر المبتدأ، و {مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ} متعلق به، والعامة - بل نقل بعضهم الإجماع - على سيغلبون مبنياً للفاعل، فعلى الشهيرة واضح أي من بعد أن غلبتهم فارس سيغلبون فارس، وأما على القراءة الثانية فأخبر أنهم سيغلبون ثايناً بعد أن غلبوا أولاً، وروي عن ابن عمر أنه قرأ ببنائه للمفعول. وهذا مخالف لما ورد في سبب الآية، وما ورد في الأحاديث، وقد يلائم هذا بعض ملاءمة من قرأ "غَلَبَتْ" مبنياً للفاعل، وقد تقدم أن ابن عمر ممن قرأ (بذلك). وقد خرج النحاس قراءة عبد الله بن عُمَر على تخريج حسنٍ، وهو أن المعنى: وفارس من بعد غلبهم للروم سيغلبون إلا أن فيه إضمار ما لم يذكر ولا جرى سبب ذكره. قوله: {فِي بِضْعِ سِنِينَ} متعلق بما قبله، وتقدم تفسير البضع واشتقاقه في "يُوسُفَ". وقال الفراء: الأصل في غلبهم غلبتهم بتاء التأنيث فحذلت للإضافة كإقام الصلاة, وغلطة النحاس بأن إقام الصلاة قد يقال فيها ذلك لاعتلالها, وأما هنا فلا ضرورة تدعو إليه، وقرأ ابن السَّمَيفَع وأبو حيوة غلبهم فيحتمل أن يكون ذلك تخفيفاً شاذّاً، وأن يكون لغة في المفتوح كالظَّعَنِ والظَّعْنِ. فصل قوله: {فِيۤ أَدْنَى ٱلأَرْضِ} أي أرض العرب، لأن الألف واللام للعهد، والمعهود عندهم أرضهم. فإن قيل: أي فائدة في ذكر قوله: {مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ} لأن قوله: "سيغلبون" بعد قوله: "غلبت الروم" لا يكون إلا من بعد الغلبة؟ فالجواب: فائدته إظهار القدرة وبيان أن ذلك بأمر الله لأن من غلب بعد غلبه لا يكون إلا ضعيفاً فلو كان غلبتهم بشوكتهم لكان الواجب أن يغلبوا قبل غلبهم فإذا غلبوا بعد ما غلبوا دل عليه أن ذلك بأمر الله (فقال) من بعد غلبهم فيتفكروا في ضعفهم ويتذكروا أنه ليس بقوتهم وإنما ذلك بأمر هو من الله، وقوله: في أدنى الأرض لبيان شدة ضعفهم أي انتهى ضعفهم إلى أن وصل عدوهم إلى طرف الحجاز وكسروهم وهم في بلادهم ثم غلبوا حتى وصلوا إلى المدائن وبنوا هناك "الرومية" لبيان أن هذه الغلبة العظيمة بعد ذلك الضعف العظيم بإذن الله تعالى. فصل قال: {فِي بِضْعِ سِنِينَ} وهو ما بين الثلاثة والعشرة فأبهم الوقت مع أن المعجزة في تعيين الوقت أتم لأن السنة والشهر واليوم والساعة كلها معلومة عند الله وبينها لنبيه، وما أذن له في إظهاره لأن الكفار كانوا معاندين والأمور التي تقع في البلاد النائية تكون معلومة الوقوع بحيث لا يمكن إنكارها لكن وقتها يمكن الاختلاف فيه فالمعاند كان يتمكن من أن يرجف بوقوع الواقعة قبل الوقوع ليحصل الخلاف في كلامه، ولَمَّا نزلت الآية خرج أبو بكر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - إلى الكفار فقال: فرحتم بظهور إخوانكم فلا تفرحوا فواللَّه لتَظْهَرَنَّ الرُّوم على فارسَ أخبرنا بذلك نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - فقام إليه أُبَيُّ بن خلف الجُمَحِيّ فقال: كَذَبْتَ فقال: أنت أكذبُ يا عدوَّ اللَّهِ (فقال اجعل بيننا) أجلاً أناحبك عليه، والمناحبة المراهنة على عشر قلائص مني وعشر قلائص منك فإن ظهرت الروم على فارس غرمت وإن ظهرت فارس غرمت، وجعلوا الأجل ثلاث سنين فجاء أبو بكر إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فأخبره بذلك، وذلك قبل تحريم القُمَار، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ما هكذا ذكرت إنما البضع ما بين الثلاث إلى التسع فزايده في الخطر، وماده (في الأجل) فجعلها مائة قلوص، إلى تسع سنين، وقيل: إلى سبع سنين قال: قد فعلت وهذا يدل على علم النبي - صلى الله عليه وسلم - بوقت الغَلَبَةِ ثم إنّ أبيّ بْنَ خلف خَشِيَ أن يخرج أبو بكر من مكة فأتاه ولزمه وقال (أبيّ): أخاف أن تخرج من مكة فأقم لي كفيلاً فكفل له ابن عبد الله بن أبي بكر، فلما أراد أبي بن خلف أن يخرج إلى أحد رآه عبد الله بن أبي بكر فلزمه وقال: والله لا أدَعُكَ حتى تُعْطِيَنِي كفيلاً فأعطاه، ثم خرج إلى أحد ثم رجع أبي بن خلف فمات بمكة من جراحته التي جرحه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين بارزه وظهرت الروم على فارس يوم الحديبية، وذلك عند رأس سبع سنين من مناحبتهم.وقيل: كان يوم بدر، قال الشعبي: لم تَمْض تلك المدة التي عقدوا المانحبة بينهم أهل مكة وصاحب قمارهم أبي بن خلف والمسلمون وصاحب قمارهم أبو بكر الصديق، وذلك قبل تحريم القمار حتى غلبت الروم فارس، وربطوا خيولهم بالمدائن وبنوا الرومية فقمر أبو بكر أبيّاً، وأخذ مال الخطر من ورثته، وجاء به يحمله إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - تصدق به. قوله: {مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ} العامة على بنائها ضمّاً لقطعهما على الإضافة وإرادتهما أي من قَبْلِ الغَلَبِ ومِن بَعْدِهِ أو من قبل كل أمر ومن بعده، وإنما بني على الضم لما قطعت عن الإضافة لأن غير الضمة من الفتح والكسرة تشبيه بما يدخل عليهما وهو النصب والجر، أما النصب ففي قولك: "جِئْتُ قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَهُ". وأما الجر ففي قولك: "من قبلِه ومن بَعْدِه" فبني عليه لعدم دخول مثلها عليه في الإعراب وهو الرفع، وحكى الفراء كسرها من غير تنوين. وغلطه النحاس وقال: إنما يجوزُ من قبل ومن بعد يعني مكسوراً منوناً، قال شهاب الدين: وقد قرىء بذلك ووجهه أنه لم ينو إضافتهما فَأَعْرَبَهُمَا كقوله: شعر : 4033 - فَسَـاغَ لِـيَ الشَّـرَابُ وَكُنْـتُ قَبْـلاً أَكَــاد أَغُــصُّ بِالمَــاءِ القُــرَاحِ تفسير : وقوله: شعر : 4034 - وَنَحْـنُ قَتَلْنَـا الأُسْـدَ أُسْـدَ خَفِيَّـة فَمَـا شَرِبُـوا بَعْـداً عَلَى لـذَّةٍ خَمْــرَا تفسير : وحكي من قبل بالتنوين والجر ومن بعدُ بالبناء على الضم. وقد خرج بعضهم ما حكاه الفراء على أنه قدر أن المضاف إليه موجود فترك الأول بحاله وأنشد: شعر : 4035 - ......................... بَيْـنَ ذِرَاعَـيْ وَجَبْهَـةِ الأَسَــدِ تفسير : والفرق لائح، فإن في اللفظ مثل المحذوف على خلاف في تقدير البيت أيضاً. (فصل) وعلى قراءة عبد الله بن عمر، وأبي سعيد الخدري، والحسين، وعيسى بن عمر غَلَبَتِ الروم بفتح الغين واللام سيُغْلَبون بضم الياء وفتح اللام. قالوا: نزلت حين أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - عن غلبة الروم فارساً في أدنى الأرض (إليكم) وهم من بعد غلبهم سيغلبون المسلمين في بضع سنين وعند انقضاء هذه المدة أخذ المسلمون في جهاد الروم والأول قول أكثر المفسرين وهو الأصح ولله الأمر من قبل ومن بعد أي من قبل دولة الروم على فارس ومن بعدها فأي الفريقين كان لهم الغلبة فهو بأمر الله وقضائه وقدره. قوله: "ويَوْمَئِذٍ" أي إذ تغلبُ الروم فارساً، والنصاب "ليوم" (يفرح وقوله "بنصر الله ينصر" من التجنيس، وقد تقدم آخر الكهف، وقوله: بنصر الله "الظاهر تعلقه" بيفرح). وجوز أبو البقاء أن يتعلق "بِيَنْصُرُ" وهذا فيه تفكيك للنَّظْمِ. فصل المعنى: يومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله الروم على فارس. قال السدي: فرح النبي - صلى الله عليه وسلم - والمؤمنون بظهورهم على المشركين يوم بدر، فظهور أهل الكتاب على أهل الشرك {يَنصُرُ مَن يَشَآءُ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ} الغالب {ٱلرَّحِيمُ} للمؤمنين.

البقاعي

تفسير : لما ختم سبحانه التي قبلها بأنه مع المحسنين قال: {الۤـمۤ*} مشيراً بألف القيام والعلو ولام الوصلة وميم التمام إلى أن الملك الأعلى القيوم أرسل جبرائيل عليه الصلاة والسلام - الذي هو وصلة بينه وبين أنبيائه عليهم الصلاة والسلام - إلى أشرف خلقه محمد صلى الله عليه وسلم المبعوث لإتمام مكارم الأخلاق، يوحي إليه وحياً معلماً بالشاهد والغائب، فيأتي الأمر على ما أخبر به دليلاً على صحة رسالته، وكمال علم مرسله، وشمول قدرته، ووجوب وحدانيته. ولما أشير في آخر تلك بأمر الحرم إلى أنه سبحانه يعز من يشاء ويذل من يشاء، وختم بمدح المجاهدين فيه، وأنه سبحانه لا يزال مع المحسنين، وكانت قد افتتحت بأمر المفتونين، فكان كأنه قيل: لنفتننكم ولنعمين المفتين ولنهدين المجاهدين، وكان أهل فارس قد انتصروا على الروم، ففرح المشركون وقالوا للمسلمين: قد انتصر إخواننا الأميون على إخوانكم أهل الكتاب، فلننصرن عليكم، فأخبر الله تعالى بأن الأمر يكون على خلاف ما زعموا، فصدق مصدق وكذب مكذب، فكان في كل من ذلك من نصر أهل فارس وإخبار الله تعالى بإدالة الروم فتنة يعرف بها الثابت من المزلزل، وكان من له كتاب أحسن حالاً في الجملة ممن لا كتاب له، افتتحت هذه بتفصيل ذلك تصريحاً بعد أن أشار إليه بالأحرف المقطعة تلويحاً غيباً وشهادة، دلالة على وحدانيته وإبطال الشرك،فأثبت سبحانه أن له جميع الأمر وأنه يسرُّ المؤمنين بنصرة من له دين صحيح الأصل، وخذلان أهل العراقة في الباطل والجهل، وجعل ذلك على وجه يفيد نصر المؤمنين على المشركين، فقال مبتدئاً بما أفهمه كونه مع المحسنين مع أنه ليس مع المسيئين: {غلبت الروم*} أي لتبديلهم دينهم غلبهم - الفرس في زمن أنوشروان أو بعده {في أدنى الأرض} أي أقرب أرضهم إلى أرضكم أيها العرب، وهي في أطراف الشام، وفي تعيين مكان الغلب - على هذا الوجه - بشارة للعرب بأنهم يغلبونهم إذا وافقوهم، فإن موافقتهم لهم تكون في مثل ذلك المكان. وقد كان كذلك بما كشف عنه الزمان، فكأنه تعالى يقول لمن فرح من العرب بنصر أهل فارس على الروم لنكاية المسلمين: اتركوا هذا السرور الذي لا يصوب نحوه من له همة الرجال، وأجمعوا أمركم وأجمعوا شملكم، لتواقعوهم في مثل هذا الوضع فتنصروا عليهم، ثم لا يقاومونكم بعدها أبداً، فتغلبوا على بلادهم ومدنهم وحصونهم وأموالهم ونسائهم وأبنائهم. وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: لما أعتب سبحانه أهل مكة، ونفى عليهم قبح صنيعهم في التغافل عن الاعتبار بحالهم، وكونهم - مع قلة عددهم - قد منع الله بلدهم عن قاصد نهبه، وكف أيدي العتاة والمتمردين عنهم مع (تعاور) أيدى المنتهين على من حولهم، وتكرر ذلك واطراده صوناً منه تعالى لحرمه وبيته، فقال تعالى: {أية : أولم يروا أنا جعلنا حرماً آمناً ويتخطف الناس من حولهم} تفسير : [العنكبوت: 67] أي ولم يكفهم هذا في الاعتبار، وتبينوا أن ذلك ليس عن قوة منهم ولا حسن دفاع، وإنما هو بصون الله إياهم بمجاورة بيته وملازمة أمنه مع أنهم أقل العرب، أفلا يرون هذه النعمة ويقابلونها بالشكر والاستجابة قبل أن يحل بهم نقمة، ويسلبهم نعمه، فلما قدم تذكارهم بهذا، أعقب بذكر طائفة هم أكثر منهم وأشد قوة وأوسع بلاداً، وقد أيد عليهم غيرهم، ولم يغن عنهم انتشارهم وكثرتهم، فقالت: {الم غلبت الروم في أدنى الأرض} الآيات، فذكر تعالى غلبة غيرهم لهم، وأنهم ستكون لهم كرة، ثم يغلبون، وما ذلك إلا بنصر الله من شاء من عبيده {ينصر من يشاء} فلو كشف عن إبصار من كان بمكة من الكفار لرأوا أن اعتصام بلادهم وسلامة ذرياتهم وأولادهم مما سلط على من حولهم من الانتهاب والقتل وسبي الذراري والحرم إنما هو بمنع الله وكرم صونه لمن جاور حرمه وبيته، وإلا فالروم أكثر عدداً وأطول مدداً، ومع ذلك تتكرر عليهم الفتكات والغارات، وتتوالى عليهم الغلبات، أفلا يشكر أهل مكة من أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف؟ وأيضاً فإنه سبحانه لما قال: {أية : وما هذه الحياة الدنيا إلا لهو ولعب وإن الدار الآخرة لهي الحيوان}تفسير : [العنكبوت: 64] أتبع ذلك سبحانه بذكر تقلب حالها، وتبين اضمحلالها، وأنها لا تصفو ولا تتم، وإنما حالها أبداً التقلب وعدم الثبات، فأخبر بأمر هذه الطائفة التي هي من أكثر أهل الأرض وأمكنهم وهم الروم، وأنهم لا يزالون مرة عليهم وأخرى لهم، فأشبهت حالهم هذه حال اللهو واللعب، فوجب اعتبار العاقل بذلك وطلبه الحصول على تنعم دار لا ينقلب حالها، ولا يتوقع انقلابها وزوالها، {وإن الدار الآخرة لهي الحيوان} ومما يقوي هذا المأخذ قوله تعالى "يعلمون" ظاهراً من الحياة الدنيا أي لو علموا باطنها لتحققوا أنها لهو ولعب ولعرفوا أمر الآخرة " من عرف نفسه عرف ربه" ومما يشهد لكل من المقصدين ويعضد كلا الأمرين قوله سبحانه: {أولم يسيروا في الأرض} الآيات، أي لو فعلوا هذا وتأملوا لشاهدوا من تقلب أحوال الأمم وتغير الأزمنة والقرون ما بين لهم عدم إبقائها على أحد فتحققوا لهوها ولعبها وعلموا أن حالهم سيؤول إلى حال من ارتكب مرتكبهم في العناد والتكذيب وسوء البياد والهلاك - انتهى. ولما ابتدأ سبحانه بما أوجبه للروم من القهر بتبديلهم، معبراً عنهم بأداة التأنيث مناسبة لسفولهم، أتبعه ما صنعه معهم لتفريج المحسنين من عباده الذين ختم بهم الأمم ونسخ بملتهم الملل، وأدالهم على جميع الدول، فقال معبراً بما يقتضي الاستعلاء من ضمير الذكور العقلاء: {وهم} أي الروم، ودل على التبعيض وقرب الزمان بإثبات الجار فقال، معبراً بالجار إشارة إلى أن استعلاءهم إنما يكون في بعض زمان البعد ولا يدوم: {من بعد غلبهم} الذي تم عليهم من غلبة فارس إياهم، وهو من إضافة المصدر إلى المفعول {سيغلبون*} فارساً، فأكد وعده بالسين - وهو غني عن التأكيد - جرياً على مناهيج القوم لما وقع في ذلك من إنكارهم {في بضع سنين*} وذلك من أدنى العدد لأنه في المرتبة الأولى، وهي مرتبة الآحاد، وعبر بالبضع ولم يعين إبقاء للعباد في ربقة نوع من الجهل، تعجيزاً لهم، وتحدياً لمن عاند بنفي ما أخبر به أو يعلم ما ستر منه، وتشريعاً للتعمية إذا قادت إليها مصلحة، وشرح ذلك أنه كان بين فارس والروم حروب متواصلة، وزحوف متكاثرة، في دهور متطاولة، إلى أن التقوا في السنة الثامنة من نبوة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم في زمن أبرويز بن هرمز بن أنوشروان، فظفرت فارس على الروم، أخرج سنيد بن داود في تفسيره والواحدي في أسباب النزول والترمذي في تفسير سورة الروم من جامعه وغيرهم، وقد جمعت ما ذكروه، وربما أدخلت حديث بعضهم في بعض. قال سنيد عن عكرمة: كانت في فارس امرأة لا تلد إلا الأبطال، فدعاها كسرى فقال: إني أريد أن أبعث إلى الروم جيشاً، وأستعمل عليهم رجلاً من بنيك، فأشيري عليَّ أيهم أستعمل، فأشارت عليه بولد يدعى شهربراز، فاستعمله على جيش أهل فارس وقال الأستاذ أبو علي أحمد بن محمد بن مسكوية في كتابه تجارب الأمم وعواقب الهمم، فقالت تصف بنيها: هذا فرحان أنفذ من سنان، هذا شهربراز أحكم من كذا، هذا فلان أروغ من كذا، فاستعمل أيهم شئت. فاستعمل شهربراز - انتهى. وبعث قيصر رجلاً يدعى قطمير بجيش من الروم، فالتقى مع شهربراز بأذرعات وبصرى، وهي أدنى الشام إلى أرض العرب فغلبت فارس الروم وظهروا عليهم فقتلوهم وخربوا مدائنهم وقطعوا زيتونهم، وبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم وهم بمكة فشق ذلك عليهم، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يكره أن يظهر الأميون من المجوس على أهل الكتاب من الروم، لأن فارس لم يكن لهم كتاب، وكانوا يجحدون البعث، ويعبدون النار والأصنام، وفرح كفار مكة وشمتوا. قال الترمذي عن ابن عباس رضي الله عنهما:حديث : وكان المشركون يحبون أن يظهر أهل فارس على الروم، وكان المسلمون يحبون أن يظهر الروم على فارس لأنهم أهل كتاب - انتهى. فلقي المشركون أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: إنكم أهل كتاب والنصارى أهل كتاب، ونحن أميون وأهل فارس أميون، وقد ظهر إخواننا من أهل فارس على إخوانكم من أهل الروم، فإن قاتلتمونا لنظهرن عليكم. فذكر ذلك أبو بكر للنبي صلى الله عليه وسلم فنزلت الآية، فقال صلى الله عليه وسلم: "أما إنهم سيغلبون في بضع سنين"تفسير : . قال الترمذي عن ابن عباس رضي الله عنهما: فذكره أبو بكر رضي الله عنه لهم فقالوا: اجعل بيننا وبينك أجلاً، فإن ظهرنا كان لنا كذا وكذا، وإن ظهرتم كان لكم كذا وكذا، فجعل أجل خمس سنين فلم يظهروا فذكروا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: "ألا جعلته إلى دون" يعني دون العشرة، فإن البضع ما بين ثلاث إلى تسع، ثم ظهرت الروم بعد ذلك، وروى الترمذي أيضاً عن نيار بن مكرم الأسلمي رضي الله تعالى عنه وقال: حديث حسن صحيح غريب، قال: لما نزلت: {الم غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين} وكانت فارس يوم نزلت هذه الآية قاهرين للروم وكان المسلمون يحبون ظهور الروم عليهم لأنهم وإياهم أهل الكتاب، وفي ذلك قول الله تعالى: {ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم} وكانت قريش "تحب" ظهور فارس لأنهم وإياهم ليسوا بأهل الكتاب ولا إيمان ببعث، فلما نزلت هذه الآية خرج أبو بكر رضي الله عنه يصيح في نواحي مكة {الم غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين}! قال ناس من قريش لأبي بكر رضي الله عنه: فذلك بيننا وبينكم، زعم صاحبك أن الروم ستغلب فارساً في بضع سنين، أفلا نراهنك على ذلك؟ قال: بلى، وذلك قبل تحريم الرهان، فارتهن أبو بكر والمشركون وتواضعوا الرهان وقالوا لأبي بكر رضي الله عنه: كم تجعل البضع من ثلاث سنين إلى تسع سنين، فسم بيننا وبينك وسطاً تنتهي إليه، فسموا بينهم ست سنين، فمضت الست سنون قبل أن يظهروا، فأخذ المشركون رهن أبي بكر رضي الله عنه، فلما دخلت السنة السابعة ظهرت الروم على فارس، فعاب المسلمون على أبي بكر رضي الله عنه تسمية ست سنين، لأن الله تعالى قال: {في بضع سنين}. قال ابن الجوزي في زاد المسير: وقالوا: هلاّ أقررتها على ما أقرها الله، لو شاء أن يقول: ستاً، لقال. قال الترمذي في روايته: وأسلم عند ذلك ناس كثير. وروى الترمذي أيضاً والواحدي في أسباب النزول عن أبي سعيد رضي الله عنه أن ظهور الروم عليهم كان يوم بدر. وقال الزمخشري فيما ذكره من عند سنيد أنه كان يوم الحديبية فإنه قال بعد أن ساق نحو ما مضى: فقال لهم أبو بكر رضي الله عنه - يعني للمشركين: لا يقرنّ الله أعينكم! فوالله لتظهرن الروم على فارس بعد بضع سنين، فقال له أبي بن خلف: كذبت يا أبا فضيل! اجعل بيننا وبينك أجلاً أناحبك عليه. - والمناحبة: المراهنة - فناحبه على عشر قلائص - من كل واحدة منهما، وجعل الأجل ثلاث سنين، فأخبر أبو بكر رضي الله عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: البضع ما بين الثلاث إلى التسع، فزايده في الخطر ومادّه في الأجل، فجعلاها مائة قلوص إلى تسع سنين، ومات أبي من جرح رسول الله صلى الله عليه وسلم يعني الذي جرحه به رسول الله صلى الله عليه وسلم في أحد، فظهرت الروم على فارس يوم الحديبية، وذلك عند رأس سبع سنين. وقيل: كان النصر يوم بدر للفريقين، فأخذ ابو بكر رضي الله عنه الخطر من ذرية أبي، وجاء به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "تصدق به" - انتهى. وربما أيد القول بأنه سنة الحديبية سنة ست ما في الصحيحين عن ابن عباس رضي الله عنهما عن أبي سفيان رضي الله عنهم في كتاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى هرقل وسؤال هرقل لأبي سفيان رضي الله عنه، وفيه أن ذلك لما كشف الله عن قيصر جنود فارس ومشى من حمص إلى إيلياء شكراً لما أبلاه الله، ومن المعلوم أن كتاب النبي صلى الله عليه و سلم إليه وإلى غيره من الملوك كان بعد الرجوع من الحديبية، وهذه الآية من الآيات البينة الشاهدة الصادقة على صحة النبوة، وأن القرآن من عند الله نزل بالحق المبين، لأنها إنباء عن علم الغيب الذي لا يعلمه إلا الله تعالى فطابقه الواقع. وقال ابن الجوزي: وفي الذي تولى وضع الرهان من المشركين قولان: أحدهما أبي بن خلف - قاله قتادة، والثاني أبو سفيان بن حرب - قاله السدي - انتهى. وذكر القصة أبو حيان في تفسيره البحر وزاد عن مجاهد أن التقاءهم لما ظهرت فارس كان في الجزيرة، وعن السدي أنه كان بأرض الأردن وفلسطين، وأن أبا بكر رضي الله عنه لما أراد الهجرة طلب منه أبي بن خلف كفيلاً بالخطر الذي كان بينهما في ذلك، فكفل به ابنه عبد الرحمن رضي الله عنه، فلما أراد أبي الخروج إلى أحد طلبه عبد الرحمن بالكفيل، فأعطاه كفيلاً وهلك أبي من جرح جرحه النبي صلى الله عليه وسلم. وقال ابن الفرات في تأريخه: كان بين كسرى أنوشروان وبين ملك الروم هدنة، فوقع بين رجلين من أصحابهما فبغى الرومي على الفارسي، فأرسل كسرى إلى ملك الروم بسببه، فلم يحفل برسالته، فغزاه كسرى في بضع وسبعين ألف مقاتل فأخذ مدينة دارا والرها ومنبج وقنسرين وحلب وأنطاكية - وكانت أفضل مدينة بالشام - وفامية وحمص ومدناً كثيرة، واحتوى على ما كان فيها. وسبى أهل أنطاكية ونقلهم إلى أرض السواد، وكان ملك الروم يؤدي إليه الخراج، ولم يزل مظفراً منصوراً، تهابه الأمم، ويحضر بابه من وفودهم عدد كثير من الترك والصين والخزر ونظائرهم، وقال أيضاً في ملك أبرويز بن هرمز بن أنوشروان: وكان شديد الفطنة، قوي الذكاء، بعث الأصبهبذ - يعني شهربراز - مرة إلى الروم فأخذ خزائن الروم، وبعث بها إلى كسرى، فخاف كسرى أن يتغير عليه الأصبهبذ، لما قد نال من الظفر فبعث بقتله، فجاء الرجل إليه فرأى من عقله وتدبيره ما منعه من قتله وقال: مثل هذا لا يقتل، وأخبره ما جاء لأجله، فبعث إلى قيصر ملك الروم: إني أريد أن ألقاك، فالتقيا فقال له: إن الخبيث قد هم بقتلي، وإني أريد إهلاكه، فاجعل لي من نفسك ما أطمئن إليه، وأعطيك من بيوت أمواله مثل ما أصبت منك. فأعطاه المواثيق، وسار قيصر في أربعين ألف مقاتل، فنزل بكسرى، فعلم كسرى كيف جرى الحال، فدعا قساً نصرانياً، يعني وكتب معه كتاباً. وقال ابن مسكويه: وكان أبرويز وجه رجلاً من جلة أصحابه في جيش جرار إلى بلاد الروم، فأنكى فيهم وبلغ منهم، وفتح الشامات وبلغ الدروب في آثارهم، فعظم أمره وخافه أبرويز فكاتبه بكتابين يأمره في أحدهما أن يستخلف على جيشه من يثق به ويقبل إليه، ويأمره في الآخر أن يقيم بموضعه، فإنه لما تدبر أمره وأجال الرأي لم يجد من يسد مسده، ولم يأمن الخلل إن غاب عن موضعه، وأرسل بالكتابين رسولاً من ثقاته وقال له: أوصل الكتاب الأول بالأمر بالقدوم فإن خف لذلك فهو ما أردت، وإن كره وتثاقل عن الطاعة فاسكت عليه أياماً ثم أعلمه الكتاب الثاني ورد عليك وأوصله إليه ليقيم بموضعه. فخرج رسول كسرى حتى ورد على صاحب الجيش ببلاد الشام، فأوصل الكتاب الأول إليه، فلما قرأه قال: إما أن يكون كسرى قد تغير لي وكره موضعي، أو يكون قد اختلط عقله بصرف مثلي وأنا في نحر العدو، فدعا أصحابه وقرأ عليهم الكتاب فأنكروه، فلما كان بعد ثلاثة أيام أوصل إليه الكتاب الثاني بالمقام، وأوهمه أن رسولاً ورد به، فلما قرأه قال: هذا تخليط ولم يقع منه موقعاً، ودس إلى ملك الروم من ناظره في إيقاع صلح بينهما على أن يخلي الطريق لملك الروم حتى يدخل بلاد العراق على غرة من كسرى، وعلى أن لملك الروم ما يغلب عليه من دون العراق، وللفارسي ما وراء ذلك إلى بلاد فارس، فأجابه ملك الروم إلى ذلك وتنحى الفارسي عنه في ناحية من الجزيرة، وأخذ أفواه الطرق، فلم يعلم كسرى حتى ورد خبر ملك الروم عليه من ناحية قرقيسيا وكسرى غير معد وجنده متفرق في أعماله، فوثب من سريره مع قراءة الخبر وقال: هذا وقت حيلة، لا وقت شدة، وجعل ينكت في الأرض ملياً، ثم دعا برقّ وكتب فيه كتاباً صغيراً بخط دقيق إلى صاحبه بالجزيرة يقول فيه: قد علمت ما كنت أمرتك به من مواصلة صاحب الروم وإطماعه في نفسك وتخلية الطريق له حتى إذا تولج في بلادنا أخذته من أمامه، وأخذته أنت ومن ندبناه لذلك من خلفه، فيكون ذلك بواره، وقد تم في هذا الوقت ما دبرناه، وميعادك في الإيقاع به يوم كذا وكذا، ثم دعا راهباً كان في دير بجانب مدينته وقال: أيّ جار كنت لك؟ قال: أفضل جار، قال: فقد بدت لنا إليك حاجة، فقال الراهب: الملك أجلّ من أن يكون له حاجة إلى مثلي، ولكن عندي بذل نفسي في الذي يأمر به الملك، قال كسرى: تحمل لي كتاباً إلى فلان صاحبي - وقال ابن الفرات: إلى الأصبهبذ - ولا تطلعن على ذلك أحداً. وأعطاه ألف دينار، قال: نعم! قال كسرى: فإنك تجتاز بإخوانك النصارى فأخفه، قال: نعم، فلما ولى عنه الراهب قال له كسرى: أعلمت ما في الكتاب؟ قال: لا، قال: فلا تحمله حتى تعلم ما فيه، فلما قرآه أدخله في جيبه ثم مضى، فلما صار في عسكر الروم نظر إلى الصلبان والقسيسين وضجيجهم بالتقديس والصلوات فاحترق قلبه لهم وأشفق مما خاف أن يقع بهم وقال في نفسه: أنا شر الناس إن حملت بيدي حتف النصرانية وهلاك هؤلاء القوم، فصاح: أنا لم يحملني كسرى رسالة ولا معي له كتاب، فأخذوه فوجدوا الكتاب معه، وقد كان كسرى وجّه رسولاً قبل ذلك اختصر الطريق حتى مر بعسكر الروم كأنه رسول إلى كسرى من صاحبه الذي طابق ملك الروم ومعه كتاب فيه أن الملك قد كان أمرني بمقاربة ملك الروم وأن أختدعه وأخلي له الطريق فيأخذه الملك من أمامه وآخذه أنا من خلفه، وقد فعلت ذلك، فرأى الملك في إعلامي وقت خروجه إليه، فأخذ ملك الروم الرسول وقرأ الكتاب وقال: عجبت أن يكون هذا الفارسي أدهن على كسرى، ووافاه أبرويز فيمن أمكنه من جنده، فوجد ملك الروم قد ولى هارباً، فأتبعه يقتل وياسر من أدرك، وبلغ الأصبهبذ هزيمة الروم فأحب أن يخلي نفسه ويستر ذنبه لما فاته ما دبر، فخرج خلف الروم الهاربين فلم يسلم منهم إلا قليل. وقال ابن الفرات: وخرج القس بالكتاب وأوصله إلى قيصر فقال: ما أراد إلا هلاكنا، وانهزم فاتبعه كسرى فنجا في شرذمة يسيرة، وافتتح كسرى أبرويز عدة من بلاد أعدائه، وبلغت خيله القسطنطينية وإفريقية. وقد ذكر ابن مسكويه أيضاً ما يمكن أن يكون المراد بالآية، وشرح أسباب ذلك فذكر أن هرمز بن أنوشروان لما بعث بهرام بن بهرام الملقب جوبين إلى ملك الترك وظفر به ثم بابنه، أساء السيرة فيه ولم يأذن له في الرجوع، بل أمره بالتقدم فيما لم يره بهرام صواباً وخاف مخالفته، وقد كان هرمز حسن السيرة جداً أديباً أريباً، داهياً إلا عرقاً قد نزعه أخواله من الترك، فكان لذلك مقصياً للأشراف وأهل البيوتات والعلماء، ولم يكن له رأي إلا في تألف السفلة واستصلاحهم ففسدت عليه نيات الكبراء من جنده، فلما خافه بهرام جمع وجوه عسكره، وخرج عليهم في زي النساء وبيده مغزل وقطن ثم جلس في موضعه ووضع بين يدي كل واحد منهم مغزلاً وقطناً، فامتعضوا لذلك، فقال: إن كتاب الملك ورد عليّ بذلك، فلا بد من امتثال أمره إن كنتم طائعين، فأبوا وخلعوا هرمز، وأظهروا أن ابنه أبرويز أصلح للملك منه، فلما سمع أبرويز بذلك خاف أباه على نفسه، فهرب إلى أذربيجان، ولما بلغ الجند الذين بحضرة هرمز خلعه أعجبهم، فضعف أمره، ثم أجمعوا على خلعه فخلعوه وسلموه، فكوتب أبرويز بذلك فبادر بهراماً فسبقه وجلس على سرير الملك، فأطاعه الناس ودخل على أبيه، وأعلمه أنه نائبه، واعتذر إليه بأن ما حصل له لم يكن عن رأيه ولا برضاه ولا كان حاضره حتى يذب عنه، فعذره، وقصده بهرام فجرت بينهما أمور طويلة، وحروب هائلة، ضعف فيها أبرويز، وأحس من أصحابه فتوراً، وتبين فيهم فشلاً، فسار إلى أبيه وشاوره فرأى له المصير إلى ملك الروم، فنهض إلى ذلك في عدة يسيرة فيهم بندويه وبسطام خالاه، وكردي أخو بهرام، وكان ماقتاً لأخيه بهرام ومناصحاً لأبرويز، فقطعوا الفرات وصاروا إلى دير في أطراف العمارة، فلحقتهم خيل بهرام فقال بندويه لأبرويز: أعطني بزتك وزينتك لأحتال لك وأبذل نفسي دونك، ففعل فأمره بالنجاة بمن معه، وأقام هو في الدير، فلما أحيط به اطلع بندويه من فوق الدير فأوهمهم أنه أبرويز بما عليه من البزة والزينة، فظنوه وسألهم الإمهال إلى غد ليسلمهم نفسه فأمسكوا، وحفظ الدير بالحرس، فلما أصبحوا اطلع عليهم وقال: إن عليَّ وعلى أصحابي بقية شغل من استعداد لصلوات وعبادات فأمهلونا، ولم يزل يدافع حتى مضى عامة النهار وعلم أن أبرويز قد فاتهم، ففتح حينئذ وأعلم قائدهم بأمرهم، فانصرف به إلى بهرام جوبين فحبسه. ولما وصل أبرويز إلى أنطاكية كاتب ملك الروم وسأله نصرته، فأجابه وتوادا إلى أن زوجة ابنته مريم وحملها إليه، وبعث إليه ستين ألف مقاتل فيهم أخوه تياذوس وسأله ترك الأتاوة التي كان آباؤه يسألونها ملوك الروم إذ هو ملك، فاغتبط به أبرويز وسار بهم، فلما وصل إلى أداني أرضهم انضم إليه كثير من أهل فارس فاستظهر على بهرام، فقصد بهرام بلاد الترك فأكرمه ملكها، ولم يزل أبرويز يلاطف ملك الروم الذي نصره حتى وثبت الروم عليه في شيء أنكروه منه فقتلوه وملكوا غيره، ولجأ ابنه إلى أبرويز فملكه على الروم وأرسل معه جنوداً كثيفة عليهم شهربراز، فدوخ عليهم البلاد، وملك صاحب كسرى بيت المقدس وقصد قسطنطينية، فأناجوا على ضفة الخليج القريب منها، ولم يخضع لابن الملك الذي توجه كسرى أحد من الروم، وكانوا قد قتلوا الذي ملكوه بعد أبيه لما ظهر من فجوره وسوء تدبيره، وملكوا عليهم رجلاً يقال له هرقل. وقال ابن الفرات: إن أبرويز بعث مع ابن الملك الذي كان نصره ثلاثة من قواده في جنود كثيرة كثيفة، أما أحدهم فإنه كان يقال له زميرزان وجهه إلى بلاد الشلام فدوخها حتى انتهى إلى بلاد فلسطين، وورد مدينة بيت المقدس، وأخذ أسقفها ومن كان فيها من القسيسين وسائر النصارى بخشبة الصليب، وكانت قد دفنت في بستان في تابوت من ذهب وزرع فوقها مبقلة فدلوه عليها فحفر واستخرجها وبعث بها إلى كسرى في سنة أربع وعشرين من ملكه، وأما القائد الثاني - وكان يقال له: شاهير - فسار حتى احتوى على مصر والإسكندرية وبلاد النوبة وبعث إلى كسرى بمفاتيح مدينة الإسكندرية في سنة ثمان وعشرين من ملكه، وأما القائد الثالث - وكان يقال له: فرهان - فإنه قصد قسطنطينية حتى أناخ قريباً من ماء وخيم هنالك فأمره كسرى فخرب بلاد الروم غضباً مما انتهكوا من موريق - يعني الملك الذي كان نصره، وفعل هذا لأجل ابنه، وانتقاماً له منهم، ولم ينقد لابن الملك الذي فعل هذا لأجله أحد من الروم، لأنهم لما قتلوا الملك قوفا ملكوا عليهم رجلاً يقال له هرقل، ثم اتفق ابن الفرات وابن فتحون فقالا: فلما رأى هرقل عظيم ما فيه بلاد الروم من تخريب جنود فارس إياها وقتلهم مقاتلتهم، وسبيهم ذراريهم، واستباحتهم أموالهم، تضرع إلى الله تعالى، وأكثر الدعاء والابتهال فيقال: إنه رأى في منامه رجلاً ضخم الجثة رفيع المجلس عليه، فدخل عليهما داخل، فألقى ذلك الرجل عن مجلسه وقال لهرقل: إني قد سلمته في يدك، فلم يقصص رؤياه تلك في يقظته حتى توالت عليه أمثالها، فرأى في بعض لياليه كأن رجلاً دخل عليهما وبيده سلسلة طويلة فألقاها في عنق صاحب المجلس الرفيع عليه ثم دفعه إليه وقال له: ها قد دفعت إليك كسرى برمته، وقال ابن الفرات: فاغزه فإنك مدال عليه، ونائل أمنيتك في غزاتك، فلما تتابعت عليه هذه الأحلام قصها على عظماء الروم وذوي العلم منهم، فأشاروا عليه أن يغزوه، فاستعد هرقل واستخلف ابنه على مدينة قسطنطينية، وأخذ غير الطريق الذي فيه شهربراز صاحب كسرى، وسار حتى دخل في بلاد أرمينية ونزل بنصيبين بعد سنة،وقد كان صاحب ذلك الثغر من قبل كسرى استدعى لموجدة كانت من كسرى عليه، وأما شهربراز فكانت كتب كسرى ترد عليه في الجثوم على الموضع الذي هو به، وترك البراح، ثم بلغ كسرى تساقط هرقل في جنوده إلى نصيبين فوجه لمحاربة هرقل رجلاً من قواده يقال له: راهزاد في اثني عشر ألفاً من الأنجاد، وأمره أن يقيم بنينوى وهي التي تدعى الآن الموصل - على شاطىء دجلة، ويمنع الروم أن يجوزوها، وكان كسرى بلغه خبر هرقل وأنه مغذ وهو يومئذ مقيم بدسكرة الملك، فتعذر راهزاد لأمر كسرى وعسكر حيث أمره فقطع هرقل دجلة من موضع آخر إلى الناحية التي كان فيها جند فارس، فأذكى راهزاد العيون عليه فانصرفوا إليه فأخبروه أنه في سبعين ألف مقاتل، فأيقن راهزاد أنه ومن معه من الجند عاجزون عن مناهضته، فكتب إلى كسرى غير مرة دهم هرقل إياه بمن لا طاقة له ولمن معه بهم، لكثرتهم وحسن عدته، قال ابن الفرات: فكتب كسرى إنكم إن عجزتم عن الروم لم تعجزوا عن بذل دمائكم في طاعتي، فلما تتابعت على راهزاد جوابات كسرى بذلك عبى جنده، وناهض الروم بهم، فقتل الروم راهزاد وسته آلاف رجل، وانهزمت بقيتهم، وهربوا على وجوههم، وبلغ كسرى قتل الروم راهزاد وستة آلاف وما نال هرقل من الظفر فهدّه ذلك وانحاز من دسكرة الملك إلى المدائن، وتحصن به لعجزه كان عن محاربة هرقل، وسار هرقل حتى كان قريباً من المدائن. قال ابن الفرات: فاستعد كسرى لقتاله ثم خالف كسرى ملك الروم فرجع إلى بلاده فحمل خزائنه في البحر. فعصفتا الريح فألقتها بالإسكندرية، فظفر بها أصحابه من الروم، وذكر المسعودي هذا فخالف بعض المخالفة: فقال: وثب بطريق من بطارقة الروم يقال له قوقاس فيمن اتبعه على تموريقس ملك الروم حمو أبرويز ومنجده، فقتلوه وملكوا قوقاس، ونمى ذلك إلى أبرويز فغضب لحموه وسيّر إلى الروم جيوش وكانت له في ذلك أخبار يطول ذكرها، وسيّر شهريار مرزبان المغرب إلى حرب الروم فنزل أنطاكية وكانت له مع ملك الروم وأبرويز أخبار و مكاتبات وحيل إلى أن خرج ملك الروم إلى حرب شهريار، وقدم خزائنه في البحر في ألف مركب، فألقتها الريح إلى ساحل أنطاكية فغنمها شهريار فحملها إلى أبرويز فسميت خزائن الريح، ثم فسدت الحال بين أبرويز وشهريار، ومايل شهريار ملك الروم فسيره شهريار نحو العراق إلى أن انتهى إلى النهروان فاحتال أبرويز في كتب كتبها مع بعض أساقفة النصرانية ممن كان في ذمته حتى رده إلى القسطنطينية، وأفسد الحال بينه وبين شهريار. وقال أبو حيان: وسبب ظهور الروم أن كسرى بعث إلى شهربراز وهو الذي ولاه على محاربة الروم أن اقتل أخاك فرخان - انتهى. وهذا هو تتمة ما تقدم في خبر المرأة التي كانت لا تلد إلا الأبطال، وأن كسرى بعث ابنها شهربراز إلى حرب الروم فظهر عليهم. قال ابن مسكوية: فلما ظهرت فارس علىالروم جلس فرخان يشرب فقال لأصحابه: لقد رأيت كأني جالس على سرير كسرى، فبلغت مقالته كسرى فكتب إلى شهربراز: إذا أتاك كتابي هذا فابعث إليَّ برأس فرخان، فكتب إليه: أيها الملك إنك لن تجد مثل فرخان، فإن له نكاية في العدو وصوتاً فلا تفعل، فكتب إليه: إن في رجال فارس خلفاً منه فعجل إليّ برأسه، فراجعه فغضب كسرى وبعث بريداً إلى أهل فارس: إني قد نزعت عنكم شهربراز واستعملت فرخان، ثم دفع إلى البريد صحيفة صغيرة وقال: إذا ولى الفرخان الملك وانقاد له أخوه فأعطه، فلما قرأ شهربراز الكتاب قال: سمعاً وطاعة، ونزل عن سريره، وجلس فرخان ودفع البريد الصحيفة إليه فقال: ائتوني بشهربراز، فقدمه ليضرب عنقه فقال: لا تعجل حتى أكتب وصيتي، قال: افعل. فدعا بسفط وأعطاه ثلاث صحائف، وقال: كل هذا راجعت فيك كسرى وأنت أردت أن تقتلني بكتاب واحد، فرد الملك على أخيه، فكتب شهربراز إلى قيصر ملك الروم: إن لي إليك حاجة لا تحملها البرد ولا تبلغها الصحف فالقني، ولا تلقني إلا في خمسين رومياً، فإني أيضاً ألقاك في خمسين فارساً، فأقبل قيصر في خمسائة رومي، وجعل يضع العيون بين يديه في الطريق، وخاف أن يكون قد مكر به حتى أتاه عيونه أنه ليس معه إلا خمسون رجلاً، ثم بسط لهما والتقيا في قبة ديباج ضربت لهما، واجتمعا ومع كل واحد منهما سكين، ودعوا ترجماناً بينهما، فقال شهربراز: إن الذين خربوا مدائنك، وبلغوا منك ومن جندك ما بلغوا أنا وأخي بشجاعتنا وكيدنا، وأن كسرى حسدنا فأراد أن أقتل اخي فأبيت، ثم أمر أخي أن يقتلني فقد خلعناه جميعاً فنحن نقاتله معك، فقال: قد أصبتما ووفقتما ثم أشار أحدهما إلى صاحبه أن السر إنما يكون بين اثنين، فإذا جاوز اثنين فشا، قال صاحبه: أجل، فقاما جميعاً إلى الترجمان بسكينيهما فقتلاه، واتفقا على قتال كسرى، فتعاون شهربراز وهرقل على كسرى، فغلبت الروم فارسَ. وذكر أبو القاسم عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الحكم في أوائل فتوح مصر نحو هذا الحديث من حديث ابن عباس رضي الله عنهما أنه سمع ابن عمر رضي الله عنه يسأل الهرمزان عن سبب ظهور الروم على كسرى فأخبره به، وكان مما تمكن الخلاف عليه أيضاً أنه كان طلب الذين هربوا بعد قتل قائدهم راهزاد، وأمر بأن يعاقبوا على انهزامهم، فأحوجهم بهذا إلى الخلاف عليه وطلب الحيل لنجاة أنفسهم منه، فإن كانت الوقعة التي غلبت الروم فيها بأذرعات أو الأردن فهي أدنى أرض الروم - أي أقربها - إلى مكة المشرفة، وإن كانت بالجزيرة فهي أدنى بالنظر إلى كسرى - هذا ما حقت فيه الآية في ظاهر العبارة وصريحها مع ما انضم إلى ذلك من إداله العرب على الفرس أيضاً في هذا الوقت في وقعة ذي قار - كما بينته في شرحي لنظمي للسيرة النبوية المسمى "نظم الجواهر من سيرة سيد الأوائل والأواخر" وسيأتي ملخصه قريباً - حتى يقال: إن نصرة الروم والعرب ونصرة المسلمين في بدر كانت في آن واحد. ومن أعاجيب ما دخل تحت مفهوم الآية من لطائف المعجزات في باطن الإشارة وتلويحها أن زماننا هذا كان قد غلب فيه على ملك مصر جندها الغرباء من الترك وغيرهم ثم اختص به الشراكسة منهم من نحو مائة سنة، وهم ممن ليس له كتاب في الأصل وإن كان إسلامهم قد جب ما كانوا عليه من قبل وكانوا إذا مات أحدهم وله ابن ولوا ابنه لأجل مماليكه واتباع ابيه إلى أن يعملوا الحيلة في خلعه، وكان أكثر أولادهم يكون صغيراً أو في حكمه حتى كانت سنة خمس وستين وثمانمائة، فصادف أن المتولي بها من أولادهم المؤيد أحمد بن الأشرف إينال العلائي، وكان قد ناهز الأربعين، وكان عنده حزم ودهاء، وزادت مدة ولايته بعد أبيه على أربعة أشهر فثقل عليهم جداً، وكان الأمير الكبير خشقدم أحد مماليك المؤيد شيخ وهو رومي، وكانت عادتهم أنهم إذا خلعوا أحداً من أبناء الملوك ولو الملك من كان في الإمرة الكبرى، فاختار الشراكسة ولايته وإن كان من غيرهم على ولاية من ولد في الإسلام في بلاد العرب، فأعملوا الحيلة في أمره إلى أن أجمع أمرهم ورأيهم كلهم على خلعه حتى مماليكه ومماليك أبيه، فقاموا في ذلك قومة رجل واحد في أواخر شهر رمضان من السنة المذكورة، فلما لم يجد له ناصراً أسلم نفسه في اليوم الثاني من وثوبهم عليه، فعرضوا الولاية على شخص منهم فلم ير التقدم على أكبر منه في الرتبة فأشار إلى الأمير الكبير فولوه، ثم اجتهد بعضهم في نزعه فلم يقدرهم الله على ذلك ولم يجمع كلمتهم على أحد، وقام هو في الأمر بجد عظيم وحزم، ولين في شدة وعزم، حتى استحكم أمره، وعظم قدره، وحسب عدد "بضع" بالجمل فإذا هو اثنان وسبعون وثمانمائة، وهو مقدار ما مضى من السنين من حين نزول الآية إلى حين ولايته، وذلك أن نصر أهل فارس على الروم كما مضى كان في السنة الثامنة من النبوة، وحينئذ نزلت الآية، فإذا قلنا: إن نزولها كان في شهر رمضان من تلك السنة، كان قبل الهجرة بست سنين إذا جعلنا كسر الثامنة سنة، وقد كانت وقعة بدر في سابع عشر شهر رمضان من السنة الثانية من الهجرة في الشهر السابع، فيكون نصر الروم إذا صححنا كما هو الذي ينبغي أن لا يعتقد غيره لدلالة القرآن العظيم عليه كما تأتي الإشارة إليه أنه في سنة غزوة بدر في آخر السنة السابعة من حين نزوال الآية، ويكون ولاية السلطان خشقدم لكونها في أواخر شهر رمضان في ابتداء سنة ست وستين من الهجرة، فإذا ضممت إليها الست التي كانت قبل الهجرة كانت الجملة ثمانمائة واثنين وسبعين على عدد "بضع" المنظوم في الآية سواء، وإن صححنا كما أيده ما في الصحيح عن أبي سفيان أن نصر الروم كان وقت الحديبية وذلك في ذي القعدة سنة ست من الهجرة، وكما قلنا: كان نزول الآية قبل الهجرة بشهرين ونحوهما، صح أن نصر الروم كان عند دخول السنة السابعة من نزول الآية كما في رواية الترمذي عن نيار رضي الله عنه، وكان الموافق لعدد البضع سنة اثنتين وسبعين وثمانمائة من الهجرة، وفيها غلب شخص من الروم، وذلك أن الظاهر خشقدم مات في ربيع الأول سنة اثنتين وسبعين وثمانمائة من الهجرة، فولى بعده الأمير الكبير يلبية وهو من الشراكسة، فلم ينتظم له الأمر، فخلع في جمادى الأولى منها، وولى الأمير الكبير تمربغا ولقب الظاهر وهو رومي، فكان ذلك من الآيات الباهرات إن وافق هذا الأمر العدد المذكور على كلتا الروايتين: رواية من قال: إن التصر كان يوم بدر، ورواية من قال: كان يوم الحديبية، ولولا ولاية يلبية ما صح إلا أحدهما، إن في ذلك لعبرة، هذا إن عددنا آحاد السنين، وإن عددناها مئات فهو في بضع منها، فإنه في المائة التاسعة كما أشار إليه الأستاذ أبو الحكم عبد السلام بن برجان في تفسيره فقال: حكمة الله جل ذكره في دوائر التقدير أن يرجع فيها أواخر الكلم عن أوائلها، ومن الدوائر مقدرة، ومنها موسعة على مقدار مشيئة الله فيها وبها، ولما أخبر الله تعالى عن الروم أنهم غلبوا في أدنى الأرض وهي بلد الشام، كان إخباراً منه عما يكون - والله أعلم - وبشارة بشر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين أن ذلك سيكون، يعني أن معنى "غلبت" مبنياً للمفعول إن كان بالنسبة إلى فارس كان المعنى وقع غلبها، وإن كان بالنسبة للمسلمين كان المعنى: قرب زمان غلبها على أيدي المسلمين، ثم قال: فكان ذلك في زمان عمر بن الخطاب رضي الله عنه، غلبهم في بلاد الشام، و استخرج بيت المقدس عن أيديهم. والبضع من الثلاث إلى التسع، وكان نزول هذه السورة بمكة فكان ذلك داخل بضع أسابيع سنين على رأس عشرين إلى ثمان وعشرين سنة، ثم لم يزل الفتح بعد ذلك يتصل ويتسع إلى نهاية سبقت في التقدير، ثم ذكر عود التقدير باستيلاء الروم على بعض أطراف الشام ثم باستنقاذ المسلمين ذلك منهم، ونظر إلى ذلك تارة بحسب الأسابيع وتارة بحسب آحاد المئات، وتارة بغير ذلك، وصحح وقوعه في البضع بالغالبية والمغلوبية مرة بعد أخرى، وهو من بدائع الأنظار، ودقائق الأسرار الكبار. ولما كان تغليب ملك على ملك من الأمور الهائلة، وكان الإخبار به قبل كونه أهول، ذكر علة ذلك فقال: {لله} أي وحده {الأمر} ولما أفهم السياق العناية بالروم، فكان ربما توهم أن غلب فارس لهم في تلك الواقعة وتأخير نصرهم إلى البضع ربما كان لمانع لم يقدر على إزالته، نفى ذلك بإثبات الجار المفيد لأن أمره تعالى مبتدىء من الزمن الذي كان قبل غلبهم حتى لم تغلبهم فارس إلا به، وهو مبتدىء من الزمن الذي بعده، فالتأخير به لا بغيره، لحكمة دبرها سبحانه فقال: {من قبل} أي قبل دولة أهل فارس على الروم ثم دولة الروم على فارس، لا إلى غاية تكون مبدأ لاختصاصه بالأمور فيه سبحانه غلبوهم {ومن بعد} أي بعد دولة الروم عليهم ودولتهم على الروم لا إلى غاية فيه أيضاً غلبهم الروم، فحذف المضاف إليه هو الذي أفهم أن زمن غلبة فارس لهم وما بعده من البضع مذكور دخوله في أمره مرتين. ولما أخبر بهذه المعجزة، تلاها بمعجزة أخرى، وهو أن أهل الإسلام لا يكون لهم ما يهمهم فيسرون بنصره فقال: {ويومئذ} أي إذ تغلب الروم على فارس {يفرح المؤمنون} أي العريقون في هذا الوصف من أتباع محمد صلى الله عليه وسلم {بنصر الله} أي الذي لا رادّ لأمره، لأهل الكتاب عامة، نصرهم على المشركين في غزوة بدر وهو المقصود بالذات، ونصر الروم على فارس لتصديق موعود الله ونصر من سيصير من أهل الكتاب الخاتم من مشركي العرب على الفرس في وقعة ذي قار، فقد وقع الفرح بالنصر الذي ينبغي إضافته إلى الله تعالى وهو نصر أهل الدين الصحيح أصلاً وحالاً ومالاً، وسوق الكلام على هذا الوجه الذي يحتمل الثلاثة من بدائع الإعجاز، وسبب وقعة ذي قار أنه كان أبرويز هذا - الذي غلب الروم ثم غلبته الروم - قد غضب على النعمان بن المنذر ملك العرب، فأتى النعمان هذا هانىء بن مسعود بن عامر الشيباني، فاستودعه ماله وأهله وولده - وألف شكة، أو أربعة آلاف شكة - والشكة بكسر المعجمة وتشديد الكاف: السلاح كله - ووضع وضائع عند أحياء العرب ثم هرب فأتى طيئاً لصهره فيهم، وكانت عنده فرعة بنت سعيد بن حارثة بن لأم وزينب بنت أوس بن حارثة بن لأم، فأبوا أن يدخلوه حبلهم وأتته بنو رواحة بن ربيعة بن عبس فقالوا له: أبيت اللعن! أقم عندنا فإنا مانعوك مما نمنع منه أنفسنا، فقال: ما أحب أن تهلكوا بسبب فجزيتم خيراً، ثم خرج حتى وضع يده في يد كسرى فحبسه بساباط، وقال ابن مسكويه: بخانقين، فلم يزل في السجن حتى وقع الطاعون فمات فيه، قال: والناس يظنون أنه مات بساباط، والصحيح ما حكيناه. فلما مات النعمان جعلت بكر بن وائل تغير في السواد، فغضب من ذلك كسرى، ثم بعث إلى هانىء بن مسعود يقول له: إن النعمان إنما كان عاملي، وقد استودعك ماله وأهله وحلقته فابعث إليّ بها ولا تكلفني أن أبعث إليك وإلى قومك بالجنود فتقتل المقاتلة وتسبي الذراري، فبعث إليه هانىء أن الذي بلغك باطل، وما عندي شيء، وإن يكن الأمر كما قيل فإنما أنا أحد الرجلين: إما رجل استودع أمانة فهو حقيق أن يردها على من استودعها ولن يسلم الحر أمانته، أو رجل مكذوب عليه وليس ينبغي للملك أن يأخذه بقول عدو أو حاسد. وكانت الأعاجم لهم قوة وحلم، وكانوا قد سمعوا ببعض حلم العرب، وأن الملك كائن فيهم، فلما ورد عليه كتاب هانىء بهذا حملته الشفقة أن يكون ذلك قد اقترب على أن خرج بنفسه، فأقبل حتى قطع الفرات فنزل غمر بني مقاتل، وقد أحنقه ما صنعت بكر بن وائل في السواد ومنع هانىء إياه ما منعه، ودعا كسرى إياس بن قبيصة الطائي وكان عامله على عين التمر وما والاها، فاستشاره في الغارة على بكر بن وائل فقال له إياس: إن الملك لا يصلح أن يعصيه أحد من رعيته، وإن تطعني لم يعلم أحد لأي شيء عبرت وقطعت الفرات، فيرون أن أمر العرب قد كربك، ولكن ترجع وتضرب عنهم وتبعث عليهم العيون حتى ترى منهم غرة ثم ترسل حينئذ كتيبة من العجم فيها بعض القبائل التي تليهم فيوقعون بهم وقعة الدهر، ويأتونك بطلبك، فقال له كسرى: أنت رجل من العرب وبكر بن وائل أخوالك، فأنت تتعصب لهم لا تألوهم نصحاً، فقال إياس: الملك أفضل رأياً، فقام عمر بن عدي بن زيد العبادي وكان كاتبه وترجمانه بالعربية في أمور العرب فقال: قم أيها الملك وابعث إليهم بالجنود يكفوك! وقام إليه النعمان بن زرعة من ولد السفاح الثعلبي فقال له: أيها الملك! إن هذا الحي من بكر بن وائل إذا قاظوا تهافتوا على ماء لهم يقال له: ذو قار، تهافت الفراش في النار، فعقد لنعمان بن زرعة على تغلب والنمر، وعقد لخالد بن يزيد البهراني على قضاعة وأياد وعقد لإياس بن قبيصة على جميع العرب، ومعه كتيبتاه الشهباء والدوسر، فكانت العرب ثلاثة آلاف، وعقد للهامرز على ألف من الأساورة، وعقد لخيارزين على ألف، وبعث معهم باللطيمة وهي عير كانت تخرج من العراق فيها البن والعطر والألطاف، توصل ذلك إلى باذان عامل كسرى على اليمن، وقال: إذا فرغتم من عدوكم فسيروا بها إلى اليمين، وأمر عمرو بن عدي أن يسير بها، وكانت العرب تحقرهم حتى تبلغ اللطيمة اليمن، وعهد كسرى إليهم إذا شارفوا بلاد بكر بن وائل أن يبعثوا إليهم النعمان بن زرعة، فإن أتوكم بالحلقة ومائة غلام منهم يكونون رهناً بما أحدث سفهاؤهم فاقبلوا منهم وإلا فقاتلوهم. فلما بلغ الخبر بكر بن وائل سار هانىء بن مسعود حتى نزل بذي قار، وأقبل النعمان بن زرعة حتى نزل على ابن أخته مرة بن عبد الله العجلي، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إنكم أخوالي وأحد طرفي، وإن الرائد لا يكذب أهله، وقد أتاكم ما لا قبل لكم به من أحرار فارس وفرسان العرب والكتيبتان الشهباء والدوسر، وإن الشر خياراً، ولأن يفدي بعضكم بعضاً خير من أن تصطلموا، انظروا هذه الحلقة فادفعوها وادفعوا معها رهناً من أبنائكم إليه بما أحدث سفهاؤكم، فقال له القوم: ننظر في أمورنا، وبعثوا إلى من يليهم من بكر بن وائل وبرزوا ببطحاء ذي قار بين الجلهتين - وجلهة الوادي: مقدمه، مثل جلهة الرأس إذا ذهب شعره - وجعلت بكر بن وائل حين بعثوا إلى من حولهم من قبائل بكر لا ترفع لهم جماعة إلا قالوا: سيدنا في هذه الجماعة، إلى أن رفعت لهم جماعة فيها حنظلة بن ثعلبة بن سنان العجلي فقالوا: يا أبا معدان فقد طال انتظارنا وقد كرهنا أن نقطع أمراً دونك، وهذا ابن أختك النعمان بن زرعة قد جاء والرائد لا يكذب أهله، قال: فما الذي أجمع رأيكم عليه؟ قالوا: قلنا اللحي أهون من الوهي، وإن في الشر خياراً، ولأن نفدي بعضنا بعضاً خير من أن نصطلم جميعاً، فقال حنظلة: قبح الله هذا رأياً، لا تجر أحرار فارس غزلها ببطحاء ذي قار وأنا أسمع صوتاً، ثم أمر بقبته فضربت بوادي ذي قار ونزل الناس فأطافوا به ثم قال لهانىء بن مسعود: يا أبا أمامة! إن ذمتكم ذمتنا عامة، وأنه لن يوصل إليك حتى تفنى أرواحنا، فأخرج هذه الحلقة ففرقها بين قومك، فإن تظفر فسترد عليك، وإن تهلك فأهون مفقود، فأمر بها فأخرجت ففرقها بينهم، ثم قال حنظلة للنعمان: لولا أنك رسول لما أبت إلى أهلك سالماً، فرجع النعمان إلى أصحابه، فأخبرهم فباتوا ليلتهم يستعدون للقتال، وبات بكر بن وائل يستعدون للحرب، فلما أصبحوا أقبلت الأعاجم نحوهم وأمر حنظلة بالظعن جميعاً فوقفها خلف الناس ثم قال: يا معشر بني بكر بن وائل! قاتلوا عن ظعتنكم أو دعوا، وأقبلت الأعاجم يسيرون إلى تعبئة، وكان ربيعة بن غزالة السكوتي ثم التجيبي يومئذ هو وقومه نزولاً في بني شيبان فقال: يا بني شيبان! أما إني لو كنت منكم لأشرت عليكم برأي مثل عروة العلم قالوا: وأنت والله من أوسطنا، أشر علينا، قال: لا تستهدفوا هذه الأعاجم فتهلككم بنشابها، ولكن تكردسوا لهم كراديس فيشد عليهم كردوس، فإذا أقبلوا عليه شد الآخر، قالوا: فإنك قد رأيت رأياً، ففعلوا، فلما التقى الزحفان وتقارب القوم قام حنظلة بن ثعلبة فقال: يا معشر بكر بن وائل! إن النشاب الذي مع الأعاجم يعرفكم، فإذا أرسلوه لم يُخْطِكُمْ، فعاجلوهم اللقاء وابدأوهم، ثم قام هانىء بن مسعود فقال: يا قوم! مهلك معذور خير من منجى مفرور، إن الحذر لا يدفع القدر، وإن الصبر من أسباب الظفر، المنية ولا الدنية، واستقبال الموت خير من استدباره، ياقوم: جدوا، فما من القوم بد فتح لو كان رجال أجد، أسمع صوتاً ولا أرى فوتاً، يا لبكر! شدوا واستعدوا، فإن لا تشدوا تردوا، ثم قام شريك بن عمرو بن شراحيل فقال: ياقوم! إنما تهابونهم أنكم ترونهم عند الحفاظ أكثر منكم، وكذلك أنتم في عيونهم فعليكم بالصبر، فإن الأسنة تردي الأعنة، يا لبكر! قدماً قدماً، ثم قام عمرو بن جبلة اليشكري فقال: شعر : يا قوم لا تغرركم هذي الخرق ولا وميض البيض في شمس برق من لم يقاتل منكم هذي العنق فجنبوه اللحم واسقوه المرق تفسير : ثم قام حنظلة بن ثعلبة إلى (وضين) امرأته فقطعه ثم تتبع الظعن بقيع وضنهن، لئلا يفر عنهن الرجال، والوضين: بطان الناقة فسمي يومئذ: مقطع الوضن. وقال ابن مسكوية: إنه لما قطع الوضن وقع النساء إلى الأرض وإن بنت القرين الشيبانية نادت: شعر : ويها بني شيبان صفاً بعد صف إن تهزموا يصبّغوا فينا القلف تفسير : فقطع سبعمائة من بني شيبان أيدي أقبيتهم من قبل مناكبهم لتخف أيديهم بالضرب، وتقدمت عجل فأبلت يومئذ بلاء حسناً، واضطمت عليهم جنود العجم فقال الناس: هلكت عجل، ثم حملت بكر فوجدت عجلاً ثابتة تقاتل وامرأة منهم تقول: شعر : إن يظفروا يحرزوا فينا الغرل فدى لكم نفسي فدى بني عجل تفسير : وتقول أيضاً: شعر : إن تقدموا نعانق ونفرش النمارق أو تهربوا نفارق فراق غير وامق تفسير : فكانت بنو عجل في الميمنة بإزاء خيارزين وبنو شيبان في الميسرة بإزاء كتيبة الهامرز، وأفناء بكر بن وائل في القلب فخرج أسوار من الأعاجم مسور مشنف في أذنيه درتان، من كتيبة الهامرز يتحدى الناس للبراز، فنادى في بني شيبان فلم يبارزه أحد حتى إذا دنا من بني يشكر برز له برد بن حارثة أخو بني ثعلبة فشد عليه بالرمح فطعنه فدق صلبه وأخذ حليته وسلاحه، وقال ابن مسكويه: ونادى الهامرز لما رأى جد القوم وثباتهم للحرب وصبرهم للموت مرد ومرد، فقال برد بن حارثة اليشكري: ما يقول؟ قيل: يدعو إلى البراز! يقول: رجل ورجل! فقال: وأبيكم لقد أنصف، وبرز له فلم يلبث برد أن تمكن من الهامرز فقتله. وقال ابن مكرم في اختصاره للأغاني: ثم اقتتلوا صدر نهارهم أشد قتال رآه الناس إلى أن زالت الشمس، فشد الحوقران واسمه الحارث ابن شريك على الهامرز فقتله وقتلت بنو عجل خيارزين، وضرب الله وجوالفرس فانهزموا، وتبعتهم بكر بن وائل يقتلونهم بقية يومهم حتى أصبحوا من الغد وقد شارفوا السواد ودخلوه فلم يلفت منهم كبير أحد، وأقبلت بكر بن وائل على الغنائم فقسموها بينهم، وقسموا تلك اللطائم بين نسائهم، وكان أول من انصرف إلى كسرى بالهزيمة إياس بن قبيصة، وكان لا يأتيه أحد بهزيمة جيش إلا نزع كتفيه، فلما أتاه إياس سأله عن الخبر فقال: هزمنا بكر بن وائل، وأتيناك بنسائهم، فأعجب ذلك كسرى، وأمر له بكسوه، ثم إن إياساً استأذنه عند ذلك فقال: إن أخي مريض بعين التمر، فأردت أن آتيه، وإنما أراد أن ينتحي عنه، فإذن له، ثم أتى رجل من أهل الحيرة فسأل: هل دخل على الملك أحد؟ فقالوا: نعم! إياس، فقال: ثكلت إياساً أمه! وظن أنه قد حدثه بالخبر، فدخل عليه فحدثه بهزيمة القوم وقتلهم، فأمر به فنزعت كتفاه؛ وكانت وقعة ذي قار بعد وقعة بدر بأشهر ورسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة، فلما بلغه ذلك قال: "هذا أول يوم انتصفت فيه العرب من العجم وبي نصروا". روى ذلك الطبراني في المعجم الكبير، وقيل: إن الوقعة مثلت لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بالمدينة فرفع يده، فدعا لبني شيبان أو لجماعة ربيعة بالنصر، ولم يزل يدعو لهم حتى أرى هزيمة الفرس، وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال: "أيها بني ربيعة اللهم انصرهم" فهم إلى الآن إذا حاربوا نادوا بشعار النبي صلى الله عليه وسلم ودعوته، وقال قائلهم: يارسول الله! دعوتك، فإذا دعوا بذلك نصروا. وروى ذلك الطبراني الكبير - قال الهيثمي: ورجاله الصحيح غير خلاد بن عيسى وهو ثقة - عن خالد ابن سعيد بن العاص عن أبيه عن جده رضي الله عنه قال: حديث : قدمت بكر بن وائل مكة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر رضي الله عنه: "ائتهم فاعرض عليهم!" فأتاهم فقال: من القوم؟ ثم عاد إليهم ثانية فقال: من القوم؟ فقالوا: بنو ذهل بن شيبان، فعرض عليهم الإسلام، قالوا: حتى يجيء شيخنا فلان - قال خلاد: أحسبه قال: المثنى بن خارجة - فلما جاء شيخهم عرض عليهم أبو بكر رضي الله عنه، قال: إن بيننا وبين الفرس حرباً، فإذا فرغنا مما بيننا وبينهم عدنا فنظرنا، فقال له أبو بكر: أرأيت إن غلبتموهم أتتبعنا على أمرنا؟ قال: لا نشترط لك هذا علينا ولكن إذا فرغنا فيما بيننا وبينهم عدنا فنظرنا فيما نقول، فلما التقوا يوم ذي قار هم والفرس قال شيخهم: ما اسم الرجل الذي دعاكم إلى الله؟ قالوا: محمد، قال: فهو شعاركم! فنصروا على القوم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " بي نصروا"تفسير : انتهى. ومن الأشعار في وقعة ذي قار قول أبي كلبة التميمي: شعر : لولا فوارس لا ميل ولا عزل من اللهازم ما قظتم بذي قار إن الفوارس من عجل هم أنفوا بأن يخلّوا لكسرى عرصة الدار قد أحسنت ذهل شيبان وما عدلت في يوم ذي قار فرسان ابن سيار هم الذين أتوهم عن شمائلهم كما تلبّس وراد بصدار تفسير : وقال الأعشى: شعر : فدى لبني ذهل بن شيبان ناقتي وصاحبها يوم اللقاء وفلت هم ضربوا بالحنو حنو قراقر مقدمة الهامرز حتى تولت تفسير : ولما أخبر بإدالة الروم بعد الإدالة عليهم مع ما دخل تحت مفهوم الآية، وكان ربما قيل: ما له لم يدم نصر أهل الكتاب؟ علل ذلك كله بقوله: {ينصر من يشاء} من ضعيف وقوي، لأنه لا مانع له و لا يسأل عما يفعل {وهو العزيز} فلا يعز من عادى، ولا يذل من والى، ولما كان هذا السياق لبشارة المؤمنين قال: {الرحيم} أي يخص حزبه بما ينيلهم قربه من الأخلاق الزكية، والأعمال المرضية.

السيوطي

تفسير : أخرج أحمد والترمذي وحسنه والنسائي وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني في الكبير والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في الدلائل والضياء عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله ‏ {‏الۤـمۤ غلبت الروم‏}‏ قال‏:‏ غلبت‏.‏ وغلبت قال‏:‏‏ كان المشركون يحبون أن تظهر فارس على الروم لأنهم أصحاب أوثان، وكان المسلمون يحبون أن تظهر الروم على فارس لأنهم أصحاب كتاب، فذكروه لأبي بكر رضي الله عنه، فذكره أبو بكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏ "حديث : ‏أما أنهم سيغلبون فذكره أبو بكر رضي الله عنه لهم فقالوا‏:‏ اجعل بيننا وبينك أجلاً فإن ظهرنا كان لنا كذا وكذا، وإن ظهرتم كان لكم كذا وكذا‏.‏ فجعل بينهم أجلاً خمس سنين، فلم يظهروا، فذكر ذلك أبو بكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال‏: الا جعلته أراه قال‏:‏ دون العشر فظهرت الروم بعد ذلك"تفسير : ‏ فذلك قوله ‏ {الۤـمۤ غلبت الروم‏}‏ فغلبت، ثم غلبت بعد.‏ يقول الله ‏{‏لله الأمر من قبل ومن بعد ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله‏}‏ قال سفيان‏:‏ سمعت أنهم قد ظهروا عليهم يوم بدر‏. وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود رضي الله عنه قال‏:‏ كان فارس ظاهرين على الروم، وكان المشركون يحبون أن تظهر فارس على الروم، وكان المسلمون يحبون أن تظهر الروم على فارس، لأنهم أهل كتاب وهم أقرب إلى دينهم‏.‏ فلما نزلت ‏ {الۤـمۤ غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين‏} ‏ قالوا‏:‏ يا أبا بكر إن صاحبك يقول إن الروم تظهر على فارس في بضع سنين‏.‏ قال‏:‏ صدق قالوا‏:‏ هل لك إلى أن نقامرك‏؟‏ فبايعوه على أربعة قلائص إلى سبع سنين، فمضى السبع سنين ولم يكن شيء‏.‏ ففرح المشركون بذلك وشق على المسلمين‏.‏ وذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال "حديث : ما بضع سنين عندكم؟ قالوا‏:‏ دون العشر. قال: اذهب فزايدهم وازدد سنتين في الأجل. قال: فما مضت السنتان حتى جاءت الركبان بظهور الروم على فارس، ففرح المؤمنون بذلك، وأنزل الله {‏الۤـمۤ غلبت الروم‏}‏ إلى قوله ‏{‏وعد الله لا يخلف الله وعده‏}‏‏ "‏‏. تفسير : وأخرج أيو يعلى وابن أبي حاتم وابن مردويه وابن عساكر عن البراء بن عازب رضي الله عنه قال‏:‏ لما أنزلت ‏{‏الۤـمۤ غلبت الروم‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ قال المشركون لأبي بكر رضي الله عنه‏:‏ ألا ترى إلى ما يقول صاحبك‏.‏ يزعم أن الروم تغلب فارس‏؟‏ قال‏:‏ صدق صاحبي‏.‏ قالوا‏:‏ هل لك أن نخاطرك‏؟‏ فجعل بينه وبينهم أجلاً، فحل الأجل قبل أن يبلغ الروم فارس، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فساءه وكرهه وقال لأبي بكر‏"حديث : ‏ما دعاك إلى هذا‏؟ قال‏:‏ تصديقاً لله ورسوله، فقال‏:‏ تعرض لهم، وأعظم الخطر، واجعله إلى بضع سنين‏.‏ فأتاهم أبو بكر رضي الله عنه فقال‏:‏ هل لكم في العود فإن العود أحمد‏؟‏ قالوا‏:‏ نعم‏.‏ ثم لم تمض تلك السنون حتى غلبت الروم فارس، وربطوا خيولهم بالمدائن وبنو الرومية، فقمر أبو بكر فجاء به أبو بكر يحمله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏: هذا السحت تصدق به ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج الترمذي وصححه والدارقطني في الافراد والطبراني وابن مردويه وأبو نعيم في الدلائل والبيهقي في شعب الإِيمان عن يسار بن مكرم السلمي قال‏:‏ لما نزلت ‏{‏الۤـمۤ غلبت الروم‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ ‏.‏ كانت فارس يوم نزلت هذه الآية قاهرين الروم، وكان المسلمون يحبون ظهور الروم عليهم لأنهم وإياهم أهل كتاب، وفي ذلك يقول الله ‏ {‏ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله‏} ‏ وكانت قريش تحب ظهور فارس لأنهم وإياهم ليسوا أهل كتاب ولا إيمان ببعث، فلما أنزل الله هذه الآية خرج أبو بكر رضي الله عنه يصيح في نواحي مكة ‏ {‏الۤـمۤ غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين‏} ‏ فقال ناس من قريش لأبي بكر‏:‏ ذاك بيننا وبينكم يزعم صاحبك إن الروم ستغلب فارس في بضع سنين أفلا نراهنك على ذاك‏؟‏ قال‏:‏ بلى - وذلك قبل تحريم الرهان - فارتهن أبو بكر رضي الله عنه المشركون، وتواضعوا الرهان وقالوا لأبي بكر‏:‏ لم تجعل البضع ثلاث سنين إلى تسع سنين، فسم بيننا وبينك وسطاً تنتهي إليه قال‏:‏ فسموا بينهم ست سنين، فمضت الست قبل أن يظهروا، فأخذ المشركون رهن أبي بكر رضي الله عنه فلما دخلت السنة السابعه ظهرت الروم على فارس، فعاب المسلمون على أبي بكر رضي الله عنه بتسميته ست سنين قال‏:‏ لأن الله قال ‏ {‏في بضع سنين‏}‏ فأسلم عند ذلك ناس كثير‏. وأخرج الترمذي وحسنه وابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما‏؛ ‏"حديث : ‏أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأبي بكر رضي الله عنه‏:‏ لما نزلت ‏ {‏الۤـمۤ غلبت الروم‏} ‏ ألا يغالب البضع دون العشر ‏"‏‏. تفسير : وأخرج ابن عبد الحكم في فتوح مصر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في الدلائل وابن عساكر عن ابن شهاب رضي الله عنه قال‏:‏ بلغنا أن المشركين كانوا يجادلون المسلمين وهم بمكة يقولون‏:‏ الروم أهل كتاب وقد غلبتهم الفرس، وأنتم تزعمون أنكم ستغلبون بالكتاب الذي أنزل على نبيكم، وسنغلبكم كما غلبت فارس الروم، فأنزل الله ‏ {الۤـمۤ غلبت الروم‏}‏ قال ابن شهاب: فاخبرني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود قال‏:‏ إنه لما نزلت هاتان الآيتان قامر أبو بكر بعض المشركين - قبل أن يحرم القمار - على شيء إن لم تغلب الروم فارس في بضع سنين، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم"حديث : ‏لم فعلت‏؟‏ فكل ما دون العشر بضع‏"‏ تفسير : فكان ظهور فارس على الروم في سبع سنين، ثم أظهر الله الروم على فارس زمن الحديبية، ففرح المسلمون بظهور أهل الكتاب‏. وأخرج الترمذي وحسنه وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن أبي سعيد قال‏:‏ كان يوم بدر ظهرت الروم على فارس، فأعجب ذلك المؤمنين، فنزلت ‏{الۤـمۤ غلبت الروم‏}‏ قرأها بالنصب إلى قوله ‏ {‏يفرح المؤمنون بنصر الله‏}‏ قال‏:‏ ففرح المؤمنون بظهور الروم على فارس قال الترمذي‏:‏ هكذا قرأ ‏ {‏غلبت‏}‏‏ .‏ وأخرج ابن جرير وابن مردويه والبيهقي في الدلائل وابن عساكر من طريق عطية العوفي عن ابن عباس في قوله ‏ {‏الۤـمۤ غلبت الروم‏} ‏ قال‏:‏ قد مضى‏.‏ كان ذلك في أهل فارس والروم، وكانت فارس قد غلبتهم، ثم غلبت الروم بعد ذلك، والتقى رسول الله صلى الله عليه وسلم مع مشركي العرب، والتقى الروم مع فارس، فنصر الله النبي صلى الله عليه وسلم ومن معه من المسلمين على مشركي العرب، ونصر أهل الكتاب على العجم‏.‏ قال عطية‏:‏ وسألت أبا سعيد الخدري عن ذلك فقال‏:‏ التقينا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ومشركي العرب، والتقت الروم وفارس، فنصرنا على مشركي العرب، ونصر أهل الكتاب على المجوس، ففرحنا بنصر الله إيانا على المشركين، وفرحنا بنصر أهل الكتاب على المجوس، فذلك قوله {‏ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله‏}‏ ‏. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي عن قتادة ‏ {الۤـمۤ غلبت الروم في أدنى الأرض‏}‏ قال‏:‏ غلبتهم أهل فارس على أدنى أرض: الشام‏.‏ ‏ {‏وهم من بعد غلبهم سيغلبون‏}‏ قال‏:‏ لما أنزل الله هؤلاء الآيات صدق المسلمون ربهم، وعرفوا أن الروم ستظهر على أهل فارس، فاقتمروا هم والمشركون خمس قلائص، وأجلوا بينهم خمس سنين، فولي قمار المسلمين أبو بكر، وولي قمار المشركين أبي بن خلف - وذلك قبل أن ينهى عن القمار - فجاء الأجل ولم تظهر الروم على فارس، فسأل المشركون قمارهم، فذكر ذلك أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال ‏"‏حديث : ألم تكونوا أَحِقَّاءَ أن تؤجلوا أجلا دون العشر‏؟‏ فإن البضع ما بين الثلاث إلى العشر، فزايدوهم وما دوهم في الأجل، فأظهر الله الروم على فارس عند رأس السبع من قمارهم الأول، فكان ذلك مرجعهم من الحديبيه، وكان مما شد الله به الإِسلام، فهو قوله ‏{‏ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله‏} ‏"‏‏. تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم والبيهقي عن الزبير الكلابي قال‏:‏ رأيت غلبة فارس الروم، ثم رأيت غلبة الروم فارس، ثم رأيت غلبة المسلمين فارس والروم، وظهورهم على الشام والعراق،‏ كل ذلك في خمس عشرة سنة‏.‏ وأخرج الحاكم وصححه عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال‏:‏ سيجيء أقوام يقرأون ‏{‏غلبت الروم‏} ‏ وإنما هي ‏ {‏غُلبت‏}‏ ‏.‏ وأخرج ابن مردويه عن عبد الرحمن بن غنم قال‏:‏ سألت معاذ بن جبل رضي الله عنه عن قول الله ‏ {‏الۤـمۤ غلبت الروم‏} ‏ أو ‏ {‏غلبت‏} ‏ فقال‏:‏ اقرأني رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏ {‏الۤـمۤ غلبت الروم‏}‏ ‏. وأخرج ابن عبد الحكم في فتوح مصر وابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله ‏ {‏الۤـمۤ غلبت الروم‏} ‏ قال‏:‏ غلبتهم فارس، ثم غلبت الروم فارس‏.‏ وفي قوله ‏ {‏في أدنى الأرض‏} ‏ قال‏:‏ في طرف الأرض‏:‏ الشام‏. وأخرج الطبراني في الأوسط عن ابن عباس رضي الله عنهما‏.‏ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ‏"حديث : البضع: ما بين السبع إلى العشرة‏ " تفسير : وأخرج الطبراني في الأوسط وابن مردويه عن نيار بن مكرم قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏"‏حديث : البضع‏:‏ ما بين الثلاث إلى التسع‏ "‏‏. تفسير : وأخرج ابن عبد الحكم في فتوح مصر من طريق ابراهيم بن سعد عن أبي الحويرث رضي الله عنه‏،‏ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ‏"‏حديث : ‏الـ {‏بضع سنين‏}‏ ما بين خمس إلى سبع ‏"‏‏. تفسير : وأخرج ابن عبد الحكم من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس رضي الله عنهما قال ‏الـ {بضع‏}‏ سبع سنين‏. وأخرج ابن جرير عن مجاهد رضي الله عنه ‏ {الۤـمۤ غلبت الروم‏} ‏ إلى قوله ‏ {‏أكثر الناس لا يعلمون‏}‏ قال‏:‏ ذكر غلبة فارس اياهم، وادالة الروم على فارس، وفرح المؤمنون بنصر الله أهل الكتاب على فارس من أهل الأوثان‏. وأخرج ابن جرير عن عكرمة ‏"‏أن الروم وفارس اقتتلوا في أدنى الأرض قال‏:‏ وأدنى الأرض يومئذ أذرعات‏.‏ بها التقوا فهزمت الروم، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وهم بمكة، فشق ذلك عليهم، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يكره أن يظهر الأميون من المجوس على أهل الكتاب من الروم، وفرح الكفار بمكة وشمتوا، فلقوا أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا‏:‏ إنكم أهل كتاب والنصارى أهل كتاب، وقد ظهر اخواننا من أهل فارس على اخوانكم من أهل الكتاب، وإنكم إن قاتلتمونا لنظهرن عليكم‏.‏ فأنزل الله ‏{‏الۤـمۤ غلبت الروم‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ ‏.‏ فخرج أبو بكر رضي الله عنه إلى الكفار فقال‏:‏ فرحتم بظهور إخوانكم على اخواننا فلا تفرحوا ولا يقرن الله عينكم، فوالله لتظهرن الروم على فارس، أخبرنا بذلك نبينا صلى الله عليه وسلم فقام إليه أبي بن خلف فقال‏:‏ كذبت‏.‏ فقال له أبو بكر رضي الله عنه‏:‏ أنت أكذب يا عدو الله‏.‏ قال‏:‏ إنا أحبك عشر قلائص مني وعشر قلائص منك فإن ظهرت الروم على فارس غرمت، وإن ظهرت فارس غرمت إلى ثلاث سنين، فجاء أبو بكر رضي الله عنه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأخبره فقال ‏"حديث : ‏ما هكذا ذكرت، إنما البضع من الثلاث إلى التسع، فزايده في الخطر، وماده في الأجل، فخرج أبو بكر رضي الله عنه فلقي أبياً فقال‏:‏ لعلك ندمت قال‏:‏ لا‏.‏ قال‏:‏ تعال أزايدك في الخطر، وأمادك في الأجل، فاجعلها مائة قلوص إلى تسع سنين قال‏:‏ قد فعلت‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن جرير عن سليط قال‏:‏ سمعت ابن عمر رضي الله عنهما يقرأ ‏ {‏الۤـمۤ غلبت الروم‏} ‏ قيل له‏:‏ يا أبا عبد الرحمن على أي شيء غلبوا‏؟‏ قال‏:‏ على ريف الشام‏.‏ وأخرج ابن جرير عن ابن جريج ‏ {‏لله الأمر من قبل‏}‏ دولة فارس على الروم ‏{‏ومن بعد‏} ‏ دولة الروم على فارس‏.

ابو السعود

تفسير : (سورة الروم) مكية إلا قوله {فسبحان الله} الآية. وهى ستون آية. {بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم} {الم} الكلامُ فيه كالذي مرَّ في أمثالِه من الفواتحِ الكريمةِ {غُلِبَتِ ٱلرُّومُ * فِى أَدْنَى ٱلأَرْضِ} أي أدنى أرضِ العربِ منهم إذ هيَ الأرضُ المعهودةُ عندهم وهي أطراف الشَّامِ أو في أدنى أرضِهم من العربِ على أنَّ اللامَ عوضٌ عن المضافِ إليهِ. قال مجاهدٌ: هي أرضُ الجزيرةِ وهي أدْنى أرضِ الرُّومِ إلى فارسَ. وعن ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما: الأردنُّ وفلسطينُ. وقُرىء أدانِي الأرضِ {وَهُمْ} أي الرُّوم {مّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ} أي بعد مغلوبـيَّتهم. وقُرىء بسكونِ اللامِ وهي لغةٌ كالجَلَب والجَلْب {سَيَغْلِبُونَ} أي سيَغلِبون فارسَ {فِى بِضْعِ سِنِينَ} رُوي أنَّ فارسَ غَزَوا الرُّومَ فوافَوهم بأَذْرِعَاتٍ وبُصرَى وقيل: بالجزيرةِ كما مرَّ فغلبوا عليهم، وبلغ الخبرُ مكَّة ففرح المشركون وشمِتُوا بالمسلمينَ وقالُوا: أنتُم والنَّصارى أهلُ كتابٍ ونحن وفارسُ أميُّون وقد ظهر إخوانُنا على إخوانِكم فلنظهرنَّ عليكم، فقال أبُو بكرٍ رضي الله عنه: لا يقْرِرِ الله أعينَكم فوالله ليظهرنَّ الرومُ على فارسَ بعد بضعِ سنين، فقال له أُبـيُّ بنُ خَلَف اللَّعينُ: كذبتَ اجعل بـيننا أجلاً أناحِبُك عليه فناحبَه على عشرِ قلائصَ من كلَ منهُما وجعلا الأجلَ ثلاثَ سنينَ فأخبر به أبُو بكرٍ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فقالَ: « حديث : البضعُ ما بـين الثَّلاثِ إلى التِّسعِ فزيدُوه في الخطرِ ومادِّه في الأجلِ » تفسير : فجعلاها مائةَ قلوصٍ إلى تسعِ سنينَ ومات أبـيُّ من جرحِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم وظهرتِ الرُّوم على فارسَ عند رأسِ سبعِ سنينَ وذلك يومَ الحديبـيةِ، وقيل: كانَ النَّصرُ للفريقينِ يومَ بدرٍ فأخذَ أبُو بكر الخَطَر من ذريَّةِ أبـيَ فجاء به رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فقالَ: « حديث : تصدَّق به ». تفسير : وكانَ ذلك قبلَ تحريمِ القِمارِ. وهذه الآياتُ من البـيِّناتِ الباهرةِ الشَّاهدةِ بصحَّةِ النُّبوةِ وكونِ القُرآنِ من عندِ الله عزَّ وجلَّ حيثُ أخبرتْ عن الغيبِ الذي لا يعلمُه إلا العليمُ الخبـيرُ. وقُرىء غَلَبت على البناءِ للفاعلِ وسيُغلبون على البناءِ للمفعولِ والمعنى أنَّ الرُّوم غلبتْ على ريفِ الشامِ وسيغلبُهم المسلمونَ وقد غَزَاهُم المسلمون في السَّنةِ التَّاسعةِ من نزولِها ففتحُوا بعضَ بلادِهم، فإضافةُ الغَلَب حينئذٍ إلى الفاعلِ. {لِلَّهِ ٱلأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ} أي في أولِ الوقتينِ وفي آخرِهما حين غُلبوا وحين يغلِبون، كأنَّه قيل: من قبلِ كونِهم غالبـينَ وهو وقتُ كونِهم مغلوبـينَ ومن بعدِ كونِهم مغلوبـينَ وهو وقتُ كونِهم غالبـينَ والمعنى أنَّ كلاًّ من كونِهم مغلوبـينَ أولاً وغالبـين آخراً ليس إلا بأمرِ الله تعالى وقضائِه { أية : وَتِلْكَ ٱلأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ ٱلنَّاسِ} تفسير : [سورة آل عمران: الآية 140]. وقُرىء من قبلِ ومن بعدِ بالجرِّ من غيرِ تقديرِ مُضافٍ إليهِ واقتطاعِه كأنَّه قيل: قبلاً وبَعْداً، بمعنى أولاً وآخِراً {وَيَوْمَئِذٍ} أي يومَ إذْ يغلبُ الرُّومُ على فارسَ ويحلُّ ما وعدَه الله تعالى من غلبتِهم {يَفْرَحُ ٱلْمُؤْمِنُونَ}.

القشيري

تفسير : {الۤـمۤ غُلِبَتِ ٱلرُّومُ فِيۤ أَدْنَى ٱلأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ فِي بِضْعِ سِنِينَ}. الإشارة في "الألف" إلى أنه ألِفَ صُحْبتنَا مَنْ عَرف عظمتنا. وأنّه أَلف بلاءنا مَنْ عَرَفَ كبرياءنا. والإشارة في "اللام" إلى أنه لزمَ بابنا مَنْ ذاق محابّنا، ولزمَ بساطنَا مَنْ شهد جمالنَا. والإشارة في "الميم" إلى أَنه مُكِّنَ منْ قُرْبنَا مَنْ قام على خدمتنا، ومات على وفائنا مَنْ تحقق بولائنا. قوله {غُلِبَتِ ٱلرُّومُ}: سُرَّ المسلمون بظفر الروم على العجم - وإن كان الكفر يجمعهم - إلا أن الروم اختصوا بالإيمان ببعض الأنبياء، فشكر الله لهم، وأنزل فيهم الأية.. فكيف بمن يكون سروره لدين الله، وحُزنُه واهتمامه لدين الله؟. قوله جلّ ذكره: {لِلَّهِ ٱلأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ ٱلْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ ٱللَّهِ يَنصُرُ مَن يَشَآءُ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ}. {قَبْلُ} إذا أُطْلق انتظم الأزل، "وبَعْدُ" إذا أطلق دلّ على الأبد؛ فالمعنى الأمر الأزليُّ لله، والأمر الأبديُّ للّهِ لأنَّ الرَّبِّ الأزليّ والسَّيِّدَ الأبديّ اللَّهُ. لله الأمرُ يومَ العرفان، ولله الأمرُ يومَ الغفران. لله الأمرُ حين القسمة ولا حين، ولله الأمرُ عند النعمة وليس أي معين. ويقال: لي الأمرُ {مِن قَبْلُ} وقد علمتُ ما تفعلون، فلا يمنعني أحدٌ من تحقيق عرفانكم، ولي الأمر {وَمِن بَعْدُ} وقد رأيتُ ما فعلتم، فلا يمنعني أحدٌ من غفرانكم. وقيل: {لِلَّهِ ٱلأَمْرُ مِن قَبْلُ} بتحقيق ودِّكم، والله الأمر من بعد بحفظ عهدكم: شعر : إني - على جفواتها - وبربِّها وبكلِّ مُتصل بها مُتوسلِ تفسير : {وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ ٱلْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ ٱللَّهِ}: شعر : اليومَ إرجافُ السرور وإِنما يومَ اللِّقاء حقيقةُ الإرجاف تفسير : اليومَ ترحٌ وغداً فرح، اليوم عَبرة وغداً حَبرة، اليوم أسف وغداً لطف، اليوم بكاء وغداً لقاء.

البقلي

تفسير : {الۤـمۤ} اشارة الالف ههنا الى اشتياق قلوب المشتاقين الى لقائه واشارة اللام والميم اشارة كيف جماله لارواح المحبين العاشقين بوجهه بقوله تعالى {غُلِبَتِ ٱلرُّومُ} اشارة الى ان الارواح وان كانت مغلوبة من النفوس الامارة والشياطين الكافرة امتحانا من الله وتربية لها بمباشرة القهريات فانها تغلب على النفوس حين يخرج من مقام الاختيار.

اسماعيل حقي

تفسير : {آلم} [ابو الجوزاء از ابن عباس رضى الله عنهما نقل كرده كه حروف مقطعة آيت ربانية اندهر حرفي اشارت است بصفتي كه حق را بدان ثنا كويند جنانكه الف ازين كلمة كنايتست ازالوهيت ولام ازلطف وميم از ملك وكفته اندالف اشارت باسم اللّه است ولام بلام جبريل وميم باسم محمد. يعني اللّه جل جلاله بواسطه جبرائيل عليه السلام وحي فرستاد بحضرت محمد صلى اللّه عليه وسلم]. وفي التأويلات النجمية يشير بالالف إلى الفة طبع المؤمنين بعضهم ببعض وباللام يشير إلى لؤم طبع الكافرين وبالميم إلى مغفرة رب العالمين فبالمجموع يشير إلى ان الفة المؤمنين لما كانت من كرم الله وفضله بان الله الف بين قولبهم انتهت إلى غاية حصلت الفة ما بينهم وبين أهل الكتاب اذ كانوا يوما ما من أهل الإيمان وان كانوا اليوم خالين عن ذلك وان لؤم الكافرين لما كان جبليالهم غلب عليهم حتى انهم من لؤم طبعهم يعادى بعضهم بعضا كمعاداة اهل الروم فارس مع جنسيتهم في الكفر وكانوا مختلفين في الالفة متفقين على العداوة وقتل بعضهم بعضا وان مغفرة رب العالمين لما كانت من كرمه العميم واحسانه القديم انتهت إلى غاية سلمت الفريقين ليتوب على العاتى من الحزبين ويعمم للطائفتين خطاب ان الله يغفر الذنوب جميعاً انتهى. وفى كشف الاسرار الم الف بلايانا من عرف كبريانا ولزم بابنا من شهد جمالنا ومكن من قربتنا من اقام على خدمتنا [اي جوانمرد دل باتوحيداو سبار وجان باعشق ومحبت او بردار وبغيراو التفات مكن هركه بغيراو باز نكرد تيغ غيرت دمار ازجان اوبر آرد وهركه ازبلاى او بنالد دعوئ دوستى درست نيايد. مردى بود در عهد ييشين مهترى از سلاطين دين اورا عامر بن القيس ميكفتند جنين مي آيدكه درنماز نافله يايهاى او خون سياه بكرفت كفتند يايها ببرتا اين فساد زيادت نشود كفت يسر عبد القيس كه باشدكه اورابر اختيار حق اختياري بود بس جون درفرائض ونوافل وى خلل آمد روى سوى آسمان كرد كفت بادشاها كرجه طاقت بلا دارم طاقت باز ماندن از خدمت نمى آرم باى مى برم تااز خدمت باز نمانم آنكه كفت كسى رابخوانيد تا آيتي از قرآن برخواند جون بينيد كه دروجد وسماع حال بر مابكردد شما بر كار خود مشغول باشيد بابها ازوى جدا كردند وداغ نهادند وآن مهتر دروجد وسماع آن جنان رفته بودكه ازان ألم خبر نداشت بس جون مقرى خاموش شد وشيخ بحال خود باز آمد كفت ابن باى بريده بطلا بشوييد وبمشك وكافور معطر كنيدكه بردكاه خدمت هر كز بربى وفايى كامى ننهاده است]. يقول الفقير الالف من الم اشارة إلى عالم الامر الذي هو المبدأ لجميع التعينات واللام اشارة إلى عالم الارواح الذي هو الوسط بين الوجودات والميم اشارة الى عالم الملك الذي هو آخر التنزيلات والاسترسالات. فكما ان فعل بالنسبة الى اهل النحو مشتمل على حروف المخارج الثلاثة التي هي الحلق والوسط والفم. فكذا الم بالاضافة الى اهل المحو محتو على حروف المراتب الثلاث التي هي الجبروت والملكوت والملك وفرق بين كلمتيها اللفظيتين كما بين كلمتيها المعنويتين اذ كلمة اهل المحو مستوية مرتبة وكلمة اهل النحو منحية غير مرتبة. ثم اسرار الحروف المقطعة والمتشابهات القرآنية مما ينكشف لاهل الله بعد الوصول إلى غاية المراتب وان كان بعض لوازمها قد يحصل لاهل الوسط ايضاً فلا يطمع في حقائقها من توغل في الرسوم واشتغل بالعلوم عن المعلوم نسأل الله تعالى ان ينجينا من ورطات العلاقات الوجودية المانعة عن الامور الشهودية.

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جل جلاله: بعد التسمية {الـۤـم} أي: أيها المصطفى، أو: المرسل، {غُلبت الرومُ} أي غلبت فارسُ الرومَ {في أدنى الأرض} أي: في أقرب أرض العرب؛ لأن الأرض المعهودة عند العرب أرضهم، أي: غلبوا في أدنى أرض العرب منهم، وهي أطراف الشام. أو أراد أرضهم على إنابة اللام مناب المضاف إليه, أي: في أدنى أرضهم إلى عدوّهم. قال ابن عطية: قرأ الجمهور: "غُلبت"؛ بضم الغين. وقالوا: معنى الآية: أنه بلغ أهل مكة أن الملك كسرى هزَم جيشَ الروم بأذرعاتِ، وهي أدنى أرض الروم إلى مكة، فسُر لذلك كفارُ قريش، فبشر المؤمنين بأن الروم سيغلبون. هـ. وهذا معنى قوله: {وهم} أي: الروم {من بعد غَلَبِهم}، وقرئ: بسكون اللام؛ كالحلَب والحلْب، وهو من إضافة المصدر إلى المفعول، أي: وهم من بعد غلبة فارس إياهم {سيَغْلِبون} فارس، وتكون الدولة لهم. وذلك {في بِِضْعِ سنين}، وهو ما بين الثلاث إلى العشر. قال النسفي: قيل: احتربت الروم وفارس، بين أذرعاتِ وبُصرى، فغلبت فارسُ الروم، والمَلِكُ بفارس، يومئذٍ، كسرى "أبرويز"، فبلغ الخبر مكة، فشقَّ ذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين؛ لأنَّ فارسَ مجوسٌ؛ لا كتاب لهم، والروم أهل كتاب، وفرح المشركون وشمتوا، وقالوا: أنتم والنصارى أهل الكتاب، ونحن فارس أُمِّيُّون، وقد ظهر إخواننا على إخوانكم، ولنظهرنَّ نحن عليكم, فنزلت الآية. فقال أبو بكر: والله ليَظْهَرَنَّ الروم على فارس بعد بضع سنين، فقال له أُبَيُّ بنُ خلف: كذبت، فناحبه - أي: قامره - على عشر قلائص من كل واحد منهما، وجعل ثلالث سنين، فأخبر أبو بكر رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، فقال - عليه الصلاة والسلام-: "حديث : زِدْ في الخطر وأبعد في الأجل" تفسير : ، فجعلاها مائة قلوص إلى تسع سنين, ومات أبيّ من جرح رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد, وظهرت الروم على فارس يوم الحديبية، أو: يوم بدر، فأخذ أبو بكر الخطر من ذرية أُبَيَّ، فقال عليه الصلاة والسلام -:"حديث : تصدَّقْ به ". تفسير : وهذه آية بينة على صحة نبوته، وأن القرآن من عند الله؛ لأنها إنباء عن علم الغيب. وكان ذلك قبل تحريم القمار، عن قتادة. ومذهب ابي حنيفة ومحمد - رضي الله عنهما -: أن العقود الفاسدة؛ كعقد الربا وغيره، جائز في دار الحرب بين المسلمين والكفار، واحتجا بهذه القصة. هـ. زاد البيضاوي: وأجيب بأنه كان قبل تحريم القمار. هـ وقرئ: "غلبت"؛ بالفتح، "وسيُغلبون" بالضم، ومعناه: أن الروم غَلَبُوا على ريف الشام، وسيغلبهم المسلمون، وقد غزاهم المسلمون في السنة التاسعة من نزولها، وفتحوا بعض بلادهم، وعلى هذا يكون إضافة الغلَب إلى الفاعل. {لله الأمرُ من قبلُ ومن بعد} أي: من قبل كل شيء، ومن بعد كل شيء. أو: من قبل الغلبة وبعدها، كأنه قيل: من قبل كونهم غالبين - وقبله: وهو وقت كونهم مغلوبين - ومن بعد كونهم مغلوبين - وهو وقت كونهم غالبين، يعني: أن كونهم مغلوبين أولاًُ، وغالبين آخراً، ليس إلا بأمر الله وقضائه. {أية : وَتِلْكَ ٱلأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ ٱلنَّاسِ}تفسير : [آل عمران: 140]. {ويومئذٍ} أي: ويوم تغلب الرومُ فارسَ، ويحل ما وعده الله من غلبتهم، {يفرح المؤمنون بنصر الله}، وتغلب من له كتاب على مَن لا كتاب له، وغيظ من شمت بهم من أهل مكة. وقيل: نصر الله: هو إظهار صدق المؤمنين، بما أخبروا به المشركين من غلبة الروم. {ينصُر من يشاء} فينصر هؤلاء تارة وهؤلاء أخرى، {وهو العزيزُ}: الغالب على أعدائه {الرحيمُ}: العاطف على أوليائه. {وَعْدَ اللهِ} اي: وعد ذلك وعداً، فسينجزه لا محالة، فهو مصدر مؤكّد لِمَا قبله؛ لأن قوله: {سيغلبون} وعد، {لا يُخْلِفَ الله وعْدَه}؛ لامتناع الكذب عليه تعالى، فلا بد من نصر الروم على فارس. {ولكنَّ أكثرَ الناسِ لا يعلمون} صحة وعده، وأنه لا يُخلف، أو: لا يعلمون أن الأمور كلها بيد الله؛ لجهلهم وعدم تفكرهم. وإنما {يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا}؛ ما يشاهدونه منها من التمتع بزخارفها. وفيه دليل أن للدنيا ظاهراً وباطناً، فظاهرها: ما يعرفه الجهّال من التمتع بزخارفها. قال بعض الحكماء: إن كنت من أهل الاستبصار فألق ناظرك عن زخارف هذه الدار، فإنها مجمع الأكدار، ومنبع المضار، وسجن الإبرار، ومجلس الأشرار، الدنيا كالحية، تجمع سموم نوائبها، وتفرغه في صميم قلوب أبنائها. هـ. وباطنها: أنها مجازٌ إلى الآخرة، يتزودون منها إليها بالأعمال الصالحة وتحقيق المعرفة. وتنكير (ظاهِراً): مُفيدٌ أنهم لا يعلمون إلا ظاهراً واحداً من جملة ظواهرها. {وهم عن الآخرة هم غافلون}؛ لا تخطر ببالهم، ولا يتفكرون في أهوالها ونوائبها. فهم، الثانية: مبتدأ، و(غافلون): خبره، والجملة: خبرالأولى، وفيه تنبيه أنهم معدن الغفلة ومقرّها. والله تعالى أعلم. الإشارة: كما تقع الدولة بين الأشباح، تقع بين النفوس, والأرواح. فتارة تغلب النفوس بظلماتها على الأرواح، فتحجبها عن الله، وتارة تغلب الأرواح بأنوارها على النفوس، فتستر ظلمة حظوظها، ويرتفع الحجاب بين الله وعبده. آلم. غُلبت أنوار الأرواح بظلمة كثائف النفوس, في أدنى أرض العبودية, وهم من بعد غلبهم سيغلبون, فتغلب أنوار الأرواح المطهرة، على ظلمة نفوس الظلمانية، وذلك في بضع سنين، مدة المجاهدة، والبُضع: من ثلاث إلى عشر، على قدر الجد والاجتهاد، وعلى قدر تفاوت النفوس والطبع، فمنهم من يظفر بنفسه في مدة يسيره، ومنهم من يظفر بعد مدة طويلة. لله الأمرُ من قبلُ ومن بعدُ، ويومئذٍ يفرح المؤمنون السائرون بنصر الله، حيث نصرهم على نفوسهم، فظفروا بها. ينصر من شاء حيث يشاء وهو العزيز الرحيم. قال بعضهم: انتهى سير السائرين إلى الظفر بنفوسهم، فإن ظفروا بها وصلوا. هـ. وقال الورتجبي: قوله: {غُلبت الروم..} الآية، إشارة إلى أن الأرواح، وإن كانت مغلوبة من النفوس الأمارة، والشياطين الكافرة؛ امتحاناً من الله، وتربيةً لها بمباشرة القهريات، فإنها تغلب على النفوس، من حيث تخرج من مقام الاختيار. انظر تمامه. وقال القشيري: قوله تعالى: {يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا}: استغراقُهم في الاشتغال بالدنيا، وانهماكهم بما مَنَعهم عن العلم بالآخرة وقيمة كل امرىءٍ عِلمُه؛ كما في الأثر عن عليّ رضي الله عنه. قال: شعر : وَقِيمَةُ كُلِّ امْرِىءٍ مَا كَانَ يُتْقِنُهُ والجاهلون لأهلِ العِلْمِ أعداءُ تفسير : فأهل الدنيا في غفلة عن الآخرة، والمشتغلون بعلم الآخرة، هم بوجودها، في غفلة عن الله. هـ. قلت: وأهل المعرفة بالله لم يشغلهم عنه دنيا ولا آخرة. والله تعالى أعلم. ثم أمر بالتفكر، فقال: {أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُواْ فِيۤ أَنفُسِهِمْ...}

الطوسي

تفسير : خمس آيات كوفي وبصري وشامي، وأربع في ما عداه، عد الكوفيون {الم} وعدوا {غلبت الروم} وعد البصري والشامي {غلبت الروم} وعدوا {في بضع سنين} وعد المدني {غلبت الروم} وعد اسماعيل والمكى {غلبت الروم، في بضع سنين}. قرأ ابن عمر، وابو سعيد الخدري {غلبت الروم} بفتح الغين، فقيل لابن عمر: على أي شيء غلبوا قال على ريف الشام، وهذا غلط، فان عند جميع المفسرين القزاءة بالضم. والسبب في ذلك معروف، وهو ان الروم لما غلبهم فارس فرح مشركوا قريش بذلك من حيث ان اهل فارس لم يكونوا اهل كتاب، وساء ذلك المسلمين، فأخبر الله تعالى ان الروم وإن غلبهم فارس، فان الروم ستغلب في ما بعد فارس {في بضع سنين} أي في ما بين ثلاث سنين إلى عشر، فكان كما اخبر، وكان ذلك معجزة ظاهرة باهرة للنبي صلى الله عليه وآله وروي أن جماعة من الصحابة راهنوا أبي بن خلف وقيل: أبا سفيان. إن لم يصح الخبر ووافقوهم على اربع سنين، فلما اخبروا النبي صلى الله عليه وآله قال: "حديث : زيدوهم في الخطر واستزيدوا في الأجل" تفسير : ففعلوا، فغلبت الروم لفارس قبل المدة. اخبر الله تعالى ان الروم غلبت عليها فارس في أدني الأرض من أرض الشام إلى ارض فارس، وانهم من بعد غلبتهم فارس سيغلبون في ما بعد في بضع سنين. وروي عن النبي صلى الله عليه وآله ان البضع - ها هنا - ما بين الثلاث إلى العشر. وروي ان سبب ذلك ان الروم لما غلبتها فارس فرح المشركون بذلك وقالوا: أهل فارس لا كتاب لهم غلبوا اهل الروم، وهم اهل كتاب، فنحن لا كتاب لنا نغلب محمداً الذي معه كتاب، فانزل الله تعالى هذه الآيات تسلية للنبي والمؤمنين. وإن الروم وإن غلبها فارس، فانها ستغلب فارس في ما بعد في بضع سنين. قال ابو سعيد الخدري: كان النصر يوم بدر للفريقين للنبي صلى الله عليه وآله والروم على فارس، ففرح المؤمنون بالنصرين. وقيل: كان يوم الحديبية. وقال الفراء: قوله {من بعد غلبهم} تقديره غلبتهم، فحذف الهاء للاضافة. كما قال {أية : وإقام الصلاة}. تفسير : قال الزجاج: الغلب والغلبة مصدران، مثل الحلب والحلبة، والغلبة الاستيلاء على القرن بالقهر، غلب يغلب فهو غالب وذلك مغلوب، وتغلب تغلباً إذا تعرض للغلبة، غالبه معالبة. و (الأدنى) الاقرب، ونقيض الأدنى الاقصى، ونقيض الأقرب الابعد، والمراد أدنى الارض إلى جهة عدوهم. والبضع القطعة من العدد ما بين الثلاث إلى العشر، اشتقاقه من بضعته إذا قطعته تبضيعاً، ومنه البضاعة القطعة من المال في التجارة، ومنه البضعة القطعة من البدن، والمبضع، لانه يقطع به العرق. والمباضعة الجماع. وقال المبرد البضع ما بين العقدين في جميع الاعداد. ثم اخبر تعالى بأن {لله الأمر من قبل ومن بعد} تقديره من بعد غلبهم ومن قبل غلبهم، فقطع عن الاضافة وبني لأنه على الغاية وتفسيرها انه ظرف قطع عن الاضافة التي هي غاية، فصار كبعض الاسم، فاستحق البناء وبني على الحركة، لان له اصلا في التمكن يستعمل. وبني على الضمة لانها حركة لا تكون له في حال الاعراب. فهي ادل على البناء. ثم قال {ويومئذ يفرح المؤمنون} أي يوم يغلب الروم لفارس يسر المؤمنون تفاؤلا بأن يغلبوا هم المشركين. ثم بين بماذا يفرحون، فقال {بنصر الله ينصر من يشاء من عباده وهو العزيز} في انتقامه من اعدائه {الرحيم} إلى من أناب اليه من خلقه.

الجنابذي

تفسير : {الۤـمۤ غُلِبَتِ ٱلرُّومُ فِيۤ أَدْنَى ٱلأَرْضِ} اى ادنى ارضهم من ارض فارس او ارض العرب {وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ} قرئ الفعلان مبنيّين للمفعول، وقرئ الاوّل مبنيّاً للمفعول والثّانى مبنيّاً للفاعل وهى القراءة المشهورة، وقرئ بالعكس، قيل: انّ الفرس غزت الرّوم فوافوهم باذرعاتٍ وقيل: بالجزيرة فغلبوا عليهم وبلغ الخبر مكّة ففرح المشركون وشمتوا بالمسلمين وقالوا: انتم والنّصارى اهل كتاب ونحن وفارس امّيّون، وقد ظهر اخواننا على اخوانكم وليظهرنّ عليكم، فنزلت، وفى خبرٍ: انّ رسول الله (ص) بعدما هاجر الى المدينة واظهر رسالته كتب كتاباً الى ملك الرّوم وكتاباً الى ملك فارس فعظّم ملك الرّوم كتاب الرّسول (ص) وعظّم رسوله، واهان ملك فارس كتابه (ص) واهان برسوله، وكان بين الرّوم والفرس مقاتلة فغلبت الفرس الرّوم فساء ذلك المسلمين لما كانوا احبّوا ملك الرّوم وابغضوا ملك الفرس، فنزلت الآية: {الۤـمۤ غُلِبَتِ ٱلرُّومُ} يعنى غلبتها فارس فى ادنى الارض وهى الشّامات وما حولها وهم يعنى فارس من بعد غلبهم الرّوم سيغلبون يعنى يغلبهم المسلمون.

الأعقم

تفسير : {ألم} قيل: اسم للسورة، وقيل: إشارة إلى حدوث القرآن، وقيل: إنه من أسماء الله تعالى، يعني: {الم} أنا الله عن ابن عباس {غلبت الروم} أي غلبهم فارس في بعض حروبهم وظهروا عليهم وكان ذلك في عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) {في أدنى الأرض} أي عدوهم، وقيل: أدنى الأرض من أرض الشام إلى أرض فارس، وقيل: الأردن وفلسطين {وهم من بعد غلبهم سيغلبون} فارساً {في بضع سنين} والبضع من الثلاث إلى العشر ولما بلغ الخبر إلى مكة ان فارساً غلبوا الروم فشق ذلك على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) والمسلمين لأن فارساً مجوس لا كتاب لهم والروم أهل كتاب، وفرح المشركون وشمتوا وقالوا: أنتم والنصارى أهل كتاب ونحن وفارس أميون وقد ظهر إخواننا على إخوانكم ولنظهرن نحن عليكم فنزلت الآية، وظهور الروم على فارس يوم الحديبيَّة وذلك عند رأس سبع سنين، وقيل: كان النصر يوم بدر، وروي: "حديث : أن أبا بكر لما ظهرت قال: والله لتظهرن الروم على فارس، فقال له أبيّ بن خلف، كذبت اجعل بيننا أجلاً أناحبك عليه، والمناحبة: المراهنة، على عشر قلائص من كل واحد وجعل الأجل ثلاث سنين، وأخبر أبا بكر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: البضع ما بين الثلاث إلى السبع فزايده في الخطر ومادّه في الأجل، فجعلاها مائة قلوص إلى تسع سنين، ومات أُبيّ من جرح رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وظهرت الروم على فارس يوم بدر، وأخذ أبو بكر الخطر من ذرية أبيّ وجاء به إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: تصدق به فتصدق به" تفسير : والله أعلم {لله الأمر من قبل ومن بعد} أي في أوَّل الوقتين وفي آخرهما حين غُلِبوا وحين غَلَبُوا من قبل دول الروم على فارس وبعدها فلو أراد إهلاكهم لفعل، وقيل: الأمر فيما مضى وفيما بقي وهي عبارة عن ملكه في عموم الأوقات {ويومئذ} يعني يوم غَلَبت الروم فارس فقد كان فيه نصر الله وتصديق رسوله {يفرح المؤمنون} {بنصر الله} وبغلبة من له كتاب على من لا كتاب له وغيظ من شمت بهم من كفار مكة، وقيل: ذلك يوم بدر، ويومئذ عبارة عنه فرحوا بما نالهم من النصر والفتح وهذا أولى لأن الروم كفار لا ينصرهم تعالى، وقيل: نصر الله أنه وَلَّى بعض الظالمين بعضاً وفرق بين كلمتهم وفي ذلك قوة للإِسلام بنصر الله {ينصر من يشاء} من عباده وهم الأنبياء والمؤمنون {وهو العزيز} القادر على نصر المؤمنين {الرحيم} بمن أناب اليه من خلقه، ثم أكد ذلك بالبشارة فقال سبحانه: {وعد الله} أي وعد الله المؤمنين بالنصر، وقيل: وعد الله في الروم أنها تغلب فارساً {لا يخلف الله وعده} في ذلك ولا في غيره {ولكن أكثر الناس لا يعلمون} صحة الوعد والله أعلم.

الهواري

تفسير : {بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} قوله: {الۤـمۤ} قد فسَّرناه في أول سورة البقرة. قوله: {غُلِبَتِ الرُّومُ} أي: قد غلبتهم فارسُ {فِي أَدْنَى الأَرْضِ} أي: في أدنى الروم، بأذرعات من الشام، بها كانت الوقعة. فلما بلغ ذلك أهلَ مكة شَمِتوا أن غلب إخوانُهم أهلَ الكتاب. وكان المسلمون يعجبهم أن يظهر الروم على فارس، لأن الروم أهلُ كتاب. وكان مشركو العرب يعجبهم أن يظهر المجوس على أهل الكتاب. قال الله: {وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ} يعني الروم، من بعد ما غلبتهم فارسُ سيغلبون فارسَ. {فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الأَمْرُ مِن قَبْلُ} أن يهزم الروم {وَمِن بَعْدُ} ما هزمت. {وَيَوْمَئِذٍ} أي: يغلب الرومُ فارسَ {يَفْرَحُ المُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللهِ يَنصُرُ مَن يَشَاءُ وَهُوَ العَزِيزُ الرَّحِيمُ}. قال أبو بكر للمشركين: لِمَ تَشْمَتون، فوالله ليظهرن الروم على فارس إلى ثلاث سنين فقال أبي بن خلف: أنا أبايعك ألا تظهر الروم على فارس إلى ثلاث سنين. فتبايعا على خَطَر سبع من الإِبل. ثم رجع أبو بكر إلى النبي عليه السلام فأخبره. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : اذهب فبايعهم إلى سبع سنين، مُدَّ في الأجل وزِدْ في الخَطَر . تفسير : ولم يكن حرم ذلك يومئذ؛ وإنما حرم القمار، وهو الميسر، والخمر بعد غزوة الأحزاب. فرجع أبو بكر إليهم فقال: اجعلوا الوقت إلى سبع سنين وأزيدكم في الخَطَر. ففعلوا، فزاد في الخطر ثلاثاً فصارت عشراً من الإِبل، وفي السنين أربعاً، فكانت السنون سبعاً، ووقع الخطر على يدي أبي بكر. فلما مضت ثلاث سنين قال المشركون: قد مضى الوقت، وقال المسلمون: هذا قولُ ربّنا، وتبليغُ نبيّنا، والبِضْع ما بين الثلاث إلى التسع ما لم يبلغ العشر، والموعود كائن. فلما كان تمام سبع سنين ظهرت الروم على فارس، وكان الله وعد المؤمنين إذا غلبت الروم فارس أظهرهم الله على المشركين، فظهرت الروم على فارس والمؤمنون على المشركين في يوم واحد، وهو يوم بدر، وفرح المسلمون بذلك وصدق الله قولهم وقول رسوله، وهو قوله: {وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ المُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللهِ يَنصُرُ مَن يَشَاءُ وَهُوَ العَزِيزُ الرَّحِيمُ}. قال: {وَعْدَ اللهِ لاَ يُخْلِفُ اللهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ}. ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حديث : إذا مات كسرى فلا كسرى بعده وإذا مات قيصر فلا قيصر بعده. يعني ملك الروم بالشام . تفسير : ذكروا عن عقبة بن نافع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حديث : تقاتلون جزيرة العرب فيفتح الله عليكم وتقاتلون الدجال فيفتح الله عليكم تفسير : فكان عقبة بن نافع يحلف بالله لا يخرج الدجال حتى تفتح الروم.

اطفيش

تفسير : {الَمَ} مر تفسيره.

اطفيش

تفسير : {الم غلبَتِ الرُّوم} ذرية روم بن يونان بن علجان بن يافث ابن نوح عليه السلام، او روم بن يافان بن يافث، او روم بن عيص بن اسحاق بن ابراهيم، غلبهم فارس {في أَدْنى الأرْض} فى اقرب ارض الروم الى مكة ورجحه ابن حجر، او فى أقرب أرض مكة ونواحيها الى الروم، او فى اقرب ارض الروم او فارس، لان الحرب وقعت بين اذرعات وبصرى، وقال ابن عباس: فى الاردن وفلسطين، وقيل: فى جزيرة ابن عمر تجرى هذه الاقوال على ما مرقبلها، وعبارة بعض ادنى الارض، قرب ارض الشام الى فارس، وقيل: اذرعات، وقيل: الاردن: وقيل: الجزيرة. {وهُمْ مِن بَعْد} متعلق بالفعل بعده {غَلبَهم} من بعد ان كانوا مغلوبين، على ان الغلب مصدر من المبنى للمفعول مضاف الى نائب الفاعل، او من بعد ان غلبهم فارس، فهو مصدر مضاف للفاعل، والاول اولى لمناسبة غلبت بالبناء للمفعول {سيَغْلبِون} تكون الروم غالبة لعدوهم فارس، وقال: هم، ولم يقل: ومن بعد غلبهم سيغلبون لتأكيد غلبتهم لفارس، وقيل: ان هرقل عادل خائف لله تعالى لما راى فساد الفرس فى بلاده بالنهب والقتل تضرع الى الله ان ينجى الروم منهم، فجئ اليه فى نومه ليلة بخسرو، فى عنقه سلسة فقيل له: عجل بقتال برويز تنصر، فعسكر من قسطنطينة الى نصبين فقابلهم خسرو باثنى عشر الفا، مع امير فقتل هرقل منهم تسعة آلاف، وهزموهم حتى ربطوا خيلهم بالمدائن. ويروى ان كسرى بعث الى اميره شهريا الذي ولاه على محاربة الروم ان اقتل اخاك فرخان لقوله: رايتنى في النوم جالسا على سرير كسرى، فلم يقتله، فراجع شهريار كسرى مرتين بعد الاولى ان فرخان يسعى فى صلاحك، فكيف اقتله، فبعث كسرى الى فارس ان عزلت شهريار، وجعلت مكانه اخاه فرخان، وامره بقتل اخيه شهريار، فاطلع فرخان على ذلك المذكور من مراجعة شهريار كسرى، بان لا يقتل فرخان فرد الملك لاخيه شهريار، وكتب شهريار الى قيصر ملك الروم، فتعاونا على كسرى فغلبوه. وقبل ذلك قتل الروميون سخهم ابنه بناطوس، وهرب ابنه الاخر الى خسرو، وقد مضى من سلطنة خسرو واربع عشرة سنة فبعث معه، ثلاثة امراء مع عسكر عظيم، فدخلوا الشام، فاسروا من فلسطين وبيت المقدس من الاساقفة وغيرهم، وارسلوا الى خسروا الصليب المدفون فى تابوت من ذهب، واستولوا على الاسكندرية بلاد النوبة، ووصلوا الى نواحى القسطنطينية، وهذه غلبة الفرس للروم، وهى الاولى، والغلبة الثانية غلبة الروم لهم، وكلتاهما على عهد خسرو.

الالوسي

تفسير : الكلام فيه كالذي مر في أمثاله من الفواتح الكريمة.

سيد قطب

تفسير : نزلت الآيات الأولى من هذه السورة بمناسبة معينة. ذلك حين غلبت فارس على الروح فيما كانت تضع يدها من جزيرة العرب. وكان ذلك في إبان احتدام الجدل حول العقيدة بين المسلمين السابقين إلى الإسلام في مكة قبل الهجرة والمشركين.. ولما كان الروم في ذلك الوقت أهل كتاب دينهم النصرانية، وكان الفرس غير موحدين ديانتهم المجوسية، فقد وجد المشركون من أهل مكة في الحادث فرصة لاستعلاء عقيدة الشرك على عقيدة التوحيد، وفألاً بانتصار ملة الكفر على ملة الإيمان. ومن ثم نزلت الآيات الأولى من هذه السورة تبشر بغلبة أهل الكتاب من الروم في بضع سنين غلبة يفرح لها المؤمنون، الذين يودون انتصار ملة الإيمان من كل دين. ولكن القرآن لم يقف بالمسلمين وخصومهم عند هذا الوعد، ولا في حدود ذلك الحادث. إنما كانت هذه مناسبة لينطلق بهم إلى آفاق أبعد وآماد أوسع من ذلك الحادث الموقوت. وليصلهم بالكون كله، وليربط بين سنة الله في نصر العقيدة السماوية والحق الكبير الذي قامت عليه السماوات والأرض وما بينهما. وليصل بين ماضي البشرية وحاضرها ومستقبلها. ثم يستطرد بها إلى الحياة الأخرى بعد هذه الحياة الدنيا، وإلى العالم الآخر بعد عالم الأرض المحدود. ثم يطوف بهم في مشاهد الكون، وفي أغوار النفس، وفي أحوال البشر، وفي عجائب الفطر.. فإذا هم في ذلك المحيط الهائل الضخم الرحيب يطلعون على آفاق من المعرفة ترفع حياتهم وتطلقها، وتوسع آمادها وأهدافها، وتخرجهم من تلك العزلة الضيقة. عزلة المكان والزمان والحادث. إلى فسحة الكون كله: ماضيه وحاضره ومستقبله، وإلى نواميس الكون وسننه وروابطه. ومن ثم يرتفع تصورهم لحقيقة الارتباطات وحقيقة العلاقات في هذا الكون الكبير. ويشعرون بضخامة النواميس التي تحكم هذا الكون، وتحكم فطرة البشر؛ ودقة السنن التي تصرف حياة الناس وأحداث الحياة، وتحدد مواضع النصر ومواضع الهزيمة؛ وعدالة الموازين التي تقدر بها أعمال الخلق، ويقوّم بها نشاطهم في هذه الأرض، ويلقون على أساسها الجزاء في الدنيا والآخرة. وفي ظل ذلك التصور المرتفع الواسع الشامل تتكشف عالمية هذه الدعوة وارتباطها بأوضاع العالم كله من حولها ـ حتى وهي ناشئة في مكة محصورة بين شعابها وجبالها ـ ويتسع مجالها فلا تعود مرتبطة بهذه الأرض وحدها إنما هي مرتبطة كذلك بفطرة هذا الكون ونواميسه الكبرى، وفطرة النفس البشرية وأطوارها، وماضي هذه البشرية ومستقبلها. لا على هذه الأرض وحدها، ولكن كذلك في العالم الآخر الوثيق الصلة بها والارتباط. وكذلك يرتبط قلب المسلم بتلك الآفاق والآماد؛ ويتكيف على ضوئها شعوره وتصوره للحياة والقيم؛ ويتطلع إلى السماء والآخرة؛ ويتلفت حواليه على العجائب والأسرار، وخلفه وقدامه على الحوادث والمصائر. ويدرك موقفه هو وموقف أمته في ذلك الخضم الهائل؛ ويعرف قيمته هو وقيمة عقيدته في حساب الناس وحساب الله، فيؤدي حينئذ دوره على بصيرة، وينهض بتكاليفه في ثقة وطمأنينة واهتمام. ويمضي سياق السورة في عرض تلك الارتباطات، وتحقيق دلالاتها في نظام الكون، وتثبيت مدلولاتها في القلوب.. يمضي سياق السورة في شوطين مترابطين: في الشوط الأول يربط في نصر المؤمنين والحق الذي تقوم عليه السماوات والأرض وما بينهما، ويرتبط به أمر الدنيا والآخرة. ويوجه قلوبهم إلى سنة الله فيمن مضى قبلهم من القرون. ويقيس عليها قضية البعث والإعادة. ومن ثم يعرض عليهم مشهداً من مشاهد القيامة وما يجري فيه للمؤمنين والكافرين. ثم يعود من هذه الجولة إلى مشاهد الكون، وآيات الله المبثوثة في ثناياه؛ ودلالة تلك المشاهد وإيحائها للقلوب. ويضرب لهم من أنفسهم ومما ملكت أيمانهم مثلاً يكشف سخافة فكرة الشرك، وقيامها على الأهواء التي لا تستند إلى حق أو علم. وينهي هذا الشوط بتوجيه الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلى اتباع طريق الحق الواحد الثابت الواضح. طريق الفطرة التي فطر الناس عليها؛ والتي لا تتبدل ولا تدور مع الهوى؛ ولا يتفرق متبعوها فرقاً وشيعاً، كما تفرق الذين اتبعوا الهوى. وفي الشوط الثاني يكشف عما في طبيعة الناس من تقلب لا يصلح أن تقام عليه الحياة. ما لم يرتبطوا بمعيار ثابت لا يدور مع الأهواء، ويصور حالهم في الرحمة والضر، وعند بسط الرزق وقبضه. ويستطرد بهذه المناسبة إلى وسائل إنفاق هذا الرزق وتنميته. ويعود إلى قضية الشرك والشركاء فيعرضها من هذه الزاوية؛ فإذا هم لا يرزقون ولا يميتون ولا يحيون. ويربط بين ظهور الفساد في البر والبحر وعمل الناس وكسبهم؛ ويوجههم إلى السير في الأرض، والنظر في عواقب المشركين من قبل. ومن ثم يوجه الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلى الاستقامة على دين الفطرة، من قبل أن يأتي اليوم الذي يجزى فيه كل بما كسبت يداه. ويعود بهم بعد ذلك إلى آيات الله في مشاهد الكون كما عاد بهم في الشوط الأول. ويعقب عليها بأن الهدى هدى الله؛ وأن الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ لا يملك إلا البلاغ، فهو لا يهدي العمي ولا يسمع الصم. ثم يطوف بهم في جولة جديدة في ذات أنفسهم ويذكرهم بأطوار نشأتهم من بدئها إلى منتهاها، منذ الطفولة الواهنة الضعيفة إلى الموت والبعث والقيامة، ويعرض عليهم مشهداً من مشاهدها. ثم ينهي هذا الشوط ويختم معه السورة بتوجيه الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلى الصبر على دعوته، وما يلقاه من الناس فيها؛ والاطمئنان إلى أن وعد الله حق لا بد آت؛ فلا يقلقه ولا يستخفه الذين لا يوقنون. وجو السورة وسياقها معاً يتعاونان في تصوير موضوعها الرئيسي. وهو الكشف عن الارتباطات الوثيقة بين أحوال الناس، وأحداث الحياة وماضي البشرية وحاضرها ومستقبلها، وسنن الكون ونواميس الوجود. وفي ظلال هذه الارتباطات يبدو أن كل حركة وكل نأمة، وكل حادث وكل حالة، وكل نشأة وكل عاقبة، وكل نصر وكل هزيمة.. كلها مرتبطة برباط وثيق، محكومة بقانون دقيق. وأن مرد الأمر فيها كله لله: {أية : لله الأمر من قبل ومن بعد}. تفسير : وهذه هي الحقيقة الأولى التي يؤكدها القرآن كله، بوصفها الحقيقة الموجهة في هذه العقيدة. الحقيقة التي تنشأ عنها جميع التصورات والمشاعر والقيم والتقديرات؛ والتي بدونها لا يستقيم تصور ولا تقدير.. والآن نأخذ في عرض السورة بالتفصيل: {ألم. غلبت الروم في أدنى الأرض، وهم من بعد غلبهم سيغلبون. في بضع سنين. لله الأمر من قبل ومن بعد. ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله، ينصر من يشاء، وهو العزيز الرحيم. وعد الله، لا يخلف الله وعده. ولكن أكثر الناس لا يعلمون. يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا، وهم عن الآخرة هم غافلون}.. "بدأت السورة بالأحرف المقطعة: "ألف. لام. ميم" التي اخترنا في تفسيرها أنها للتنبيه إلى أن هذا القرآن ـ ومنه هذه السورة ـ مصوغ من مثل هذه الأحرف، التي يعرفها العرب؛ وهو مع هذا معجز لهم، لا يملكون صياغة مثله، والأحرف بين أيديهم، ومنها لغتهم. ثم جاءت النبوءة الصادقة الخاصة بغلبة الروم في بضع سنين. وقد روى ابن جرير ـ بإسناده ـ عن عبدالله بن مسعود ـ رضي الله عنه ـ قال: كانت فارس ظاهرة على الروم. وكان المشركون يحبون أن تظهر فارس على الروم؛ وكان المسلمون يحبون أن تظهر الروم على فارس، لأنهم أهل كتاب، وهم أقرب إلى دينهم. فلما نزلت: {ألم. غلبت الروم في أدنى الأرض، وهم من بعد غلبهم سيغلبون، في بضع سنين}. قالوا: يا أبا بكر. إن صاحبك يقول: إن الروم تظهر على فارس في بضع سنين. قال: صدق. قالوا: هل لك أن نقامرك؟ فبايعوه على أربع قلائص إلى سبع سنين. فمضت السبع ولم يكن شيء. ففرح المشركون بذلك، فشق على المسلمين؛ "حديث : فذكر ذلك للنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقال: "ما بضع سنين عندكم؟" قالوا: دون العشر. قال: اذهب فزايدهم وازدد سنتين في الأجل"تفسير : . قال: فما مضت السنتان حتى جاءت الركبان بظهور الروم على فارس. ففرح المؤمنون بذلك. وقد وردت في هذا الحادث روايات كثيرة اخترنا منها رواية الإمام ابن جرير. وقبل أن نتجاوز الحادث إلى ما وراءه في السورة من التوجيهات نحب أن نقف أمام بعض إيحاءاته القوية. وأول هذه الإيحاءات ذلك الترابط بين الشرك والكفر في كل مكان وزمان أمام دعوة التوحيد والإيمان. ومع أن الدول قديماً لم تكن شديدة الاتصال، والأمم لم تكن وثيقة الارتباط كما هو الشأن في عصرنا الحاضر. مع هذا فإن المشركين في مكة كانوا يحسون أن انتصار المشركين في أي مكان على أهل الكتاب هو انتصار لهم؛ وكان المسلمون كذلك يحسون أن هناك ما يربطهم بأهل الكتاب، وكان يسوءهم أن ينتصر المشركون في أي مكان؛ وكانوا يدركون أن دعوتهم وأن قضيتهم ليست في عزلة عما يجري في أنحاء العالم من حولهم، ويؤثر في قضية الكفر والإيمان. وهذه الحقيقة البارزة هي التي يغفل عنها الكثيرون من أهل زماننا؛ ولا ينتبهون إليها كما انتبه المسلمون والمشركون في عصر رسول الله صلى الله عليه وسلم. منذ حوالي أربعة عشر قرناً. ومن ثم ينحصرون داخل حدود جغرافية أو جنسية؛ ولا يدركون أن القضية في حقيقتها هي قضية الكفر والإيمان؛ وأن المعركة في صميمها هي المعركة بين حزب الله وحزب الشيطان. وما أحوج المسلمين اليوم في جميع بقاع الأرض أن يدركوا طبيعة المعركة، وحقيقة القضية؛ فلا تلهيهم عنها تلك الأعلام الزائفة التي تتستر بها أحزاب الشرك والكفر، فإنهم لا يحاربون المسلمين إلا على العقيدة، مهما تنوعت العلل والأسباب. والإيحاء الآخر هو تلك الثقة المطلقة في وعد الله، كما تبدو في قولة أبي بكر ـ رضي الله عنه ـ في غير تلعثم ولا تردد. والمشركون يعجبونه من قول صاحبه؛ فما يزيد على أن يقول: صدق. ويراهنونه فيراهن وهو واثق. ثم يتحقق وعد الله، في الأجل الذي حدده: {في بضع سنين}.. وهذه الثقة المطلقة على هذا النحو الرائع هي التي ملأت قلوب المسلمين قوة ويقيناً وثباتاً في وجه العقبات والآلام والمحن، حتى تمت كلمة الله وحق وعد الله. وهي عدة كل ذي عقيدة في الجهاد الشاق الطويل. والإيحاء الثالث هو في تلك الجملة المعترضة في مساق الخبر، من قول الله سبحانه: {لله الأمر من قبل ومن بعد}.. والمسارعة برد الأمر كله لله. في هذا الحادث وفي سواه. وتقرير هذه الحقيقة الكلية، لتكون ميزان الموقف وميزان كل موقف. فالنصر والهزيمة، وظهور الدول ودثورها، وضعفها وقوتها. شأنه شأن سائر ما يقع في هذا الكون من أحداث ومن أحوال، مرده كله إلى الله، يصرفه كيف شاء، وفق حكمته ووفق مراده. وما الأحداث إلا آثار لهذه الإرادة المطلقة، التي ليس عليها من سلطان؛ ولا يدري أحد ما وراءها من الحكمة؛ ولا يعرف مصادرها ومواردها إلا الله. وإذن فالتسليم والاستسلام هو أقصى بما يملكه البشر أمام الأحوال والأحداث التي يجريها الله وفق قدر مرسوم. {ألم. غلبت الروم في أدنى الأرض. وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين}.. {لله الأمر من قبل ومن بعد}.. {ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله}.. {ينصر من يشاء، وهو العزيز الرحيم}.. فالأمر له من قبل ومن بعد. وهو ينصر من يشاء. لا مقيد لمشيئته سبحانه. والمشيئة التي تريد النتيجة هي ذاتها التي تيسر الأسباب. فلا تعارض بين تعليق النصر بالمشيئة ووجود الأسباب. والنواميس التي تصرف هذا الوجود كله صادرة عن المشيئة الطليقة. وقد أرادت هذه المشيئة أن تكون هناك سنن لا تتخلف؛ وأن تكون هناك نظم لها استقرار وثبات. والنصر والهزيمة أحوال تنشأ عن مؤثرات، وفق تلك السنن التي اقتضتها تلك المشيئة الطليقة. والعقيدة الإسلامية واضحة ومنطقية في هذا المجال. فهي ترد الأمر كله إلى الله. ولكنها لا تعفي البشر من الأخذ بالأسباب الطبيعية التي من شأنها أن تظهر النتائج إلى عالم الشهادة والواقع. أما أن تتحقق تلك النتائج فعلاً أو لا تتحقق فليس داخلاً في التكليف، لأن مرد ذلك في النهاية إلى تدبير الله. "حديث : ولقد ترك الأعرابي ناقته طليقة على باب مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ ودخل يصلي قائلاً: "توكلت على الله" فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: اعقلها وتوكل"تفسير : . فالتوكل في العقيدة الإسلامية مقيد بالأخذ بالأسباب، ورد الأمر بعد ذلك إلى الله. {ينصر من يشاء، وهو العزيز الرحيم}.. فهذا النصر محفوف بظلال القدرة القادرة التي تنشئه وتظهره في عالم الواقع؛ وبظلال الرحمة التي تحقق به مصالح الناس؛ وتجعل منه رحمة للمنصورين والمغلوبين سواء. {أية : ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض} تفسير : وصلاح الأرض رحمة للمنتصرين والمهزومين في نهاية المطاف. {وعد الله. لا يخلف الله وعده. ولكن أكثر الناس لا يعلمون. يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون}.. ذلك النصر وعد من الله، فلا بد من تحققه في واقع الحياة: {لا يخلف الله وعده} فوعده صادر عن إرادته الطليقة، وعن حكمته العميقة. وهو قادر على تحقيقه، لا راد لمشيئته، ولا معقب لحكمه، ولا يكون في الكون إلا ما يشاء. وتحقيق هذا الوعد طرف من الناموس الأكبر الذي لا يتغير {ولكن أكثر الناس لا يعلمون} ولو بدا في الظاهر أنهم علماء، وأنهم يعرفون الكثير. ذلك أن علمهم سطحي، يتعلق بظواهر الحياة، ولا يتعمق سننها الثابتة، وقوانينها الأصيلة؛ ولا يدرك نواميسها الكبرى، وارتباطاتها الوثيقة: {يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا}... ثم لا يتجاوزون هذا الظاهر؛ ولا يرون ببصيرتهم ما وراءه. وظاهر الحياة الدنيا محدود صغير، مهما بدا للناس واسعاً شاملاً، يستغرق جهودهم بعضه، ولا يستقصونه في حياتهم المحدودة. والحياة كلها طرف صغير من هذا الوجود الهائل، تحكمه نواميس وسنن مستكنة في كيان هذا الوجود وتركيبه. والذي لا يتصل قلبه بضمير ذلك الوجود؛ ولا يتصل حسه بالنواميس والسنن التي تصرفه، يظل ينظر وكأنه لا يرى؛ ويبصر الشكل الظاهر والحركة الدائرة، ولكنه لا يدرك حكمته، ولا يعيش بها ومعها. وأكثر الناس كذلك، لأن الإيمان الحق هو وحده الذي يصل ظاهر الحياة بأسرار الوجود؛ وهو الذي يمنح العلم روحه المدرك لأسرار الوجود. والمؤمنون هذا الإيمان قلة في مجموع الناس. ومن ثم تظل الأكثرية محجوبة عن المعرفة الحقيقية. {وهم عن الآخرة هم غافلون}.. فالآخرة حلقة في سلسلة النشأة، وصفحة من صفحات الوجود الكثيرة. والذين لا يدركون حكمة النشأة، ولا يدركون ناموس الوجود يغفلون عن الآخرة، ولا يقدرونها قدرها، ولا يحسبون حسابها، ولا يعرفون أنها نقطة في خط سير الوجود، لا تتخلف مطلقاً ولا تحيد. والغفلة عن الآخرة تجعل كل مقاييس الغافلين تختل؛ وتؤرجح في أكفهم ميزان القيم؛ فلا يملكون تصور الحياة وأحداثها وقيمها تصوراً صحيحاً؛ ويظل علمهم بها ظاهراً سطحياً ناقصاً، لأن حساب الآخرة في ضمير الإنسان يغير نظرته لكل ما يقع في هذه الأرض. فحياته على الأرض إن هي إلا مرحلة قصيرة من رحلته الطويلة في الكون. ونصيبه في هذه الأرض إن هو إلا قدر زهيد من نصيبه الضخم في الوجود. والأحداث والأحوال التي تتم في هذه الأرض إن هي إلا فصل صغير من الرواية الكبيرة. ولا ينبغي أن يبني الإنسان حكمه على مرحلة قصيرة من الرحلة الطويلة، وقدر زهيد من النصيب الضخم، وفصل صغير من الرواية الكبيرة! ومن ثم لا يلتقي إنسان يؤمن بالآخرة ويحسب حسابها، مع آخر يعيش لهذه الدنيا وحدها ولا ينتظر ما وراءها. لا يلتقي هذا وذاك في تقدير أمر واحد من أمور هذه الحياة، ولا قيمة واحدة من قيمها الكثيرة؛ ولا يتفقان في حكم واحد على حادث أو حالة أو شأن من الشؤون. فلكل منهما ميزان، ولكل منهما زاوية للنظر، ولكل منهما ضوء يرى عليه الأشياء والأحداث والقيم والأحوال.. هذا يرى ظاهراً من الحياة الدنيا؛ وذلك يدرك ما وراء الظاهر من روابط وسنن، ونواميس شاملة للظاهر والباطن، والغيب والشهادة، والدنيا والآخرة، والموت والحياة، والماضي والحاضر والمستقبل، وعالم الناس والعالم الأكبر الذي يشمل الأحياء وغير الأحياء.. وهذا هو الأفق البعيد الواسع الشامل الذي ينقل الإسلام البشرية إليه؛ ويرفعها فيه إلى المكان الكريم اللائق بالإنسان. الخليفة في الأرض. المستخلف بحكم ما في كيانه من روح الله. ولارتباط تحقق وعد الله بالنصر بالحق الأكبر الذي يقوم عليه هذا الوجود، وارتباط أمر الآخرة كذلك بهذا الحق استطرد يجول بهم جولة أخرى في ضمير هذا الكون. في السماوات والأرض وما بينهما؛ ويردهم إلى أنفسهم ينظرون في أعماقها ويتدبرون، علهم يدركون ذلك الحق الكبير، الذي يغفلون عنه حين يغفلون عن الآخرة؛ ويغفلون عن الدعوة التي تقودهم إلى رؤية ذلك الحق وتدبره: {أو لم يتفكروا في أنفسهم ما خلق الله السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق وأجل مسمى. وإن كثيراً من الناس بلقاء ربهم لكافرون}. فطبيعة تكوينهم هم أنفسهم، وطبيعة هذا الكون كله من حولهم توحي بأن هذا الوجود قائم على الحق، ثابت على الناموس، لا يضطرب، ولا تتفرق به السبل، ولا تتخلف دورته، ولا يصطدم بعضه ببعض، ولا يسير وفق المصادفة العمياء، ولا وفق الهوى المتقلب، إنما يمضي في نظامه الدقيق المحكم المقدر تقديراً. وأن من مقتضيات هذا الحق الذي يقوم عليه الوجود أن تكون هناك آخرة، يتم فيها الجزاء على العمل، ويلقى الخير والشر عاقبتهما كاملة. إنما كل شيء إلى أجله المرسوم. وفق الحكمة المدبرة؛ وكل أمر يجيء في موعده لا يستقدم لحظة ولا يستأخر. وإذا لم يعلم البشر متى تكون الساعة، فإن هذا ليس معناه أنها لا تكون! ولكن تأجيلها يغري الذين لا يعلمون إلا ظاهراً من الحياة الدنيا ويخدعهم: {وإن كثيراً من الناس بلقاء ربهم لكافرون}.. ومن هذه الجولة في ضمير السماوات والأرض وما بينهما. وهي جولة بعيدة الآماد والآفاق في هيكل الكون الهائل، وفي محتوياته المنوعة، الشاملة للأحياء والأشياء، والأفلاك والأجرام، والنجوم والكواكب، والجليل والصغير، والخافي والظاهر، والمعلوم والمجهول... من هذه الجولة البعيدة في ضمير الكون ينقلهم إلى جولة أخرى في ضمير الزمان، وأبعاد التاريخ، يرون فيها طرفاً من سنة الله الجارية، التي لا تتخلف مرة ولا تحيد: {أو لم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم، كانوا أشد منهم قوة؛ وأثاروا الأرض وعمروها أكثر مما عمروها؛ وجاءتهم رسلهم بالبينات، فما كان الله ليظلمهم، ولكن كانوا أنفسهم يظلمون. ثم كان عاقبة الذين أساءوا السوأى، أن كذبوا بآيات الله وكانوا بها يستهزئون}.. وهي دعوة إلى التأمل في مصائر الغابرين؛ وهم ناس من الناس، وخلق من خلق الله، تكشف مصائرهم الماضية عن مصائر خلفائهم الآتية. فسنة الله هي سنة الله في الجميع. وسنة الله حق ثابت يقوم عليه هذا الوجود، بلا محاباة لجيل من الناس، ولا هوى يتقلب فتتقلب معه العواقب. حاشا لله رب العالمين! وهي دعوة إلى إدراك حقيقة هذه الحياة وروابطها على مدار الزمان، وحقيقة هذه الإنسانية الموحدة المنشأ والمصير على مدار القرون. كي لا ينعزل جيل من الناس بنفسه وحياته، وقيمه وتصوراته، ويغفل عن الصلة الوثيقة بين أجيال البشر جميعاً، وعن وحدة السنة التي تحكم هذه الأجيال جميعاً؛ ووحدة القيم الثابتة في حياة الأجيال جميعاً. فهؤلاء أقوام عاشوا قبل جيل المشركين في مكة {كانوا أشد منهم قوة}.. {وأثاروا الأرض}.. فحرثوها وشقوا عن باطنها، وكشفوا عن ذخائرها {وعمروها أكثر مما عمروها}.. فقد كانوا أكثر حضارة من العرب، وأقدر منهم على عمارة الأرض.. ثم وقفوا عند ظاهر الحياة الدنيا لا يتجاوزونه إلى ما وراءه: {وجاءتهم رسلهم بالبينات}.. فلم تتفتح بصائرهم لهذه السيئات؛ ولم يؤمنوا فتتصل ضمائرهم بالنور الذي يكشف الطريق. فمضت فيهم سنة الله في المكذبين؛ ولم تنفعهم قوتهم؛ ولم يغن عنهم علمهم ولا حضارتهم؛ ولقوا جزاءهم العادل الذي يستحقونه: {فما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون}.. {ثم كان عاقبة الذين أساءوا السوأى}.. كانت السوأى هي العاقبة التي لقيها المسيئون وكانت جزاء وفاقاً على {أن كذبوا بآيات الله وكانوا بها يستهزئون}.. والقرآن الكريم يدعو المكذبين المستهزئين بآيات الله أن يسيروا في الأرض فلا ينعزلوا في مكانهم كالقوقعة؛ وأن يتدبروا عاقبة أولئك المكذبين المستهزئين ويتوقعوا مثلها؛ وأن يدركوا أن سنة الله واحدة وأنها لا تحابي أحداً؛ وأن يوسعوا آفاق تفكيرهم فيدركوا وحدة البشرية، ووحدة الدعوة، ووحدة العاقبة في أجيال البشرية جميعاً. وهذا هو التصور الذي يحرص الإسلام على أن يطبع به قلب المؤمن وعقله، ويكرر القرآن الإيقاع حوله كثيراً. ومن هاتين الجولتين في أغوار الكون وأغوار التاريخ يردهم إلى الحقيقة التي يغفل عنها الغافلون. حقيقة البعث والمآب. وهي طرف من الحق الأكبر الذي يقوم عليه الوجود: {الله يبدأ الخلق ثم يعيده ثم إليه ترجعون}.. وهي حقيقة بسيطة واضحة. والترابط والتناسق بين جزئيها أو بين حلقتيها واضح كذلك. فالإعادة كالبدء لا غرابة فيها. وهما حلقتان في سلسلة النشأة، مترابطتان لا انفصام بينهما. والرجعة في النهاية إلى رب العالمين، الذي أنشأ النشأة الأولى والنشأة الآخرة، لتربية عباده ورعايتهم ومجازاتهم في النهاية على ما يعملون. وعندما يصل السياق إلى البعث والمآب يعرض مشهداً من مشاهد القيامة، ويرسم مصائر المؤمنين والمكذبين حين يرجعون؛ ويكشف عن عبث اتخاذ الشركاء وسخف عقيدة المشركين: {ويوم تقوم الساعة يبلس المجرمون، ولم يكن لهم من شركائهم شفعاء وكانوا بشركائهم كافرين. ويوم تقوم الساعة يومئذ يتفرقون. فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فهم في روضة يحبرون. وأما الذين كفروا وكذبوا بآياتنا ولقاء الآخرة فأولئك في العذاب محضرون}.. فها هي ذي الساعة التي يغفل عنها الغافلون، ويكذب بها المكذبون. ها هي ذي تجيء، أو ها هي ذي تقوم! وهؤلاء هم المجرمون حائرين يائسين، لا أمل لهم في نجاة، ولا رجاء لهم في خلاص. ولا شفاعة لهم من شركائهم الذين اتخذوهم في الحياة الدنيا ضالين مخدوعين! هؤلاء هم حائرين يائسين لا منقذ لهم ولا شفيع. ثم ها هم أولاء يكفرون بشركائهم الذين عبدوهم في الأرض وأشركوهم مع الله رب العالمين. ثم ها هو ذا مفرق الطريق بين المؤمنين والكافرين: {فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فهم في روضة يحبرون}.. ويتلقون فيها ما يفرح القلب ويسر الخاطر ويسعد الضمير. {وأما الذين كفروا وكذبوا بآياتنا ولقاء الآخرة فأولئك في العذاب محضرون}.. وتلك نهاية المطاف. وعاقبة المحسنين والمسيئين. ومن هذه الجولة في مشاهد القيامة في العالم الآخر يعود بهم إلى هذا العالم، وإلى مشاهد الكون والحياة. وإلى عجائب الخلق وأسرار النفس، وإلى خوارق الأحداث ومعجزات التكوين. ويبدأ هذه الجولة بتسبيح الله حين تقلب الليل والنهار وحمد الله في الكون العريض بالعشي والأظهار: {فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون. وله الحمد في السماوات والأرض وعشياً وحين تظهرون. يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي، ويحيي الأرض بعد موتها وكذلك تخرجون. ومن آياته أن خلقكم من تراب ثم إذا أنتم بشر تنتشرون. ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها، وجعل بينكم مودة ورحمة. إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون. ومن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم. إن في ذلك لآيات للعالمين. ومن آياته منامكم بالليل والنهار وابتغاؤكم من فضله. إن في ذلك لآيات لقوم يسمعون. ومن آياته يريكم البرق خوفاً وطمعاً وينزل من السماء ماء فيحيي به الأرض بعد موتها. إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون. ومن آياته أن تقوم السماء والأرض بأمره، ثم إذا دعاكم دعوة من الأرض إذا أنتم تخرجون. وله من في السماوات والأرض كل له قانتون. وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده ـ وهو أهون عليه ـ وله المثل الأعلى في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم}.. إنها جولة ضخمة هائلة، لطيفة عميقة، بعيدة الآماد والأغوار. جولة تطوّف بالقلب البشري في الأمسيات والأصباح، والسماوات والأرض، والعشي والأظهار، وتفتح هذا القلب لتدبر الحياة والموت والعمليات الدائبة في النشوء والدثور. وترتد به إلى نشأة الإنسان الأولى، وإلى ما ركب في فطرته من ميول ونوازع، وقوى وطاقات، وما يقوم بين زوجيه من علائق وروابط، وفق تلك الميول والنوازع وهذه القوى والطاقات. وتوجهه إلى آيات الله في خلق السماوات والأرض واختلاف الألسنة والألوان وفقاً لاختلاف البيئة والمكان. وإلى تدبر ما يعتري الكائن البشري من نوم ويقظة وراحة وكد. وإلى ما يعتري الكون من ظواهر البرق والمطر، وما تثيره في نفوس البشر من خوف وطمع، وفي بنية الأرض من حياة وازدهار. وتمضي هذه الجولة العجيبة في النهاية بالقلب البشري إلى قيام السماوات والأرض في هذا كله بأمر الله؛ وإلى توجه من في السماوات والأرض كلهم لله. وتنتهي بالحقيقة التي تتجلى حينئذ واضحة هينة يسيرة: إن الله هو يبدئ ويعيد. والإعادة أهون عليه. وله المثل الأعلى في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم: {فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون، وله الحمد في السماوات والأرض وعشياً وحين تظهرون}.. إن ذلك التسبيح وهذا الحمد يجيئان تعقيباً على مشهد القيامة في الفقرة السابقة، وفوز المؤمنين بروضة فيها يحبرون، وانتهاء الكافرين المكذبين إلى شهود العذاب. ومقدمة لهذه الجولة في ملكوت السماوات والأرض، وأغوار النفس وعجائب الخلق. فيتسقان مع التعقيب على المشهد وعلى التقديم للجولة كل الاتساق. والنص يربط التسبيح والحمد بالأوقات: الإمساء والإصباح والعشي والأظهار؛ كما يربطهما بآفاق السماوات والأرض. فيتقصى بهما الزمان والمكان؛ ويربط القلب البشري بالله في كل بقعة وفي كل أوان؛ ويشعر بتلك الرابطة في الخالق مع هيكل الكون ودورة الأفلاك وظواهر الليل والنهار والعشي والأظهار.. ومن ثم يظل هذا القلب مفتوحاً يقظاً حساساً، وكل ما حوله من مشاهد وظواهر، وكل ما يختلف عليه من آونة وأحوال، يذكره بتسبيح الله وحمده؛ ويصله بخالقه وخالق المشاهد والظواهر والآونة والأحوال. {يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي، ويحيي الأرض بعد موتها.. وكذلك تخرجون}.. {يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ويحيي الأرض بعد موتها}.. تلك العملية الدائبة التي لا تكف ولا تني لحظة واحدة من لحظات الليل والنهار في كل مكان، على سطح الأرض، وفي أجواز الفضاء، وفي أعماق البحار.. ففي كل لحظة يتم هذا التحول. بل هذه المعجزة الخارقة التي لا ننتبه إليها لطول الألفة والتكرار. في كل لحظة يخرج حي من ميت ويخرج ميت من حي. وفي كل لحظة يتحرك برعم ساكن من جوف حبة أو نواة فيفلقها ويخرج إلى وجه الحياة؛ وفي كل لحظة يجف عود أو شجرة تستوفي أجلها فتتحول إلى هشيم أو حطام. ومن خلال الهشيم والحطام توجد الحبة الجديدة الساكنة المتهيئة للحياة والإنبات؛ ويوجد الغاز الذي ينطلق في الجو أو تتعذى به التربة، وتستعد للإخصاب. وفي كل لحظة تدب الحياة في جنين. إنسان أو حيوان أو طائر. والجثة التي ترمى في الأرض وتختلط بالتربة وتشحنها بالغازات هي مادة جديدة للحياة وغذاء جديد للنبات، فالحيوان والإنسان! ومثل هذا يتم في أغوار البحار وفي أجواز الفضاء على السواء. إنها دورة دائبة عجيبة رهيبة لن يتأملها بالحس الواعي والقلب البصير، ويراها على هدى القرآن ونوره المستمد من نور الله. {وكذلك تخرجون}.. فالأمر عادي واقعي لا غرابة فيه وليس بدعاً مما يشهده الكون في كل لحظة من لحظات الليل والنهار في كل مكان! {ومن آياته أن خلقكم من تراب، ثم إذا أنتم بشر تنتشرون}.. والتراب ميت ساكن؛ ومنه نشأ الإنسان. وفي موضع آخر في القرآن جاء: {أية : ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين} تفسير : فالطين هو الأصل البعيد للإنسان. ولكن هنا يذكر هذا الأصل ويعقبه مباشرة بصورة البشر منتشرين متحركين. للمقابلة في المشهد والمعنى بين التراب الميت الساكن والبشر الحي المتحرك. وذلك بعد قوله: {يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي} تنسيقاً للعرض على طريقة القرآن. وهذه المعجزة الخارقة آية من آيات القدرة، وإيحاء كذلك بالصلة الوثيقة بين البشر وهذه الأرض التي يعيشون عليها؛ والتي يلتقون بها في أصل تكوينهم، وفي النواميس التي تحكمها وتحكمهم في نطاق الوجود الكبير. والنقلة الضخمة من صورة التراب الساكن الزهيد إلى صورة الإنسان المتحرك الجليل القدر.. نقلة تثير التأمل في صنع الله؛ وتستجيش الضمير للحمد والتسبيح لله؛ وتحرك القلب لتمجيد الصانع المتفضل الكريم. ومن مجال الخلقة الأولى لنوع البشر ينتقل إلى مجال الحياة المشتركة بين جنسي البشر: {ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها، وجعل بينكم مودة ورحمة. إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون}.. والناس يعرفون مشاعرهم تجاه الجنس الآخر، وتشغل أعصابهم ومشاعرهم تلك الصلة بين الجنسين؛ وتدفع خطاهم وتحرك نشاطهم تلك المشاعر المختلفة الأنماط والاتجاهات بين الرجل والمرأة. ولكنهم قلما يتذكرون يد الله التي خلقت لهم من أنفسهم أزواجاً، وأودعت نفوسهم هذه العواطف والمشاعر، وجعلت في تلك الصلة سكناً للنفس والعصب، وراحة للجسم والقلب، واستقراراً للحياة والمعاش، وأنساً للأرواح والضمائر واطمئناناً للرجل والمرأة على السواء. والتعبير القرآني اللطيف الرفيق يصور هذه العلاقة تصويراً موحياً، وكأنما يلتقط الصورة من أعماق القلب وأغوار الحس: {لتسكنوا إليها}.. {وجعل بينكم مودة ورحمة}.. {إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون}.. فيدركون حكمة الخالق في خلق كل من الجنسين على نحو يجعله موافقاً للآخر. ملبياً لحاجته الفطرية: نفسية وعقلية وجسدية. بحيث يجد عنده الراحة والطمأنينة والاستقرار؛ ويجدان في اجتماعهما السكن والاكتفاء، والمودة والرحمة، لأن تركيبهما النفسي والعصبي والعضوي ملحوظ فيه تلبية رغائب كل منهما في الآخر، وائتلافهما وامتزاجهما في النهاية لإنشاء حياة جديدة تتمثل في جيل جديد.. {ومن آياته خلق السماوات والأرض، واختلاف ألسنتكم وألوانكم. إن في ذلك لآيات للعالمين}.. وآية خلق السماوات والأرض كثيراً ما يشار إليها في القرآن، وكثيراً ما نمر عليها سراعاً دون أن نتوقف أمامها طويلاً.. ولكنها جديرة بطول الوقوف والتدبر العميق. إن خلق السماوات والأرض معناه إنشاء هذا الخلق الهائل الضخم العظيم الدقيق؛ الذي لا نعرف عنه إلا أقل من القليل. هذا الحشد الذي لا يحصى من الأفلاك والمدارات والنجوم والكواكب والسدم والمجرات. تلك التي لا تزيد أرضنا الصغيرة عن أن تكون ذرة تائهة بينها تكاد أن تكون لا وزن لها ولا ظل! ومع الضخامة الهائلة ذلك التناسق العجيب بين الأفلاك والمدارات والدورات والحركات؛ وما بينهما من مسافات وأبعاد تحفظها من التصادم والخلل والتخلف والاضطراب؛ وتجعل كل شيء في أمرها بمقدار. ذلك كله من ناحية الحجم العام والنظام، فأما أسرار هذه الخلائق الهائلة وطبائعها وما يستكن فيها وما يظهر عليها؛ والنواميس الكبرى التي تحفظها وتحكمها وتصرفها.. فهذا كله أعظم من أن يلم به الإنسان؛ وما عرف عنه إلا أقل من القليل، ودراسة هذا الكوكب الصغير الضئيل الذي نعيش على سطحه لم يتم منها حتى اليوم إلا القليل! هذه لمحة خاطفة عن آية خلق السماوات والأرض التي نمر عليها سراعاً. بينما نتحدث طويلاً. وطويلاً جداً. عن جهاز صغير يركبه علماء الإنسان؛ ويحتفظون فيه بالتناسق بين أجزائه المختلفة لتعمل كلها في حركة منتظمة دون تصادم ولا خلل فترة من الزمان! ثم يستطيع بعض التائهين الضالين المنحرفين أن يزعم أن هذا الكون الهائل المنظم الدقيق العجيب وجد واستمر بدون خالق مدبر. ويجد من يستطيع أن يسمع لهذا الهراء! من العلماء! ومع آية السماوات والأرض عجيبة اختلاف الألسنة والألوان.. بين بني الإنسان. ولا بد أنها ذات علاقة بخلق السماوات والأرض. فاختلاف الأجواء على سطح الأرض واختلاف البيئات ذلك الاختلاف الناشئ من طبيعة وضع الأرض الفلكي، ذو علاقة باختلاف الألسنة والألوان. مع اتحاد الأصل والنشأة في بني الإنسان. وعلماء هذا الزمان يرون اختلاف اللغات والألوان؛ ثم يمرون عليه دون أن يروا فيه يد الله، وآياته في خلق السماوات والأرض. وقد يدرسون هذه الظاهرة دراسة موضوعية. ولكنهم لا يقفون ليمجدوا الخالق المدبر للظواهر والبواطن. ذلك أن أكثر الناس لا يعلمون. {يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا}. وآية خلق السماوات والأرض واختلاف الألسنة والألوان لا يراها إلا الذين يعلمون: {إن في ذلك لآيات للعالمين}.. {ومن آياته منامكم بالليل والنهار وابتغاؤكم من فضله. إن في ذلك لآيات لقوم يسمعون}.. وهذه آية كذلك تجمع بين ظواهر كونية وما يتعلق بها من أحوال البشرية، وتربط بين هذه وتلك. وتنسق بينهما في صلب هذا الوجود الكبير.. تجمع بين ظاهرتي الليل والنهار ونوم البشر ونشاطهم ابتغاء رزق الله، الذي يتفضل به على العباد، بعد أن يبذلوا نشاطهم في الكد والابتغاء، وقد خلقهم الله متناسقين مع الكون الذي يعيشون فيه؛ وجعل حاجتهم إلى النشاط والعمل يلبيها الضوء والنهار؛ وحاجتهم إلى النوم والراحة يلبيها الليل والظلام. مثلهم مثل جميع الأحياء على ظهر هذا الكوكب على نسب متفاوتة في هذا ودرجات. وكلها تجد في نظام الكون العام ما يلبي طبيعتها ويسمح لها بالحياة. {إن في ذلك لآيات لقوم يسمعون}.. والنوم والسعي سكون وحركة يدركان بالسمع. ومن ثم يتناسق هذا التعقيب في الآية القرآنية مع الآية الكونية التي تتحدث عنها على طريقة القرآن الكريم. {ومن آياته يريكم البرق خوفاً وطمعاً، وينزل من السماء ماءً فيحيي به الأرض بعد موتها إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون}.. وظاهرة البرق ظاهرة ناشئة من النظام الكوني؛ ويعللها بعضهم بأنها تنشأ من انطلاق شرارة كهربائية بين سحابتين محملتين بالكهرباء، أو بين سحابة وجسم أرضي كقمة جبل مثلاً. ينشأ عنها تفريغ في الهواء يتمثل في الرعد الذي يعقب البرق. وفي الغالب يصاحب هذا وذلك تساقط المطر نتيجة لذلك التصادم. وأياً ما كان السبب فالبرق ظاهرة ناشئة عن نظام هذا الكون كما خلقه البارئ وقدره تقديرا. والقرآن الكريم حسب طبيعته لا يفصل كثيراً في ماهية الظواهر الكونية وعللها؛ إنما يتخذ منها أداة لوصل القلب البشري بالوجود وخالق الوجود. ومن ثم يقرر هنا أنها آية من آيات الله أن يريهم البرق {خوفاً وطمعاً}.. وهما الشعوران الفطريان اللذان يتعاوران النفس البشرية أمام تلك الظاهرة. شعور الخوف من الصواعق التي تحرق الناس والأشياء أحياناً عندما يبرق البرق. أو الخوف الغامض من رؤية البرق وما يوقعه في الحس من الشعور بالقوة المصرفة لهيكل هذا الكون الهائل. وشعور الطمع في الخير من وراء المطر الذي يصاحب البرق في معظم الأحوال؛ والذي عقب بذكره في الآية بعد ذكر البرق: {وينزل من السماء ماءً فيحيي به الأرض بعد موتها}... والتعبير بالحياة والموت بالقياس إلى الأرض تعبير يخيل أن الأرض كائن حيّ، يحيا ويموت. وإنها لكذلك في حقيقتها التي يصورها القرآن الكريم. فهذا الكون خليقة حية متعاطفة متجاوبة، مطيعة لربها خاضعة خاشعة، ملبية لأمره مسبحة عابدة. والإنسان الذي يدب على هذا الكوكب الأرضي واحد من خلائق الله هذه، يسير معها في موكب واحد متجه إلى الله رب العالمين. ذلك كله بالإضافة إلى أن الماء حين يصيب الأرض، يبعث فيها الخصب، فتنبت الزرع الحي النامي؛ وتموج صفحتها بالحياة المنبثقة في هذا النبات. ومن ثم في الحيوان والإنسان. والماء رسول الحياة فحيث كان تكون الحياة. {إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون}.. فهنا للعقل مجال للتدبر والتفكير. {ومن آياته أن تقوم السماء والأرض بأمره، ثم إذا دعاكم دعوة من الأرض إذا أنتم تخرجون. وله من في السماوات والأرض كل له قانتون}. وقيام السماء والأرض منتظمة سليمة مقدرة الحركات لا يكون إلا بقدرة من الله وتدبير. وما من مخلوق يملك أن يدعي أنه هو أو سواه يفعل هذا. وما من عاقل يملك أن يقول: إن هذا كله يقع بدون تدبير. وإذن فهي آية من آيات الله أن تقوم السماء والأرض بأمره، ملبية لهذا الأمر، طائعة له، دون انحراف ولا تلكؤ ولا اضطراب. {ثم إذا دعاكم دعوة من الأرض إذا أنتم تخرجون}.. ومن يرى هذا التقدير في نظام الكون، وهذه السلطة على مقدراته، لا يشك في تلبية البشر الضعاف لدعوة تصدر إليهم من الخالق القادر العظيم، بالخروج من القبور! ثم يأتي الإيقاع الأخير ختاماً لهذا التقرير؛ فإذا كل من في السماوات و الأرض من خلائق قانتون لله طائعون. {وله من في السماوات والأرض كل له قانتون}... ولقد نرى أن الكثيرين من الناس لا قانتين لله ولا عابدين. ولكن هذا التقرير إنما يعني خضوع كل من في السماوات والأرض لإرادة الله ومشيئته التي تصرفهم وفق السنة المرسومة التي لا تتخلف ولا تحيد. فهم محكومون بهذه السنة ولو كانوا كافرين. إنما تعصى عقولهم وتكفر قلوبهم ولكنهم مع هذا محكومون بالناموس مأخوذون بالسنة، يتصرف فيهم خالقهم وفق ما يريد تصرفه بباقي العبيد وهم لا يملكون إلا الخضوع والقنوت. ثم يختم تلك الجولة الضخمة الهائلة اللطيفة العميقة بتقرير قضية البعث والقيامة التي يغفل عنها الغافلون: {وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده ـ وهو أهون عليه ـ وله المثل الأعلى في السماوات والأرض، وهو العزيز الحكيم}.. وقد سبق في السورة تقرير البدء والإعادة، وهو يعاد هنا بعد تلك الجولة العريضة ويضاف إليه جديد: {وهو أهون عليه}.. وليس شيء أهون على الله ولا أصعب. {أية : إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له: كن. فيكون} تفسير : ولكنه إنما يخاطب الناس بحسب إدراكهم، ففي تقدير الناس أن بدء الخلق أصعب من إعادته، فما بالهم يرون الإعادة عسيرة على الله. وهي في طبيعتها أهون وأيسر؟! {وله المثل الأعلى في السماوات والأرض}... فهو سبحانه ينفرد في السماوات والأرض بصفاته لا يشاركه فيها أحد، وليس كمثله شيء، إنما هو الفرد الصمد. {وهو العزيز الحكيم}... العزيز القاهر الذي يفعل ما يريد. الحكيم الذي يدبر الخلق بإحكام وتقدير. وعندما تنتهي تلك الجولة التي طوف فيها القلب البشري بتلك الآفاق والآماد، والأعماق والأغوار، والظواهر والأحوال، يواجهه سياق السورة بإيقاع جديد: {ضرب لكم مثلاً من أنفسكم: هل لكم مما ملكت أيمانكم من شركاء فيما رزقناكم. فأنتم فيه سواء، تخافونهم كخيفتكم أنفسكم؟ كذلك نفصل الآيات لقوم يعقلون}.. ضرب هذا المثل لمن كانوا يتخذون من دون الله شركاء خلقاً من خلقه: جناً أو ملائكة أو أصناماً وأشجاراً. وهم لا يرتضون أن يشاركهم مواليهم في شيء مما تحت أيديهم من مال. ولا يسوون عبيدهم بأنفسهم في شيء من الاعتبار. فيبدو أمرهم عجباً. يجعلون لله شركاء من عبيده وهو الخالق الرازق وحده. ويأنفون أن يجعلوا لأنفسهم من عبيدهم شركاء في مالهم. وما لهم ليس من خلقهم إنما هو من رزق الله. وهو تناقض عجيب في التصور والتقدير. وهو يفصل لهم هذا المثل خطوة خطوة: {ضرب لكم مثلاً من أنفسكم} ليس بعيداً عنكم ولا يحتاج إلى رحلة أو نقلة لملاحظته وتدبره.. {هل لكم مما ملكت أيمانكم من شركاء فيما رزقناكم فأنتم فيه سواء؟}.. وهم لا يرضون أن يشاركهم ما ملكت أيمانهم في شيء من الرزق فضلاً على أن يساووهم فيه {تخافونهم كخيفتكم أنفسكم}... أي تحسبون حسابهم معكم كما تحسبون حساب الشركاء الأحرار، وتخشون أن يجوروا عليكم، وتتحرجوا كذلك من الجور عليهم، لأنهم أكفاء لكم وأنداد؟ هل يقع شيء من هذا في محيطكم القريب وشأنكم الخاص؟ وإذا لم يكن شيء من هذا يقع فكيف ترضونه في حق الله وله المثل الأعلى؟ وهو مثل واضح بسيط حاسم لا مجال للجدل فيه، وهو يرتكن إلى المنطق البسيط وإلى العقل المستقيم: {كذلك نفصل الآيات لقوم يعقلون}... وعند هذا الحد من عرض تناقضهم في دعوى الشرك المتهافتة، يكشف عن العلة الأصيلة في هذا التناقض المريب: إنه الهوى الذي لا يستند على عقل أو تفكير: {بل اتبع الذين ظلموا أهواءهم بغير علم. فمن يهدي من أضل الله؟ وما لهم من ناصرين}... والهوى لا ضابط له ولا مقياس. إنما هو شهوة النفس المتقلبة ونزوتها المضطربة، ورغباتها ومخاوفها. وآمالها ومطامعها التي لا تستند إلى حق ولا تقف عند حد ولا تزن بميزان. وهو الضلال الذي لا يرجى معه هدى، والشرود الذي لا ترجى معه أوبة: {فمن يهدي من أضل الله؟} نتيجة لاتباعه هواه؟ {وما لهم من ناصرين} يمنعونهم من سوء المصير. وعند هذا الحد يفرغ من أمر هؤلاء الذين يتبعون أهواءهم المتقلبة المضطربة؛ ويتجه بالخطاب إلى الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ ليستقيم على دين الله الثابت المستند على فطرة الله التي فطر الناس عليها؛ وهو عقيدة واحدة ثابتة لا تتفرق معها السبل كما تفرق المشركون شيعاً وأحزاباً مع الأهواء والنزوات! {فأقم وجهك للدين حنيفاً. فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخق الله. ذلك الدين القيم. ولكن أكثر الناس لا يعلمون. منيبين إليه واتقوه وأقيموا الصلاة ولا تكونوا من المشركين. من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً كل حزب بما لديهم فرحون}.. هذا التوجيه لإقامة الوجه للدين القيم يجيء في موعده، وفي موضعه، بعد تلك الجولات في ضمير الكون ومشاهده، وفي أغوار النفس وفطرتها.. يجيء في أوانه وقد تهيأت القلوب المستقيمة الفطرة لاستقباله؛ كما أن القلوب المنحرفة قد فقدت كل حجة لها وكل دليل، ووقفت مجردة من كل عدة لها وكل سلاح.. وهذا هو السلطان القوي الذي يصدع به القرآن. السلطان الذي لا تقف له القلوب ولا تملك رده النفوس. {فأقم وجهك للدين حنيفاً}.. واتجه إليه مستقيماً. فهذا الدين هو العاصم من الأهواء المتفرقة التي لا تستند على حق، ولا تستمد من علم، إنما تتبع الشهوات، والنزوات بغير ضابط ولا دليل... أقم وجهك للدين حينفاً مائلاً عن كل ما عداه، مستقيماً على نهيه دون سواه: {فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله}.. وبهذا يربط بين فطرة النفس البشرية وطبيعة هذا الدين؛ وكلاهما من صنع الله؛ وكلاهما موافق لناموس الوجود؛ وكلاهما متناسق مع الآخر في طبيعته واتجاهه. والله الذي خلق القلب البشري هو الذي أنزل إليه هذا الدين ليحكمه ويصرفه ويطب له من المرض ويقومه من الانحراف. وهو أعلم بمن خلق وهو اللطيف الخبير. والفطرة ثابتة والدين ثابت: {لا تبديل لخلق الله}. فإذا انحرفت النفوس عن الفطرة لم يردها إليها إلا هذا الدين المتناسق مع الفطرة. فطرة البشر وفطرة الوجود. {ذلك الدين القيم. ولكن أكثر الناس لا يعلمون}... فيتبعون أهواءهم بغير علم ويضلون عن الطريق الواصل المستقيم. والتوجيه بإقامة الوجه للدين القيم، ولو أنه موجه إلى الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلا أن المقصود به جميع المؤمنين. لذلك يستمر التوجيه لهم مفصلاً معنى إقامة الوجه للدين: {منيبين إليه واتقوه وأقيموا الصلاة ولا تكونوا من المشركين. من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً. كل حزب بما لديهم فرحون}.. فهي الإنابة إلى الله والعودة في كل أمر إليه. وهي التقوى وحساسية الضمير ومراقبة الله في السر والعلانية؛ والشعور به عند كل حركة وكل سكنة. وهي إقامة الصلاة للعبادة الخالصة لله. وهي التوحيد الخالص الذي يميز المؤمنين من المشركين.. ويصف المشركين بأنهم {الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً}.. والشرك ألوان وأنماط كثيرة. منهم من يشركون الجن، ومنهم من يشركون الملائكة، ومنهم من يشركون الأجداد والآباء. ومنهم من يشركون الملوك والسلاطين. ومنهم من يشركون الكهان والأحبار. ومنهم من يشركون الأشجار والأحجار. ومنهم من يشركون الكواكب والنجوم. ومنهم من يشركون النار. ومنهم من يشركون الليل والنهار. ومنهم من يشركون القيم الزائفة والرغائب والأطماع. ولا تنتهي أنماط الشرك وأشكاله.. و {كل حزب بما لديهم فرحون} بينما الدين القيم واحد لا يتبدل ولا يتفرق، ولا يقود أهله إلا إلى الله الواحد، الذي تقوم السماوات والأرض بأمره، وله من في السماوات والأرض كل له قانتون.

ابن عاشور

تفسير : تقدم القول على نظيره في سور كثيرة وخاصة في سورة العنكبوت، وأن هذه السورة إحدى ثلاث سور مما افتتح بحروف التهجي المقطعة غير معقبة بما يشير إلى القرآن، وتقدم في أول سورة مريم.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 1- بدأت السورة بهذه الآية لبيان أن القرآن مؤلف من هذه الحروف التى ينطق بها العرب فى سهولة ووضوح، ولكن المنكرين له عجزوا عن الإتيان بمثله. وهى - كذلك - تُنَبِّه الناس إلى الاستماع والإنصات. وتحملهم على التصديق برسالة محمد صلى الله عليه وسلم. 2، 3- غَلَبت فارس الروم فى أقرب الأرض من العرب، وهى أطراف الشام، وهم بعد انهزامهم سيغلبون فارس.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: الۤـمۤ: هذه أحد الحروف المقطعة تكتب الۤـمۤ، وتقرأ ألف، لام، ميم. غُلبت: أي غلبت فارس الروم. الروم: إسم رجل هو روم بن عيصو بن إسحاق بن إبراهيم سميّت به قبيلة لأنه جدها. في أدنى الأرض: أي أقرب أرض الروم إلى فارس وهي أرضٌ يقال لها الجزيرة "بين دجلة والفرات". وهم من بعد غلبهم سيغلبون: أي وهم أي الروم من بعد غلب فارس لهم سيغلبونها. في بضع سنين: أي في فترة ما بين الثلاث سنوات إلى تسع سنين. لله الأمر من قبل ومن بعد: أي الأمر في ذلك أي في غلب فارس أولاً ثم في غلب الروم أخيراً لله وحده إذ ما شاءه كان وما لم يشأه لم يكن. ويومئذ يفرح المؤمنون: أي ويوم تَغلِب الروم فارسا يفرح المؤمنون بنصر أهل الكتاب على المشركين عبدة النار، وبنصرهم هم على المشركين في بدر. وعد الله: أي وعدهم الله تعالى وعداً وأنجزه لهم. لا يخلف الله وعده: أي ليس من شأن الله خلف الوعد وذلك لكمال قدرته وعلمه. ولكن أكثر الناس لا يعلمون: كمال الله في قدرته وعلمه المستلزم لإِنجاز وعده. يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا: أي لا يعلمون حقائق الإِيمان وأسرار الشرع وإنما يعلمون ما ظهر من الحياة الدنيا كطلب المعاش من تجارة وزراعة وصناعة. وهم عن الآخرة هم غافلون: أي عن الحياة الآخرة، وما فيها من نعيم وجحيم وما يؤدي إلى ذلك من عقائد وأفعال وتُروك. معنى الآيات: قوله تعالى: {الۤـمۤ}: أحسن أوجه التفسير لمثل هذه الحروف القول بأن الله أعلم بمراده به، مع الإِشارة إلى أنه أفاد فائدتين الأولى أن هذا القرآن المؤلف من مثل هذه الحروف المقطعة قد أعجز العرب على تأليف مثله فدل ذلك على أنه وحي الله وتنزيله، وأن من نزل عليه نبي الله ورسوله وأن ما يحمل من تشريع هو حاجة البشرية ولا تصلح ولا تكمل ولا تسعد إلا به وعليه، والثانية أنها لما كان المشركون يمنعون من سماع القرآن مخافة تاثيره على المستمع له جاء تعالى بمثل هذه الفواتح للعديد من سور كتابه فكانت تضطرهم إلى الاستماع إليه لأن هذه الحروف لم تكن معهودة في مخاطباتهم. وقوله تعالى: {غُلِبَتِ ٱلرُّومُ}: أي غَلَبت فارس الروم في {فِيۤ أَدْنَى ٱلأَرْضِ} أي أرض الشام الأقرب إلى بلاد فارس وذلك في أرض الجزيرة الواقعة بين نهري دجلة والفرات وقوله: {وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ} أي وهم من بعد غلب فارس الروم ستغلب الروم فارساً وقوله: {فِي بِضْعِ سِنِينَ}: أي في فترة زمانية ما بين الثلاث سنوات إلى تسع سنوات وقوله {لِلَّهِ ٱلأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ} أي الأمر في ذلك لله تعالى من قبل الغلب ومن بعده إذ هو المتصرف في خلقه. وقوله {وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ ٱلْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ ٱللَّهِ} أي ويوم يَغلِب الروم فارساً يفرح المؤمنون بانتصار الروم على فارس لأن الروم أهل كتاب وفارساً مشركون يعبدون النار، كما يفرح المؤمنون أيضاً بانتصارهم على المشركين في بدر إذ كان الوقت الذي انتصرت فيه الروم هو وقت انتصر فيه المؤمنون على المشركين في بدر. وهذا من الغيب الذي أخبر به القرآن قبل وقوعه فكان كما أخبر فأكد بذلك أن الإِسلام وكتابه ورسوله حق. وقوله تعالى: {يَنصُرُ مَن يَشَآءُ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ} أي ينصر تعالى من يشاء نصره من عباده وقد شاء نصر المؤمنين والروم فنصرهم في وقت واحد منجزاً بذلك وعده الذي واعد به منذ بضع سنين، وهو العزيز أي الغالب على أمره القادر على إنجاز وعده الرحيم بأوليائه وصالحي عباده. وقوله ولكن {يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِّنَ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} كتدبير الله وقدرته وعزته وفوائد شرعه وأسرار دينه، ولكن يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا كتدبير معايشهم من زراعة وصناعة وتجارة، وفي نفس الوقت هم عن الحياة الآخرة غافلون عما يجب عليهم فعله وتركه ليسعدوا فيها بالنجاة من النار وسكنان الجنان في جوار الرحمن سبحانه وتعالى. هداية الآيات: من هداية الايات: 1) تقرير صحة الإِسلام وأنه الدين الحق بِصِدْقِ ما يخبر به كتابه من الغيوب. 2) بيان أن أهل الكتاب من يهود ونصارى أقرب إِلى المسلمين من المشركين والملاحدة من بلاشفة شيوعيين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر. 3) بيان أن أكثر الناس لا يعلمون ما يسعدهم في الآخرة ويكملهم من العقائد الصحيحة والشرائع الحكيمة الرحيمة التي لا يكمل الإِنسان ولا يسعد إلا عليها، ويعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا كتدبير المعاش من زراعة وصناعة وتجارة، أما عن سر الحياة الدنيا ولماذا كانت فهم لا يعلمون شيئا كما هم عن الحياة الآخرة غافلون بالمرة فلا يبحثون عما يسعد فيها ولا عما يشقي. والعياذ بالله تعالى من الغفلة عن دار البقاء في السعادة أو الشقاء.

القطان

تفسير : أدنى الأرض: بلاد الشام والعراق، لأنها أقرب البلاد الى مكة. من بعد غَلَبِهِم: من بعد ما غلبوا. في بضع سنين: البضع ما بين الثلاثة الى العشرة. ظاهر الحياة الدنيا: هو كل ما يشاهَد ويدرك بالحواس. كانت الدولة الرومانية والدولة الفارسية أعظمَ دولِ العالم في عصر النبيّ صلى الله عليه وسلم، وكانت الحروبُ بينما دائمة. وفي عصر كسرى أبرويز نَشِطت الدولةُ الفارسية وانتصرت على الروم واستولت على جميع ممتلكاتهم في العراق وبلاد الشام ومصر وآسيا الصغرى. يومذاك تقلصت الامبراطورية الرومانية في عاصمتها، وسُدّت عليها جميع الطرق في حصار اقتصادي قاس، وعم القحط، وفشت الامراض الوبائية. وأخذ الفرس يستعبدون الرعايا الروم ويستبدّون بهم للقضاء على المسيحية، فدمروا الكنائس وأخذوا خشبة الصليب المقدس وأرسلوها الى المدائن. وأراقوا دماء ما يقرب من مائة الف من السكان المسيحيين. وأوشكت الامبراطورية الرومانية على الانهيار. في هذه الفترة كان المسلمون في مكّةَ في أصعبِ أيامهم وأشدّ مِحنتهم، وفي حالةٍ من الضعف والضَنْك لا يمكن تصوُّرها. وقد فرح المشركون بنصر الفُرس لأنهم وثنيون مثلهم، وحزِن المسلمون باندحار الروم لأنهم أهلُ كتاب. وقال المشركون شامتين: لقد غلب إخوانُنا إخوانكم، وكذلك سوف نقضي عليكم إذا لم تتركوا دينكم الجديد هذا. {الۤـمۤ غُلِبَتِ ٱلرُّومُ فِيۤ أَدْنَى ٱلأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ فِي بِضْعِ سِنِينَ}. يقول المؤرخ البريطاني "جيبون" في كتابه "تدهور الامبراطورية الرومانية وسقوطها" تعليقا على نبوءة القرآن هذه: "في ذلك الوقت حين تنبأ القرآن بهذا لم تكن اية نبوءة ابعدَ منها وقوعا، لأن السنين الاثنتي عشرة الأولى من حكومة هِرَقل كانت تؤذِن بانتهاء الامبراطورية الرومانية"، المجلد الخامس صفحة 74. حديث : فلما سمع أَبو بكر رضي الله عنه هذه الآيات خرج الى المشركين فقال لهم: أفرِحتم بظهور إخوانكم الفرس، فواللهِ لتظهرنَّ الرومُ على فارس كما أخبرنا بذلك نبيُّنا صلى الله عليه وسلم. فقام اليه أُبيّ بن خلف فقال له: كذبتَ. فقال أبو بكر: أنت كذبتَ يا عدو الله. اجعل بيننا أجَلاً أراهنك على عشر قلائص منّي وعشرٍ منك، فان ظهرت الرومُ على فارس ربحتُ انا الرهان، وان ظهرت فارس ربحتَ أنت الرهان. ثم جاء الى النبيّ عليه الصلاة والسلام فأخبره، فقال الرسول الكريم: زايدْه في الرِهان ومادَّه في الأجلِ. فخرج ابو بكر، فلقي أُبي بن خلف فقال له: لعلّك ندمتَ؟ فقال: لا. فقال أبو بكر: تعالى أزايدْك في الرهان، وأمادّك في الأجل، فاجعلها مائة قلوص إلى تسع سنين قال: قد فعلت. وقد قتل أُبي في معركة أُحُد. ولما ظهرت الرومُ على الفرس واستعادوا بلادهم وصدقت نبوءة القرآن، أخذ ابو بكر مائةَ ناقة من ورثةِ أُبيّ وتصدّق بها. وهذا كان قبل تحريم الميسر تفسير : وهكذا صدقت نبوءةُ القرآن الكريم عن غلبة الروم في أقلَّ من عشر سنين، وفي هذا اكبرُ دليلٍ على ان القرآن كتابُ الله، وان هذه النبوءة جاءت من لدن مهيمنٍ على كل الوسائل والأحوال، وَمن بيده قلوبُ الناس وأقدارُهم. {وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ ٱلْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ ٱللَّهِ....} فقد فرح المؤمنون بنصرهم في معركة بدر، وجاءتهم الأخبارُ في نفسِ التاريخ بنصرِ الروم على الفُرس، فكان ذلك فرحاً عظيماً بنصرهم على قريش، وبصدق نبوءةِ القرآن الكريم. {ذَلِكَ ٱلْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ} {وَعْدَ ٱللَّهِ لاَ يُخْلِفُ ٱللَّهُ وَعْدَهُ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} ذلك النصرُ وعدٌ من الله للمؤمنين فلا بدّ من تحققه في واقع الحياة، فالله تعالى لا يُخلفُ وعده، ولكن اكثر الناس لا يعلمون، ولو بدا في الظاهر انهم يعرفون الكثير من امور الدنيا. {يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِّنَ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} ثم لا يتجاوزون هذا الظاهرَ ولا يرون ببصيرتهم ما وراءه. وظاهرُ الحياة الدنيا محدودٌ صغير، مهما بدا للناس واسعاً شاملا. فما هذه الأرض بل هذا النظام الشمسي بأجمعه - الا ذرةً في هذا الكون الكبير الذي لا نعرف عنه شيئا.... {وَهُمْ عَنِ ٱلآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ} فالآخرة حياةٌ ثانية تختلف عن كل ما نرى وما نعلم، وهي صفحة من صفحات الوجود الكثيرة، وصاحبُ الحظ من تزوّد لها، وعمل لها الأعمال الصالحة، {فَإِنَّ خَيْرَ ٱلزَّادِ ٱلتَّقْوَىٰ}.

د. أسعد حومد

تفسير : (ألِف. لاَمْ. مِيمْ) (1) - وَتُقْرَأُ مُقَطَّعَةً. كُلُّ حَرْفٍ عَلَى حِدَةٍ. اللهُ أَعْلَمُ بِمُرَادِهِ.

الثعلبي

تفسير : قوله عزّ وجلّ: {الۤـمۤ * غُلِبَتِ ٱلرُّومُ} الآية. قال المفسِّرون: كانت في فارس امرأة لا تلد إلاّ الملوك والأبطال بسم الله الرحمن الرحيم، فدعاها كسرى فقال: إنّي أُريد أن أبعث إلى الروم جيشاً وأستعمل عليهم رجلاً من بنيكِ فأشيري عليَّ أيّهم أستعمل؟ فقالت: هذا فلان، أروغ من ثعلب، وأحذر من صقر، وهذا فرخان أنفذ من سنان، وهذا شهريراز هو أحلم من كذا، فاستعمل أيّهم شئت. قال: فإنّي استعملتُ الحليم، فاستعمل شهريراز، فسار إلى الروم بأهل فارس وظهر عليهم فقتلهم وخرّب مدائنهم وقطع زيتونهم، وكان قيصر بعث رجلاً يدعى يحنس وبعث كسرى شهريراز فالتقيا بأذرعات وبصرى وهي أدنى الشام إلى أرض العرب والعجم فَغَلَبت فارسُ الرومَ، فبلغ ذلك النبيّ صلّى الله عليه وسلم وأصحابه بمكّة فشقّ عليهم،وكان النبيّ صلّى الله عليه وسلم يكره أنْ يظهر الأمّيّون من المجوس على أهل الكتاب من الروم. وفرح كفّار مكّة وشمتوا ولقوا أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم فقالوا: إنّكم أهل كتاب والنصارى أهل كتاب ونحن أُمّيون وقد ظهر إخواننا من أهل فارس على إخوانكم من أهل الروم. فإنّكم إنْ قاتلتمونا لنظهرنّ عليكم. فأنزل الله عزّ وجلّ: {الۤـمۤ * غُلِبَتِ ٱلرُّومُ ...} إلى آخر الآيات. فخرج الصّدّيق رضي الله عنه إلى الكفّار فقال: فرحتم بظهور إخوانكم على إخواننا فلا تفرحوا ولا يقرّنَ الله أعينكم، فوالله ليظهرنّ الروم على فارس، أخبرنا بذلك نبيُّنا، فقام إليه أُبيّ بن خلف الجمحي فقال: كذبت يا أبا فضيل، فقال له أبو بكر: أنتَ أكذب يا عدوّ الله، فقال: اجعل بيننا أجلاً أُناحبُكَ عليه، والمناحبة: المراهنة على عشر قلائص منّي وعشر قلائص منك، فإنْ ظهرت الروم على فارس غرمتُ، وإنْ ظهرت فارس غرمتَ، ففعل ذلك وجعلوا الأجل ثلاث سنين. فجاء أبو بكر إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأخبره وذلك قبل تحريم القمار، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما هكذا ذكرتُ، إنّما البضع ما بين ثلاث إلى التسع فزايدهُ في الخطر ومادّه في الأجل،فخرج أبو بكر فلقي أُبيّاً فقال: لعلَّك ندمت قال: لا، قال: فتعال أزايدك في الخطر وأُمادّك في الأجل فاجعلها مائة قلوص ومائة قلوص إلى تسع سنين، قال: قد فعلت فلمّا خشي أُبيّ بن خلف أن يخرج أبو بكر من مكة أتاه فلزمه فقال: إنّي أُخاف أن تخرج من مكّة فأقم لي كفيلاً، فكفل له ابنه عبدالله بن أبي بكر. فلمّا أراد أُبي بن خلف أن يخرج إلى أحُد أتاه عبدالله بن أبي بكر فلزمه قال: والله لا أدعك حتّى تعطيني كفيلاً فأعطاه كفيلاً ثمّ خرج إلى أحُد، ثمّ رجع أُبيّ بن خلف فمات بمكّة من جُراحتِهِ التي جرحه رسول الله صلّى الله عليه وسلم حين بارزه. وظهرت الروم على فارس يوم الحُديبيّة وذلك عند رأس سبع سنين من مناحبتهم. هذا قول أكثر المفسِّرين. وقال أبو سعيد الخدري ومقاتل: لمّا كان يوم بدر غلب المسلمون كفّار مكّة وأتاهم الخبر أنّ الروم قد غلبوا فارس ففرح المؤمنون بذلك. قال الشعبي: لم تمضِ تلك المدّة التي عقدوا المناحبة بينهم، أهل مكّة وصاحب قمارهم أبيّ بن خلف، والمسلمون وصاحب قمارهم أبو بكر، وذلك قبل تحريم القمار حتّى غلَبت الرومُ فارسَ وربطوا خيولهم بالمدائن وبنوا الرومية فَقَمَر أبو بكر أُبيّاً، وأخذ مال الخطر من ورثته وجاء به يحمله إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال له النبيّ صلى الله عليه وسلم: "حديث : تصدّق به ". تفسير : وكان سبب غلبة الروم فارسَ على ما قال عكرمة وغيره أنّ شهريراز بعدما غلب الروم لم يزل يطأهم ويخرّب مدائنهم حتّى بلغ الخليج، فبينا أخوه فرخان جالس ذات يوم يشرب فقال لأصحابه: لقد رأيت كأنّي جالس على سرير كسرى، فبلغت كلمته كسرى فكتب إلى شهريراز: إذا أتاك كتابي فابعث إليّ برأس فرخان. فكتب إليه: أيّها الملك إنّك لم تجد مثل فرخان، إنّ له نكاية وصوتاً في العدوّ فلا تفعل، فكتب إليه: إنَّ في رجال فارس خَلَفاً منه فعجّل إليّ برأسهِ، فراجعه فغضب كسرى ولم يجبه، وبعث بريداً إلى أهل فارس إنّي قد نزعت عنكم شهريراز واستعملت عليكم فرخان. ثمّ دفع إلى البريد صحيفة صغيرة وأمره فيها بقتل شهريراز وقال: إذا وليَ فرخان الملك وانقاد له أخوه فأعطهِ، فلمّا قرأ شهريراز الكتاب قال: سمعاً وطاعة ونزل عن سريره وجلس فرخان فدفع إليه الصحيفة قال: ائتوني بشهريراز فقدَّمه ليضرب عنقه. قال: لا تعجل حتّى أكتب وصيّتي، قال: نعم، قال: فدعا بالسفط فأعطاه ثلاث صحائف، وقال: كلّ هذا راجعت فيه كسرى وأنت أردت أن تقتلني بكتاب واحد، فَردَّ المُلْكَ إلى أخيه. فكتب شهريراز إلى قيصر ملك الروم: إنّ لي إليك حاجة لا يحملها البريد ولا تبلغها الصحف فألقني ولا تلقني إلاّ في خمسين روميّاً فأنّي ألقاك في خمسين فارسيّاً. فأقبل قيصر في خمسمائة ألف رومي وجعل يضع العيون بين يديه في الطريق وخاف أن يكون قد مُكرَ بهِ حتّى أتاه عيونه أنّه ليس معه إلاّ خمسون رجلاً ثمّ بسط لهما والتقيا في قبّة ديباج ضربت لهما ومع كلّ واحد منهما سكين، فدعيا بترجمان بينهما فقال شهريراز: إنّ الذين خرّبوا مدائنك أنا وأخي بكيدنا ومكرنا وشجاعتنا، وإنّ كسرى حسدنا وأراد أنْ أقتل أخي فأَبيت. ثمّ أمر أخي أن يقتلني. فقد خلعناه جميعاً فنحن نقاتله معك، قال: قد أصبتما ثمّ أشار أحدهما إلى صاحبه أنّ السرّ بين اثنين فإذا جاوز اثنين فشا، فقتلا الترجمان جميعاً بسكّينيهما (فأُديلت) الروم على فارس عند ذلك فأتبعوهم يقتلونهم ومات كسرى. وجاء الخبر إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلم يوم الحديبية ففرح ومن معه، فذلك قوله عزّ وجلّ: {الۤـمۤ * غُلِبَتِ ٱلرُّومُ * فِيۤ أَدْنَى ٱلأَرْضِ} يعني أدنى الأرض من أرض الشام إلى أرض فارس وهي أذرعات. قال ابن عبّاس: طرف الشام. مجاهد: أرض الجزيرة. مقاتل: الأردن وفلسطين، عكرمة: أذرعات وكسكر. مقاتل بن حبان: هي ريف الشام. {وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ} أي غلبتهم فحذفت التاء منه كما حذفت من قوله: {أية : وَأَقَامَ ٱلصَّلاةَ}تفسير : [البقرة: 177] وانّما هو إقامته. وقرأ أبو حيوة الشامي (غَلْبِهمْ) بسكون اللام وهما لغتان مثل الطّعْن والطَعَن. {سَيَغْلِبُونَ} فارس { فِي بِضْعِ سِنِينَ} وقرأ عبدالله بن عمرو وأبو سعيد الخدري والحسن وعيسى بن عمر {غَلَبِهِمْ} بفتح الغين واللام {سَيَغْلِبُونَ} بضم الواو وفتح اللام. قالوا: نزلت هذه الآية حين أخبر الله عزّ وجلّ نبيّه صلى الله عليه وسلم عن غلبة الروم فارسَ، ومعنى الآية: الم غلبت الروم فارس في أدنى الأرض إليكم. وقرأ سعيد بن جبير وطلحة بن مصرف في أداني الأرض بالجمع {وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ} سيغلبهم المسلمون. {فِي بِضْعِ سِنِينَ} وعند انقضاء هذه المدّة أخذ المسلمون في جهاد الروم. أخبرنا محمد بن عبدالله بن حمدويه، عن الحسين بن الحسن بن أيّوب، عن علي بن عبدالعزيز قال: أخبرني أبو عبيد عن حمّاد بن خالد الخيّاط عن معاوية بن صالح عن مرتد بن سمي قال: سمعت أبا الدرداء يقول: سيجيء قوم يقرأون: {الۤـمۤ * غُلِبَتِ ٱلرُّومُ} وإنّما هي {غُلِبَتِ ٱلرُّومُ}. قال أبو عبيد بضم الغين يعني الأخيرة. قوله: {لِلَّهِ ٱلأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ} يعني من قبل دولة الروم على فارس ومن بعد وهما مرفوعان على الغاية. {وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ ٱلْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ ٱللَّهِ} الرومَ لأنّهم أهل كتاب، وبنصر الله المؤمنين على الكافرين {يَنصُرُ مَن يَشَآءُ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ}. أخبرني الحسين بن محمد بن فنجويه عن عبدالله بن محمد بن شنبه،عن علي بن محمد ابن هامان، عن علي بن محمد الطّنافسي عن النعمان بن محمد عن أبي إسحاق الفزاري، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي عمرو الشيباني قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:حديث : فارس نطحة أو نطحتان" ثمّ قال: " لا فارس بعدها أبداً، والروم ذات القرون أصحاب بحر وصخر، كلّما ذهب قرن خلف قرن، هيهات إلى آخر الأبد . تفسير : {وَعْدَ ٱللَّهِ} نصب على المصدر {لاَ يُخْلِفُ ٱللَّهُ وَعْدَهُ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ * يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِّنَ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} يعني أمر معايشهم كيف يكتسبون ويتّجرون ومتى يغرسون ويحصدون وكيف يبنون ويعيشون. {وَهُمْ عَنِ ٱلآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ} وبها جاهلون ولها مضيّعون، لا يتفكّرون فيها ولا يعملون لها. فعمّروا دنياهم وخرّبوا آخرتهم.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : {الۤـمۤ} [الروم: 1] سبق أن تكلمنا كثيراً عن الحروف المقطعة في بدايات السور، ولا أريد إعادة ما قُلْته، لكن أريد من العلماء أنْ يلتفتوا إلى هذه المسألة لفتة إشراقية تُرينا جميعاً، وتكشف لنا الحكمة والأسرار في هذه الحروف. وقلنا: إن هذه الحروف (الم) بنيت على الوقف، كل حرف منها على حِدَة، مع أن القرآن في مجمله مبني على الوصل في آياته وفي سوره، فآخر حرف في السورة موصول بأول حرف في التي تليها - فهنا نقول: (وَإِنَّ اللهَ لَمعَ المحْسِنينَ بسْمِ اللهِ الرحْمنِ الرحيمِ ...). بل أعجب من هذا، نجد أن آخر سورة الناس مبنيٌّ على الوصل بأول الفاتحة، فنقول: (... مِنَ الجِنَّةِ والنَّاسِ بسْم اللهِ الرحْمَنِ الرَّحيم الْحَمدُ لله رَبِّ العَالمين). فالقرآن إذن موصول، لا انقطاعَ فيه. فلماذا بُنيت الحروف المقطعة في أوائل السور على الوقْف، لماذا لا نقول: ألفٌ لامٌ ميمٌ؟ قالوا: لأن الله تعالى لم يشأ أنْ يجعلها كلمة واحدة، فجاءت على القطع، ويؤنسنا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا أقول الم حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف"تفسير : . فنريد وننتظر من يدركه الله ليكون من المحسنين، ويدلُّنا على ما في هذه الحروف من سِرٍّ يُوقف عنده، ولا يُوصل بغيره. قال الحق سبحانه: {غُلِبَتِ ...}.

مجاهد بن جبر المخزومي

تفسير : أَخبرنا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا آدم، ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {الۤـمۤ * غُلِبَتِ ٱلرُّومُ} [الآية: 1ـ2]. قال: ذكر غلبة فارس الروم وإِدالة الروم على فارس، وفرح المؤمنين بنصر الله أَهل الكتاب، على أَهل الأَوثان. قال: والبضع ما بين الثلاث إِلى العشر. أَنبا عبد الرحمن، ثنا إِبراهيم، نا آدم، ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح عن مجاهد: {وَأَثَارُواْ ٱلأَرْضَ} [الآية: 9]. يقول: حرثوا الأَرض. أَنبا عبد الرحمن، ثنا إِبراهيم، نا آدم، نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح عن مجاهد: {يُبْلِسُ ٱلْمُجْرِمُونَ} [الآية: 12]. يعني: يكتئب.

الصابوني

تفسير : اللغّة: {يَغْلِبُونَ} يهزمون ويُقهرون {أَثَارُواْ ٱلأَرْضَ} حرثوها وقلبوها للزراعة {ٱلسُّوۤءَى} تأنيث الأسوء وهو الأقبح كما أن الحُسنى تأنيث الأحسن، والسُّوءى: العقوبة المتناهية في السوء {يُحْبَرُونَ} يُسرون يقال: حبره إِذا سرَّه سروراً تهلَّل له وجهه وظهر عليه أثره قال الجوهري: الحبور: السرور، ويحُبرون: يُنعمون ويُسرون {عَشِيّاً} العشي: من صلاة المغرب إِلى العتمة {تُظْهِرُونَ} تدخلون وقت الظهيرة. التفسِير: {الۤـمۤ} الحروف المقطعة للتنبيه على إِعجاز القرآن {غُلِبَتِ ٱلرُّومُ * فِيۤ أَدْنَى ٱلأَرْضِ} أي هُزم جيش الروم في أقرب أرضهم إلى فارس {وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ} أي وهم من بعد انهزامهم وغلبة فارس لهم سيغلبون الفرس وينتصرون عليهم {فِي بِضْعِ سِنِينَ} أي في فترة لا تتجاوز بضعة أعوام، والبضع: ما بين الثلاث إلى التسع قال المفسرون: كان بين فارس والروم حربٌ، فغلبت فارس الروم، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه فشقَّ ذلك عليهم، وفرح المشركون بذلك لأن أهل فارس كانوا مجوساً ولم يكن لهم كتاب، والرومُ أصحاب كتاب فقال المشركون لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إِنكم أهل كتاب، والروم أهل كتاب، ونحن أُميون، وقد ظهر إِخواننا من أهل فارس على إِخوانكم من الروم، فلنظهرنَّ عليكم فقال أبو بكر: لا يقرُّ الله أعينكم فأنزل الله {وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ} وقد التقى الجيشان في السنة السابعة من الحرب، وغلبت الرومُ فارس وهزمتهم، وفرح المسلمون بذلك قال أبو السعود: وهذه الآياتُ من البينات الباهرة، الشاهدة بصحة النبوة، وكون القرآن من عند الله عز وجل حيث أخبر عن الغيب الذي لا يعلمه إِلا العليم الخبير، ووقع كما أخبر، وقال البيضاوي: والآية من دلائل النبوة لأنها إِخبارٌ عن الغيب {لِلَّهِ ٱلأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ} أي للّه عز وجل الأمر أولاً وآخراً، من قبل الغلبة ومن بعد الغلبة، فكل ذلك بأمر الله وإرادته، ليس شيء منهما إِلا بقضائه قال ابن الجوزي: المعنى إِن غلبة الغالب، وخذلان المغلوب، بأمر الله وقضائه {وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ ٱلْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ ٱللَّهِ} أي ويوم يهزم الروم الفرس ويتغلبون عليهم، ويحل ما وعده الله من غلبتهم يفرح المؤمنون بنصر الله لأهل الكتاب على المجوس، لأن أهل الكتاب أقرب إلى المؤمنين من المجوس، وقد صادف ذلك اليوم يوم غزوة بدر قال ابن عباس: كان يوم بدر هزيمة عبدة الأوثان، وعبدة النيران {يَنصُرُ مَن يَشَآءُ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ} أي ينصر من يشاء من عبادة، وهو العزيز بانتقامه من أعدائه، الرحيمُ بأوليائه وأحبابه {وَعْدَ ٱللَّهِ لاَ يُخْلِفُ ٱللَّهُ وَعْدَهُ} أي ذلك وعدٌ مؤكد وعد الله به فلا يمكن أن يتخلف، لأنه وعده حق وكلامه صدق {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} أي لا يعلمون ذلك لجهلهم وعدم تفكرهم {يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِّنَ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} أي يعلمون أمور الدنيا ومصالحها وما يحتاجون إِليه فيها من أمور الحياة كالزراعة والتجارة والبناء ونحو ذلك قال ابن عباس: يعلمون أمر معايشهم متى يزرعون، ومتى يحصدون، وكيف يغرسون، وكيف يبنون {وَهُمْ عَنِ ٱلآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ} أي وهم عميٌ عن أمر الآخرة، ساهون غافلون عن التفكر فيها والعمل لها قال الإِمام الفخر: ومعنى الآية أن علمهم منحصرٌ في الدنيا، وهم مع ذلك لا يعلمون الدنيا كما هي وإِنما يعلمون ظاهرها، وهي ملاذها وملاعبها، ولا يعلمون باطنها وهي مضارُّها ومتاعبها، ويعلمون وجودها الظاهر ولا يعلمون فناءها وهم عن الآخرة غافلون، ولعل في التعبير بقوله {ظَاهِراً} إِشارة إلى أنهم عرفوا القشور، ولم يعرفوا اللباب فكأن علومهم إِنما هي علوم البهائم {أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُواْ فِيۤ أَنفُسِهِمْ مَّا خَلَقَ ٱللَّهُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ وَأَجَلٍ مُّسَمًّى} أي أولم يتفكروا بعقولهم فيعلموا أن الله العظيم الجليل ما خلق السماوات والأرض عبثاً، وإِنما خلقهما بالحكمة البالغة لإِقامة الحق لوقتٍ ينتهيان إِليه وهو يوم القيامة؟ قال القرطبي: وفي هذا تنبيه على الفناء، وعلى أن لكل مخلوقٍ أجلاً، وعلى ثواب المحسن وعقاب المسيء {وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ ٱلنَّاسِ بِلِقَآءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ} أي وأكثر الناس منكرون جاحدون للبعث والجزاء {أَوَلَمْ يَسيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} أي أولم يسافروا فينظروا مصارع الأمم قبلهم كيف أُهلكوا بتكذيبهم رسلهم فيعتبروا!! {كَانُوۤاْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً} أي كانوا أقوى منهم أجساداً، وأكثر أموالاً وأولاداً {وَأَثَارُواْ ٱلأَرْضَ وَعَمَرُوهَآ أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا} أي وحرثوا الأرضَ للزراعة، وحفروها لاستخراج المعادن، وعمروها بالأبنية المشيدة، والصناعات الفريدة أكثر مما عمرها هؤلاء قال البيضاوي: وفي الآية تهكم بأهل مكة من حيث إِنهم مغترون بالدنيا، مفتخرون بها، وهم أضعف حالاً فيها، إِذ مدار أمرها على السعة في البلاد، والتسلط على العباد، والتصرف في أقطار الأرض بأنواع العمارة، وهم ضعفاء ملجئون إلى دار لا نفع فيها {وَجَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَاتِ} أي وجاءتهم الرسل بالمعجزات الواضحات والآيات البينات فكذبوهم {فَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ} أي فما كان الله ليهلكهم بغير جُرم {وَلَـٰكِن كَانُوۤاْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} أي ولكن ظلموا أنفسهم بالكفر والتكذيب فاستحقوا الهلاك والدمار {ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ ٱلَّذِينَ أَسَاءُواْ ٱلسُّوۤءَىٰ} أي ثم كان عاقبة المجرمين العقوبة التي هي أسوأ العقوبات وهي نار جهنم {أَن كَذَّبُواْ بِآيَاتِ ٱللَّهِ وَكَانُواْ بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ} أي لأجل أنهم كذبوا بآياتنا المنزلة على رسلنا واستهزءوا بها {ٱللَّهُ يَبْدَأُ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ} أي الله جل وعلا بقدرته ينشئ خلق الناس ثم يعيد خلقهم بعد موتهم {ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} أي ثم إِليه مرجعكم للحساب والجزاء {وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ يُبْلِسُ ٱلْمُجْرِمُونَ} أي ويوم تقوم القيامة ويُحْشر الناس للحساب يسكت المجرمون وتنقطع حجتهم، فلا يستطيعون أن ينسبوا ببنت شفة قال ابن عباس: {يُبْلِسُ ٱلْمُجْرِمُونَ} ييأس المجرمون، وقال مجاهد: يفتضح المجرمون قال القرطبي: والمعروف في اللغة: أبلس الرجل إِذا سكت وانقطعت حجته {وَلَمْ يَكُن لَّهُمْ مِّن شُرَكَآئِهِمْ شُفَعَاءُ} أي ولم يكن لهم من الأصنام التي عبدوها شفعاء يشفعون لهم {وَكَانُواْ بِشُرَكَآئِهِمْ كَافِرِينَ} أي تبرءوا منها وتبرأت منهم {وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ} كرر لفظ قيام الساعة للتهويل والتخويف لأن قيام الساعة أمر هائل أي ويوم تقوم القيامة يومئذٍ يتفرق المؤمنون والكافرون، ويصبحون فريقين: فريقٌ في الجنة، وفريقٌ في السعير، ولهذا قال {فَأَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ} أي فأما المؤمنون المتقون الذين جمعوا بين الإِيمان والعمل الصالح {فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ} أي فهم في رياض الجنة يُسرون وينعمون {وَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَلِقَآءِ ٱلآخِرَةِ} أي وأما الذين جحدوا بالقرآن وكذبوا بالبعث بعد الموت {فَأُوْلَـٰئِكَ فِي ٱلْعَذَابِ مُحْضَرُونَ} أي فأولئك في عذاب جهنم مقيمون على الدوام {فَسُبْحَانَ ٱللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ} أي سبحوا الله ونزّهوه عما لا يليق به من صفات النقص، حين تدخلون في المساء، وحين تدخلون في الصباح {وَلَهُ ٱلْحَمْدُ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَعَشِيّاً وَحِينَ تُظْهِرُونَ} أي وهو جل وعلا المحمود في السماوات والأرض قال ابن عباس: يحمده أهل السماوات وأهلُ الأرض ويُصلون له، قال المفسرون: {وَلَهُ ٱلْحَمْدُ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} جملة اعتراضية وأصل الكلام: {فَسُبْحَانَ ٱللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ * وَعَشِيّاً وَحِينَ تُظْهِرُونَ} والحكمة في ذلك الإِشارة إلى أن التوفيق للعبادة نعمةٌ ينبغي أن يحمد عليها، والعشي: من صلاة المغرب إلى العتمة، و{تُظْهِرُونَ} أي تدخلون وقت الظهر {يُخْرِجُ ٱلْحَيَّ مِنَ ٱلْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ ٱلْمَيِّتَ مِنَ ٱلْحَيِّ} أي يخرج المؤمن من الكافر، والكافر من المؤمن، والنبات من الحب، والحبّ من النبات، والحيوان من النطفة، والنطفة من الحيوان {وَيُحْي ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا} أي ويحيي الأرض بالنبات بعد يبسها وجدبها {وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ} أي كما يخرج الله النبات من الأرض كذلك يخرجكم من قبوركم للبعث يوم القيامة، قال القرطبي: بيَّن تعالى كمال قدرته، فكما يحيي الأرض بإِخراج النبات بعد همودها كذلك يحييكم بالبعث. البَلاَغَة: تضمنت الآيات الكريمة وجوهاً من البيان والبديع نوجزها فيما يلي: 1- الطباق بين {غُلِبَتِ.. يَغْلِبُونَ} وبين {قَبْلُ.. وبَعْدُ}. 2- طباق السلب {لاَ يَعْلَمُونَ.. يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِّنَ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا}. 3- صيغة المبالغة {وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ} أي المبالغ في العزة، والمبالغ في الرحمة. 4- تكرير الضمير لإِفادة الحصر {وَهُمْ عَنِ ٱلآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ} ووردوها اسمية للدلالة على استمرار غفلتهم ودوامها. 5- الإِنكار والتوبيخ {أَوَلَمْ يَسيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ فَيَنظُرُواْ} الآية. 6- جناس الاشتقاق {أَسَاءُواْ ٱلسُّوۤءَىٰ}. 7- الطباق بين {يَبْدَأُ.. ويُعِيدُهُ} وبين {تُمْسُونَ.. وتُصْبِحُونَ}. 8- المقابلة بين حال السعداء والأشقياء {فَأَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ * وَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَلِقَآءِ ٱلآخِرَةِ فَأُوْلَـٰئِكَ فِي ٱلْعَذَابِ مُحْضَرُونَ}. 9- الاستعارة اللطيفة {يُخْرِجُ ٱلْحَيَّ مِنَ ٱلْمَيِّتِ} استعار الحيَّ للمؤمن، والميت للكافر، وهي استعارة في غاية الحسن والإِبداع والجمال. 10- مراعاة الفواصل في الحرف الأخير لما له من أجمل الوقع على السمع مثل {ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} {فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ} {فِي ٱلْعَذَابِ مُحْضَرُونَ}. لطيفَة: قال الزمخشري: دلَّ قوله تعالى {يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِّنَ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} على أن للدنيا ظاهراً وباطناً، فظاهرها ما يعرفه الجهال من التمتع بزخارفها، والتنعم بملاذها، وباطنها وحقيقتها أنها معبرٌ للآخرة، يتزود منها إِليها بالطاعة والأعمال الصالحة. ولقد أحسن من قال: شعر : أبنيَّ إِن من الرجال بهيمةً في صورة الرجل السميع المبصر فطِنٌ بكل مصيبةٍ في ماله فإِذا أُصيب بدينه لم يشعر

الأندلسي

تفسير : {بِسمِ ٱلله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ * الۤـمۤ * غُلِبَتِ ٱلرُّومُ} هذه السورة مكية بلا خلاف وسبب نزولها أن كسرى بعث جيشاً إلى الروم وأمر عليهم رجلاً اختلف في اسمه فسار إليهم بأهل فارس فظفر وقتل وخرب وقطع زيتونهم وكان التقاهم باذرعات وبصرى وكان قد بعث قيصر رجلاً أميراً على الروم وفي كتابنا البحر ذكرت حكاية غلب الروم فارس قال ابن عطية والقراءة بضم الغين أصح وأجمع الناس على سيغلبون أنه بفتح الياء يراد به الروم ويروى عن ابن عمر أنه قرأ أيضاً سيغلبون بضم الياء وفي هذه القراءة قلب المعنى الذي تظاهرت به الروايات "انتهى" * قوله: {أية : أَجْمَعُوۤاْ}تفسير : [يوسف: 102] ليس كذلك ألا ترى أن الذين قرؤا غلبت بفتح الغين هم الذين قرؤا سيغلبون بضم الياء وفتح اللام فليست هذه مخصوصة بابن عمر كما ذكر. {فِي بِضْعِ سِنِينَ} تقدم الكلام عليه في يوسف والظاهر أن يومئذٍ ظرف معمول ليفرح والتنوين فيه للعوض من الجملة المحذوفة أي ويوم إذ يغلب الروم فارس يفرح المؤمنون ثم ابتدأ الاخبار بفرح المؤمنين بالنصر وبنصر الله أي الروم على فارس أو المسلمين على عدوهم * وانتصب وعد الله على أنه مصدر مؤكد لمضمون الجملة التي تقدّمت وهو قوله: {سَيَغْلِبُونَ} و{يَفْرَحُ ٱلْمُؤْمِنُونَ}. {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ} الكفار من قريش وغيرهم. {لاَ يَعْلَمُونَ} نفي عنهم العلم النافع للآخرة وقد أثبت لهم العلم بأحوال الدنيا. {يَعْلَمُونَ ظَاهِراً} أي بينا أي ما أدتهم إليه حواسهم فكان علومهم إذن هي علوم البهائم. {أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُواْ} الظاهر أنها معلقة ومتعلقها الجملة من قوله ما خلق إلخ وفي أنفسهم ظرف على سبيل التأكيد لأن الفكر لا يكون إلا في النفس كما أن الكتابة لا تكون إلا باليد * وبالحق في موضع الحال أي ملتبسة بالحق مقترنة به وبتقدير أجل مسمى لا بد لها أن تنتهي إليه وهو قيام الساعة ووقف الحساب والثواب والعقاب والمراد بلقاء ربهم الأجل المسمى. {أَوَلَمْ يَسيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ} هذا تقرير وتوبيخ أي قد ساروا ونظروا إلى ما حل بمن كان قبلهم من مكذبي الرسل. {وَأَثَارُواْ ٱلأَرْضَ} أي قلبوها للزراعة وغير ذلك وعمروها من العمارة أي بقاؤهم فيها أكثر من بقاء هؤلاء أو من العمران أي سكنوا فيها وقرىء عاقبة بالرفع وهي إسم كان * والذين أساؤا من وضع الظاهر موضع المضمر كأنه قال عاقبة مكرهم وخبر كان قوله السوأى وهي الحالة السيئة والسوأى افعل تفضيل مؤنث تذكيره الاسوء ويجوز أن يكون السوأى مصدراً منصوباً باساؤا وان كذبوا هو الخبر أي تكذيبهم بآيات الله وقرىء عاقبة بالنصب على أنه خبر كان واسمها يجوز أن يكون السوأى ويجوز أن يكون ان كذبوا أي تكذيبهم فيكون السوأى مصدر الأساؤا قال الزمخشري: ويجوز أن يكون أن بمعنى أي ووجه آخر وهو أن يكون أساؤا السوأي هنا بمعنى اقترفوا الخطيئة التي هي أسوأ الخطايات وان كذبوا عطف بيان لها وخبر كان محذوف كما يحذف جواب لما ولو ارادة الابهام "انتهى" * وكون أن هنا حرف تفسير متكلف جداً وأما قوله وإن كذبوا عطف بيان لها أي للسوأى وخبر كان محذوف الخبر فهذا فهم أعجمي لأن الكلام مستقل في غاية الحسن بلا حذف فيتكلف له محذوف لا يدل على دليل وأصحابنا لا يجيزون حذف خبر كان وأخواتها لا اقتصاراً ولا اختصاراً إلا أن ورد منه شىء فلا يقاس عليه. {يُبْلِسُ ٱلْمُجْرِمُونَ} أي لا ينطقون * في روضة والروضة الأرض ذات النبات والماء. {يُحْبَرُونَ} يسرون حبره سره سروراً تهلل له وجهه وظهر له أثره ومعنى محضرون مجموعون له لا يغيب أحد منهم وجاء في روضة منكراً وفي العذاب معرفاً والتنكيل لإِبهام أمرها وتفخيمه وجاء يجدون بالفعل المضارع لاستعماله لمتجدد لأنهم كل ساعة يأتيهم ما يسرون به متجددات الملاذ أو أنواعها المختلفة وجاء محضرون باسم الفاعل لاستعماله للثبوت فيهم إذا دخلوا العذاب يبقون فيه محضرين فهو وصف لهم لازم. {فَسُبْحَانَ ٱللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ} الآية لما بين تعالى عظيم قدرته في خلق السماوات والأرض بالحق وهي حالة لمبدأ العالم وفي مصيرهم إلى الجنة والنار وهي حالة الإِنتهاء أمر تعالى بتنزيهه من كل سوء في هذه الأوقات وقابل بالعشي الإِمساء وبالإِظهار الإِصباح لأن كلاً منهما يتعقب ما قابله فالعشى يتعقبه الإِمساء والإِصباح يتعقبه الإِظهار ولما لم يتصرف من العشى فعل لا يقال أعشى كما يقال أمسى وأصبح وأظهر جاء التركيب وعشياً ولما ذكر الابداء والإِعادة ناسب ذكر يخرج الحي من الميت وتقدم الكلام عليه. {وَكَذَلِكَ} أي مثل ذلك الإِخراج والمعنى تساوي الإِبداء والإِعادة في حقه تعالى ثم ذكر آيات من بدء خلق الإِنسان آية آية إلى حين بعثه من القبر فقال: {وَمِنْ آيَاتِهِ} أن خلقكم من تراب جعل خلقهم من تراب حيث كان خلق أباهم آدم من تراب. و{تَنتَشِرُونَ} تتصرفون في أغراضكم وأسفاركم وإذا للمفاجأة ولما كان بين الخلق وبين الإِنتشار رتب آخر كان العطف بثم المقتضية المهلة والتراخي وبدأ أولاً من الآيات بالنشأة الأولى وهي خلق الإِنسان من التراب ثم كونه بشراً منتشراً وهو خلق حي من جماد ثم أتبعه بأن خلق له من نفسه زوجاً وجعل بينهما تواداً وذلك خلق حي من عضو حي وقال: {لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} لأن ذلك لا يدرك إلا بالفكر في تأليف بين شيئين لم يكن بينهما تعارف ثم أتبعه بما هو مشاهد للعالم كلهم وهو خلق السماوات والأرض واختلاف اللغات والألوان والاختلاف دائم بدوام الإِنسان لا يفارق وقال: {لِّلْعَالَمِينَ} لأنها آية مكشوفة للعالم ثم أتبعه بالمنام والابتغاء وهما من الأمور المفارقة في بعض الأوقات بخلاف اختلاف الألسنة والألوان وقال: {لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ} لأنه لما كان من أفعال العباد قد يتوهم أنه لا يحتاج إلى مرشد فنبه على السماع وجعل البال من كلام المرشد ولما ذكر عرضيات الأنفس اللازمة والمفارقة ذكر عرضيات الآفاق المفارقة من إراءة البرق وإنزال المطر وقدمهما على ما هو من الأرض وهو الإِنبات والإِحياء كما قدم السماوات على الأرض وقدم البرق على الإِنزال لأنه كالمبشر يجيء بين يدي القادم والإِعراب لا يعلمون البلاد المعشبة إن لم يكونوا قد رأوا البروق اللائحة من جانب إلى جانب وقال لقوم يعقلون لأن البرق والإِنزال ليس أمراً عادياً فيتوهم أنه طبيعة إذ قد يقع ذلك ببلدة دون أخرى ووقتاً دون وقت وقوياً وضعيفاً فهو أظهر في العقل دلالة على الفاعل المختار فقال هداية لمن عقل وإن لم يتفكر تفكراً تاماً ثم ختم هذه الآيات بقيام السماوات والأرض وذلك من العوارض اللازمة فإِن كلاً من السماء والأرض لا يخرج عن مكانه فيتعجب من وقوف الأرض وعدم نزولها ومن علو السماء وثباتها من غير عمد ثم اتبع ذلك بالنشأة الآخرة وهي الخروج من الأرض وذكر تعالى من كل باب أمرين من الأنفس خلقكم وخلق لكم من الآفاق السماء والأرض ومن لوازم الإِنسان اختلاف الألسنة واختلاف الألوان ومن عوارضه الابتغاء ومن عوارض الآفاق البرق والمطر ومن لوازمها قيام السماء وقيام الأرض. {وَلَهُ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} عام في كونهم تحت ملكه وقهره. {قَانِتُونَ} قال ابن عباس: مطيعون أي في تصريفه لا يمتنع عليه شىء يريد فعله بهم من حياة وموت ومرض وصحة وفي طاعة الإِرادة لا طاعة العبادة والضمير في عليه عائد إلى الله تعالى وقيل أهون للتفضيل وذلك بحسب معتقد البشر وما يعطيهم النظر في الشاهد من أن الإِعادة في كثير من الأشياء أهون من البداءة للاستغناء عن الروية التي كانت في البداءة هذا وإن كان الإِثنان عنده تعالى من اليسر في حيز واحد وقيل الضمير في عليه عائد على الخلق أي والعود أهون على الخلق بمعنى أسرع لأن البداءة فيها تدريج من طور إلى طور إلى أن يصير إنساناً والإِعادة لا تحتاج إلى هذه التدريجات في الأطوار إنما يدعوه الله تعالى فيخرج فكأنه قال: وهو أيسر عليه أي أقصر مدة وانتقالاً. {ضَرَبَ لَكُمْ مَّثَلاً مِّنْ أَنفُسِكُمْ} قال ابن عباس بين تعالى أمر الأصنام وفساد معتقد من يشركها بالله تعالى بضربه هذا المثل ومعناه أنكم أيها الناس إذا كان لكم عبيد تملكونهم فإِنكم لا تشركونهم في أموالكم ومنهم أموركم ولا في شىء على استواء المنزلة وليس من شأنكم أن تخافوهم في أن يرثوا أموالكم أو يقاسمونكم إياها في حياتكم كما يفعل بعضكم ببعض فإِذا كان هذا فيكم فكيف تقولون ان من عبيده وملكه شركاء في سلطانه وألوهيته وتثبتون في جانبه ما لا يليق عندكم بجوانبكم وجاء هذا المعنى في معرض السؤال والتقرير.

الجيلاني

تفسير : {الۤـمۤ} [الروم: 1] أيها الإنسان الأفضل الأكمل اللبيب، اللائق الملازم المداوم لاتسكشاف غوامض أسرار الوجود، ورقائق دقائق آثار الكرم والجود، الفائضة من الخلاق الودود على خواص مظاهر الأكوان المحبوسين في مضيق الإمكان؛ ليوصلهم إلى فناء الوجوب وصفاء الكشف والشهود، مخلصين عن جميع الأوهام والخيالات المستتبعة لأنواع الضلالات والجهالات. {غُلِبَتِ ٱلرُّومُ} [الروم: 2] أي: صاروا مغلوبين من عسكر الفرس. {فِيۤ أَدْنَى ٱلأَرْضِ} وأقربها من أرض العرب وأرض الروم، وهي أذرعات الشام أو الأردن أو فلسطين - على اختلاف الروايات من أصحاب التواريخ - {وَ} ولا تغتموا أيها المؤمنون من مغلوبية أهل الكتاب وضعفهم؛ إذ {هُم} أي: الروم {مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ} ومغلوبيتهم من الفرس {سَيَغْلِبُونَ} [الروم: 3] ويصيرون غالبين عليهم ، آخذين انتقامهم عنهم على أبلغ وجه وأشده لأبعد مدة مديدة، وأمد بعيد. بل {فِي بِضْعِ سِنِينَ} والبضع عند العرب من الثلاث إلى التسع. ورُوي أن فارس غزوا الروم فتلاحقا بأذرعات الشام، وهي أقرب أرض الروم من الفرس والعرب أيضاً، فلما اقتحما غلب الفرس على الروم، فوصل الخبر إلى مكة فأخذ المشركون في فرح عظيم وسرور مفرط، شامتين بالمسلمين، قائلين إياهم: أنتم والنصارى أهل الكتاب، ونحن وفارس أميون لا كتاب لنا، وقد ظهر إخواننا على إخوانكم، فنحن لنظهرنَّ أيضاً عليكم مثلهم عن قريب، فنزلت الآية فقرأها صلى الله عليه وسلم على أبي بكر رضي الله عنه، فخرج عليهم، فقال لهم: لا يقر الله أعينكم أيها المشركون المسرفون، فوالله ليظهرن الروم على فارس بعد بضع سنين، فقال له أُبي بن خلف: كذبت، اجعل بننا أجلاً أناحبك وأراهنك فناحبه أبو بكر رضي الله عنه على عشر قلائص من كل واحد منهم، وجعل الأجل ثلاث سنين، فأخبر أبو بكر رضي الله عنه ما جرى بينهما على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال صلى اله عليه وسلم: "حديث : البضع ما بين الثلاث إلى التسع ". تفسير : فرجع رضي الله عنه إلى أُبي فزايده الجعل والمدة أيضاً، فجعلاها مائة قلوص إلى تسع سنينن، ومات أُبي من طعن طعنه رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أُحد، وظهرت الروم على فارس يوم الحديبية أو بدر، فأخذ أبو بكر رضي الله عنه الخطر والرهن من ورثة أُبي، وجاء بها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : تصدق به"تفسير : فتصدق، فهذا قبل التحريم القمار، فلا يصح الاستدلال به على جواز العقود الفاسدة. وهذه الآية من دلائل النبوة الرسالة؛ لكونها إخباراً عن الغيب بوحي الله وإلهامه؛ إذ { لِلَّهِ} وفي قبضة قدرته واختياره {ٱلأَمْرُ} كله غيباً وشهادةً، دنيا وعقبى {مِن قَبْلُ} أزلاً {وَمِن بَعْدُ} أبداً، لا راد لأمره، ولا معقب لحكمه، يفعل الله على مقتضى إرادته واختياره ما يشاء، ويحكم حسب حكمته ما يريد {وَيَوْمَئِذٍ} أي: حين غلب الروم على الفرس في رسن السنة التاسعة؛ إنجازاً لما وعد به سبحاه المؤمنين {يَفْرَحُ ٱلْمُؤْمِنُونَ} [الروم: 4] مثلما فرح المشركون في الوقعة السابقة. وفرح المؤمنين إنما هو {بِنَصْرِ ٱللَّهِ} وتأييده أهل الكتاب والملة، وتقوية أهل دينه وكتابه النازل من عنده، وتغليبهم على أهل الأهواءوالآراء الباطلة، لا بمجرد الغيرة والحمية الجاهلية والعصبية، كما هو ديدنه أهل الزيغ والضلال، وإلا {يَنصُرُ} سبحانه {مَن يَشَآءُ} من عباده على مقتضى مراده، سواء كان من أهل الهداية والضلال، أو السعادة والشقاوة؛ إذ لا يُسأل عما يفعل {وَ} كيف يُسأل عن فعله سبحانه، مع أنه {هُوَ ٱلْعَزِيزُ} المنيع ساحة عز حضوره عن أن يُسأل عن كيفية أفعاله، الغالب المقتدر بالقدرة الكاملة على جميع مراداته {ٱلرَّحِيمُ} [الروم: 5] لعباده، يتفضل عليهم بمقتضى سعة رحمته تفضلاً وإحساناً؟!. وما ذلك النصر والتأييد {وَعْدَ ٱللَّهِ} وعهده، وعده مع المؤمنين حين اشتد عليهم الحزن وهجم الهموم وقت مغلوبية الروم غيرةً منهم على دين الله وأهله، ومن سنته سبحانه أنه {لاَ يُخْلِفُ ٱللَّهُ وَعْدَهُ} الذي وعده مع خلَّص عباده {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ} المجبولين على الغفلة والنسيان {لاَ يَعْلَمُونَ} [الروم: 6] وعده، ولا يؤمنون ويصدقون بإنجازه الوعد، وعدم خلفه في الموعود. بل ما {يَعْلَمُونَ} إلاَّ {ظَاهِراً مِّنَ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} يعني: لا يترقى علمهم عن المحسوسات الظاهرة مثل الحيوانات العجم، بل هم أسوأ حالاً منهم؛ إذ هم مجبولون على التأمل والتدبر، والتفطن بما هو المقصود من ظهورها، والتفكر في حكمة إظهارها على هذا النمط البديع والنظم العجيب، وكيفية ارتباطها بالأسماء الإلهية والأوصاف الذاتية وانعكاسها منها {وَ} بالجملة: {هُمْ عَنِ} النشأة {ٱلآخِرَةِ} المعدة لكشف السرائر، ورفع الحجب والسدل، وجميع الأغطية والأستار المانعة عن ظهور الحق، وانكشاف لقائه بلا سترة وحجاب {هُمْ غَافِلُونَ} [الروم: 7] غفلة مؤبدة تامة، بحيث لا يرجى منهم الإطلاع أصلاً؛ لكثافة حجبهم، وغلظ أغطيتهم وأغشيتهم؛ لذلك لم يتدرجوا من عالم الكون والفساد ومضيق الإمكان، وما يترتب عليه من اللذات الوهمية إلى عالم الغيب وفضاء الوجوبن وما يترتب عليها من الكشف الشهود، وأنواع المعارف والحقائق الفائضة على مقتضى الجود الإلهي.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : {الۤـمۤ} [الروم: 1] يشير بالألف إلى ألفة طبع الموضع بعضهم لبعض، وباللام يشير إلى أن ألفة المؤمنين لما كان من كرم الله وفضله بالله ألف بين قلوبهم انتهت إلى غاية حصلت ألفة ما بينهم وبين أهل الكتاب إذا كانوا يوماً من أهل الإيمان وإن كان اليوم خالياً عن ذلك، وإنه لو عم الكافرين لما كان جليّاً غلب عليهم حتى من لؤم طبعهم أنهم يعادون بعضهم بعضاً، وأن مغفرة رب العالمين لما كانت من كرمه العميم وإحسانه القديم انتهت إلى غاية شملت الفريقين ليتوب على العاصي من الحزبين ويعم الطائفتين خطاب: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعاً}تفسير : [الزمر: 53]. وبقوله: {غُلِبَتِ ٱلرُّومُ * فِيۤ أَدْنَى ٱلأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ} [الروم: 2، 3] يشير إلى إعجاز القرآن وصحة نبوة سيد المرسلين صلوات الله وسلامه عليه؛ إذ أخبر عن حال غيبي، وأنه جاء كما أخبر بعد سبع سنين، وفيه إشارة إلى أن حال أهل الطلب يتغير بحسب الأوقات، ففي بعض الأحوال يغلب فارس النفس على روم القلب للطالب الصادق فينبغي ألا يزل هذا قدمه عن صراط الطلب ويكون له قدم صدق عند الله بالثبات. {وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ} [الروم: 3] أي: سيغلب روم القلب على فارس النفس بتأييد الله ونصرته {فِي بِضْعِ سِنِينَ} [الروم: 4] من أيام الطلب {لِلَّهِ ٱلأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ} [الروم: 4] يعني: غلبة فارس النفس على روم القلب كان أولاً بحكم الله وتقديره، وله في ذلك حكمة بالغة في صلاح الحال والمآل ألا ترى أن فارس نفس جميع الأنبياء والأولياء في البداية غلبت على روم قلبهم ثم غلبت روم قلبهم على فارس نفسهم ومن بعد غلبة روم القلب على فارس النفس أيضاً يحكم الله فإنه يحكم فلا معقب لحكمه. {وَيَوْمَئِذٍ} [الروم: 4] يعني: يوم غلبت الروم {يَفْرَحُ ٱلْمُؤْمِنُونَ} [الروم: 4] يعني: الروح والسر والعقل {بِنَصْرِ ٱللَّهِ} [الروم: 5] المؤمنين على الكافرين {وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ} [الروم: 5] فبعزته يعز أولياءه ويذل أعداءه، {ٱلرَّحِيمُ} [الروم: 5] برحمته ينصر أهل محبته وهم أرباب القلوب {وَعْدَ ٱللَّهِ لاَ يُخْلِفُ ٱللَّهُ وَعْدَهُ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ} [الروم: 6] من نسي ألطافهم معهم. {لاَ يَعْلَمُونَ} [الروم: 6] صدق وعده ووفاء عهده لأنهم، {يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِّنَ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} [الروم: 7] يجدون ذوق حلاوة شهوات الدنيا بالحواس الظاهرة {وَهُمْ عَنِ ٱلآخِرَةِ} [الروم: 7] كمالاتها ووجدان دون شهواتها بحواس الباطلة أنها موجبة للبقاء الأبدي وأن عسل شهوات الدنيا مسموم يُهلك {هُمْ غَافِلُونَ} [الروم: 7] لاستقرائهم في بحر البشرية وتراكم أمواج أوصافها الذميمة.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : كانت الفرس والروم في ذلك الوقت من أقوى دول الأرض، وكان يكون بينهما من الحروب والقتال ما يكون بين الدول المتوازنة. وكانت الفرس مشركين يعبدون النار، وكانت الروم أهل كتاب ينتسبون إلى التوراة والإنجيل وهم أقرب إلى المسلمين من الفرس فكان المؤمنون يحبون غلبتهم وظهورهم على الفرس، وكان المشركون -لاشتراكهم والفرس في الشرك- يحبون ظهور الفرس على الروم. فظهر الفرس على الروم فغلبوهم غلبا لم يحط بملكهم بل بأدنى أرضهم، ففرح بذلك مشركو مكة وحزن المسلمون، فأخبرهم اللّه ووعدهم أن الروم ستغلب الفرس. { فِي بِضْعِ سِنِينَ } تسع أو ثمان ونحو ذلك مما لا يزيد على العشر، ولا ينقص عن الثلاث، وأن غلبة الفرس للروم ثم غلبة الروم للفرس كل ذلك بمشيئته وقدره ولهذا قال: { لِلَّهِ الأمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ } فليس الغلبة والنصر لمجرد وجود الأسباب، وإنما هي لا بد أن يقترن بها القضاء والقدر. { وَيَوْمَئِذٍ } أي: يوم يغلب الروم الفرس ويقهرونهم { يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ } أي: يفرحون بانتصارهم على الفرس وإن كان الجميع كفارا ولكن بعض الشر أهون من بعض ويحزن يومئذ المشركون. { وَهُوَ الْعَزِيزُ } الذي له العزة التي قهر بها الخلائق أجمعين يؤتي الملك من يشاء وينزع الملك ممن يشاء ويعز من يشاء ويذل من يشاء. { الرَّحيم } بعباده المؤمنين حيث قيض لهم من الأسباب التي تسعدهم وتنصرهم ما لا يدخل في الحساب. { وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ } فتيقنوا ذلك واجزموا به واعلموا أنه لا بد من وقوعه. فلما نزلت هذه الآيات التي فيها هذا الوعد صدق بها المسلمون، وكفر بها المشركون حتى تراهن بعض المسلمين وبعض المشركين على مدة سنين عينوها، فلما جاء الأجل الذي ضربه اللّه انتصر الروم على الفرس وأجلوهم من بلادهم التي أخذوها منهم وتحقق وعد اللّه. وهذا من الأمور الغيبية التي أخبر بها اللّه قبل وقوعها ووجدت في زمان من أخبرهم اللّه بها من المسلمين والمشركين. { وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ } أن ما وعد اللّه به حق فلذلك يوجد فريق منهم يكذبون بوعد الله، ويكذبون آياته. وهؤلاء الذين لا يعلمون أي: لا يعلمون بواطن الأشياء وعواقبها. وإنما { يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا } فينظرون إلى الأسباب ويجزمون بوقوع الأمر الذي في رأيهم انعقدت أسباب وجوده ويتيقنون عدم الأمر الذي لم يشاهدوا له من الأسباب المقتضية لوجوده شيئا، فهم واقفون مع الأسباب غير ناظرين إلى مسببها المتصرف فيها. { وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ } قد توجهت قلوبهم وأهواؤهم وإراداتهم إلى الدنيا وشهواتها وحطامها فعملت لها وسعت وأقبلت بها وأدبرت وغفلت عن الآخرة، فلا الجنة تشتاق إليها ولا النار تخافها وتخشاها ولا المقام بين يدي اللّه ولقائه يروعها ويزعجها وهذا علامة الشقاء وعنوان الغفلة عن الآخرة. ومن العجب أن هذا القسم من الناس قد بلغت بكثير منهم الفطنة والذكاء في ظاهر الدنيا إلى أمر يحير العقول ويدهش الألباب. وأظهروا من العجائب الذرية والكهربائية والمراكب البرية والبحرية والهوائية ما فاقوا به وبرزوا وأعجبوا بعقولهم ورأوا غيرهم عاجزا عما أقدرهم اللّه عليه، فنظروا إليهم بعين الاحتقار والازدراء وهم مع ذلك أبلد الناس في أمر دينهم وأشدهم غفلة عن آخرتهم وأقلهم معرفة بالعواقب، قد رآهم أهل البصائر النافذة في جهلهم يتخبطون وفي ضلالهم يعمهون وفي باطلهم يترددون نسوا اللّه فأنساهم أنفسهم أولئك هم الفاسقون. ثم نظروا إلى ما أعطاهم اللّه وأقدرهم عليه من الأفكار الدقيقة في الدنيا وظاهرها و[ما] حرموا من العقل العالي فعرفوا (4) أن الأمر للّه والحكم له في عباده وإن هو إلا توفيقه وخذلانه فخافوا ربهم وسألوه أن يتم لهم ما وهبهم من نور العقول والإيمان حتى يصلوا إليه، ويحلوا بساحته [وهذه الأمور لو قارنها الإيمان وبنيت عليه لأثمرت الرُّقِيَّ العالي والحياة الطيبة، ولكنها لما بني كثير منها على الإلحاد لم تثمر إلا هبوط الأخلاق وأسباب الفناء والتدمير].

همام الصنعاني

تفسير : 2269- حدّثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله تعالى: {الۤـمۤ * غُلِبَتِ ٱلرُّومُ}: [الآية: 1-2]، قال: كانت فارس قد غلبت الروم {فِيۤ أَدْنَى ٱلأَرْضِ}: [الآية: 3]، وهي الجزيرة، وَهِي أقرب أرض الروم إلى فَارِس، {وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ}: [الآيات: 3-4]. 2270- حدّثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر عن قتادة، وعن رجل، عن الشعبي، قالا: لما نزلت: {وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ}، حديث : فبلغنا أنَّ المسلمين والمشركين حيث تخاطروا بينهم قبل أن ينزل تحريم القمار، فضربوا بينهم أَجَلاً فجاء ذلِكَ، الأجل، ولم يكن ذلِك، قال: ذكروا ذلِكَ للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: "لو ضَرَبْتُم أَجَلاً آخر، فإن البضع يكون بين الثلاثة إلى التسع والعشر، فَزَادُوهم في (الخطر)، وَمَدَّوا لهم في الأجل قال: فظهروا في تِسْعِ سِنِينَ، فَفَرِحَ المُؤْمِنُونَ يومئذٍ بالقمار الذي أصابوا من المشركين بنصر الله، من يشاء، وكانوا يحبون أن يَظْهَر أهل الكتاب عَلى المجوس، كان ذلك تشديداً للإِسلام . تفسير : 2271- قال عبد الررزاق، قال معمر، وكان مجاهد وقتادة يقولاَنِ: قد مَضَى. 2272- حدّثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن منصور، عن أبى الضحى، عن مسروق، أن أبن مسعود قالأ: قد مضت آية الرّوم وقد مضَى {أية : فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَاماً}تفسير : [الفرقان: 77]، واللزام القتل يوم بدر. قال وقد مضت البطشة الكبرى يوم بدر.