٢٩ - ٱلْعَنْكَبُوت
29 - Al-Ankabut (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
69
Tafseer
الرازي
تفسير : لما فرغ من التقرير والتقريع ولم يؤمن الكفار سلى قلوب المؤمنين بقوله: {وَٱلَّذِينَ جَـٰهَدُواْ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا } أي من جاهد بالطاعة هداه سبل الجنة {وَإِنَّ ٱللَّهَ لَمَعَ ٱلْمُحْسِنِينَ } إشارة إلى ما قال: { أية : لّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ ٱلْحُسْنَىٰ وَزِيَادَةٌ } تفسير : [يونس:26] فقوله: {لَنَهْدِيَنَّهُمْ } إشارة إلى الحسنى وقوله: {وَإِنَّ ٱللَّهَ لَمَعَ ٱلْمُحْسِنِينَ } إشارة إلى المعية والقربة التي تكون للمحسن زيادة على حسناته، وفيه وجه آخر حكمي وهو أن يكون المعنى {وَٱلَّذِينَ جَـٰهَدُواْ فِينَا } أي الذين نظروا في دلائلنا {لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا } أي لنحصل فيهم العلم بنا. ولنبين هذا فضل بيان، فنقول أصحابنا المتكلمون قالوا إن النظر كالشرط للعلم الاستدلالي والله يخلق في الناظر علماً عقيب نظره ووافقهم الفلاسفة على ذلك في المعنى وقالوا النظر معد للنفس لقبول الصورة المعقولة، وإذا استعدت النفس حصل لها العلم من فيض واهب الصور الجسمانية والعقلية، وعلى هذا يكون الترتيب حسناً، وذلك لأن الله تعالى لما ذكر الدلائل ولم تفدهم العلم والإيمان قال: إنهم لم ينظروا فلم يهتدوا وإنما هو هدى للمتقين الذين يتقون التعصب والعناد فينظرون فيهديهم وقوله: {وَإِنَّ ٱللَّهَ لَمَعَ ٱلْمُحْسِنِينَ } إشارة إلى درجة أعلى من الاستدلال كأنه تعالى قال من الناس من يكون بعيداً لا يتقرب وهم الكفار، ومنهم من يتقرب بالنظر والسلوك فيهديهم ويقربهم ومنهم من يكون الله معه ويكون قريباً منه يعلم الأشياء منه ولا يعلمه من الأشياء، ومن يكون مع الشيء كيف يطلبه فقوله: {وَمَنْ أَظْلَمُ } إشارة إلى الأول وقوله: {وَٱلَّذِينَ جَـٰهَدُواْ فِينَا } إشارة إلى الثاني وقوله: {وَإِنَّ ٱللَّهَ لَمَعَ ٱلْمُحْسِنِينَ } إشارة إلى الثالث. والله أعلم بأسرار كتابه، والحمد لله رب العالمين وصلاته على سيدنا محمد النبـي وآله وصحبه أجمعين.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ جَاهَدُواْ فِينَا} أي جاهدوا الكفار فينا. أي في طلب مرضاتنا. وقال السّديّ وغيره: إن هذه الآية نزلت قبل فرض القتال. قال ابن عطية: فهي قبل الجهاد العرفي، وإنما هو جهاد عام في دين الله وطلب مرضاته. قال الحسن بن أبي الحسن: الآية في العبّاد. وقال ابن عباس وإبراهيم بن أدهم: هي في الذين يعملون بما يعلمون. وقد قال صلى الله عليه وسلم: «حديث : من عمِل بما علِم علّمه الله ما لم يعلم» تفسير : ونزع بعض العلماء إلى قوله {أية : وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ ٱللَّهُ}تفسير : [البقرة: 282]. وقال عمر بن عبد العزيز: إنما قصّر بنا عن علم ما جهلنا تقصيرنا في العمل بما علمنا، ولو عملنا ببعض ما علمنا لأورثنا علماً لا تقوم به أبداننا، قال الله تعالى: {أية : وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ ٱللَّهُ}تفسير : [البقرة: 282]. وقال أبو سليمان الدارانيّ: ليس الجهاد في الآية قتال الكفار فقط بل هو نصر الدين، والرد على المبطلين؛ وقمع الظالمين؛ وعُظْمه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومنه مجاهدة النفوس في طاعة الله وهو الجهاد الأكبر. وقال سفيان بن عُيَيْنَة لابن المبارك: إذا رأيت الناس قد اختلفوا فعليك بالمجاهدين وأهل الثغور فإن الله تعالى يقول: {لَنَهْدِيَنَّهُمْ}. وقال الضحاك: معنى الآية؛ والذين جاهدوا في الهجرة لنهدينهم سبل الثبات على الإيمان. ثم قال: مثل السُّنة في الدنيا كمثل الجنة في العقبى، من دخل الجنة في العقبى سلم، كذلك من لزم السُّنة في الدنيا سلم. وقال عبد الله بن عباس: والذين جاهدوا في طاعتنا لنهدينهم سبل ثوابنا. وهذا يتناول بعموم الطاعة جميع الأقوال. ونحوه قول عبد الله بن الزبير قال: تقول الحكمة من طلبني فلم يجدني فليطلبني في موضعين: أن يعمل بأحسن ما يعلمه، ويجتنب أسوأ ما يعلمه. وقال الحسن بن الفضل: فيه تقديم وتأخير أي الذين هديناهم هم الذين جاهدوا فينا. {لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا} أي طريق الجنة؛ قاله السّدي. النقاش: يوفقهم لدين الحق. وقال يوسف بن أسباط: المعنى لنخلصنّ نياتهم وصدقاتهم وصلواتهم وصيامهم. {وَإِنَّ ٱللَّهَ لَمَعَ ٱلْمُحْسِنِينَ} لام تأكيد ودخلت في «مَعَ» على أحد وجهين: أن يكون اسماً ولام التوكيد إنما تدخل على الأسماء، أو حرفاً فتدخل عليها؛ لأن فيها معنى الاستقرار؛ كما تقول إن زيداً لفي الدار. و{مع} إذا سكنت فهي حرف لا غير. وإذا فتحت جاز أن تكون اسماً، وأن تكون حرفاً. والأكثر أن تكون حرفاً جاء لمعنى. وتقدّم معنى الإحسان والمحسنين في «البقرة» وغيرها. وهو سبحانه معهم بالنصرة والمعونة، والحفظ والهداية، ومع الجميع بالإحاطة والقدرة. فبين المعيّتين بونٌ.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَٱلَّذِينَ جَٰهَدُواْ فِينَا } في حقنا {لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا } أي طريق السير إلينا {وَإِنَّ ٱللَّهَ لَمَعَ ٱلْمُحْسِنِينَ } المؤمنين بالنصر والعون.
ابن عبد السلام
تفسير : {جَاهَدُواْ} أنفسهم في هواها، أو العدو بالقتال، أو اجتهدوا في الطاعة وترك المعصية، أو تابوا من ذنوبهم جهاداً لأنفسهم. {سُبُلَنَا} طريق الجنة، أو دين الحق، أو نعلمهم ما لا يعلمون، أو نخلص نياتهم في الصوم والصلاة والصدقة. {لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} بالنصر والمعونة.
ابو السعود
تفسير : {وَٱلَّذِينَ جَـٰهَدُواْ فِينَا} أي في شأنِنا ولوجهِها خالصاً. أطلقَ المُجاهدةَ ليعمَّ جهادَ الأعادِي الظاهرةِ والباطنةِ {لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا} سُبُلَ السَّيرِ إلينا والوصولِ إلى جنابِنا أو لنزيدنَّهم هدايةً إلى سُبُلِ الخيرِ وتوفيقاً لسلُوكها كقولِه تعالى: {أية : وَٱلَّذِينَ ٱهْتَدَوْاْ زَادَهُمْ هُدًى} تفسير : [سورة محمد: الآية 17] وفي الحديثِ: « حديث : من عَمِل بما عَلِم ورَّثه الله علمَ ما لم يعلَم » تفسير : {وَإِنَّ ٱللَّهَ لَمَعَ ٱلْمُحْسِنِينَ} معيةَ النَّصرِ والمعُونة. عنه عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: « حديث : مَن قرأَ سورةَ العنكبوتِ كانَ له من الأجرِ عشرُ حسناتٍ بعددِ كلِّ المؤمنينَ والمُنافقينَ«
السلمي
تفسير : قال ابن عطاء رحمة الله عليه: جاهدوا فى رضانا لنهدينهم الوصول إلى محل الرضوان. قال بعضهم: الذين اتبعوا مخالفة أنفسهم فى حرمتنا لنكرمنهم بحلاوة الخدمة وأنسها. قال أبو عثمان: الطريق إلى الله واضح والوصول إليه بالمجاهدة والمجاهرة بنظام النفس عن الشهوات ونزوع القلب عن الأمانى والشبهات وخلو السر عن النظر إلى الخلق والرجوع إلى رب السماوات حينئذٍ تصح لك المجاهدة. قال بعضهم: المجاهدة هى إقامة الطاعات على رؤية المنن لا غير. وسئل الجنيد عن هذه الآية فقال: والذين جاهدوا فى التوبة لنهدينهم سبل الإخلاص. وقال ابن عطاء رحمة الله عليه: المجاهدة هى صدق الافتقار إلى الله بالانقطاع عن كل ما سواه. قال النهرجورى: والذين جاهدوا فى خدمتنا لنفتحن عليهم سبل المناجاة معنا والأنس بنا والمشاهدة لنا ومن لم يكن أوائل أحواله المجاهدة كانت أيامه وأوقاته موصولة بالتوانى والأمانى ويكون حظه البعد من حيث تأمل القرب. وقال عبد الله بن المبارك: المجاهدة علم آداب الخدمة لا المداومة عليها وأدب الخدمة أعز من الخدمة. قال بعضهم: الجهد فى غض البصر وحفظ اللسان وخطرات القلوب وجملة ذلك هو الخروج من عادات البشرية. وقيل فى قوله: {وَٱلَّذِينَ جَاهَدُواْ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا} [الآية: 69]. قال القيم: كل مجاهدة فى الله كانت قبل الإيمان فهى حقيقة وكل مجاهدة بعد الإيمان بالله فهى باطلة. قوله تعالى: {لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا} أى: بينَّا لهم أنه ليس بالإيمان والمجاهدات يتقرب إلى الله به بطلب سبيل المجاهدة. وقوله: {لَنَهْدِيَنَّهُمْ} أنه من الله كله لا من العبد لأن المجاهدة هو الذى أجرى عليهم قبله سئل السيارى المجاهدة من العبد إلى الله أو من الله إلى العبد؟ قال: ما من شىء إلا والله موجده قال الله: {أية : وَٱللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ} تفسير : [الصافات: 96] أى أوجدكم وأوجد أعمالكم بلا شريك ولا عون فالخلق قائمون بالحق. قال ابن عطاء رحمة الله عليه: سر مجرد مسائله مع الحق بإسقاط الكل عنه. قال محمد بن خفيف: كلٌ محتمل لثقل العبودية فى اختلاف ما وضع الله من فرض وفضل فهو داخل فى أحوال المجاهدة. وقال أيضًا: اللبيب من العقلاء من يعمل فى تصفية قلبه من كل همه وانفراده بإصلاح ما هو أولى به فى الحال بدوام المجاهدة واستعمال الرياضة وشدة الحراسة ومفارقة ما كانت النفوس عليها عاكفة لحقيقة المجاهدة لأن الله يقول: {وَٱلَّذِينَ جَاهَدُواْ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا}. قال ابن عطاء رحمة الله عليه: المجاهدة على قدر الطاقة والعناية على قدر الكفاية. قال جعفر: صدق الافتقار هو انفصال العبد من نفسه واتصاله بربه والمجاهدة تبرى العبد من جميع ما اتصل به والمجاهدة بدل الروح على رضا الحق. وقال أيضًا: من جاهد بنفسه لنفسه وصل إلى كرامة ربه. ومن جاهد بنفسه لربه وصل إلى ربه. قال ذو النون رحمة الله عليه: من اجتهد فى الله لله من غير أن يلتفت عند الاجتهاد إلى غير الله وجد الطريق من الله الى الله فإن مع الاجتهاد النصرة والتعبد. قال عبد العزيز المكى: اجتهدوا فى سبل الظاهر فهداهم الى سبل الباطن وأنا أتعجب ممن يعجز عن ظاهره وهو يطمع فى باطنه. قال القيم: المجاهدة المكابدة فى العبادة. سمعت النصرآباذى يقول: سمعت أبا أسحاق ابن عائشة يقول: قال أبو سعيد القرشى: خرجت هداية المريد من المراد قال الله تعالى: {أية : يَهْدِي مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} تفسير : [البقرة: 142]. قال أبو بكر بن طاهر: لنهدينهم السبيل إلينا. قال بعضهم تقربوا إلى الله بإقبال القلوب عليه. سمعت أبا نصر منصور بن عبد الله يقول: سمعت أبا القاسم البزاز قال أبو العباس ابن عطاء رحمة الله عليه: صدق المجاهدة الانقطاع إلى الله عن كل ما سواه. وقيل فى قوله: {وَٱلَّذِينَ جَاهَدُواْ فِينَا} فى طلبنا تحريًا لرضانا {لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا} سبل الوصول إلينا.
القشيري
تفسير : الذين زَيَّنُوا ظواهرَهم بالمجاهدات حَسُنَتْ سرائرُهم بالمشاهدات. الذين شغلوا ظواهرهم بالوظائف أوصلنا إلى سرائرهم اللطائف. الذين قاسوا فينا التعبَ من حيث الصلوات جازيناهم بالطرب من حيث المواصلات. ويقال الجهاد فيه: أولاً بترك المحرَّمات، ثم بترك الشُّبُهات، ثم بترك الفضلات، ثم بقطع العلاقات، والتنقِّي من الشواغل في جميع الأوقات. ويقال بحفظ الحواسِّ لله، وبِعَدِّ الأنفاس مع الله.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {وَٱلَّذِينَ جَاهَدُواْ فِينَا} افهم يا غافل ان الله سبحانه اختار اهل صفوته بالاصطفائية القدمية وخصهم بعرفان نفسه والايقان فيما بان منه لهم من انوار الروبوبية فى مقام العبودية فطارت ارواحه من عالم الملكوت باجنحة انوار الجبروت فى اوايل ايجادها الى الاكوان محصول العبودية فصحبها سنا قربه وضينا دنوه وحلاوة انسها بما رات من جلاله وجماله فتحركت من الازل الى الابد بنعت شوقها الى صانعها وما طرى عليها السكون بل غلب عليها شوق معادنها فحركاتها جذيا منه تعالى اليه ومحبة وشوقا الى صانعها وما طرى عليها السكون بل غلب عليها شوق معادنها فحركاتها جذبا منه تعالى اليه ومحبة وشوقا فلما هامت فى ميادين الشوق من غلبة السكر والذوق ولا تعرف مسالك الربوبية بالحقيقة فيكشف الله لها سنا القدس فتصل به الى جمال الانس وتعرف هناك سبيل الصفات وتتطرق من مدارجها الى معارج طرق معارف الذات وهذا معنى قوله تعالى والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا جاهدوا بالله فى الله لله فيعرفون الله بالله وهم معهم باعطائه اياهم كشف جماله لانهم يشاهدونه بنعت المراقبة وبذل وجوههم لحب المشاهدة وذلك معنى قوله {وَإِنَّ ٱللَّهَ لَمَعَ ٱلْمُحْسِنِينَ } واصل المجاهدة فطام النفس عما دون الله من العرش الى الثرى سبل للسيارى المجاهدة من العبد الى الله ومن الله الى العبد فقال ما من شئ الا والله موجده قال الله والله خلقكم وما تعملون اى اوجدكم واوجدا عمالكم بلا شريك ولا عون فالخلق خاتم بالخلق قال ابن عطا جاهدوا فى الله اى فى رضانا لنهدينهم الوصول الى محل الرضوان قال الجنيد لنهدينهم سبيل الاخلاص قال ابن عطا المجاهدة صدق الافتقار الى الله بالانقطاع عن كل ما سواه قال النهر جورى والذين جاهدوا فى خدمتنا لنفتحن عليهم سبل المناجاة معناه والانس بنا والمشاهدة لنا ومن لم يكن اوائل احواله المجاهدة كانت ايامه واوقاته موصولة بالتوانى والامانى ويكون حظه البعد من حيث يامل القرب قال عبد الله بن منازل المجاهدة عمل ادب الخدمة لا المداومة عليها وادب الخدمة اعز منا لخدمة قال الشيخ ابو عبد الله بن حنيف وكل محتمل لثقل العبودية فى اختلاف ما وضع الله من عوض وفضل فهو داخل فى احوال المجادين قال الاستاذ شغلوا ظواهرهم بالوظائف فاوصلنا ----.
اسماعيل حقي
تفسير : {والذين جاهدوا فينا} الجهاد والمجاهدة استفراغ الوسع فى مدافعة العدو اى جدوا وبذلوا وسعهم فى شأننا وحقنا ولوجهنا خالصا. واطلق المجاهدة ليعم جهاد الاعداء الظاهرة والباطنة اما الاول فكجهاد الكفار المحاربين واما الثانى فكجهاد النفس والشيطان وفى الحديث "حديث : جاهدوا اهواءكم كما تجاهدون اعداءكم"تفسير : يكون الجهاد باليد واللسان كما قال عليه السلام "حديث : جاهدوا الكفار بايديكم و السنتكم"تفسير : اى بما يسوءهم من الكلام كالهجو ونحوه. قال ابن عطاء المجاهدة صدق الافتقار الى الله بالانقطاع عن كل ماسواه وقال عبدالله بن المبارك المجاهدة علم ادب الخدمة فان ادب الخدمة اعز من الخدمة. وفى الكواشى المجاهدة غض البصر وحفظ اللسان وخطرات القلب ويجمعها الخروج عن العادات البشرية انتهى فيدخل فيها الغرض والقصد {لنهدينهم سبلنا} الهداية الدلالة الى مايوصل الى المطلوب. والسبل جمع سبيل الطريق الذى فيه سهولة انتهى. وانما جمع لان الطريق الى الله بعدد انفاس الخلائق والمعنى سبل السير الينا والوصول الى جنابنا. وقال ابن عباس رضى الله عنهما يريد المهاجرين والانصار اى والذين جاهدوا المشركين وقاتلوهم فى نصرة ديننا لنهدينهم سبل الشهادة والمغفرة والرضوان. وقال بعضهم معنى الهداية ههنا التثبيت عليها الزيادة فيها فانه تعالى يزيد المجاهدين هداية كما يزيد الكفارين ضلالة فالمعنى لنزيدنهم هداية الى سبل الخير وتوفيقا لسلوكها كقوله تعالى {أية : والذين اهتدوا زادهم هدى}تفسير : وفى الحديث "حديث : من عمل بماعلم ورثه الله علم مالم يعلم"تفسير : وفى الحديث "حديث : من اخلص لله اربعين صباحا انفجرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه"تفسير : وقال سهل بن عبدالله التسترى رحمه الله والذين جاهدوا فى اقامة السنة لنهدينهم سبيل الجنة ثم قيل مثل السنة فى الدنيا كمثل الجنة فى العقبى من دخل الجنة فى العقبى سلم كذلك من لزم السنة فى الدنيا سلم. ويقال والذين جاهدوا بالتوبة لنهدينهم الى الاخلاص. والذين جاهدوا فى طلب العلم لنهدينهم الى طريق العمل به. والذين جاهدوا فى رضانا لنهدينهم الى الوصول الى محل الرضوان. والذين جاهدوا فى خدمتنا لنفتحن عليهم سبل المناجاة معنا والانس بنا والمشاهدة لنا. والذين اشغلوا ظواهرهم بالوظائف اوصلنا الى اسرارهم اللطائف العجب ممن يعجز عن ظاهره ويطمع فى باطنه ومن لم يكن اوائل حاله المجاهدة كانت اوقاته موصولة بالامانى ويكون حظه البعد من حيث يأمل القرب. والحاصل انه بقدر الجد تكتسب المعالى فمن جاهد بالشريعة وصل الى الجنة ومن جاهد بالطريقة وصل الهدى من جاهد بالمعرفة والانفصال عما سوى الله وصل الى العين واللقاء. ومن تقدمت مجاهدته على مشاهدته كما دلت الآية عليه صار مريدا مرادا وسالكا مجذوبا وهو اعلى درجة ممن تقدمت مشاهدته على مجاهدته وصار مرادا مريدا ومجذوبا سالكا لان سلوكه على وفق العادة الالهية ولانه متمكن هاضم بخلاف الثانى فانه متلون مغلوب وربما تكون مفاجاة الكشف من غير ان يكون المحل متهيئا له سببا للالحاد والجنون والعياذ بالله تعالى. وفى التأويلات {لنهدينهم سبلنا} اى سبيل وجداننا كما قال "حديث : ألا من طلبنى وجدنى ومن تقرب الىّ شبرا تقربت اليه ذراعا"تفسير : ، قال الكاشفى در ترجمه بعضى از كلمات زبور آمده شعر : انا المطلوب فاطلبنى تجدنى انا المقصود فاطلبنى تجدنى اكر درجست وجوى من شتابد مراد خود بزودى باز يابد تفسير : وفى المثنوى شعر : كركران وكر شتابنده بود آنكه جوينده است يابنده بود در طلب زن دائما توهر دودست كه طلب درراه نيكو رهبرست تفسير : قالت المشايخ المجاهدات تورث المشاهدات ولو قال قائل للبراهمة والفلاسفة انهم يجاهدون النفس حق جهادهها ولاتورث لهم المشاهدة قلنا لانهم قاموا بالمجاهدات فجاهدوا وتركوا الشرط الاعظم منها وهو قوله فينا اى خالصا لنا وهم جاهدوا فى الهوى والدنيا والخلق الرياء والسمعة والشهرة وطلب الرياسة والعلوا فى الارض والتكبر على خلق الله فاما من جاهد فى الله جاهد اولا بترك المحرمات ثم بترك الشبهات ثم بترك الفضلات ثم بقطع التعلقات تزكية للنفس ثم بالتنقى عن شواغل القلب على جميع الاوقات وتخليته عن الاوصاف المذمومات تصفية للقلب ثم بترك الالتفات الى الكونين وقطع الطمع عن الدارين تحلية للروح فالذين جاهدوا فى قطع النظر عن الاغيار بالانقطاع والانفصال لنهدينهم سبلنا بالوصول والوصال. واعلم ان الهداية على نوعين هداية تتعلق بالمواهب وهداية تتعلق بالمكاسب فالتى تتعلق بالمواهب فمن هبة الله وهى سابقة والتى تتعلق بالمكاسب فمن كسب العبد وهى مسبوقة ففى قوله تعالى {والذين جاهدوا فينا} اشارة الى ان الهداية الموهبية سابقة على جهد العبد وجهده ثمرة ذلك البذر فلولم يكن بذر الهداية الموهبية مزروعا بنظر العناية فى ارض طينة العبد لما نبتت فيها خضرة الجهد ولولم يكن المزروع مربى جهد العبد لما اثمر بثمار الهداية المكتسبية: قال الحافظ شعر : قومى بجد وجهد نهادند وصل دوست قومى دكر حواله بتقدير ميكنند تفسير : قال بعض الكبار النبوة والرسالة كالسلطنة اختصاص الهى لامدخل لكسب العبد فيها واما الولاية كالوزارة فلكسب العبد مدخل فيها فكما تمكن الوزارة بالكسب كذلك تمكن الولاية بالكسب {وان الله مع المحسنين} بمعية النصرة والاعانة والعصمة فى الدنيا والثواب والمغفرة فى العقبى. وفى التأويلات النجمية لمع المحسنين الذين يعبدون الله كأنهم يرونه. وفى كشف الاسرار {جاهدوا} [درين موضع سه منزل است. يكى جهاد اندر باطن باهوا ونفس. ديكر جهاد بظاهر اعداى دين وكفار زمين. ديكر اجتهاد باقامت حجت وطلب حق وكشف شبهت باشد مرآنرا اجتهاد كويند وهرجه اندر باطن بود اندر رعايت عهد الهى مرآنرا جهد كويند اين {جاهدوا فينا} بيان هرسه حالست اوكه بظاهر جهادكند رحمت نصيب وى اوكه باجتهاد بود عصمت بهره وى اوكه اندر نعمت جهد بود كرامت وصل نصيب وى وشرط هرسه كس آنست كه آن جهد فى الله بود تادرهدايت خلعت وى بود آنكه كفت {وان الله لمع المحسنين} جون هدايت دادم من باوى باشم روى بامن بود زبان حال بنده ميكويد الهى بعنايت هدايت دادى بمعونت زرع خدمت رويانيدى به بيغام آب قبول دادى بنظر خويش ميوه محبت ووفا رسانيدى اكنون سزدكه سموم مكر ازان بازدارى وبنايى كه خود افراشته بجرم ماخراب نكنى الهى توضعيفانرا يناهى قاصدانرا برسر راهى واجدانراكواهى جه بودكه افزايى ونكاهى] شعر : روضه روح من رضاى توباد قبله كاهم درسراى توباد سرمه ديده جهن بينم تابود كرد خاكباى توباد كرهمه راى توفناى منسب كارمن برمراد راى توباد شد دلم ذره وار در هوست دائم اين ذره درهواى توباد تفسير : انتهى ما فى كشف الاسرار لحضرة الشيخ رشيد الدين اليزدى قدس سره هذا آخر ما اودعت فى المجلد الثانى. من التفسير الموسوم بـ "روح البيان" من جواهر المعانى. ونظمت فى سلكه من فوائد العبارة والاشارة والالهام الربانى. وسيحمده اولوا الالباب. ان شاء الله الوهاب. وقع الاتمام بعون الملك الصمد. وقت الضحوة الكبرى من يوم الاحد. وهو العشر السابع من الثلث الثانى من السدس الخامس من النصف الاول من العشر التاسع من العشر الاول من العقد الثانى من الالف الثانى من الهجرة النبوية. على صاحبها الف الف تحية. وقلت بالفارسية شعر : جو زهجرت كذشت بى كم وكاست نه وصد سال يعنى بعد هزار آخر فصل خزان شد موسم كه نماند ورقى از كلزار در جماداى نخستن آخر بلبل خامه دم كرفت از زار به نهايت رسيد جلد دوم شد بتاريك روز اين بازار جد وجهدى كه اوفتاده درين شد بنوك قلم حقىء زار تفسير : انتهت بحمد الله تعالى سورة العنكبوت
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جل جلاله: {والذين جاهدوا فينا}، أطلق المجاهدة، ولم يُقيدها بمفعول؛ ليتناول من تجب مجاهدته من النفس والشيطان وأعداء الدين، أي: جاهدوا نفوسَهم في طلبنا أو في حقنا، ومن أجلنا، ولوجهنا، خالصاً، {لنهدينهم سُبلنا} أي: طُرُق السير إلينا، والوصول إلى حضرتنا، أو لنسهلنهم فعل الخير حتى يصلوا إلى جنابنا. وعن الداراني: والذين جاهدوا بأن عملوا بما علموا، لنهدينهم إلى علم ما لم يعلموا. وقال الفضيل: والذين جاهدوا في طلب العلم، أي: لله، لنهدينهم سبل العمل. وقال سهل: والذين جاهدوا في إقامة السنَّنَّة، لنهدينهم سبل الجنة. وقال ابن عطاء: جاهدوا في إرضائنا؛ لنهدينهم سبل الوصول إلى محل الرضوان. وقال ابن عباس: جاهدوا في طاعتنا لنهدينهم سُبل ثوابنا. وقال الجنيد: جاهدوا في التوبة، لنهديهم سُبل الإخلاص، أو: جاهدوا في خدمتنا؛ لنمنحنهم سبل المناجاة معنا والأنس بنا، {وإن الله لمع المحسنين} بالنصر والمعونة في الدنيا، وبالثواب والمغفرة في العُقبى. والله تعالى أعلم. الإشارة: المجاهدة، على قدرها تكون المشاهدة، فمن لا مجاهدة له لا مشاهدة له. وبالمجاهدة تميزت الخصوص من العموم، وبها تحقق سير السائرين، فالعموم وقفوا مع موافقة حظوظهم؛ من الجاه والغنى وغيره, والخصوص خالفوا نفوسهم ورفضوا حظوظهم، وخرقوا عوائدهم، فَخُرِقَتْ لهم العوائد، وانكشفت عنهم الحجب، وشاهدوا المحبوب. فجاهدوا أولاً في ترك الدنيا، وتحملوا مرارة الفقر، حتى تحققوا بمقام التوكل، ثم جاهدوا في ترك الجاه والرئاسة، فتحققوا بالخمول، وهو أساس الإخلاص، ثم جاهدوا في مخالفة النفس، فَحَمَّلوها كل ما يثقل عليها، وأخرجوها من كل ما تهواه ويخف عليها، وارتكبوا في ذلك أهوالاً وأحوالاً صِعَاباً، حتى ماتت نفوسهم مَوْتَاتٍ، فتحقق بذلك حياة أرواحهم، وأشرفت على البحر الزاخر، بحر التوحيد الخاص، فغابت ظلال الأكوان حين أشرقت شمس العيان، ففني من لم يكن، وبقي من لم يزل، فدخلوا جنة المعارف، ولم يشتاقوا قط إلى جنة الزخارف؛ لأنها منطوية فيها. ولا بد من صحبة شيخ كامل، قد سلك هذه المسالك، يلقيه زمام نفسه، حتى يوصله إلى ربه، وإلا أتعب نفسه بلا فائدة. وقوله تعالى: {وإن الله لمع المحسنين}؛ تهوينٌ وتسهيلٌ على السائرين أَمْرَ نفوسِهِمْ ومجاهدَتَها، إذا علموا أن الله معهم، هان عليهم كل صعب، وقَرُبَ كل بعيد. وبالله التوفيق. ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
الجنابذي
تفسير : {وَٱلَّذِينَ جَاهَدُواْ} عطف على قوله: ومن اظلم فانّه فى معنى لا اظلم ممّن ترك المجاهدة فينا واستبدّ برأيه وتوسّل بانانيّته وقوى انانيّته بالافتراء علينا والتّكذيب للحقّ، والّذين جاهدوا بالقتال الظّاهر او بالقتال الباطن، او اتعبوا انفسهم او بالغوا فى الجهد والتّعب {فِينَا} اى فى طلبنا او فى محبّتنا او فى طريقنا الّتى هداهم خلفاؤنا اليها او فى تعظيمنا او فى التّوسّل بنا بالتّوسّل الى خلفائنا {لَنَهْدِيَنَّهُمْ} اى لنسلكنّهم او لنوصلنّهم او لنرينّهم {سُبُلَنَا} المعوجّة والمستقيمة جميعاً {وَإِنَّ ٱللَّهَ لَمَعَ ٱلْمُحْسِنِينَ} وضع الظّاهر موضع المضمر للاشارة الى قياسٍ اقترانىٍّ يعنى من هديناه سبلنا جميعاً صار محسناً او من جاهد فينا كان محسناً، وكلّ من كان محسناً كان الله معه لانّ الله مع المحسنين، او المراد بالمجاهدين من كان فى الطّريق وفى السّفر الاوّل والثّانى، والمراد بالمحسن من سار فى الخلق بالحقّ ومن سار فى السّفر الرّابع فانّه المحسن على الاطلاق كما مضى فى سورة المائدة عند قوله تعالى {أية : ثُمَّ اتَّقَواْ وَّأَحْسَنُواْ} تفسير : [المائدة:93] والمعنى الّذين جاهدوا فينا لنهدينّهم سبلنا، والّذين وصلوا الينا ثمّ عادوا الى الخلق كان الله الّذى هو غيب عن المجاهدين حاضراً معهم، ووجه الالتفاتات فى تلك الآيات موكول الى ذوق النّاظر، والله موفّق للرّشاد.
فرات الكوفي
تفسير : {والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا69} فرات [بن إبراهيم. ش] قال: حدثني جعفر بن محمد بن سعيد الأحمسي [قال: حدثنا الحسن بن الحسين عن يحيى بن يعلى عن أبان بن تغلب. ش]: عن أبي جعفر عليه السلام في قوله تعالى [أ، ب: جل جلاله: {والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين} قال: نزلت فينا أهل البيت.
اطفيش
تفسير : {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا} اي جاهدوا المشركين في سبيلنا او في حقنا ولأجلنا ولنصرة ديننا او المراد جهادهم وجهاد المنافقين والنفس والهوى والشيطان فحذف المعمول للتعميم وقال السدي: أن الآية نزلت قبل فرض القتال فهي في جهاد النفس والهوى والشيطان وفي دين الله وطلب مرضاته وهو الصحيح الموافق لما مر ان السورة مكية وقال الحسن بن علي: هي في العباد وقال ابراهيم بن ادهم: هي في الذين يعملون بما علموا وقال سهل بن عبدالله: اقامة السنة وقيل: المراد نصر الدين والرد على المبطلين والامر بالمعروف والنهي عن المنكر وجهاد النفس في طاعة الله وجهادها اكبر من جهاد العدو كما في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : رجعتم من الجهاد الاصغر الى الجهاد الأكبر " تفسير : . {لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا} طرق جنتنا وهي الأعمال الموصلة اليها وطرق الوصول الى رضانا او لنزيدنهم هداية الى سبيل الخير وتوفيقا بسلوكها واصلاح النية في الاعمال وفيها قال سبحانه وتعالى: {أية : والذين اهتدوا زادهم هدى }تفسير : وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من عمل بما علم ورثه الله علم مالم يعلم "تفسير : وقد قال الفضل بن عياض: والذين جاهدوا في طلب العلم لنهدينهم سبل العمل وقيل: الذين جاهدوا المشركين لنثنينهم على قتالهم وعن ابن عباس رضي الله عنهما: الذين جاهدوا في طاعتنا لنهدينهم سبل ثوابنا وفي رواية عن ابي سليمان الدراني: الذين جاهدوا فيما علموا لنهدينهم الى مالم يعلموا. قيل: ان الذين نرى من جهلنا بمالا نعلم انما هو من تقصيرنا فيما نعلم وجملة لنهدينهم لا محل لها لأنها جواب القسم المحذوف وحملة القسم وجوابه في محل رفع خبر المبتدأ. {وَإِنَّ اللهَ لَمَعَ المُحْسِنِينَ} بالنصر والعون في الدنيا والثواب في العقبى اللهم ببركة نبيك محمد صلى الله عليه سلم وبركة السورة اخزي النصارى وأهنهم واكسر شوكتهم وغلب المسلمين والموحدين عليهم وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم.
اطفيش
تفسير : {والذين جاهدوا فينا} فى امرنا من الطاعة واجتناب المعاصى، وتقوية الاسلام، والثابت عل ذلك، لا يمنعهم فقر ولا مصيبة {لنَهَدينَّهم سُبُلنا} تمام ما دخلوه وما قصدوه، ونزيدهم، قال الله عز وجل: "أية : والذين اهتدوا زادهم هدى"تفسير : [محمد: 17] قال رسول الله عليه وسلم: "حديث : من عمل بما علم أرثره الله علم ما لم يعلم"تفسير : وقيل: الذين ارادوا الجهاد فينا هديناهم الى ما ارادوا، وزعم بعض ان المراد سبلنا الى الجنة، وبعض الى الموت موت الشهداء والمغفرة {وإنَّ الله لَمَع المُحُسنين} المذكورين بالنصر والاعانة، فالاصل وان الله معهم، فالظاهر ليصفهم بالاحسان المستوجب للمعية، او المراد جنس المحسنين هؤلاء بالاولى على طريق البرهان من احسن فمعه الله، فهو مع هؤلاء لانهم احسنوا والله الموفق المغنى المعين، ولا حول ولا قوة الا بالله العلى العظيم.
الالوسي
تفسير : {وَٱلَّذِينَ جَـٰهَدُواْ فِينَا} في شأننا ومن أجلنا ولوجهنا خالصاً ففيه مضاف مقدر، وقيل: لا حاجة إلى التقدير بحمل الكلام على المبالغة بجعل ذات الله سبحانه مستقراً للمجاهدة وأطلقت المجاهدة لتعم مجاهدة الأعادي الظاهرة والباطنة بأنواعهما {لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا} سبل السير إلينا والوصول إلى جنابنا، والمراد نزيدنهم هداية إلى سبل الخير وتوفيقاً لسلوكها فإن الجهاد هداية أو مرتب عليها، وقد قال تعالى: {أية : وَٱلَّذِينَ ٱهْتَدَوْاْ زَادَهُمْ هُدًى }تفسير : [محمد: 17] وفي الحديث «حديث : من عمل بما علم ورثه الله تعالى علم ما لم يعلم»تفسير : . ومن الناس من أول {جَـٰهَدُواْ} بأرادوا الجهاد وأبقى {لَنَهْدِيَنَّهُمْ} على ظاهره، وقال السدي: المعنى والذين جاهدوا بالثبات على الإيمان لنهدينهم سبلنا إلى الجنة، وقيل: المعنى والذين جاهدوا في الغزو لنهدينهم سبل الشهادة والمغفرة، وما ذكر أولاً أولى، والموصول مبتدأ وجملة القسم وجوابه خبره نظير ما مر من قوله: {أية : وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ لَنُبَوّئَنَّهُمْ مّنَ ٱلْجَنَّةِ غُرَفَاً } تفسير : [العنكبوت: 58]. / {وَإِنَّ ٱللَّهَ} المتصف بجميع صفات الكمال الذي بلغت عظمته في القلوب ما بلغت {لَمَعَ ٱلْمُحْسِنِينَ } معية النصرة والمعونة وتقدم الجهاد المحتاج لهما قرينة قوية على إرادة ذلك، وقال العلامة الطيبـي: إن قوله تعالى: {لَمَعَ ٱلْمُحْسِنِينَ } قد طابق قوله سبحانه: {جَـٰهَدُواْ } لفظاً ومعنى، أما اللفظ فمن حيث الإطلاق في المجاهدة والمعية، وأما المعنى فالمجاهد للأعداء يفتقر إلى ناصر ومعين، ثم إن جملة قوله عز وجل: {إِنَّ ٱللَّهَ لَمَعَ ٱلْمُحْسِنِينَ } تذييل للآية مؤكد بكلمتي التوكيد محلى باسم الذات ليؤذن بأن من جاهد بكليته وشراشره في ذاته جل وعلا تجلى له الرب عز اسمه الجامع في صفة النصرة والإعانة تجلياً تاماً. ثم إن هذه خاتمة شريفة للسورة لأنها مجاوبة لمفتتحها ناظرة إلى فريدة قلادتها {أية : أَحَسِبَ ٱلنَّاسُ أَن يُتْرَكُواْ أَن يَقُولُواْ ءامَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ }تفسير : [العنكبوت: 2] لامحة إلى واسطة عقدها {أية : يٰعِبَادِىَ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ إِنَّ أَرْضِى وَاسِعَةٌ فَإِيَّاىَ فَٱعْبُدُونِ }تفسير : [العنكبوت: 56] وهي في نفسها جامعة فاذة اهـ. و {ءالَ } في المحسنين يحتمل أن تكون للعهد فالمراد بالمحسنين الذين جاهدوا، ووجه إقامة الظاهر مقام الضمير ظاهر وإلى ذلك ذهب الجمهور، ويحتمل أن يكون للجنس فالمراد بهم مطلق جنس من أتى بالأفعال الحسنة ويدخل أولئك دخولاً أولياً برهانياً. وقد روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه فسر {ٱلْمُحْسِنِينَ} بالموحدين وفيه تأييد ما للاحتمال الثاني والله تعالى أعلم. ومن باب الإشارة في الآيات: {أية : أَحَسِبَ ٱلنَّاسُ أَن يُتْرَكُواْ }تفسير : [العنكبوت: 2] الآية قال ابن عطاء: ظن الخلق أنهم يتركون مع دعاوى المحبة ولا يطالبون بحقائقها وهي صب البلاء على المحب وتلذذه بالبلاء الظاهر والباطن، وهذا كما قال العارف ابن الفارض قدس سره:شعر : وتعذيبكم عذب لدي وجَوْرُكم علي بما يقضي الهوى لكم عدل تفسير : وذكروا أن المحبة والمحنة توأمان وبالامتحان يكرم الرجل أو يهان {أية : وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يِقُولُ ءامَنَّا بِٱللَّهِ فَإِذَا أُوذِىَ فِى ٱللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ ٱلنَّاسِ كَعَذَابِ ٱللَّهِ }تفسير : [العنكبوت: 10] إشارة إلى حال الكاذبين في دعوى المحبة وهم الذين يصرفون عنها بأذى الناس لهم {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ لاَ يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً فَٱبْتَغُواْ عِندَ ٱللَّهِ ٱلرّزْقَ وَٱعْبُدُوهُ وَٱشْكُرُواْ لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ }تفسير : [العنكبوت: 17] قال ابن عطاء: أي اطلبوا الرزق بالطاعة والإقبال على العبادة، وقال سهل: اطلبوه في التوكل لا في المكسب فإن طلب الرزق فيه سبيل العوام {أية : وَقَالَ إِنّى مُهَاجِرٌ إِلَىٰ رَبّى }تفسير : [العنكبوت: 26] أي مهاجر من نفسي ومن الكون إليه عز وجل، وقال ابن عطاء: أي راجع إلى ربـي من جميع مالي وعلي، والرجوع إليه عز وجل بالانفصال عما دونه سبحانه، ولا يصح لأحد الرجوع إليه تعالى وهو متعلق بشيء من الكون بل لا بد أن ينفصل من الأكوان أجمع {أية : وَتَأْتُونَ فِى نَادِيكُمُ ٱلْمُنْكَرَ }تفسير : [العنكبوت: 29] سئل الجنيد قدس سره عن هذه الآية فقال: كل شيء يجتمع الناس عليه إلا الذكر فهو منكر {أية : مَثَلُ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَوْلِيَاء كَمَثَلِ ٱلْعَنكَبُوتِ ٱتَّخَذَتْ بَيْتاً وَإِنَّ أَوْهَنَ ٱلْبُيُوتِ لَبَيْتُ ٱلْعَنكَبُوتِ } تفسير : [العنكبوت: 41] أشار سبحانه وتعالى إلى من اعتمد على غير الله عز وجل في أسباب الدنيا والآخرة فهو منقطع عن مراده غير واصل إليه، قال ابن عطاء: من اعتمد شيئاً سوى الله تعالى كان هلاكه في نفس ما اعتمد عليه، ومن اتخذ سواه عز وجل ظهيراً قطع عن نفسه سبيل العصمة ورد إلى حوله وقوته. {أية : وَتِلْكَ ٱلأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلاَّ ٱلْعَـٰلِمُونَ }تفسير : [العنكبوت: 43] فيه إشارة إلى أن دقائق المعارف لا يعرفها إلا أصحاب الأحوال العالمون به تعالى وبصفاته وسائر شؤونه سبحانه لأنهم علماء المنهج، وذكر أن العالم على الحقيقة من / يحجزه علمه عن كل ما يبيحه العلم الظاهر، وهذا هو المؤيد عقله بأنوار العلم اللدني {أية : إِنَّ ٱلصَّلاَةَ تَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنْكَرِ} تفسير : [العنكبوت: 45] ذكر أن حقيقة الصلاة حضور القلب بنعت الذكر والمراقبة بنعت الفكر فالذكر في الصلاة يطرد الغفلة التي هي الفحشاء والفكر يطرد الخواطر المذمومة وهي المنكر، هذا في الصلاة وبعدها تنهى هي إذا كانت صلاة حقيقية وهي التي انكشف فيها لصاحبها جمال الجبروت وجلال الملكوت وقرت عيناه بمشاهدة أنوار الحق جل وعلا عن رؤية الأعمال والأعواض، وقال جعفر الصادق رضي الله تعالى عنه: الصلاة إذا كانت مقبولة تنهى عن مطالعات الأعمال والأعواض {أية : وَلَذِكْرُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ }تفسير : [العنكبوت: 45] قال ابن عطاء: أي ذكر الله تعالى لكم أكبر من ذكركم له سبحانه لأن ذكره تعالى بلا علة وذكركم مشوب بالعلل والأماني والسؤال، وأيضاً ذكره تعالى صفته وذكركم صفتكم ولا نسبة بين صفة الخالق جل شأنه وبين صفة المخلوق وأين التراب من رب الأرباب {أية : بَلْ هُوَ ءايَـٰتٌ بَيّنَـٰتٌ فِى صُدُورِ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ } تفسير : [العنكبوت: 49] فيه إشارة إلى أن عرائس حقائق القرآن لا تنكشف إلا لأرواح المقربين من العارفين والعلماء الربانيين لأنها أماكن أسرار الصفات وأوعية لطائف كشوف الذات، قال الصادق على آبائه وعليه السلام: لقد تجلى الله تعالى في كتابه لعباده ولكن لا يبصرون { أية : يٰعِبَادِىَ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ إِنَّ أَرْضِى وَاسِعَةٌ فَإِيَّاىَ فَٱعْبُدُونِ }تفسير : [العنكبوت: 56] قال سهل: إذا عمل بالمعاصي والبدع في أرض فاخرجوا منها إلى أرض المطيعين، وكأن هذا لئلا تنعكس ظلمة معاصي العاصين على قلوب الطائعين فيكسلوا عن الطاعة، وذكروا أن سفر المريد سبب للتخلية والتحلية، وإليه الإشارة بما أخرجه الطبراني والقضاعي، والشيرازي في «الألقاب»، والخطيب وابن النجار والبيهقي عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : سافروا تصحوا وتغنموا كل نفس ذائقة الموت فلا يمنعنكم خوف الموت من السفر» {أية : وَكَأَيّن مّن دَابَّةٍ لاَّ تَحْمِلُ رِزْقَهَا ٱللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ }تفسير : [العنكبوت: 60] فلا يمنعنكم عنه فقد الزاد أو العجز عن حمله {وَٱلَّذِينَ جَـٰهَدُواْ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا} قال ابن عطاء: أي الذين جاهدوا في رضانا لنهدينهم إلى محل الرضا، والمجاهدة كما قال: الافتقار إلى الله تعالى بالانقطاع عن كل ما سواه، وقال بعضهم: أي الذين شغلوا ظواهرهم بالوظائف لنوصلن أسرارهم إلى اللطائف، وقيل: أي الذين جاهدوا نفوسهم لأجلنا وطلبا لنا لنهدينهم سبل المعرفة بنا والوصول إلينا، ومن عرف الله تعالى عرف كل شيء ومن وصل إليه هان عنده كل شيء، كان عبد الله بن المبارك يقول: من اعتاصت عليه مسألة فليسأل أهل الثغور عنها لقوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ جَـٰهَدُواْ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا} [العنكبوت: 69] وجهاد النفس هو الجهاد الأكبر نسأل الله تعالى التوفيق لما يحب ويرضى والحفظ التام من كل شر بحرمة حبيبه سيد البشر صلى الله عليه وسلم.
ابن عاشور
تفسير : خُتم توبيخ المشركين وذمُّهم بالتنويه بالمؤمنين إظهاراً لمزيد العناية بهم فلا يخلو مقام ذم أعدائهم عن الثناء عليهم، لأن ذلك يزيد الأعداء غيظاً وتحقيراً. و {الذين جاهدوا} في الله هم المؤمنون الأولون فالموصول بمنزلة المعرّف بلام العهد. وهذا الجهاد هو الصبر على الفتن والأذى ومدافعة كيد العدو وهو المتقدم في قوله في أول السورة [العنكبوت: 6] {أية : ومن جاهد فإنما يجاهد لنفسه}تفسير : إذ لم يكن يومئذ جهاد القتال كما علمت من قبل. وجيء بالموصول للإِيماء إلى أن الصلة سبب الخبر. ومعنى {جاهدوا فينا} جاهدوا في مرضاتنا، والدِّين الذي اخترناه لهم. والظرفية مجازية، يقال: هي ظرفية تعليل تفيد مبالغة في التعليل. والهداية: الإرشاد والتوفيق بالتيسير القلبي والإرشاد الشرعي، أي لنزيدنهم هُدى. وسُبُل الله: الأعمال الموصلة إلى رضاه وثوابه، شبهت بالطرق الموصلة إلى منزل الكريم المكرم للضيف. والمراد بـ {المحسنين} جميع الذين كانوا محسنين، أي كان عمل الحسنات شعارهم وهو عامّ. وفيه تنويه بالمؤمنين بأنهم في عداد من مضى من الأنبياء والصالحين. وهذا أوقع في إثبات الفوز لهم مما لو قيل: فأولئك المحسنون لأن في التمثيل بالأمور المقررة المشهورة تقريراً للمعاني ولذلك جاء في تعليم الصلاة على النبيء صلى الله عليه وسلم قوله: "كما صليتَ على إبراهيم وعلى آل إبراهيم". والمعية: هنا مجاز في العناية والاهتمام بهم. والجملة في معنى التذييل بما فيها من معنى العموم. وإنما جيء بها معطوفة للدلالة على أن المهم من سَوقها هو ما تضمنته من أحوال المؤمنين، فعطفت على حالتهم الأخرى وأفادت التذييل بعموم حكمها. وفي قوله {لنهدينهم سبلنا} إيماء إلى تيسير طريق الهجرة التي كانوا يتأهبون لها أيام نزول هذه السورة.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ جَاهَدُواْ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا} ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن الذين جاهدوا فيه، أنه يهديهم إلى سبل الخير والرشاد، وأقسم على ذلك بدليل اللام في قوله: لنهدينهم. وهذا المعنى جاء مبنياً في آيات أخر كقوله تعالى: {أية : وَٱلَّذِينَ ٱهْتَدَوْاْ زَادَهُمْ هُدًى} تفسير : [محمد: 17]. وقوله تعالى: {أية : فَأَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً} تفسير : [التوبة: 124] الآية. كما تقدم إيضاحه. قوله تعالى: {وَإِنَّ ٱللَّهَ لَمَعَ ٱلْمُحْسِنِينَ} قد قدمنا إيضاحه في أخر سورة النحل في الكلام على قوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ وَّٱلَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ} تفسير : [النحل: 128].
د. أسعد حومد
تفسير : {جَاهَدُواْ} (69) - أَمَّا الذِينَ قَاتَلُوا في سَبيلِ اللهِ، وَجَاهَدُوا الكُفَّارَ، وَبَذَلُوا دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ في سَبيلِ نُصْرَةِ دِين الله، فإِنَّ اللهَ يَعِدُهُم بأَنْ يَزِيدَهُمْ هِدَايةً إِلى سَبِيلِ الخَيْر، وَتَوفِيقاً لسُلُوكِها. واللهُ تَعَالى مَعَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلَهُ مِنْ عِبَادِه، يُعِينُه وَيَنْصُرُهُ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : نقول: جَهدَ فلان يجهد أي أتعب نفسه واجتهد: ألح في الاجتهاد وجاهد غيره، فجاهد تدل على المفاعلة والمشاركة، وهي لا تتم إلا بين طرفيْن، وفي هذه الصيغة (المفاعلة) نغلب الفاعلية في أحدهما والمفعولية في الآخر، مع أنهما شركاء في الفعل، فكلٌّ منهما فاعل في مرة، ومفعول في أخرى، كأنك تقول: شارك زيدٌ عمراً، وشارك عمرو زيداً. أو: أن الذي له ضِلع أقوى في الشركة يكون فاعلاً والآخر مفعولاً. وبعد أن بيَّن الحق سبحانه أن مثوى الكافرين المكذِّبين في جهنم وحرَّش المؤمنين بهم، وما داموا قد ظَلموا هذا الظلم العظيم لا بُدَّ أن يوجد تأديب لهم، هذا التأديب لا لإرغامهم على الإيمان، {أية : فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ ..} تفسير : [الكهف: 29] إنما التأديب أن نجهر بدعوتنا، وأن نعلي كلمة الحق، فمن شاء فليؤمن، ومَنْ شاء فليظل على حاله، إذن: فالآية تبين موقف المؤمنين أمام هؤلاء المكذبين: {وَٱلَّذِينَ جَاهَدُواْ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ..} [العنكبوت: 69]. معنى (جاهدوا فينا) أي: من أجلنا ولنصرة ديننا، والخصومات التي نجاهدها في الله كثيرة: خصومة في مسألة القمة الإيمانية ووجود الإله الواحد كالملاحدة الذين يقولون بعدم وجود إله في الكون، وهؤلاء لهم جهاد، وأهل الشرك الذين يقرون بوجود الله لكن يدَّعُون أن له شريكاً، وهؤلاء لهم جهاد آخر. فجهاد الملاحدة بالمنطق وبالحجة ليقولوا هم بأنفسهم بوجود إله واحد، ونقول لهم: هل وُجِد مَن ادعى أنه خلق ذاته أو خلق غيره؟ بل تأملوا في أتفه الأشياء التي تستخدمونها في حياتكم: هذا الكوب الزجاجي وهو ترف ليس من ضروريات الحياة هل تقولون: إنه وُجد هكذا دون صانع؟ إذن: كيف وُجِد؟ هل لدينا شجرة مثلاً تطرح لنا هذه الأكواب؟ إذن: هي صنعة لها صانع، استخدم العقل الذي منحه الله إياه، وأعمله في المواد التي جعلها الله في الكون، واستنبط منها هذه المادة (الزجاج). مصباح الكهرباء الذي اخترعه (إديسون) كم أخذ منه من جهد وبحث ودراسة، ثم يحتاج في صناعته إلى معامل ومهندسين وصيانة، ومع ذلك حصاة صغيرة تكسره فينطفىء، وقد أخذ (أديسون) كثيراً من الشهرة وخلَّدنا ذكراه، وما زالت البشرية تذكر له فضله. أفلا ينظرون في الشمس التي تنير الدنيا كلها منذ خلقها الله وإلى قيام الساعة دون أنْ تحتاج إلى صيانة، أو إلى قطعة غيار؟ وهل يستطيع أحد أن يتناولها ليصلحها؟ وهل تأبَّتْ الشمس عن الطلوع في يوم من الأيام، وما تزال تمدكم بالحرارة والأشعة والدفء والنور؟ أتعرف مَنْ صنع المصباح، ولا تعرف مَنْ صنع الشمس؟ لقد فكرتم في أتفه الأشياء وعرفتم مَنْ صنعها، وأرَّخْتُم لهم، وخلدتم ذكراهم، ألم يكن أَوْلَى بكم التفكُّر في عظمة خلق الله والإيمان به؟ ثم قُلْ لي أيها الملحد: إذا غشيك ظلام الليل، كيف تضيئه؟ قالوا: كل إنسان يضيء ظلام ليله على حَسْب قدرته، ففي الليل ترى الإضاءات مختلفة، هذا يجلس في ضوء شمعة، وهذا في ضوء لمبة جاز، وهذا في ضوء لمبة كهرباء، وآخر في ضوء لمبة نيون، فالأضواء في الليل متباينة تدل على إمكانات أصحابها، فإذا ما طلعتْ الشمس، وأضاء المصباح الرباني أطفئت كل هذه الأضواء، ولم يَعُدْ لها أثر مع مصباح الخالق الأعظم سبحانه. أليس في هذا إشارة إلى أنه إذا جاءنا حكم من عند الله ينبغي أنْ نطرح أحكامنا جميعاً لنستضىء بحكم الله؟ أليس في صدق المحسوس دليل على صدق المعنويات؟ وأنت يا مَنْ تدّعي أن لله شريكاً في مُلكه: مَنِ الذي قال إن لله شريكاً؟ لقد قلتها أنت من عند نفسك؛ لأن الله تعالى حين قال: أنا إله واحد لا شريك لي لم يعارضه أحد، ولم يدَّعِ أحد أنه شريك لله. فهذا دليل على أن الشريك غير موجود، أو أنه موجود ولم يَدْرِ، أو درى ولم يقدر على المواجهة، وفي كلتا الحالتين لا يصلح أن يكون إلهاً. ثم على فرض أنه موجود، ما منهجه؟ بماذا أمرك وعَمَّ نهاك؟ ماذا أعدَّ لك من النعيم إنْ عبدته؟ وماذا أعد لك من العذاب إنْ كفرتَ به؟ إذن: فهذا الإله المزعوم إله بلا منهج، فعبادته باطلة. أما هؤلاء الذين يؤمنون بدين سماوي ولا يؤمنون بالرسول صلى الله عليه وسلم فنقول لهم: يكفي من جوانب العظمة في شخصية محمد بن عبد الله أنه لا يتعصب لنفسه؛ لأن قلبه مع كل مَنْ يؤمن بالله حتى وإنْ كفر به، محمد يحب كل مَنْ آمن بربه، وإنْ كفر بمحمد، إنه يتعصب لربه حتى فيمن كذبه. ثم أنتم يا أصحاب الديانات اليهودية أو المسيحية الذين عاصرتم ظهور الإسلام فأنكرتموه، مع أن دينكم جاء بعد دين، ورسولكم جاء بعد رسول سابق، فلماذا لما جاءكم محمد كذَّبتموه وكفرتم به؟ لماذا أبْحتم أنْ يأتي عيسى بعد موسى عليهما السلام، وأنكرتُم أنْ يأتي بعد عيسى محمد؟ إذن: لكل خصومة في دين الله جدل خاص ومنطق للمناقشة نقوم به في ضوء: {وَٱلَّذِينَ جَاهَدُواْ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ..} [العنكبوت: 69] وعليك أن تنظر أولاً ما موقع الجهاد الذي تقوم به، فجهاد الملاحدة بأسلوب، وجهاد المشركين بأسلوب، وجهاد أهل الكتاب بأسلوب، وجهاد المسلم للمسلم كذلك له منطق إنْ دبَّ بينهما الخلاف، مع أن الله تعالى قال: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعاً لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ ..} تفسير : [الأنعام: 159]. فساعةَ ترى كلاً منهما في طرف، بحيث لا تستطيع أن تتبع أحدهما، فاعلم أنهما على باطل؛ لأن الإسلام شيء واحد سبق أنْ شبَّهناه بالماء الأبيض الصافي الذي لم يخالطه لون ولا رائحة ولا طعم، فإنْ لوَّنته الأهواء وتحزَّب الناس فيه كما يُلوِّنون العصائر فقد جانبهم الصواب وأخطأوا الدين الصحيح. لأن ما جاء فيه حكم صريح من عند الله اتفقنا عليه، وما تركه الله لاجتهادنا فينبغي على كُلٍّ منا أن يحترم اجتهاد الآخر، وأن يقول: رأيي صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب، وبهذا المنطق تتعايش الآراء. والحق - سبحانه وتعالى - يعطينا المثل على ذلك، فما أراده سبحانه في المنهج مُحكماً يأتي محكماً في قول واحد لا خلاف فيه، وضربنا مثلاً لذلك بآية الوضوء: {أية : يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى ٱلصَّلاةِ فٱغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى ٱلْمَرَافِقِ ..} تفسير : [المائدة: 6]. فلم يحدد الوجه؛ لأنه لا خلاف في تحديده بين الناس، إنما حدد الأيدي لأنها محل خلاف. إذن: فالقضايا التي تُثار بين المسلمين ينبغي أن يكون لها جدل خاص في هذا الإطار دون تعصُّب، فما جاءك مُحْكماً لا مجالَ فيه لرأي التزم به الجميع، وما تُرِك بلا تنصيص لا يحتمل الخلاف، فليذهب كل واحد إلى ما يحتمله النص. فالباء في لغتنا مثلاً تأتي للتبعيض، أو للاستعانة، أو للإلصاق، فإنْ أخذتَ بمعنىً فلا تحجر على غيرك أنْ يأخذ بمعنى آخر. فإنِ استعر القتال بين طائفتين من المسلمين، فيجب أن تكون هناك طائفة معتدلة تتولى أمر الإصلاح، كما قال سبحانه: {أية : وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱقْتَتَلُواْ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَىٰ ٱلأُخْرَىٰ فَقَاتِلُواْ ٱلَّتِي تَبْغِي حَتَّىٰ تَفِيۤءَ إِلَىٰ أَمْرِ ٱللَّهِ فَإِن فَآءَتْ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا بِٱلْعَدْلِ وَأَقْسِطُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُقْسِطِينَ} تفسير : [الحجرات: 9]. نلحظ أن الله تعالى سماهم مؤمنين، ومعنى ذلك أن الإيمان لا يمنع أن نختلف، وهذا الإيمان الذي لا يمنع أن نختلف هو الذي يُوجب علينا أن يكون منا طائفة معتدلة على الحياد لا تميل هنا أو هناك، تقوم بدوْر الإصلاح وبدوْر الردع للباغي المعتدي حتى يفييء إلى الجادة وإلى أمر الله. فإنْ فاءت فلا نترك الأمور تُخيّم عليها ظلال النصر لفريق، والهزيمة لفريق آخر، إنما نصلح بينهما، ونزيل ما في النفوس من غِلٍّ وشحناء، فقد تنازل القوي عن كبريائه لما ضربنا على يده، وَقوِي الضعيف، بوقوفنا إلى جانبه، فحدث شيء من التوازن وتعادلتْ الكِفّتان، فليعُدْ الجميع إلى حظيرة الأمن والسلام. بقي لنا أن نتحدث عن جهاد آخر أهم، هو جهاد النفس البشرية؛ حديث : لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما عاد من إحدى الغزوات قال: "رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر" تفسير : فوصف جهاد النفس بأنه الجهاد الأكبر، لماذا؟ لأنك في ساحة القتال تجاهد عدواً ظاهراً، يتضح لك عدده وأساليبه، أمّا إنْ كان عدوك من نفسك ومن داخلك، فإنه يعزّ عليك جهاده، فأنت تحب أنْ تحقق لنفسك شهواتها، وأنْ تطاوعها في أهوائها ونزواتها، وهي في هذا كله تُلِح عليك وتتسرَّب من خلالك. فعليك أنْ تقف في جهاد النفس موقفاً تقارن فيه بين شهوات النفس العاجلة وما تُورِثك إياه من حسرة آجلة باقية، وما تضيعه عليك من ثواب ربك في جنة فيها من النعيم، ما لا عَيْن رأتْ، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. ضع ربك ونفسك في هذه المقابلة وتبصّر، واعلم أن لربك سوابقَ معك، سوابق خير أعدّها لك قبل أن توجد، فالذي أعدَّ لك كل هذا الكون، وجعله لخدمتك لا شكَّ مأمون عليك، وأنت عبده وصنعته، وهل رأيت صانعاً يعمد إلى صنعته فيحطمها؟ أما إن رأيت النجار مثلاً يمسك (بالفارة) وينحت في قطعة الخشب، فاعلم أنه يُصلحها لأداء مهمتها، وأذكر قصة الطفل (أيمن) الذي جاء أمه يبكي؛ لأن الخادمة تضرب السجادة، فأخذتْه أمه وأرتْه التراب الذي يتساقط من السجادة في كل ضربة من ضربات الخادمة، ففهم الطفل على قدر عقله. وكذلك الحق سبحانه حين يبتلي خَلْقه، فإنما يبتليهم لا كَيْداً فيهم، بل إصلاحاً لهم. ألم نسمع كثيراً أماً تقول لوحيدها (إلهي أشرب نارك)؟ بالله ما حالها لو استجاب الله لها؟ وهي في الحقيقة لا تكره وحيدها وفلذة كبدها، إنما تكره فيه الخصلة التي أغضبتها منه. وكذلك الحق - سبحانه وتعالى - لا يكره عبده، إنما يكره فيه الخصال السيئة فيريد أنْ يُطهِّره منها بالبلاء حتى يعود نقياً كيوم ولدته أمه، فأحسن أيها الإنسان ظنك بربك. إذن: نقول: إن من أعظم الجهاد جهادك لنفسك، لأنها تُلِح عليك أن تُشبع رغباتها، كما أنها عُرْضة لإغراء الهوى ووسوسة الشيطان الذي يُزيِّن لها كل سوء، ويُحبِّب إليها كل منكر. وسبق أنْ بيَّنا: كيف نُفرِّق بين تزيين الشيطان وتزيين النفس؛ لأن النفس مدخلاً في المعصية بدليل قول النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : إذا جاء رمضان فُتحت أبواب الجنة، وغُلِّقت أبواب النار، وصُفِّدت الشياطين ". تفسير : فلو كانت الذنوب كلها بسبب الشيطان لم نجد من يذنب في رمضان، إنما هناك كثير من الذنوب تُرتكب في رمضان، وهذا يعني أنها من تزيين النفس، وكأن الحق سبحانه أراد أنْ يكشف ابن آدم: ها أنا قد صفَّدْت الشياطين ومع ذلك تذنبون. فإنْ أردتَ أنْ تعرف هل المعصية من النفس أم من الشيطان، فإن النفس تقف بك عند معصية بعينها لا تريد سواها، ولا تنتقل بك إلى غيرها، وتظل تُلح عليك إلى أنْ تُوقِعك فيها، أما الشيطان فإنه يريدك عاصياً بأية صورة وعلى أية حال، فإنْ تأبَّيْتَ عليه نقلك إلى معصية أخرى. وعلى العاقل أن يتأمل، فالمعصية تعطيك لذة عاجلة ومتعة فانية، لا تليق أبداً بهذا الإنسان الذي كرَّمه الله، وجعله خليفة له في الأرض، وسيداً لهذا الكون، والكون كله بأرضه وسمائه خادم له، فهل يُعقل أنْ يكون الخادم أطول عمراً من المخدوم؟ إنك تموت بعد عام أو بعد مائة عام، في حين أن الشمس التي تخدمك تعمر ملايين السنين: إذن: لا بُدَّ أن لك حياة أخرى أبقى وأدوم من حياة خادمك، فإنْ كنتَ الآن في حياة تُوصَف بأنها دنيا، فهذا يعني أنها تقابلها حياة أخرى تُوصَف بأنها عليا، وهي حياتك في الآخرة، حيث لا موتَ فيها أبداً. والقرآن الكريم حينما يُحدِّثنا عن الجهاد يقول مرة: {أية : وَجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ..} تفسير : [التوبة: 41] ويقول: {وَٱلَّذِينَ جَاهَدُواْ فِينَا ..} [العنكبوت: 69]. الجهاد في سبيل الله أي في الطريق إلى الله لإثبات الإيمان بالإله الواحد، وصدق البلاغ من الرسول المؤيَّد بالمعجزة وبالمنهج، فإذا وضح لك السبيل فآمنت بالله الواحد الأحد قال لك: اجعل كل حركة حياتك في إطار {وَٱلَّذِينَ جَاهَدُواْ فِينَا ..} [العنكبوت: 69] يعني: من أجلنا مخلصين لله لا ينظرون إلى غيره. والإنسان مهما تحرَّى الإخلاص في عمله، وقصد به وجه الله لا يأمن أن يخالطه شيء من رياء أو سمعة، حتى أن المعصوم محمداً صلى الله عليه وسلم ليقول: "حديث : اللهم إني أستغفرك من كل عمل أردتُ به وجهك، فخالطني فيه ما ليس لك ". تفسير : وهذا معنى (جاهدوا فينا) أن يكون العمل كله لله خالصاً، وإلاَّ فما الفَرْق بين المؤمن والكافر، وكلاهما يعمل ويسعى في الدنيا لكسب لقمة العيش له ولأولاده، فهما في السعي سواء، فما مزية المؤمن إذن؟ الميزة أن الكافر يعمل على قَدْر حاجته فحسب، أمّا المؤمن فيعمل على قدر طاقته، فيأخذ ما يكفيه ويعود بالفضل على مَنْ لا طاقةَ عنده للعمل، ففي نيته أن يعمل له وللمحتاج غير القادر. ونمثل لذلك بالبقال الذي فتح الله عليه، فباع كثيراً في أول النهار وأخذ كفايته، ثم أغلق محله فلم ينظر إلى الذين يعاملونه على الشهر، ويأخذون حاجتهم لأجَل، ولم ينظر إلى ربة البيت التي تنتظر عودة زوجها لتشتري ما يلزمها، فقد نظر إلى حظ نفسه، ونسي حظ الآخرين. واقرأ إنْ شئت قوله تعالى: {أية : قَدْ أَفْلَحَ ٱلْمُؤْمِنُونَ * ٱلَّذِينَ هُمْ فِي صَلاَتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَٱلَّذِينَ هُمْ عَنِ ٱللَّغْوِ مُّعْرِضُونَ * وَٱلَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَـاةِ فَاعِلُونَ} تفسير : [المؤمنون: 1-4] ولم يقل مُؤدُّون إنما: فاعلون من أجل الزكاة أي: يعملون على قَدْر طاقتهم، لا على قدْر حاجتهم. فالذين يعملون في إطار {وَٱلَّذِينَ جَاهَدُواْ فِينَا ..} [العنكبوت: 69] لا يغيب الله أبداً عن بالهم. ولكي نفقه هذه المسألة انظر إلى عمل أو جميل قدَّمته لغير وجه الله ترى أن صاحبه أنكره، بل ربما لا ينالك منه إلا الذمّ، وساعتها لا تلومنّ إلا نفسك، لأنك أخطأت التوجه، وقد عملت للناس فخُذْ أجرك منهم، إنما إنْ عملتَ لوجه الله فثِقْ أن جميلك محفوظ عند الله وعند الناس. والحق - سبحانه وتعالى - حينما أعطى للإنسان الاختيار في أن يؤمن أو أنْ يكفر يلفت بهذا أنظارنا أنه إذا صنعتَ جميلاً في إنسان، ثم أنكر جميلك وكفر به، فلا تحزن؛ لأن الناس فعلوا ذلك مع الله - عز وجل - فقد خلقهم ورزقهم ثم كفروا به. ثم يأتي جزاء الجهاد في ذات الله: {وَٱلَّذِينَ جَاهَدُواْ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ..} [العنكبوت: 69] أي: ندلّهم على الطرق الموصِّلة إلينا، كأن الطريق إلى الله ليس واحداً، إنما سبل شتى؛ لذلك لا تحقرنَّ من الطاعة شيئاً مهما كان يسيراً، فإن الله تعالى غفر لرجل سقى كلباً يلهث من العطش، ولا تحقرن من المعصية شيئاً، فإن الله أدخل امرأة النار لأنها حبست قطة، ولا تحتقرن عبداً مهما كان، فإن الله تعالى أخفى أسراره في خَلْقه؛ فرُبَّ أشعث أغبر ذي طمرين لو أقسم على الله لأبرّه. فإذا علمتَ من نفسك ميزة على الآخرين فانظر فيم يمتازون به عنك، ودَعْك من نظرة تُورثك كبراً، واستعلاء على الخَلْق، فإنْ كنت أفضل في شيء فأنت مفضول في أشياء كثيرة، وسبق أن قلنا: إن الله نثر المواهب بين الخَلْق ليظلوا ملتحمين بحاجة بعضهم إلى بعض. فقوله تعالى {لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ..} [العنكبوت: 69] أي: السبل الموصِّلة لنعيم الآخرة، سبل الارتقاء في اليقين الإيماني الذي قال الله عنه: {أية : يَسْعَىٰ نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِم ..} تفسير : [الحديد: 12]. ويقول سيدنا عمر بن عبد العزيز: ما قصَّر بنا في علم ما جهلناه، إلا تقصيرنا في العمل بما علمناه فالذي جعلنا لا نعرف أسرار الله أننا قصرنا في العمل بما أمرنا به، إذن: فلماذا يعطينا ونحن لا نعمل بما أخذنا من قبل، لكن حين تعمل بما علمتَ، فأنت مأمون على منهج الله، فلا يحرمك المزيد، كما قال سبحانه: {أية : وَٱلَّذِينَ ٱهْتَدَوْاْ زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقُوَاهُمْ} تفسير : [محمد: 17]. وقوله تعالى: {أية : يِا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِن تَتَّقُواْ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً ..} تفسير : [الأنفال: 29] والفرقان من أسماء القرآن، فحين تتقي الله على مقتضاه، وبمدلول منهجه في القرآن يمنحك فرقاناً آخر ونوراً آخر تبصر به حقائق الأشياء، وتهتدي به إلى الحكم الصحيح، هذا النور الذي وهبه الله للإمام علي - رضي الله عنه - حينما دخل على عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - فوجده يريد أنْ يقيم الحَدَّ على زوجة ولدتْ لستة أشهر، والشائع أن فترة الحمل تسعة أشهر، فقال لعمر: لكن الله قال غير ذلك يا أمير المؤمنين، قال عمر: وماذا قال يا علي؟ قال علي: قال الله تعالى: {أية : وَٱلْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ ٱلرَّضَاعَةَ ..} تفسير : [البقرة: 233] يعني: أربعة وعشرون شهراً. وقال في موضع آخر: {أية : وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاَثُونَ شَهْراً ..} تفسير : [الأحقاف: 15] وبطرح العددين يكون الباقي ستة أشهر، وهي أقل مدة للحمل. هذا هو الفرقان الذي يمنحه الله للمؤمنين الذين عملوا بما علموا؛ لذلك كان عمر بن الخطاب وما أدراك ما عمر؟ عمر الذي كان ينزل الوحي على وَفْق رأيه، كان يقول: بئس المقام بأرض ليس فيها أبو الحسن. ومعلوم أن علياً - رضي الله عنه - تربَّى في حِجرْ رسول الله، وشرب من معينه، فكل معلوماته إسلامية، وله في الحق حجة ومنطق. فمثلاً في موقعة صِفِّين التي دارتْ بين علي ومعاوية كان عمار بن ياسر في صفوف علي، فقتله جنود معاوية، فتذكر الصحابة قول رسول الله لعمار "حديث : وَيْح عمار، تقتله الفئة الباغية"تفسير : فعلموا أنها فئة معاوية. فأخذ الصحابة يتركون صفوف معاوية إلى صفوف علي، فأسرع عمرو بن العاص وكان في جيش معاوية، فقال له: يا أمير المؤمنين فَشَتْ فاشيةٌ في الجيش، إنْ هي استمرت فلن يبقى معنا أحد، قال: وما هي؟ قال: تَذَكَّر الناس قول رسول الله "حديث : ويح عمار تقتله الفئة الباغية" تفسير : قال معاوية: فأفْشِ فيهم، إنما قتله مَنْ أخرجه للقتال - أي علي - فلما بلغ علياً هذه المقالة قال بما عنده من الفرقان والحجة: إذن قولوا له مَنْ قتل حمزة بن عبد المطلب؟ فمن عمل بما علم أورثه الله علم ما لم يعلم، ومثَّلْنا لذلك قلنا: هب أن لك ولداً متعثراً غير مُوفَّق في حياته العملية، فنصحك إخوانك بأنْ تعطيه فرصة، وتجربه ولو بمشروع صغير في حدود مائة جنيه، فلما فعلتَ بدَّد الولد هذا المبلغ ولم ينتفع به، أتجرؤ على منحه مبلغاً آخر؟ وإنما لو ثمَّر هذا المبلغ ونماه لأعطيته أضعافاً. ثم يقول سبحانه: {وَإِنَّ ٱللَّهَ لَمَعَ ٱلْمُحْسِنِينَ} [العنكبوت: 69] الإحسان من الإنسان أن يعبد الله كأنه يراه، فإن لم يكن يراه فإنه يراه، والإحسان في الأداء أن تزيد عما فرض الله عليك، لكن من جنس من فرض، فإذا أنت أحسنتَ أحسن الله إليك بأنْ يزيدك إشراقاً، ويزيدك نورانية، ويُخفِّف عنك أعباء الطاعة، ويُقبِّح في نفسك المعاصي. لذلك بلغت محبة أحد العارفين للطاعة حتى قال: اللهم إني أخاف ألاّ تثيبني على طاعتي؛ لأنني أصبحتُ أشتهيها. يعني: لو لم تكن هناك جنة ولا نار لفعلتُ الطاعة؛ لأنها أصبحتْ بالنسبة لي شهوة نفس، وقد أمرتنا يا ربّ أن نخالف شهوة النفس لذلك أخاف ألاَّ تثيبني عليها، ولمثل هذا نقول: {وَإِنَّ ٱللَّهَ لَمَعَ ٱلْمُحْسِنِينَ} [العنكبوت: 69]. كلمة (مع) تفيد المعية، والمعية في أعراف البشر أنْ يلتقي شيء بشيء، لكن إذا كانت المعية مع الله فافهم أنها معية أخرى غير التي تعرفها مع زميلك أو صديقك، خُذْها في إطار {أية : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} تفسير : [الشورى: 11] فلك وجود ولله وجود، لكن أوجودك كوجود الله؟ الله يعلم أننا نسجل الآن في مسجد أبي بكر الصديق، لكن هل علْمنا كعِلْمه تعالى؟ الله يعلم هذا قبل أن ينشأ المسجد، وقبل أنْ نُولد نحن. لذلك يضرب الله لنا مثلاً فيقول: {أية : وَفِيۤ أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ} تفسير : [الذاريات: 21] هذا مَثَل للرد على الذين يطلبون رؤية الله عز وجل وهو غَيْب، مثل للذين قالوا لنبيهم {أية : أَرِنَا ٱللَّهَ جَهْرَةً ..} تفسير : [النساء: 153]. لكن كيف يرونه والعظمة في الإله ألاَّ يُرى، ولا تدركه الحواس، والحق سبحانه يعطينا الدليل في أنفسنا {أية : وَفِيۤ أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ} تفسير : [الذاريات: 21] فتأمل في أقرب شيء إليك في نفسك، لا في الآفاق من حولك، أليست فيك روح تُحرِّك جسمك، وبها تحيا وتنفعل أعضاؤك، بدليل إذا خرجتْ منك هذه الروح تصير جثة هامدة؟ أرأيت هذه الروح وهي بين جنبيك؟ أأدركتها بأيِّ حاسة من حواسك؟ إذن: هي معك، لكن ليست تحت إدراكك، وهي خَلْق بسيط من خَلْق الله، فكيف تتطلع إلى أن ترى الخالق سبحانه وأنت لا تقدر على رؤية المخلوق؟ لكن إن قُلْت: فرؤية المؤمنين لله في الآخرة؟ ففي الآخرة يخلقني الله خَلْقاً آخر أستطيع أن أراه سبحانه، حيث سيكون للخَلْق معايير أخرى، ألستَ تأكل وتشرب في الآخرة، ومع ذلك لا تتغوَّط في الجنة؟ لذلك لما سأل حاكم الروم أحد علماء المسلمين: كيف تأكلون وتشربون في الجنة ولا تتغوطون؟ فقال له: وما العجيب في ذلك؟ ألم تر إلى الطفل في بطن أمه يتغذى وينمو وهو لا يتغوط، ولو تغوَّط في مشيمته لاحترق. ثم سأله: وتقولون إن نعيم الجنة تأخذون منه ولا ينتهي ولا ينقص؟ فقال: هَبْ أن لك مصباحاً، وجاءت الدنيا كلها، وقبستْ من مصباحك ناراً، أينقص منه شيء؟ فسأله: فأين تذهب الأرواح التي كانت فينا بعد أن نموت؟ فقال: تذهب حيث كانت قبل أنْ تسكن فينا. هذه مسائل ونماذج للتوفيق والهداية للحق في إطار: {وَٱلَّذِينَ جَاهَدُواْ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ..} [العنكبوت: 69] وهي فَيْض مما قال الله فيه: {أية : إِن تَتَّقُواْ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً ..} تفسير : [الأنفال: 29].
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):