٣٢ - ٱلسَّجْدَة
32 - As-Sajda (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
14
Tafseer
الرازي
تفسير : المسألة الأولى: قوله: {فَذُوقُواْ بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاء } لقاء يحتمل أن يكون منصوباً بذوقوا، أي ذوقوا لقاء يومكم بما نسيتم، وعلى هذا يحتمل أن يكون المنسي هو الميثاق الذي أخذ منهم بقوله: { أية : أَلَسْتَ بِرَبّكُمْ قَالُواْ بَلَىٰ } تفسير : [الأعراف: 172] أو بما في الفطرة من الوحدانية فينسى بالإقبال على الدنيا والاشتغال بها ويحتمل أن يكون منصوباً بقوله: {نَسِيتُمْ } أي بما نسيتم لقاء هذا اليوم ذوقوا، وعلى هذا لو قال قائل النسيان لا يكون إلا في المعلوم أولاً إذا جهل آخراً نقول لما ظهرت براهينه فكأنه ظهر وعلم، ولما تركوه بعد الظهور ذكر بلفظ النسيان إشارة إلى كونهم منكرين لأمر ظاهر كمن ينكر أمراً كان قد علمه. المسألة الثانية: قوله تعالى هذا يحتمل ثلاثة أوجه أحدها: أن يكون إشارة إلى اليوم، أي فذوقوا بما نسيتم لقاء هذا اليوم وثانيها: أن يكون إشارة إلى لقاء اليوم، أي فذوقوا بما نسيتم هذا اللقاء وثالثها: أن يكون إشارة إلى العذاب، أي فذوقوا هذا العذاب بما نسيتم لقاء يومكم، ثم قال إنا نسيناكم، أي تركناكم بالكلية غير ملتفت إليكم كما يفعله الناسي قطعاً لرجائكم، ثم ذكر ما يلزم من تركه إياهم كما يترك الناسي وهو خلود العذاب، لأن من لا يخلصه الله فلا خلاص له، فقال: {وَذُوقُـواْ عَذَابَ ٱلْخُلْدِ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ }.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {فَذُوقُواْ بِمَا نَسِيتُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَـٰذَآ} فيه قولان: أحدهما: أنه من النسيان الذي لا ذكر معه؛ أي لم يعملوا لهذا اليوم فكانوا بمنزلة الناسين. والآخر: أن «نَسِيتُمْ» بما تركتم، وكذا {إِنَّا نَسِينَاكُمْ}. واحتج محمد بن يزيد بقوله تعالى: {أية : وَلَقَدْ عَهِدْنَآ إِلَىٰ ءَادَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ} تفسير : [طه: 115] قال: والدليل على أنه بمعنى ترك أن الله عز وجل أخبر عن إبليس أنه قال: {أية : مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةِ إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ}تفسير : [الأعراف: 20] فلو كان آدم ناسياً لكان قد ذكّره. وأنشد:شعر : كأنه خارجاً من جَنْب صَفْحَته سَفُّودُ شَرْبٍ نَسُوهُ عند مُفْتَأدِ تفسير : أي تركوه. ولو كان من النسيان لكان قد عملوا به مرة. قال الضحاك: «نَسِيتُمْ» أي تركتم أمري. يحيـى بن سلام: أي تركتم الإيمان بالبعث في هذا اليوم. {نَسِينَاكُمْ} تركناكم من الخير؛ قاله السُّديّ. مجاهد: تركناكم في العذاب. وفي استئناف قوله: «إِنَّا نَسِينَاكُمْ» وبناء الفعل على «إنّ» واسمها تشديد في الانتقام منهم. والمعنى: فذوقوا هذا؛ أي ما أنتم فيه من نكس الرؤوس والخِزي والغمّ بسبب نسيان الله. أو ذوقوا العذاب المخلّد، وهو الدائم الذي لا انقطاع له في جهنم. {بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} يعني في الدنيا من المعاصي. وقد يعبّر بالذّوق عما يطرأ على النفس وإن لم يكن مطعوماً، لإحساسها به كإحساسها بذوق المطعوم. قال عمر بن أبي ربيعة:شعر : فذُقْ هجرها إن كنت تزعم أنها فسادٌ ألاَ يا رُبَّما كذب الزعم تفسير : الجوهريّ: وذُقْت ما عند فلان؛ أي خبرته. وذقت القَوْس إذا جذبت وترها لتنظر ما شدّتها. وأذاقه الله وبال أمره. قال طُفيل:شعر : فذوقوا كما ذُقنا غَدَاة مُحَجِّرٍ من الغيظ في أكبادِنا والتَّحَوُّبِ تفسير : وتذوقته أي ذقته شيئاً بعد شيء. وأمر مستذاق أي مجرّب معلوم. قال الشاعر:شعر : وعهدُ الغانيات كعهد قَيْن وَنَتْ عنه الجعائل مُسْتذاقِ تفسير : والذوّاق: الملول.
المحلي و السيوطي
تفسير : وتقول لهم الخَزَنَةُ إذا دخلوها:{فَذُوقُواْ } العذاب {بِمَا نَسِيتُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَٰذَآ } أي بترككم الإِيمان به {إِنَّا نَسِينَٰكُمْ } تركناكم في العذاب {وَذُوقُواْ عَذَابَ ٱلْخُلْدِ } الدائم {بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } من الكفر والتكذيب.
ابن عبد السلام
تفسير : {فَذُوقُواْ} عذابي بما تركتم أمري، أو بترك الإيمان بالبعث في هذا اليوم. {نَسِيَناكُمْ} تركناكم من الخير، أو في العذاب، ويعبر بالذوق عما يطرأ على النفس لإحساسها به. قال: شعر : فذق هجرها إن كنت تزعم أنه رشاد ألا يا ربما كذب الزعم
البقاعي
تفسير : ولما تسبب عن هذا القول الصادق أنه لا محيص عن عذابهم، قال مجيباً لترققهم إذ ذاك نافياً لما قد يفهمه كلامهم من أنه محتاج إلى العبادة: {فذوقوا} أي ما كنتم تكذبون به منه بسبب ما حق معي من القول {بما} أي بسبب ما {نسيتم لقاء يومكم} وأكده وبين لهم بقوله: {هذا} أي عملتم - في الإعراض عن الاستعداد لهذا الموقف الذي تحاسبون فيه ويظهر فيه العدل - عمل الناسي له مع أنه مركوز في طباعكم أنه لا يسوغ لذي علم وحكمة أن يدع عبيده يمرحون في أرضه ويتقلبون في رزقه، ثم لا يحاسبهم على ذلك وينصف مظلومهم، فكان الإعراض عنه مستحقاً لأن يسمى نسياناً من هذا الوجه أيضاً ومن جهة أنه لما ظهر له من البراهين، ما ملأ الأكوان صار كأنه ظهر، وروي ثمّ نسي. ثم علل ذوقهم لذلك أو استانف لبيان المجازاة به مؤكداً في مظهر العظمة قطعاً لأطماعهم في الخلاص، ولذا عاد إلى مظهر العظمة فقال: {إنا نسيناكم} أي عاملناكم بما لنا من العظمة ولكم من الحقارة معاملة الناسي، فأوردنا النار كما أقسمنا أنه ليس أحد إلا يردها، ثم أخرجنا أهل ودنا وتركناكم فيها ترك المنسي. ولما كان ما تقدم من أمرهم بالذوق مجملاً، بينه بقوله مؤكداً له: {وذوقوا عذاب الخلد} أي المختص بأنه لا آخر له. ولما كان قد خص السبب فيما مضى، عم هنا فقال: {بما كنتم} أي جبلة وطبعاً {تعملون *} من أعمال من لم يخف أمر البعث ناوين أنكم لا تنفكون عن ذلك. ولما كان قوله تعالى: {بل هم بلقاء ربهم كافرون} قد أشار إلى أن الحامل لهم على الكفر الكبر، وذكر سبحانه أنه قسم الناس قسمين لأجل الدارين، تشوفت النفس إلى ذكر علامة أهل الإيمان كما ذكرت علامة أهل الكفران، فقال معرفاً أن المجرمين لا سبيل إلى إيمانهم {أية : ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه} تفسير : [الأنعام: 28]: {إنما يؤمن بآياتنا} الدالة على عظمتنا {الذين إذا ذكروا بها} من أيّ مذكر كان، في أيّ وقت كان، قبل كشف الغطاء وبعده {خروا سجداً} أي بادروا إلى السجود مبادرة من كأنه سقط من غير قصد، خضعاً لله من شدة تواضعهم وخشيتهم وإخباتهم له خضوعاً ثابتاً دائماً {وسبحوا} أي أوقعوا التنزيه عن كل شائبة نقص من ترك البعث المؤدي إلى تضييع الحكمة ومن غيره متلبسين {بحمد} ولفت الكلام إلى الصفة المقتضية لتنزيههم وحمدهم تنبيهاً لهم فقال: {ربهم} أي بإثباتهم له الإحاطة بصفات الكمال، ولما تضمن هذا تواضعهم، صرح به في قوله: {وهم لا يستكبرون} أي لا يجددون طلب الكبر عن شيء مما دعاهم إليه الهادي ولا يوجدونه خلقاً لهم راسخاً في ضمائرهم. ولما كان المتواضع ربما نسب إلى الكسل، نفى ذلك عنهم بقوله مبيناً بما تضمنته الآية السالفة من خوفهم: {تتجافى} أي ترتفع ارتفاع مبالغ في الجفاء - بما أشار إليه الإظهار، وبشر بكثرتهم بالتعبير بجمع الكثرة فقال: {جنوبهم} بعد النوم {عن المضاجع} أي الفرش الموطأة الممهدة التي هي محل الراحة والسكون والنوم، فيكونون عليها كالملسوعين، لا يقدرون على الاستقرار عليها، في الليل الذي هو موضع الخلوة ومحط اللذة والسرور بما تهواه النفوس، قال الإمام السهروردي في الباب السادس والأربعين من عوارفه عن المحبين: قيل: نومهم نوم الفرقى، وأكلهم أكل المرضى، وكلامهم ضرورة، فمن نام عن غلبة بهمّ مجتمع متعلق بقيام الليل وفق لقيام الليل، وإنما النفس إذا طعمت ووطنت على النوم استرسلت فيه، وإذا أزعجت بصدق العزيمة لا تسترسل في الاستقرار، وهذا الانزعاج في النفس بصدق العزيمة هو التجافي الذي قال الله، لأن الهم بقيام الليل وصدق العزيمة يجعل بين الجنس والمضجع سواء وتجافياً. ولما كان هجران المضجع قد يكون لغير العبادة، بين أنه لها، فقال مبيناً لحالهم: {يدعون} أي على سبيل الاستمرار، وأظهر الوصف الذي جرأهم على السؤال فقال: {ربهم} أي الذي عودهم بإحسانه: ثم علل دعاءهم بقوله: {خوفاً} أي من سخطه وعقابه، فإن أسباب الخوف من نقائضهم كثيرة سواء عرفوا سبباً يوجب خوفاً أو لا، فهم لا يأمنون مكره لأن له أن يفعل ما يشاء {وطمعاً} أي في رضاه الموجب لثوابه، وعبر به دون الرجاء إشارة إلى أنهم لشدة معرفتهم بنقائصهم لا يعدون أعمالهم شيئاً بل يطلبون فضله بغير سبب، وإذا كانوا يرجون رحمته بغير سبب فهم مع السبب أرجى، فهم لا ييأسون من روحه. ولما كانت العبادة تقطع عن التوسع في الدنيا، فربما دعت نفس العابد إلى التسمك بما في يده خوفاً من نقص العبادة عن الحاجة لتشوش الفكر والحركة لطلب الرزق، حث على الإنفاق منه اعتماداً على الخلاق الرزاق الذي ضمن الخلف ليكونوا بما ضمن لهم أوثق منهم بما عندهم، وإيذاناً بأن الصلاة سبب للبركة في الرزق {أية : وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها لا نسألك رزقاً نحن نرزقك}تفسير : [طه: 132]، فقال لفتاً إلى مظهر العظمة تنبيهاً على أن الرزق منه وحده: {ومما رزقناهم} أي بعظمتنا، لا حول منهم ولا قوة {ينفقون *} من غير إسراف ولا تقتير في جميع وجوه القرب التي شرعناها لهم. ولما ذكر جزاء المستكبرين، فتشوفت النفس إلى جزاء المتواضعين، أشار إلى جزائهم بفاء السبب، إشارة إلى أنه هو الذي وفقهم لهذه الأعمال برحمته، وجعلها سبباً إلى دخول جنته، ولو شاء لكان غير ذلك فقال: {فلا تعلم نفس} أي من جميع النفوس مقربة ولا غيرها {ما أخفي لهم} أي لهؤلاء المتذكرين من العالم بمفاتيح الغيوب وخزائنها كما كانوا يخفون أعمالهم بالصلاة في جوف الليل وغير ذلك ولا يراؤون بها، ولعله بني للمفعول في قراءة الجماعة تعظيماً له بذهاب الفكر في المخفي كل مذهب, أو للعلم بأنه الله تعالى الذي أخفوا نوافل أعمالهم لأجله، وسكن حمزة الياء على أنه للمتكلم سبحانه لفتاً لأسلوب العظمة إلى أسلوب الملاطفة، والسر مناسبته لحال الأعمال. ولما كانت العين لا تقر فتهجع إلا عند الأمن والسرور قال: {من قرة أعين} أي من شيء نفيس سارّ تقر به أعينهم لأجل ما أقلعوها عن قرارها بالنوم؛ ثم صرح بما أفهمته فاء السبب فقال: {جزاء} أي أخفاها لهم لجزائهم {بما كانوا} أي بما هو لهم كالجبلة {يعملون *} روى البخاري في التفسير عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : قال الله عز وجل: أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأيت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر"تفسير : ، قال أبو هريرة: اقرؤوا إن شئتم {أفلا تعلم نفس} - الآية.
ابو السعود
تفسير : والفاء في قوله تعالى {فَذُوقُواْ} لترتيبِ الأمرِ بالذَّوق على ما يُعرب عنه ما قبله من نفيِ الرَّجعِ إلى الدُّنيا أو على الوعيدِ المحكيِّ والباء في قوله تعالى: {بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاء يَوْمِكُمْ هَـٰذَا} للإيذانِ بأنَّ تعذيبَهم ليس لمجردِ سبقِ الوعيدِ به فقط بل هو وسبقُ الوعيدِ أيضاً بسببٍ موجبٍ له من قِبَلهم، كأنَّه قيل: لا رجعَ لكم إلى الدُّنيا أو حقَّ وعيدي فذوقُوا بسببِ نسيانِكم لقاءَ هذا اليومِ الهائلِ وتركِكم التفكُّرَ فيهِ والاستعدادَ له بالكُلِّيةِ {إِنَّا نَسِينَـٰكُمْ} أي تركناكُم في العذابِ تركَ المنسيِّ بالمرَّةِ وقولُه تعالى: {وَذُوقُـواْ عَذَابَ ٱلْخُلْدِ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} تكريرٌ للتَّأكيدِ والتَّشديدِ وتعيـينُ المفعولِ المطويِّ للذوقِ والإشعارِ بأنَّ سببَه ليس مجرَّد ما ذُكر من النِّسيانِ بل له أسبابٌ أخرُ من فنونِ الكفرِ والمَعاصي التي كانُوا مستمرِّين عليها في الدُّنيا، وعدمُ نظمِ الكلِّ في سلكٍ واحدٍ للتنبـيهِ على استقلالِ كلَ منها في استيجابِ العذابِ. وفي إبهامِ المذوقِ أولاً وبـيانِه ثانياً بتكريرِ الأمرِ وتوسيطِ الاستئنافِ المنبىءِ عن كمالِ السُّخطِ بـينهما من الدِّلالةِ على غاية التَّشديدِ في الانتقامِ منهم ما لا يَخْفى وقوله تعالى: {إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِـئَايَـٰتِنَا} استئنافٌ مسوقٌ لتقريرِ عدمِ استحقاقِهم لإيتاءِ الهُدى والإشعارِ بعدمِ إيمانِهم لو أُوتوه بتعيـينِ مَن يستحقُّه بطريقِ القصرِ كأنَّه قيل: إنَّكم لا تُؤمنون بآياتِنا ولا تعملون بموجبِها عملاً صالحاً ولو رَجَعناكم إلى الدُّنيا كما تدَّعون حسبما ينطقُ به قولُه تعالى: {أية : وَلَوْ رُدُّواْ لَعَـٰدُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ} تفسير : [سورة الأنعام: الآية 28] وإنَّما يُؤمن بها {ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكّرُواْ بِهَا} أي وُعِظوا {خَرُّواْ سُجَّداً} آثر ذي أثيرٍ من غيرِ تردُّدٍ ولا تلعثمٍ فضلاً عن التَّسويفِ إلى معاينةِ ما نطقتْ به من الوعدِ والوعيدِ أي سقطُوا على وجوهِهم {وَسَبَّحُواْ بِحَمْدِ رَبّهِمْ} أي ونزَّهُوه عند ذلك عن كلِّ ما لا يليقُ به من الأمورِ التي من جُملتها العجزُ عن البعثِ ملتبسين بحمدِه تعالى على نعمائِه التي أجلُّها الهدايةُ بإيتاءِ الآياتِ والتَّوفيقِ للاهتداءِ بها، والتعرُّضُ لعُنوانِ الرُّبوبـيةِ بطريقِ الالتفاتِ مع الإضافةِ إلى ضميرِهم للإشعارِ بعلَّةِ التَّسبـيحِ والتَّحميدِ وبأنَّهم يفعلونهما بملاحظةِ ربوبـيتِه تعالى لهم {وَهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ} أي والحالُ أنَّهم خاضعون له تعالى لا يستكبرون عمَّا فعلُوا من الخُرور والتَّسبـيحِ والتَّحميدِ {تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمْ} أي تنبُو وتنْحَى {عَنِ ٱلْمَضَاجِعِ} أي الفُرشِ ومواضعِ المنامِ. والجملةُ مستأنفةٌ لبـيانِ بقيةِ محاسنِهم وهم المُتهجِّدونَ بالليلِ. قال أنسٌ رضي الله عنه: نزلتْ فينا معاشرَ الأنصارِ كنَّا نصلِّي المغربَ فلا نرجعُ إلى رحالِنا حتى نصلِّي العشاءَ مع النبـيِّ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ. وعن أنسٍ أيضاً رضي الله عنه أنَّه قال: نزلتْ في أناسٍ من أصحابِ النبـيِّ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ كانوا يصلُّون من صلاةِ المغربِ إلى صلاةِ العشاءِ وهي صلاةُ الأوَّابـينَ وهو قولُ أبـي حازمٍ ومحمَّدِ بنِ المُنْكَدِرِ، وهو مرويٌّ عن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما. وقال عطاءٌ: هم الذين لا ينامُون حتَّى يصلُّوا العشاءَ الآخرةَ والفجرَ في جماعةٍ. والمشهورُ أنَّ المرادَ منه صلاةُ اللَّيلِ وهو قولُ الحسنِ ومجاهدٍ ومالكٍ والأوزاعيِّ وجماعةٍ، لقولِه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ: « حديث : أفضلُ الصِّيامِ بعد شهرِ رمضانَ شهرُ الله المحرَّمُ وأفضلُ الصَّلاةِ بعد الفريضةِ صلاةُ اللَّيلِ » تفسير : وعن النبـيِّ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ في تفسيرِها: « حديث : قيامُ العبدِ من الليلِ » تفسير : وعنه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ: « حديث : إذا جمعَ الله الأوَّلينَ والآخرينَ جاء منادٍ ينادي بصوتٍ يُسمع الخلائقَ كلَّهم سيعلم أهلُ الجمعِ اليَّومَ من أولى بالكرمِ ثم يرجعُ فيُنادي ليقُم الذين كانتْ تتجَافى جنوبُهم عن المضاجعِ فيقومونَ وهُم قليلٌ ثم يرجعُ فيُنادي ليقُم الذين كانُوا يحمدون الله في السرَّاءِ والضَّراءِ فيقومون وهُم قليلٌ فيسرَّحُون جميعاً إلى الجنَّةِ، ثم يُحاسَب سائرُ النَّاسِ ». تفسير : وقولُه تعالى: {يَدْعُونَ رَبَّهُمْ} حالٌ من ضميرِ جنوبُهم أي داعينَ له تعالى على الاستمرارِ {خَوْفًا} من سخطِه وعذابِه وعدمِ قبولِ عبادتِه {وَطَمَعًا} في رحمتِه {وَمِمَّا رَزَقْنَـٰهُمْ} من المالِ {يُنفِقُونَ} في وجوهِ البرِّ والحسناتِ.
القشيري
تفسير : قاسِ من الهوانِ ما استوجبتَه بعصيانك، واخْلُدْ في دار الخِزْي لما أسلفتَه من كفرانك.
اسماعيل حقي
تفسير : {فذوقوا} الفاء لترتيب الامر بالذوق على ما يعرب عنه ما قبله من نفى الرجع الى الدنيا {بما نسيتم لقاء يومكم هذا} النسيان ترك الانسان ضبط ما استودع اما لضعف قلب واما عن غفلة او قصد حتى ينحذف عن القلب ذكره وكل نسيان من الانسان ذمه الله به فهو ما كان اصله من تعمد كما فى هذه الآية واشار بالباء الى انه وان سبق القول فى حق التعذيب لكنه كان بسبب موجب من جانبهم ايضا فان الله قد علم منهم سوء الاختيار وذلك السبب هو نسيانهم لقاء هذا اليوم الهائل وتركهم التفكر فيه والاستعداد له بالكلية بالاشتغال باللذات الدنيوية وشهواتها فان التوغل فيها يذهل الجن والانس عن تذكر الآخرة وما فيها من لقاء الله ولقاء جزائه ويسلط عليهم نسيانها واضافة اللقاء الى اليوم كاضافة المكر فى قوله {أية : بل مكر الليل والنهار} تفسير : اى لقاء الله فى يومكم هذا. وفى التأويلات النجمية يشير الى انكم كنتم فى الغفلة والنائم لا يذوق الم ما عليه من العذاب ما دام نائما ولكنه اذا انتبه من نومه يذوق الم ما به من العذاب فالناس نيام ليس لهم ذوق ما عليهم من العذاب فاذا ماتوا انتبهوا فقيل لهم ذوقوا بما نسيتم لقاء يومكم هذا {انا نسيناكم} تركناكم فى العذاب ترك المنسى بالكلية استهانة بكم ومجازاة لما تركتم. وفى التأويلات {انا نسيناكم} من الرحمة كما نسيتمونا من الخدمة {وذوقوا عذاب الخلد} اى العذاب المخلد فى جهنم فهو من اضافة الموصوف الى صفته مثل عذاب الحريق {بما كنتم تعملون} اى بالذى كنتم تعملونه من الكفر والمعاصى وهو تكرير للامر للتأكيد واظهار الغضب عليهم وتعيين المفعول المطوى للذوق والاشعار بان سببه ليس مجرد ما ذكر من النسيان بل له اسباب اخر من فنون الكفر والمعاصى التى كانوا مستمرين عليها فى الدنيا. وعن كعب الاحبار قال اذا كان يوم القيامة تقوم الملائكة فيشفعون ثم تقوم الشهداء فيشفعون ثم تقوم المؤمنون فيشفعون حتى اذا انصرمت الشفاعة كلها خرجت الرحمة فتشفع حتى لا يبقى فى النار احد يعبأ الله به ثم يعظم بكاء اهلها فيها ويؤمر بالباب فيقبض عليهم فلا يدخل فيها روح ولا يخرج منها غم ابدا شعر : الهى زدوزخ دوجشمم بدوز بنورت فردا بنارت مسوز
صدر المتألهين الشيرازي
تفسير : فجعل ذوق العذاب نتيجة فعلهم من نسيان أمر المعاد، وقلة التأمل فيه، وترك الاستعداد له. "والنسيان" خلاف "التذكر"، ونسبته إليه تعالى إمّا من باب صنعة المشاكلة، كما في قوله سبحانه {أية : وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا}تفسير : [الشورى:40]. والمعنى: أن انهماككم في الشهوات، أغفلكم وأنساكم عن معرفة الله وعلم المعاد، فنسيناكم، أي جازيناكم جزاء نسيانكم. وإما لأن علمه تعالى بالممكنات، لما كان ناشياً عن علمه تعالى بذاته التي هي عين إيجاده لها، ويكون علمه بها تذكراً لها، لأنه علمها أولاً في مرتبة ذاتها علماً كمالياً إجماليا. ثم علمها في مرتبة متأخرة، هي عين وجوداتها علما ثانياً، وعدم هذا العلم بشيء الذي هو النسيان، عبارة عن عدم إيجاده إياها عدماً ناشياً عن عدم الاستعدادات، وفقدان الأسباب الموجبة إلى نحو كمالي من الوجود، فإن للوجود والحياة والنورية مراتب متفاوتة، ومقابل كل مرتبة منها مرتبة من العدم والموت والظلمة. فحياة أهل الإيمان مطلقاً مرتبة لا تكون لغيرهم، لاختصاصهم بقوله (صلّى الله عليه وآله سلم): "حديث : المؤمن حي في الدارين ". تفسير : وحياة الشهداء مرتبة أخرى فوقها لقوله تعالى: {أية : وَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَآ آتَاهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ} تفسير : [آل عمران:169 - 170]. وحياة الأولياء مرتبة فوق الجميع، لقوله (صلّى الله عليه وآله وسلم): "حديث : أبِيتُ عند ربي يطعمني ويسقيني"تفسير : ، وهم الذين قال تعالى فيهم: "حديث : من قتلته فأنا دِيَتُهُ"تفسير : أي حياته. وفرق بين من يكون مرزوقاً عند الرب تعالى، ومن يكون يطعمه ويسقيه ربه، وكذا فرق بين من يكون حياً عند الرب، ومن تكون حياته بالحق تعالى. وبإزاء كل من هذه الأقسام للحياة، قسم من الموت، كما قال الله تعالى للكفار {أية : لاَّ تَدْعُواْ ٱلْيَوْمَ ثُبُوراً وَاحِداً وَٱدْعُواْ ثُبُوراً كَثِيراً} تفسير : [الفرقان:14]. فالمراد بنسيان المجرمين إيّاه تعالى ها هنا موت الجهل، لأن معرفته ومعرفة اليوم الآخر يؤديان إلى حياة الآخرة بلقاء الله، لأن ذات الله تعالى مبدأ الأشياء وغايتها، والمعرفة هنا بذر المشاهدة هناك، لأن الدنيا مزرعة الآخرة، ونسيانه تعالى إياهم لازم، لأنه عبارة عن عدم إفاضة نور الحق عليهم، لعدم خروجهم عن غلاف البشرية، وحجب الشهوات والتعلقات بالأجرام الكثيفة الدنيوية، حتى صاروا عين هذه الحجب. وقيل: النسيان هنا بمعنى الترك، أي تركتم ذكر العاقبة، فتركناكم من الرحمة. واعلم أن السعادة الإنسانية منوطة بشيئين: بالعلم الذي هو عبارة عن الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر. وبالعمل: الذي حاصله تصفية مرآة القلب عن شواغل الدنيا ومستلذاتها. وترك الأول يوجب السقوط عن درجة أهل القرب والسعادة، وانتكاس الرأس. وترك الثاني يوجب العذاب الأليم. فالله سبحانه قد راعى هذه الدقيقة، فجعل كلاً من الشقاوتين منوطة بما يوجبه. والمعنى: فذوقوا ما أنتم فيه من نكس الرؤوس إلى عالم الجحيم والخزي والحجاب الذائم، بسبب نسيان اللقاء، وذوقوا عذاب الخلد الأليم في دار جهنم، بسبب ما عملتم من ترك النظر في أمر العاقبة، وفعل المعاصي الموبقة، والكبائر المهلكة، والإخلاد إلى أرض الطبيعة السفلية، فالموت العقلي والهلاك الأخروي من لوازم الكفر والجهل المركب، والخلود في عذاب الجحيم ونار الحميم، من لوازم الإخلاد إلى شهوات الدنيا وحلاواتها التي هي بعينها آلام مؤذية وسموم مهلكة.
الجنابذي
تفسير : {فَذُوقُواْ بِمَا نَسِيتُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَـٰذَآ إِنَّا نَسِينَاكُمْ} اى تركناكم {وَذُوقُـواْ عَذَابَ ٱلْخُلْدِ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا} مستأنف جوابٌ لسؤالٍ مقدّرٍ كأنّه قال: اليس هؤلاء مؤمنين بالآيات مع وضوحها وظهورها حتّى يكونوا منسيّين؟- فقال: ليس هؤلاء مؤمنين بآياتنا انّما يؤمن بآياتنا {ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُواْ بِهَا خَرُّواْ سُجَّداً}. سجدةٌ واجبةٌ اعلم، انّ المذعن بالآيات من حيث انّها آيات عظمة الله وقدرته وسعته اذا ذكّر بها لم ينظر منها الى حدودها وتعيّناتها بل ينظر اليها من حيث انّها آيات عظمة الله فيتذكّر بها عظمة الله فلا يتمالك من تذكّر عظمة الله ووجدانها فيخرّ ساجداً لعظمة الله، كما عن مولانا جعفر الصّادق (ع) انّه صاح فى الصّلٰوة وخرّ مغيشيّاً عليه فسئل عن ذلك فقال: كرّرت الآية حتّى سمعتها من قائلها فلم يثبت جسمى لمعاينة قدرته {وَسَبَّحُواْ} اى نزّهوا لطيفتهم الانسانيّة الّتى هى وجه الرّبّ واسمه ومظهره ونفسه بوجهٍ {بِحَمْدِ رَبِّهِمْ} اى بسبب حمد ربّهم يعنى بسبب سعة وجوده بحيث لا يشذّ عنه وجود وتعيّن وجود فانّ التّسبيح ليس الاّ تنزيه الرّبّ من النّقائص والحدود، وتنزيهه من النّقائص والحدود ليس الاّ بسعة وجوده بحيث لا يخرج منه وجود وليس ذلك الاّ حمده وسعة كمالاته {وَهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ} عن الله او عن تسبيحه، او عن الخرور والسّجود، او عن الايمان والطّاعة، او لا يستكبرون فى انفسهم.
اطفيش
تفسير : {فَذُوقُوا} بقاء السبب لانا نقول ليست فاء السبب بل لمجرد الاستئناف سلمنا انها السببية لكن لم نسلم الدفع فانه ولو جعلنا الذوق ونسيان يوم القيامة وعدم تفكرهم فيه لكان النسيان من الاسباب والوسائط المقتضية له فان الانهماك في الشهوات ألهاهم عن تذكر العاقبة ومفعول الذوق محذوف اي النار والعذاب وهو المذكور بعد لو ما انتم فيه من النكس والغم ويقدر القول اي فتقول لهم الخزنة فذوقوا. {بِمَا} ما مصدرية. {نَسِيتُمْ} تركتم تركا مثل ترك الناسي قاله ابن عباس وغيره والباء سببية. {لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا} لم تؤمنوا به ولم تستعدوا له. {إِنَّا نَسِينَاكُمْ} تركناكم من الرحمة او تركناكم في العذاب فلا تطمعوا او جازيناكم على نسيانكم لقاء اليوم فسمي الجزاء باسم سببه وهو النسيان مع ما في ذلك من المقابلة قابل النسيان بالنسيان وهذه الجملة مستأنفة للتأكيد بان والاسمية تشديدا في الانتقام منهم. {وَذُوقُوا عَذَابَ الخُلْدِ} عذاب الدوام. {بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} كرر الأمر بالذوق للتأكيد وليصرح بالمذوق وهو العذاب الدائم وليشعر ان موجبه هو اعمالهم من تكذيب ومعاض كما اشعر اولا ان موجبه نسيان اليوم وليدل أنه يوجبه الاعمال الفاسدة كما يوجبه النسيان وما موصول حرفي او اسمي.
الالوسي
تفسير : والفاء في قوله تعالى: {فَذُوقُواْ } لترتيب الأمر بالذوق على ما يعرب عنه ما قبل من نفي الرجع إلى الدنيا أو على قوله تعالى: {أية : وَلَـٰكِنْ حَقَّ ٱلْقَوْلُ مِنْى} تفسير : [السجدة: 13] الخ، ولعل هذا أسرع تبادراً، وجعلها بعضهم واقعة في جواب شرط مقدر أي إذا يئستم من الرجوع أو إذا حق القول فذوقوا، وجوز كونها تفصيلية والأمر للتهديد والتوبيخ، والباء في قوله سبحانه: {بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاء يَوْمِكُمْ هَـٰذَا } للسببية و {مَا } مصدرية و {هَـٰذَا } صفة يوم جىء به للتهويل، وجوز كونه مفعول {ذُوقُواْ } وهو إشارة إلى ما هم فيه من نكس الرؤوس والخزي والغم، وعلى الأول يكون مفعول {ذُوقُواْ } محذوفاً والوصفية أظهر أي فذوقوا بسبب نسيانكم لقاء هذا اليوم الهائل / وترككم التفكر فيه والتزود له بالكلية، وهذا تصريح بسبب العذاب من قبلهم فلا ينافي أن يكون له سبب آخر حقيقياً كان أو غيره، والتوبيخ به من بين الأسباب لظهوره وكونه صادراً منهم لا يسعهم إنكاره، والمراد بنسيانهم ذلك تركهم التفكر فيه والتزود له كما أشرنا إليه وهو بهذا المعنى اختياري يوبخ عليه ولا يكاد يصح إرادة المعنى الحقيقي وإن صح التوبيخ عليه باعتبار تعمد سببه من الانهماك في اتباع الشهوات، ومثله في كونه مجازاً النسيان في قوله تعالى: {إِنَّا نَسِينَـٰكُمْ } أي تركناكم في العذاب ترك المنسي بالمرة وجعل بعضهم هذا من باب المشاكلة ولم يعتبر كون الأول مجازاً مانعاً منها قيل: والقرينة على قصد المشاكلة فيه أنه قصد جزاؤهم من جنس العمل فهو على حد {أية : وَجَزَاء سَيّئَةٍ سَيّئَةٌ مّثْلُهَا }تفسير : [الشورى: 40]. وقوله تعالى: {وَذُوقُـواْ عَذَابَ ٱلْخُلْدِ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } تكرير للتأكيد والتشديد وتعيين المفعول المبهم للذوق والإشعار بأن سببه ليس مجرد ما ذكر من النسيان بل له أسباب أخر من فنون الكفر والمعاصي التي كانوا مستمرين عليها في الدنيا، ولما كان فيه زيادة على الأول حصلت به مغايرته له استحق العطف عليه ولم ينظم الكل في سلك واحد للتنبيه على استقلال كل من النسيان وما ذكر في استيجاب العذاب، وفي إبهام المذوق أولاً وبيانه ثانياً بتكرير الأمر وتوسيط الاستئناف المنبـىء عن كمال السخط بينهما من الدلالة على غاية التشديد في الانتقام منهم ما لا يخفى.
ابن عاشور
تفسير : هذا جواب عن قولهم {أية : ربنا أبصرْنَا وسمِعنا}تفسير : [السجدة: 12] الذي هو إقرار بصدق ما كانوا يكذّبون به، المؤذِن به قولهم {ربّنا أبصَرْنا وسمعنا}. فالفاء لتفريع جواب عن إقرارهم إلزاماً لهم بموجب إقرارهم، أي فيتفرع على اعترافكم بحقية ما كان الرسول يدعوكم إليه أن يلحقكم عذاب النار. ومجيء التفريع من المتكلم على ما هو من كلام المخاطب فيه إلزام بالحجة كالفاءات في قوله تعالى: {أية : قال فاخرج منها فإنك رجيم}تفسير : [الحجر: 34] وقوله {أية : قال رب فأنظرني إلى يوم يبعثون قال فإنك من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم قال فبعزتك لأغْوِينَّهم أجمعين}تفسير : [ص: 79 ــــ 82]، وقوله: {أية : فالحقَّ والحقَّ أقول لأملأنّ جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين} تفسير : [ص: 84 ــــ 85]؛ فهذه خمس فاءات كل فاء منها هي تفريع من المتكلم بها على كلام غيره. وقد تقدم ذلك في العطف بالواو عند قوله تعالى: {أية : قال ومن ذريتي} تفسير : في سورة (البقرة 124) واستعمال الذوق بمعنى مطلق الإحساس مجاز مرسل تقدم عند قوله تعالى: {أية : ليَذوق وبالَ أمرِه} تفسير : في سورة العقود (95). ومفعول (ذوقوا)}محذوف دل عليه السياق، أي فذوقوا ما أنتم فيه مما دعاكم إلى أن تسألوا الرجوع إلى الدنيا. والنسيان الأول: الإهمال والإضاعة، وتقدم في قوله تعالى {أية : فنسي} تفسير : في سورة طه (88). والباء للسببية، أي: بسبب إهمالكم الاستعداد لهذا اليوم. والنسيان في قوله {نسِيناكم} مستعمل في الحرمان من الكرامة مع المشاكلة. واللقاء: حقيقته العثور على ذات، فمنه لقاء الرجل غيره وتجيء منه الملاقاة، ومنه: لقاء المرء ضالة أو نحوها. وقد جاء منه: شيء لَقىً، أي مطروح. ولقاء اليوم في هذه الآية مجاز في حلول اليوم ووجوده على غير ترقب كأنه عُثِر عليه. وإضافة (يوم) إلى ضمير المخاطبين تهكم بهم لأنهم كانوا ينكرونه فلما تحققوه جُعل كأنه أشد اختصاصاً بهم على طريقة الاستعارة التهكمية لأن اليوم إذا أضيف إلى القوم أو الجماعة إذا كان يوم انتصار لهم على عدوهم قال السموأل:شعر : وأيامنا مشهورة في عدوِّنا لها غررٌ معلومة وحجول تفسير : ويقولون: أيامُ بني فلان على بني فلان، أي أيام انتصارهم. وسبب ذلك أن تقدير الإضافة على معنى اللام وهي تفيد الاختصاص المنتزع من المِلك، قال عمرو بن كلثوم:شعر : وأيَّامٍ لنا غُرٍّ طوالٍ تفسير : وقال تعالى: {أية : ذلك اليوم الحق}تفسير : [النبأ: 39]، أي: يوم نصر المؤمنين على المشركين في الآخرة نصراً مؤبَّداً، أي ليس كأيامكم في الدنيا التي هي أيام نصر زائل. والإشارة بــــ {هذا} إلى اليوم تهويلاً له. وجملة {إنَّا نسِيناكم} مستأنفة استئنافاً بيانياً لأن المجرمين إذا سمعوا ما علموا منه أنهم ملاقو العذاب من قوله {فذوقوا بما نسِيتم لقاء يومكم هذا} تطلعوا إلى معرفة مدى هذا العذاب المَذوق وهل لهم منه مخلص وهل يُجابون إلى ما سألوا من الرجعة إلى الدنيا ليتداركوا ما فاتهم من التصديق، فأعلموا بأن الله مُهمل شأنهم، أي لا يستجيب لهم وهو كناية عن تركهم فيما أُذيقوه. وقد تقدم في سورة طه (126) قوله: {أية : قال كذلك أتتك آياتنا فَنسِيتَها وكذلك اليوم تُنْسَى}تفسير : فشبه بالنسيان إظهاراً للعدل في الجزاء وأنه من جنس العمل المُجازَى عنه. وقد حُقّق هذا الخبر بمؤكدات وهي حرف التوكيد. وإخراج الكلام في صيغة الماضي على خلاف مقتضى الظاهر من زمن الحال لإفادة تحقق الفعل حتى كأنه مضى ووقع. وقوله {وذوقوا عذاب الخلد بما كنتم تعملون} عطف على {فذوقوا بما نَسِيتُم}، وهو وإن أفاد تأكيد تسليط العذاب عليهم فإن عطفه مراعى فيه ما بين الجملتين من المغايرة بالمتعلِّقات والقيود مغايرة اقتضت أن تعتبر الجملة الثانية مفيدة فائدة أخرى؛ فالجملة الأولى تضمنت أن من سبب استحقاقهم تلك الإذاقة إهمالَهم التدبر في حلول هذا اليوم، والجملة الثانية تضمنت أن ذلك العذاب مستمر وأن سبب استمرار العذاب وعدم تخفيفه أعمالهم الخاطئة وهي أعم من نسيانهم لقاء يومهم ذلك.
د. أسعد حومد
تفسير : {نَسِينَاكُمْ} (14) - وَيُقَالُ لأَِهْلِ النَّارِ، عَلَى سَبيلِ التَّقْرِيعِ، وَالتَّوبِيخِ: ذُوقُوا هذا العَذابَ بِسَبَبِ كُفْرِكُمْ وَتَكْذِيبِكُمْ بِهذا اليَومِ، واسْتِبْعَادِكُمْ وُقُوعَهُ. وَسَيُعَامِلُكُمْ رَبُّكُمْ مُعَامَلَةَ مَنْ نَسِيَكُمْ لأَِنَّكُمْ نَسِيتُمْ رَبَّكُمْ، وَنَسِتُمْ لِقَاءَهُ فَذُوقُوا عَذاباً تَخْلُدُونَ فِيهِ أبداً، وَذلِكَ جَزَاءٌ لَكُمْ عَلى كُفرِكُمْ وَمَعَاصِيكُمْ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : والتقدير: ذوقوا العذاب، كما جاء في آية أخرى {أية : ذُوقُواْ مَسَّ سَقَرَ} تفسير : [القمر: 48] ويُقال هذا لزعماء ورءوس الكفر {أية : ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْكَرِيمُ} تفسير : [الدخان: 49]. واختار حاسة التذوق؛ لأن كل وسيلة إدراك قد تتصل بلون من ألوان الترف في الحياة، أمَّا الذوق فيتصل بإمداد الحياة، وهو الأكل والشرب، وبهما قوام حياة الإنسان، فهما ضرورتان للحياة لا مجردَ ترف فيها. وفي موضع آخر، يُبيِّن لنا الحق سبحانه أثر الإذاقة، فيقول عن القرية التي كفرت بربها: {أية : فَأَذَاقَهَا ٱللَّهُ لِبَاسَ ٱلْجُوعِ وَٱلْخَوْفِ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ} تفسير : [النحل: 112] وتصور أن يكون الجوع لباساً يستولي على الجسم كله، وكأن الله تعالى يريد أنْ يُبين لنا عضة الجوع، التي لا تقتصر على البطن فحسب، إنما على كل الأعضاء، فقال {أية : لِبَاسَ ٱلْجُوعِ ..} تفسير : [النحل: 112] لشمول الإذاقة، فكأن كل عضو في الجسم سيذوق ألم الجوع، وهذا المعنى لا يؤديه إلا اللفظ الذي اختاره القرآن. وقد فطن الشاعر إلى هذه الشمولية التي تستولي على الجسم كله، فقال عن الحب الإلهي حين يستشرف في القلب ويفيض منه ليشمل كلَّ الجوارح، فقال: شعر : خَطَراتُ ذِكْرِكَ تَسْتثيرُ مودَّتي فأُحِسُّ منها في الفُؤادِ دَبيبَا لا عُضْوَ لي إلاَّ وَفِيه صَبَابةٌ فَكأنَّ أَعْضَائي خُلِقْنَ قُلُوبَا تفسير : وعِلَّة هذه الإذاقة {بِمَا نَسِيتُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَـٰذَآ ..} [السجدة: 14] أي: يوم القيامة الذي حدَّثناكم عنه، وحذَّرناكم من أهواله، فلم نأخذكم على غِرَّة، لكن نبهناكم إلى سوء العاقبة، فلا عذرَ لكم الآن، وقد ضخَّمنا لكم هذه الأهوال، فكان من الواجب ان تلتفتوا إليها، وأنْ تعتبروا بها، وتتأكدوا من صِدْقها. أما المؤمنون فحين يروْنَ هذا الهول وهذا العذاب ينزل بالكفرة والمكذِّبين يفرحون؛ لأن الله نجاهم بإيمانهم من هذا العذاب. وتكون عاقبة نسيان لقاء الله {إِنَّا نَسِينَاكُمْ ..} [السجدة: 14] فأنتم نسيتم لقاء الله، ونسيتم توجيهاته، وأغفلتم إنذاره وتحذيره لكم، ونحن تركناكم ليس هملاً، إنما تركناكم من امتداد الرحمة بكم، فقد كانت رحمتي تشملكم في الدنيا، ولم أخصّ بها المؤمنين بي، بل جعلتُها للمؤمن وللكافر. فكل شيء في الوجود يعطي الإنسان مطلق الإنسان طالما أخذ بالأسباب، لا فرق بين مؤمن وكافر، هذا في الدنيا، أما في الآخرة فننساكم من هذه الرحمة التي لا تستحقونها، بل: {وَذُوقُـواْ عَذَابَ ٱلْخُلْدِ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} [السجدة: 14]. فإنْ كنتم قد تمردتم على الله وكفرتم به في دنيا محدودة، وعمرك فيها محدود، فإن العذاب الواقع بكم اليوم خالد باقٍ دائم، فخسارتكم كبيرة، ومصيبتكم فادحة. وقلنا: إن العمل في الدنيا للآخرة يمثل معادلة ينبغي أنْ تُحلّ حلاً صحيحاً، فأنت في الدنيا عمرك لا يُحسب بعمرها، إنما بمدة بقائك فيها، فهو عمر محدود، أما الآخرة فخلود لا ينتهي، فلو أن النعيم فيهما سواء لكان امتداد الزمن مرجحاً للآخرة. ثم إن نعيمك في الدنيا على قدر إمكاناتك وحركتك فيها، أما نعيم الآخرة فعلى قدر إمكانات الله في الكون، نعيم الدنيا إما أنْ يفوتك أو تفوته أنت، ونعيم الآخرة باقٍ لا يفوتك أبداً لأنك مخلد فيه. إذن: هي صفقة ينبغي أنْ تُحْسبَ حساباً صحيحاً، وتستحق أن نبيع من أجلها الدنيا بكل ما فيها من غالٍ ونفيس؛ لذلك سماها رسول الله تجارة رابحة. وقال سبحانه وتعالى عن الكافرين {أية : أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرَوُاْ ٱلضَّلاَلَةَ بِٱلْهُدَىٰ فَمَا رَبِحَتْ تِّجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ} تفسير : [البقرة: 16]. ثم يقول الحق سبحانه: {إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا ...}.
الأندلسي
تفسير : {فَذُوقُواْ} مفعوله محذوف أي العذاب والكاف في كما للتعليل لا للتشبيه وما مصدرية أي لنسيانكم والمراد بنسيانهم إهمالهم وغفلتهم وعدم الفكر في لقاء جزاء ربهم وهذه صفة ليومكم ثم قال انا نسيانكم على المقابلة أي جازيناكم جزاء نسيانكم وذوقوا العذاب المخلد في جهنم. {تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمْ} أي ترتفع وتتنحى يقال: جفا الرجل الموضع تركه وتجافى الجنب عن الموضع تركه والمضاجع تقدم الكلام عليه * ويدعون حال * وخوفاً وطمعاً مفعول من أجله أو مصدران في موضع الحال وما مفعولة بتعلم موصولة وقرىء: أخفي فعلاً ماضياً مبنياً للمفعول ومفعوله ضمير يعود على ما قرىء وأخفي مضارع أخفى ومن قرة تبيين لما انبهم في ما وجزاء مفعول من أجله. {أَفَمَن كَانَ مُؤْمِناً} قال ابن عباس: نزلت في علي والوليد بن عقبة تلاحياً فقال له الوليد: انا أذلق منك لساناً وأحد سناناً وأرد للكتيبة فقال له علي أسكت فإِنك فاسق فنزلت وأريد هنا بالمؤمن والفاسق الجنس ولذلك جاء جمعاً في قوله: لا يستوون والفاسق هنا هو الكافر ويبينه أنه فسق الكفر التقسيم بعد ذلك ثم بين عدم الاستواء بمقر كل واحد منهما وهو أن المؤمن له الجنة والفاسق له النار قال الزمخشري: ويجوز أن يراد فجنة مأواهم النار أي النار لهم مكان فجنة المأوى للمؤمنين كقوله: {أية : فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} تفسير : [آل عمران: 21] "انتهى" هذا فيه بعد وإنما يذهب إليه في مثل فبشرهم بعذاب أليم إذ كان مصرحاً به فنقول قام مقام التبشير العذاب وكذلك قام مقام التحية ضرب وجيع إما أن تضمر شيئاً الكلام مستغن عنه جار على أحسن وجوه الفصاحة حتى يحمل الكلام على إضمار فليس بجيد والعذاب الأدنى هو الأقرب إليهم في الدنيا من القتل والنهب والأسر والعذاب الأكبر عذاب يوم القيامة في النار قال ابن عطية: ولا خلاف إن العذاب عذاب الآخرة "انتهى" وفي كتاب التحرير وأكثرهم على أن العذاب الأكبر عذاب يوم القيامة في النار وقيل هو القتل والسبي والأسر والعذاب وعن جعفر بن محمد أنه خروج المهدي بالسيف. {وَمَنْ أَظْلَمُ} تقدم. و{مِنَ ٱلْمُجْرِمِينَ} عام في كل مجرم ومن متعلقة بمنتقمون. {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَابَ} لما قدم الأصول الثلاثة الرسالة وبدأ الخلق والمعاد عاد إلى الأصل الذي بدأ به وهو الرسالة أي لست بدعاً في الرسالة بل سبقك رسل وذكر موسى لقرب زمانه والظاهر أن الضمير في لقائه عائد على موسى مضافاً إليه على طريق المفعول والفاعل محذوف ضمير الرسول أي من لقائك موسى أي في ليلة الإِسراء أي شاهدته حقيقة وهو النبي الذي أوتي التوراة وقرىء: لما حرف وجوب لوجوب وجوابه متقدم عليه وهو جعلناه وقرىء: لما بكسر اللام وتخفيف الميم وهي لام العلة وما مصدرية تقديره بصبرهم. {أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ} تقدم الكلام عليه في طه إلا أن هنا من قبلهم ولقوم يسمعون وهناك قبلهم ولأولي النهي ويسمعون. النهي من الفواصل جاء كل منهما مطابقاً لما قبله وما بعده من الفواصل. {أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا نَسُوقُ ٱلْمَآءَ} لما أقام تعالى الحجة على الكفرة بالأمم السالفة الذين كفروا فأهلكوا ثم أقامها عليهم بإِظهار قدرته وتنبيههم على البعث وتقدّم الكلام على الجرز في الكهف وكل أرض جرز داخلة في هذا فلا تخصيص لها بمكان معين قال ابن عباس: هي أرض أبين من اليمن. {فَنُخْرِجُ بِهِ} أي بالماء وحض الزرع بالذكر وان كان يخرج الله به أنواعاً كثيرة من الفواكه والبقول والعشب المنتفع به في الطب وغيره تشريفاً للزرع ولأنه أعظم ما يقصد من النبات أو أوقع الزرع موقع النبات وقدّمت الأنعام لأن ما ينبت تأكله الأنعام أولاً فأولاً من قبل أن يأكل بنو آدم الحب ألا ترى أن العقيل وهو شعير يزرع تأكله الأنعام أولاً قبل أن يسبل تأكله الأنعام قبل بني آدم أو لأنه غذاء الدواب والإِنسان قد يتغذى بغيره من حيوان وغيره أو بدأ بالأدنى ثم ترقى إلى الأشرف وهم بنو آدم والفتح الحكم وهو الذي يترتب عليه قوله: قال يوم الفتح إلخ وقيل فتح مكة وهو غير سديد لعدم مطابقته ما بعده لأن من آمن يوم فتح مكة ينفعه إيمانه. {وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ} أي لا يؤخرون عن العذاب ولما علم غرضهم في سؤالهم على سبيل الهزؤ قيل لهم لا تستعجلوا ولا تستهزؤا ويوم منصوب بلا ينفع وقيل انهم منتظرون العذاب وهذا حكمهم وإن كانوا لا يشعرون.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):