Verse. 3516 (AR)

٣٢ - ٱلسَّجْدَة

32 - As-Sajda (AR)

وَ لَوْ شِئْنَا لَاٰتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ ہُدٰىہَا وَلٰكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّيْ لَاَمْلَــَٔــنَّ جَہَنَّمَ مِنَ الْجِنَّۃِ وَالنَّاسِ اَجْمَعِيْنَ۝۱۳
Walaw shina laatayna kulla nafsin hudaha walakin haqqa alqawlu minnee laamlaanna jahannama mina aljinnati waalnnasi ajmaAAeena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ولو شئنا لآتينا كل نفسٍ هداها» فتهتدي بالإيمان والطاعة باختيار منها «ولكن حق القول مني» وهو «لأملأنَّ جهنم من الجِنة» الجن «والناس أجمعين» وتقول لهم الخزنة إذا دخلوها:

13

Tafseer

الرازي

تفسير : جواباً عن قولهم: { أية : رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَٱرْجِعْنَا } تفسير : [السجدة:12] وبيانه هو أنه تعالى قال: إني لو أرجعتكم إلى الإيمان لهديتكم في الدنيا ولما لم أهدكم تبين أني ما أردت وما شئت إيمانكم فلا أردكم، وقوله: {وَلَوْ شِئْنَا لأَتَيْنَا } صريح في أن مذهبنا صحيح حيث نقول إن الله ما أراد الإيمان من الكافر وما شاء منه إلا الكفر، ثم قال تعالى: {وَلَـٰكِنْ حَقَّ ٱلْقَوْلُ مِنْى لأَمْلانَّ جَهَنَّمَ } أي وقع القول وهو قوله تعالى لإبليس: { أية : لأَمْلاَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ } تفسير : [صۤ: 85] هذا من حيث النقل وله وجه في العقل وهو أن الله تعالى لم يفعل فعلاً خالياً عن حكمة وهذا متفق عليه والخلاف في أنه هل قصد الفعل للحكمة أو فعل الفعل ولزمته الحكمة لا بحيث تحمله تلك الحكمة على الفعل؟ وإذا علم أن فعله لا يخلو عن الحكمة فقال الحكماء حكمة أفعاله بأمرها لا تدرك على سبيل التفصيل لكن تدرك على سبيل الإجمال، فكل ضرب يكون في العالم وفساد فحكمته تخرج من تقسيم عقلي وهو أن الفعل إما أن يكون خيراً محضاً أو شراً محضاً أو خيراً مشوباً بشر وهذا القسم على ثلاثة أقسام قسم خيره غالب وقسم شره غالب وقسم خيره وشره مثلان، إذا علم هذا فخلق الله عالماً فيه الخير المحض وهو عالم الملائكة وهو العالم العلوي وخلق عالماً فيه خير وشر وهو عالمنا وهو العالم السفلي ولم يخلق عالماً فيه شر محض، ثم إن العالم السفلي الذي هو عالمنا، وإن كان الخير والشر موجودين فيه لكنه من القسم الأول الذي خيره غالب، فإنك إذا قابلت المنافع بالمضار والنافع بالضار، تجد المنافع أكثر، وإذا قابلت الشرير بالخير تجد الخير أكثر، وكيف لا والمؤمن يقابله الكافر، ولكن المؤمن قد يمكن وجوده بحيث لا يكون فيه شر أصلاً من أول عمره إلى آخره كالأنبياء عليهم السلام والأولياء، والكافر لا يمكن وجوده بحيث لا يكون فيه خير أصلاً غاية ما في الباب أن الكفر يحبط خيره ولا ينفعه، إنما يستحيل نظراً إلى العادة أن يوجد كافر لا يسقي العطشان شربة ماء ولا يطعم الجائع لقمة خبز ولا يذكر ربه في عمره، وكيف لا وهو في زمن صباه كان مخلوقاً على الفطرة المقتضية للخيرات، إذا ثبت هذا فنقول قالوا: لولا الشر في هذا العالم لكانت مخلوقات الله تعالى منحصرة في الخير المحض ولا يكون قد خلق القسم الذي فيه الخير الغالب والشر القليل ثم إن ترك خلق هذا القسم إن كان لما فيه من الشر فترك الخير الكثير لأجل الشر القليل لا يناسب الحكمة، ألا ترى أن التاجر إذا طلب منه درهم بدينار، فلو امتنع وقال في هذا شر وهو زوال الدرهم عن ملكي فيقال له لكن في مقابلته خير كثير وهو حصول الدينار في ملكك وكذلك الإنسان لو ترك الحركة اليسيرة لما فيها من المشقة مع علمه بأنه تحصل له راحة مستمرة ينسب إلى مخالفة الحكمة فإذا نظر إلى الحكمة كان وقوع الخير الكثير المشوب بالشر القليل من اللطف فخلق العالم الذي يقع فيه الشر وإلى هذا أشار بقوله: { أية : إِنّي جَاعِلٌ فِى ٱلأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ ٱلدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدّسُ لَكَ } تفسير : [البقرة: 30] فقال الله تعالى في جوابهم: { أية : إِنّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ } تفسير : [البقرة: 30] أي أعلم أن هذا القسم يناسب الحكمة لأن الخير فيه كثير، ثم بين لهم خيره بالتعليم، كما قال تعالى: { أية : وَعَلَّمَ ءادَمَ ٱلأَسْمَاء كُلَّهَا } تفسير : [البقرة: 31] يعني أيها الملائكة خلق الشر المحض والشر الغالب والشر المساوي لا يناسب الحكمة. وأما الخير الكثير المشوب بالشر القليل مناسب، فقوله تعالى: {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا } إشارة إلى الشر، وأجابهم الله بما فيه من الخير بقوله: {وَعَلَّمَ ءادَمَ ٱلأَسْمَاء } فإن قال قائل فالله تعالى قادر على تخليص هذا القسم من الشر بحيث لا يوجد فيه شر فيقال له ما قاله الله تعالى: {وَلَوْ شِئْنَا لأَتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا} يعني لو شئنا لخلصنا الخير من الشر، لكن حينئذٍ لا يكون الله تعالى خلق الخير الكثير المشوب بالشر القليل وهو قسم معقول، فما كان يجوز تركه للشر القليل وهو لا يناسب الحكمة، لأن ترك الخير الكثير للشر القليل غير مناسب للحكمة، وإن كان لا كذلك فلا مانع من خلقه فيخلقه لما فيه من الخير الكثير، وهذا الكلام يعبر عنه من يقول برعاية المصالح إن الخير في القضاء والشر في القدر، فالله قضى بالخير ووقع الشر في القدر بفعله المنزه عن القبح والجهل، وقوله: {مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ } لأنه تعالى قال لإبليس: { أية : لأَمْلاَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ } تفسير : [صۤ: 85] وهذا إشارة إلى أن النار لمن في العالم السفلي، والذين في العالم العلوي مبرءون عن دخول النار وهم الملائكة، وهذا يقتضي أن لا يكون إبليس من الملائكة وهو الصحيح. وقوله: {أَجْمَعِينَ } يحتمل وجهين أحدهما: أن يكون تأكيداً وهو الظاهر والثاني: أن يكون حالاً، أي مجموعين، فإن قيل كيف جعل جميع الإنس والجن مما يملأ بهم النار؟ نقول هذا لبيان الجنس، أي جهنم تملأ من الجن والإنس لا غير أمناً للملائكة، ولا يقتضي ذلك دخول الكل كما يقول القائل ملأت الكيس من الدراهم لا يلزم أن لا يبقى درهم خارج الكيس، فإن قيل فهذا يقتضي أن تكون جهنم ضيقة تمتلىء ببعض الخلق نقول هو كذلك وإنما الواسع الجنة التي هي من الرحمة الواسعة، والله أعلم. ولما بين الله تعالى بقوله: {وَلَوْ شِئْنَا لأَتَيْنَا } أنهم لا رجوع لهم قال لهم إذا علمتم أنكم لا رجوع لكم.

القرطبي

تفسير : قال محمد بن كعب القُرَظيّ: لما قالوا: «رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً إِنَّا مُوقِنُونَ» ردّ عليهم بقوله: {وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا} يقول: لو شئت لهديت الناس جميعاً فلم يختلف منهم أحد {وَلَـٰكِنْ حَقَّ ٱلْقَوْلُ مِنِّي} الآية؛ ذكره ابن المبارك في «رقائقه» في حديث طويل. وقد ذكرناه في «التذكرة». النحاس: «وَلَوْ شِئْنَا لأتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا» في معناه قولان: أحدهما: أنه في الدنيا. والآخر: أن سياق الكلام يدلّ على أنه في الآخرة؛ أي لو شئنا لرددناهم إلى الدنيا والمحنة كما سألوا: {وَلَـٰكِنْ حَقَّ ٱلْقَوْلُ مِنِّي لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ} أي حق القول مني لأعذّبن من عصاني بنار جهنم. وعلم الله تبارك وتعالى (أنه) لو ردهم لعادوا؛ كما قال تعالى: {وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ}. وهذه الهداية معناها خلق المعرفة في القلب. وتأويل المعتزلة: ولو شئنا لأكرهناهم على الهداية بإظهار الآيات الهائلة، لكن لا يحسن منه فعله؛ لأنه ينقض الغرض المُجْرَى بالتكليف إليه وهو الثواب الذي لا يُستحق إلا بما يفعله المكلف باختياره. وقالت الإمامية في تأويلها: إنه يجوز أن يريد هداها إلى طريق الجنة في الآخرة ولم يعاقب أحداً، لكن حق القول منه أنه يملأ جهنم، فلا يجب على الله تعالى عندنا هداية الكل إليها؛ قالوا: بل الواجب هداية المعصومين، فأما من له ذنب فجائز هدايته إلى النار جزاء على أفعاله. وفي جواز ذلك منع؛ لقطعهم على أن المراد هداها إلى الإيمان. وقد تكلم العلماء عليهم في هذين التأويلين بما فيه كفاية في أصول الدين. وأقرب مالهم في الجواب أن يقال: فقد بطل عندنا وعندكم أن يهديهم الله سبحانه على طريق الإلجاء والإجبار والإكراه، فصار يؤدّي ذلك إلى مذهب الجبرية، وهو مذهب رَذْل عندنا وعندكم؛ فلم يبق إلا أن المهتدين من المؤمنين إنما هداهم الله تعالى إلى الإيمان والطاعة على طريق الاختيار حتى يصح التكليف فمن شاء آمن وأطاع اختياراً لا جبراً؛ قال الله تعالى: {أية : لِمَن شَآءَ مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ }تفسير : [التكوير: 28]، وقال: {أية : فَمَن شَآءَ ٱتَّخَذَ إِلَىٰ رَبِّهِ سَبِيلاً}تفسير : [المزمل: 19]. ثم عقّب هاتين الآيتين بقوله تعالى: {وَمَا تَشَآءُونَ إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ}. فوقع إيمان المؤمنين بمشيئتهم، ونفى أن يشاؤوا إلا أن يشاء الله؛ ولهذا فرّطت المجبرة لما رأوا أن هدايتهم إلى الإيمان معذوق بمشيئة الله تعالى، فقالوا: الخلق مجبورون في طاعتهم كلها، التفاتاً إلى قوله: {وَمَا تَشَآءُونَ إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ}. وفرّطت القدرية لما رأوا أن هدايتهم إلى الإيمان معذوق بمشيئة العباد، فقالوا: الخلق خالقون لأفعالهم، التفاتاً منهم إلى قوله تعالى: {لِمَن شَآءَ مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ }. ومذهبنا هو الاقتصاد في الاعتقاد؛ وهو مذهب بين مذهبي المجبرة والقدرية؛ وخير الأمور أوساطها. وذلك أن أهل الحق قالوا: نحن نفرق بين ما اضطررنا إليه وبين ما اخترناه، وهو أنا ندرك تفرقة بين حركة الارتعاش الواقعة في يد الإنسان بغير محاولته وإرادته ولا مقرونة بقدرته، وبين حركة الاختيار إذا حرّك يده حركة مماثلة لحركة الارتعاش؛ ومن لا يفرق بين الحركتين: حركة الارتعاش وحركة الاختيار، وهما موجودتان في ذاته ومحسوستان في يده بمشاهدته وإدراك حاسته ـ فهو معتوه في عقله ومختلّ في حسه، وخارج من حزب العقلاء. وهذا هو الحق المبين، وهو طريق بين طريقي الإفراد والتفريط. و:شعر : كِـلا طَـرَفَـيْ قـصـد الأمـور ذَمِـيـمُ تفسير : وبهذا الاعتبار اختار أهل النظر من العلماء أن سَمَّوْا هذه المنزلة بين المنزلتين كَسْباً، وأخذوا هذه التسمية من كتاب الله العزيز، وهو قوله سبحانه: {أية : لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا ٱكْتَسَبَتْ}تفسير : [البقرة: 286].

المحلي و السيوطي

تفسير : قال تعالى: {وَلَوْ شِئْنَا لأَتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا } فتهتدي بالإِيمان والطاعة باختيار منها {وَلَٰكِنْ حَقَّ ٱلْقَوْلُ مِنِّى } وهو {لأَمْلاَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلْجِنَّةِ } الجنّ {وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ }

ابن عبد السلام

تفسير : {هُدَاهَا} إلى الإيمان، أو الجنة، أو هدايتها في الرجوع إلى الدنيا لأنهم سألوا الرجعة. {حَقَّ الْقَوْلُ} سبق، أو وجب {مِنَ الْجِنَّةِ} الملائكة قاله عكرمة. سموا جنة لاجتنانهم عن الأبصار، أو عصاة الجن.

ابن عادل

تفسير : قوله: {وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا} رشدها وتوفيقها للإيمان، وهذا جواب عن قولهم: ربنا أبَصْرنَا وَسَمِعْنَا وذلك أن الله تعالى قال: إني لو رجعتكم إلى الإيمان لهديتكم في الدنيا، ولما لم أهدكم في الدنيا تبين أني ما أردتُ وما شئت إيمانكم فلا أردكم، وهذا صريح في الدلالة على صحة مذهب أهل السنة حيث قالوا إن الله تعالى ما أراد الإيمان من الكافر، وما شاء منه إلا الكُفْرَ. قوله: {وَلَـٰكِنْ حَقَّ ٱلْقَوْلُ مِنِّي} وجب القول (مني) وهو قوله تعالى: {لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ}. {فَذُوقُواْ بِمَا نَسِيتُمْ} قال مقاتل: إذا دخلوا النار قال لهم الخزنة: {فَذُوقُواْ بِمَا نَسِيتُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَـٰذَآ} أي تركتم الإيمان به في الدنيا. "لِقَاءَ يَوْمِكُمْ" (يجوز فيه أوجه: أحدها: أنها من التنازع لأن "ذُوقُوا" يطلب "لِقَاء يَوْمِكُمْ" و "نَسِيتُمْ" يطلبه أيضاً أي ذُوقُوا عَذَابَ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ) هذا بما نَسِيتُمْ عذاب لقاء يومكم هذا ويكون من إعمال الثاني عند البصريين ومن إعمال الأول عند الكوفيين، والأول أصح لللحذف من الأول؛ إذ لو عمل الأول لأضمر في (الثاني). الثاني: أن مفعول "ذُوقُوا" محذوف أي ذُوقُوا العذاب بسبب نِسْيَانِكم لقاءَ يومكم، (و "هذا" على هذين الإعرابين صفة "ليَوْمِكُمْ". الثالث: أن يكون مفعول "ذُوقُوا" "هَذَا" والإشارة به إلى العذاب، والباء سببية أيضاً أي فذوقها هذا العذاب بسبب نِسْيَانكم لقاء يومكم)، وهذا ينبو عنه الظاهر، قال ابن الخطيب "هذا" يحتمل ثلاثة أوجه: أن يكون إشارة إلى اللقاء (وأن يكون إشارة إلى اليوم)، وأن يكون إشارة إلى العذاب، ثم قال: "إنَّا نَسِينَاكُمْ" تركناكم غيرَ ملتفت إليكم {وَذُوقُـواْ عَذَابَ ٱلْخُلْدِ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} من الكفر والتكذيب. قوله: {إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُواْ بِهَا خَرُّواْ سُجَّداً} سقطوا على وجوههم ساجدين {وَسَبَّحُواْ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ}، قيل: سلموا بأمر ربهم. وقيل: قالوا سُبْحَانَ الله وبحمده {وَهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ} عن الإيمان به والسجود له. قوله: {تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمْ عَنِ ٱلْمَضَاجِعِ} يجوز في "تَتَجَافَى" أنْ يكون مستأنفاً، وأن يكون حالاً وكذلك "يَدْعُونَ" إذا جعل "يَدْعُون" حالاً احتمل أن يكون حالاً ثانية، وأن يكون حالاً من الضمير في "جنوبهم"؛ لأن المضارع خبرٌ، والتجافي الارتفاع، وعبر به عن ترك النوم، قال ابن رواحة: شعر : 4066 - نَبِيٌّ تَجَافَى جَنْبُهُ عَنْ فِرَاشِهِ إذَا اسْتَثْقَلَتْ بِالْمُشْرِكِينَ المَضَاجِعُ تفسير : والمعنى يرتفع (وينبو) جنوبهم عن المضاجع جمع المضْجَع وهو المَوْضِع الذي يَضْطَجِعُ عليه يعني الفراش وهم المتهجدون بالليل الذين يقيمون الصلاة، قال أنس: نزلت فينا مَعْشَرَ الأنصار، كنا نصلي المغرب الصلاة فلا نرجع إلى رحالنا حتى نُصَلِّيَ العشاءَ مع - النبي صلى الله عليه وسلم -. (وعن أنس: أيضاً قال: نَزَلَتْ في أناسٍ من أصحابِ النّبي صلى الله عليه وسلم) كانوا يُصَلُّونَ من صلاة المغرب إلى صلاة العشاء وهو قول أبي حَازِمٍ، ومُحَمَّد بْنِ المُنْكَدِر، وقال في صلاة الأوابين وهو مروي عن ابن عباس. وقال عطاء: هم الذين لا ينامون حتى يصلوا العشاء الآخرة والفجر في جماعة، (وقال صلى الله عليه وسلم: حديث : مَنْ صَلَّى العِشَاء في جماعة) (كَانَ كَقِيَام نِصْفِ لَيْلَةٍ ومن صلى الفجر في جماعة) كان كقيام ليلةتفسير : والمشهور أن المراد منه صلاة الليل، وهو قول الحَسَنِ وجماعة ومجاهد، ومَالِك والأوْزَاعِي وجماعة لقوله عليه (الصلاة و) السلام: "حديث : أفْضَلُ الصِّيَامِ بَعْدَ شَهْرِ رَمضَانَ شِهْرُ اللَّهِ المُحَرَّمُ، وأفْضَلُ الصَّلاَةِ بَعْدَ الفَرِيضَةٍ صَلاَةُ اللَّيْلِ"تفسير : وقال عليه (الصلاة و) السلام -: "حديث : إن فِي الجَنَّةِ غُرَفاً يُرَى ظَاهِرُهَا مِنْ بَاطِنها وباطنُها من ظاهِرها أَعَدَّهَا اللَّهُ لِمَنْ أَلاَنَ الكَلاَمَ، وأَطْعَمَ الطَّعَامَ، وَتَابَعَ الصِّيَامَ، وَصَلَّى باللَّيْلِ والنَّاسُ نِيَامٌ ". تفسير : (قوله): "خَوْفاً وَطَمعاً" إما مفعول من أجله وإمّا حالان، (وإما) مصدران لعامل مقدر. قال ابن عباس: خَوْفاً من النار وطمعاً في الجنة، {وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ}. قيل: أراد به الصدقة المفروضة وقيل: عام في الواجب والتطوع. قوله: {فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّآ أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ} قرأ حمزة "أُخْفِي" فعلاً مضارعاً مسنداً لضمير المتكلم فلذلك سكنت ياؤه (لأنه) مرفوع، ويؤيده قراءة ابن مسعود: "مَا نُخْفِي" بنون العظمة، والباقون "أُخِفِيَ" ماضياً مبنياً للمفعول، (فَمِن) ثمَّ فُتِحَتْ ياؤه، وقرأ محمد بن كعب "أَخْفَى" ماضياً مبنياً للفاعل، وهو اللَّهُ تعالى، يؤيدها قراءة الأعمش و ["مَا] أَخْفَيْتُ" مسنداً للمتكلم. و "ما" يجوز أن تكون موصولة أي لا يعلم الذي أخفاه الله، وفي الحديث: "حديث : مَا لاَ عَيْنٌ رَأَتْ وَلاَ أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلاَ خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ"تفسير : وأن تكون استفهامية معلقة "لتَعْلَمَ" فإن كانت متعدية لاثنين سدت مسدهما أو لواحد سدت مسده. قوله: {مِّنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ} قرأ عبد الله، وأبو الدرداء وأبو هريرةَ "من قُراتِ أَعْيُنٍ" جمعاً بالألف والتاء، و "جزاءً" مفعولٌ له، أو مصدر مؤكد لمعنى الجملة قبله، إذا كانت "ما" استفهامية فعلى قراءة (مَنْ قرأ ما) بعدها فعلاً ماضياً يكون في محل رفع بالابتداء، والفعل بعدها الخبر، وعلى قراءة من قرأ مضارعاً يكون مفعولاً مقدماً و "مِنْ قُرَّةِ" حال من "ما" والمعنى مَا يُقِرُّ الله به أعينهم {جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} قال ابن عباس: هذا مما لا تفسير له. قال بعضهم: أخفوا أعمالهم فأخفى الله ثوابهم. قوله: {أَفَمَن كَانَ مُؤْمِناً كَمَن كَانَ فَاسِقاً} نزلت في عليِّ بْن أبي طالب، والوليدِ بن عقبة بن أبي معيط أخِي عثمان لأمه وذلك أنه كان بينهما تنازع فقال الوليد بن عقبة لِعَلِيٍّ: اسْكُتْ فإنك فاسق فأنزل الله عزّ وجلّ: {أَفَمَن كَانَ مُؤْمِناً كَمَن كَانَ فَاسِقاً لاَ يَسْتَوونَ} ولم يقل لا يستويان لأنه لم يرد مؤمناً واحداً ولا فاسقاً واحداً بل أراد جميع المؤمنين وجميع الفاسقين. قوله: "لا يستوون" مستأنف؛ روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يعتمد الوقف على قوله "فاسقاً" ثم يبتدىء: "لا يَسْتَوونَ". قوله: {أَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ} لما ذكر أن المؤمن والفاسق لا يستويان بطريق الإجمال بين عدم استوائهما على سبيل التفصيل فقال: {أَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ ٱلْمَأْوَىٰ} قرأ طلحةُ "جنة المأوى" بالإفراد، والعامة بالجمع، أي التي يأوي إليها المؤمنون. وقرأ أبو حيوة نُزْلاً - بضم وسكون - وتقدم تحقيقه آخر آل عمران، {وَأَمَّا ٱلَّذِينَ فَسَقُواْ فَمَأْوَاهُمُ ٱلنَّارُ كُلَّمَآ أَرَادُوۤاْ أَن يَخْرُجُواُ مِنْهَآ أُعِيدُواْ فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُواْ عَذَابَ ٱلنَّارِ} وهذا إشارة إلى حال الكافر، واعلم أن العمل الصالح له مع الإيمان تأثير فلذلك قال: {آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ}، وأما الكافر فلا التفات إلى الأعمال معه فلهذا لم يقل: "وأما الذين فسقوا وعملوا السيئات"؛ لأن المراد من "فَسَقُوا" كفروا، ولو جعل العقاب في مقابلة الكفر والعمل لظن (أن) مجرد الكفر (لا) عقاب عليه. قوله: {الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ} صفة لعذاب، وجوز أبو البقاء أن يكون صفة للنار قال: وذكر على معنى الجَحِيم والحَريق. قوله: {وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِّنَ ٱلْعَذَابِ ٱلأَدْنَىٰ دُونَ ٱلْعَذَابِ ٱلأَكْبَرِ} قال أبيُّ بنُ كَعْبٍ والضَّحَّاكُ والحَسَنُ وإبْرَاهيمُ: العذاب الأدنى مصائب الدنيا وأسقامها وهو رواية الوَالبِيِّ عن ابن عباسٍ، وقال عكرمة عنه: الحدود، وقال مقاتل: الجوع سبع سنين بمكة حتى أكلوا الجيف والعظام والكلاب. وقال ابن مسعود: هو القتل بالسيف يوم بدر وهو قول قتادة والسدي. وأما العذاب الأكبر وهو عذاب الآخرة فإن عذاب الدنيا لا نسبة له إلى عذاب الآخرة. فإن قيل: ما الحكمة في مقابلته "الأدنى" "بالأكبر"، "والأدنى" إنما هو في مقابلة "الأقصى" "والأكبر" إنما هو مقابله "الأصغر"؟ فالجواب: أنه حصل في عذاب الدنيا أمران: أحدهما: أنه قريب والآخر: أنه قليل صغير، وحصل في عذاب الآخرة أيضاً أمران، أحدهما: انه بعيد والآخر أنه عظيم كبيرٌ لكن العرف في عذاب الدنيا هو أنه الذي يصلح التخويف به فإن العذاب العاجل وإن كان قليلاً فلا يَحْتَرِزُ عنه بعض الناس أكثر مما يَحْتَرِزُ من العذاب الشديد إذا كان آجلاً، وكذا الثواب العاجل قد يَرْعَبُ فيه بعض الناس ويستبعد الثوابَ العظيم الآجل. وأما في عذاب الآخرة فالذي يصلح للتخويف هو العظيم والكبير (لا) البعيد لِمَا بينا فقال في عذاب الدنيا الأدنى ليحترز العاقل عنه ولو قال: "وَلَنُذِيقَنَّهُمْ من العذاب الأصغر" ما كان يحترز عنه لصغره وعدم فَهْم كونه عاجلاً، وقال في عذاب الآخرة الأكبر لذلك المعنى ولو قال: مِنَ العَذَابِ الأبعد الأقْصَى (لما حصل) التخويف به مثل ما يحصل بوصفه بالكِبَر. قوله: "لعلهم يرجعون" إلى الإيمان يعني مَنْ بَقِي منهم بعد "بدر". فإن قيل: ما الحكمة في هذا الترجي وهو على الله تعالى محال؟ فالجواب: فيه وجهان: أحدهما: معناه لنذيقنهم إذاقة الراجين كقوله: "إنَّا نَسِينَاكُمْ" يعني تركناكم كما يترك الناسي (حيث لا يلتفت إليه) أَصْلاً كَذلِكَ ههنا. والثاني: نذيقهم العذاب إذاقة يقول القائل: لعلهم يرجعون بسببه. قوله: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ} (أي من ذكر بآيات الله) من النعم أولاً، والنِّقَم ثانياً ولم يؤمنوا، فلا أظلَمُ منهم أَحدٌ. قوله: {ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَآ} هذه أبعد ما بين الرُّتْبَتَيْنِ معنىً، وشبهها الزمخشري بقوله: شعر : 4067 - وَمَا يَكْشِفُ الغَمَّاء إلاَّ ابْنُ حُرَّةٍ يَرَى غَمَرَاتِ المَوْتِ ثُمَّ يَزُورُهَا تفسير : قال: استبعد (أن يزور) غمرات الموت بعد أن رآها وعرفها، واطلع على شدتها. قوله: {إِنَّا مِنَ ٱلْمُجْرِمِينَ} (يعني المشركين) "مُنْتَقِمُونَ".

ابو السعود

تفسير : {وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا} مقدر بقولٍ معطوفٍ على ما قُدِّر قبل قولِه تعالى: {أية : رَبَّنَا أَبْصَرْنَا} تفسير : الخ، أي ونقولُ: لو شئنا أي لو تعلقتْ مشيئتُنا تعلقاً فعلياً بأنْ نُعطي كلَّ نفسٍ من النُّفوسِ البرَّةِ والفاجرةِ ما تهتدي به إلى الإيمانِ والعملِ الصالحِ لأعطيناها إيَّاه في الدُّنيا التي هي دارُ الكسبِ وما أخَّرناه إلى دارِ الجزاءِ {وَلَـٰكِنْ حَقَّ ٱلْقَوْلُ مِنْى} أي سبقت كلمتي حيثُ قلتُ لإبليسَ عند قوله: { أية : لأَغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ ٱلْمُخْلَصِينَ فَٱلْحَقُّ وَٱلْحَقَّ أَقُولُ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ} تفسير : [سورة ص: الآيات 82 - 85] وهو المعنيُّ بقولِه تعالى {لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ} كما يلوحُ به تقديم الجِنَّة على النَّاسِ فبموجبِ ذلكَ القولِ لم نشأْ إعطاءَ الهُدى على العمومِ بل معناهُ من أتباعِ إبليسَ الذين أنتُم من جُملتِهم حيثُ صَرفتُم اختيارَكم إلى الغيِّ بإغوائِه، ومشيئتُنا لأفعال العباد منوطةٌ باختيارِهم إيَّاها فلمَّا لم تختارُوا الهُدى واخترتُم الضَّلالةَ لم نشأْ إعطاءَه لكم وإنَّما أعطيناه الذين اختارُوه من النُّفوسِ البرَّةِ وهم المعنيّون بما سيأتي من قوله تعالى: { أية : إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِـئَايَـٰتِنَا} تفسير : [سورة السجدة: الآية 15] الآيةَ، فيكونُ مناطُ عدمِ مشيئتِه إعطاءَ الهُدى في الحقيقةِ سوءَ اختيارِهم لا تحققَ القولِ وإنَّما قيدنا المشيئةَ بما مرَّ من التعلُّقِ الفعليِّ بأفعالِ العبادِ عند حدوثِها لأنَّ المشيئةَ الأزليةَ من حيثُ تعلُّقها بما سيكونُ من أفعالِهم إجمالاً متقدِّمةٌ على تحققِ كلمةِ العذابِ فلا يكونُ عدمُها منوطاً بتحققِها وإنَّما مناطُه علمُه تعالى أزلاً بصرفِ اختيارِهم فيما سيأتي إلى الغيِّ وإيثارِهم له على الهدى، فلو أُريدت هي من تلك الحيثيةِ لاستدرك بعدمِها ونيطَ ذلك بما ذُكر من المناطِ على منهاجِ قولِه تعالى: { أية : وَلَوْ عَلِمَ ٱللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لأَسْمَعَهُمْ} تفسير : [سورة الأنفال: الآية 23] فمن توهَّم أنَّ المَعنى ولو شئنا لأعطينا كلَّ نفسٍ ما عندنا من اللُّطفِ الذي لو كان منهم اختيارُه لاهتدَوا ولكن لم نُعطهم لمّا علمنا منهم اختيارَ الكفر وإيثارَه فقد اشتبه عليه الشؤونُ.

التستري

تفسير : قوله تعالى: {وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا}[13] قال: لو شئنا لحققنا دعاوي المحقين، وأدحضنا براهين المبطلين.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا} [الآية: 13]. قال ابن عطاء: لو شئنا لوفقنا كل عبد لطلب مرضاتنا ولكن حق القول منى بالوعد والوعيد ليتم الاختيار. قال بعضهم: لو شئنا لهديناهم إلى طريق الجنة ولم ينقص ذلك من ملكنا ولكن عذبنا ليظهر العدل كما أنعمنا ليظهر الفضل. وقال سهل: ولو شئنا لحققنا دعاوى المحققين وأبطلنا براهين المبطلين. قوله جل ذكره: {لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ} [الآية: 13]. سمعت محمد بن عبد الله يقول: سمعت الشبلى يقول حيث سئل عن هذه الآية فقال: املأها من الشبلى واعف عن عبيدك ليتروح الشبلى من تعذيبك كما يتروح جميع عبادك بالعباد. قال ابن عطاء: حق القول بالوعد والوعيد ليتم الإحكام على ما جرى فى الأزل.

القشيري

تفسير : لو شئنا لَسَهَّلنا سبيلَ الاستدلال، وأدَمْنا التوفيقَ لكلِّ أحدٍ، ولكن تَعَلَّقَتْ المشيئةُ بإغواءِ قومٍ، كما تعلَّقت بإدناءِ قوم، وأردنا أن يكونَ للنار قُطَّان، كما أردنا أن يكون للجَنَّةِ سُكان، ولأَنَّا عَلِمْنا يومَ خَلَقْنا الجنَّةَ أنه يسكنها قوم، ويوم خلقنا النارَ أنه ينزلها قومٌ، فَمِنَ المُحَالِ أن نُرِيدَ ألا يقعَ معلومُنا، ولو لم يحصل لم يكن عِلْماً، ولو لم يكن ذلك عِلْماً لم نكن إلهاً.. ومن المحال أن نريد ألا نكونَ إلهاً. ويقال: مَنْ لم يتسلَّطْ عليه من يحبه لم يجْرِ في مُلْكِه ما يكرهه. ويقال: يا مسكين أفنيتَ عُمْرَكَ في الكَدِّ والعناء، وأمضيتَ أيامَك في الجهد والرجاء، غيَّرت صفتك، وأكثرتَ مجاهدتك.. فما تفعل في قضائي كيف تُبَدِّله؟ وما تصنع في مشيئتي بأيِّ وسعٍ ترُدُّها؟ وفي معناه أنشدوا: شعر : شكا إليك ما وَجَدَ من خَانَهُ فيك الجَلَدْ حيرانُ لو شئتَ اهتدى ظمآنُ لو شئتَ وَرَدْ

البقلي

تفسير : قوله تعالى {وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا} قطع مشية الخلائق عن مشية الازل ولو اردان يكون كلهم عارفين به يكون ولكن وقع خاصية الانبياء والاولياء بنعت الاصطفائية من ارداته ووقع بعد الاضداد من ارداته سباق لطفه لاهل لطفه وسابق قهره لاهل قهره قال ابن عطا لو شئنا لوقفنا كل عبد لطلب مرضاتنا ولكن حق القول بالرعد والرعد ليتم الاختيار قوله تعالى {لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ} ان جهنم فم قهره انفتح لياخذ نصيبه ممن له استعداد مباشرة القهر كمال ان الجنة فم لطفه انفتح لياخذ من له استعداد مباشرة لطفه فالطيف يرجع اللطيف والكثيف يرجع الى الكثيف لذلك مضى القسم فى الازل فى الوعيد لان الحدث لا ينفك عن حظ القدم فالعارف الصادق اذا كان فى جهنم فان جهنم له ماوى قهره وقهره ماوى لطفه ولطفه ماوى انوار جوده وجوده ماوى انوار وجوده فيرى مقصود فى العذاب كما كان ايوب عليه السلام ويرى رؤية المبلى فى بلاية سئل الشبلى عن هذه الأية فقال يا رب املاها من الشبلى واعف عنه عبيدك ليتروح الشبلى بتعذيبك كما يتروح جميع العباد بالعوافى.

اسماعيل حقي

تفسير : {ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها} مقدر بقول معطوف على ما قدر قبل قوله ربنا ابصرنا اى ونقول لو شئنا اى لو تعلقت مشيئتنا تعلقا فعليا بان نعطى كل نفس من النفوس البرّة والفاجرة ما تهتدى به الى الايمان والعمل الصالح بالتوفيق لهما لاعطيناها اياه فى الدنيا التى هى دار الكسب وما اخرناه الى دار الجزاء {ولكن حق القول منى} ثبت قضائى وسبق وعيدى وهو {لاملأن} [ناجار بركنيم] {جهنم من الجنة} بالكسر جماعة الجن والمراد الشياطين وكفار الجن {والناس} الذين اتبعوا ابليس فى الكفر والمعاصى {اجمعين} يستعمل لتأكيد الاجتماع على الامر. وقال بعضهم {ولكن حق القول منى} اى سبقت كلمتى حيث قلت لابليس عند قوله {أية : لاغوينهم} تفسير : الآية {لاملأن} الخ. وفى التأويلات {ولو شئنا} فى الازل هدايتكم وهداية اهل الضلالة {لآتينا كل نفس هداها} باصابة رشاش النور على الارواح {ولكن حق القول منى} قبل وجود آدم وابليس {لاملأن} الخ ولكن تعلقت المشيئة باغواء قوم كما تعلقت باهداء قوم واردنا ان يكون للنار قطان كما اردنا ان يكون للجنة سكان اظهارا لصفات لطفنا وصفات قهرنا لان الجنة واهلها مظهر لصفات لطفى والنار واهلها مظهر لصفات قهوى وانى فعال لما اريد. وفى عرائس البيان ان جهنم فم قهره انفتح ليأخذ نصيبه ممن له استعداد مباشرة القهر كما ان الجنة فم لطفه انفتح ليأخذ نصيبه ممن له استعداد مباشرة لطفه فاللطيف يرجع الى اللطيف والكثيف يرجع الى الكثيف ولو شاء لجعل الناس كلهم عارفين به ولكن جرى القلم فى الازل بالوعد والوعيد كما قال ابن عطاء قدس سره لو شئنا لوفقنا كل عبد لرضانا ولكن حق القول بالوعد والوعيد ليتم الاختيار. وسئل الشبلى قدس سره عن هذه الآية فقال يا رب املأ نارك من الشبلى واعف عن عبيدك ليتروح الشبلى بتعذيبك كما يتروح جميع العباد بالعوافى وذلك ان من استوى عنده اللطف والقهر بالوصول الى الاصل رأى مقصوده فى كل واحد منهما كما رأى ايوب عليه السلام المتبلى فى بلائه فطاب وقته وحاله وصفا باله فى عين الكدر شعر : ما بلا خواهيم وزاهد عافيت هر متاعى را خريدارى فتاد تفسير : وعن الحسن قال خطبنا ابو هريرة رضى الله عنه على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال سمعت رسول الله يقول "حديث : ليعتذرن الله الى آدم ثلاث معاذير يقول الله يا آدم لولا انى لعنت الكذابين وابغضت الكذب والخلف واعذب عليه لرحمت اليوم ولدك اجمعين من شدة ما اعددت لهم من العذاب ولكن حق القول منى لئن كذب رسلى وعصى امرى لاملأن جهنم من الجنة والناس اجمعين. ويقول الله يا آدم اعلم انى لا ادخل من ذريتك النار احدا ولا اعذب منهم بالنار احدا الا من قد علمت بعلمى انى لو رددته الى الدنيا لعاد الى اشر مما كان فيه ولم يرجع ولم يتب ويقول الله قد جعلتك حكما بينى وبين ذريتك قم عند الميزان فانظر ما يرفع اليك من اعمالهم فمن رجح منهم خيره على شره مثقال ذرة فله الجنة حتى تعلم انى لا ادخل منهم الا ظالما " تفسير : واعلم ان الله تعالى يملأ جهنم من الاقوياء كما يملأ الجنة من الضعفاء بدليل قوله عليه السلام "حديث : اذا ملئت جهنم تقول الجنة ملأت جهنم من الجبابرة والملوك والفراعنة ولم تملأنى من ضعفاء خلقك فينشئ الله خلقا عند ذلك فيدخلهم الجنة فطوبى لهم من خلق لم يذوقوا موتا ولم يروا سوأ باعينهم" تفسير : رواه انس رضى الله عنه. وقوله عليه السلام "حديث : تحاجت الجنة والنار فقالت النار اوثرت" (اى فضلت) (بالمتكبرين والمتجبرين وقالت الجنة انى لا يدخلنى الا ضعفاء الناس وسقطهم فقال الله للنار انت عذابى اعذبك من اشاء من عبادى وكل واحدة منكما ملؤها) رواه ابو هريرة رضى الله عنه تفسير : كذا فى بحر العلوم

صدر المتألهين الشيرازي

تفسير : لما ظهر مما سبق، أن رجعة النفوس إلى فطرتها الأصلية بعد اكتسابها طريقة الخذلان والشقاوة والحرمان أمر مستحيل، وقعت ها هنا للأذهان الوهمانية مظنة شبهة هي: أنه لماذا لم تخلق النفوس كلها من الله سعداء من أهل الهداية والرحمة؟ حتى لا يكونوا مجرمين محرومين عن درجات الجنان والسعادة والرضوان؟ فأزال تعالى هذا الوهم، وأزاح إمكان وقوعه في الخارج، لأن ما هو الواقع على أشرف الإمكانات وترجيح الأخس على الأشرف، مستحيل الوقوع من الواهب الحق، والمحال لا يكون مقدوراً عليه، لأنه لا شيء محض لا ماهية له، وإنما هو أمر يخترعه الوهم الكاذب. فقال: {وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا}، بالتوفيق والإيمان وإلجائها لسلوك سبيل الرحمة والرضوان، ولكنه ينافي الحكمة والمصلحة الكلية المقتضية لحفظ النظام على أفضل ما يمكن من الوجود والقوام، إذ لو كان الأمر كما توهم، لبقيت النفوس كلها على طبقة واحدة، وفات بقاء سائر الطبقات المتصورة في حيز الإمكان من غير أن يخرج من الكمون والبطون إلى منصة البروز والظهور، والرحمة مقتضية لايصال كل مستحق إلى ما يليق به، لئلاّ تخلو أكثر مراتب هذا العالم عن أربابها، فتبقى في العدم أمور جمة غفيرة، ولا تتمشى الأمور الخسيسة، التي يحتاج إليها في بقاء النفوس الشريفة، كيف ولو لم يكن الكنّاس والحجّام في العالم، لاضطر الحكيم إلى مباشرة الكنس والحجامة. ولا بد أيضاً في ظهور بعض صفات الله الجلالية من وجود أهل الحجاب والذلة والقسوة والظلمة، البعداء عن الرحمة والمحبة والنور، وإلاَّ فلا ينضبط نظام العالم، ولا يتم صلاح المهتدين لوجود الاحتياج إلى سائر الطبقات، كما لَوّحْنا إليه من أن المظاهر لو كانت كلها أنبياء وأولياء وأخياراً لاختل بقاؤهم بعدم النفوس الغلاظ والشياطين من الإنس والجن القائمين بعمارة هذا العالم، ألا ترى إلى ما ورد في قوله تعالى: إني جعلت معصية آدم سبباً لعمارة العالم. فوجب في الحكمة الحقّة الإلهية، التفاوت في الاستعدادات بالقوة والضعف، والصفاء والكدورة، وترتب الدرجات على حسبها، والحكم بوجود كل طبقة من السعداء والأشقياء في الفضائل والرذائل، لتجلّي الله سبحانه بجميع الصفات، ويظهر منه جميع أسمائه الحسنى، فإن الغفور، والعفو، والعدل، والمنتقم، والتوّاب، والمضلّ وأمثالها أسماء لا يتجلّى الحق بها إلاَّ إذا جرى على العبد ذنب. ولذلك وقع في الحديث: "حديث : لولا أنكم تذنبون لذهب الله بكم وجاء بقوم يذنبون"تفسير : وعن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلم): "حديث : أنين المذنبين أحبّ إلي من زجل المُسَبّحين ". تفسير : وإليه الإشارة بقوله: {وَلَـٰكِنْ حَقَّ ٱلْقَوْلُ مِنِّي} أي بحسب اقتضاء العناية الأزلية والقضاء السابق، وكثيراً ما أطلق القول والكتابة من قبل الله سبحانه، ويراد الفعل من جهة ما يوجبه التقدير الأزلي المنوط بالأسباب القصوى الإلهية، كقوله تعالى: {أية : وَحَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلْقَوْلُ} تفسير : [فصّلت:25]، وقوله: {أية : كَتَبَ عَلَىٰ نَفْسِهِ ٱلرَّحْمَةَ}تفسير : [الأنعام:12]. {لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ}: أي جهنم الطبيعة السفلية التي ستطلع نيرانها ويبرز إيلام عذابها في الآخرة، فإن حقيقة نار الجحيم، إنما نشأت من هذا العالم، وأما ظهورها على الأفئدة، فهو مختص بيوم الآخرة، فكما أن الدنيا مملوءة من الكفار والفجار، فكذا جهنم الآخرة مملوءة من الجن والإنس أجمعين، وهم أكثر عمّار هذا العالم من النفوس المكّارة الوهمانية والأرضية الجاسية الغليظة الطبايع لما مر أن النظام لا ينصلح إلاَّ بأن لا يكون هذا العالم مشحوناً بالجهلة والأرذال والكفرة والمنافقين، وأن أهل الله لا يكونون إلاّ الأقلّين، مع أن غيرهم من أشخاص المواليد ما خلقت إلاَّ لأجلهم، لأنهم اللب الأصفى من شجرة الطبيعة، والباقي بمنزلة القشور على مراتبها، فحقّت عليهم كلمة العذاب، كما حَقَّ على العود والحطب الاحتراق بالنار، لمّا صدر عنهم ما يؤدي إلى ذلك على وجه الاختيار المنبعث عن الأسباب الغائبة لا على وجه الإلجاء والاضطرار، لأنهم استحبّوا العمى على الهدى، فوقعوا باختيارهم في المحنة والبلوى، والقَوا أنفسهم بأيديهم إلى الهلكى. فإن قلت: إذا كان الكل بقضاء الله وقدره، فلماذا يعاقب الله من ساقه القدر إلى ارتكاب الجرائم والخطيّآت؟ قيل: هذا السؤال منك ناش من جهلك بحقيقة العقوبات الإلهية، فإنك لاعتيادك بأفاعيل الناقصين من المختارين، كإنعامهم على الصديق، وانتقامهم من العدو، الناشئَين من اعتقاد النفع ودفع الم الغضب والغيظ، تعتقد أن العقوبات الأخروية من باب الانتقام للتشفي الحاصل منه للمنتقم، فيتخلص به عن ألم التهاب نار الغضب، هيهات، إنما العقاب أمر يتعقب على فعل الخطيّات، وهو من اللوازم والتبعات التي يتأدّى إليه اقتراف السيئات، وبالحقيقة، النفوس العمّالة في الدنيا هي بعينها حمّالة حطب نيرانها يوم الآخرة: "رب شهوة ساعة أورثت حُزناً طويلا"، بل نفس الشهوة ها هنا تتصور بصورة النار المضرمة هناك. وقد أفصح الله تعالى عن هذا المعنى في قوله: {أية : سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} تفسير : [الأعراف:180]، وقوله: {أية : فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُواْ}تفسير : [النحل:34]، وقوله: {أية : إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَاراً أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا}تفسير : [الكهف:29]، وقوله: "حديث : إنما هي أعمالكم تُرَدّ إليكم ". تفسير : ولهذا عقّب هذه الآية بقوله سبحانه: {فَذُوقُواْ بِمَا نَسِيتُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَـٰذَآ إِنَّا نَسِينَاكُمْ وَذُوقُـواْ عَذَابَ ٱلْخُلْدِ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} [السجدة:14].

الجنابذي

تفسير : {وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا} اهتدائها ورشدها او اسباب هديها من غير ملاحظة استعداد واستحقاق لكن لم نشأ لئلاّ يكون مشيّتنا جزافاً غير مسبوقةٍ بملاحظة استعدادٍ {وَلَـٰكِنْ حَقَّ ٱلْقَوْلُ مِنِّي لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ} لئلاّ يقع ارادتى جزافاً ويكون عذاب المعذّبين وثواب المطيعين من جهة استعدادهم.

الهواري

تفسير : قوله: {وَلَوْ شِئْنَا لأتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا} كقوله: {أية : أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ ءَامَنُوا أَن لَّوْ يَشَآءُ اللهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعاً}تفسير : [الرعد: 31]. قال: {وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجَنَّةِ وَالنَّاسِ أجْمَعِينَ}. ذكروا عن أبي هريرة قال: حديث : اختصمت الجنة والنار، فقالت النار: يا ربّ، أوثرت بالجبّارين والمتكبّرين. وقالت الجنة: يا ربّ، ما لي لا يدخلني إلا ضعفاء الناس وسُقّاطهم. فقال للنار: أنتِ عذابي أصيب بكِ من أشاء، وقال للجنة: أنت رحمتي أصيب بكِ من أشاء، ولكل منكما ملؤها بأهلها. أما الجنة فإن الله لا يظلم الناس شيئاً، وينشئ لها ما شاء من خلقه، وأما النار فيقذف فيها فتقول: هل من مزيد، ويقذف فيها فتقول: هل من مزيد . تفسير : قال: {فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَذَا} أي: بما تركتم الإِيمان بلقاء يومكم هذا {إِنَّا نَسِينَاكُمْ} أي: تركناكم، أي: في النار، تركوا من الخير ولم يتركوا من الشر. {وَذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ} أي: الدائم الذي لا ينقطع. {بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} أي: في الدنيا. قوله: {إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّداً وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ} أي: في سجودهم {وَهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ} أي: عن عبادة الله. قوله: {تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ المَضَاجِعِ}. ذكروا عن الحسن قال: هو قيام الليل. ذكر القوم ذنوبهم فتيقظوا من نومهم وتجافوا عن ضاجعهم. ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أوصى معاذ بن جبل بأشياء فقال في آخر ذلك: والقيام من الليل، ثم تلا هذه الآية: {تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ المَضَاجِعِ}. ذكروا عن أنس بن مالك قال: كانوا يتنفّلون ما بين المغرب والعشاء، يصلّون ما بينهما. قال: {يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً} أي: خوفاً من عذاب الله وطمعاً في رحمته، يعني الجنة. {وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ} أي: الزكاة المفروضة.

اطفيش

تفسير : {وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا} أي لو شئنا لقسمنا الهدى على الناس كلهم فيكون لكل احد حظه منه فيهتدي للايمان والطاعة باختيار منه وتوفيق من الله. أو لو شئنا لادخلنا الناس كلهم في الايمان والطاعة بالجبر. {وَلَكِنْ حَقَّ القَوْلُ مِنِّي} ثبت قضائي وسبق وعيدي. {لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجِنَّةِ} الجن. {وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ} فاذا سبق قضاؤه بهذا فقد بان منه كما بان من التعبير بلو ان من خلقه من هو للنار ولا بد وانه هو الذي لا يؤمن والذي ينافق فالاية تصريح بعدم الهدى وهذا العدم مسبب عن القضاء عليهم بالنار ولا يدفع لهذا قوله: {فَذوقوا}

اطفيش

تفسير : {ولو شئنا لآتينا كل نفْس هداها} فى الدنيا فلا يكفى احد، والجملة عطف قصة على اخرى، او على محذوف، اى قضينا ذلك، ولو شئنا الخ وقدر بعضهم قولا هكذا، وقلنا: لو شئنا او هكذا، ونقول: لو شئنا، وعطفه على يقولون قدره قبل قوله: "أية : ربنا أبصرنا" تفسير : [السجدة: 12] وجعله جوابا لقولهم: ارجعنا، ولذا احره، ويفيد انهم لو رجعوا لعادوا لما نهوا عنه، وانهم ممن لم يشأ الله هداهم، ومعنى هداها ما تهتدى به الى الايمان، والعمل الصالح، وفسره بعض بهما. {ولكنْ حَقَّ القَول منِّي لأملأنَّ جَهَنَّم من الجنَّة والنَّاس أجمْعَين} سبق قضائى الازلى بلا اول ان يكون المطيع والعاصى، اذا خلقت المكلفين، وان المطيع فى الجنة، والعاصى فى النار، وسبق قولى لابليس: "أية : فالحق والحق أقول لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين" تفسير : [ص: 84 - 85] جوابا لقوله لعنه الله: "أية : لأغوينهم أجمعين إلاَّ عبادك منهم المخلصين" تفسير : [ص: 82 - 83] وقدم الجنة لتقدمهم خلقه، ولتقدم ابليس اعاذنا الله منه فى قوله: "أية : منك وممن تبعك"تفسير : [ص: 85] ولأن الجنَّة أكثر من الناس فى النار، وقدم في منك وممن تبعك تحقيراً له، وتغليظاً لانه السبب فى هلاك غيره، ولم يقل حق القول منا بالجمع، كما قال: {ولو شئنا} لان قوله: {ولكن حق القول مني} بالافراد رد لقول اللعين: "لأغوينهم" الخ بإفراد الضمير، او قال ولو شئنا ليطابق الكثرة فى قوله: {كل نفس} وقال: {مني} ليوافق ما دون تلك الكثرة الدال عليه من الجنة والناس، او قال: منى فى وعيد المشركين، لئلا يتوهم نوع من انواع الشركة اصلا، وليوافق التوحيد الذى عدلوا عنه الى ما اوجب لهم الوعيد، ووحد الضمير ايضا فى: {لأملان} لان الملء لا تعدد فيه، وكذا فى منى، لان القول لا يحق الا منه. والايتاء يتعدد بتعدد من يؤتى الهدى، ومعنى اجمعين انه يجعل فى جهنم نصيبا من الجنة، ونصيبا من الناس لا من الجنة وحدهم، او من الناس وحدهم، ولم يقل كليهما، بدل اجمعين لان الاصل فى كلا ان تقع على فردين لا نوعين، فالآية كقولك: ملأت الكيس من الدنانير والدراهم جميعا، او المراد بالجنة والناس الاشقياء خصوصا، ومن بمعنى الباء، او للابتداء، ولا يلزم من الابتداء بقاء الشئ الا ترى الى قوله: "أية : لأملان جهنم منك وممن تبعك" تفسير : [ص: 85] فالآية مثل هذه، وكأنه قيل: لأملان جهنم بالاشقياء اجمعين من الجن والانس، وفرع على نفى الرجع الى الدنيا المعلوم مما مر أو على قوله: {ولكن حق القول مني} بقوله: {فذوقوا} اى العذاب، وقدر بعض اذا أيستم من الرجع، او اذا حق القول فذوقوا، والامر تهديد {بما نَسيتُم لقاء يومكم هذا} اى بسبب نسيانكم لقاء يومكم هذا، ولفظ هذا بدل يوم او عطف بيان او نعت جئ به تهويلا، وهو واقع على اليوم، ولك ان تجعله مفعولا به لذوقوا، واقعا على العذاب، فلا يقدر العذاب له كما قدرته آنفا، وما تقدم اولى، ونسيانهم لقاء اليوم ترك الاستعداد له عمدا لأنكارهم له. {إنَّا نسيناكم} تركناكم فى العذاب، على انه يقال لهم ذلك بعد دخول جهنم، وان كان قبلها فالعذاب يعم ما هم فيه قبلها، لا يزول عنهم، بل يزداد بدخول جهنم، فهم متروكون فى العذاب المطلق، او اردنا ترككم فى جهنم اذا دخلتموها، او تركنا فى الوعيد لا نخلفه عنكم، وفيه المشاكلة لما قبله، لان كلا من النسيانين ترك، ويجوز ان يكون الاول الزوال من الحافظة مجازا، تركوا الاستعداد للقاء، كأنهم اعترفوا ثم نسوه، نزلوا الاستعداد له كالشئ المنسى، والمشاكلة يجوز وقوعها بين المجاز والحقيقة، مع انه يجوز ان يكون الثانى كذلك مجازا لا حقيقة. {وذُوقُوا عذابَ الخُلد بما كُنتم تعمْلُون} تكرار للأول للتأكيد، ولبيان ما لم يذكر فى الاول وهو العذاب، وانه دائم، ولبيان أنهم يستحقون العذاب بما كانوا يعملون من المعاصى، كما استحقوها بترك التوحيد، على ان نسيان لقاء اليوم هو ترك التوحيد، او انكار البعث، والظاهر ان المراد بنسيان اللقاء هو ما كانوا يعملون، فلا يزيد الثانى الا بذكر عذاب الخلد.

الالوسي

تفسير : {وَلَوْ شِئْنَا لأَتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا } مقدر بقول معطوف على مقدر قبل قوله تعالى: {أية : رَبَّنَا أَبْصَرْنَا }تفسير : [السجدة: 12] الخ وهو جواب لقولهم {ارجعنا} يفيد أنهم لو أرجعوا لعادوا لما نهوا عنه لسوء اختيارهم وأنهم ممن لم يشأ الله تعالى إعطاءهم الهدى أي ونقول: لو شئنا أي لو تعلقت مشيئتنا تعلقاً فعلياً بأن نعطي كل نفس من النفوس البرة والفاجرة هداها أي ما تهتدي به إلى الإيمان والعمل الصالح، وفسره بعضهم بنفس الإيمان والعمل الصالح والأول أولى، وأما تفسيره بما سأله الكفرة من الرجوع إلى الدنيا أو بالهداية إلى الجنة فليس بشيء لأعطيناها إياه في الدنيا التي هي دار الكسب وما أخرناه إلى دار الجزاء. {وَلَـٰكِنْ حَقَّ ٱلْقَوْلُ مِنْى } أي ثبت وتحقق قولي وسبقت كلمتي حيث قلت لإبليس عند قوله: {أية : لأَغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ ٱلْمُخْلَصِينَ فَٱلْحَقُّ وَٱلْحَقَّ أَقُولُ * لأَمْلاَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ }تفسير : [ص: 82 ـ 85] وهو المعني بقوله تعالى: {لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ} كما يلوح به تقديم الجنة على الناس فإنه في الخطاب لإبليس مقدم وتقديمه هناك لأنه الأوفق لمقام تحقير ذلك المخاطب عليه اللعنة، وقيل: التقديم في الموضعين لأن الجهنميين من الجنة أكثر. ويعلم مما ذكرنا وجه العدول عن ضمير العظمة في قوله سبحانه: {وَلَوْ شِئْنَا لاَتَيْنَا } إلى ضمير الوحدة في قوله جل وعلا: {وَلَـٰكِنْ حَقَّ ٱلْقَوْلُ مِنْى } وذلك لأن ما ذكر إشارة إلى ما وقع في الرد على اللعين وقد وقع فيه القول والإملاء مسندين إلى ضمير الوحدة ليكون الكلام على طرز {لأَغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلاَّ عِبَادَكَ } في توحيد الضمير، وقد يقال: ضمير العظمة أوفق بالكثرة الدال عليها {كُلُّ نَفْسٍ } والضمير الآخر أوفق بما دون تلك الكثرة الدال عليه {مِنَ ٱلْجَنَّةِ والناس} أو يقال: إنه وحد الضمير في الوعيد لما أن المعني به المشركون فكأنه أخرج الكلام على وجه لا يتوهم فهي متوهم نوعاً من أنواع الشركة أصلاً أو أخرج على وجه يلوح بما عدلوا عنه من التوحيد إلى ما ارتكبوه مما أوجب لهم الوعيد من الشرك، أو يقال: وحد الضمير في {لأَمْلأَنَّ } لأن الإملاء لا تعدد فيه فتوحيد الضمير أوفق به ويقال نظير ذلك في {حَقَّ ٱلْقَوْلُ مِنْى } والإيتاء يتعدد بتعدد المؤتى فضمير العظمة أوفق به ويقال نظيره في {شِئْنَا } فتدبر، ولا يلزم من قوله تعالى: {أَجْمَعِينَ } دخول جميع الجن والإنس فيها، وأما قوله تعالى: {أية : وَإِن مّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا }تفسير : [مريم: 71] فالورود فيه غير الدخول، وقد مر الكلام في ذلك لأن {أَجْمَعِينَ } تفيد عموم الأنواع لا الأفراد فالمعنى لأملأنها من ذينك النوعين جميعاً كملأت الكيس من الدراهم والدنانير جميعاً كذا قيل، ورد بأنه لو قصد ما ذكر لكان المناسب التثنية دون الجمع بأن يقال كليهما، واستظهر أنها لعموم الأفراد والتعريف في {ٱلْجَنَّةِ والناس} للعهد والمراد عصاتهما ويؤيده الآية المتضمنة خطاب إبليس. وحاصل الآية لو شئنا إيتاء كل نفس هداها لآتيناها إياه لكن تحقق القول مني لأملأن جهنم الخ فبموجب ذلك القول لم نشأ إعطاء الهدى على العموم بل منعناه من اتباع إبليس الذين أنتم من جملتهم حيث صرفتم اختياركم إلى الغي بإغوائه ومشيئتنا لأفعال العباد منوطة باختيارهم إياها فلما لم تختاروا الهدى واخترتم الضلال لم نشأ إعطاءه لكم وإنما أعطيناه الذين اختاروه من البررة وهم المعنيون بما سيأتي إن شاء الله تعالى من قوله سبحانه: {أية : إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِـئَايَـٰتِنَا }تفسير : [السجدة: 15] الآية / فيكون مناط عدم مشيئته تعالى إعطاء الهدى في الحقيقة سوء اختيارهم لا تحقق القول، وإنما قيدت المشيئة بما مر من التعلق الفعلي بأفعال العباد عند حدوثها لأن المشيئة الأزلية من حيث تعلقها بما سيكون من أفعالهم إجمالاً متقدمة على تحقق كلمة العذاب فلا يكون عدمها منوطاً بتحققها وإنما مناطه علمه تعالى أزلاً بصرف اختيارهم فيما سيأتي إلى الغي وإيثارهم له على الهدى فلو أريدت هي من تلك الحيثية لاستدرك بعدمها بأن يقال: ولكن لم نشأ ونيط ذلك بما ذكر من المناط على منهاج قوله تعالى: {أية : وَلَوْ عَلِمَ ٱللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لأَسْمَعَهُمْ }تفسير : [الأنفال: 23] كذا قال بعض الأجلة. وقد يقال: يجوز أن يراد بالمشيئة المشيئة الأزلية من حيث تعلقها بما سيكون من أفعالهم ويراد بالقول علم الله تعالى فإنه وكذا كلمة الله سبحانه يطلق على ذلك كما قال الراغب، وذكر منه قوله تعالى: {أية : لَقَدْ حَقَّ ٱلْقَوْلُ عَلَىٰ أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لاَ يُؤمِنُونَ } تفسير : [يس: 7] وقوله سبحانه: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ } تفسير : [يونس: 96] وحاصل المعنى لو شئنا في الأزل إيتاء كل نفس هداها في الدنيا لآتيناها إياه ولكن ثبت وتحقق علمي أزلاً بتعذيب العصاة فبموجب ذلك لم نشأ إذ لا بد من وقوع المعلوم على طبق العلم لئلا يلزم انقلاب العلم جهلاً ووقوع ذلك يستدعي وجود العصاة إذ تعذيب العصاة فرع وجودهم ومشيئة إيتاء الهدى كل نفس تستلزم طاعة كل نفس ضرورة استلزام العلة للمعلول فيلزم أن تكون النفس المعذبة عاصية طائعة وهو محال وهذا المحال جاء من مشيئته إيتاء كل نفس هداها مع علمه تعالى بتعذيب العصاة فإما أن ينتفي العلم المذكور وهو محال لأن تعلق علمه سبحانه بالمعلوم على ما هو عليه ضروري فتعين انتفاء المشيئة لذلك ويرجح هذا بالآخرة إلى أن سبب انتفاء مشيئته إيتاء الهدى للعصاة سوء ما هم عليه في أنفسهم لأن المشيئة تابعة للعلم والعلم تابع للمعلوم في نفسه فعلمه تعالى بتعذيب العصاة يستدعي علمه سبحانه إياهم بعنوان كونهم عصاة فلا يشاؤهم جل جلاله إلا بهذا العنوان الثابت لهم في أنفسهم ولا يشاؤهم سبحانه على خلافه لأن مشيئته تعالى إياهم كذلك تستدعي تعلق العلم بالشيء على خلاف ما هو عليه في نفس الأمر وليس ذلك علماً. ويمكن أن يبقى العلم على ظاهره ويقال: إنه تعالى لم يشأ هداهم لأنه جل وعلا قال لإبليس عليه اللعنة: إنه سبحانه يعذب أتباعه ولا بد ولا يقول تعالى خلاف ما يعلم فلا يشاء تبارك وتعالى خلاف ما يقول ويرجع بالآخرة أيضاً إلى أنه تعالى لم يشأ هداهم لسوء ما هم عليه في أنفسهم بأدنى تأمل، ومآل الجواب على التقريرين لا فائدة لكم في الرجوع لسوء ما أنتم عليه في أنفسكم، ولا يخفى أن ما ذكر مبني على القول بالأعيان الثابتة وأن الشقي شقي في نفسه والسعيد سعيد في نفسه وعلم الله تعالى إنما تعلق بهما على ما هما عليه في أنفسهما وأن مشيئته تعالى إنما تعلقت بإيجادهما حسبما علم جل شأنه فوجدا في الخارج بإيجاده تعالى إياهما على ما هما عليه في أنفسهما فإذا تم هذا تم ذاك وإلا فلا.

ابن عاشور

تفسير : اعتراض بين القول المقدر قبل قوله {أية : ربنا أبصَرْنا وسمِعنا}تفسير : [السجدة: 12] وبين الجواب عنه بقوله {أية : فذوقوا بما نَسِيتم} تفسير : [السجدة: 14] فالواو التي في صدر الجملة اعتراضية، وهي من قبيل واو الحال. ومفعول فعل المشيئة محذوف على ما هو الغالب في فعل المشيئة الواقع شرطاً استغناء عن المفعول بما يدل عليه جواب الشرط. والمعنى: لو شئنا لجبلنا كل نفس على الانسياق إلى الهدى بدون اختيار كما جبلت العجماوات على ما ألهمت إليه من نظام حياة أنواعها فلكانت النفوس غير محتاجة إلى النظر في الهدى وضده، ولا إلى دعوة من الله إلى طريق الهدى، ولكن الله لما أراد أن يَكل إلى نوع الإنسان تعمير هذا العالم، وأن يجعله عنواناً لعلمه وحكمته، وأن يفضله على جميع الأنواع والأجناس العامرة لهذا العالم؛ اقتضى لتحقيق هذه الحكمة أن يخلق في الإنسان عقلاً يدرك به النفعَ والضرّ، والكمال والنقص، والصلاح والفساد، والتعمير والتخريب، وتنكشف له بالتدبر عواقب الأعمال المشتبهة والمموّهة بحيث يكون له اختيار ما يصدر عنه من أجناس وأنواع الأفعال التي هي في مكنته بإرادة تتوجه إلى الشيء وضده، وخلق فيه من أسباب العمل وآلاته من الجوارح والأعضاء إذا كانت سليمة فكان بذلك مستطيعاً لأن يعمل وأن لا يعمل على وفاق ميله واختياره وكسبه. وهذا المعنى هو الذي سماه الأشعري بالكسب وبالاستطاعة وتكفل له بإعانته على ما خُلق له من الإدراك يدعوه إلى ما يريده الله منه من الهدى والصلاح في هذا العالم بواسطة رسل من نوعه يبلغون إليه مراد ربهم الذي فطرهم على الصفات الملكية وجعلهم وسائط بينه وبين الناس في إبلاغ مراد ربهم إليهم. ووعده الناس بالجزاء على فعل الخير وفعل الشر بما فيه باعث على الخير ورادع عن الشر. وقد أراد الله أن يفضل هذا النوع بأن يجعل منه عُمّاراً لعالم الكمال الخالد عالم الروحانيات فجعل لأهل الكمال الديني مراتب سامية متفاوتة في عالم الخلد على تفاوت نفوسهم في ميدان السبق إلى الكمالات، وجعل أضداد هؤلاء عمّاراً لهُوة النقائص فملأ منهم تلك الهوة المسماة جهنم. فهذا معنى قوله {ولكن حقّ القول منّي لأملأنّ جهنم من الجنة والناس أجمعين} البالغ من الإيجاز مبلغ الإعجاز، إذ حذف معظم ما أريد بحرف الاستدراك الوارد على قوله {ولو شئنا لآتينا كل نفس هُدَاها}؛ فإن مقتضى الاستدراك أن يقدر: ولكنا لم نشأ ذلك بل شئنا أن نخلق الناس مختارين بين طريقي الهدى والضلال، ووضعنا لهم دواعي الرجاء والخوف، وأريناهم وسائل النجاة والارتباك بالشرائع قال تعالى: {أية : وهديناه النجدين}تفسير : [البلد: 10] أي: الطريقين، وحققنا الأخبار عن الجزاءين بالوعد والوعيد بالجنة وجهنم فلأمْلأنّ جهنم بأهل الضلال من الجِنَّة والناس أجمعين، فدخل هذا في قوله (تعالى): {حَقّ القول منّي لأملأنّ جهنم من الجِنَّة والنَّاس أجْمَعين}بما يشبه دلالة الاقتضاء، وقد أومأ إلى هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : إن الله خلق الجنة وخَلَق لها مِلأْها وخلق النار وخلق لها مِلأْها». تفسير : وإنما اختير الاقتصار في المنطوق به الدال على المحذوف على شق مصير أهل الضلال لأنه الأنسب بسياق الاعتراض إثْر كلام أهل الضلالة في يوم الجزاء، ولأنه أظهر في تعلق مضمون جملة الاعتراض بمضمون اقتراحهم، أي لو كان إرجاعهم إلى الدنيا ليعملوا الصالحات مقتضى لحكمتنا لكنا جبلناهم على الهدى في حياتهم الدنيا فكانوا يأتون الصالحات بالقَسر والإلجاء. فالمراد {القول} ما أوعد الله به أهل الشرك والضلال. و{الجِنَّة}: الجِنّ وهم الشياطين. وجعل جمهور المفسرين قوله {ولو شئنا لآتينا كلّ نفس هُدَاها} إلى آخره جواباً موجهاً من قبل الله تعالى إلى المجرمين عن قولهم {أية : ربّنا أبصرنا}تفسير : [السجدة: 12] الخ. ووجود الواو في أول هذا الكلام ينادي على أنه ليس جواباً لقول المشركين يومئذ فهم أقل من أن يجعلوا أهلاً لتلقي هذه الحكمة بل حقهم الإعراض عن جوابهم كما جاء في آية سورة المؤمنين (106 ــــ 108): {أية : قالوا ربنا غَلَبَتْ علينا شقوتُنا وكنّا قوماً ضالّين ربنا أخرجنا منها فإنْ عدنا فإنّا ظالمون قال اخسأوا فيها ولا تُكَلّمون}، تفسير : ولأنه لا يلاقي سؤالهم لأنهم سألوا الرجوع ليعملوا صالحاً ولم يكن كلامهم اعتذاراً عن ضلالهم بأن الله لم يؤتهم الهدى في الحياة الدنيا، وإنما هذا بيان من الله ساقه للرسول عليه الصلاة والسلام والمؤمنين ليحيطوا علماً بدقائق الحكمة الربانية. وعدل عن الإضافة في {حَقَّ القولُ مِني} فلم يقل: حقَّ قولي، لأنه أريد الإشارة إلى قول معهود وهو ما في سورة ص (85): {أية : لأملأنّ جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين} تفسير : أي حق القول المعهود. واجتلبت {مِن} الابتدائية لتعظيم شأن هذا القول بأنه من الله. وعدل عن ضمير العظمة إلى ضمير النفس لإفادة الانفراد بالتصرف ولأنه الأصل، مع ما في هذا الاختلاف من التفنن.

الشنقيطي

تفسير : قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة يونس في الكلام على قوله تعالى: {أية : وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي ٱلأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً} تفسير : [يونس: 99].

د. أسعد حومد

تفسير : {لآتَيْنَا} {هُدَاهَا} (13) - وَلَوْ أَرادَ اللهُ أَنْ يُلْهِمَ كُلَّ نَفْسٍ مَا تَهْتَدِي بهِ، إِلى الإِيمانِ، والعَمَلِ الصَّالِحِ، لَفَعَلَ، وَلكِنَّ تَدْبيرَهُ تَعَالى لِلْخَلقِ، وَحِكْمَتَهُ، قَضَيَا بِأَنَّ تُوضَعَ كُلُّ نَفْسٍ في المَرْتَبةِ التِي هِيَ أَهْلٌ لَها، بِحَسَبِ اسْتِعْدَادِها. وَقَدْ سَبَقَ الوَعيدُ مِنَ اللهِ تَعَالى بِأَنَّهُ سَيَمْلأُ جَهَنَّمَ مِنَ الجِنَّةِ والنَّاسِ لِعِلْمِهِ تَعَالى أَنَّ أَكْثَرَهُمْ سَيَخْتَارُونَ الضَّلاَلَةَ عَلَى الهُدَى. حَقَّ القَوْلُ - ثَبَتَ وَتَحَقَّقَ وَنَفَذَ قَضَاءُ اللهِ. الجِنَّةِ -الجِنِّ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : هنا قد يسأل سائل: لماذا جعل الله الناسَ: مؤمناً وكافراً، وطائعاً وعاصياً؟ لماذا لم يجعلنا جميعاً مهتدين طائعين؟ أهذا صعب على الله سبحانه؟ لا، ليس صعباً على الله تعالى، بدليل أنه خلق الملائكة طائعين مُنفِّذين لأوامره سبحانه {أية : لاَّ يَعْصُونَ ٱللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} تفسير : [التحريم: 6]. كذلك الأرض والسماء والجبال .. إلخ، كلها تُسبِّح الله وتعبده {أية : كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاَتَهُ وَتَسْبِيحَهُ ..} تفسير : [النور: 41]. وقال: {أية : وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَـٰكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ..} تفسير : [الإسراء: 44]، وبعد ذلك يعطي الله تعالى لبعض خَلْقه معرفة هذا التسبيح، كما قال في حق داود عليه السلام: {أية : وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ ٱلْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ ..} تفسير : [الأنبياء: 79]. نعم، هي تُسبِّح أيضاً مع غير داود، لكن الميزة أنها تشترك معه في تسبيح واحد، كأنهم (كورس) يرددون نشيداً واحداً. وعرفنا في قصة الهدهد وسليمان - عليه السلام - أنه كان يعرف قضية التوحيد على أتمِّ وجه، كأحسن الناس إيماناً بالله، وهو الذي قال عن بلقيس ملكة سبأ: {أية : وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ ٱلسَّبِيلِ فَهُمْ لاَ يَهْتَدُونَ} تفسير : [النمل: 24]. وقال {أية : أَلاَّ يَسْجُدُواْ للَّهِ ٱلَّذِي يُخْرِجُ ٱلْخَبْءَ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ} تفسير : [النمل: 25]. والحق - سبحانه وتعالى - حينما يريد أنْ يُدلِّل لخَلْقه على قدرته يجعل من الضعف قوة، ومن القوة ضعفاً، وانظر إلى حال المؤمنين الأوائل، وكم كانوا أذلة مستضعفين، فلما أسلموا رفعهم الله بالإسلام وجعلهم سادة. ومشهورة قصة الصِّدِّيق أبي بكر لما أَدخل عليه المستضعفين أمثال: عمار وبلال .. وترك صناديد قريش بالباب، فعاتبه أبوه على ذلك: كيف يُدخِل العبيد ويترك هؤلاء السادة بالباب؟ فقال أبو بكر: يا أبي، لقد رفع الإسلام الخسيسة، وإذا كان هؤلاء قد ورمتْ أنوفهم أن يدخل العبيد قبلهم، فكيف بهم حين يُدخِلهم اللهُ الجنةَ قبلهم؟ وعجيب أن يصدر هذا الكرم من الصِّدِّيق أبي بكر، مع ما عُرِف عنه من اللين ورِقَّة القلب والحلم. وهذا لون من تبديل الأحوال واجتماع الأضداد، وقد عرض الحق - تبارك وتعالى - لهذه المسألة في قوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ أَجْرَمُواْ كَانُواْ مِنَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ يَضْحَكُونَ * وَإِذَا مَرُّواْ بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ} تفسير : [المطففين: 29-30] يعني: يسخرون منهم ويهزأون بهم، كما نسمع من أهل الباطل يقولون للإنسان المستقيم (خدنا على جناحك). وليت الأمر ينتهي عند هذا الحد، إنما إذا عادوا إلى أهلهم كرروا هذا الاستهزاء، وتبجحوا به، وفرحوا لإيذائهم لأهل التقوى والاستقامة: {أية : وَإِذَا ٱنقَلَبُوۤاْ إِلَىٰ أَهْلِهِمُ ٱنقَلَبُواْ فَكِهِينَ * وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوۤاْ إِنَّ هَـٰؤُلاَءِ لَضَالُّونَ * وَمَآ أُرْسِلُواْ عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ} تفسير : [المطففين: 31-33] لكن يُنهي الحق سبحانه هذا الموقف بقوله: {أية : فَٱلْيَوْمَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مِنَ ٱلْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ * عَلَى ٱلأَرَآئِكِ يَنظُرُونَ} تفسير : [المطففين: 34-35] ثم يسألهم الله {أية : هَلْ ثُوِّبَ ٱلْكُفَّارُ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ} تفسير : [المطففين: 36]. فهنا يقول الحق سبحانه: لا تفهموا أن أحداً تأبى عليَّ، من خَلْقي، إنما أردتُ لهم الاختيار، ثم أخبرتهم بما أحبّ أنْ يفعلوه، فيريد الله أن يعلم علم وقوع بمَنْ آمن به، وهو يملك ألاَّ يؤمن. وإلا فهو سبحانه عالم أزلاً؛ ليكون الفعل حجة على أصحابه، إذن: إياك أنْ تظنَّ أنك باختيارك كسرت قهر العلى. وسبق أنْ قُلْنا: إن الذين أَلِفوا التمرد على الله إيماناً به، فكفروا وتمردوا على طاعته فعصوه .. إلخ نقول لهم: ما دُمْتم قد تعودتم التمرد على أوامر الله، فلماذا لا تتمردون على المرض مثلاً أو على الموت؟ إذن: أنت عبد رغم أنفك. يقول سبحانه هنا: {وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا ..} [السجدة: 13] أي: لَجعل الناس كالملائكة، وكالمخلوقات المسيَّرة التي لا اختيار لها، وسبق أنْ قُلْنا: إن المخلوقات كلها خُيِّرت في حمل الأمانة، وليس الإنسان وحده، لكن الفرق أن ابن آدم أخذ الاختيار مُفصَّلاً، وبقية الخَلْق أخذوا الاختيار جملة، بدليل قوله تعالى: {أية : إِنَّا عَرَضْنَا ٱلأَمَانَةَ عَلَى ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَٱلْجِبَالِ فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا ٱلإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً} تفسير : [الأحزاب: 72]. ومعنى الهداية في {وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا ..} [السجدة: 13] أي: هدى المعونة، وإلا فقد هدى اللهُ جميعَ الناس هُدى الدلالة على طريق الخير، فالذي اخذ بهدى الدلالة وقال على العين والرأس يأخذ هدى المعونة، كما قال سبحانه: {أية : وَٱلَّذِينَ ٱهْتَدَوْاْ زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقُوَاهُمْ} تفسير : [محمد: 17]. ولكي نفهم الفرق بين الهديين، اقرأ: {أية : وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ ..} تفسير : [فصلت: 17] أي: دللناهم وأرشدناهم {أية : فَٱسْتَحَبُّواْ ٱلْعَمَىٰ عَلَى ٱلْهُدَىٰ ..} تفسير : [فصلت: 17]. ثم يقول سبحانه: {وَلَـٰكِنْ حَقَّ ٱلْقَوْلُ مِنِّي لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ} [السجدة: 13]. الحق سبحانه يريد أنْ يثبت لخَلْقه أنه هو الأَوْلَى بالحكمة في الخَلْق، بدليل أن الذي يشذ عن مراد الله لا بُدَّ أن يفسد به المجتمع، كما نرى المجتمعات تشقى بكفر الكافر، وبعصيان العاصي. والحق سبحانه يترك الكافر يكفر باختياره، والعاصي يعصي باختياره ليؤذي الناس بإثم الكافر وبإثم العاصي، وعندها يعودون إلى تشريع الله ويلجئون إلى ساحته سبحانه، ولو أن الناس عملوا بشرع الله ما حدث فساد في الكون ولا خَلَلٌ في حياتهم أبداً. لذلك نفرح حينما ينتقم الله من أهل الكفر ومن أهل المعصية، ونقول: الحمد لله الذي أراح منهم البلاد والعباد. إذن: مخالفة منهج الله في القمة كفراً به سبحانه، وفي غيرها معصية لأمره هو الذي يبين مزايا الإيمان وحلاوة التشريع. وقلنا: إن التشريع يجب أنْ يأخذه المكلَّف أَخْذاً كاملاً بما له وبما عليه، فالله كلَّفك ألاَّ تسرق من الناس، وكلَّف الناسَ جميعاً ألاَّ يسرقوا منك. ومعنى {وَلَـٰكِنْ حَقَّ ٱلْقَوْلُ مِنِّي ..} [السجدة: 13] أي: وقع وثبت وقُطع به، ويأتي هذا المعنى بلفظ سبق، كما في {أية : وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا ٱلْمُرْسَلِينَ} تفسير : [الصافات: 171] وفي قصة نوح عليه السلام: {أية : فَٱسْلُكْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ ٱثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ ٱلْقَوْلُ ..} تفسير : [المؤمنون: 27]. وقال تعالى حكاية عن الكفار في حوارهم يوم القيامة: {أية : فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِّنَآ إِنَّا لَذَآئِقُونَ} تفسير : [الصافات: 31]. ومعنى {لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ} [السجدة: 13] عرفنا أن الله تعالى خلق الجنة، وخلق لها أهلاً يملأونها، وخلق النار وخلق لها أهلاً يملأونها، فليس فيهما أزمة أماكن، فالجنة أُعِدَّتْ لتسع جميع الخَلْق إنْ آمنوا، وكذلك النار أُعِدَّتْ لتسع الخَلْق جميعاً إنْ كفروا. لذلك حين يذهب أهل الجنة إلى الجنة يرثون أماكن أهل النار فيها، كما قال سبحانه: {أية : وَنُودُوۤاْ أَن تِلْكُمُ ٱلْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} تفسير : [الأعراف: 43]. والجِنَّة: أي الجِنّ والعفاريت. ثم يقول الحق سبحانه: {فَذُوقُواْ بِمَا نَسِيتُمْ ...}.