٣٢ - ٱلسَّجْدَة
32 - As-Sajda (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
12
Tafseer
الرازي
تفسير : لما ذكر أنهم يرجعون إلى ربهم بين ما يكون عند الرجوع على سبيل الإجمال بقوله: {وَلَوْ تَرَىٰ إِذِ ٱلْمُجْرِمُونَ نَاكِسُواْ رُءوسِهِمْ } يعني لو ترى حالهم وتشاهد استخجالهم لترى عجباً، وقوله: {تَرَى } يحتمل أن يكون خطاباً مع الرسول صلى الله عليه وسلم تشفياً لصدره فإنهم كانوا يؤذونه بالتكذيب، ويحتمل أن يكون عاماً مع كل أحد كما يقول القائل إن فلاناً كريم إن خدمته ولو لحظة يحسن إليك طول عمرك ولا يريد به خاصاً، وقوله: {عِندَ رَبّهِمْ } لبيان شدة الخجالة لأن الرب إذا أساء إليه المربوب، ثم وقف بين يديه يكون في غاية الخجالة. ثم قال تعالى: {رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا } يعني يقولون أو قائلين {رَبَّنَا أَبْصَرْنَا } وحذف يقولون إشارة إلى غاية خجالتهم لأن الخجل العظيم الخجالة لا يتكلم، وقوله: {رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا } أي أبصرنا الحشر وسمعنا قول الرسول فارجعنا إلى دار الدنيا لنعمل صالحاً، وقولهم: {إِنَّا مُوقِنُونَ } معناه إنا في الحال آمنا ولكن النافع الإيمان والعمل الصالح، ولكن العمل الصالح لا يكون إلا عند التكليف به وهو في الدنيا فارجعنا للعمل، وهذا باطل منهم فإن الإيمان لا يقبل في الآخرة كالعمل الصالح أو نقول المراد منه أنهم ينكرون الشرك كما قالوا: { أية : وَمَا كُنَّا مُشْرِكِينَ } تفسير : [الأنعام:23] فقالوا إن هذا الذي جرى علينا ما جرى إلا بسبب ترك العمل الصالح وأما الإيمان فإنا موقنون وما أشركنا.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَلَوْ تَرَىٰ إِذِ ٱلْمُجْرِمُونَ نَاكِسُواْ رُءُوسِهِمْ عِندَ رَبِّهِمْ} ابتداء وخبر. قال الزجاج: والمخاطبة للنبيّ صلى الله عليه وسلم مخاطبةٌ لأمته. والمعنى: ولو ترى يا محمد منكري البعث يوم القيامة لرأيت العجب. ومذهب أبي العباس غير هذا، وأن يكون المعنى: يا محمد، قل للمجرم ولو ترى إذ المجرمون ناكسو رؤوسهم عند ربهم لندمت على ما كان منك. «نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ» أي من الندم والخزي والحزن والذلّ والغم. «عِنْدَ رَبِّهِمْ» أي عند محاسبة ربهم وجزاء أعمالهم. «رَبَّنَا» أي يقولون ربنا. «أَبْصَرْنَا» أي أبصرنا ما كنا نكذب. «وَسَمِعْنَا» ما كنا ننكر. وقيل: «أَبْصَرْنَا» صدق وعيدك. «وَسَمِعْنَا» تصديق رسلك. أَبْصَرُوا حين لا ينفعهم البصر، وسمعوا حين لا ينفعهم السمع. «فَارْجِعْنَا» أي إلى الدنيا. {نَعْمَلْ صَالِحاً إِنَّا مُوقِنُونَ} أي مصدقون بالبعث؛ قاله النقاش. وقيل: مصدقون بالذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم أنه حق؛ قاله يحيـى بن سلام. قال سفيان الثوريّ: فأكذبهم الله تعالى فقال: {أية : وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ}تفسير : [الأنعام: 28]. وقيل: معنى «إِنَّا مُوقِنُونَ» أي قد زالت عنا الشكوك الآن؛ وكانوا يسمعون ويبصرون في الدنيا، ولكن لم يكونوا يتدبرون، وكانوا كمن لا يبصر ولا يسمع، فلما تنبهوا في الآخرة صاروا حينئذٍ كأنهم سمعوا وأبصروا. وقيل: أي ربنا لك الحجة، فقد أبصرنا رسلك وعجائب خلقك في الدنيا، وسمعنا كلامهم فلا حجة لنا. فهذا اعتراف منهم، ثم طلبوا أن يردّوا إلى الدنيا ليؤمنوا.
ابن كثير
تفسير : يخبر تعالى عن حال المشركين يوم القيامة، وقالهم حين عاينوا البعث وقاموا بين يدي الله عز وجل، حقيرين ذليلين، ناكسي رؤوسهم، أي: من الحياء والخجل يقولون: {رَبَّنَآ أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا} أي: نحن الآن نسمع قولك، ونطيع أمرك؛ كما قال تعالى: {أية : أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا} تفسير : [مريم: 38] وكذلك يعودون على أنفسهم بالملامة إذا دخلوا النار بقولهم: {أية : لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِىۤ أَصْحَـٰبِ ٱلسَّعِيرِ} تفسير : [الملك: 10] وهكذا هؤلاء يقولون: {رَبَّنَآ أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا} أي: إلى دار الدنيا {نَعْمَلْ صَـٰلِحاً إِنَّا مُوقِنُونَ} أي: قد أيقنا وتحققنا فيها أن وعدك حق، ولقاءك حق، وقد علم الرب تعالى منهم أنه لو أعادهم إلى دار الدنيا، لكانوا كما كانوا فيها كفاراً يكذبون بآيات الله، ويخالفون رسله، كما قال تعالى: {أية : وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ وُقِفُواْ عَلَى ٱلنَّارِ فَقَالُواْ يٰلَيْتَنَا نُرَدُّ وَلاَ نُكَذِّبَ بِـآيَـٰتِ رَبِّنَا} تفسير : [الأنعام: 27] الآية، وقال ههنا: {وَلَوْ شِئْنَا لأَتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا} كما قال تعالى: {أية : وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِى ٱلأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا} تفسير : [يونس: 99]. {وَلَـٰكِنْ حَقَّ ٱلْقَوْلُ مِنْى لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ} أي: من الصنفين، فدارهم النار لامحيد لهم عنها، ولا محيص لهم منها، نعوذ بالله وكلماته التامة من ذلك، {فَذُوقُواْ بِمَا نَسِيتُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَـٰذَآ} أي: يقال لأهل النار على سبيل التقريع والتوبيخ: ذوقوا هذا العذاب بسبب تكذيبكم به، واستبعادكم وقوعه، وتناسيكم له إذ عاملتموه معاملة من هو ناس له {إِنَّا نَسِينَـٰكُمْ} أي: سنعاملكم معاملة الناسي؛ لأنه تعالى لا ينسى شيئاً، ولا يضل عنه شيء، بل من باب المقابلة؛ كما قال تعالى: {أية : وَقِيلَ ٱلْيَوْمَ نَنسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَذّآ} تفسير : [الجاثية: 34] وقوله تعالى: {وَذُوقُـواْ عَذَابَ ٱلْخُلْدِ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} أي: بسبب كفركم وتكذيبكم؛ كما قال تعالى في الآية الأخرى: {أية : لاَّ يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْداً وَلاَ شَرَاباً إِلاَّ حَمِيماً وَغَسَّاقاً جَزَآءً وِفَاقاً إِنَّهُمْ كَانُواْ لاَ يَرْجُونَ حِسَاباً وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا كِذَّاباً وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَاباً فَذُوقُواْ فَلَن نَّزِيدَكُمْ إِلاَّ عَذَاباً} تفسير : [النبأ: 24 ــــ 30].
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَلَوْ تَرَىٰ إِذِ ٱلْمُجْرِمُونَ } الكافرون {نَاكِسُواْ رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ} مطأطئوها حياء يقولون {رَبَّنَآ أَبْصَرْنَا } ما أنكرنا من البعث {وَسَمِعْنَا } منك تصديق الرسل فيما كذبناهم فيه {فَٱرْجِعْنَا } إلى الدنيا {نَعْمَلْ صَٰلِحاً } فيها {إِنَّا مُوقِنُونَ } الآن فما ينفعهم ذلك ولا يرجعون، وجواب لو لرأيت أمراً فظيعاً.
الشوكاني
تفسير : قوله: {وَلَوْ تَرَىٰ إِذِ ٱلْمُجْرِمُونَ نَاكِسُواْ رُءوسِهِمْ عِندَ رَبّهِمْ } المراد بالمجرمين هم: القائلون: {أئذا ضللنا}، والخطاب هنا لكل من يصلح له، أو لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ويجوز أن يراد بالمجرمين كل مجرم، ويدخل فيه أولئك القائلون دخولاً أولياً، ومعنى {نَاكِسُواْ رُءوسِهِمْ }: مطأطئوها حياء وندماً على ما فرط منهم في الدنيا من الشرك بالله والعصيان له، ومعنى عند ربهم: عند محاسبته لهم. قال الزجاج: والمخاطبة للنبي صلى الله عليه وسلم مخاطبة لأمته، فالمعنى: ولو ترى يا محمد منكري البعث يوم القيامة لرأيت العجب {رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا } أي يقولون: ربنا أبصرنا الآن ما كنا نكذب به وسمعنا ما كنا ننكره. وقيل: أبصرنا صدق وعيدك، وسمعنا تصديق رسلك، فهؤلاء أبصروا حين لم ينفعهم البصر، وسمعوا حين لم ينفعهم السمع {فَٱرْجِعْنَا } إلى الدنيا {نَعْمَلْ } عملاً {صَـٰلِحاً } كما أمرتنا {إِنَّا مُوقِنُونَ } أي مصدقون. وقيل: مصدقون بالذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم، وصفوا أنفسهم بالإيقان الآن طمعاً فيما طلبوه من إرجاعهم إلى الدنيا، وأنى لهم ذلك فقد حقت عليهم كلمة الله فإنهم {أية : لَوْ رُدُّواْ لَعَـٰدُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَـٰذِبُونَ } تفسير : [الأنعام: 28]. وقيل: معنى {إِنَّا مُوقِنُونَ } أنها قد زالت عنهم الشكوك التي كانت تخالطهم في الدنيا لما رأوا ما رأوا وسمعوا ما سمعوا، ويجوز أن يكون معنى {أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا }: صرنا ممن يسمع ويبصر فلا يحتاج إلى تقدير مفعول، ويجوز أن يكون صالحاً مفعولاً لـ {نعمل} كما يجوز أن يكون نعتاً لمصدر محذوف، وجواب لو محذوف، أي لرأيت أمراً فظيعاً وهولاً هائلاً. {وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا } هذا ردّ عليهم لما طلبوا الرجعة، أي لو شئنا لآتينا كلّ نفس هداها فهدينا الناس جميعاً فلم يكفر منهم أحد. قال النحاس: في معنى هذا قولان: أحدهما: أنه في الدنيا، والآخر: أنه في الآخرة، أي ولو شئنا لرددناهم إلى الدنيا {وَلَـٰكِنْ حَقَّ ٱلْقَوْلُ مِنْي لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ } وجملة: {ولو شئنا} مقدّرة بقول معطوف على المقدّر قبل قوله: {أبصرنا} أي ونقول لو شئنا، ومعنى {وَلَـٰكِنْ حَقَّ ٱلْقَوْلُ مِنْي } أي نفذ قضائي وقدري وسبقت كلمتي {لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ } هذا هو القول الذي وجب من الله وحقّ على عباده ونفذ فيه قضاؤه، فكان مقتضى هذا القول أنه لا يعطي كلّ نفس هداها، وإنما قضى عليهم بهذا؛ لأنه سبحانه قد علم أنهم من أهل الشقاوة، وأنهم ممن يختار الضلالة على الهدى. والفاء في قوله: {فَذُوقُواْ بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاء يَوْمِكُمْ هَـٰذَا } لترتيب الأمر بالذوق على ما قبله، والباء في {بما نسيتم} للسببية، وفيه إشعار بأن تعذيبهم ليس لمجرد سبق القول المتقدّم، بل بذاك وهذا واختلف في النسيان المذكور هنا، فقيل: هو النسيان الحقيقي، وهو الذي يزول عنده الذكر. وقيل: هو الترك. والمعنى على الأوّل: أنهم لم يعملوا لذلك اليوم، فكانوا كالناسين له الذين لا يذكرونه. وعلى الثاني: لا بدّ من تقدير مضاف قبل لقاء، أي ذوقوا بسبب ترككم لما أمرتكم به عذاب لقاء يومكم هذا، ورجح الثاني المبرد وأنشد:شعر : كأنه خارج من جنب صفحته سفود شرب نسوه عند مفتأد تفسير : أي تركوه، وكذا قال الضحاك ويحيـى بن سلام: إن النسيان هنا بمعنى: الترك. قال يحيـى بن سلام: والمعنى: بما تركتم الإيمان بالبعث في هذا اليوم تركناكم من الخير، وكذا قال السدّي، وقال مجاهد: تركناكم في العذاب. وقال مقاتل: إذا دخلوا النار. قالت لهم الخزنة: ذوقوا العذاب بما نسيتم، واستعار الذوق للإحساس، ومنه قول طفيل:شعر : فذوقوا كما ذقنا غداة محجة من الغيظ في أكبادنا والتحوّب تفسير : وقوله: {وَذُوقُـواْ عَذَابَ ٱلْخُلْدِ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } تكرير لقصد التأكيد، أي ذوقوا العذاب الدائم الذي لا ينقطع أبداً بما كنتم تعملونه في الدنيا من الكفر والمعاصي. قال الرازي في تفسيره: إن اسم الإشارة في قوله: {بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاء يَوْمِكُمْ هَـٰذَا } يحتمل ثلاثة أوجه: أن يكون إشارة إلى اللقاء، وأن يكون إشارة إلى اليوم، وأن يكون إشارة إلى العذاب. وجملة: {إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِـئَايَـٰتِنَا } مستأنفة لبيان ما يستحق الهداية إلى الإيمان، ومن لا يستحقها. والمعنى: إنما يصدق بآياتنا وينتفع بها {ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكّرُواْ بِهَا خَرُّواْ سُجَّداً } لا غيرهم ممن يذكر بها، أي يوعظ بها ولا يتذكر ولا يؤمن بها، ومعنى {خرّوا سجداً}: سقطوا على وجوههم ساجدين تعظيماً لآيات الله وخوفاً من سطوته وعذابه {وَسَبَّحُواْ بِحَمْدِ رَبّهِمْ } أي نزّهوه عن كل ما لا يليق به ملتبسين بحمده على نعمه، التي أجلها وأكملها الهداية إلى الإيمان، والمعنى: قالوا في سجودهم: سبحان الله وبحمده، أو سبحان ربي الأعلى وبحمده. وقال سفيان: المعنى: صلوا حمداً لربهم، وجملة: {وَهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ } في محل نصب على الحال، أي حال كونهم خاضعين لله، متذللين له غير مستكبرين عليه. {تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمْ عَنِ ٱلْمَضَاجِعِ } أي ترتفع وتنبو، يقال: جفى الشيء عن الشيء، وتجافى عنه: إذا لم يلزمه ونبا عنه، والمضاجع جمع: المضجع، وهو الموضع الذي يضطجع فيه. قال الزجاج والرماني: التجافي والتجفي إلى جهة فوق، وكذلك هو في الصفح عن المخطىء في سبّ ونحوه. والجنوب جمع جنب، والجملة في محل نصب على الحال، أي متجافية جنوبهم عن مضاجعهم، وهم المتهجدون في الليل الذين يقومون للصلاة عن الفراش، وبه قال الحسن ومجاهد وعطاء والجمهور. والمراد بالصلاة: صلاة التنفل بالليل من غير تقييد. وقال قتادة وعكرمة: هو التنفل ما بين المغرب والعشاء. وقيل: صلاة العشاء فقط، وهو رواية عن الحسن وعطاء. وقال الضحاك: صلاة العشاء والصبح في جماعة. وقيل: هم الذين يقومون لذكر الله سواء كان في صلاة أو غيرها {يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً }: هذه الجملة في محل نصب على الحال أيضاً من الضمير الذي في جنوبهم، فهي حال بعد حال، ويجوز أن تكون الجملة الأولى مستأنفة لبيان نوع من أنواع طاعاتهم، والمعنى: تتجافى جنوبهم حال كونهم داعين ربهم خوفاً من عذابه وطمعاً في رحمته {وَمِمَّا رَزَقْنَـٰهُمْ يُنفِقُونَ } أي من الذي رزقناهم أو من رزقهم، وذلك الصدقة الواجبة. وقيل: صدقة النفل، والأولى الحمل على العموم. وانتصاب {خوفاً} و{طمعاً} على العلة، ويجوز أن يكونا مصدرين منتصبين بمقدّر. {فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ } النكرة في سياق النفي تفيد العموم، أي لا تعلم نفس من النفوس، أيّ نفس كانت، ما أخفاه الله سبحانه لأولئك الذين تقدّم ذكرهم، مما تقرّ به أعينهم، قرأ الجمهور {من قرّة} بالإفراد، وقرأ ابن مسعود وأبو هريرة وأبو الدرداء: "من قرّات" بالجمع، وقرأ حمزة "ما أخفي" بسكون الياء على أنه فعل مضارع مسند إلى الله سبحانه، وقرأ الباقون بفتحها فعلاً ماضياً مبنياً للمفعول. وقرأ ابن مسعود: "ما نخفي" بالنون مضمومة، وقرأ الأعمش: "يخفي" بالتحتية مضمومة. قال الزجاج في معنى قراءة حمزة: أي منه ما أخفى الله لهم، وهي قراءة محمد بن كعب، و «ما» في موضع نصب. ثم بيّن سبحانه أن ذلك بسبب أعمالهم الصالحة، فقال: {جَزَاء بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } أي لأجل الجزاء بما كانوا يعملونه في الدنيا أو جوزوا جزاء بذلك. {أَفَمَن كَانَ مُؤْمِناً كَمَن كَانَ فَاسِقاً } الاستفهام للإنكار، أي ليس المؤمن كالفاسق، فقد ظهر ما بينهما من التفاوت، ولهذا قال: {لاَّ يَسْتَوُونَ } ففيه زيادة تصريف لما أفاده الإنكار الذي أفاده الاستفهام. قال الزجاج: جعل الاثنين جماعة حيث قال: {لاَّ يَسْتَوُونَ } لأجل معنى من، وقيل: لكون الاثنين أقلّ الجمع، وسيأتي بيان سبب نزولها آخر البحث. ثم بيّن سبحانه عاقبة حال الطائفتين وبدأ بالمؤمنين فقال: {أَمَّا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ فَلَهُمْ جَنَّـٰتُ ٱلْمَأْوَىٰ } قرأ الجمهور: {جنات} بالجمع. وقرأ طلحة بن مصرف: "جنة المأوى" بالإفراد، والمأوى هو الذي يأوون إليه، وأضاف الجنات إليه، لكونه المأوى الحقيقي. وقيل: المأوى: جنة من الجنات، وقد تقدّم الكلام على هذا، ومعنى {نُزُلاً }: أنها معدّة لهم عند نزولهم، وهو في الأصل: ما يعدّ للنازل من الطعام والشراب كما بيّناه في آل عمران، وانتصابه على الحال. وقرأ أبو حيوة: «نزلاً» بسكون الزاي. والباء في {بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } للسببية، أي بسبب ما كانوا يعملونه، أو بسبب عملهم. ثم ذكر الفريق الآخر، فقال: {وَأَمَّا ٱلَّذِينَ فَسَقُواْ } أي خرجوا عن طاعة الله وتمرّدوا عليه وعلى رسله {فَمَأْوَاهُمُ ٱلنَّارُ } أي منزلهم الذي يصيرون إليه ويستقرون فيه هو النار {كُلَّمَا أَرَادُواْ أَن يَخْرُجُواُ مِنْهَا أُعِيدُواْ فِيهَا } أي إذا أرادوا الخروج منها ردّوا إليها راغمين مكرهين. وقيل: إذ دفعهم اللهب إلى أعلاها ردّوا إلى مواضعهم {وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُواْ عَذَابَ ٱلنَّارِ ٱلَّذِي كُنتُمْ بِهِ تُكَذّبُونَ } والقائل لهم هذه المقالة هو خزنة جهنم من الملائكة، أو القائل لهم هو الله عزّ وجلّ، وفي هذا القول لهم حال كونهم قد صاروا في النار من الإغاظة ما لا يخفى. {وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مّنَ ٱلْعَذَابِ ٱلأَدْنَىٰ } وهو عذاب الدنيا. قال الحسن وأبو العالية والضحاك والنخعي: هو مصائب الدنيا وأسقامها. وقيل: الحدود. وقيل: القتل بالسيف يوم بدر. وقيل: سنين الجوع بمكة. وقيل: عذاب القبر، ولا مانع من الحمل على الجميع {دُونَ ٱلْعَذَابِ ٱلأَكْبَرِ } وهو عذاب الآخرة {لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ } مما هم فيه من الشرك والمعاصي بسبب ما ينزل بهم من العذاب إلى الإيمان والطاعة ويتوبون عما كانوا فيه. وفي هذا التعليل دليل على ضعف قول من قال: إن العذاب الأدنى هو عذاب القبر. {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكّرَ بِـئَايَـٰتِ رَبّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا } أي لا أحد أظلم منه لكونه سمع من آيات الله ما يوجب الإقبال على الإيمان والطاعة، فجعل الإعراض مكان ذلك، والمجيء بثمّ للدلالة على استبعاد ذلك. وأنه مما ينبغي أن لا يكون {إِنَّا مِنَ ٱلْمُجْرِمِينَ مُنتَقِمُونَ } أي من أهل الإجرام على العموم فيدخل فيه من أعرض عن آيات الله دخولاً أوّلياً. وقد أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عباس في قوله: {إِنَّا نَسِينَـٰكُمْ } قال: تركناكم. وأخرج البيهقي في الشعب عنه قال: نزلت هذه الآية في شأن الصلوات الخمس: {إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِـئَايَـٰتِنَا ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكّرُواْ بِهَا خَرُّواْ سُجَّداً } أي أتوها {وَسَبَّحُواْ } أي صلوا بأمر ربهم {وَهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ } عن إتيان الصلاة في الجماعات. وأخرج الترمذي وصححه، وابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه، ومحمد بن نصر في كتاب الصلاة عن أنس بن مالك: أن هذه الآية {تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمْ عَنِ ٱلْمَضَاجِعِ } نزلت في انتظار الصلاة التي تدعى العتمة. وأخرج البخاري في تاريخه، وابن مردويه عنه قال: نزلت في صلاة العشاء. وأخرج الفريابي وابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عنه أيضاً في الآية قال: كانوا لا ينامون حتى يصلوا العشاء. وأخرج ابن أبي شيبة عنه قال: كنا نجتنب الفرش قبل صلاة العشاء. وأخرج عبد الرزاق في المصنف، وابن مردويه عنه أيضاً قال: ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم راقداً قط قبل العشاء، ولا متحدّثاً بعدها، فإن هذه الآية نزلت في ذلك: {تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمْ عَنِ ٱلْمَضَاجِعِ }. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {تتجافى جنوبهم عن المضاجع} قال: حديث : هم الذين لا ينامون قبل العشاء فأثنى عليهمتفسير : . فلما ذكر ذلك جعل الرجل يعتزل فراشه مخافة أن تغلبه عينه فوقتها قبل أن ينام الصغير ويكسل الكبير. وأخرج ابن مردويه عن بلال قال: كنا نجلس في المسجد وناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلون بعد المغرب العشاء تتجافى جنوبهم عن المضاجع. وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد وابن عديّ وابن مردويه عن أنس نحوه. وأخرج ابن أبي شيبة وأبو داود ومحمد بن نصر وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في سننه عن أنس في قوله: {تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمْ عَنِ ٱلْمَضَاجِعِ } قال: كانوا ينتظرون ما بين المغرب والعشاء يصلون. وأخرج أحمد وابن جرير وابن مردويه عن معاذ بن جبل عن النبيّ صلى الله عليه وسلم في قوله: {تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمْ } قال: قيام العبد من الليل. وأخرج أحمد والترمذي وصححه والنسائي وابن ماجه وابن نصر في كتاب الصلاة وابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في الشعب عن معاذ بن جبل عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، وذكر حديثاً وأرشد فيه إلى أنواع من الطاعات، وقال فيه: «حديث : وصلاة الرجل في جوف الليل»تفسير : ، ثم قرأ: {تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمْ عَنِ ٱلْمَضَاجِعِ } وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة مرفوعاً في حديث قال فيه: «حديث : وصلاة المرء في جوف الليل»تفسير : ، ثم تلا هذه الآية. وأخرج ابن مردويه عن أنس في الآية قال: كان لا تمرّ عليهم ليلة إلا أخذوا منها. وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد من طريق أبي عبد الله الجدلي عن عبادة بن الصامت عن كعب قال: «إذا حشر الناس نادى مناد: هذا يوم الفصل أين الذين تتجافى جنوبهم عن المضاجع» الحديث. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في الآية يقول: تتجافى لذكر الله كلما استيقظوا ذكروا الله، إما في الصلاة، وإما في القيام أو القعود. أو على جنوبهم لا يزالون يذكرون الله. وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير ومحمد بن نصر وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، والحاكم وصححه، والبيهقي في البعث عن ابن عباس قال: كان عرش الله على الماء، فاتخذ جنة لنفسه. ثم اتخذ دونها أخرى، ثم أطبقهما بلؤلؤة واحدة، ثم قال: {أية : وَمِن دُونِهِمَا جَنَّتَانِ } تفسير : [الرحمن: 62] لم يعلم الخلق ما فيهما. وهي التي قال الله: {فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ } تأتيهم منها كل يوم تحفة. وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني، والحاكم وصححه عن ابن مسعود قال: إنه لمكتوب في التوراة: لقد أعدّ الله للذين تتجافى جنوبهم عن المضاجع ما لم تر عين، ولم تسمع أذن، ولم يخطر على قلب بشر، ولا يعلم ملك مقرّب ولا نبيّ مرسل، وإنه لفي القرآن: {فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ }. وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : قال الله تعالى: أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر»تفسير : . قال أبو هريرة: واقرؤوا إن شئتم: {فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ }. وفي الباب أحاديث عن جماعة من الصحابة، وهي معروفة فلا نطول بذكرها. وأخرج أبو الفرج الأصبهاني في كتاب الأغاني، والواحدي وابن عدي وابن مردويه والخطيب وابن عساكر من طرق عن ابن عباس قال: قال الوليد بن عقبة لعليّ بن أبي طالب: أنا أحدّ منك سناناً، وأنشط منك لساناً، وأملأ للكتيبة منك، فقال له عليّ: اسكت فإنما أنت فاسق، فنزلت: {أَفَمَن كَانَ مُؤْمِناً كَمَن كَانَ فَاسِقاً لاَّ يَسْتَوُونَ } يعني بالمؤمن: علياً، وبالفاسق: الوليد بن عقبة بن أبي معيط. وأخرج ابن مردويه والخطيب وابن عساكر عنه في الآية نحوه. وروي نحو هذا عن عطاء بن يسار والسديّ، وعبد الرحمن بن أبي ليلى. وأخرج الفريابي وابن منيع وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني، والحاكم وصححه وابن مردويه، والبيهقي في الدلائل عن ابن مسعود في قوله: {وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مّنَ ٱلْعَذَابِ ٱلأَدْنَىٰ } قال: يوم بدر {دُونَ ٱلْعَذَابِ ٱلأَكْبَرِ } قال: يوم القيامة {لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ } قال: لعلّ من بقي منهم أن يتوب فيرجع. وأخرج ابن أبي شيبة والنسائي وابن المنذر والحاكم وصححه وابن مردويه عن ابن مسعود في الآية قال: العذاب الأدنى: سنون أصابتهم {لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ } قال: يتوبون. وأخرج مسلم وعبد الله بن أحمد في زوائد المسند وأبو عوانة في صحيحه وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه والبيهقي في الشعب عن أبيّ بن كعب في قوله: {وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مّنَ ٱلْعَذَابِ ٱلأَدْنَىٰ } قال: مصائب الدنيا والروم، والبطشة والدخان. وأخرج ابن جرير عنه قال: يوم بدر. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس: {مّنَ ٱلْعَذَابِ ٱلأَدْنَىٰ } قال: الحدود {لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ } قال: يتوبون. وأخرج ابن منيع وابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه، قال السيوطي بسند ضعيف، عن معاذ بن جبل: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : ثلاث من فعلهنّ فقد أجرم: من عقد لواء في غير حق، أو عقّ والديه، أو مشى مع ظالم لينصره فقد أجرم، يقول الله: {إِنَّا مِنَ ٱلْمُجْرِمِينَ مُنتَقِمُونَ }» تفسير : . قال ابن كثير بعد إخراجه: هذا حديث غريب.
الماوردي
تفسير : قوله تعالى: {وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُواْ رُءُسِهِم عِند رَبِّهمُ} أي عند محاسبة ربهم وفيه أربعة أوجه: أحدها: من الغم، قاله ابن عيسى. الثاني: من الذل، قاله ابن شجرة. الثالث: من الحياء،حكاه النقاش. الرابع: من الندم، قاله يحيى بن سلام. {رَبَّنَآ أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا} فيه وجهان: أحدهما: أبصرنا صدق وعيدك وسمعنا تصديق رسلك، قاله ابن عيسى. الثاني: أبصرنا معاصينا وسمعنا ما قيل فينا، قال قتادة، أبصروا حين لم ينفعهم البصر وسمعوا حين لم ينفعهم السمع. {فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً إِنَّا مُوقِنُونَ} أي ارجعنا إلى الدنيا نعمل فيها صالحاً. {إِنَّا مُوقِنُونَ} فيه وجهان: أحدهما: مصدقون بالبعث، قاله النقاش. الثاني: مصدقون بالذي أتي به محمد صلى الله عليه وسلم أنه حق، قاله يحيى بن سلام. قال سفيان: فأكذبهم الله فقال: {أية : وَلَو رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنهُ} تفسير : [الأنعام: 28] الآية. قوله تعالى: {وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍٍ هُدَاهَا} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: هدايتها للإيمان. الثاني: للجنة. الثالث: هدايتها في الرجوع إلى الدنيا لأنهم سألوا الرجعة ليؤمنوا. {وَلَكِنْ حَقَّ الْقَولُ مِنِّي} فيه وجهان: أحدهما: معناه سبق القول مني، قاله الكلبي ويحيى بن سلام. الثاني: وجب القول مني، قاله السدي كما قال كثير: شعر : فإن تكن العتبى فأهلاً ومَرْحباً وحقت لها العتبى لدنيا وقلّت تفسير : {لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِن الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ} يعني من عصاه من الجنة والناس. وفي الجنة قولان: أحدهما: أنه الجن، قاله ابن كامل. الثاني: أنهم الملائكة، رواه السدي عن عكرمة، وهذا التأويل معلول لأن الملائكة لا يعصون الله فيعذبون. وسموا جنة لاجتنانهم عن الأبصار ومنه قول زيد بن عمرو: شعر : عزلت الجن والجنان عني كذلك يفعل الجلد الصبور تفسير : قوله: {فَذُوقُواْ بِمَا نَسِيتُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَذَا} فيه وجهان: أحدهما: فذوقوا عذابي بما تركتم أمري، قال الضحاك. الثاني: فذوقوا العذاب بما تركتم الإيمان بالبعث في هذا اليوم، قاله يحيى بن سلام. {إِنَّا نَسِينَاكُمْ} فيه وجهان: أحدهما: إنا تركناكم من الخير، قاله السدي. الثاني: إنا تركناكم في العذاب، قاله مجاهد. {وَذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ} وهو الدائم الذي لا انقطاع له. {بِمَ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} يعني في الدنيا من المعاصي، وقد يعبر بالذوق عما يطرأ على النفس وإن لم يكن مطعوماً لإحساسها به كإحساسها بذوق الطعام، قال ابن أبي ربيعة: شعر : فذُقْ هجرها إن كنت تزعم أنه رشاد ألا يا رب ما كذب الزعم
ابن عطية
تفسير : قوله تعالى: {لو ترى} تعجيب لمحمد وأمته من حال الكفرة وما حل بهم، وجواب {لو} محذوف لأن حذفه أهول إذ يترك الإنسان فيه مع أقصى تخيله، و {المجرمون} هم الكافرون بدليل التوعد بالنار وبدليل قولهم {إنا موقنون} أي أنهم كانوا في الدنيا غير موقنين، وتنكيس الرؤوس هو من الذل واليأس والهم بحلول العذاب وتعلق نفوسهم بالرجعة إلى الدنيا، وفي القول محذوف تقديره يقولون {ربنا} وقولهم {أبصرنا وسمعنا} أي ما كنا نخبر به في الدنيا فكنا مكذبين به، ثم طلبوا الرجعة حين لا ينفع ذلك، ثم أخبر تعالى عن نفسه أنه لو شاء لهدى الناس أجمعين بأن يلطف بهم لطفاً يؤمنون به ويخترع الإيمان في نفوسهم، هذا مذهب أهل السنة، وقال بعض المفسرين تعرض عليهم آية يضطرهم بها إلى الإيمان. قال الفقيه الإمام القاضي: وهذا قول بعض المعتزلة، إلا أن من أشرنا إليه من المفسرين لم يقدر قدر القول ولا مغزاه ولذلك حكاه، والذي يقود المعتزلة إلى هذه المقالة أنهم يرون أن من يقدر على اللطف بإنسان حتى يؤمن ولا يفعل فإن ذلك ليس من الحكمة ولا من الأمر المستقيم، والكلام على هذه المسألة يطول وله تواليفه، و {الجنة} الشياطين، وقوله {فذوقوا} بمعنى يقال لهم ذوقوا، و {نسيتم} معناه تركتم، قاله ابن عباس وغيره، وفي الكلام حذف مضاف تقديره عمل أو عدة ونحوه، وقوله {إنا نسيناكم} سمى العقوبة باسم الذنب، وقوله {بما كنتم تعملون} أي بتكسبكم الآثام، ثم أثنى عز وجل على القوم الذين يؤمنون بآياته ووصفهم بالصفة الحسنى بسجودهم عند التذكير وتسبيحهم وعدم استكبارهم بخلاف ما يصنع الكفر من الإعراض عند التذكير وقول الهجر وإظهار التكبر. وهذه السجدة من عزائم سجود القرآن، وقال ابن عباس: السجود هنا بمعنى الركوع، وقد روي عن ابن جريج ومجاهد أن هذه الآية نزلت بسبب قوم من المنافقين كانوا إذا أقيمت الصلاة خرجوا من المسجد فكان الركوع يقصد من هذا، ويلزم على هذا أن تكون الآية مدنية، وأيضاً فمن مذهب ابن عباس أن القارىء للسجدة يركع واستدل بقوله {أية : وخر راكعاً وأناب} تفسير : [ص: 24].
ابن عبد السلام
تفسير : {نَاكِسُواْ رُءُوسِهِمْ} من الغم، أو الذل، أو الحياء، أو الندم، {عِندَ رَبِّهِمْ} عند محاسبته {أَبْصَرْنَا} صِدقَ وعيدك {وَسَمِعْنَا} صدق رسلك، أو أبصرنا معاصينا وسمعنا ما قيل فينا. {مُوقِنُونَ} مصدقون بالبعث أو بما أتى به محمد صلى الله عليه وسلم.
السيوطي
تفسير : أخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله {ولو ترى إذ المجرمون ناكسوا رؤوسهم عند ربهم ربنا أبصرنا وسمعنا} قال: أبصروا حين لم ينفعهم البصر، وسمعوا حين لم ينفعهم السمع. وفي قوله {ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها} قال: لو شاء الله لهدى الناس جميعاً، ولو شاء الله أنزل عليهم من السماء آية {أية : فظلت أعناقهم لها خاضعين}تفسير : [الشعراء: 4]. وأخرج الحكيم الترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "حديث : إن الله يعتذر إلى آدم يوم القيامة بثلاثة معاذير. يقول: يا آدم لولا أني لعنت الكذابين، وأبغض الكذب والخلف، وأعذب عليه لرحمت اليوم ذريتك أجمعين من شدة ما أعددت لهم من العذاب، ولكن حق القول مني لمن كذب رسلي، وعصى أمري {لأملأن جهنم منكم أجمعين} [الأعراف: 18] ويقول: يا آدم إني لا أدخل أحداً من ذريتك النار، ولا أعذب أحداً منهم بالنار إلا من قد علمت في سابق علمي أني لو رددته إلى الدنيا لعاد إلى شر مما كان فيه لم يراجع ولم يعتب، ويقول له: يا آدم قد جعلتك اليوم حكماً بيني وبين ذريتك، قم عند الميزان، فانظر ما يرفع إليك من أعمالهم، فمن رجح منهم خيره على شره مثقال ذرة، فله الجنة حتى تعلم أني لا أدخل النار اليوم منهم إلا ظالماً ". تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه في قوله {فذوقوا بما نسيتم لقاء يومكم هذا} قال: تركتم أن تعملوا للقاء يومكم هذا. وأخرج ابن أبي الدنيا عن الضحاك رضي الله عنه {فذوقوا بما نسيتم..} قال: اليوم نترككم في النار كما تركتم أمري. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {إنا نسيناكم} قال: تركناكم. وأخرج البيهقي في شعب الإِيمان عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: نزلت هذه الآية في شأن الصلوات الخمس {إنما يؤمن بآياتنا الذين إذا ذكروا بها خروا سجداً} أي أتوها {وسبحوا} أي صلوا بأمر ربهم {وهم لا يستكبرون} عن اتيان الصلوات في الجماعات.
القشيري
تفسير : مَلَكَتْهُم الدهشةُ وغَلَبتهم الخَجْلَةُ، فاعتذروا حينَ لا عذْرَ، واعترفوا ولا حينَ اعتراف.
اسماعيل حقي
تفسير : {ولو ترى} [واكر بينى اى بيننده] {اذ المجرمون} هم القائلون أئذا ضللنا الخ. قال فى الكواشى لو واذ للماضى ودخلتا على المستقبل هنا لان من فعله كالماضى لتحقق وقوعه {ناكسوا رءُوسهم عند ربهم} النكس قلب الشئ على رأسه: وبالفارسية [سرفرو افكندن ونكونسار كردن] اى مطرقوا رؤسهم وطأطئوها فى موقف العرض على الله من الحياء والحزن والغم يقولون {ربنا} [اى بروردكار ما] {ابصرنا وسمعنا} اى صرنا ممن يبصر ويسمع وحصل لنا الاستعداد لادراك الآيات المبصرة والمسموعة وكنا من قبل عميا لاندرك شيئا {فارجعنا} فارددنا الى الدنيا من رجعه اى رده وصرفه {نعمل} عملا {صالحا} حسبما تقضيه تلك الآيات {انا موقنون} الآن: يعنى [بى كمانيم]. قال فى الارشاد ادعاء منهم لصحة الافئدة والاقتدار على فهم معانى الآيات والعمل بموجبها كما ان ما قبله ادعاء لصحة مشعرى البصر والسمع كأنهم قالوا ايقنا وكنا من قبل لا نعقل شيئا اصلا وجواب لو محذوف اى لرأيت امرا فظيعا فهذا الامر مستقبل فى التحقيق ماض بحسب التأويل كأنه قيل قد انقضى الامر ومضى لكنك ما رأيته ولو رأيته لرأيت امرا فظيعا. وفى التأويلات النجمية يشير الى اهل الدنيا من المجرمين وكان جرمهم انهم نكسوا رؤسهم فى اسفل الدنيا وشهواتها بعد ان خلقوا رافعى رؤسهم عند ربهم يوم الميثاق عند استماع خطاب ألست بربكم حيث رفعوا رؤسهم وقالوا بلى فلما ابتلوا بالدنيا وشهواتها وتزيينها من الشيطان نكسوا رؤسهم بالطبع فيها فصاروا كالبهائم والانعام فى طلب شهوات الدنيا كما قال تعالى {أية : اولئك كالانعام بل هم اضل} تفسير : لان للانعام ضلالة طبيعية جبلية فى طلب شهوات الدنيا وما كانوا مأمورين بعبودية الله ولا منهيين عن الشهوات حتى يحصل لهم ضلالة مخالفة للامر والنهى وللانسان شركة مع الانعام فى الضلالة الطبيعية بميل النفس الى الدنيا وشهواتها وله اختصاص بضلالة المخالفة فلهذا صار اضل من الانعام فكما عاشوا ناكسى رؤسهم الى شهوات الدنيا ماتوا فيما عاشوا فيه ثم حشروا على ما ماتوا عليه ناكسى رؤسهم عند ربهم وقد ملكتهم الدهشة وغلبتهم الخجلة فاعتذروا حين لا عذر واعترفوا حين لا اعتراف شعر : سر ازجيب غفلت بر آور كنون كه فردا نماند بخجلت نكون كنونت كه جشمست اشكى ببار زبان دردهانست عذرى بيار نه بيوسته باشد روان در بدن نه همواره كردد زبان در دهن
صدر المتألهين الشيرازي
تفسير : جزاء "لو" محذوف، وهو مثل "لرأيت أمراً فظيعاً" إن كانت امتناعية كما عليه الأكثرون، والخطاب حينئذٍ إما للرسول (صلّى الله عليه وآله وسلم)، أو لكل أحد، كما يقال: "فلان لئيم إنْ أكرمتَهُ أهانك" مِن غير أن يقصد مخاطب مخصوص. "ولو" "وإذ" وان كانتا للمضي، إلاَّ أنه ساغ وشاع استعمالها في كلام الله للترقب، لأنه بمنزلة المتحقق الوقوع. وفيه سر آخر. ويحتمل أن يراد به التمني، ونسبة التمني ها هنا للرسول (صلّى الله عليه وآله وسلم) كنسبة الترجي له في قوله تعالى: {أية : لَّعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ}تفسير : [الأنبياء:31] لتجرعه منهم كاسات الغَصَص لأجل تكذيبهم إيّاه وعداوتهم وضرارهم، فجعل الله له تمني أن يراهم على تلك الصفة الفظيعة من انتكاس رؤوسهم وحزنهم وغمهم وتأسفهم، ليشمت بهم. هذا ما في الكشّاف. وفيه: أن هذا لا يلائم كونه (صلّى الله عليه وآله وسلم) رحمة للعالمين، وجلالة قدره أرفع من الشماتة والانتقام للتشفي لسَوْرَة الغضب، لأن هذا من انفعالات القوى الجرمانية المتعلقة بالمواد، وله مقام العِندية إلى فوق كل غرض جزئي وجراحة قلبية، سيما وسياق الآية يدل على كون المجرمين ممن لهم شائبة نور الإيمان، إذ لو سقطوا بالكلية عن نور الفطرة واحتجبوا رأساً، وانطمست نفوسهم لغلبة الكفر، وزالت أنوارهم العقلية بالرَّيْن، وانغلقت أبواب المغفرة في حقهم، لم يقولوا: "أبصَرْنا وسمعنا"، ولم يتمنَوا الرجوع لأن يعملوا العمل الصالح، ولم يكونوا موقنين، فهؤلاء وإن احتجبوا عن لقاء الله بسبب شدة ميلهم إلى الجهة السفلية، وانتكاس رؤوسهم إلى الجرميات والظلمات، لكنهم لبقاء الاعتماد بالمبدأ والمعاد، ومرتبة الرسالة الحاصلة لخير العباد، وتمنّيهم الرجوع للعمل الصالح، لا يخلدون في العقاب، كما توهمه المعتزلة كالزمخشري وأترابه، بل يعذّبون حيناً بحسب رسوخ الهيآت، ثم يرجعون إلى الفطرة - كما عليه أكثر الأمة وأصحابنا الإمامية رضوان الله عليهم -، وشأن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلم) وعادته بالقياس إلى مثل هؤلاء ومن هو أبعد منهم عن الحق، ما أفصلح الله عنه بقوله: {أية : أَمَّا مَنِ ٱسْتَغْنَىٰ * فَأَنتَ لَهُ تَصَدَّىٰ}تفسير : [عبس:5 - 6]. وقوله: {أية : فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَىٰ آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُواْ بِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ أَسَفاً} تفسير : [الكهف:6]. أثر تَبَصُّري فإن قلت: إن هذا الانكشاف ربما يحصل للمجرمين بعد الموت عند مشاهدة الأحوال ومعاينة الأهوال، فيعلمون بصدق الوعد والوعيد، ويصدّقون خبر الرسالة. قلت: هذا القدر من الإيقان لا يحصل للكفّار المطموسة أبصارهم وأسماعهم بالكلية، المحتجبة نفوسهم بالرَّين والظلمة الدائمة، لقوله تعالى: {أية : وَمَن كَانَ فِي هَـٰذِهِ أَعْمَىٰ فَهُوَ فِي ٱلآخِرَةِ أَعْمَىٰ وَأَضَلُّ سَبِيلاً}تفسير : [الإسراء:72]، فبحكم عكس النقيض: كل من كان في الآخرة بصيراً سميعاً، فله في الدنيا شيء من نور البصيرة الإيمانية، وان كان في غاية الضعف والقصور والآفة والمرض والعَمَش والسبل، لا العمى والكَمَه. سِرُّ إفاضيّ إعلم أن الله تعالى لما ذكر مبدأ خلقة الإنسان بحسب كل من أصلَيْه الروحاني والجسماني، وبيّن كيفية معاده، بأن توجه معنوي لنفوسهم، وسلوك طريق في الباطن إليه تعالى، إما بالوصول والرجوع إليه تعالى وإلى رضوانه - ان كانت من السعداء، وذلك يتوفى مَلَك موكل على جذب الأرواح إليه تعالى بطريق مستقيم - وإما بالانحراف عن الصراط المستقيم، والانتكاس إلى أسفل الجحيم، وذلك يتوفى ملائكة العذاب، فحسب إياها على ما ذكر، فأراد أن يبين أن استيناف هذه الحركة المعنوية للنفوس الغير البالغة حد الكمال، هل هو متصور أم لا؟ فكشف قناع الإبهام عن وجه هذه المسألة على وجه ظهر استحالة رجوع النفس إلى مبدأ تكونها، كي ينقطع طمع بعض الناس في تجويز العود إلى الدنيا مرة أخرى، كما ذهبت إليه طائفة من التناسخية. وهذه الاستحالة لا تظهر حق الظهور إلاَّ بنور الرسالة، وما ينتهي إليه، لأن عقول العقلاء وأذهان جماهير الحكماء الغير المقتبسين أنوار حكمتهم من مشكاة النبوة والولاية، قاصرة عنها، والدلائل على أبطال التناسخ غير قاطعة، ولهذا وقع الخطاب للنبي (صلّى الله عليه وآله وسلم) لاختصاصه بمشاهدة أحوالهم على وجه يمتنع لهم الرجوع إلى الدنيا، لصيرورة نفوسهم مصوّرة بهيآت رديّة خرجت بها عن أصل الفطرة والاستعداد، وبقيت فيها داعية الاستكمال مع بطلان الآلة المعدّة للكمال. ومما ينبهك على بطلان التناسخ واستحالة الرجوع إلى الحالة الأولى، مقايستك حال النفس في تطوراتها وشؤوناتها بحال البدن في تدرجاته وترقياته من حد الطفولية، بل من أول قرار المني في الرحم إلى غاية الشيخوخة، فكما أن للبدن بعدما خرج من القوة والاستعداد اللذين كانا له حال كونه منياً وفي كل حالة من حالات الطفولية والصَبَوية والمراهقية والشباب والكهولة والشيخوخة طوراً إذا بلغ إليه، يستحيل له بحسب الطبع أن يرجع إلى حالة سابقة له، فكذلك قياس النفس في أوقات تكوّنها وبلوغها إلى مرتبة من الفعلية بعد كونها أمراً ساذجاً ولوحاً صافياً وعقلاً هيولانياً، يكون بالقوة من كل الوجوه، فإذا خرجت عن الهيولانية وصارت بالفعل بسبب اشتغالها بالبدن، وبسبب استعمالها للحواس والمشاعر والآلات، سواء فيما خلقت لأجله، حتى تكون شاكرة، أم لا حتى تصير كفورة، فلا يمكن رجوعها إلى حالتها التي كانت بحسبها بالقوة. وبهذا الأصل، دفعنا شبهة التناسخ بإذن الله وتأييده، فإن من جوّز انتقال النفس بعد موتها إلى جسد مّا يتكون في الرحم من المني، يلزم عليه أن يكون شيء واحد بالقوة وبالفعل في مرتبة واحدة، فتمنّي الرجوع إلى أول الخلقة وحالة الترابية والهيولية للإنسان، كما وقع للكفار على ما حكى الله عنهم بقوله: {أية : يٰلَيْتَنِي كُنتُ تُرَاباً} تفسير : [النبأ:40]، تمنى أمر مستحيل الحصول. وفي قوله تعالى: {أية : قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ ٱلْمَوْتِ ٱلَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ}تفسير : [السجدة:11] إشارة لطيفة إلى أن التوجه من هذه النشأة إلى نشآت أخرى، أمر منوط بالأسباب القاصية الفاعلية، والعلل الذاتية السابقة القضائية، فيكون التوجه إلى عالم الموت والنشأة الثانية أمراً طبيعياً، والحركات الطبيعية المنوطة بالأسباب العالية يستحيل عليها الرجوع كما في حركات الأفلاك. ورأيت في خُطب أمير المؤمنين صلوات الله عليه ما ترجمته هذا البيت الفارسي: شعر : سوى مرك است خلق را آهنك دم زدن كام وروز وشب فرسنك
الجنابذي
تفسير : {وَلَوْ تَرَىٰ} لو للتّمنّى او للشّرط، واذا كانت للشّرط كان الجزاء محذوفاً اى لرأيت امراً عجيباً والجملة حاليّة بتقدير القول على الاوّل والخطاب عامّ او خاصّ بمحمّد (ص) {إِذِ ٱلْمُجْرِمُونَ نَاكِسُواْ رُءُوسِهِمْ عِندَ رَبِّهِمْ} المضاف يقولون {رَبَّنَآ أَبْصَرْنَا} بعد رجوعنا اليك او فى الدّنيا لكن لم نعمل قالوا ذلك اعترافاً بتقصيرهم {وَسَمِعْنَا} منك وقبلنا او سمعنا فى الدّنيا من انبيائك (ع) لكن لم نعمل {فَٱرْجِعْنَا} الى الدّنيا {نَعْمَلْ صَالِحاً} بعدما رأينا عظمتك وشاهدنا عقوبتك {إِنَّا مُوقِنُونَ} من غير شكٍّ وريبٍ.
اطفيش
تفسير : {وَلَوْ تَرَىَ إِذِ المُجْرِمُونَ} المشركون والخطاب لمن تأتي منه الروية او لرسول الله صلى الله عليه وسلم ونكتة الاول ان حالهم تناهت في الظهور لاهل المحشر الى حيث يمتنع خفاء ما فلا تحتصر بها رؤية رأى دون رأي ولا حبة ولو للتمني بالنسبة الى رسول الله صلى الله عليه وسلم لانه قد تجرع الغصص من اعدائه المجرمين فقال له تمن ان تراهم على الصفة الفظيعة من خزي وغم المشار الى بعضها بقوله: {نَاكِسُوا رُؤوسِهِمْ} أو ليتك ترى الآن ويجوز ان تكون لو شرطية وجوابها محذوف اي لرأيت امرا فظعيا او اسوء حال ولو الشرطية واذ للمضي وعبر بهما هنا لان المترقب من الله بمنزلة الموجود ولا مفعول لرأيت لان المراد ولو تكون منك الرؤية ونكس الرؤوس توجيهها الى الارض حياء من الله وندما على ما فعلوه. {عِندَ رَبَّهِمْ} وقوله {رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا} الخ مفعول لقول محذوف وذلك القول حال اي قائلين او يقولون او هو خبر ثان أي ناكسون قائلون ومفعول ابصر محذوف أي أبصرنا ما وعدتنا بما كنا به مكذبين من البعث وغيره وابصرنا صحة ما قلت وما وعدت من خير وشر وسمعنا من تصديق الرسل فيما كذبناهم فيه او ابصرنا معاصينا وسمعنا ما قيل فينا او كنا عميا وصما فانا الآن مبصرون وسامعون {فَارْجِعْنَا} الى الدينا. {نَعْمَلْ صَالِحاً} فيها. {إِنَّا مُوقِنُونَ} الآن إذ لم يبق لنا شك بما شهدنا يقولون ذلك كله فلا يغاثون.
اطفيش
تفسير : {ولو ترى} يا محمد، او يامن يصلح للرؤية مطلقا، لان حالهم الفظيعة لا تخفى، فلا يختص بها راء دون راء، ولا يختص باستغرابها والتعجب منها احد حال نكس رؤسهم، وقولهم: {ربنا أبصرنا} الخ حتى ان المراد صدور الرؤية، هكذا كاف فى ذلك، ولا يقدر لها مفعول، وجواب لو محذوف يقدر بعد موقنون، اى أرايت ما لا يوصف، او لو للتنمية او للترجية، ويجوز تقدير المفعول لترى، اى ولو ترى نكس المجرمين رءوسهم {إذْ المُجْرمُون} القائلون: إأذا ضللنا او المجرمون مطلقا فيدخل هؤلاء {ناكسوا} مطرقوا الى الارض {رءوسهم} من الحياء والذل {عنْد ربَّهم} حين الحساب، لظهور قبائحهم عند انفسهم وعند كل من يراهم، ولا احد يعذرهم او يستحسنها، كما وجدوا فى الدنيا من انفسهم ومن غيرهم استحسانا. {ربنا أبْصَرنا وسَمِعْنا} مفعول لخبر ثان مقدر، اى قائلون: ربنا الخ، اى شاهدنا الحق الان بأبصارنا واسماعنا، وليس الخبر كالعيان، وابصرنا وسمعنا الان، ومن قبل كنا عميا وصما، ولا مفعول لهما، او ابصرنا الان البعث الذى ننكره فى الدنيا، وسمعنا تصديقك لرسلك الان، او ابصرنا البعث، وأذعنا الان لقول رسلك، او ابصرنا قبح اعمالنا، وسمعنا قول الملائكة ان مردكم الى النار {فأرجعِنا} الى الدنيا {نَعمْل} بأسماعنا وأبصارنا وأفئدتنا {صالحاً} من التوحيد، وما يقتضيه من البعث وغيره واداء الفرائض {إنا مُوقنُون} تاكيد على طريق التعليل، او استئناف التاكيد، ولذلك لم يقل وآمنا، وقدر بعضهم: أبصرنا رسلك فى الدنيا، وآياتك، وسمعنا كلامهم، وآياتك المتلوة، فلك الحجة علينا، وهو ضعيف لان ثبوت الحجة لله تعالى ينافى الرجوع الى الدنيا.
الالوسي
تفسير : {وَلَوْ تَرَىٰ إِذِ ٱلْمُجْرِمُونَ } وهم القائلون: {أية : أَءذَا ضَلَلْنَا فِى ٱلأَرْضِ }تفسير : [السجدة: 10] أو جنس المجرمين وهم من جملتهم {نَاكِسُواْ رُءوسِهِمْ } مطرقوها من الحياء والخزي {عِندَ رَبّهِمْ } حين حسابهم لما يظهر من قبائحهم التي اقترفوها في الدنيا. وقرأ زيد بن علي رضي الله تعالى عنهما {نُكِسُواْ رُؤُوسَهُمْ } فعلاً ماضياً ومفعولاً {رَبَّنَا } بتقدير القول الواقع حالاً والعامل فيه {نَاكِسُواْ } أي يقولون ربنا الخ وهو أولى من تقدير يستغيثون بقولهم: ربنا / {أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا } أي صرنا ممن يبصر ويسمع وحصل لنا الاستعداد لإدراك الآيات المبصرة والآيات المسموعة وكنا من قبل عمياً صماً لا ندرك شيئاً {فَٱرْجِعْنَا } إلى الدنيا {نَعْمَلْ صَـٰلِحاً } حسبما تقتضيه تلك الآيات وهذا على ما قيل ادعاء منهم لصحة مشعري البصر والسمع. وقوله تعالى: {إِنَّا مُوقِنُونَ } استئناف لتعليل ما قبله، وقيل: استئناف لم يقصد به التعليل، وعلى التقديرين هو متضمن لادعائهم صحة الأفئدة والاقتدار على فهم معاني الآيات والعمل بما يوجبها، وفيه من إظهار الثبات على الإيقان وكمال رغبتهم فيه ما فيه، وكأنه لذلك لم يقولوا: أبصرنا وسمعنا وأيقنا فارجعنا الخ، ولعل تأخير السمع لأن أكثر العمل الصالح الموعود يترتب عليه دون البصر فكان عدم الفصل بينهما بالبصر أولى، ويجوز أن يقدر لكل من الفعلين مفعول مناسب له مما يبصرونه ويسمعونه بأن يقال: أبصرنا البعث الذي كنا ننكره وما وعدتنا به على إنكاره وسمعنا منك ما يدل على تصديق رسلك عليهم السلام ويراد به نحو قوله تعالى: {أية : يَـٰمَعْشَرَ ٱلْجِنّ وَٱلإنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مّنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَـٰتِي وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاء يَوْمِكُمْ هَـٰذَا } تفسير : [الأنعام: 130] لا الإخبار الصريح بلفظ إن رسلي صادقون مثلاً أو يقال أبصرنا البعث وما وعدتنا به وسمعنا قول الرسل أي سمعناه سمع طاعة وإذعان أو يقال: أبصرنا قبح أعمالنا التي كنا نراها في الدنيا حسنة وسمعنا قول الملائكة لنا إن مردكم إلى النار، وقيل: أرادوا أبصرنا رسلك وسمعنا كلامهم حين كنا في الدنيا أو أبصرنا آياتك التكوينية وسمعنا آياتك التنزيلية في الدنيا فلك الحجة علينا وليس لنا حجة فارجعنا الخ، ولا يخفى حال هذا القيل، وعلى سائر هذه التقادير وجه تقديم الأبصار على السماع ظاهر. و {لَوْ } هي التي سماها غير واحد امتناعية وجوابها محذوف تقديره لرأيت أمراً فظيعاً لا يقادر قدره. والخطاب في {تَرَى } لكل أحد ممن يصح منه الرؤية إذ المراد بيان كمال سوء حالهم وبلوغها من الفظاعة إلى حيث لا يختص استغرابها واستفظاعها براء دون راء ممن اعتاد مشاهدة الأمور البديعة والدواهي الفظيعة بل كل من يتأتى منه الرؤية يتعجب من هولها وفظاعته، وقيل: لأن القصد إلى بيان أن حالهم قد بلغت من الظهور إلى حيث يمتنع خفاؤها البتة فلا يختص برؤيتها راء دون راء، والجواب المقدر أوفق بما ذكر أولاً، والفعل منزل منزلة اللازم فلا يقدر له مفعول أي لو تكن منك رؤية في ذلك الوقت لرأيت أمراً فظيعاً، وجوز أن يكون الخطاب خاصاً بسيد المخاطبين صلى الله عليه وسلم و {لَوْ } للتمنى كأنه قيل: ليتك إذ المجرمون ناكسوا رؤسهم لتشمت بهم، وحكم التمني منه تعالى حكم الترجي وقد تقدم، ولا جواب لها حينئذ عند الجمهور، وقال أبو حيان وابن مالك: لا بد لها من الجواب استدلالاً بقول مهلهل في حرب البسوس:شعر : فلو نبش المقابر عن كليب فيخبر بالذنائب أي زير بيوم الشعثمين لقر عيناً وكيف لقاء من تحت القبور تفسير : فإن لو فيه للتمني بدليل نصب فيخبر وله جواب وهو قوله لقر، ورد بأنها شرطية و(يخبر) عطف على مصدر متصيد من (نبش) كأنه قيل: لو حصل نبش فإخبار، ولا يخفى ما فيه من التكلف، وقال الخفاجي عليه الرحمة: لو قيل: إنها لتقدير التمني معها كثيراً أعطيت حكمه واستغنى عن تقدير الجواب فيها إذا لم يذكر كما في الوصلية ونصب جوابها كان أسهل مما ذكر، وجوز أن يقدر لترى مفعول دل عليه ما بعد أي لو ترى المجرمين أو لو ترى نكسهم رؤسهم والمضي في لو الامتناعية وإذ لأن إخباره تعالى عما تحقق في علمه الأزلي لتحققه بمنزلة الماضي / فيستعمل فيه ما يدل على المضي مجازاً كلو وإذ. هذا ومن الغريب قول أبـي العباس في الآية: المعنى قل يا محمد للمجرم ولو ترى وقد حكاه عنه أبو حيان ثم قال: رأى أن الجملة معطوفة على {أية : يَتَوَفَّـٰكُم} تفسير : [السجدة: 11] داخلة تحت {قُلْ} السابق ولذا لم يجعل الخطاب فيه للرسول عليه الصلاة والسلام انتهى كلامه فلا تغفل.
ابن عاشور
تفسير : أردف ذكر إنكارهم البعث بتصوير حال المنكرين أثر البعث وذلك عند حشرهم إلى الحساب، وجيء في تصوير حالهم بطريقة حذف جواب {لو} حذفاً يرادفه أن تذهب نفس السامع كل مذهب من تصوير فظاعة حالهم وهول موقفهم بين يدي ربهم، وبتوجيه الخطاب إلى غير معيّن لإفادة تناهي حالهم في الظهور حتى لا يختصّ به مخاطب. والمعنى: لو ترى أيها الرائي لرأيت أمراً عظيماً. والمجرمون هم الذين قالوا {أية : أإذا ضللنا في الأرض أَإنّا لفي خلق جديد}تفسير : [السجدة: 10]، فهو إظهار في مقام الإضمار لقصد التسجيل عليهم بأنهم في قولهم ذلك مُجرمون، أي آتون بجُرم وهو جُرم تكذيب الرسول صلى الله عليه وسلم وتعطيل الدليل. والناكس: الذي يجعل أعلى شيء إلى أسفل، يقال: نكس رأسه، إذا طأطأه لأنه كمن جعل أعلى الشيء إلى أسفل. ونكْس الرؤوس علامة الذلّ والندامة، وذلك مما يُلاقون من التقريع والإهانة. والعندية عندية السلطة، أي وهم في حكم ربهم لا يستطيعون محيداً عنه، فشبه ذلك بالكون في مكان مختص بربهم في أنهم لا يفلتون منه. وجملة {ربنا أبصرنا وسمعنا} إلى آخرها مقول قول محذوف دلّ عليه السياق هو في موضع الحال، أي ناكسو رؤوسهم يقولون أو قائلين: أبصرْنا وسمعنا، وهم يقولون ذلك ندامة وإقراراً بأن ما توعدهم القرآن به حق. وحذف مفعول {أبصرنا} ومفعول {سمعنا} لدلالة المقام، أي أبصرنا من الدلائل المبصرَة ما يصدّق ما أُخبرنا به (فقد رأوا البعث من القبور ورأوا ما يعامل به المكذبون)، وسمعنا من أقوال الملائكة ما فيه تصديق الوعيد الذي توعدنا به، أي: فعلمنا أن ما دعانا إليه الرسول هو الحق الذي به النجاة من العذاب فأرجِعْنا إلى الدنيا نعمل صالحاً كما قالوا في موطن آخر {أية : ربنا أخِّرْنا إلى أجل قريب نُجِبْ دعوتك ونتبع الرسل}تفسير : [إبراهيم: 44]. وقوله {إنا موقنون} تعليل لتحقيق الوعد بالعمل الصالح بأنهم صاروا موقنين بحقية ما يدعوهم الرسول صلى الله عليه وسلم إليه فكانت {إنَّ} مغنية غناء فاء التفريع المفيدة للتعليل، أي ما يمنعنا من تحقيق ما وُعدنا به شك ولا تكذيب، إنَّا أيقنا الآن أن ما دُعينا إليه حق. فاسم الفاعل في قوله {موقنون} واقع زمان الحال كما هو أصله.
الشنقيطي
تفسير : قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة الأعراف، في الكلام على قوله تعالى: {أية : يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ ٱلَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْ جَآءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِٱلْحَقِّ فَهَل لَّنَا مِن شُفَعَآءَ} تفسير : [الأعراف: 53] الآية. وفي سورة مريم في الكلام على قوله تعالى: {أية : أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا} تفسير : [مريم: 38] الآية.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: إذ المجرمون: أي المشركون المكذبون بلقاء ربهم. ناكسوا رؤوسهم: أي مطأطئوها من الحياء والذل والخزي. ربنا أبصرنا: أي ما كنا ننكر من البعث. وسمعنا: أي تصديق ما كانت رسلك تأمرنا به في الدنيا. فارجعنا: أي إلى دار الدنيا. لآتينا كل نفس هداها: أي لو أردنا هداية الناس قسراً بدون اختيار منهم لفعلنا. ولكن حق القول مني: أي وجب وهو لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين. إنا نسيناكم: أي تركناكم في العذاب. عذاب الخلد: أي العذاب الخالد الدائم. بما كنتم تعملون: من سيئات الكفر والتكذيب والشر والشرك. معنى الآيات: ما زال السياق الكريم في تقرير عقيدة البعث والجزاء بذكر أحداثها وما يجري للمكذبين بها في الدار الآخرة قال تعالى: {وَلَوْ تَرَىٰ} يا رسولنا {إِذِ ٱلْمُجْرِمُونَ} وهم الذين أجرموا على أنفسهم فدنسوها بالشرك والمعاصي الحامل عليها التكذيب بلقاء الله، {نَاكِسُواْ رُءُوسِهِمْ} أي مطئطئوها خافضوها عند ربهم من الحياء والخزي الذي أصابهم عند البعث. لرأيت أمرا فظيعاً لا نظير له. وقوله تعالى {رَبَّنَآ أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا} هذا قول المجرمين وهم عند ربهم أي يا ربنا لقد أبصرنا ما كنا نكذب به من البعث والجزاء وسمعنا منك أي تصديق ما كانت رسلك تأمرنا به في الدنيا. {فَٱرْجِعْنَا} أي إلى دار الدنيا {نَعْمَلْ صَالِحاً} أي عملا صالحا {إِنَّا مُوقِنُونَ} أي الآن ولم يبق في نفوسنا شك بأنك الإِله الحق، وبأن لقاءك حق، وقوله تعالى: {وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا} وذلك لما طالب المجرمون بالعودة إلى الدنيا ليعملوا صالحاً فأخبر تعالى أنه ما هناك حاجة إلى ردهم إلى الدنيا ليؤمنوا ويعملوا الصالحات، إذ لو شاء هدايتهم لهداهم قسراً منهم بدون اختيارهم، ولكن سبق أن قضى بدخولهم جهنم فلا بد هم داخلوها وهو معنى قوله: {وَلَـٰكِنْ حَقَّ ٱلْقَوْلُ مِنِّي} أي وجب العذاب لهم وهو معنى قوله {لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلْجِنَّةِ} أي الجن {وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ} أي من كفار ومجرمي الجن والإِنس معاً. وقوله {فَذُوقُواْ} أي العذاب والخزي {بِمَا نَسِيتُمْ} أي بسبب نسيانكم {لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَـٰذَآ} فلم تؤمنوا ولم تعملوا صالحاً إنا نسيناكم أي تركناكم في العذاب. {وَذُوقُـواْ عَذَابَ ٱلْخُلْدِ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} من الشرك والمعاصي هذا يقال لهم وهم في جهنم تبكيتاً لهم وتقريعاً زيادة في عذابهم، والعياذ بالله من عذاب النار. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1) التنديد بالإِجرام والمجرمين وبيان حالهم يوم القيامة. 2) بيان عدم نفع الإِيمان عند معاينة العذاب. 3) بيان حكم الله في امتلاء جهنم من كلٍ من مجرمي الإِنس والجن. 4) تقرير حكم السببيّة فالأعمال سبب للجزاء خيراً كان أو شراً.
د. أسعد حومد
تفسير : {نَاكِسُواْ} {صَالِحاً} {رُءُوسِهِمْ} (12) - وَإِنَّكَ لَتَرى عَجَباً يَا مُحَمَّدُ لَوْ أُتيحَ لَكَ أَنْ تَرَى هؤلاءِ المُجْرِمينَ القَائِلِينَ: (أَئِذَا مِتْنَا وَتَفَرَّقَتْ أَجْسَامُنا فِي الأَرضِ سَنُخْلَقُ خَلْقاً جَديداً)، وَهُمْ وَاقِفونَ بَيْنَ يديِ اللهِ، وَهُمْ نَاكِسُو رُؤُوسِهِمْ حَيَاءً وخَجَلاً مِنْهُ، لِمَا سَلَفَ مِنْهُمْ مِنْ مَعَاصٍ في الدُّنيا، وَيَقُولُونَ: رَبَّنا أَبْصَرْنَا الحَشْرَ، وَسَمِعْنا قَولَ الرَّسُولِ، وَصَدَّقْنَا بهِ، فَارْجِعْنا إِلى الدُّنيا نَعْمَلْ صَالِحاً، فَإِنَّنا أَيْقَنَّا الآنَ مَا كُنَّا نَجْهَلُهُ في الدُّنيا مِنْ وَحدَانِيَّتِكَ، وَأَنَّهُ لاَ يَصْلُحُ لِلْعِبَادَةِ، سِوَاكَ. ولكِنَّ اللهَ تَعَالى يَعْلَمُ أنهُ لَوْ أَعَادَهُمْ إِلى الدُّنيا لَعَادُوا إِلى مَا كَانُوا فيهِ مِنَ الكُفْرِ والتَّكْذِيبِ بآياتِ اللهِ. نَاكِسُو رُؤُوسِهِمْ - مُطْرِقُوهَا خِزْياً وَنَدَماً.
الثعلبي
تفسير : قوله تعالى: {وَلَوْ تَرَىٰ إِذِ ٱلْمُجْرِمُونَ نَاكِسُواْ رُءُوسِهِمْ} أي مطأطئوا رؤوسهم {عِندَ رَبِّهِمْ} حياءً منه للذي سلف من معاصيهم في الدنيا يقولون: {رَبَّنَآ أَبْصَرْنَا} ماكنّا بِهِ مكذِّبين {وَسَمِعْنَا} منك تصديق ما أتتنا به رسلك {فَٱرْجِعْنَا} فأرددنا إلى الدنيا {نَعْمَلْ صَالِحاً إِنَّا مُوقِنُونَ} وجواب لو مضمر مجازه: لرأيت العجب {وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا} رشدها وتوفيقها للإيمان {وَلَـٰكِنْ حَقَّ} وجب وسبق {ٱلْقَوْلُ مِنِّي لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ} وهو قوله لأبليس {أية : لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ}تفسير : [ص: 85]. ثمّ يقال لأهل النار: {فَذُوقُواْ بِمَا نَسِيتُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَـٰذَآ} أي تركتم الإيمان به {إِنَّا نَسِينَاكُمْ} تركناكم في النار {وَذُوقُـواْ عَذَابَ ٱلْخُلْدِ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُون}. أخبرنا الحسين بن محمد بن فنجويه، عن أحمد بن الحسن بن ماجة القزويني، عن الحسن ابن أيّوب القزويني، عن عبدالله بن أبي زياد القطواني، عن سيار حماد الصفار، عن حجاج الأسود، عن جبلة، عن مولى له، عن كعب قال: إذا كان يوم القيامة يقوم الملائكة فيشفعون، ثمّ يقوم الأنبياء فيشفعون، ثمّ يقوم الشهداء فيشفعون ثمّ يقوم المؤمنون فيشفعون. حتّى انصرمت الشفاعة كلّها فلم يبق أحد، خرجت الرحمة، فتقول: ياربِّ أنا الرحمة فشفّعني، فيقول: قد شفّعتكِ، فتقول: ياربّ فيمَن؟ فيقول: في مَن ذكرني في مقام وخافني فيه أو رجاني أو دعاني دعوة واحدة خافني أو رجاني فأخرجيه، قال: فيخرجون فلا يبقى في النار أحد يعبأ الله به شيئاً، ثمّ يعظم أهلها بها، ثمّ يأمر بالنار فتقبض عليهم فلا يدخل فيها رَوح أبداً، ولا يخرج منها غمٌّ أبداً وقيل: {أية : ٱلْيَوْمَ نَنسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَـٰذَا}تفسير : [الجاثية: 34]. {إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُواْ بِهَا خَرُّواْ سُجَّداً وَسَبَّحُواْ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ} عن الإيمان به والسجود له. {تَتَجَافَىٰ} أي ترتفع وتنتحي، وهو تفاعل من الجفا، والجفا: التبوّء والتباعد، تقول العرب: جاف ظهرك عن الجدار، وجفت عين فلان عن الغمض إذا لم تنم. {جُنُوبُهُمْ عَنِ ٱلْمَضَاجِعِ}. أخبرني أبو عبدالله الحسين بن محمد بن الحسن قال: أخبرني أبو عمرو عثمان بن أحمد ابن سمعان الوزان، عن عبدالله بن قحطبة بن مرزوق، عن محمد بن موسى الحرشي، عن الحرث بن وحيه الراسبي قال: سمعت مالك بن دينار يقول: سألت أنس بن مالك عن قول الله تعالى: {تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمْ عَنِ ٱلْمَضَاجِعِ} ، فقال أنس: كان أُناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يُصلّون من صلاة المغرب إلى صلاة العشاء الآخرة، فأنزل الله تعالى: {تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمْ عَنِ ٱلْمَضَاجِعِ}. أخبرني الحسين بن محمد [عن موسى بن محمد، عن الحسن بن محمد، عن موسى بن محمد] عن الحسن بن علويه، عن إسماعيل بن عيسى، عن المسيب، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتاده، عن أنس بن مالك قال: نزلت فينا معاشر الأنصار: {تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمْ عَنِ ٱلْمَضَاجِعِ} الآية، كنّا نصلّي المغرب، فلا نرجع إلى رحالنا حتّى نصلّي العشاء مع النبي صلّى الله عليه وآله وسلم. وأخبرنا الحسين بن محمد عن عبدالله بن إبراهيم بن علي بن عبدالله، عن عبدالله بن محمد بن وهب، عن محمد بن حميد، عن يحيى بن الضريس، عن النضر بن حميد، عن سعيد، عن الشعبي عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من عقّب ما بين المغرب والعشاء بُني له في الجنّة قصران (ما بينهما) مسيرة (مائة) عام، وفيهما من الشجر، ما لو نزلها أهل المشرق وأهل المغرب لأوسعتهم فاكهة، وهي صلاة الأوّابين وغفلة الغافلين، وإنّ من الدعاء المستجاب الذي لا يرد الدعاء ما بين المغرب والعشاء ". تفسير : وقال عطاء: يعني يصلّون صلاة العتمة لا ينامون عنها، يدلّ عليها ما أنبأني عبدالله بن حامد، عن عبدالصمد بن الحسن بن علي بن مكرم، عن السري بن سهل، عن عبدالله بن رشيد قال: أنبأني أبو عبيدة مجاعة بن الزبير، عن أبان قال: جاءت امرأة إلى أنس بن مالك، فقالت: إنّي أنام قبل العشاء. فقال: لا تنامي. فإنّ هذه الآية نزلت في الذين لا ينامون قبل العشاء الآخرة {تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمْ عَنِ ٱلْمَضَاجِعِ}. وقال أبو العالية والحسن ومجاهد وابن زيد: هو التهجّد وقيام الليل، ودليل هذا التأويل ما أخبرنا أبو عبدالله بن فنجويه عن أبي بكر بن مالك القطيعي، عن عبدالله بن أحمد بن حنبل عن أَبي عن زيد بن الحبّاب، عن حمّاد بن سلمة، عن عاصم، عن شهر بن حوشب، عن معاذ، عن النبي صلى الله عليه وسلم: {تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمْ عَنِ ٱلْمَضَاجِعِ} {يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً} قال: قيام العبد في الليل. وأخبرنا عبدالله بن حامد الأصفهاني، عن محمّد بن عبدالله بن عبد الواحد الهمداني، عن إسحاق بن إبراهيم الدبري، عن عبد الرزاق بن معمر، عن عاصم بن أبي النجود عن أبي وائل، حديث : عن معاذ قال: كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر فأصبحت قريباً منه ونحن نسير، فقلت: يا نبيّ الله ألا تخبرني بعمل يدخلني الجنّة،ويباعدني من النار؟ قال: يا معاذ، لقد سألت عن عظيم، وإنّه ليسير على من يسّرهُ الله عليه، تعبد الله لا تشرك به شيئاً، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحجّ البيت. ثمّ قال: ألاَ أدلُّك على أبواب الخير. الصوم جُنّة من النار والصدقة تطفئ غضب الربّ وصلاة الرجل في جوف الليل ثمّ قرأ {تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمْ عَنِ ٱلْمَضَاجِعِ} حتّى بلغ {جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} ثمّ قال: ألا أخبرك بملاك ذلك كلّه. فقلتُ: بلى يا رسول الله. فأخذ بلسانه. فقال: "اكفف،عليك هذا". فقلت: يا رسول الله وإنّا لمؤاخذون بما نتكلّم؟ فقال: "ثكلتك أُمّك يا معاذ وهل يكبّ الناس في النّار على وجوههم أو على مناخرهم إلاّ حصائد ألسنتهم" . تفسير : وقال الضحّاك: هو أنْ يصلّي الرجل العشاء والغداة في جماعة. أخبرني الحسين بن فنجويه عن أحمد بن الحسين بن ماجة قال: أخبرني أبو عوانة الكوفي بالري عن منجاب بن الحرث عن علي بن مسهر عن عبدالرحمن بن إسحاق عن شهر بن حوشب عن أسماء بنت يزيد قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : إذا جمع الله الأوّلين والآخرين يوم القيامة جاء مناد فنادى بصوت يُسمع الخلائق كلّهم: سيعلمُ أهل الجمع اليوم مَنْ أولى بالكرم، ثمّ يرجع فينادي: ليقم الذين كانت تَتَجافَى جُنُوبُهُم عَنِ المَضَاجِعِ فيقومون وهم قليل، ثم يرجع فينادي: ليقم الذين كانوا يحمدون الله في البأساء والضراء. فيقومون وهم قليل، فيسرحون جميعاً إلى الجنّة ثمّ يحاسب سائر الناس ". تفسير : {يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّآ أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ} أي خُبّئ لهم، هذه قراءة العامّة. وقرأ حمزة ويعقوب أُخفي مرسلة الياء أي: أنا أخفي وحجّتهما قراءة عبدالله: نُخفي بالنون. وقرأ محمّد بن كعب: أخْفى بالألف يعني: أخفى الله من قرّة أعين، قراءة العامّة على التوحيد. أخبرنا عبدالله بن حامد الوزان، عن مكي بن عبدان، عن عبدالله بن هاشم قال: أخبرني أبو معاوية عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : يقول الله تعالى: أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، قال أبو هريرة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن بله ما (قد) أطلعتكم عليه، اقرأوا إن شئتم فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِي لَهُمْ مِنْ قُرَّاتَ أَعْيُن". تفسير : {جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} قال: وكان أبو هريرة يقرأ. هكذا: قرّات أعين. وقال ابن مسعود: إنّ في التوراة مكتوباً: لقد أعد الله للّذين تَتَجَافَى جُنوُبُهُم عَنِ المَضَاجِع ما لم تَرَ عين ولم تسمع أُذن ولا يخطر على قلب بشر وما لا يعلمه ملك مقرّب، وإنّه لفي القرآن {فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّآ أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ} الآية. قوله: {أَفَمَن كَانَ مُؤْمِناً كَمَن كَانَ فَاسِقاً لاَّ يَسْتَوُونَ} الآية نزلت في عليّ بن أبي طالب والوليد بن عقبة بن أبي معيط أخي عثمان لأُمِّهِ وذلك أنّه كان بينهما تنازع وكلام في شيء، فقال الوليد لعلي: أُسكت فإنّك صبيّ، وأنا والله أبسط منك لساناً وأَحَدُّ منك سناناً، وأشجع جناناً، وأملأُ منك حشواً في الكتيبة، فقال له علي: اسكت فإنّك فاسق، فأنزل الله عزّ وجلّ: {أَفَمَن كَانَ مُؤْمِناً كَمَن كَانَ فَاسِقاً لاَّ يَسْتَوُونَ} ولم يقل يستويان، لأنّه لم يرد بالمؤمن مؤمناً واحداً، وبالفاسق فاسقاً واحداً، وإنّما أراد جميع الفسّاق وجميع المؤمنين. قال الفرّاء: إنّ الاثنين إذا لم يكونا مصمودَين لهما ذُهب بهما مذهب الجمع. ثمّ ذكر حال الفريقين ومآلهما، فقال عزّ من قائل: { أَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ ٱلْمَأْوَىٰ نُزُلاً بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ * وَأَمَّا ٱلَّذِينَ فَسَقُواْ فَمَأْوَاهُمُ ٱلنَّارُ كُلَّمَآ أَرَادُوۤاْ أَن يَخْرُجُواُ مِنْهَآ أُعِيدُواْ فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُواْ عَذَابَ ٱلنَّارِ ٱلَّذِي كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ * وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِّنَ ٱلْعَذَابِ ٱلأَدْنَىٰ دُونَ ٱلْعَذَابِ ٱلأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} قال أُبي بن كعب وأبو العالية والضحّاك والحسن وإبراهيم: العذاب الأَدنى مصائب الدنيا وأسقامها وبلاؤها ممّا يبتلي الله به العباد حتّى يتوبوا، وهذه رواية الوالبي عن ابن عبّاس. عكرمة عنه: الحدود. عبدالله بن مسعود والحسن بن علي وعبدالله بن الحرث: القتل بالسيف يوم بدر. مقاتل: الجوع سبع سنين بمكّة حتّى أكلوا الجيف والعظام والكلاب. مجاهد: عذاب القبر. قالوا: والْعَذابِ الاْكْبَرِ، يوم القيامة {لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} عن كفرهم. قوله تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَآ إِنَّا مِنَ ٱلْمُجْرِمِينَ} المشركين {مُنتَقِمُونَ} قال زيد بن رفيع: عنى بالمجرمين هاهنا أصحاب القَدَر ثمّ قرأ {أية : إِنَّ ٱلْمُجْرِمِينَ فِي ضَلاَلٍ وَسُعُرٍ}تفسير : [القمر: 47] إلى قوله: {أية : إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ}تفسير : [القمر: 49] وأخبرنا الحسين بن محمد، عن أحمد ابن محمد بن إسحاق السني قال: أخبرني جماهر بن محمد الدمشقي، عن هشام بن عمّار، عن إسماعيل بن عياش، عن عبد العزيز بن عبدالله، عن عبادة بن سني، عن جنادة بن أبي أمية، عن معاذ بن جبل قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : ثلاث من فعلهن فقد أجرم: من اعتقد لواء في غير حقّ، أو عَقَّ والديه، أو مشى مع ظالم لينصره فقد أجرم. يقول الله تعالى: إِنَّا مِنَ المُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ ".
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : تصوِّر لنا هذه الآية مشهداً من مشاهد يوم القيامة، يوم يُساق المجرم ذليلاً إلى ما يستحق من العذاب، كأنْ ترى مجرماً مثلاً تسوقه الشرطة وهو مُكبَّل بالقيود يذوق الإهانة والمذلّة، فتشفى نفسك حين تراه ينال جزاءه بعد أنْ أتعب الدنيا وأداخ الناس. وفي هذا المشهد يخاطب الحق سبحانه نبيه صلى الله عليه وسلم، وهو أول مخاطب، ثم يصبح خطاباً لأمته: {وَلَوْ تَرَىٰ إِذِ ٱلْمُجْرِمُونَ نَاكِسُواْ رُءُوسِهِمْ عِندَ رَبِّهِمْ ..} [السجدة: 12] أي: حالة وجودهم أنهم ناكسو رءوسهم. وتقدير جواب الشرط: لرأيتَ أمراً عجيباً يشفي صدرك مما فعلوه بك. ونلحظ في هذا الأسلوب دقة الأداء في قوله تعالى: {وَلَوْ تَرَى ..} [السجدة: 12] فلم يقل مثلاً: ولو تعلم؛ لأن إخبار الله كأنه رؤيا العين، فحين يخبرك الله بأمر، فاعلم أنه أصدق من عينك حين ترى؛ لأن عينك قد تخدعك، أما إخبار الله لك فهو الحق. ومعنى {نَاكِسُواْ رُءُوسِهِمْ ..} [السجدة: 12] النكس هو جَعْل الأعلى أسفل، والرأس دائماً في الإنسان أعلى شيء فيه. وقد وردتْ هذه المادة في قوله تعالى في قصة إبراهيم عليه السلام حين حطم الأصنام، وعلَّق الفأس على كبيرهم: {أية : ثُمَّ نُكِسُواْ عَلَىٰ رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَـٰؤُلاۤءِ يَنطِقُونَ} تفسير : [الأنبياء: 65]. فبعد أنْ عادوا إلى رشدهم واتهموا أنفسهم بالظلم انتكسوا وعادوا إلى باطلهم، فقالوا: {أية : لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَـٰؤُلاۤءِ يَنطِقُونَ} تفسير : [الأنبياء: 65]. وورد هذا اللفظ أيضاً في قوله تعالى: {أية : وَمَن نُّعَمِّرْهُ نُنَكِّـسْهُ فِي ٱلْخَلْقِ أَفَلاَ يَعْقِلُونَ} تفسير : [يس: 68]. والمعنى: نرجعه من حال القوة والفتوة إلى حال الضعف والهرم وعدم القدرة، كما قال سبحانه: {أية : وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَىٰ أَرْذَلِ ٱلْعُمُرِ لِكَيْ لاَ يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً ..} تفسير : [النحل: 70]. فبعد القوة يتكئ على عصا، ثم لا يستطيع السير فيحبو، أو يُحمل كما يُحمل الطفل الصغير، هذا هو التنكيس في الخَلْق، وحين نتأمله نقول: الحمد لله لو عافانا من هذه الفترة وهذه التنكيسة، ونعلم أن الموت لُطْف من الله ورحمة بالعباد، أَلاَ ترى أن مَنْ وصل إلى هذه المرحلة يضيق به أهله، وربما تمنَّوْا وفاته ليستريح وليستريحوا؟ وتنكيس رءوس المجرمين فيه إشارة إلى أن هذه هي العاقبة فاحذر المخالفة، فمَنْ تكبر وتغطرس في الدنيا نُكِّسَتْ رأسه في الآخرة، ومَنْ تواضع لله في الدنيا رُفِعت رأسه، وهذا معنى الحديث الشريف: "من تواضع لله رفعه". وفي تنكيس رءوس المجرمين يوم القيامة معنى آخر؛ لأن الحق - سبحانه وتعالى - سيفعل في كل مخالف في الآخرة من جنس ما فعل في الدنيا، وهؤلاء الذين نكَّس الله رءوسهم في الاخرة فعلوا ذلك في الدنيا، واقرأ إن شئتَ قول ربك: {أية : أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُواْ مِنْهُ ..} تفسير : [هود: 5]. أي: يطأطئون رءوسهم؛ لكي لا يواجهوا رسول الله، فللحق صَوْلة وقوة لا يثبت الباطل أمامها؛ لذلك نسمع من أصحاب الحق: تعالَ واجهني، هات عيني في عينك، ولا بُدَّ أنْ يستخزي أهل الباطل، وأنْ يجبنوا عن المواجهة؛ لأنها ليست في صالحهم. وهذا العجز عن المواجهة يدعو الإنسان إلى ارتكاب أفظع الجرائم، ويصل به إلى القتل، والقتل لا يدل على القوة، إنما يدل على عجز وضعف وجُبْن عن المواجهة، فالقاتل أقرَّ بأنه لا يستطيع أنْ يواجه حياة عدوه فقتله، ولو كان قوياً لواجه حياته. ومن العذاب الذي يأتي من جنس ما فعل الإنسان في الدنيا قول الله تعالى في الذين يكنزون الذهب والفضة، ولا ينفقونها في سبيل الله: {أية : وَٱلَّذِينَ يَكْنِزُونَ ٱلذَّهَبَ وَٱلْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * يَوْمَ يُحْمَىٰ عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَىٰ بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَـٰذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُواْ مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ} تفسير : [التوبة: 34-35]. سبحان الله، كأنها صورة طبق الأصل مما فعلوه في الدنيا، فالواحد منهم يأتيه طالب العطاء فيعبس في وجهه، ثم يُعرض عنه، ويعطيه جنبه، ثم يعرض عنه ويعيطه ظهره، ويأتي العذاب بنفس هذا التفصيل. إذن: فعلى العاقل أن يحذر هذه المخالفات، فمن جنسها يكون العذاب في الآخرة. وهؤلاء المجرمون حال تنكيسهم يقولون: {رَبَّنَآ أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا ..} [السجدة: 12] هذا كلامهم، ومع ذلك لم يقل القرآن: قالوا أبصرنا وسمعنا، فحَذْف الفعل هنا يدل على أن القول ليس سهلاً عليهم؛ لأنه إقرار بخطئهم الأول وإعلان لذلَّة التوبة. وقلنا: إن هذه هي الآية الوحيدة التي تقدَّم فيها البصر على السمع؛ لأن الساعة حين تأتي بأهوالها نرى الهول أولاً، ثم نسمع ما نراه. لذلك يقول تعالى مُصوِّراً أثر هذا الهول: {أية : وَتَرَى ٱلنَّاسَ سُكَارَىٰ وَمَا هُم بِسُكَارَىٰ وَلَـٰكِنَّ عَذَابَ ٱللَّهِ شَدِيدٌ} تفسير : [الحج: 2]. وفي معرض حديثنا السابق عن الحواس: السمع والبصر والفؤاد فاتنا أنْ نذكر آية مهمة جاءت على غير هذا الترتيب، وهي قول الله تعالى: {أية : خَتَمَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهمْ وَعَلَىٰ سَمْعِهِمْ وَعَلَىٰ أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عظِيمٌ} تفسير : [البقرة: 7]. فجاء الفؤاد هنا أولاً، وجمع الفؤاد مع السمع في الختم لأنهما اشتركا فيه، أما البصر فاختص بشيء آخر، وهو الغشاوة التي تُغطِّي أبصارهم؛ ذلك لأن الآية السابقة في السمع والبصر والفؤاد كانت عطاءً من الله، فبدأ بالسمع، ثم البصر، ثم ترقى في العطاء إلى الفؤاد، لكن هنا المقام مقام سلب لهذه النعم، فيسلب الأهم أولاً، فأتى بالفؤاد ثم السمع ثم الأبصار. لكن أي شيء أبصروه؟ وأي شيء سمعوه في قولهم {رَبَّنَآ أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا ..} [السجدة: 12]؟ أول شيء يبصره الكافر يوم القيامة {أية : وَوَجَدَ ٱللَّهَ عِندَهُ ..} تفسير : [النور: 39] وحده سبحانه ليس معه شريك من الشركاء الذين عبدوهم في الدنيا، وليس لهم من دونه سبحانه وليٌّ، ولا شفيع، ولا نصير. ومعنى {وَسَمِعْنَا ..} [السجدة: 12] أي: ما أنزلته يا رب على رسولك، ونشهد أنه الحق وصدَّقنا الرسول في البلاغ عنك، وأنه ليس مُفْترياً، ولا هو شاعر، ولا هو ساحر، ولا هو كاذب. لكن، ما فائدة هذا الاعتراف الآن؟ وبماذا ينفعهم وهو في دار الحساب؟ لا في دار العمل والتكليف؟! وما أشبه هذا الاعتراف باعتراف فرعون قبل أنْ يغرق: {أية : آمَنتُ أَنَّهُ لاۤ إِلِـٰهَ إِلاَّ ٱلَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنوۤاْ إِسْرَائِيلَ ..} تفسير : [يونس: 90] لذلك ردَّ الله عليه: {أية : آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ ٱلْمُفْسِدِينَ} تفسير : [يونس: 91]. فقولهم: {رَبَّنَآ أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا ..} [السجدة: 12] إقرار منهم بأنهم كانوا على خطأ، وأنهم يرغبون في الرجوع إلى الصواب، كما قال سبحانه في موضع آخر: {أية : حَتَّىٰ إِذَا جَآءَ أَحَدَهُمُ ٱلْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ٱرْجِعُونِ * لَعَلِّيۤ أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ ..} تفسير : [المؤمنون: 99-100]، وردَّ الله عليه: {أية : كَلاَّ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَآئِلُهَا} تفسير : [المؤمنون: 100]. ثم كشف حقيقة أمرهم: {أية : وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} تفسير : [الأنعام: 28]. وهنا يقولون: {رَبَّنَآ أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَٱرْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً إِنَّا مُوقِنُونَ} [السجدة: 12] وهل يكون اليقين في هذا الموقف؟ اليقين إنما يكون بالأمر الغيبي، وأنتم الآن في اليقين الحسيِّ المشَاهدَ، فهو إذن يقين لا يُجدى. ثم يقول الحق سبحانه: {وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا ...}.
الجيلاني
تفسير : {وَلَوْ تَرَىٰ} أيها المعتبر الرائي يومئذٍ بعدما بعث الخلائق، وعُرضوا على ربهم حيارى سكارى، تائهين هائمين {إِذِ ٱلْمُجْرِمُونَ} المنكرون بالعبث والنشور، والعرض والجزاء وشرف اللقاء حينئذٍ {نَاكِسُواْ رُءُوسِهِمْ عِندَ رَبِّهِمْ} من غاية الخجالة والحياء، قائلين من نهاية اضطرارهم واضطرابهم، مناجين معه سبحانه {رَبَّنَآ} يا من ربانا بأنواع الكرامة فكفرناك، وأرسلت لنا رسلاً فكذبانهم عناداً، وأنكرنا عليهم وعلى دعوتهم مكابرةً، فاليوم {أَبْصَرْنَا} ما هو الحق المطابق للواقع {وَسَمِعْنَا} منك حقاً صدق رسلك، وجميع ما جاءوا به من عندك {فَٱرْجِعْنَا} بفضلك ولطفك إلى الدنيا مرة بعد أخرى {نَعْمَلْ} فيها {صَالِحاً} مرضياً عندكـ مقبولاً على مقتضى ما أبصرتنا وأسمعتنا الآن {إِنَّا مُوقِنُونَ} [السجدة: 12] اليوم بجميع ما جاء به رسلك، ونطق به كتابك. لو رأيت حالهم هذا، وسمعت مناجاتهم هذه حينئذٍ لرأيت أمراً فظيعاً فجيعاً، ثمَّ نودوا من وراء سرادقات العز والجلال: الآن قد مضى وقت الاختبار والابتلاء، وانقرض زمان التدارك والتلافي {وَلَوْ شِئْنَا} وتعلق إرادتنا بهدياتكم أولاً {لآتَيْنَا} في دار الابتدلاء {كُلَّ نَفْسٍ} منكم {هُدَاهَا} ووفقكم علهيا كما آتينا لخلَّص عبادنا، ويسرنا لهم الهداية والرشاد {وَلَـٰكِنْ حَقَّ} أي: صحَّ وثبت {ٱلْقَوْلُ} والحكم {مِنِّي} على مقتضى حكمتي ومصلحتي {لأَمْلأَنَّ} بمقتضى عزتي وجلالي {جَهَنَّمَ} المعدة لأصحاب الشقاوة والأزلية {مِنَ ٱلْجِنَّةِ} التي هي جنود إبليس {وَٱلنَّاسِ} الناسين مقتضى العهود الفطرية، والمواثيق الجبلية بتغريرات شياطين نفوسهم الأمَّارة بالسوء {أَجْمَعِينَ} [السجدة: 13] وما يبدل القول لدي، ولا معقب لحكمي. {فَذُوقُواْ} أي: قلنا لهم بعدما لم نستجب دعوتهم: ذوقوا اليوم أيها الضالون المسرفون {بِمَا نَسِيتُمْ} أي: بسبب نسيانكم {لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَـٰذَآ} مع أن الرسل بالغوا بإخباره إياكم، والكتب نطقت بتبيينه عليكم على أبلغ وجه وآكده، وأنتم أصررتم على الإنكار غافلين ناسيين مكابرين {إِنَّا نَسِينَاكُمْ} اليوم أنواع العذاب، كما نسيتم أنتم إيانا فيما مضى {وَذُوقُـواْ عَذَابَ ٱلْخُلْدِ} أي: المخلَّد المؤبَّد {بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} [السجدة: 14] من الكفران الدائم، والنيسان المستمر في النشأة الأولى، أعاذنا الله وعموم عباده من ذلك.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : ثم أخبر عن وصف المجرمين المحرومين بقوله: {وَلَوْ تَرَىٰ إِذِ ٱلْمُجْرِمُونَ نَاكِسُواْ رُءُوسِهِمْ عِندَ رَبِّهِمْ} [السجدة: 12] يشير إلى أهل الدنيا من المجرمين، وكان جرمهم أنهم نكسوا رءوسهم في أهل الدنيا وشهواتها بعد أن خلقوا رافعي رءوسهم عند ربهم يوم الميثاق عند سماع خطاب {أية : أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ} تفسير : [الأعراف: 172] رفعوا رءوسهم {أية : قَالُواْ بَلَىٰ}تفسير : [الأعراف: 172] ابتلوا بالدنيا وشهواتها وزينتها من الشيطان نكسوا رءوسهم بالطبع فيها، فصاروا كالبهائم والأنعام في طلب شهوات الدنيا. كما قال تعالى: {أية : أُوْلَـٰئِكَ كَٱلأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ} تفسير : [الأعراف: 179] لأن للأنعام ضلالة طبيعية جبلية في طلب شهوات الدنيا، وما كانوا مأمورين بعبودية الله ومنهيين عن الشهوات لكي تحصل لهم ضلالة مخالفة الأمر والنهي، وللإنسان شركة مع الأنعام في الضلالة الطبيعية بميل النفس إلى الدنيا وشهواتها ولاختصاص بضلالة المخالفة فلهذا صار أضل من الأنعام كما عاشوا ناكسوا رءوسهم إلى شهوات الدنيا ماتوا فيها عاشوا فيه، ثم حشروا على ما ماتوا عليه ناكسوا رءوسهم عند ربهم، وقد ملكتهم الدهشة وغلبتهم الحجة فاعتذروا حين لا عذر واعترفوا ولا حين اعتراف. {رَبَّنَآ أَبْصَرْنَا} [السجدة: 12] ما لم نكن نبصر، {وَسَمِعْنَا} [السجدة: 12] ما لم نكن نسمع {فَٱرْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً إِنَّا مُوقِنُونَ} [السجدة: 12] إنك قادر على توفيقنا للعمل الصالح، ولو شئنا في الأزل هدايتكم وهداية أهل الضلالة {لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا} [السجدة: 13] بإصابة رشاشة النور على الأرواح التي طفت في ظلمة ثم رش عليهم بنوره فمن أصابه ذلك النور فقد اهتدى {وَلَـٰكِنْ حَقَّ ٱلْقَوْلُ مِنِّي} قبل وجود آدم وإبليس، {لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ} [السجدة: 13] ولكن تعلقت المشيئة بإغواء قوم كما تعلقت بإدناء قوم، وإدناء أن يكون للنار قطان كما أردنا أن يكون للدنة سكان إظهاراً لصفات لطفنا وصفات قهرنا؛ لأن الجنة وأهلها مظهر لصفات لطفي والنار وأهلها مظهر لصفات قهري، وإني لفعال لما أريد. {فَذُوقُواْ بِمَا نَسِيتُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَـٰذَآ} [السجدة: 14] يشير إلى أنكم كنتم في نار البعد وعذاب الهجر في الدنيا بما نسيتم لقاءنا ولقاء يومكم هذا، ولكن كنتم في نوم الغفلة والنائم لا يذوق ألم ما عليه من العذاب ما دام كان نائماً، ولكنه إذا انتبه نومه يذوق ألم ما به من العذاب والناس نيام ليس لهم ذوق ما فيهم من العذاب، فإذا ماتوا انتبهوا، فقيل لهم: {فَذُوقُواْ بِمَا نَسِيتُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَـٰذَآ إِنَّا نَسِينَاكُمْ} [السجدة: 14] من الرحمة كما نسيتمونا من الخدمة {وَذُوقُـواْ عَذَابَ ٱلْخُلْدِ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} [السجدة: 14] الغلو في العصيان والنسيان. ثم أخبر عن أمان أهل الإيمان بقوله تعالى: {إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُواْ بِهَا خَرُّواْ سُجَّداً} [السجدة: 15] يشير إلى أن أهل الإيمان الحقيقي شعارهم الخضوع ودثارهم الخشوع بين يدي مولاهم، فإذا ذكروا بآيات الله ودعوا بها إلى الله {خَرُّواْ سُجَّداً} [السجدة: 15] في سرائرهم على تراب التذلل بنعت الذبول وحكم الخمود شاكرين الله بأنهم ذكروا بنعمة ذكروا بآيات الله، وسبحوا بحمد ربهم أي: نزهوا حضرة جلاله عن ألا يحمدوا غيره؛ لأنهم رأوه ولي نعم جميع الموجودات فالحمد لا يليق بأحد إلا به فالواجب على جميع الموجودات حمده على نعمه وثناؤه على كرمه وتحقيق قوله: {أية : وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ} تفسير : [الإسراء: 44] ولكنه تعالى أعز وأعلى قدراً من أن يخرج عن حقيقة حمده وثناء غيره، فلهذا حديث : قال تعالى ليلة المعراج للنبي صلى الله عليه وسلم: "اثن عليَّ" قال صلى الله عليه وسلم: "لا أحصي ثناء عليك"، ثم أثنى عليه فقال: "أنت كما أثنيت على نفسك" يعني: قولك {ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} [الفاتحة: 2] هو ثناء على نفسك {أية : وَهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ} تفسير : [النحل: 49] في سجودك، كما استكبر إبليس أن يسجد لك إلى قبلة آدم، ولو سجد له بأمرك لكان سجوده في الحقيقة لك، وكان آدم قبلة للسجود كما أن الكعبة قبلة لنا في سجودنا لك.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : لما ذكر تعالى رجوعهم إليه يوم القيامة، ذكر حالهم في مقامهم بين [يديه] فقال: { وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ } الذين أصروا على الذنوب العظيمة، { نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ } خاشعين خاضعين أذلاء، مقرين بجرمهم، سائلين الرجعة قائلين: { رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا } أي: بان لنا الأمر، ورأيناه عيانًا، فصار عين يقين. { فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ } أي: صار عندنا الآن، يقين بما [كنا] نكذب به، أي: لرأيت أمرا فظيعًا، وحالا مزعجة، وأقوامًا خاسرين، وسؤلا غير مجاب، لأنه قد مضى وقت الإمهال. وكل هذا بقضاء اللّه وقدره، حيث خلى بينهم وبين الكفر والمعاصي، فلهذا قال: { وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا } أي: لهدينا الناس كلهم، وجمعناهم على الهدى، فمشيئتنا صالحة لذلك، ولكن الحكمة، تأبى أن يكونوا كلهم على الهدى، ولهذا قال: { وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي } أي: وجب، وثبت ثبوتًا لا تغير فيه. { لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ } فهذا الوعد، لا بد منه، ولا محيد عنه، فلا بد من تقرير أسبابه من الكفر والمعاصي. { فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا } أي: يقال للمجرمين، الذين ملكهم الذل، وسألوا الرجعة إلى الدنيا، ليستدركوا ما فاتهم، قد فات وقت الرجوع ولم يبق إلا العذاب، فذوقوا العذاب الأليم، بما نسيتم لقاء يومكم هذا، وهذا النسيان نسيان ترك، أي: بما أعرضتم عنه، وتركتم العمل له، وكأنكم غير قادمين عليه، ولا ملاقيه. { إِنَّا نَسِينَاكُمْ } أي: تركناكم بالعذاب، جزاء من جنس عملكم، فكما نَسِيتُمْ نُسِيتُمْ، { وَذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ } أي: العذاب غير المنقطع، فإن العذاب إذا كان له أجل وغاية، كان فيه بعض التنفيس والتخفيف، وأما عذاب جهنم - أعاذنا اللّه منه - فليس فيه روح راحة، ولا انقطاع لعذابهم فيها. { بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } من الكفر والفسوق والمعاصي.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):