Verse. 3514 (AR)

٣٢ - ٱلسَّجْدَة

32 - As-Sajda (AR)

قُلْ يَتَوَفّٰىكُمْ مَّلَكُ الْمَوْتِ الَّذِيْ وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ اِلٰى رَبِّكُمْ تُرْجَعُوْنَ۝۱۱ۧ
Qul yatawaffakum malaku almawti allathee wukkila bikum thumma ila rabbikum turjaAAoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«قل» لهم «يتوفاكم ملك الموت الذي وكِّل بكم» أي يقبض أرواحكم «ثم إلى ربكم ترجعون» أحياء فيجازيكم بأعمالكم.

11

Tafseer

الرازي

تفسير : يعني لا بد من الموت ثم من الحياة بعده وإليه الإشارة بقوله: {ثُمَّ إِلَىٰ رَبّكُمْ تُرْجَعُونَ } وقوله: {ٱلَّذِى وُكّلَ بِكُمْ } إشارة إلى أنه لا يغفل عنكم وإذا جاء أجلكم لا يؤخركم إذ لا شغل له إلا هذا وقوله: {يَتَوَفَّـٰكُم مَّلَكُ ٱلْمَوْتِ } ينبـىء عن بقاء الأرواح فإن التوفي الاستيفاء والقبض هو الأخذ والإعدام المحض ليس بأخذ، ثم إن الروح الزكي الطاهر يبقى عند الملائكة مثل الشخص بين أهله المناسبين له والخبيث الفاجر يبقى عندهم كأسير بين قوم لا يعرفهم ولا يعرف لسانهم، والأول ينمو ويزيد ويزداد صفاؤه وقوته والآخر يذبل ويضعف ويزداد شقاؤه وكدورته، والحكماء يقولون إن الأرواح الطاهرة تتعلق بجسم سماوي خير من بدنها وتكمل به، والأرواح الفاجرة لا كمال لها بعد التعلق الثاني فإن أرادوا ما ذكر بها فقد وافقونا وإلا فيغير النظر في ذلك بحسب إرادتهم فقد يكون قولهم حقاً وقد يكون غير حق، فإن قيل هم أنكروا الإحياء والله ذكر الموت وبينهما مباينة نقول فيه وجهان أحدهما: أن ذلك دليل الإحياء ودفع استبعاد ذلك فإنهم قالوا: ما عدم بالكلية كيف يكون الموجود عين ذلك؟ فقال: الملك يقبض الروح والأجزاء تتفرق فجمع الأجزاء لا بعد فيه، وأمر الملك برد ما قبضه لا صعوبة فيه أيضاً، فقوله: {قُلْ يَتَوَفَّـٰكُم مَّلَكُ ٱلْمَوْتِ } أي الأرواح معلومة فترد إلى أجسادها.

القرطبي

تفسير : فيه مسألتان: الأولى: قوله تعالى: {قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ ٱلْمَوْتِ} لما ذكر استبعادهم للبعث ذكر توفّيهم وأنه يعيدهم. {يَتَوَفَّاكُم} من توفى العدد والشيء إذا استوفاه وقبضه جميعاً. يقال: توفاه الله أي استوفى روحه ثم قبضه. وتوفيت مالي من فلان أي استوفيته. {مَّلَكُ ٱلْمَوْتِ} واسمه عزرائيل ومعناه عبد الله؛ كما تقدّم في «البقرة». وتصرّفه كلّه بأمر الله تعالى وبخلقه واختراعه. وروي في الحديث: «حديث : أن البهائم كلّها يتوفّى الله أرواحها دون مَلَك الموت»تفسير : كأنه يعدم حياتها؛ ذكره ابن عطية. قلت: وقد روي خلافه، وأن مَلَك الموت يتوفّى أرواح جميع الخلائق حتى البرغوث والبعوضة. روى جعفر بن محمد عن أبيه قال: حديث : نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مَلَك الموت عند رأس رجل من الأنصار، فقال له النبيّ صلى الله عليه وسلم: «ارفق بصاحبي فإنه مؤمن» فقال مَلَك الموت عليه السلام: «يا محمد، طِب نفساً وقَرّ عَيْناً فإني بكل مؤمن رفيق. واعلم أن ما من أهل بيت مَدَر ولا شعر في بَر ولا بحر إلا وأنا أتصفحهم في كل يوم خمس مرات حتى لأنا أعرف بصغيرهم وكبيرهم منهم بأنفسهم. والله يا محمد لو أني أردت أن أقبض روح بعوضة ما قدرت على ذلك حتى يكون الله هو الآمر بقبضها»تفسير : . قال جعفر بن عليّ: بلغني أنه يتصفّحهم عند مواقيت الصلوات؛ ذكره الماورديّ. وذكر الخطيب أبو بكر أحمد بن عليّ بن ثابت البغداديّ قال: حدّثني أبو محمد الحسن بن محمد الخلال قال: حدّثنا أبو محمد عبد الله بن عثمان الصفّار قال حدّثنا أبو بكر حامد المصري قال حدّثنا يحيـى بن أيوب العلاف قال حدثنا سليمان بن مُهير الكلابيّ قال: حضرت مالك بن أنس رضي الله عنه فأتاه رجل فسأله: أبا عبد الله، البراغيث أمَلَك الموت يقبض أرواحها؟ قال: فأطرق مالك طويلاً ثم قال: ألها أنفس؟ قال: نعم. قال: مَلَك الموت يقبض أرواحها؛ {أية : ٱللَّهُ يَتَوَفَّى ٱلأَنفُسَ حِينَ مِوْتِـهَا}تفسير : [الزمر: 42]. قال ابن عطية بعد ذكره الحديث: وكذلك الأمر في بني آدم، إلا أنه نوعٌ شُرِّف بتصرف مَلَك وملائكة معه في قبض أرواحهم. فخلق الله تعالى مَلَك الموت وخلق على يديه قبض الأرواح، واستلالها من الأجسام وإخراجها منها. وخلق الله تعالى جنداً يكونون معه يعملون عمله بأمره؛ فقال تعالى: {أية : وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ يَتَوَفَّى ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلْمَلاۤئِكَةُ}تفسير : [الأنفال: 50]، وقال تعالى: {تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا} وقد مضى هذا المعنى في «الأنعام». والبارىء خالق الكل، الفاعل حقيقة لكل فعل؛ قال الله تعالى: {ٱللَّهُ يَتَوَفَّى ٱلأَنفُسَ حِينَ مِوْتِـهَا وَٱلَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِـهَا}. {أية : ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلْمَوْتَ وَٱلْحَيَاةَ} تفسير : [الملك: 2]. {يُحْيِـي وَيُمِيتُ}. فملك الموت يقبض والأعوان يعالجون والله تعالى يُزْهِق الروح. وهذا هو الجمع بين الآي والأحاديث؛ لكنه لما كان مَلَك الموت متولّي ذلك بالوساطة والمباشرة أضيف التوفّي إليه كما أضيف الخلق للملك؛ كما تقدّم في «الحج». وروي عن مجاهد أن الدنيا بين يدي مَلَك الموت كالطَّست بين يدي الإنسان يأخذ من حيث شاء. وقد روي هذا المعنى مرفوعاً، وقد ذكرناه في (كتاب التذكرة). وروي أن مَلَك الموت لما وكّله الله تعالى بقبض الأرواح قال: ربّ جعلتني أُذكر بسوء ويشتمني بنو آدم. فقال الله تعالى له: «حديث : إني أجعل للموت عللاً وأسباباً من الأمراض والأسقام ينسبون الموت إليها فلا يذكرك أحد إلا بخير»تفسير : . وقد ذكرناه في التذكرة مستوفًى ـ وقد ذكرنا أنه يدعو الأرواح فتجيئه ويقبضها، ثم يسلمها إلى ملائكة الرحمة أو العذاب ـ بما فيه شفاء لمن أراد الوقوف على ذلك. الثانية: استدلّ بهذه الآية بعض العلماء على جواز الوكالة من قوله: {وُكِّلَ بِكُمْ} أي بقبض الأرواح. قال ابن العربيّ: «وهذا أخذ من لفظه لا من معناه، ولو اطّرد ذلك لقلنا في قوله تعالى: {أية : قُلْ يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنِّي رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً} تفسير : [الأعراف: 158]: إنها نيابة عن الله تبارك وتعالى ووكالة في تبليغ رسالته، ولقلنا أيضاً في قوله تبارك وتعالى: {أية : وَآتُواْ ٱلزَّكَاةَ} تفسير : [البقرة: 43] إنه وكالة؛ فإن الله تعالى ضمن الرزق لكلّ دابة وخصّ الأغنياء بالأغذية وأوعز عليهم بأن رزق الفقراء عندهم، وأمر بتسليمه إليهم مقداراً معلوماً في وقت معلوم، دبّره بعلمه، وأنفذه من حكمه، وقدّره بحكمته. والأحكام لا تتعلق بالألفاظ إلا أن ترد على موضوعاتها الأصلية في مقاصدها المطلوبة، فإن ظهرت في غير مقصدها لم تعلّق عليها. ألا ترى أن البيع والشراء معلوم اللفظ والمعنى، وقد قال تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ ٱشْتَرَىٰ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ ٱلّجَنَّةَ} ولا يقال: هذه الآية دليل على جواز مبايعة السيد لعبده؛ لأن المقصِدَيْن مختلفان. أما إنه إذا لم يكن بدّ من المعاني فيقال: إن هذه الآية دليل على أن للقاضي أن يستنيب من يأخذ الحق ممن هو عليه قسراً دون أن يكون له في ذلك فعل، أو يرتبط به رضاً إذا وجد ذلك.

البيضاوي

تفسير : {قُلْ يَتَوَفَّـٰكُم} يستوفي نفوسكم لا يترك منها شيئاً ولا يبقي منكم أحداً، والتفعل والإِستفعال يلتقيان كثيراً كتقصيته واستقصيته وتعجلته واستعجلته. {مَّلَكُ ٱلْمَوْتِ ٱلَّذِى وُكّلَ بِكُمْ} بقبض أرواحكم وإحصاء آجالكم. {ثُمَّ إِلَىٰ رَبّكُمْ تُرْجَعُونَ} للحساب والجزاء. {وَلَوْ تَرَىٰ إِذِ ٱلْمُجْرِمُونَ نَاكِسُواْ رُؤُوسِهِمْ عِندَ رَبّهِمْ} من الحياء والخزي. {رَبَّنَا} قائلين ربنا. {أَبْصَـٰرُنَا} ما وعدتنا. {وَسَمِعْنَا} منك تصديق رسلك. {فَٱرْجِعْنَا } إلى الدنيا. {نَعْمَلْ صَـٰلِحاً إِنَّا مُوقِنُونَ } إذ لم يبق لنا شك بما شاهدنا، وجواب {لَوْ } محذوف تقديره لرأيت أمراً فظيعاً، ويجوز أن تكون للتمني والمضي فيها وفي {إِذْ } لأن الثابت في علم الله بمنزلة الواقع، ولا يقدر لـ {تَرَى } مفعول لأن المعنى لو يكون منك رؤية في هذا الوقت، أو يقدر ما دل عليه صلة إذا والخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم أو لكل أحد. {وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا} ما تهتدي به إلى الإيمان والعمل الصالح بالتوفيق له. {وَلَـٰكِنْ حَقَّ ٱلْقَوْلُ مِنِّي} ثبت قضائي وسبق وعيدي وهو {لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ } وذلك تصريح بعدم إيمانهم لعدم المشيئة المسبب عن سبق الحكم بأنهم من أهل النار، ولا يدفعه جعل ذوق العذاب مسبباً عن نسيانهم العاقبة وعدم تفكرهم فيها بقوله: {فَذُوقُواْ بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَـٰذَا} فإنه من الوسائط والأسباب المقتضية له. {إِنَّا نَسِينَـٰكُمْ} تركناكم من الرحمة، أو في العذاب ترك المنسي وفي استئنافه وبناء الفعل على أن واسمها تشديد في الانتقام منهم. {وَذُوقُـواْ عَذَابَ ٱلْخُلْدِ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} كرر الأمر للتأكيد ولما نيط به من التصريح بمفعوله وتعليله بأفعالهم السيئة من التكذيب والمعاصي كما علله بتركهم تدبر أمر العاقبة والتفكير فيها دلالة على أن كلاً منهما يقتضي ذلك. {إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِـئَايَـٰتِنَا ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكّرُواْ بِهَا} وعظوا بها. {خَرُّواْ سُجَّداً} خوفاً من عذاب الله. {وَسَبَّحُواْ} نزهوه عما لا يليق به كالعجز عن البعث. {بِحَمْدِ رَبّهِمْ} حامدين له شكراً على ما وفقهم للإسلام وآتاهم الهدى. {وَهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ} عن الإِيمان والطاعة كما يفعل من يصر مستكبراً. {تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمْ} ترتفع وتتنحى. {عَنِ ٱلْمَضَاجِعِ } الفرش ومواضع النوم. {يَدْعُونَ رَبَّهُمْ} داعين إياه. {خَوْفًا} من سخطه. {وَطَمَعًا } في رحمته. وعن النبي صلى الله عليه وسلم في تفسيرها «حديث : قيام العبد من الليل»تفسير : وعنه عليه الصلاة والسلام «حديث : إذا جمع الله الأولين والآخرين في صعيد واحد جاء منادٍ ينادي بصوت يسمع الخلائق كلهم: سيعلم أهل الجمع اليوم من أولى بالكرم، ثم يرجع فينادي: ليقم الذين كانت تتجافى جنوبهم عن المضاجع فيقومون وهم قليل، ثم يرجع فينادي: ليقم الذين كانوا يحمدون الله في السراء والضراء فيقومون وهم قليل، فيسرحون جميعاً إلى الجنة ثم يحاسب سائر الناس»تفسير : وقيل كان أناس من الصحابة يصلون من المغرب إلى العشاء فنزلت فيهم. {وَمِمَّا رَزَقْنَـٰهُمْ يُنفِقُونَ} في وجوه الخير. {فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِىَ لَهُم} لا ملك مقرب ولا نبي مرسل. {مّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ} مما تقربه عيونهم. وعنه عليه الصلاة والسلام «حديث : يقول الله تعالى: أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، بَلْهَ ما أطلعتهم عليه، أقرؤوا فلا تعلم نفس ما أخفي لهم»تفسير : وقرأ حمزة ويعقوب {أُخْفِىَ لَهُم} على أنه مضارع أخفيت، وقروء نخفي وأخفي الفاعل للكل هو الله، وقرأت {أَعْيُنِ} لاختلاف أنواعها والعلم بمعنى المعرفة و {مَا} موصوله أو استفهامية معلق عنها الفعل. {جَزَاء بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } أي جزوا جزاء أو أخفي للجزاء فإن إخفاءه لعلو شأنه. وقيل هذا القوم أخفوا أعمالهم فأخفى الله ثوابهم. {أَفَمَن كَانَ مُؤْمِناً كَمَن كَانَ فَاسِقاً} خارجاً عن الإِيمان {لاَّ يَسْتَوُونَ} في الشرف والمثوبة تأكيد وتصريح والجمع للحمل على المعنى. {أَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ فَلَهُمْ جَنَّـٰتُ ٱلْمَأْوَىٰ} فإنها المأوى الحقيقي والدنيا منزل مرتحل عنها لا محالة. وقيل المأوى جنة من الجنان. {نُزُلاً } سبق تفسيره في سورة «آل عمران». {بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} بسبب أعمالهم أو على أعمالهم. {وَأَمَّا ٱلَّذِينَ فَسَقُواْ فَمَأْوَاهُمُ ٱلنَّارُ} مكان جنة المأوى للمؤمنين. {كُلَّمَا أَرَادُواْ أَن يَخْرُجُواُ مِنْهَا أُعِيدُواْ فِيهَا} عبارة عن خلودهم فيها. {وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُواْ عَذَابَ ٱلنَّارِ ٱلَّذِي كُنتُمْ بِهِ تُكَذّبُونَ} إهانة لهم وزيادة في غيظهم.

المحلي و السيوطي

تفسير : {قُلْ } لهم {يَتَوَفَّٰكُم مَّلَكُ ٱلْمَوْتِ ٱلَّذِى وُكِّلَ بِكُمْ } أي بقبض أرواحكم {ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ } أحياء فيجازيكم بأعمالكم.

ابن عبد السلام

تفسير : {يَتَوَفَّاكُمْ} بأعوانه، أو بنفسه رأه الرسول صلى الله عليه وسلم عند رأس أنصاري. فقال أرفق بصاحبي فإنه مؤمن. فقال طِبْ نفساً وقر عيناً فإني بكل مؤمن رفيق. {ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ} إلى جزائه، أو إلى أن لا يملك لكم أحد ضراً ولا نفعاً سواه.

البقاعي

تفسير : ولما ذكر استبعادهم، وأتبعه عنادهم، وكان إنكارهم إنما هو بسبب اختلاط الأجزاء بالتراب بعد إنقلابها تراباً، فكان عندهم من المحال تمييزها من بقية التراب. دل على أن ذلك عليه هين بأن نبههم على ما هو مقرّون به مما هو مثل ذلك بل أدق. فقال مستأنفاً: {قل} أي جواباً لهم عن شبهتهم: {يتوفاكم} أي يقبض أرواحكم كاملة من أجسادكم بعد أن كانت مختلطة بجميع أجزاء البدن، لا تميز لأحدهما عن الآخر بوجه تعرفونه بنوع حيلة {ملك الموت} ثم أشار إلى أن فعله بقدرته، وأن ذلك عليه في غاية السهولة، ببناء الفعل لما لم يسم فاعله فقال: {الذي وكل بكم} أي وكله الخالق لكم بذلك، وهو عبد من عبيده، ففعل ما أمر به، فإذا البدن ملقى لا روح في شيء منه وهو على حاله كاملاً لا نقص في شيء منه يدعي الخلل بسببه، فإذا كان هذا فعل عبد من عبيده صرفه في ذلك فقام به على ما ترونه مع أن ممازجة الروح للبدن أشد من ممازجة تراب البدن لبقية التراب لأنه ربما يستدل بعض الحذاق على بعض ذلك بنوع دليل من شم ونحوه، فكيف يستبعد شيء من الأشياء على رب العالمين، ومدير الخلائق أجمعين؟. فلما قام هذا البرهان القطعي الظاهر مع دقته لكل أحد على قدرته التامة على تمييز ترابهم من تراب الأرض، وتمييز بعض تربهم من بعض، وتمييز تراب كل جزء من اجزائهم جل أو دق عن بعض. علم أن التقدير: ثم يعيدكم خلقاً جديداً كما كنتم أول مرة، فحذفه كما هو عادة القرآن في حذف كل ما دل عليه السياق ولم يدع داع إلى ذكره فعطف عليه قوله: {ثم إلى ربكم} أي الذي ابتدأ خلقكم وتربيتكم وأحسن إليكم غاية الإحسان ابتداء، لا إلى غيره، بعد إعادتكم {ترجعون} بأن يبعثكم كنفس واحدة فإذا أنتم بين يديه، فيتم إحسانه وربوبيته بأن يجازي كلاًّ بما فعل، كما هو دأب الملوك مع عبيدهم، لا يدع أحد منهم الظالم من عبيده مهملاً. ولما تقرر دليل البعث بما لا خفاء فيه ولا لبس، شرع يقص بعض أحوالهم عند ذلك، فقال عادلاً عن خطابهم استهانة بهم وإيذاناً بالغضب، وخطاباً للنبي صلى الله عليه وسلم تسلية له، أو لكل من يصح خطابه، عاطفاً على ما تقديره: فلو رأيتهم وقد بعثرت القبور، وحصل ما في الصدور، وهناك أمور أيّ أمور، موقعاً المضارع في حيز ما من شأنه الدخول على الماضي، لأنه لتحقق وقوعه كأنه قد كان، واختير التعبير به لترويح النفس بترقب رؤيته حال سماعه، تعجيلاً للسرور بترقب المحذور لأهل الشرور: {ولو ترى} أي تكون أيها الرائي من أهل الرؤية لترى حال المجرمين {إذ المجرمون} أي القاطعون لما أمر الله به أن يوصل بعد أن وقفوا بين يدي ربهم {ناكسوا رؤوسهم} أي مطأطئوها خجلاً وخوفاً وخزياً وذلاً في محل المناقشة {عند ربهم} المحسن إليهم المتوحد بتدبيرهم، قائلين بغاية الذل والرقة: {ربنا} أي أيها المحسن إلينا {أبصرنا} ما كنا نكذب به {وسمعنا} أي منك ومن ملائكتك ومن أصوات النيران وغير ذلك ما كنا نستبعده، فصرنا على غاية العلم بتمام قدرتك وصدق وعودك {فارجعنا} بما لك من هذه الصفة المقتضية للإحسان، إلى دار الأعمال {نعمل صالحاً} ثم حققوا هذا الوعد بقولهم على سبيل التعليل مؤكدين لأن حالهم كان حال الشاك الذي يتوقف المخاطب في إيقانه: {إنا موقنون *} أي ثابت الآن لنا الإيقان بجميع ما أخبرنا به عنك مما كشف عنه العيان, أي لو رأيت ذلك لرأيت أمراً لا يحتمله من هوله وعظمه عقل، ولا يحيط به وصف. ولما لم يذكر لهم جواباً، علم أنه لهوانهم، لأنه ما جرأهم على العصيان إلا صفة الإحسان، فلا يصلح لهم إلا الخزي والهوان، ولأن الإيمان لا يصح إلا بالغيب قبل العيان. ولما كان ربما وقع في وهم أن ضلالهم مع الإمعان في البيان، لعجز عن هدايتهم أو توان، قال عاطفاً على ما تقديره: إني لا أردكم لأني لم أضلكم في الدنيا للعجز عن هدايتكم فيها، بل لأني لم أرد إسعادكم، ولو شئت لهديتكم، صارفاً القول إلى مظهر العظمة لاقتضاء المقام لها: {ولو شئنا} أي بما لنا من العظمة التي تأبى أن يكون لغيرنا شيء يستقل به أو يكون في ملكنا ما لا نريد {لأتينا كل نفس} أي مكلفة لأن الكلام فيها {هداها} أي جعلنا هدايتها ورشدها وتوفيقها للإيمان وجميع ما يتبعه من صالح الأعمال في يدها متمكنة منها. ولما استوفى الأمر حده من العظمة، لفت الكلام إلى الإفراد، دفعاً للتعنت وتحقيقاً لأن المراد بالأول العظمة فقال: {ولكن} أي لم أشأ ذلك لأنه {حق القول مني} وأنا من لا يخلف الميعاد، لأن الإخلاف إما لعجز أو نسيان أو حاجة ولا شيء من ذلك يليق بجنابي، أو يحل بساحتي، وأكد لأجل إنكارهم فقال مقسماً: {لأملان جهنم} التي هي محل إهانتي وتجهم أعدائي بما تجهموا أوليائي {من الجنة} أي الجن طائفة إبليس، وكأنه أنثهم تحقيراً لهم عند من يستعظم أمرهم لما دعا إلى تحقيرهم من مقام الغضب وبدأ بهم لاستعظامهم لهم ولأنهم الذين أضلوهم {والناس أجمعين *} حيث قلت لإبليس: {أية : لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين}تفسير : [ص: 85] فلذلك شئت كفر الكافر وعصيان العاصي بعد أن جعلت لهم اختياراً، وغيبت العاقبة عنهم، فصار الكسب ينسب إليهم ظاهراً، والخلق في الحقيقة والمشيئة لي.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن أبي الدنيا في ذكر الموت وابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه سئل عن نفسين اتفق موتهما في طرفة عين‏.‏ واحد في المشرق، وواحد في المغرب‏.‏ كيف قدره ملك الموت عليهما‏.‏ قال‏:‏ ما قدرة ملك الموت على أهل المشارق والمغارب والظلمات والهواء والبحور إلا كرجل بين يديه مائدة يتناول من أيها شاء‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن زهير بن محمد رضي الله عنه قال‏:‏"‏حديث : قيل يا رسول الله ملك الموت واحد، والزحفان يلتقيان من المشرق والمغرب وما بينهما من السقط والهلاك‏!‏ فقال‏: إن الله حوى الدنيا لملك الموت حتى جعلها كالطست بين يدي أحدكم، فهل يفوته منها شيء‏؟‏‏ "‏‏. تفسير : وأخرج ابن جرير عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس رضي الله عنه قال‏:‏ ملك الموت الذي يتوفى الأنفس كلها، وقد سلط على ما في الأرض كما سلط أحدكم على ما في راحته، معه ملائكة من ملائكة الرحمة، وملائكة من ملائكة العذاب، فإذا توفى نفساً طيبة دفعها إلى ملائكة الرحمة، وإذا توفي نفساً خبيثة دفعها إلى ملائكة العذاب‏.‏ وأخرج ابن أبي الدنيا في ذكر الموت عن ابن مسعود وابن عباس رضي الله عنهما قالا‏:‏ لما اتخذ الله إبراهيم خليلاً، سأل ملك الموت ربه أن يأذن له، فيبشر إبراهيم عليه السلام بذلك فأذن له فأتاه فقال له إبراهيم عليه السلام‏:‏ يا ملك الموت أرني كيف تقبض أنفاس الكفار‏؟‏ قال‏:‏ يا إبراهيم لا تطيق ذلك قال‏:‏ بلى‏.‏ قال‏:‏ فاعرض إبراهيم، ثم نظر إليه فإذا برجل أسود ينال رأسه السماء، يخرج من فيه لهب النار، ليس من شعرة في جسده إلا في صورة رجل يخرج من فيه ومسامعه لهب النار، فغشي على إبراهيم عليه السلام، ثم أفاق وقد تحوّل ملك الموت في الصورة الأولى فقال‏:‏ يا ملك الموت لو لم يلق الكافر من البلاء والحزن إلا صورتك لكفاه، فأرني كيف تقبض أرواح المؤمنين‏؟‏ قال‏:‏ أعرض. فأعرض، ثم التفت فإذا هو برجل شاب أحسن وجهاً وأطيبه، في ثياب بيض فقال‏:‏ يا ملك الموت لو لم ير المؤمن عند موته من قرة العين والكرامة إلا صورتك هذه لكان يكفيه‏.‏ وأخرج الطبراني وأبو نعيم وابن منده كلاهما في الصحابة عن الخزرج سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏"‏حديث : ونظر إلى ملك الموت عند رأس رجل من الأنصار فقال‏:‏ يا ملك الموت أرفق بصاحبي فإنه مؤمن فقال ملك الموت عليه السلام‏:‏ طب نفساً، وقر عيناً، واعلم بأني بكل مؤمن رفيق، واعلم يا محمد إني لأقبض روح ابن آدم، فإذا صرخ صارخ قمت في الدار ومعي روحه فقلت‏:‏ ما هذا الصارخ‏!‏ والله ما ظلمناه، ولا سبقنا أجله، ولا استعجلنا قدره، وما لنا في قبضه من ذنب، فإن ترضوا بما صنع الله تؤجروا، وأن تسخطوا تأثموا وتؤزروا، وإن لنا عندكم عودة بعد عودة، فالحذر فالحذر، وما من أهل بيت شعر، ولا مدر بر، ولا فاجر سهل ولا جبل إلا أنا أتصفحهم في كل يوم وليلة حتى أنا لاعرف بصغيرهم وكبيرهم منهم بأنفسهم، والله لو أردت أن أقبض روح بعوضة ما قدرت على ذلك حتى يكون الله هو يأذن بقبضها‏ "‏‏. تفسير : وأخرج ابن أبي الدنيا وأبو الشيخ في العظمة عن أشعث بن شعيب رضي الله عنه قال‏:‏ سأل إبراهيم عليه السلام ملك الموت واسمه عزرائيل وله عينان في وجهه، وعين في قفاه فقال‏:‏ يا ملك الموت ما تصنع إذا كانت نفس بالمشرق ونفس بالمغرب، ووضع الوباء بأرض، والتقى الزحفان كيف تصنع‏؟‏ قال أدعو الأرواح بإذن الله فتكون بين أصبعي هاتين‏.‏ وأخرج ابن أبي الدنيا وأبو الشيخ وأبو نعيم في الحلية عن شهر بن حوشب رضي الله تعالى عنه قال‏:‏ ملك الموت جالس والدنيا بين ركبتيه، واللوح الذي فيه آجال بني آدم بين يديه، وبين يديه ملائكة قيام، وهو يعرض اللوح لا يطرف، فإذا أتى على أجل عبد قال‏:‏ اقبضوا هذا‏. وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف عن خيثمة رضي الله تعالى عنه قال‏:‏ اتى ملك الموت عليه السلام سليمان بن داود عليه السلام وكان له صديقاً فقال له سليمان عليه السلام‏:‏ ما لك تأتي أهل البيت فتقبضهم جميعاً، وتدع أهل البيت إلى جنبهم لا تقبض منهم أحد‏؟‏ قال‏:‏ لا أعلم بما أقبض منها إنما أكون تحت العرش، فيلقى إليّ صكاك فيها أسماء‏. وأخرج ابن أبي الدنيا عن ابن جريج رضي الله عنه قال‏:‏ بلغنا أنه يقال لملك الموت اقبض فلاناً في وقت كذا في يوم كذا‏.‏ وأخرج سعيد بن منصور وأحمد في الزهد وأبو الشيخ عن عطاء بن يسار رضي الله عنه قال‏:‏ ما من أهل بيت الا يتصفحهم ملك الموت عليه السلام في كل يوم خمس مرات هل منهم أحد أمر بقبضه‏؟‏‏ ‏وأخرج جويبر عن الضحاك رضي الله عنه عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال‏:‏ وكل ملك الموت عليه السلام بقبض أرواح الآدميين فهو الذي يلي قبض أرواحهم، وملك في الجن، وملك في الشياطين، وملك في الطير والوحش والسباع والحيتان والنمل، فهم أربعة أملاك، والملائكة عليهم السلام يموتون في الصعقة الأولى، وإن ملك الموت يلي قبض أرواحهم ثم يموت‏.‏ فأما الشهداء في البحر فإن الله يلي قبض أرواحهم لا يكل ذلك إلى ملك الموت لكرامتهم عليه‏. وأخرج ابن ماجة عن أبي أمامة رضي الله تعالى عنه سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏"حديث : إن الله وكل ملك الموت عليه السلام بقبض الأرواح إلا شهداء البحر، فإنه يتولى قبض أرواحهم ‏"‏‏. تفسير : وأخرج ابن أبي الدنيا والمروزي في الجنائز وأبو الشيخ عن أبي الشعثاء جابر بن زيد رضي الله عنه‏،‏ أن ملك الموت كان يقبض الأرواح بغير وجع، فسبه الناس ولعنوه، فشكا إلى ربه، فوضع الله الأوجاع ونسي ملك الموت‏.‏ وأخرج أبو نعيم في الحلية عن الأعمش رضي الله عنه قال‏:‏ كان ملك الموت عليه السلام يظهر للناس‏؛‏ فيأتي للرجل، فيقول‏:‏ اقض حاجتك فإني أريد أن أقبض روحك، فشكا فأنزل الداء وجعل الموت خفية‏. وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما قال‏:‏ خطوة ملك الموت عليه السلام ما بين المشرق والمغرب‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن أبي جعفر محمد بن علي رضي الله عنه قال‏:‏ دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على رجل من الأنصار يعوده، فإذا ملك الموت عليه السلام عند رأسه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏"حديث : ‏يا ملك الموت ارفق بصاحبي فإنه مؤمن، فقال: ابشر يا محمد فإني بكل مؤمن رفيق، واعلم يا محمد إني لأقبض روح ابن آدم، فيصرخ أهله، فأقوم في جانب من الدار فأقول‏:‏ والله ما لي من ذنب وإن لي لعودة وعودة الحذر الحذر، وما خلق الله من أهل بيت، ولا مدر، ولا شعر، ولا وبر في بر، ولا بحر، إلا وأنا أتصفحهم في كل يوم وليلة خمس مرات حتى أني لأعرف بصغيرهم وكبيرهم منهم بأنفسهم، والله يا محمد إني لا أقدر أقبض روح بعوضة حتى يكون الله تبارك وتعالى هو الذي يأمر بقبضه‏ "‏‏. تفسير : وأخرج ابن جرير عن قتادة رضي الله عنه {‏قل يتوفاكم ملك الموت‏}‏ قال‏:‏ ملك الموت يتوفاكم، وله أعوان من الملائكة‏.‏ وأخرج ابن جرير عن مجاهد رضي الله عنه ‏ {‏قل‏ يتوفاكم ملك الموت‏}‏ قال‏:‏ حويت له الأرض، فجعلت له مثل طست يتناول منها حيث يشاء‏.

القشيري

تفسير : لولا غفلةُ قلوبهم وإلا لَما أحال قَبْضَ أرواحهم على مَلَكِ الموت؛ فإنَّ مَلَكَ الموتِ لا أَثرَ منه في أحدٍ، ولا له تصرفات في نَفَسِه، وما يحصل من التوفِّي فمن خصائص قدرة الحق. ولكنهم غفلوا عن شهود حقائق الربِّ فخاطبَهم على مقدار فهمهم، وعَلَّقَ بالأغيار قلوبَهم، وكلٌّ يُخاطَبُ بما يَحْتَمِلُ على قَدْرِ قُوَّتِه وضعفه.

اسماعيل حقي

تفسير : {قل} بيانا للحق وردا على زعمهم الباطل {يتوفاكم ملك الموت} التوفى اخذ الشئ تاما وافيا واستيفاء العدد. قال فى الصحاح توفاه الله قبض روحه والوفاة الموت. والملك جسم لطيف نورانى يتشكل باشكال مختلفة. قال بعض المحققين المتولى من الملائكة شيئا من السياسة يقال له ملك بالفتح ومن البشر يقال له ملك بالكسر فكل ملك ملائكة وليس كل ملائكة ملكا بل الملك هم المشار اليهم بقوله فالمدبرات فالمقسمات والنازعات ونحو ذلك ومنه ملك الموت انتهى. والموت صفة وجودية خلقت ضدا للحياة. والمعنى يقبض عزرائيل ارواحكم بحيث لا يترك منها شيئا بل يستوفيها ويأخذها تماما على اشد ما يكون من الوجوه وافظعها من ضرب وجوهكم وادباركم او يقبض ارواحكم بحيث لا يترك منكم احدا ولا يبقى شخصا من العدد الذى كتب عليهم الموت واما ملك الموت نفسه فيتوفاه الله تعالى ـ كما روى ـ انه اذا امات الله الخلائق لم يبق شئ له روح يقول الله لملك الموت من بقى من خلقى وهو اعلم فيقول يا رب انت اعلم بمن لم يبقى الاعبدك الضعيف ملك الموت فيقول الله يا ملك الموت قد اذقت انبيائى ورسلى واوليائى وعبادى الموت وقد سبق فى علمى القديم وانا علام الغيوب ان كل شئ هالك الا وجهى وهذه نوبتك فيقول الهى ارحم عبدك ملك الموت وألطف به فانه ضعيف فيقول سبحانه وتعالى ضع يمينك تحت خدك الايمن واضطجع بين الجنة والنار ومت فيموت بامر الله تعالى. وفى الآية رد للكافرين حيث زعموا ان الموت من الاحوال الطبيعية العارضة للحيوان بموجب الجبلة {الذى وكل} التوكيل ان تعتمد على غيرك وتجعله نائبا عنك: وبالفارسية [وكيل كردن كسى را بر جيزى كما شتن وكاربا كسى كذاشتن] {بكم} اى بقبض ارواحكم واحصاء آجالكم {ثم الى ربكم ترجعون} تردون بالبعث للحساب والجزاء وهذا معنى لقاء الله. واعلم ان الله تعالى اخبر ههنا ملك الموت هو المتوفى والقابض وفى موضع انه الرسل اى الملائكة وفى موضع انه هو تعالى فوجه الجمع بين الآى ان ملك الموت يقبض الارواح والملائكة اعوان له يعالجون ويعملون بامره والله تعالى يزهق الروح فالفاعل لكل فعل حقيقة والقابض لارواح جميع الخلائق هو الله تعالى وان الملك الموت واعوانه وسائط. قال ابن عطية ان البهائم كلها يتوفى الله ارواحها دون ملك الموت كأنه يعدم حياتها وكذلك الامر فى بنى آدم الا ان لهم نوع شرف بتصرف ملك الموت والملائكة معه فى قبض ارواحهم. قالوا ان عزرائيل يقبض الارواح من بنى آدم وهى فى مواضع مختلفة وهو فى مكان واحد فهو حالة مختصة به كما ان لوسوسة الشيطان فى قلوب جميع اهل الدنيا حالة مختصة به. قال انس بن مالك رضى الله عنه لقى جبريل ملك الموت بنهر بفارس فقال يا ملك الموت كيف تستطيع قبض الانفس عند الوباء ههنا عشرة آلاف وهنا كذا وكذا فقال له ملك الموت تزوى لى الارض حتى كأنها بين فخذىّ فالتقطهم بيدّى ـ وروى ـ ان الدنيا لملك الموت كراحة اليد او كطست لديه يتناول منه ما يشاء من غير تعب. قال ابن عباس رضى الله عنهما ان خطوة ملك الموت ما بين المشرق والمغرب. وعن معاذ بن جبل رضى الله عنه ان لملك الموت حربة تبلغ ما بين المشرق والمغرب وهو يتصفح وجوه الناس فما من اهل بيت الا وملك الموت يتصفحهم فى اليوم مرتين فاذا رأى انسانا قد انقضى اجله ضرب رأسه بتلك الحربة وقال الآن يزاد بك عسكر الموتى ـ وروى ـ ان ملك الموت على معراج بين السماء والارض وله اعوان من ملائكة الرحمة وملائكة العذاب فينزع اعوانه روح الانسان ويخرجونها من جسده فاذا بلغت ثغرة النحر نزعها هو ـ وروى ـ فى الخبر ان له وجوها اربعة فوجه من نار يقبض به ارواح الكافرين ووجه من ظلمة يقبض به ارواح المنافقين ووجه من رحمة يقبض به ارواح المؤمنين ووجه من نور يقبض به ارواح الانبياء والصديقين فاذا قبض روح المؤمن دفعها الى ملائكة الرحمة واذا قبض روح الكافر دفعها الى ملائكة العذاب. وكان ملك الموت يقبض الارواح بغير وجع فاقبل الناس يسبونه ويلعنونه فشكا الى ربه فوضع الله الامراض والاوجاع فقالوا مات فلان من وجع كذا وكذا. وفى الحديث "حديث : الامراض والاوجاع كلها بريد الموت ورسل الموت فاذا جاء الاجل اتى ملك الموت بنفسه فقال ايها العبد كم خبر بعد خبر وكم رسول بعد رسول وكم بريد بعد بريد انا المخبر ليس بعدى خبر وانا الرسول ليس بعدى رسول اجب ربك طائعا او مكرها فاذا قبض روحه وتصارخوا عليه قال على من تصرخون وعلى من تبكون فوالله ما ظلمت له اجلا ولا اكلت له رزقا بل دعاه ربه فليبك الباكى على نفسه فان لى فيكم عودات وعودات حتى لا ابقى منكم احدا" قال عليه السلام "لو رأوا مكانه وسمعوا كلامه لذهلوا عن ميتهم ولبكوا على انفسهم " تفسير : قال الكاشفى [عجب از آدمى كه باوجود جنين حريفى دركمين جكونه لاف آسايش تواند زد] شعر : آسودكى مجوى كه ازصدمت اجل كس را نداده برات مسلمى تفسير : وفى البستان شعر : بيا اى كه عمرت بهفتاد رفت مكر خفته بودى كه برباد رفت كه يك لحظه صورت نبندد امان جو بيمانه برشد بدور زمان تفسير : قال بعضهم لولا غفلة قلوب الناس ما احال قبض ارواحهم على ملك الموت [خير نساج قدس سره بيمار بود ملك الموت خواست كه جان اوبر آرد مؤذن كفت وقت نماز شام كه الله اكبر الله اكبر خير نساج كفت يا ملك الموت باش تافريضه نماز بكزارم كه اين فرمان برمن فوت ميشود وفرمان توفوت نمى شود جون نماز بكزارد سربسجود نهاد كفت الهى آن روز كه اين وديعت مى نهادى زحمت ملك الموت درميان نبود جه باشدكه امروز بى زحمت او بردارى اين بكفت وجان بداد] شعر : يا رب ارفانى كنى مارا بتيغ دوستى مر فرشته مرك را باما نباشد هيج كار هركه ازجام توروزى شربت شوق توخورد جون نماند آن شراب اوداند آن رنج خمار تفسير : قال بعض الكبار ملك الموت هو المحبة الآلهية فانها تقبض الارواح عن الصفات الانسانية وتميتها عن محبوباتها لقطع تعلق الروح الانسانى عما سوى الحق تعالى فترجع الى الله بجذبة ارجعى الى ربك والموت باصطلاح اهل الحقيقة قمع هوى النفس فمن مات عن هواه حيى حياة حقيقية. قال الامام جعفر بن محمد الصادق رضى الله عنه الموت هو التوبة قال تعالى {أية : فتوبوا الى بارئكم فاقتلوا انفسكم} تفسير : فمن تاب فقد قتل نفسه شعر : مكن دامن از كرد زلت بشوى كه نا كه زبالا به بندند جوى

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جل جلاله: {قل يتوفاكم مَلَكُ الموتِ الذي وُكِّل بكم}؛ بقبض أرواحكم فتموتون،، {ثم إلى ربكم تُرجعون}؛ بالبعث للحساب والعقاب. وهذا معنى لقاء الله الذي أنكروه. والتوفي: استيفاء الروح، أي: أخذها، من قولك: توفيت حقي من فلان، إذا أَخَذْتُه وافياً من غير نقصان. وعن مجاهد: زُويت الأرض لملك الموت، وجُعلت مثل الطست، يتناول منها حيث يشاء. وعن مقاتل والكلبي: بلغنا أن اسم ملك الموت "عزرائيل" وله أربعة أجنحة: جناح بالمشرق وجناح بالمغرب، والخلق بين رجليه ورأسه وجسده كما بين السماء والأرض، وله الدنيا مثل راحة اليد، فهو يقبض أنفس الخلائق بمشارق الأرض ومغاربها، وله أعوان من ملائكة الرحمة وملائكة العذاب. وعن معاذ بن جبل: أن لملك الموت حربة، تبلغ ما بين المشرق والمغرب، وهو يتصفح وجوه الموتى، فما من أهل بيت إلا وهو يتصفحهم كل يوم مرتين - وفي حديث آخر، خمس مرات، فإذا رأى إنساناً قد انقضى أجله؛ ضربه بتلك الحربة. وقال: الآن يُزار بك عسكر الأموات. فإن قيل: ما الجمع بين قوله: {أية : تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا} تفسير : [الأنعام: 61] و {أية : تَوَفَّاهُمُ ٱلْمَلاۤئِكَةُ} تفسير : [النساء: 97] و {قُل يَتَوَفَاكُم مَّلَكُ المَوتِ} وقوله: {أية : ٱللَّهُ يَتَوَفَّى ٱلأَنفُسَ} تفسير : [الزمر: 42]؟ فالجواب: أن توفي الملائكة، القبضُ والنزعُ، وتوفي ملك الموت الدعاء والأمر، يدعو الأرواح فتجيبه، ثم يأمر أعوانه بقبضها، ثم يذهبون بها إلى عليين، وقبض الحق تعالى: خَلْقُ الموتِ فيه: والحاصل: أنَّ قبض الملك: المباشرة، وقبض الحق: الإخراجُ؛ حقيقةً. قال الورتجبي: قال الحسن: ملك الموت هو الموكل بأرواح بني آدم، وملك الفناء موكل بأرواح البهائم. فانظر فيه. وأما حديث ملكي الموت والحياة، فقال العراقي: لم أجد له أصلاً. ويعني بملك الحياة: كون الأرواح أنفاسَ ملك الحياة؛ كما في الإِحْيَاء. ومذهب أهل السُنَّة قاطبة: أن ملك الموت هو الّذي يقبض جميع الأرواح، من بني آدم والبهائِم وسائر الحيوانات. وبه قال مالك وأشهب. وذهب قوم إلى أن أرواح البهائم وسائر الحيوانات إنما تَقبض أرواحَهَا أعوانُ ملك الموت. وذهب قوم إلى أن الموت في حق غير بني آدم، إنما هو عَدَمٌ مَحْضٌ، كيبس الشجر وجفاف الثياب، فلا قبض لأرواحها, وهو أعم من كونها تُبعث, أو: لا؛ بأن تعاد عن عدم, بخلاف المكلف, فإن روحه لا تعدم، خلافاً للملاحدة، فإنهم جعلوا الموت كله عدماً محضاً، كجفاف العود الأخضر، وهو كفر. هذا وقد اختلف في كون الموت ضد الحياة، فيكون معنىً وجودياً، أو هو عدم الحياة، فيكون عدماً، وعلى كلا القولين فالأرواح باقية بعد مفارقة الأبدان، منعّمة أو معذبة. {ولو ترى} يا محمد {إذِ المجرمون} وهو الذين قالوا: {أئذا ضللنا في الأرض...} إلخ، و"لو" و"إذ" للماضي، وإنما جاز هنا؛ لأن المُتَرَقَّبَ محقق الوقوع، و"ترى" هنا، تامة لا مفعول لها، أي: لو وقعت منك رؤيةٌ {إذ المجرمون ناكسوا رؤوسِهم} أي: وقت كون المجرمين ناكسي رؤوسهم من الذل والحياء والندم، {عند ربهم}؛ عند حساب ربهم، قائلين: {ربنا أبصَرْنا وسَمِعْنا} أي: صدَّقنا الآن وعدك ووعيدك، وأبصرنا ما حدثَتْنَا به الرسلُ، وسمعنا منك تصديق رسلك، {فارجعنا} إلى الدنيا {نعملْ صالحاً} من الإيمان والطاعة، {إِنا موقنون} بالبعث والحساب الآن. وجواب "لو": محذوف، أي: لرأيت أمراً فظيعاً. {ولو شئنا لآتَيْنَا كلَّ نفسٍ هُداها} أي: ما تهتدي به إلى الإيمان والطاعة، أي: لو شئنا لأعطيناه في الدنيا، كل نفس ما عندنا من اللُطف الذي، لو كان منهم اختيارُ ذلك، لاهتدوا. لكن لم نعطهم ذلك اللطف؛ لِمَا علمنا منهم اختيار الكفر وإيثاره. وهو حجة على المعتزلة؛ فإن عندهم: قد شاء الله أن يعطي كل نفس ما به اهتدت، وقد أعطاها، لكنها لم تهتد وأَوّلوا الآية بمشيئة الجبر، وهو فاسد. قال تعالى: {ولكن حقَّ القولُ مني لأملأنّ جهنمَ من الجِنّة والناس أجمعين}، أي: ولكن وجب القول مني لأعمرنّ جهنم من الجِنَّة والناس، الذين علمت منهم أنهم يختارون الكفر والتكذيب. وفي تخصيص الجن والإنس: إشارة إلى أنه عصم الملائكة من عمل يستوجبون به جهنم. وفي الآية ما يقتضي تخصيص أهل النار بالجن والإنس، فيرد ما يُذكر أنه كان قبل آدم أُمم كفروا، ولا يصح ذلك، إلا أن يكونوا من الجن. {فذُوقُوا بما نسيتم لقاء يومكم هذا} أي: باشروا وبال ترككم العمل للقاء يومكم هذا، وهو الإيمان به. {إِنا نَسيناكم}: تركناكم في العذاب، {وذوقوا عذابَ الخُلْدَ} أي: العذاب الدائم الذي لا انقطاع له {بما كنتم تعملون} من الكفر والمعاصي. ثم ذكر ضدهم بقوله: {إنما يُؤمن بآياتنا}؛ القرآن {الذين إذا ذُكَّروا بها خَرّوا سُجَّداً}؛ سجدوا لله؛ تواضعاً وخشوعاً، وشكروا على ما رزقهم من الإسلام، {وسبَّحوا بحمد ربهم} أي: نزَّهوا الله عما لا يليق به، وأثنوا عليه؛ حامدين له، {وهم لا يستكبرون} عن الإيمان والسجود له. جعلنا الله منهم بمنِّه، آمين. الإشارة: أهل الفَرْقِ من أهل الحجاب، يتوفاهم ملك الموت، وأهل الجمع مع الله من أهل العيان؛ يتولى قبض أرواحهم ذو الجلال الإكرام؛ كما قيل في الأخفياء من الأولياء؛ الذين اختص الله تعالى بعلمهم - أنه يتولى قبض أرواحهم بيده، فتطيب أجسادهم به, فلا يعدوا عليها الثرى, حتى يُبعثوا بها, مُشْرِقَةً بنور البقاء المجعول فيهم، بالرجوع إليه من الفناء، فيكون بقلوبهم بَقَاءُ الأبد مع الباقي الأحد عز وجل. وقد ورد في الخبر؛ "حديث : من واظب على قراءة آية الكرسي، دُبر كل صلاة، كان الذي يتولى قبض روحه ذو الجلال الإكرام"تفسير : . يعني: من تدبر معناها. والمراد بذلك خطفتها بالتجلي، واستغراقها في الشهود، وغيبتها عن الغير في ذلك الوقت الهائل، فيغيب عن الواسطة في شهود الموسوط، مع وجود الواسطة؛ لعموم الآية. والله تعالى أعلم. قال القشيري: لولا غفلةُ القلوب لما أحال قبض أرواحهم على مَلَكِ الموت؛ لأنَّ مَلَكَ الموتِ لا أَثَرَ منه في أحد، وما يحصل في التوفِّي فمن خصائص قدرة الحق، ولكنهم غفلوا عن شهود حقائق الربِّ، فخاطبهم على قدر أفهامهم، وعلَّقَ بالأغيار قلوبهم. وكلٌّ يُخاطبه بما يحتمل على قدر قوته وضعفه. هـ. وقال في قوله: {ولو ترى إذ المجرمون....} الآية: مَلَكَتْهُم الدهشةُ وَغَلبتهم الحجة، فاعترفوا، حينَ لا عُذْرَ، واعترفوا، حينَ لا اعتراف. هـ. قوله تعالى: {ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها..}. قال القشيري: لو شاء سَهَّل سبيلَ الاستدلال، وأدَام التوفيق لكلِّ أحدٍ، ولكن تَعلَّقَتْ المشيئةُ بإغواء قوم، وأردنا أن يكون للنار قُطان، كما يكون للجنة سُكان، لما علمنا يوم خلقناهما أنه ينزلهما قومٌ وقومٌ. فَمن المحال أن نريد ارتفاعَ معلومنا، إذ لو لم يقع، ولم يحصل؛ لم يكن عِلْماً. فإذا لا أكون إلها. ومن المحال أن أُريد ذلك. ويقال: من يتسلَّطْ عليه من يحبه؛ لم يجد في مُلْكِه ما يكرهه. يا مسكين أفنيت عُمْرَك في النكد والعناء، وأمضيت أيامك في الجهد والرجاء، غيَّرت صفتك، وأكثرتَ مجاهدتك، فما تفعل فيما مضى، كيف تبدله؟ وما تصنع في مشيئتي، وبأي وسع ترُدُّها؟ وأنشدوا: شعر : شكا إليك ما وَجَدْ من خَانَهُ فيك الجَلَدْ حيرانُ، لو شئتَ، اهتدى ظمآنُ، لو شئتَ، وَرَدْ. هـ. تفسير : قوله تعالى: {إنما يؤمن...} الآية، خروا سُجداً بظواهرهم في التراب، وبسرائرهم، بالخضوع لهيبة الكريم الوهاب، فسجود الجبهة وسيلة لسجود القلب، فإذا سجدت الجبهة وتكبر القلب على عباد الله، كانت وسيلة بلا غاية. وبالله التوفيق. ثم وصف أهل الخضوع وما أكرمهم به، فقال: {تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمْ...}

الطوسي

تفسير : أمر الله نبيه صلى الله عليه وآله أن يخاطب المكلفين بأن يقول لهم {يتوفاكم ملك الموت} أي يقبض أرواحكم، قال قتادة يتوفاكم ومعه أعوان من الملائكة، والتوفي أخذ الشيء على تمام، قال الراجز: شعر : ان بني أدرد ليسوا من أحد ولا توفاهم قريش في العدد تفسير : ومنه قوله {أية : الله يتوفى الأنفس حين موتها} تفسير : ويقال: استوفى الدين إذا قبضه على كماله، فملك الموت يتوفى الانسان باخذ روحه على تمام فيعرج بها إلى حيث امره الله تعالى. وقوله {يتوفاكم} يقتضي أن روح الانسان هي الانسان فالاضافة فيها وقعت كما وقعت في نفس الانسان، والملك مشتق من الألوكة وهي الرسالة كما قال الهذلي. شعر : الكني اليها وخير الرسو ل أعلمهم بنواحي الخبر تفسير : وقوله {الذي وكل بكم} صفة للملك الذي يتوفى الأنفس، وأن الله قد وكله بمعنى فوض اليه قبض الأرواح. والتوكيل تفويض الأمر إلى غيره للقيام به، وكله توكيلاً، وتوكل عليه توكلاً، ووكله يوكله وكالة. وقوله {ثم إلى ربكم ترجعون} معناه إنكم إلى جزاء الله من الثواب والعقاب تردون. وانما جعل الرجوع إلى الجزاء رجوعاً اليه تفخيماً للامر. وقيل: معناه تردون إلى ان لا يملك لكم أحد ضراً ولا نفعاً إلا الله تعالى. وفيه تعظيم لهذه الحال. واقتضى الوعيد. ثم قال لنبيه صلى الله عليه وآله {ولو ترى} يا محمد {إذ المجرمون} فجواب (لو) محذوف وتقديره: ولو ترى إذ المجرمون ناكسوا رؤسهم إذا بعثوا، من الندم على تفريطهم في الايمان لرأيتم ما تعتبرون به. والخطاب للنبي صلى الله عليه وآله والمراد به الأمة {ناكسوا رؤسهم} من الغم. وقيل: من الحياء والخزي مما ارتكبوه من المعاصي {عند ربهم} يعني يوم القيامة الذي يتولى الله تعالى حساب خلقه. وفي الكلام حذف لان تقديره قائلين {ربنا أبصرنا وسمعنا} ومعناه أبصرنا الرشد وسمعنا الحق. وقيل: معناه أبصرنا صدق وعدك وسمعنا تصديق رسلك. وقيل معناه: إنا كنا بمنزلة العمي، فقد أبصرنا، وبمنزلة الصم، فسمعنا {فارجعنا} أي ردنا إلى دار التكليف {نعمل صالحاً} من الطاعات غير الذي كنا نعمل من المعاصي {إنا موقنون} اليوم لا نرتاب بشيء من الحق والرسالة. ثم قال تعالى مخبراً عن نفسه {ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها} ومعناه الاخبار عن قدرته انه يقدر على إلجائهم إلى الايمان بان يفعل أمراً من الامور يلجئهم إلى الاقرار بتوحيد الله، لكن ذلك يبطل الغرض بالتكليف، لان المقصود استحقاق الثواب، والالجاء لا يثبت معه استحقاق الثواب وقال الجبائي يجوز أن يكون المراد ولو شئنا لأجبناهم إلى ما سألوا ولرددتهم إلى دار التكليف ليعملوا بالطاعات {ولكن حق القول مني} أن اجازيهم بالعقاب، ولا أردهم وقيل: ولو شئنا لهديناهم إلى الجنة {ولكن حق القول مني} أي أخبرت وأوعدت أني {لأملان جهنم من الجنة والناس أجمعين} بكفرهم بالله وجحدهم وحدانيته وكفرانهم نعمه. ثم حكى تعالى ما يقال لمن تقدم ذكره الذين طلبوا الرجوع إلى دار التكليف، فانه يقال لهم يوم القيامة، إذا حصلوا في العذاب {فذوقوا بما نسيتم لقاء يومكم هذا} أي انما فعلتم فعل من نسي لقاء جزاء هذا اليوم، فتركتم ما أمركم الله به وعصيتموه {إنا نسيناكم} أي فعلنا معكم جزاء على ذلك فعل من نسيكم يعني من ثوابه، وترككم من نعيمه. والنسيان الترك. ومنه قوله {أية : ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي}تفسير : وقال النابغة: شعر : سفود شرب نسوه عند مفتأد تفسير : أي تركوه فلم يستعملوه، قال المبرد، لانه لو كان المراد النسيان الذي هو ضد الذكر لجاز أن يكونوا استعملوه {وذوقوا عذاب الخلد} الذي لا فناء له جزاء {بما كنتم تعملون} من المعاصي. ثم اخبر تعالى عن حال المؤمنين ووصفهم بأن المؤمن على الحقيقة الكامل الايمان بآيات الله وبحججه {هم الذين إذا ذكروا} بحجج الله وتليت عليهم آياته خروا سجداً شكراً على ما هداهم لمعرفته وأنعم عليهم من فنون نعمه ونزهوا الله تعالى عما لا يليق به من الصفات وعن الشرك به حامدين لربهم غير مستكبرين ولا مستنكفين من الطاعة.

صدر المتألهين الشيرازي

تفسير : "التوفّي" و "الاستيفاء" بمعنى واحد، فالمتوفي للنفوس والأرواح هو المخرج لها كلها من الأبدان، بحيث لا يترك منها شيئاً، من قولك: "توفيت حقي من فلان" "واستوفيته" إذا أخذته وافياً كاملاً من غير نقصان. وفي الكشّاف، نقلا عن مجاهد: "حُوِيَت لملك الموت الأرض وجعلت له مثل الطست، يتناول منها حيث يشاء"، وهذا تمثيل لتصرفه في جذب الأرواح إلى الله تعالى من أصول الأشباح، كجذب الثمار بالقوة النامية من أسافل الشجر إلى أعاليها، وقريب منه ما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: جُعِلَت الدنيا بين يدي ملك الموت مثل جام يأخذ منها ما شاء الله إذا قضى عليه الموت من غير عناء، خطوته ما بين المشرق والمغرب. وقيل: ملك الموت يدعو الأرواح فتجيبه، ثم يأمر أعوانه بقبضها. وعن قتادة: يتوفاهم ملك الموت ومعه أعوان كثيرة من ملائكة الرحمة وملائكة العذاب. ووجه ذلك: ان نزع الصورة الشريفة من مادة غير لائقة، وقبض الروح من بدن إلى عالم آخر أعلى رتبة منه، رحمة بالقياس إلى الصورة المنتقلة، وعذاب بالقياس إلى المادة المنتقلة هي عنها، فالملائكة النقّالة والقوى الفعّالة موكلة من عند الله لايصال الرحمة إلى مستحقيها، والطبائع المنفعلة والقوى الحافظة لصورة المادة السفلية المفارقة عن الأرواح العالية، هي من سدنة العالم الأدنى، وهي المسماة بملائكة العذاب، وإن كانت في فعلها رحمة ومصلحة بوجه آخر. فعلى هذا المراد بملك الموت الجنس كما ذهب إليه جمع، ويدل عليه قوله: {أية : تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا}تفسير : [الأنعام:61]. ونسبة القبض والتوفي إلى ملك الموت وأعوانه من قبيل نسبة الفعل إلى الآلة، لئلا ينافي قوله تعالى: {أية : ٱللَّهُ يَتَوَفَّى ٱلأَنفُسَ حِينَ مِوْتِـهَا}تفسير : [الزمر:42]، ويلائم ذلك قوله تعالى: {ٱلَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ}، إذ التوكيل تفويض الأمر إلى غيره للقيام به، وليس ها هنا تفويض محض، ولا جبر محض، بل أمر بين أمرين أي وكل ملك الموت بقبض أرواحكم أجمعين، أو واحداً واحداً حتى لا يبقى أحد منكم. ثم إلى ربكم تُرجعون بجذبة "ارجعي"، وإن كان الواصل إلى حضرته هم النفوس المطمئنة، فاختص هذا الخطاب بهم في قوله تعالى: {أية : يٰأَيَّتُهَا ٱلنَّفْسُ ٱلْمُطْمَئِنَّةُ * ٱرْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً} تفسير : [الفجر:27 - 28]، والباقون يُحشرون إلى جزاء ربهم من الثواب والعقاب. وروى عكرمة عن ابن عباس قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم): "حديث : الأمراض والأوجاع كلها بريد الموت ورسل الموت، فإذا حان الأجل أتى ملك الموت بنفسه، فقال: يا أيها العبد، كم خبر بعد خبر؟ وكم رسول بعد رسول؟ وكم بريد بعد بريد؟ أنا الخبر الذي ليس بعدي خبر، وأنا الرسول. أجب ربك طائعاً ومكرهاً. فإذا قبض روحه وتصارخوا عليه، قال: على من تصرخون وعلى من تبكون؟ فوالله ما ظلمت له أجلاً، ولا أكلت له رزقا، بل دعاه ربه، فليبكِ الباكي على نفسه، فإن لي فيكم عودات وعودات حتى لا أبقي منكم أحداً ". تفسير : وهذا الحديث قد دل على ما بيّناه، من كون القابض للأرواح إنما نصب من الله لإيصال كل أحد إلى جوار الله ورحمته ودعوة ربه، لا للنقمة والعذاب، إلاّ أن النفوس الشقيّة الجاهلة بنعمة الله ورحمته، تستوحش من الحق لا لفهم بهذا العالم وأنسهم بالحشرات واعتيادهم باللّذات الخسيسة ومقارنة المؤذيات، كما أشار إليه قوله (صلّى الله عليه وآله وسلم): "حديث : فليبكِ الباكي على نفسه ". تفسير : رموز قرآنية ولوائح ربّانية منها: أنه يستفاد للمتأمل في هذه الآية ونظائرها أنك قاصد إلى ربك منذ يوم خلقت نطفة في الرحم وتعلقت بها نفسك، فإنك أبداً منتقل من حالة هي أدون إلى حالة هي أعلى وأشرف، ومن مرتبة هي أنقص إلى أخرى هي أتم وأكمل، وهكذا إلى أن تلقى ربك وتشاهده ويوفيك حسابك، فإن لم تتعلق بك أثقال وأوزار من جنس هذه الدار الفانية، فتبقى عنده مخلدة مسرورة دهر الداهرين مع النبيين والصِّديقين والشهداء والصالحين وحَسُنَ أولئك رفيقا، وإلاَّ فتكون من الخاسرين والمنكوسين والمتردّين إلى أسفل السافلين، ومما ينبه على ذلك قوله سبحانه: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاَقِيهِ}تفسير : [الإنشقاق:6] - إلى قوله - {أية : كَانَ فِيۤ أَهْلِهِ مَسْرُوراً} تفسير : [الإنشقاق:13]. ومنها: إن هذه الآية وقعت جواباً تفصيلياً للشبهة المنقولة عن المنكرين للمعاد وحشر الأجساد، بعد الجواب الأول الإجمالي على الوجه الذي أوضحناه بفضل الله وإلهامه، إذ قد علمت أن توجه النفوس والأرواح إلى عالم المعاد وقرب المبدأ الجواد أمر فطري فطر عليه العباد، لأن الموت نوع من الاستكمال، لأنه بالقياس إلى الروح العلوي وجود وحياة، وبالقياس إلى البدن العنصري المركب والهيكل المحسوس عدم وموت، ولكل استكمال بعد استكمال، لا بد من وسائط بين الله وبين الخلق هي المسماة بملائكة الرحمة وملائكة العذاب، وقد يختلفان بحسب الإضافات كما أشرنا إليه، فملَك الموت يقبض الأرواح من عالم أدنى إلى عالم أعلى، ونفس هذا القبض إماتة في هذا العالم وإحياء في عالم الآخرة، ولهذا يسمى بأبي يحيى، لا بما ظن من أنه من باب تسمية الشيء باسم ضده كما هو من عادة العرب، بل في تسميته بهذا روعي كلا الوجهين بحسب النسبتين. ووجه كون الآية بياناً وموضحاً لمسألة الحشر الجسماني، أن أجناس العوالم مختلفة بعضها فوق بعض، وقد ثبت في الحكمة الإلهية، أن الطبيعة ما لم تستوف النوع الأخس لم تقصد النوع الأشرف، وما لم تصل إلى العالم الأدنى لم تتخط إلى العالم الأعلى، أوَلاَ ترى أن المني في الرحم يزداد كمالاً بعد كمال على الولاء حتى يصير إنساناً، فيصير أولاً ذا نفس نباتية، ثم حيوانية، ثم بشرية، من غير أن يطفر مرتبة من المراتب؟ وإلى هذا المعنى أشار تعالى في كثير من الآيات الفرقانية كقوله: {أية : وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ ٱلنَّشْأَةَ ٱلأُولَىٰ فَلَوْلاَ تَذَكَّرُونَ}تفسير : [الواقعة:62]. وكقوله: {أية : أَفَرَأَيْتُمْ مَّا تُمْنُونَ}تفسير : [الواقعة:58]. ثم لما كانت أجناس العوالم منحصرة في أربعة: اثنان منها روحانيان، وهما عالما العقول والنفوس، واثنان منها جسمانيان، وهما عالما الغيب والشهادة، فالأرواح الإنسانية لا بد أن ترتحل من هذه الدار الآخرة عند توجهها الجِبِلّي إلى الحق، واستكمالها الفطري بحسب النشئآت والحالات، فقوله: {قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ ٱلْمَوْتِ} برهان مبين وبيان متين لإثبات الحشر الجسماني عند من له توغل في القواعد الحِكَمية والقوانين العقلية. ومنها: أنه يجب أن يكون محققاً عندك أن مَلَك الموت وأعوانه لا يعدمان، بل يفرق بينك وبين ما هو غير صفاتك وأجزاء ذاتك، لأن القواطع البرهانية، والسواطع القرآنية، والإشارات النبوية، والكلمات المولويّة قائمة على أن محل الإيمان والمعرفة لا ينعدم، كما ورد في الحديث: "حديث : أن الأرض لا تأكل محل الإيمان"تفسير : وورد أيضاً "حديث : خلقتم للبقاء لا للفناء ". تفسير : فإذا تيقّنت هذا، فاعلم أن للإنسان الكامل في أيّام كونه الدنيوي أربع حياتات: النباتية والحيوانية والنطقية والقدسية، فالأوليان دنيويّتان، والأخريان عقبويتان. مثال ذلك "الكلام" و "القول"، فإن له حياة تنفسية كالنبات، وحياة صوتية كالحيوان، وحياة معنوية كالنفس المفكّرة، وحياة حِكَمية كالنفس القدسية، فإذا خرج الكلام من جوف المتكلم ودنياه، دخل إلى باطن السامع وأخراه، فورد أولاً في جوفه - أي في صدره -، كما قيل: "صدور الأحرار قبور الأسرار" ثم إلى قلبه الذي هو آخر منزله ومأواه، فإذا ارتحل من عالم التكلم إلى عالم السمع، انقطع عنه الحياتان الأوليان - أي انقطع النفس وفني الصوت. ولا يخلو حاله بعد هذا عن أحد أمرين، لأنه إمّا أن يقع في روضة من رياض الجنة، وذلك إذا كان الجوف الذي دخل فيه صدراً منشرحاً بأنوار معرفة الله وإلهامات عالم ملكوته، فيكون قرين ملائكة الله وعباده الصالحين الزائرين لهذا القبر، وإما أن يقع في حفرة من حفر النيران، وذلك إذا كان صدراً منشرحاً بالشر والفساد، ومعدناً للشياطين والظلمات، ومورداً للعنة الله ومقته أبداً مخلداً، لقوله تعالى: {أية : مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ}تفسير : [النحل:106]. فإن من البواطن والصدور ما ينزل لزيارته في كل يوم وليلة ألف ألف من الأنبياء والأولياء (عليهم السلام)، لغاية صفائه ونقائه، وكونه مشحوناً بالمعارف الإلهية والعلوم الربّانية، والعلم صورة المعلوم وحقيقته، فهو روضة الجنان. ومن الأجواف ما يقع فيه في كل يوم وليلة ألف مجادلة ومخاصمة مع الناس، ويكون معدن الكذب والظلم والوسواس، ومنبع الوحشة والكدورة، والغصة والعذاب الأليم واللعن المقيم، فهو بعينه كحفرة الجحيم. فالقول والكلام إذا وقع في الصدر المنشرح بنور الإيمان والمعرفة، يتجرد عن العوارض المادية، وينقشر عن الغواشي الظلمانية، فيصير لباً خالصاً معقولاً لائقاً لأن يتغذى به أولو الألباب، فقد وقع في دار الجنان. وإذا هوى إلى جوف الرجل الجاهل والمستجن في صدره المنشرح بالكفر والخسران، فقد وقع في دار الجحيم، واحترق بنيرانات ملتهبة من الحسد والشر والطغيان. فإذا علمت هذا المثال، فاعلم أن الإنسان إذا مات وارتحل عن هذا العالم، وانقطعت عنه حياته النباتية والحيوانية فقد بقيت له حياتان أخرويتان، فيكون قبره الحقيقي الذي يدخل فيه إما روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النيران، وإطلاق القبر على ما يتعارفه الجمهور من باب التجوز على ما تدل عليه ألسنة الشرائع الحقة، وتشير إليه الأحاديث الصحيحة الواردة في أحوال الموتى وعذاب القبور، لأن قبر كل إنسان يناسب صفاته وأعماله، ولا يمكن مشاهدة القبر الحقيقي بهذه الحواس الدنيوية، لأنه منزل من منازل الآخرة، وإنما تنكشف أحوال القبور للمتجردين عن جلباب البشرية لغلبة سلطان الآخرة على بواطنهم، وإنما قلنا: "انقطعت عنه الحياتان الدنيويتان"، موضع: "انعدمت" لأن الحقيق عندنا أن ما وجد من الأشياء فلا يمكن انعدامه بالحقيقة، وإلاَّ فيلزم أن يكون مما خرج وزال وغاب عن علم الله، وقال تعالى: {أية : وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ فِي ٱلسَّمَآءِ}تفسير : [يونس:61]. فإذا تحقق هذا، ظهر أن للجسد وجوداً كما للنفس، وللقالب تكوّناً كما للقلب، ولكل منهما قبراً حقيقياً. فقبر الحياة الجسدانية النباتية والحيوانية، هو مقدار تكوّنها التدريجي، ومدة حركتها الاستكمالية في دار الدنيا التي هي مقبرة ما في علم الله من صور الأكوان الحادثة الموجودة سابقاً ولاحقاً في علمه تعالى: أما الوجود الأول فقبل الورود في مقابر الدنيا بموتها الجسماني، وهو مفاد قوله (صلّى الله عليه وآله وسلم): حديث : خلق الأرواح قبل الأجساد بألفي عامتفسير : ، وأما الوجود الثاني فبعد مدة مكثها الدنيوي كما قال: {أية : وَإِلَىٰ ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلأُمُورُ}تفسير : [آل عمران:109]. وأما قبر النفس والروح، فالى مأوى النفوس ومرجع الأرواح، كلٌ يرجع إلى أصله: {أية : إِنَّا للَّهِ وَإِنَّـآ إِلَيْهِ رَاجِعونَ}تفسير : [البقرة:156]. فالله سبحانه أبدع بقدرته الكاملة دائرة العرش وحقيقته العقلية والنفسية، وجعلها مأوى القلوب والأرواح، وأنشأ بحكمته البالغة نقطة الفرش وجعلها مسكن القوالب والأجساد، ثم أمر بمقتضى حكمته الأزلية، وقضائه الحتمي الإجمالي، وصُورِهِ الإسرافيلي لتلك الأرواح والقلوب العرشية إن تعلقت بالقوالب والأبدان الفرشية، وأمر بقدرته التفصيلية الاستعدادية أن تقبل قابلية هذه القوالب بحسب إعداد المواد واستعداد هذه الأجساد، شطراً من الأزمنة والإمداد قلوب العباد وأرواح أهل الحشر والمعاد وأصحاب الرجوع إلى الله الجواد. فإذا بلغ أجلُ الله الذي هو آت، وقرب موعد الممات للملاقاة والحياة، رجعت الأرواح إلى رب الأرواح قائلين بلسان الحال والمقال: {أية : إِنَّا للَّهِ وَإِنَّـآ إِلَيْهِ رَاجِعونَ}تفسير : [البقرة:156] وعادت الأشباح إلى التراب الرميم؛ {أية : مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ}تفسير : [طه:55]. وأما الأرواح المكدرة الظلمانية المنكوسة، والنفوس الشقية التي كفرت بأنعم الله، وصرفها في غير ما خُلقت لأجله، قصدت مع أثقالها وأوزارها من حضيض الفرش إلى ذروة العرش بأجنحة مقصوصة وقلوب مقبوضة وأيدي مغلولة بحبائل التعلقات، وأرجل مقيدة بقيود الشهوات و {أية : كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ ٱجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ ٱلأَرْضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٍ}تفسير : [إبراهيم:24]، فصاروا ملعونين منكوسين معلّقين بين العرش والفرش، لقوله تعالى {أية : وَلَوْ تَرَىٰ إِذِ ٱلْمُجْرِمُونَ نَاكِسُواْ رُءُوسِهِمْ عِندَ رَبِّهِمْ}تفسير : [السجدة:12]. فظهر وتبين أن المقابر بعضها عرشية وبعضها فرشية، فالأولى للسابقين المقرّبين وأصحاب اليمين، والثانية للأشقياء والمردودين إلى أسفل سافلين، فثبت ما ادّعيناه من أن الموت وارد على الأوصاف لا على الذوات، لأنه تفريق وقطع، لا إعدام ورفع: {أية : كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ * فَرِيقاً هَدَىٰ وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلضَّلاَلَةُ} تفسير : [الأعراف:29 - 30]، {أية : وَمَن يُهِنِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ}تفسير : [الحج:18]. فالعرش مقبرة الأرواح العرشية: "أول ما خلق الله جوهرة" الحديث والفرش مقبرة الأجساد الفرشية، ونفوسها المنكوسة المتعلقة بها. ولبعض الجهّال المغترين بلامع سراب الأقوال أن يعترض ها هنا، بأن ما ذكرت من البيان، يستلزم أن لا يكون للأجساد حشر في الآخرة، وهو يخالف ما أحكمتَ بنيانه وأوضحت تبيانه فيما مرّ مع أن حشر الأجساد، وإعادة الرميم من العظام من ضروريات الشرع المبين لقوله تعالى: {أية : مَن يُحيِي ٱلْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا ٱلَّذِيۤ أَنشَأَهَآ أَوَّلَ مَرَّةٍ} تفسير : [يس:78 - 79]. فليعلم - إن كان جهله بسيطاً قابلاً للإصلاح والتعليم -، إن ما ذكرنا هاهنا ليس مخالفاً لما بيّنا سابقاً ولا مبطلاً حشر الأجساد، بل يحققه ويصححه، لكن لغموضه ودقته يحتاج دَرْكه إلى قلب سليم وفطرة صافية عن كدورة التعصب والتقليد، وسَمْعٍ خالٍ عن غشاوة ما يتلقف من الأساتذة، أو يطالع من كتب المشايخ من غير بصيرة ولا فهم جديد، وقد بينّا تفاوت هذا المطلب الشريف العالي، والدر الثمين الغالي في بعض كتبنا ورسائلنا وتفاسيرنا لبعض السور والآيات القرآنية، وبرهَنّا على حقيقة المعاد الجسماني في كتاب المبدأ والمعاد بمعنى إعادة الأشخاص الإنسانية بعين هذه الأبدان، لا بمجرد أشباحها وأمثالها برهاناً صحيحاً سالماً عن النقوض، وبياناً شافياً مبتنياً على مقدمات عقلية جازمة، لا يعتريها شك وطعن على ما هو دأب أهل الحكمة والمعرفة، لا مكتفياً فيه على ما يقبله الجمهور ويستحسن في المشهور، وإن لم يكن مطابقاً للواقع كما هو عادة أصحاب الجدل في صنعة الكلام، ولا بدل لطالب اليقين أن يرجع إلى ذلك الكتاب في مسألة المعاد، لضيق المجال ها هنا عن تكثير المقال. وأما القدر الذي يقع له التنبيه على هذا المطلب بوجه وجيه يقنع به العاقل النبيه: أن الجسم المُعَين المحسوس، والبدن المشكل الملموس كالإنسان مثلاً، أمر مركب من جواهر متعددة تتقوم بها ذاته، وتظهر من اجتماعها الأبعاد الثلاثة مع أعراض لازمة أو مفارقة. والعرض المفارق الزماني لا يبقى زمانين: {أية : بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِّنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ} تفسير : [ق:15] لا على وجه قرره المتكلمون، بل على وجه قرره الحكماء في الأعراض الانفعالية، ثم إذا بطل التأليف، رجع كل جوهر من جواهره إلى عالمه، والجوهر يقوم بذاته أو بمقومات ذاته، والعرض قائم بغيره، ولا يجوز له الانتقال والارتحال من موضوع الدنيا إلى موضوع الآخرة. لما عرفت من أن العرض الزماني المستحيل مما لا يبقى زمانين، والأعراض المحسوسة من الكميات والكيفيات الموجودة في جواهر هذا العالم متغيرة، لما ثبت أن الأمور الطبيعية مستحيلة من حال إلى حال، متحركة في المقادير بحسب النمو والذبول، وفي الكيفيات المحسوسة والاستعدادية والمختصة بالكميات بحسب تجدد الانفعالات والاستعدادات من المواد المنفعلة عن آثار حركات السماويات، المتأثرة عما يرد عليها من تجدد آثار العلويات وتصرفها للسفليات، كل ذلك طاعة لباريها وجاعلها بحسب الشؤون الواقعة منه بحسب: {أية : كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ}تفسير : [الرحمن:29] التي تستدعيها إفاضة الخيرات وبث نعمة الكمالات بمقتضى: {أية : وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا} تفسير : [إبراهيم:34]. وأما بواقي الأعراض السبعة النسبية، فهي في وجودها وبقائها تابعة لغيرها، لكونها معانٍ انتزاعية، فتجددُ ذلك الغير يوجب تجددها، وكل ما يكون متغيرً متبدلاً لا يمكن بقاؤه في دار القرار، وانتقاله بعينه من الدنيا إلى عالم البقاء، فالعرض الذي شأنه التجدد والتغير شيئاً فشيئاً، كالحركة وما يقع فيه من الزمان وما يطابقه ويوازيه لا يجوز أن يرتحل من هذا العالم إلى عالم الثبات والدوام، وإلاّ لكان للحركة حركة وللموت موت، فيلزم أن يكون دار البقاء دار الفناء، فتنقلب الآخرة دنياً، والقرار فراراً، والحقيقة بطلانا، والثبات زوالاً وهدراً وهباء، والكل مستحيل باطل. فثبت أن عالم الآخرة غير هذا العالم بالحقيقة والماهية، وهو عالم مستقل تام لا ينتظم مع هذا العالم في سلك واحد، ولا واحد منها مع الآخر في سمت واحد، وفي اتّصال واحد زماني أو مكاني موجود أو موهوم، ولا أحدهما جزء من الآخر، ولا في جهة من جهاته، بأن أحدهما فوق الآخر أو تحته أو قدّامه أو خلفه أو عن يمينه أو شماله، وإلاّ لم يكن كل منهما عالماً تاماً له محدد واحد للجهات المكانية والامتدادات الزمانية، بل كل أحدهما داخلاً في الآخرة، مشمولاً كلاهما لمحدد واحد لمكانه وزمانه، وليس كذلك، هذا خلف. ومحصل القول: ان الموت إذا فرّق بين جواهر هذه الأجسام الدنيوية، وتلاشى التركيب، بقيت الجواهر المفردة واضمحلت الأعراض والهيآت، ثم إذا جاء وقت العود بأمر الله تعالى، ركّب جسم من تلك الجواهر تركيباً محكما، ونشأت نشأة ثانية باقية أبد الدهر، لكون الجسم الأخروي حاصلاً من محض جهات الفاعلية، كالإمكان الذاتي وغيره، لا من جهات القابلية كالإمكان الاستعدادي وصلوح المادة وحصول المزاج لامتزاج العناصر، فالأجسام مجرد الجواهر بلا أعراض هذه الدنيا، ولم يكن لها صفات مستحيلة متغيرة حاصلة من انفعال المواد للاستعداد، بل كل جوهر من جواهر الآدميين، يكون في الآخرة عالماً تاماً برأسه كجملة هذا العالم، فيكون كل إنسان هناك عالماً تاماً في نفسه، لا ينتظم مع غيره في عالم واحد، مع أن كل إنسان سعيد في الآخرة يحضر عنده كل ما يريد ويرغب في صحبته بلحظة عين وفلتة خاطر وخطرة قلب، وهذا عام فاش لكل واحد من السعداء، وهو أقل مرتبة من مراتب أهل الجنان، فالعوالم هناك عدد غير متناه، كل منها كعرض السموات والأرضين، من غير تداخل ولا مزاحمة ولا مضايقة، كما يعرفه المكاشفون ويشاهده المقربون. ومما ينبه على هذا، أن هذا العالم الدنيوي بجملة ما فيه، إذا أخذ مجموعاً واحداً، لا يحصل من الجواهر العقلية إلاَّ على سبيل الإبداع بحسب جهات عقلية فاعلية لا أنه قد حصل بتمامه من جهة استعداد قابل، ولا أيضاً وجد في مكان ولا في زمان، إذ لا مكان للمكان ولا زمان للزمان، فليس لجملة الأجسام مع ما منها وفيها زمان ولا مكان ولا جهة من الجهات، ولا يمكن أن يقال: حدث في أي وقت، وفي أي مكان وجهة. فهكذا؛ يجب أن يعلم ويتصور حال كل عالم من العوالم الأخروية المتعلقة بواحد واحد من أهل السعادة من الجواهر الإنسانية، فقد علم من هذا وجه كونه تعالى رب العالمين - بصيغة الجمع -، المختص بذوي العقل، لأن كل عالم رباني عالم تام لا يعوزه شيء من الأشياء، ولا يفتقر إلى أمر خارج عنه وعن ملكه وعالمه وسلطانه، فإذا لم يكن شيء من الأشياء إلاَّ ويكون في ذلك لعدم غيبة الكل عن الكل. فلا يفوته شيء: {أية : وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ ٱلأَنْفُسُ وَتَلَذُّ ٱلأَعْيُنُ}تفسير : [الزخرف:71]. فبعد حشر الأجساد لا يمكن لأحد أن يقول: هذا الجسد غير ذلك، وليس له أيضاً أن يقول: من كل وجه أن هذا ذاك، فإن هذا من الذهب وذاك من الرصاص. بل له أيضاً أن يقول: هذا كان ذلك، فإن الرصاص صار بالإكسير في كورة سجن الدنيا أو جهنم الآخرة هذا، فإن كنت تستخبر عن أصل الذهب وسنخ جوهره، فقلت: "هذا ذاك"، وإذا استخبرت عن حقيقة الذهبية والصفاء واللطافة والنورية، فقلت: ليس هذا ذاك، فجوهرية هذا العبد وروحه واحدة في الدنيا والآخرة، لكنه كان في الدنيا دنيا، وفي الآخرة عليا: {أية : قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَىٰ شَاكِلَتِهِ} تفسير : [الإسراء:84]. ومنها بيان السرّ في اختلاف نسبة التوفي تارة إلى الله تعالى كما في قوله: {أية : ٱللَّهُ يَتَوَفَّى ٱلأَنفُسَ حِينَ مِوْتِـهَا} تفسير : [الزمر:42]، وتارة إلى رسله - أي ملائكته - كما في قوله تعالى: {أية : حَتَّىٰ إِذَا جَآءَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لاَ يُفَرِّطُونَ} تفسير : [الأنعام:61] وتارة إلى ملك الموت، كما في هذه الآية. ووجه ذلك: أن الإنسان نشأة جامعة روحاً وبدناً، وقد بنى الله وجود كل منهما من أصول أربعة - كما سبق القول فيه -، وقد ارتكز في عقول الجماهير أن القابض لأجزاء بدنه هو المتوفي له القابض لروحه والجاذب له إلى الحق تعالى، فإن العلة المحدثة والمبقية شيء واحد في التحقيق إذا كانت فاعلية، والجامع لأجزاء المني والحافظ أمر واحد بالنوع والماهية، وان كان متفاوت الظهور. وتفصيل المقام: أن الغاية الحقيقية في بناء هذا المسجد الجامع الإنساني، الذي اجتمعت فيه أفراد الموجودات وأشخاص الكائنات، من كل طائفة وقوم، خطابة خطيب العقل على منبر دماغه بشهادة أن لا إله إلاَّ الله، ودلالته بوجوده الجمعي (الحقيقي - ن) المتوحد في مرتبة ذاته وروحه البسيطة الإجمالية، التي لها أحدية جمع الجمع يوم جمعة الحقايق على وحدانية الحق سبحانه، وامتثال خلائق قواه الإدراكية التركيبية والتحريكية أمره واستماعها في ندائه إذا نفذ إلى مسامعها صداه، ومشايعتها للروح وتركها لاستعمال البدن وأغراضه ومعاملاته امتثالاً لأمر الله، واجابة لداعي الحق في قوله: {أية : إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِن يَوْمِ ٱلْجُمُعَةِ فَٱسْعَوْاْ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ وَذَرُواْ ٱلْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ}تفسير : [الجمعة:9]، وقد مرت الإشارة إلى أن الموت أمر طبيعي، وسَعْي جِبلّي من القلب والقالب جميعاً. ثم إنه قد وردت الروايات في باب المتولي لهذه العمارة، والآخذ لطينة وجود هذا المسجد الجامع متفاوتة، ففي بعضها: أن الجامع لأجزاء بدنه وترابه هم الملائكة، وفي بعضها: إن الآخذ لتراب قالبه هم رسل الله، ليكونوا هم الرسالة إلى عباده، وفي بعضها: أن ملك الموت قد أخذ قبضة من التراب، وفي بعضها: أن الله تعالى قبض بيده قبضة من أديم الأرض. فهذه الروايات كلها صادقة الفحوى متوافقة المعنى عند الواقف على حقيقة ذات الإنسان، فإن في ذاته وطينته أصولاً أربعة، ففيها الطينة النباتية لحياته النباتية من التغذية والتنمية والتوليد، وفيها الطينة الحيوانية للإحساس والتحريك، وفيها المادة النفسانية والعقل الهيولاني الذي هو محل الحياة العقلية بمعرفة الحقائق، وفيها الطينة القدسية التي هي محل معرفة الله، وهي الفانية عن ذاتها والباقية ببقاء الله. فأما الطينة النباتية: فهي التي قبضها الملائكة الموكلون بعمارة هذا العالم العنصري، فأحياها الله بالماء، كقوله: {أية : وَجَعَلْنَا مِنَ ٱلْمَآءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ}تفسير : [الأنبياء:30]. وأما طينته الحيوانية، فهي التي جاء بها رسل الله بأمره، {أية : قُلِ ٱلرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي}تفسير : [الإسراء:85]. أي حاصلة من عالم الأمر. وأما حصة طينته التي ينشأ منها النفس النطقي، فهي التي تكون حياتها بنفخه تعالى روحه فيها، لقوله: {أية : وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي} تفسير : [الحجر:29]. وأما حصة طينة من كان عبداً مؤمناً عارفاً بالله، فانياً عن ذاته، باقياً ببقائه تعالى، فهي التي قبضها الله تعالى وأحياها بروح القدس، لقوله تعالى في حق عيسى - على نبينا وآله وعليه السلام -: {أية : وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ ٱلْقُدُسِ} تفسير : [البقرة:253]. ثم لما كان المتقرر عند ذوي البصائر والألباب - كما مرّ -، أن القابض لطينة الإنسان هو المتوفي له والقابض لروحه، فتلك الطينة النباتية التي قبضت الملائكة ترابها، وجعل الله حياتها من الماء، فتلك الملائكة تتوفاها وتقبض روحها إلى الله لقوله تعالى: {أية : تَتَوَفَّاهُمُ ٱلْمَلائِكَةُ} تفسير : [النحل:28 و 32]. وأما الخلقة الحيوانية الماشية التي قبضها الرسل، وأحياها الرب سبحانه بأمره، فهم يأخذون روحها ويتوفونها، لقوله تعالى: {أية : تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لاَ يُفَرِّطُونَ}تفسير : [الأنعام:61]. وأما السنخة الناطقة التي قبضها ملك الموت، وأحياها الله تعالى بنفخة منه إسرافيلية، فيتوفاها ملك الموت لقوله في هذه الآية: {قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ ٱلْمَوْتِ ٱلَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ}. وأما المادة القدسية والخميرة المقدسة الإلهية التي قبضها الله تعالى، وأحياها بروح القدس، فهي التي يتوفاها ويرفعها إليه لقوله: {أية : ٱللَّهُ يَتَوَفَّى ٱلأَنفُسَ حِينَ مِوْتِـهَا}تفسير : [الزمر:42] وقوله: {أية : يَرْفَعِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مِنكُمْ وَٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ دَرَجَاتٍ} تفسير : [المجادلة:11] وقوله: {أية : وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ} تفسير : [الزخرف:32]. فافهم واغتنم. ومنها، أنه قد انكشف عند أهل الله ان العالم كله، أعني ما سوى الله، حقيقة واحدة تشتمل على الخلق والأمر، لقوله تعالى: {أية : أَلاَ لَهُ ٱلْخَلْقُ وَٱلأَمْرُ} تفسير : [الأعراف:54] والأمر كله هو قلب العالم وروحه، لقوله: {أية : قُلِ ٱلرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي}تفسير : [الإسراء:85] لأن نسبة أحدهما إلى الآخر، كنسبة أحد جزئي الإنسان إلى الآخر، أي روحه وبدنه، بل هما روح الإنسان وبدنه صارا بالنزول الإنسان الجزئي، كما أن الإنسان الكامل يصير بالعروج عالما كبيراً، وهذا من الأمور المستبينة المستوضحة عند الراسخين في المعرفة، ثم التعانق بين هذا الأمر وهذا الخلق، والازدواج بين هذا العلوي وهذا السفلي هو حياة العالم الكبير، كما أن التعانق والازدواج بين روح الإنسان وبدنه هو حياة العالم الصغير، فكذلك التفارق بينهما هو موت الإنسان الكبير والقيامة الكبرى: {أية : لاَ أُقْسِمُ بِيَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ}تفسير : [القيامة:1]. كما أن الافتراق بين روح الإنسان وبدنه هو موت هذا العالم الصغير، والقيامة الصغرى لقوله (صلّى الله عليه وآله وسلم): "حديث : من مات فقد قامت قيامته ". تفسير : وسبب حياة الجسد الإنساني، استكمال النفس وبلوغها إلى غايتها وكمالها، ووصولها إلى عالمها ومعدنها، وسبب جسمية العالم، بلوغ روحها إلى عالم الربوبية، واختصاص ملكها لله الواحد القهار، والله سبحانه خالق الموت والحياة لقوله تعالى: {أية : خَلَقَ ٱلْمَوْتَ وَٱلْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً}تفسير : [الملك:2]. فإذا وقعت الواقعة، وقامت القيامة، يرجع الأمر كله إلى الله: {أية : وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ ٱلأَمْرُ كُلُّهُ}تفسير : [هود:123]، {أية : ذٰلِكَ تَقْدِيرُ ٱلْعَزِيزِ ٱلْعَلِيمِ}تفسير : [الأنعام:96 و يس:38 و فصّلت:12]، ويعود الخلق إلى الخالق، {أية : مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَىٰ} تفسير : [طه:55] هذا في القيامة الصغرى، فالأرواح كلها ترجع إليه تعالى: {أية : أَلاَ إِلَى ٱللَّهِ تَصِيرُ ٱلأُمُورُ} تفسير : [الشورى:53]، والأجساد كلها ترجع إلى العدم والكمون والبطون، لأن مبادئ حصولها جهات العدم والقوة والإمكان. ومن ها هنا يعمل سر شريف، هو أن الموت لا خبر له عن أن الخلق والأمر متى تفارق كل منهما عن صاحبه، بل في الإنسان خلقة الحيوان والنبات مما قد فنت وتلاشت وهي في الذوبان والاضمحلال دائماً لقوله: {أية : كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ}تفسير : [الرحمن:26] وبقيت حقيقة الإنسانية والملكية، أي حقيقة عقله وروحه، لقوله (صلّى الله عليه وآله وسلم): "حديث : خلقتم للبقاء ولم تُخْلَقوا للفناء ". تفسير : مثال ذلك الجوز، فله لبّان: - لب ولب اللب - وقشران: - قشر وقشر القشر - فاللّبان: أحدهما بمنزلة العقل والآخر بمنزلة الروح القدسي، صالحان للاغتذاء والدواء، كما أن الحياة الإنسانية والملكية من أهل الجنان وخدمة الرحمان، والقشران بمنزلة النبات والحيوان، خلقتا للفناء والاحتراق بنار الطبيعة. فظهر من جملة هذا، أن النفوس الإنسانية تصير في الآخرة قوالب أهل الجنة، مصوّرة بصورهم اللطيفة، وتكون أرواحهم من العقول القادسة، ويكون عقلهم من نور الأنوار، وهذا المعنى مما لا ينكشف إلاَّ بالروح القدسي: {أية : وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ ٱللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِن نُورٍ} تفسير : [النور:40]. فهذه النفس الإنسانية، هي جسم لطيف، وروحها القدسي جوهر مفارق من كل الوجوه، وهذا النور الإلهي أرفع من أن يُتَصَور في فكر أو عقل، لأن العقل مأوى الصور الكلية والحقائق العقلية، وهو المسمى بالعرش عند قوم، وأما القوة المفكرة، فهي منتهى التصورات النفسانية والعقول التفصيلية، ويقال لها الكرسي، والصدر المعنوي عند طائفة. وقد انتهى الكلام إلى ما عجز عن دركه جمهور الأنام، اللَّهمَّ اجعل هذه الكلمات محروسة عن ملاحظة الناقصين، واسترها عن أعين المغرورين، واجعل لأصحاب القلوب الصافية نصيباً وافراً من درّكها، ورغبة تامة في حفظها، ثم في صونها عن الأغيار، ليكون مستقر هذه المعاني صدور الأحرار التي هي قبور الأسرار، لتكون في روضة من رياض الجنان، ولا تجعلها في بطون الأشرار كيلا تكون في حفرة من حفر النيران، وهم الظاهريون، الذين زينوا ظواهرهم بالنقوش المزخرفة، والأقوال المزينة المليحة الحلوة، كالأطعمة والحلاوات، وأهملوا بواطنهم، بل حشوها بالنفاق والجهل والاستكبار عن الحق والحقائق، كبطون الفجار وقبور الكفار. شعر : همجو كور كافران بيرون حلل واندرون قهر خدا عز وجل تفسير : اللهم اجعل قبورنا روضة من رياض الجنان، ولا تجعلها حفرة من حفر النيران.

الجنابذي

تفسير : {قُلْ} لهم جواباً لتعجّبهم من بعثهم بعد الضّلال فى الارض لا تصيرون ضالّين فى الارض بل {يَتَوَفَّاكُم} يعنى يأخذ جميعكم وجميع اجزاء وجودكم بحيث لا يبقى منكم أحد ولا جزء فى الارض ولا يضلّ منكم شيءٌ فى الارض حتّى تقولوا كيف نبعث بعد الضّلال وانّما الضّالّ فى الارض هو مادّتكم الّتى ليست منكم {مَّلَكُ ٱلْمَوْتِ ٱلَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ} اى بقبض ارواحكم وجميع اجزائكم واحصاء امدكم وآجالكم {ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ} يعنى بعد قبض ملك الموت جميع اجزائكم ترجعون الى ربّكم المضاف الّذى هو ربّكم فى الولاية.

اطفيش

تفسير : {قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ المَوْتِ} وهو عزرائيل عليه السلام اي يستوفي نفس كل احد وهي الروح او لا يبقي احدكم ووزن يتوفى يتفعل وهو هنا للمبالغة كأنه قيل يقبض نفس كل احد كلها لا يبقي بعضها ولا بعضكم. وعن مجاهد جعلت الارض لملك الموت كالطست يتناول من حيث يشاء وعن قتادة يتوفى ملك الموت ومعه أعوان من الملائكة وقيل ملائكة عذاب وملائكة رحمة يدعو ملك الموت الروح فتجيبه ثم يأمر اعلانه بقبضها. وروي ان الدنيا جعلت له كالطست يلتقط الارواح كما يلتقط الطائر الحب. {الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ} لا شغل له إلا ذلك اذا جاء اجل احد لا يتأخر كما لا يتقدم وعن ابن عباس خطوة ملك الموت ما بين المشرق والمغرب. وروي: أن ملك الموت على معراج بين السماء والارض فينزع اعوانه روح الانسان فاذا بلغ ثغرة نحره قبضه ملك الموت. وقال معاذ بن جبل رضي الله عنه: ان لملك الموت حربة تبلغ ما بين المشرق والمغرب يتصفح كل احد في كل يوم مرتين فاذا رأى احدا قد انقضي اجله ضرب رأسه بتلك الحربة وقال له: الآن تنزل بك سكرات الموت. {ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ} أحياء فيجازيكم بأعمالكم.

اطفيش

تفسير : {قُل يَتَوفاكم مَلك المَوت} يأخذكم انسانا انسانا، وجماعات جماعات، فى مواضع متعدد متقاربة او متباعدة، حتى يستوفى عدتكم، وتكون وافية كاملة، او يستكمل انفاسكم، ولا يبقى نفسا بفتح الفاء، ولا بعضها، والمتوفى والقابض للروح الله عندنا، لكن ملك الموت يباشر عصر الروح، ولو شاء الله تعالى لانتقلت من موضع الى موضع، فلم تخرج، جاء: "أية : الله يتوفى الأنفس" تفسير : [الزمر: 42] وبه نقول، وجاء: "أية : توفته رسلنا"تفسير : [الأنعام: 61] وجاء: "أية : تتوفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم" تفسير : [النحل: 28] نسب الله التوفى الى الملائكة، لانهم مباشرون، قيل: لملك الموت اعوان، حتى قيل: ان المراد بملك الموت يتوفاه الله، وبعضا يتوفاه غيره، كما روى حديثا، وجاء: "حديث : إن ملك الموت موكل بتوفي الأرواح وقبضها إلاَّ شهداء البحر، فإن الله يقبض أرواحهم"تفسير : رواه ابن ماجه عن أبى امامة، وجاء فى خبر: "إن ملك موت الانسان غير ملك موت الجن والحيوانات". وعن ابن عباس للناس ملك، وللجن ملك، وللشياطين ملك، ولسائر الحيوان ملك، ويقبض ملك الموت الملائكة يوم القيامة، ويأمره الله بالاضطراب بين الجنة والنار، فيموت، وهو الذي يقبض ارواح الحور والولدان ان قلنا بوجودهم الان، وعكس بعض قومنا ما قلنا وقال: المتوفى القابض هو الملك، واذا نسب الى الله فلان ذلك بأمره، ولان افعال العباد مخلوقة لله عز وجل، وجاء: ان الملائكة يعالجون الروح، اذا قرب خروجها قبضها ملك الموت، والصحيح وعليه الجمهور ان ملك الموت عزرائيل وحده يتلقى الارواح كلها، اعطاه الله قوة على ذلك، ومعنى قوله: {الَّذي وُكِّل بكُم} جعل عليكم رقيبا يتلقاكم، ويعرف آجالكم، دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على رجل من الانصار يعوده، فاذا ملك الموت عند رأسه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (حديث : يا ملك الموت ارفق بصاحبي فإنه مؤمن)تفسير : فقال: أبشر يا محمد فانى بكل مؤمن رفيق، وعلم يا محمد انى لاقبض روح ابن آدم فيصرخ اهله، فاقوم فى جانب من الدار فأقول: والله ما بى من ذنب، وان لى لعودة وعودة، الحذر الحذر، وما خلق الله تعالى من اهل بيت مدر ولا شعر ولا بر فى بر ولا فى بحر الا وانا أتصفحهم فيه كل يوم وليلة خمس مرات، حتى انى لاعرف صغيرهم وكبيرهم منهم، والله يا محمد انى لا اقدر ان اقبض روح بعوضة حتى يأمرنى الله تبارك وتعالى {ثم إلى ربكُم تُرجَعون} بالبعث للجزاء بعد ذلك التوفى او بعد لقاء ملك الموت والقبر ما فيه.

الالوسي

تفسير : {قُلْ } رداً عليهم {يَتَوَفَّـٰكُم مَّلَكُ ٱلْمَوْتِ } يستوفي نفوسكم لا يترك منها شيئاً من أجزائها أو لا يترك شيئاً من جزئياتها ولا يبقى أحداً منكم، وأصل التوفي أخذ الشيء بتمامه، وفسر بالاستيفاء لأن التفعل والاستفعال يلتقيان كثيراً كتقضيته واستقضيته وتعجله واستعجلته، ونسبة التوفي إلى ملك الموت باعتبار أنه عليه الصلاة والسلام يباشر قبض الأنفس بأمره عز وجل كما يشير إليه قوله سبحانه: {ٱلَّذِى وُكّلَ بِكُمْ } أي بقبض أنفسكم ومعرفة انتهاء آجالكم. وأخرج ابن أبـي حاتم وأبو الشيخ عن أبـي جعفر محمد بن علي رضي الله تعالى عنهما قال: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على رجل من الأنصار يعوده فإذا ملك الموت عليه السلام عند رأسه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا ملك الموت ارفق بصاحبـي فإنه مؤمن فقال: أبشر يا محمد فإني بكل مؤمن رفيق واعلم يا محمد إني لأقبض روح ابن آدم فيصرخ أهله فأقوم في جانب من الدار فأقول والله مالي من ذنب وإن لي لعودة وعودة الحذر الحذر وما خلق الله تعالى من أهل بيت ولا مدر ولا شعر ولا وبر في بر ولا بحر إلا وأنا أتصفحهم فيه كل يوم وليلة خمس مرات حتى إني لأعرف بصغيرهم وكبيرهم منهم بأنفسهم والله يا محمد إني لا أقدر أقبض روح بعوضة حتى يكون الله تبارك وتعالى الذي يأمر بقبضه، وأخرج نحوه / الطبراني وأبو نعيم وابن منده ونسبته إليه عز وجل في قوله سبحانه: {أية : ٱللَّهُ يَتَوَفَّى ٱلأَنفُسَ }تفسير : [الزمر: 42] باعتبار أن أفعال العباد كلها مخلوقة له جل وعلا لا مدخل للعباد فيها بسوى الكسب كما يقوله الأشاعرة أو باعتبار أن ذلك بإذنه تعالى ومشيئته جل شأنه ونسبته إلى الرسل في قوله تعالى: {أية : تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا } تفسير : [الأنعام: 61] وإلى الملائكة في قوله سبحانه: {أية : ٱلَّذِينَ تَتَوَفَّـٰهُمُ ٱلْمَلَـٰئِكَةُ ظَالِمِى أَنفُسِهِمْ }تفسير : [النحل: 28] لما أن ملك الموت لا يستقل به بل له أعوان كما جاء في الآثار يعالجون نزع الروح حتى إذا قرب خروجها قبضها ملك الموت. وقيل: المراد بملك الموت الجنس، وقال بعضهم: إن بعض الناس يتوفاهم ملك الموت وبعضهم يتوفاهم الله عز وجل بنفسه، أخرج ابن ماجه عن أبـي أمامة قال: «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إن الله تعالى وكل ملك الموت عليه السلام بقبض الأرواح إلا شهداء البحر فإنه سبحانه يتولى قبض أرواحهم. وجاء ذلك أيضاً في خبر آخر يفيد أن ملك الموت للإنس غير ملك الموت للجن والشياطين وما لا يعقل. أخرج ابن جويبر عن الضحاك عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: وكل ملك الموت عليه السلام بقبض أرواح المؤمنين فهو الذي يلي قبض أرواحهم وملك في الجن وملك في الشياطين وملك في الطير والوحش والسباع والحيتان والنمل فهم أربعة أملاك والملائكة يموتون في الصعقة الأولى وأن ملك الموت يلي قبض أرواحهم ثم يموت وأما الشهداء في البحر فإن الله تعالى يلي قبض أرواحهم لا يكل ذلك إلى ملك الموت بكرامتهم عليه سبحانه. والذي ذهب إليه الجمهور أن ملك الموت لمن يعقل وما لا يعقل من الحيوان واحد وهو عزرائيل ومعناه عبد الله فيما قيل نعم له أعوان كما ذكرنا، وخبر الضحاك عن ابن عباس الله تعالى أعلم بصحته {ثُمَّ إِلَىٰ رَبّكُمْ تُرْجَعُونَ } بالبعث للحساب والجزاء. ومناسبة هذه الآية لما قبلها على ما ذكرنا في توجيه الإضراب ظاهرة لأنهم لما جحدوا لقاء ملائكة ربهم عند الموت وما يكون بعده ذكر لهم حديث توفي ملك الموت إياهم إيماء إلى أنهم سيلاقونه وحديث الرجوع إلى الله تعالى بالبعث للحساب والجزاء، وأما على ما قيل فوجه المناسبة أنهم لما أنكروا البعث والمعاد رد عليهم بما ذكر لتضمن قوله تعالى: {ثُمَّ إِلَىٰ رَبّكُمْ تُرْجَعُونَ } البعث وزيادة ذكر توفي ملك الموت إياهم وكونه موكلاً بهم لتوقف البعث على وفاتهم ولتهديدهم وتخويفهم وللإشارة إلى أن القادر على الإماتة قادر على الإحياء، وقيل: إن ذلك لرد ما يشعر به كلامهم من أن الموت بمقتضى الطبيعة حيث أسندوه إلى أنفسهم في قولهم: {أية : أَءذَا ضَلَلْنَا فِى ٱلأَرْضِ }تفسير : [السجدة: 10] فليس عندهم بفعل الله تعالى ومباشرة ملائكته، ولا يخفى بعده. وأبعد منه ما قيل في المناسبة: إن عزرائيل وهو عبد من عبيده تعالى إذا قدر على تخليص الروح من البدن مع سريانها فيه سريان ماء الورد في الورد والنار في الجمر فكيف لا يقدر خالق القوى والقدر جل شأنه على تمييز أجزائهم المختلطة بالتراب وكيف يستبعد البعث مع القدرة الكاملة له عز وجل لما أن ذلك السريان مما خفي على العقلاء حتى أنكره بعضهم فكيف بجهلة المشركين فتأمل. وقرأ زيد بن علي رضي الله تعالى عنهما {تُرْجَعُونَ } بالبناء للفاعل.

ابن عاشور

تفسير : استئناف ابتدائي جار على طريقة حكاية المقاولات لأن جملة قل في معنى جواب لقولهم {أية : أإذا ضللنا في الأرض أَإنّا لفي خلق جديد}تفسير : [السجدة: 10]؛ أمر الرسول عليه الصلاة والسلام أن يعيد إعلامهم بأنهم مبعوثون بعد الموت. فالمقصود من الجملة هو قوله {ثم إلى ربكم ترجعون} إذ هو مناط إنكارهم، وأما أنهم يتوفّاهم ملك الموت فذكره لتذكيرهم بالموت وهم لا ينكرون ذلك ولكنهم ألهتهم الحياة الدنيا عن النظر في إمكان البعث والاستعداد له فذكروا به ثم أدمج فيه ذكر ملك الموت لزيادة التخويف من الموت والتعريض بالوعيد من قوله {الذي وُكِّل بكم}فإنه موكل بكل ميت بما يناسب معاملته عند قبض روحه. وفيه إبطال لجهلهم بأن الموت بيد الله تعالى وأنه كما خلقهم يميتهم وكما يميتهم يحييهم، وأن الإماتة والإحياء بإذنه وتسخير ملائكته في الحالين. وذلك إبطال لقولهم {أية : ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا}تفسير : [الجاثية: 24] فأعلمهم الله أنهم لا يخرجون عن قبضة تصرفه طرفة عين لا في حال الحياة ولا في حال الممات. وإذا كان موتهم بفعل ملك الموت الموكل من الله بقبض أرواحهم ظهر أنهم مردودة إليهم أرواحهم متى شاء الله. والتوفّي: الإماتة. وتقدم في قوله تعالى: {أية : وهو الذي يتوفاكم بالليل} تفسير : في سورة الأنعام (60)، وقوله: {أية : ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة} تفسير : في سورة الأنفال (50). وملك الموت هو الملك الموكّل بقبض الأرواح وقد ورد ذكره في القرآن مفرداً كما هنا وورد مجموعاً في قوله: {أية : ولو تَرى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة} تفسير : في سورة الأنفال (50)، وقوله: {أية : تَوفّتْه رسُلُنا} تفسير : في سورة الأنعام (61)، وذلك أن الله جعل ملائكة كثيرين لقبض الأرواح وجعل مُبلِّغ أمر الله بذلك عزرائيل فإسناد التوفّي إليه كإسناده إلى الله في قوله {أية : الله يتوفّى الأنفس}تفسير : [الزمر: 42]، وجعل الملائكة الموكلين بقبض الأرواح أعواناً له وأولئك يسلمون الأرواح إلى عزرائيل فهو يقبضها ويودعها في مقارها التي أعدها الله لها، ولم يرد اسم عزرائيل في القرآن. وقيل: إن ملك الموت في هذه الآية مراد به الجنس فتكون كقوله {أية : توفته رسلنا}تفسير : [الأنعام: 61].

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ ٱلْمَوْتِ ٱلَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ}. ظاهر هذه الآية الكريمة أن الذي يقبض أرواح الناس ملك واحد معين، وهذا هو المشهور، وقد جاء في بعض الآثار أن اسمه عزرائيل. وقد بين تعالى في آيات أخر أن الناس تتوفاهم ملائكة لا ملك واحد كقوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ ٱلْمَلاۤئِكَةُ ظَالِمِيۤ أَنْفُسِهِمْ} تفسير : [النساء: 97] الآية، وقوله تعالى: {أية : فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ ٱلْمَلاَئِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ} تفسير : [محمد: 27] وقوله تعالى: {أية : وَلَوْ تَرَىۤ إِذِ ٱلظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ ٱلْمَوْتِ وَٱلْمَلاۤئِكَةُ بَاسِطُوۤاْ أَيْدِيهِمْ} تفسير : [الأنعام: 93] الآية. وقوله تعالى: {أية : حَتَّىٰ إِذَا جَآءَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لاَ يُفَرِّطُونَ} تفسير : [الأنعام: 61] إلى غير ذلك من الآيات. وإيضاح هذا عند أهل العلم أن الموكل بقبض الأرواح ملك واحد، هو المذكور هنا، ولكن له أعوان يعملون بأمره ينتزعون الروح إلى الحلقوم، فيأخذها ملك الموت، أو يعينونه إعانة غير ذلك. وقد جاء في حديث البراء بن عازب الطويل المشهور أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر فيه "حديث : أن ملك الموت إذا أخذ روح الميت أخذها من يده بسرعة ملائكة فصعدوا بها إلى السماء وقد بين فيه صلى الله عليه وسلم ما تعامل به روح المؤمن وروح الكافر بعد أخذ الملائكة له من ملك الموت حين يأخذها من البدن" تفسير : وحديث البراء المذكور صححه غير واحد، وأوضح ابن القيم في كتاب الروح بطلان تضعيف ابن حزم له. والحاصل: أن حديث البراء المذكور، دل على أن مع ملك الموت ملائكة آخرين يأخذون من يده الروح، حين يأخذه من بدن الميت. وأما قوله تعالى:{أية : ٱللَّهُ يَتَوَفَّى ٱلأَنفُسَ حِينَ مِوْتِـهَاَ} تفسير : [الزمر: 42] فلا إشكال فيه، لأن الملائكة لا يقدرون أن يتوفوا أحداً إلا بمشيئته جل وعلا {أية : وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ الله كِتَاباً مُّؤَجَّلاً} تفسير : [آل عمران: 145]. فتحصل: أن إسناد التوفي إلى ملك الموت في قوله هنا: {قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ ٱلْمَوْتِ ٱلَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ} لأنه هو المأمور بقبض الأرواح، وأن إسناده لملائكة في قوله تعالى: {أية : فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ ٱلْمَلاَئِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ} تفسير : [محمد: 27] الآية. ونحوها من الآيات، لأن لملك الموت أعواناً يعملون بأمره، وأن إسناده إلى الله في قوله تعالى: {أية : ٱللَّهُ يَتَوَفَّى ٱلأَنفُسَ حِينَ مِوْتِـهَا } تفسير : [الزمر: 42] لأن كل شيء كائناً ما كان لا يكون إلا بقضاء الله وقدره. والعلم عند الله تعالى.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 11- قل: يتوفاكم ملك الموت الموكل بقبض أرواحكم عند انتهاء آجالكم، ثم إلى الله - وحده - تعودون. 12- ولو أتيح لك أن ترى المجرمين فى موقف الحساب، لرأيت عجباً، إذ المجرمون المستكبرون منكسو الرءوس خزياً من ربهم، يقولون فى ذلة: ربنا أبصرنا ما كنا نتعامى عنه، وسمعنا ما كنا نتصامم عنه، فارجعنا إلى الدنيا نعمل صالحاً غير الذى كنا نعمله، إنا موقنون - الآن بالحق الذى جاء به رسلك. 13- ولو شئنا لأعطينا كل نفس هُداها، ولكن سبق القول منى لأملأن جهنم من الجِنة والناس أجمعين، لعلمنا أن أكثرهم سيختارون الضلالة دون الهدى. 14- فذوقوا العذاب بما غفلتم عن لقاء يومكم هذا، إنا تركناكم فى العذاب كالمنسيين، وذوقوا العذاب الدائم الذى لا انقطاع له بسبب كفركم ومعاصيكم. 15- إنما يُصَدِّق بآياتنا الذين إذا وعظوا بها خروا لله ساجدين، ونزَّهوا ربهم عن كل نقص، مثنين عليه بكل كمال، وهم لا يستكبرون عن الانقياد لهذه الآيات. 16- تتنحى جنوبهم عن مضاجعها. يدعون ربهم خوفاً من سخطه، وطمعاً فى رحمته، ومن المال الذى رزقناهم به ينفقون فى وجوه الخير.

د. أسعد حومد

تفسير : {يَتَوَفَّاكُم} (11) - قُلْ يَا مُحَمَّدُ لِهؤلاءِ المُشْرِكِينَ: إِنَّ مَلَكَ المَوْتِ، الذِي وُكِّلَ بِقَبْضِ أَرْوَاحِكُمْ، يَقُومُ بِمَا كُلِّفَ بِهِ، وَيَقْبِضُ الأَرْوَاحَ حِينَما تَسْتَنْفِدُ الخَلاَئِقُ آجَالَها، ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلى رَبِّكُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ فَيُجازِي كُلَّ وَاحدٍ بِعَمَلِهِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : تلحظ هنا أنهم يتكلمون عن البعث {أية : وَقَالُوۤاْ أَئِذَا ضَلَلْنَا فِي ٱلأَرْضِ أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ ..} تفسير : [السجدة: 10] ومعلوم أن البعث إيجاد حياة، فإذا بالقرآن يُحدِّثهم عن الوفاة، وهي نقْضٌ للحياة، ليُذكِّرهم بهذه الحقيقة. ومعنى {يَتَوَفَّاكُم ..} [السجدة: 11] من توفيت دَيْناً من المدين. أي: أخذتهُ كاملاً غيرَ منقوص، والمراد هنا الموت، والتوفِّي يُنسَب مرة إلى الله عز وجل: {أية : ٱللَّهُ يَتَوَفَّى ٱلأَنفُسَ حِينَ مَوْتِـهَا} تفسير : [الزمر: 42] ويُنسَب لملك الموت {أية : قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ ٱلْمَوْتِ ٱلَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ..} تفسير : [السجدة: 11] ويُنسب إلى أعوانه من الملائكة {أية : حَتَّىٰ إِذَا جَآءَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لاَ يُفَرِّطُونَ} تفسير : [الأنعام: 61]. لأن مسألة الموت أمرها الأعلى بيد الخالق سبحانه، فهو وحده واهب الحياة، وهو وحده صاحب الأمر في نَقْضها وسَلْبها من صاحبها؛ لذلك حرَّم الله القتل، وجعل القاتل ملعوناً؛ لأنه يهدم بنيان الله، فإذا قدَّر الله على إنسان الموت إذِن لملَك الموت في ذلك، وهو عزرائيل. إذن: هذه المسألة لها مراحل ثلاث: التوفِّي من الله يأمر به عزرائيل، ثم يأمر عزرائيلُ ملائكته الموكَّلين بهذه المسألة، ثم ينفذ الملائكةُ هذا الأمر. وتأمل لفظة {أية : تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا ..} تفسير : [الأنعام: 61] أي: أخذتْه كاملاً، فلم يقُلْ: أعدمتُه مثلاً؛ لذلك نقول قُبضت روحه أي: ذهبتْ إلى حيث كانت قبل أن تُنفخ فيه، ذهبت إلى الملأ الأعلى، ثم تحلَّل الجسد وعاد إلى أصله، وذاب في الأرض، جزئية هنا وجزئية هناك، كما قالوا: {أية : أَئِذَا ضَلَلْنَا فِي ٱلأَرْضِ أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ ..} تفسير : [السجدة: 10]. فالذي يُتوفَّى لم يُعدم، إنما هو موجود وجوداً كاملاً، روحه وجسده، والله قادر على إعادته يوم القيامة؛ لذلك لم يقُلْ أعدمنا. وهذه المسألة تحلُّ لنا إشكالاً في قصة سيدنا عيسى - عليه السلام - فقد قال الله فيه: {أية : إِذْ قَالَ ٱللَّهُ يٰعِيسَىٰ إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ ..} تفسير : [آل عمران: 55]. فالبعض يقول: إنه عليه السلام تُوفِّي أولاً، ثم رفعه الله إليه. والصواب أن واو العطف هنا تفيد مطلق الجمع، فلا تقتضي ترتيباً ولا تعقيباً، واقرأ إنْ شئتَ قول الحق سبحانه وتعالى: {أية : وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ ٱلنَّبِيِّيْنَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِن نُّوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَى ٱبْنِ مَرْيَمَ ..} تفسير : [الأحزاب: 7]. والخطاب هنا للنبي محمد صلى الله عليه وسلم ونوح عليه السلام قبله. فالمعنى هنا أن الله تعالى قدَّم الوفاة على الرفع، حتى لا يظن أحد أن عيسى - عليه السلام - تبرأ من الوفاة، فقدَّم الشيء الذي فيه شكٌّ أو جدال، وما دام قد توفّاه الله فقد أخذه كاملاً غير منقوص، وهذا يعني أنه لم يُصْلَب ولم يُقتل، إنما رفعه الله إليه كاملاً. وقوله تعالى: {قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ ٱلْمَوْتِ ..} [السجدة: 11] جاءت ردّا على قولهم: {أية : أَئِذَا ضَلَلْنَا فِي ٱلأَرْضِ أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ ..} تفسير : [السجدة: 10] فالحق الذي قال أنا خلقتُ الإنسان لم يقُلْ وأنا سأعدمه إنما سأتوفاه، فهو عندي كاملٌ بروحه وبذراته التكوينية، والذي خلق في البَدْء قادر على الإعادة، وجمع الذرات التي تشتتت. وقوله عن ملك الموت {ٱلَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ..} [السجدة: 11] أي: يرقبكم ولا يغفل عنكم، يلازمكم ولا ينصرف عنكم، بحيث لا مهربَ منه ولا فكَاك، كما قال أهل المعرفة: الموت سهم انطلق إليك فعلاً، وعمرك بمقدار سفره إليك، فهو واقع لا محالة. كما قلنا في المصيبة وأنها ما سُمّيت مصيبة إلا أنها ستصيبك لا محالة. وقوله: {ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ} [السجدة: 11] أي: يوم القيامة. ثم يقول الحق سبحانه: {وَلَوْ تَرَىٰ إِذِ ٱلْمُجْرِمُونَ ...}.