٣٢ - ٱلسَّجْدَة
32 - As-Sajda (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
10
Tafseer
الرازي
تفسير : لما قال: {أية : قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ } تفسير : [السجدة:9] بين عدم شكرهم بإتيانهم بضده وهو الكفر وإنكار قدرته على إحياء الموتى وقد ذكرنا أن الله تعالى، في كلامه القديم، كلما ذكر أصلين من الأصول الثلاثة لم يترك الأصل الثالث وههنا كذلك لما ذكر الرسالة بقوله: {تَنزِيلُ ٱلْكِتَـٰبِ } إلى قوله: { أية : لِتُنذِرَ قَوْماً مَّا أَتَـٰهُم مّن نَّذِيرٍ مّن قَبْلِكَ } تفسير : [السجدة:2، 3] الوحدانية بقوله: { أية : ٱللَّهُ ٱلَّذِى خَلَقَ } تفسير : إلى قوله: { أية : وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلْسَّمْعَ وَٱلأَبْصَـٰرَ } تفسير : [السجدة:4، 9] ذكر الأصل الثالث وهو الحشر بقوله تعالى: {وَقَالُواْ أَءذَا ضَلَلْنَا فِى ٱلأَرْضِ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: الواو للعطف على ما سبق منهم فإنهم قالوا محمد ليس برسول والله ليس بواحد وقالوا الحشر ليس بممكن. المسألة الثانية: أنه تعالى قال في تكذيبهم الرسول في الرسالة {أية : أم يقولون} تفسير : [يونس:38] بلفظ المستقبل وقال في تكذيبهم إياه في الحشر، {وقالوا} بلفظ الماضي، وذلك لأن تكذيبهم إياه في رسالته لم يكن قبل وجوده وإنما كان ذلك حالة وجوده فقال يقولون يعني هم فيه، وأما إنكارهم للحشر كان سابقاً صادراً منهم ومن آبائهم فقال {وقالوا}. المسألة الثالثة: أنه تعالى صرح بذكر قولهم في الرسالة حيث قال: { أية : أَمْ يَقُولُونَ } تفسير : [يونس: 38] وفي الحشر حيث قال: {وقالوا أئذا} ولم يصرح بذكر قولهم في الوحدانية، وذلك لأنهم كانوا مصرين في جميع الأحوال على إنكار الحشر والرسول، وأما الوحدانية فكانوا يعترفون بها في المعنى، ألا ترى أن الله تعالى قال: { أية : وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ } تفسير : [لقمان: 25] فلم يقل قالوا إن الله ليس بواحد وإن كانوا قالوه في الظاهر. المسألة الرابعة: لو قال قائل لما ذكر الرسالة ذكر من قبل دليلها وهو التنزيل الذي لا ريب فيه ولما ذكر الوحدانية ذكر دليلها وهو خلق السموات والأرض وخلق الإنسان من طين، ولما ذكر إنكارهم الحشر لم يذكر الدليل، نقول في الجواب: ذكر دليله أيضاً وذلك لأن خلق الإنسان ابتداء دليل على قدرته على إعادته، ولهذا استدل الله على إمكان الحشر بالخلق الأول كما قال: { أية : ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ } تفسير : [الروم: 27] وقوله: { أية : قُلْ يُحْيِيهَا ٱلَّذِى أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ } تفسير : [يۤس: 79] وكذلك خلق السموات كما قال تعالى: { أية : أَوَلَـيْسَ ٱلَذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ بِقَـٰدِرٍ عَلَىٰ أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُم * بَلَىٰ } تفسير : [يۤس: 81، 82]. وقوله تعالى: {إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ } أي أئنا كائنون في خلق جديد أو واقعون فيه {بَلْ هُم بِلَقَاء رَبّهِمْ كَـٰفِرُونَ } إضراب عن الأول يعني ليس إنكارهم لمجرد الخلق ثانياً بل يكفرون بجميع أحوال الآخرة حتى لو صدقوا بالخلق الثاني لما اعترفوا بالعذاب والثواب، أو نقول معناه لم ينكروا البعث لنفسه بل لكفرهم، فإنهم أنكروه فأنكروا المفضى إليه، ثم بين ما يكون لهم من الموت إلى العذاب.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَقَالُوۤاْ أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي ٱلأَرْضِ} هذا قول منكري البعث؛ أي هلكنا وبطلنا وصرنا تراباً. وأصله من قول العرب: ضلّ الماء في اللبن إذا ذهب. والعرب تقول للشيء غلب عليه غيره حتى خفي فيه أثره: قد ضلّ. قال الأخطل:شعر : كنتَ القَذَى في موجِ أكدر مُزْبد قذف الأتيّ به فضلّ ضلالاً تفسير : وقال قُطْرُب: معنى ضلَلْنا غِبنا في الأرض. وأنشد قول النابغة الذبياني:شعر : فآبَ مُضِلّوه بعين جَلِيّة وغُودِر بالجَوْلانِ حَزْمٌ ونَائِلُ تفسير : وقرأ ابن مُحَيصِن ويحيـى بن يعمر: «ضَلِلْنَا» بكسر اللام، وهي لغة. قال الجوهريّ: وقد ضللت أضِل قال الله تعالى: {أية : قُلْ إِن ضَلَلْتُ فَإِنَّمَآ أَضِلُّ عَلَىٰ نَفْسِي}تفسير : [سبأ: 50]. فهذه لغة نجد وهي الفصيحة. وأهل العالية يقولون: «ضَلِلْتُ» ـ بكسر اللام ـ أضَلّ. وهو ضالّ تالّ، وهي الضلالة والتلالة. وأضلّه أي أضاعه وأهلكه. يقال: أُضِلّ الميّت إذا دفن. قال:شعر : فـآب مُـضِـلـوه...... البيت تفسير : ابن السِّكّيت. أضللت بعيري إذا ذهب منك. وضللت المسجد والدار: إذا لم تعرف موضعهما. وكذلك كل شيء مقيم لا يهتدى له. وفي الحديث «حديث : لعلِّي أضِل الله»تفسير : يريد أضل عنه، أي أخفى عليه، من قوله تعالى: {أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي ٱلأَرْضِ} أي خفِينا. وأضله الله فضَلّ؛ تقول: إنك تهدِي الضالّ ولا تهدِي المتضال. وقرأ الأعمش والحسن: «صَلَلْنَا» بالصاد؛ أي أَنتنَّا. وهي قراءة عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه. النحاس: ولا يعرف في اللغة صللنا ولكن يقال: صلّ اللحمُ وأصلّ، وخَمّ وأخمّ إذا أنتن. الجوهريّ: صلّ اللحم يصلّ ـ بالكسر ـ صلولاً، أي أنتن، مطبوخاً كان أو نيئاً. قال الحُطَيئة:شعر : ذاك فتًى يَبذُل ذا قِدرِه لاَ يُفْسِدُ اللحمَ لديه الصُّلولُ تفسير : وأصَلّ مثله. {أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ} أي نخلق بعد ذلك خلقاً جديداً؟ ويقرأ: «أَئِنَّا». النحاس: وفي هذا سؤال صعب من العربية؛ يقال: ما العامل في «إِذَا»؟ و«إِنّ» لا يعمل ما بعدها فيما قبلها. والسؤال في الاستفهام أشدّ؛ لأن ما بعد الاستفهام أجدر؛ ألا يعمل فيما قبله من «إن» كيف وقد اجتمعا. فالجواب على قراءة من قرأ: «إِنا» أن العامل «ضَلَلْنَا»، وعلى قراءة من قرأ: «أَئِنَّا» أن العامل مضمر، والتقدير أنبعث إذا متنا. وفيه أيضاً سؤال آخر، يقال: أين جواب «إذَا» على القراءة الأولى لأن فيها معنى الشرط؟ فالقول في ذلك أن بعدها فعلاً ماضياً؛ فلذلك جاز هذا. {بَلْ هُم بِلَقَآءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ} أي ليس لهم جحود قدرة الله تعالى عن الإعادة؛ لأنهم يعترفون بقدرته ولكنهم اعتقدوا أن لا حساب عليهم، وأنهم لا يلقون الله تعالى.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى مخبراً عن المشركين في استبعادهم المعاد حيث قالوا: {أَءِذَا ضَلَلْنَا فِى ٱلأَرْضِ} أي: تمزقت أجسامنا، وتفرقت في أجزاء الأرض وذهبت: {أَءِنَّا لَفِى خَلْقٍ جَدِيدٍ} أي: أئنا لنعود بعد تلك الحال؟ يستعبدون ذلك، وهذا إنما هو بعيد بالنسبة إلى قدرتهم العاجزة، لا بالنسبة إلى قدرة الذي بدأهم وخلقهم من العدم، الذي إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون، ولهذا قال تعالى: {بَلْ هُم بِلَقَآءِ رَبِّهِمْ كَـٰفِرُونَ} ثم قال تعالى: {قُلْ يَتَوَفَّـٰكُم مَّلَكُ ٱلْمَوْتِ ٱلَّذِى وُكِّلَ بِكُمْ} الظاهر من هذه الآية أن ملك الموت شخص معين من الملائكة، كما هو المتبادر من حديث البراء المتقدم ذكره في سورة إبراهيم، وقد سمي في بعض الآثار بعزرائيل، وهو المشهور، قاله قتادة وغير واحد، وله أعوان، وهكذا ورد في الحديث: أن أعوانه ينتزعون الأرواح من سائر الجسد، حتى إذا بلغت الحلقوم، وتناولها ملك الموت، قال مجاهد: حويت له الأرض، فجعلت مثل الطست يتناول منها متى يشاء، ورواه زهير بن محمد عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه مرسلاً، وقاله ابن عباس رضي الله عنهما. وروى ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا يحيى بن أبي يحيى المقري، حدثنا عمر بن سمرة عن جعفر بن محمد قال: سمعت أبي يقول: نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ملك الموت عند رأس رجل من الأنصار، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : يا ملك الموت ارفق بصاحبي؛ فإنه مؤمن» تفسير : فقال ملك الموت: يا محمد طب نفساً، وقر عيناً، فإني بكل مؤمن رفيق، واعلم أن ما في الأرض بيت مدر ولا شعر في بر ولا بحر، إلا وأنا أتصفحهم في كل يوم خمس مرات، حتى إني أعرف بصغيرهم وكبيرهم منهم بأنفسهم،والله يا محمد لو أني أردت أن أقبض روح بعوضة، ما قدرت على ذلك حتى يكون الله هو الآمر بقبضها. قال جعفر: بلغني أنه إنما يتصفحهم عند مواقيت الصلاة، فإذا حضرهم عند الموت، فإن كان ممن يحافظ على الصلاة، دنا منه الملك، ودفع عنه الشيطان، ولقنه الملك لا إله إلا الله محمد رسول الله، في تلك الحال العظيمة. وقال عبد الرزاق: حدثنا محمد بن مسلم عن إبراهيم ابن ميسرة قال: سمعت مجاهداً يقول: ما على ظهر الأرض من بيت شعر أو مدر، إلا وملك الموت يطوف به كل يوم مرتين. وقال كعب الأحبار: والله ما من بيت فيه أحد من أهل الدنيا، إلا وملك الموت يقوم على بابه كل يوم سبع مرات، ينظر هل فيه أحد أمر أن يتوفاه؟ رواه ابن أبي حاتم. وقوله تعالى: {ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ} أي: يوم معادكم وقيامكم من قبوركم لجزائكم.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَقَالُواْ } أي منكرو البعث {أَءِذَا ضَلَلْنَا فِى ٱلأَرْضِ } غبنا فيها بأن صرنا تراباً مختلطاً بترابها {أَءِنَّا لَفِى خَلْقٍ جَدِيدٍ }؟ استفهام إنكاري بتحقيق الهمزتين وتسهيل الثانية وإدخال ألف بينهما على الوجهين في الموضعين، قال تعالى:{بَلْ هُم بِلِقَآءِ رَبِّهِمْ } بالبعث. {كَٰفِرُونَ }.
الماوردي
تفسير : قوله: {وَقَالُواْ أَئِذَا ضَلَلْنَا فِي الأَرْضِ} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: هلكنا، قاله مجاهد. الثاني: صرنا فيه رفاتاً وتراباً، قاله قتادة والعرب تقول لكل شيء غلب عليه غيره حتى خفي فيه أثره قد ضل، قال الأخطل: شعر : كنت القذى في موج أكدر مزبد تقذف الأتيُّ به فَضَلَّ ضلالاً. تفسير : الثالث: غُيِّبنا في الأرض، قاله قطرب وأنشد النابغة: شعر : فآب مُضلُّوه بعين جلية وغودر بالجولان حزمٌ ونائل تفسير : وقرأ الحسن: صللنا، بصاد غير معجمة وفيه على قراءته وجهان: أحدهما: أي أنتنت لحومنا من قولهم صل اللحم إذا أنتن، قاله الحسن. الثاني: صللنا من الصلة وهي الأرض اليابسة ومنه قوله تعالى: {أية : مِن صَلصَالٍ كَالْفَخَّارِ} {أية : أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ}تفسير : أي أَتُعَادُ أجسامنا للبعث خلقاً جديداً تعجباً من إعادتها وإنكاراً لبعثهم وهو معنى قوله تعالى: {بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِم كَافِرُونَ} وقيل إن قائل ذلك أُبي بن خلف. قوله تعالى: {قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوتِ الَّذِي وُكّلَ بِكُمْ} أي يقبض أرواحكم والتوفي أخذ الشيء على تمام، مأخوذ من توفية العدد ومنه قولهم استوفيت دَيْني من فلان. ثم في توفي ملك الموت لهم قولان: الأول: بأعوانه. الثاني: بنفسه. روى جعفر الصادق عن أبيه قال نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ملك الموت عند رأس رجل من الأنصار فقال له النبي صلى الله عليه وسلم [يا ملك الموت]: "حديث : ارْفُقْ بِصَاحِبِي فَإِنَّهُ مُؤْمِنٌ" تفسير : فقال ملك الموت عليه السلام يا محمد طب نفساً وقر عيناً فإني بكل مؤمن رفيق واعلَمْ أن ما من أهل بيت مدر ولا شعر إلا وأنا أتصفحهم في كل يوم خمس مرات حتى لأنا أعرف بصغيرهم وكبيرهم منهم بأنفسهم، واللَّه يا محمد لو أني أردت أن أقبض روح بعوضة ما قدرت على ذلك حتى يكون الله تعالى هو الآمر بقبضها، قال جعفر إنما يتصفحهم عند مواقيت الصلوات. {ثُمَّ إِلَى رَبِّكُم تُرْجعُونَ} فيه وجهان: أحدهما: إلى جزائه. الثاني: إلى أن لا يملك لكم أحد ضراً ولاً نفعاً إلا اللَّه.
ابن عبد السلام
تفسير : {ضَلَلْنَا} هلكنا، أو صرنا رفاتاً وتراباً، وكل شيء غلب على غيره مخفى فيه أثره فقد ضل، أو غُيِّبْنا، وبالصاد أنْتَنَّا من صَلَّ اللحم، أو صرنا بالصَلَّةِ وهي الأرض اليابسة ومنه الصلصال قيل: قاله أُبي بن خلف.
الثعالبي
تفسير : وقوله تعالى: {وَقَالُواْ أَءِذَا ضَلَلْنَا فِي ٱلأَرْضِ} أي: تَلَفْنَا وَتَقَطَّعَتْ أَوْصَالُنَا، فذهبنا في التراب حَتَّى لَمْ نُوجَدْ؛ {أَءِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ} أي: أَنُخْلَقُ بَعْدَ ذلك خَلقاً جديداً؛ إنكاراً منهم للبعثِ واستبعاداً له، و {يَتَوَفَّـٰكُم} معناه يَسْتَوِفِيكم؛ رُوِيَ عَن مجاهدٍ: أن الدنّيَا بَيْنَ يَدَيْ مَلَكِ المَوتِ كالطِّسْتِ بَيْنَ يَدَي الإنْسَانِ يأخُذُ مِنْ حَيثُ أُمِرَ. وقوله تعالى: {وَلَوْ تَرَىٰ إِذِ ٱلْمُجْرِمُونَ نَاكِسُواْ رُءُوسِهِمْ} الآية تَعْجِيبٌ لمحمَّد عليه السلام وأمته من حالِ الكفرةِ، ومَا حَلَّ بهم، وجوابٌ {لَو} محذوفٌ؛ لأنَّ حذفَه أَهْوَلُ في النفوس، وتنكيسُ رؤوسهم هو من الذل واليأسِ والهَمِّ بحلُول العذابِ. وقولهم {أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا} أي: ما كنا نُخْبَرُ به في الدنيا، ثم طلبوا الرَّجْعَةَ حينَ لاَ يَنْفَعُ ذَلكَ. ثمَّ أخْبَرَ تعالى عن نَفْسهِ أنَّه لو شَاء لهدى الناس أجميعن؛ بأن يَلْطُفُ بهم لُطْفاً يؤمنونَ به، ويخترع الإيمانَ في نفوسهم، هذا مذهبُ أهلِ السُّنَّةِ، و {ٱلْجِنَّةِ}: الشياطينُ، و{نَسِيتُمْ} معناه: تركتم؛ قاله ابن عباس وغيره. وقوله: {إِنَّا نَسِينَـٰكم} سَمَّى العقوبة باسم الذنب. ثم أثْنَى سبحانه على القوم الذين يؤمنون بآياته، ووصَفَهم بالصفة الحُسْنَى من سجودهم عند التذكير، وتسبيحِهم وعدمِ استكبارهم.
ابو السعود
تفسير : {وَقَالُواْ} كلامٌ مستأنفٌ مسوقٌ لبـيانِ أباطيلِهم بطريق الالتفاتِ وإيذاناً بأنَّ ما ذُكر من عدمِ شكرِهم بتلك النِّعمِ موجبٌ للإعراضِ عنهم وتعديدِ جناياتِهم لغيرِهم بطريقِ المباثةِ {أَءذَا ضَلَلْنَا فِى ٱلأَرْضِ} أي صِرنا ترُاباً مخلوطاً بترابِها بحيثُ لا نتميَّز منه أو غبنا فيها بالدَّفنِ. وقُرىء ضلِلنا بكسرِ اللامِ من بابِ عَلِمَ وصلِلنا بالصاد المهلمةِ من صلَّ اللحمُ إذا أنتنَ وقيل: من الصِّلةِ وهي الأرضُ أي صرنا من جنسِ الصِّلَّةِ قيل: القائلُ أبـيُّ ابنُ خَلَفٍ، ولرضاهم بقولِه أُسند القولُ إلى الكلِّ. والعاملُ في إذا ما يدلُّ عليه قولُه تعالى {أءِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ} وهو نبعثُ أو يُجدد خلقَنا، والهمزةُ لتذكيرِ الإنكارِ السَّابقِ وتأكيدِه. وقُرىء إنَّا على الخبرِ، وأيّاً ما كان فالمَعنى على تأكيدِ الإنكارِ لا إنكارٍ التَّأكيد كما هو المُتبادر من تقدمِ الهمزةِ على إنَّ فإنها مؤخَّرةٌ عنها في الاعتبارِ وإنَّما تقديُمها عليها لاقتضائِها الصَّدارةَ {بَلْ هُم بِلَقَاء رَبّهِمْ كَـٰفِرُونَ} إضرابٌ وانتقالٌ من بـيانِ كفرِهم بالبعثِ إلى بـيانِ ما هُو أبلغُ وأشنعُ منه وهو كفرُهم بالوصولِ إلى العاقبةِ وما يلقَونه فيها من الأحوالِ والأهوالِ جميعاً. {قُلْ} بـياناً للحقِّ وردَّا على زعمِهم الباطلِ {يَتَوَفَّـٰكُم مَّلَكُ ٱلْمَوْتِ} لا كما تزعمون أنَّ الموتَ من الأحوالِ الطَّبـيعيةِ العارضةِ للحيوانِ بموجبِ الجبلَّةِ أي يقبضُ أرواحَكم بحيثُ لا يدعُ فيكم شيئاً أو لا يتركُ منكم أحداً على أشدِّ ما يكونُ من الوجوهِ وأفظعِها من ضربِ وجوهِكم وأدبارِكم {ٱلَّذِى وُكّلَ بِكُمْ} أي بقيضِ أرواحِكم وإحصاءِ آجالِكم {ثُمَّ إِلَىٰ رَبّكُمْ تُرْجَعُونَ} بالبعث للحسابِ والجزاءِ {وَلَوْ تَرَىٰ إِذِ ٱلْمُجْرِمُونَ} وهم القائلون أئذا ضللنا في الآيةِ أو جنس المجرمينَ وهم من جُملتهم {نَاكِسُواْ رُءُوسِهِمْ عِندَ رَبّهِمْ} من الحياءِ والخزيِ عند ظهورِ قبائحهم التي اقترفُوها في الدُّنيا {رَبَّنَا} أي يقولون ربَّنا {أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا} أي صرنا ممَّن يُبصرُ ويسمعُ وحصل لنا الاستعدادُ لإدراك الآياتِ المُبصَرةِ والآياتِ المسمُوعةِ وكنَّا من قبلُ عُميا وصُمَّا لا ندركُ شيئاً {فَٱرْجِعْنَا} إلى الدُّنيا {نَعْمَلْ} عملاً {صَـٰلِحاً} حسبما تقتضيهِ تلك الآياتُ وقولُه تعالى {إِنَّا مُوقِنُونَ} إدِّعاءٌ منهم لصحَّةِ الأفئدةِ والاقتدارِ على فهم معانِي الآياتِ والعملِ بموجبِها كما أنَّ ما قبله ادِّعاءٌ لصحَّةِ مشعري البصرِ والسَّمعِ كأنَّهم قالُوا وأيقنا وكنَّا من قبل لا نعقلُ شئاً أصلاً وإنما عدلُوا إلى الجملة الإسميةِ المؤكدةِ إظهاراً لثباتِهم على الإيقانِ وكمالِ رغبتهم فيه، وكلُّ ذلك للجدِّ في الاستدعاءِ طمعاً في الإجابةِ إلى ما سألُوه من الرَّجعةِ وأنَّى لهم ذلك ويجوز أنْ يقدَّر لكلَ من الفعلينِ مفعولٌ مناسبٌ له مَّما يُبصرونه ويسمعونَه فإنَّهم حينئذٍ يشاهدون الكفرَ والمعاصيَ على صورٍ منكرةٍ هائلةٍ ويخبرهم الملائكةُ بأنَّ مصيرَهم إلى النَّار لا محالَة فالمعنى أبصرْنا قبحَ أعمالِنا وكنَّا نَراها في الدُّنيا حَسنةً وسمعنا أنَّ مردَّنا إلى النَّارِ وهو الأنسبُ لما بعده من الوعدِ بالعملِ الصَّالحِ، هذا وقد قيل المعنى وسمعنَا منك تصديقَ رُسلِك. وأنت خبـيرٌ بأنَّ تصديقَه تعالى لهم حينئذٍ يكون بإظهارِ مدلولِ ما أُخبروا به من الوعدِ والوعيدِ لا بالإخبارِ بأنَّهم صادقون حتَّى يسمعوه وقيل: وسمعنا قولَ الرُّسلِ أي سمعناه سمعَ طاعةٍ وإذعانٍ. ولا يقدر لترى مفعولٌ إذ المعنى لو تكون منك رؤيةٌ في ذلك الوقتِ أو يقدر ما ينبىءُ عنه صلة إذ والمضيُّ فيها وفي لو باعتبارِ أنَّ الثَّابتَ في علمِ الله تعالى بمنزلةِ الواقعِ. وجوابُ لو محذوفٌ أي لرأيتَ أمراً فظيعاً لا يُقادر قدرُه. والخطابُ لكلِّ أحدٍ ممَّن يصلحُ له كائناً من كانَ إذِ المرادُ بـيانُ كمالِ سوءِ حالِهم وبلوغِها من الفظاعةِ إلى حيثُ لا يختصُّ استغرابُها واستفظاعُها براءٍ دونَ راءٍ ممَّن اعتادَ مشاهدةَ الأمورِ البديعةِ والدَّواهيِ الفظيعةِ بل كلُّ من يتأتّى منه الرؤيةُ يتعجَّبُ من هولِها وفظاعتِها. هذا ومَنْ علّل عمومِ الخطابِ بالقصدِ إلى بـيانِ أنَّ حالَهم قد بلغتْ من الظُّهورِ إلى حيثُ يُمنع خفاؤها ألبتةَ فلا تختصُّ رؤيةُ راءٍ دون راءٍ بل كلُّ من يتأتَّى منه الرُّؤيةُ فله مدخلٌ في هذا الخطابِ فقد نأى عن تحقيقِ الحقِّ لأنَّ المقصودَ بـيانُ كمالِ فظاعةِ حالِهم كما يفصحُ عنه الجوابُ المحذوفُ لا بـيانُ كمالِ ظهورِها فإنَّه مسوقٌ مساقَ المسلَّمات فتدبَّر.
القشيري
تفسير : لو كانت لهم ذَرَّةٌ من العرفان، وشَمَّة من الاشتياق، ونَسْمَةٌ من المحبة لَما تَعَصَّبُوا كُلَّ هذا التعصب في إنكار جوازِ الرجوعِ إلى الله ولكن قال: {بَلْ هُم بِلَقَآءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ}.
اسماعيل حقي
تفسير : {وقالوا} اى كفار قريش كابى بن خلف ونحوه من المنكرين للبعث بعد الموت {أئذا} [آياجون] {ضللنا فى الارض}. قال فى القاموس ضل صار ترابا وعظاما وخفى وغاب انتهى واصله ضل الماء فى اللبن اذا غاب وهلك. والمعنى هلكنا وصرنا ترابا مخلوطا بتراب الارض بحيث لا نتميز منه: يعنى [خاك اعضاى ما ازخاك زمين متميز نباشد جنانكه آب درشير متميز نباشد] أو غبنا فيها بالدفن ذهبنا عن اعين الناس والعامل فيه نبعث او يجدد خلقنا كما دل عليه قوله {أئنا} [آياما] والهمزة لتأكيد الانكار السابق وتذكيره {لفى خلق جديد} اى انبعث بعد موتنا وانعدامنا ونصير احياء كما كنا قبل موتنا يعنى هذا منكر عجب فانهم كانوا يقرون بالموت ويشاهدونه وانما ينكرون البعث فالاستفهام الانكارى متوجه الى البعث دون الموت: وبالفارسية [در آفرينش نو خواهم بود يعنى جون خاك شويم آفريدن نو بما تعلق نخواهد كرفت] ثم اضرب وانتقل من بيان كفرهم بالبعث الى بيان ما هو ابلغ واشنع منه وهو كفرهم بالوصول الى العاقبة وما يلقونه فيها من الاهوال فقال {بل} [نه جنانست كه ميكويند بلكه] {هم} [ايشان] {بلقاء ربهم} لقاء الله عبارة عن القيامة وعن المصير اليه: يعنى [بآخرت كه سراى بقاست] {كافرون} جاحدون فمن انكره لقى الله وهو عليه غضبان ومن اقره لقى الله وهو عليه رحمن
صدر المتألهين الشيرازي
تفسير : قالوا - أي منكرو البعث والحشر، وقيل: القائل أُبَيّ بن خلف ولرضاهم بقوله أسند إليهم جميعاً. أإذا ضللنا في الأرض، أي غبنا فيها وصرنا تراباً محضاً، أو ذهبنا مختلطين بتراب الأرض لا نتميز منه كما يضلّ الماء في اللبن، فإن كل شيء غلب عليه غيره حتى يغيب فيه فقد ضل، وقيل معناه: غبنا في الأرض بالدفن فيها، من قول الشاعر: شعر : وآبَ مضلّوه بعين جَلية وغودر في الجُولان حزم ونائل تفسير : وعن قتادة ومجاهد: إن معنى "ضللنا": "هلكنا". وروي عن أمير المؤمنين (عليه السلام)، "ضللِنا" - بكسر اللاّم - يقال: ضل يضِل وضل يضَل. وقرأ الحسن: "صللنا" من: صلّ اللحم وأصلّ إذا أنْتَن، وربما يقال في معناه: صرنا من جنس "الصلة" وهي الأرض. {أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ}؛ استفهام إنكاري لغاية كونه مستبعداً، بل مستحيلاً عندهم، أي أنحن أحياء مبعوثون بعد الفساد والاضمحلال؟ فالظرف في: {أَإِذَا ضَلَلْنَا} متعلق بما يدل عليه {أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ} من نُحيا أو نُبعث أو نخلق مجددين. {بَلْ هُم بِلَقَآءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ}: أي إنكارهم للوعد والوعيد والثواب والعقاب وكفرهم بجميع ذلك، إنما نشأ من كفرهم بلقاء ربهم وجحودهم لبعثة الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلم)، وتكذيبهم لأصل النبوة، وإلاّ فبعد تصحيح أصل التوحيد والرسالة، لم يبق لإنكار ما يخبر به المخبر الصادق مجال، نعم ينبغي أن يزال ظاهره عن الاستحالة والامتناع، وهو كذلك كما يظهر عند التأمل. هذا ما سنح لهذا العبد، وظني أنه أوْلىٰ مما ذكر في الكشّاف بعد ما جعل معنى: "لقاء ربهم" الوصول إلى العاقبة، أي تَلَقّي ملك الموت وما وراءه، وهو أنه لما ذكرهم كفرههم بالإنشاء، أضرب عنه إلى ما هو أبلغ في الكفر، وهو أنهم كافرون بجميع ما يكون في العاقبة لا بالإنشاء وحده، ألا ترى كيف خوطبوا بتوفي ملك الموت وبالرجوع إلى ربهم بعد ذلك بمعوثين للحساب والجزاء. حكمة قرآنية إعلم أن عِلم المعاد من أعظم أمّهات الإيمان وأصوله، وأشرف الحكمة المتعالية وفصولها، قلّ من الحكماء من لم يزلّ قدمه في سلوك طريقه. ونَدَرَ من العلماء من بلغ فهمه إلى درك تحقيقه، وخاض في لجّة بحر تعميقه، فالناس في الاعتقاد بهذه المسألة بين مقلّد محض وجاحد صرف، كم من مجتهد في سائر المسائل إذا وصل هاهنا حمل قلادة التقليد على عنقه طاعةً للشرع المبين، وكم من باحث يسلّم سائر المقدمات الإيمانية ويقبل بفهمه جلّ الأصول الاعتقادية، متى استعرضت هذه المسألة على طبعه الوقّاد جحد وأنكر ونهج طريق الغواية، وانحرف عن جادة الحق واليقين. ولأمر ما وقع التكرار والتكثار في القرآن المجيد لبيانها، ودفع الإنكار والاستنكار عن الخصوم بطرق كثيرة لتبيانها، والاهتمام لتحريرها وتقريرها أزيد من غيرها، وذكر جحود الجاحدين فيها أكثر من ذكر جحودهم في غيرها. وإني لم إر أحداً من الفضلاء عنده خبر تحقيق في هذا المرام، الذي هو قرة عيون الكرام، ولا وجدت في كلام أحد من فحول علماء الإسلام من السابقين واللاحقين ما كان فيه شفاء لعليل هذا الداء العضال التي عيّت أطباء القلوب من الحكماء العظام، أو يكون به رواء غليل في حلّ هذا الإشكال التي عمّت داهيته الخاص والعام. وقليل من فحول أساطين الحكماء الربّانيين من حقّق علم المعاد الجسماني على النهج اليقيني، والطمأنينة البرهانية والسكون العرفاني، لأن المقدمات الحسية الدنيوية لا تنتج النتيجة الأخروية، والقضايا الدائمة العقلية لا تستوجب المطلوب المثالي، فكيف يجد الإنسان الطريق إلى مثل هذا المطلوب الذي هو أحد عمودَي الاعتقاد، وهما علم المبدأ وعلم المعاد؟ والحكماء كأبي علي بن سينا ومن في طبقته، وإن بلغوا في تقديس المبدأ وتنزيهه عمّا لا يجوز عليه من المثل والشبه والنظير إلى ما بلغوا، ووصلوا في توحيده تعالى عن شَوب الاثنينية والتركيب العيني والذهني والاعتباري والتحليلي، وعن وصمة القصور والإمكان العقلي إلى ما وصلوا، لكنّهم قد قصروا بأسرهم في علم المعاد، وقد اعترفوا عن آخرهم بالعجز والقصور عن الاطّلاع والعثور على أحوال الآخرة ونشأة القبور وحالة النشور. وكان هذا المقصود مما لا يمكن الوصول إليه والاطّلاع عليه إلاَّ بنور متابعة أفضل الأنبياء (صلّى الله عليه وآله وسلم)، والاقتباس من مشكاة نبوته والاستضاءة بنور أوليائه وأتباعه والاقتداء بهداهم. لمعة الهية لإزاحة ظلمة شيطانية إن ما حكى الله سبحانه عن الكفار بقوله: {أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي ٱلأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ} إشارة إلى أعظم شبهة يتمسك بها الجاحدون للمعاد، واقوى ريبة يتشبث بها المنكرون للبعث يوم التناد، وقوله: {بَلْ هُم بِلَقَآءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ}، إشارة إلى أجلّ ما يصلح للجواب وأعلى ما يتصور في دفع الخطاب. أما شرح تقرير الشبهة: فهو أن عمدة ما يشوّش الذهن، ويتبلد الطبع في باب المعاد، أنه يلزم من إعادة الإنسان بعد موته إما إعادة المعدوم - وإن كان البدن المعاد هو بعينه البدن الذي كان في الدنيا - وذلك أمر مستحيل عند العقل، وإما أن يكون المُثاب والمعاقب غير الشخص الذي فعل الطاعة أو المعصية بحسب العدد، فقوله {أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي ٱلأَرْضِ} - الآية أي عُدِمنا وصارت أجسامنا مستحيلة إلى التراب وزالت هويتنا الشخصية، فعند ذلك يتجدد لنا وجود آخر، والوجود يساوق التشخص، فكما أن شخصاً واحداً لا يكون له تعينان وهويتان، فكذا لا يكون له وجودان، وإلاَّ لزم أن يكون الواحد اثنين، وهذا بعينه هو ما حكى الله تعالى عن قول من يجحد الآخرة بقوله: {أية : وَيَقُولُ ٱلإِنْسَانُ أَإِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيّاً} تفسير : [مريم:66]. وأما تفسير الجواب وتوضيحه على وجه تندفع هذه الشبهة ونظائرها، فهو مما يستدعي تمهيد مقدمة هي: أن جميع الموجودات العالمية سيّما الإنسان، كائنة على وجه يتوجه نحو المبدأ بحسب الجبلة والفطرة، وهو الدين الإلهي الفطري الذي لا يخلو عنه طبيعة ولا جسم، ولا عقل ولا نفس، ولا سماء ولا أرض، ولا برّ ولا بحر، ولا مَلَك ولا حيوان، إلاّ من غلب عليه الوهم من شياطين الإنس والجن، فجميع الموجودات متوجهة نحو المبدأ جل شأنه طبعاً وإرادة لقوله تعالى: {أية : فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ٱئْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَآ أَتَيْنَا طَآئِعِينَ} تفسير : [فصّلت:11]. إلاَّ أن الإنسان الكامل، ممن وصل في سَيره الحثيث إلى المقصود الأصلي، والمحبوب الأول العلي، وبلغ إلى الغاية التي يتوجه إليها بحسب فطرة الله التي فطر الناس عليها، ورجع وعاد إلى المبدأ الذي فارقه وصدر عنه، {أية : كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ * فَرِيقاً هَدَىٰ وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلضَّلاَلَةُ}تفسير : [الأعراف:29 - 30] {أية : وَمَن يُهِنِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ}تفسير : [الحج:18]. فإذا علمت هذا، فاعلم أن هذه الحركة المعنوية الإنسانية من لَدُن كونه منياً وجنيناً إلى غاية كونه بالغا عاقلاً ذكياً صبوراً شكوراً حكيماً ولياً، وهلّم إلى أن يصل إلى جوار الله وقربه، لا بد لها من موضوع باق من أول الحركة إلى منتهاها، وإلاّ لم يكن الشاب ما كان طفلا صغيراً بعينه، ولا الذي سيكون شيخاً كبيراً، ومع ذلك فقد تبدل منه جميع ما كان له من مقداره وكيفه وأينه ووضعه ومَتاه وانفعاله وفعله وجميع ما يقال له في عرف أهل النظر: العوارضُ المشخصة. فقد علم أن من ظن أن هذه الأمور مفيدة للتشخص، أو هي بأعيانها مساوقة للشخصية، فقد أخطأ خطأ فاحشاً، بل أمثال هذه الأمور ما هي إلاّ أمارات لشخص واحد، وآثار منسوبة إليه بوجه من الوجوه من غير علاقة لزومية بينها وبينه، وإنما الهوية هي نحو وجوده الذي هو نصيبه من فيض الربوبية، ولكل وجود من الوجودات الفائضة عنه تعالى شؤونات مختلفة متفاوتة في كثرة التطورات وقلتها بحسب سعة قوته وبسط نشأته. والوجود في غير الإنسان من موجودات هذا العالم، ليس له إلاّ مجال ضيق من حد من النقص إلى حد من الكمال بحسب الدنيا، كالبذر الذي يصير ثمرة، كان انتقاله من حد الجمادية إلى حد النباتية، أو كنطفة الحيوان التي تصير حيواناً غير ناطق، فإن سعة سيره ومسافة سفره من حد الجسمية إلى حد الحيوانية. وأما وجود نوع الإنسان، فهو أوسع مجالاً وأكثر آثاراً وأفعالاً، وأرفع صعوداً إلى جهة العلو، وأعظم قوساً من النصف الصعودي من دائرة الوجود الذي وقع فيه السفر إلى الله، والتوجه إلى جنابه للموجودات العالمية، وذلك لأنه يرتحل في سيره الحثيث من هذه الدار الفانية إلى الدار الباقية الدائمة، وينتقل في جوهره من نشأة إلى نشأة ثانية. وهذا الارتحال والانتقال، أمر عام فاشٍ مشترك بين سائر أفراد الإنسان، يستوي فيه الشقي والسعيد، فإن التوجه الفطري إلى الله تعالى، لا ينافي الشقاوة والكفر، لما ذكرنا أن الكل متوجهون إليه تعالى، وإلى الدار الآخرة، لأن النفس الإنسانية منه تعالى بدؤها وإليه رجعاها: {أية : إِنَّ إِلَىٰ رَبِّكَ ٱلرُّجْعَىٰ}تفسير : [العلق:8] ومن الله شروقها وغروبها، فهبطت إلى هذا القالب الفاني، وغربت فيه، وستطلع هذه الشمس عند خراب القالب من مغربها، وتعود إلى بارئها وخالقها إلاَّ أن نفوس السعداء شموس زاهرة مشرقة غير محجوبة عن الحضرة الربوبية، وأن نفوس الأشقياء المردودين إلى أسفل السافلين، مظلمة منكسفة ناكسة رؤوسها عن جهة أعلى عليين، كما في قوله: {أية : وَلَوْ تَرَىٰ إِذِ ٱلْمُجْرِمُونَ نَاكِسُواْ رُءُوسِهِمْ عِندَ رَبِّهِمْ} تفسير : [السجدة:12]. فبيّن أن نفوس الأشقياء أيضاً راجعة إلى ربهم متوجهة إليه فطرةً كالسعداء فطرة وإرادة، إلاَّ أنهم لكراهة لقاء ربهم منكوسون منحوسون، قد انقلبت وجوههم إلى أقفيتهم، وانتكست رؤوسهم عن جهة فوق إلى جهة أسفل، وذلك لحكم الله وقضائه السابق فيمن حرمه توفيقه. وأما تمام هذا السفر الجبلّي والتوجه الفطري إلى الغاية الحقيقية والمقصود الأصلي، فإنَّما يتأتى للكُمّل والأفراد والأقطاب والأوتاد، الذين لأجلهم خلق العباد، وبهم رزق الورى ولهم يمطر السماء، فهم الذين يرتقون بالمعراج المعنوي والميل الباطني الجِبِلّي من حد الهيولانية الجسمية والنطفية إلى عالم البشرية والفلكية والملكية، ماراً على كل نفس وعقل، حتى بلغوا إلى الغاية القصوى والمقصد الأسنى، قاطعاً كلتي نصفي دائرة الوجود نزولا وصعوداً إلى مجاورة الحق المعبود، مسافراً من هذا العالم الفاني الهيولاني الذي وقع في صف نعال مجلس الإفاضة والخير والجود، منتهياً وأصلاً بقدمي العلم والعمل إلى كعبة المقصود، وفي جميع هذه المراتب والدرجات، هو شخص واحد تنحفظ وحدته وشخصيته بفاعله وموجده، وتبقى هويته العينية بنحو وجوده اللائق به - وإن تطوَّر بهذه الأطوار وتشأَن بهذه الشؤون. فإذا تبين وتحقق لك هذا، فاعلم أن قوله سبحانه: {بَلْ هُم بِلَقَآءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ}، إشارة إلى ردّ شبهتهم، وفك عقدتهم من وجوه: الأول: التنبيه على قصورهم عن درك هذا التوجه الفطري للعباد إلى عالم الآخرة، ولقاء ربهم في المعاد. الثاني: التنبيه على فساد قولهم: "إن الشخص المُعاد في المعاد غير الذي كان في الدنيا بحسب الشخصية والعدد مطلقاً"، بل هذا ذاك بحسب الباطن والحقيقة، كما أن زيداً الشاب هو بعينه زيد الطفل، وإن تبدلت جثته وجميع أعراضه وصفاته، وذلك لأن تشخص الشيء بفاعله ومقوّمه ونحو وجوده الذي هو به هو، لا ببدنه وأعراضه المتبدلة، وإطلاق الشخص على الأعراض المكتنفة من باب تجوّز التسمية للشيء باسم سببه، وزوال الأثر والعلامة لا يستلزم زوال المؤثر المعلوم به، - فتفطن -. والثالث: الإشعار بأن إنكار المعاد، والجهل بوجود عالم آخر إليه رجعى العباد، وفيه حشر الأجساد للحساب والميزان إنما نشأ للمغترين بعقولهم القاصرة، المحجوبين بفطانتهم البتراء وبصيرتهم الحولاء، لعدم اهتدائهم إلى أن وجود الإنسان ووقوعه في هذا العالم أمر عارض له بعد خروجه عن فطرته الأصلية التجردية. ونزوله عن جنة آدم أبيه بجناية صدرت منه، وكل من خرج من موطن ومعدن لأمر عارض، لا بد وأن يرجع إليه ولو بعد حين، ما دام بقاؤه على فطرته الأصلية، وعدم مسخه وطمسه بالكلية، وكما أن معادن النفوس مختلفة لقوله (صلّى الله عليه وآله وسلم): "حديث : الناس معادن كمعادن الذهب والفضة"تفسير : ، فكذلك غايات قصودهم، ومراكز حركاتهم، ونهايات أسفارهم، كما أشير إليه في قوله تعالى: {أية : قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ}تفسير : [البقرة:60]. فالنفوس التي لا تكون بينها وبين الحق الأول واسطة تنجذب إلى جنابه طبعاً، كما تنجذب إبرة من حديد إلى مغناطيس غير متناهي القوة، وهذه النفوس هي العارفة بالله وصفاته وأفعاله وكتبه ورسله واليوم الآخر، وأما النفوس الصادرة عنه بواسطة الوسائط الفلكية، أو النفسية، أو العقلية، أو البرازخ الجسمانية الجنانية، أو الجهنمية، فيقع لهم الانجذاب إلى معادنهم الأصلية لحكمة قضائية وقدرية، وإليه أشار الشيخ عبد الله الأنصاري في قوله: "الهي تلطفت لأوليائك فعرفوك، ولو تلطفت لاعدائك لما جحدوك". فالنفوس التي لم يكن بينها وبين الأول حجاب من عقل أو نفس أو دنيا أو آخرة، فهم الذين يكونون في الصف الأول في القرب، والعرفان بالوحي أو الإلهام أو المشاهدة، لقوله تعالى: {أية : وَٱلسَّابِقُونَ ٱلسَّابِقُونَ * أُوْلَـٰئِكَ ٱلْمُقَرَّبُونَ} تفسير : [الواقعة:10 - 11] وأما النفوس التي بينها وبينه حجاب وواسطة، فإما أن يعرفوها من وراء حجاب أو حجب كالرسالة والإمامة، لقوله تعالى: {أية : وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ ٱللَّهُ إِلاَّ وَحْياً أَوْ مِن وَرَآءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً }تفسير : [الشورى:51]. فكل من هؤلاء له مرتبة معينة من الجنان، ودرجة خاصة من مثوباتهم عن الرحمان، وإمَّا أن يجحدوا لقاء الله تعالى والدار الآخرة، فلا محالة ليست درجتهم فوق أن يصلوا إلى أدنى المنازل وأسفل السوافل، وهي الجحيم التي هي حقيقة هذه الدنيا الفانية، وصورة الطبيعة التي هي الحطمة الكبرى، وستصير مطّلعة على الأفئدة، لقوله تعالى: {أية : نَارُ ٱللَّهِ ٱلْمُوقَدَةُ * ٱلَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى ٱلأَفْئِدَةِ}تفسير : [الهمزة:6 - 7]. وستظهر صورتها الحقيقية منكشفة على من خرج من غبار هذا العالم، كصورة الجنان لمستأهليها، لقوله: {أية : وَأُزْلِفَتِ ٱلْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ * وَبُرِّزَتِ ٱلْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ} تفسير : [الشعراء:90 - 91]. فالنفوس الكافرة الجاحدة ليس لها وزن بعوضة عند الله، ولا لها نصيب إلاّ من جنس هذه الدار التي ستبرز في صورة جهنم للأشرار، لقوله تعالى: {أية : وَبُرِّزَتِ ٱلْجَحِيمُ لِمَن يَرَىٰ}تفسير : [النازعات:36] فتصير معلومة لهم يوم القيامة بالشهود العياني، لقوله تعالى: {أية : كَلاَّ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ ٱلْيَقِينِ * لَتَرَوُنَّ ٱلْجَحِيمَ * ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ ٱلْيَقِينِ}تفسير : [التكاثر:5 - 7]، وذلك لكشف الغطاء عن عين بصيرتهم، فصار بصر بصيرتهم حديداً، لقوله: {أية : لَّقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَـٰذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَآءَكَ فَبَصَرُكَ ٱلْيَوْمَ حَدِيدٌ}تفسير : [ق:22] وإلاَّ فهي موجودة معهم هاهنا وفي إهابهم، لقوله تعالى: {أية : ذَلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ} تفسير : [ق:19]، {أية : وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِٱلْكَافِرِينَ} تفسير : [التوبة:49]. تتمة تنبيهية إعلم أن في هذا المقام أبحاثاً قوية وتحقيقاتٍ شافية تتكفل لدفع شكوك وشبه أوردت على مسألة المعاد الجسماني وبعث الأبدان، ورد الأرواح إليها، حسب ما نطقت به الآيات القرآنية وجاءت به الشريعة النبوية على الصادع بها وآله السلام والتحية، وإثبات وجود عالم آخر مقداري غير هذا العالم في داخل حجب السمٰوات والأرض، غائب عن شهود هذه الحواس الدنيوية، فيه جنة السعداء وجحيم الأشقياء، ذكرناها في كتابنا المسمى بالمبدأ والمعاد، لولا مخافة الخروج عن طور التفسير لأوردتها جملة، فمن أراد فليرجع إليها هناك، لكن الواجب على المستبصر أن يعلم هنا هذا القدر الذي نذكره منها إجمالاً، وهو أن عمدة شبه المنكرين للمعاد الجسماني وإشكالاتهم أمور: أحدها: هو الذي ذكره الله تعالى حكاية عنهم، وأزاح فساده ووقى شره في عدة مواضع من القرآن. منها: ما مر في هذه السورة سؤالاً وجواباً. ومنها: ما ذكره في سورة مريم بقوله: {أية : وَيَقُولُ ٱلإِنْسَانُ أَإِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيّاً * أَوَلاَ يَذْكُرُ إلإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئاً}تفسير : [مريم:66 - 67]. ومنها: ما ذكره في سورة يس بقوله: {أية : وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَن يُحيِي ٱلْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا ٱلَّذِيۤ أَنشَأَهَآ أَوَّلَ مَرَّةٍ} تفسير : [يس:78 - 79] وأسلوب إزالة الشبهة في الجميع واحد، كما مر ذكره. وثانيها: ان القيامة والبعث والحشر والجنة والنار إذا وقعت وتحققت، فهي في أي موضع تكون؟ أهي في السماء أو في الأرض أو فيما بينهما؟. فإن كانت واقعة في وجه الأرض فكيف يسع وجه الأرض لجميع الخلايق كلها. وقد برهن على قدر مساحتها بحيث لا يسع افراد الإنسان التي حصلت في مدة ألف سنة إذا بقي التناسل وارتفع الموت، فكيف من اجتماع الأفراد الحاصلة في مدة متطاولة ودهور غير محصورة في عدد؟. وإن كانت في داخل أطباق السمٰوات، فكيف يوافق هذا قوله تعالى: {أية : وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا ٱلسَّمَاوَاتُ وَٱلأَرْضُ} تفسير : [آل عمران:133]. وإن كانت فوق الأفلاك كلها، فيكون وجودها في لا جهة مع كونها ذات جهات. والجواب عنه: إن الآخرة عالم تام برأسه ليست تنتظم مع هذا العالم في سلك واحد، ولا هي واقعة في جهة من جهات هذا العالم، ولا في حيّز من أحيازه، لكونها نشأة ثانية غير هذه النشأة، كما أن ما يراه الإنسان في نومه من الأمور العظيمة والأفلاك والصحارى الواسعة، ليست واقعة في حيّز من أحياز هذا العالم الحسي، فهذا جواب إشكالهم من جهة المكان. وثالثها: وهو الإشكال الناشئ من جهة الزمان والحركة، وبيانه: أن وجود القيامة لا بد وأن يكون في زمان مستقبل يتجدد عقيب هذا الزمان الذي نحن فيه، فيلزم أن يتصل زمان الدنيا مع زمان الآخرة في امتداد واحد، واتصال الزمان يستلزم اتّصال الحركة الحافظة له، واستمرار الجسم المتحرك حركة سرمدية دورية غير متناهية الأعداد والأدوار والأكوار، وهذا يستلزم استمرار هذه الدار، وبقاء الفلك الدوّار، وهو مما يصادم القوانين الدينية والقواعد المِلّية، لقوله تعالى: {أية : لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ لِلَّهِ ٱلْوَاحِدِ ٱلْقَهَّارِ}تفسير : [غافر:16]، وقد أشار تعالى إلى تقرير هذه الشبهة المفصّلة بقوله: {أية : وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ}تفسير : [يونس:48]. والجواب الحق، ما وقعت الإشارة إليه بقوله سبحانه: {أية : مَا يَنظُرُونَ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأُخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ} تفسير : [يس:49]. وتوضيحه على وزان ما علمت من المذكور في دفع الشبهة الواردة من جهة المكان، فإن الزمان والمكان متوافقان في الأحكام، و"أين" و"متى" متلازمان في نحو الوجود والقوام، منسلكان في سلك واحد من الانتظام، فكما أن مكان الآخرة خارج عن أمكنة هذا العالم، فكذا زمانها خارج عن أزمنة هذه الدار الفانية، بل هما محيطتان بهذين، نسبة كل منهما نسبة واحدة إلى ما بأزائها من خصوصيات أمكنة هذا العالم وأزمنته. أَوَلاَ ترى أنه قد عبّر عن زمان الآخرة بغاية العلة، لقوله: {أية : وَمَآ أَمْرُ ٱلسَّاعَةِ إِلاَّ كَلَمْحِ ٱلْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ}تفسير : [النحل:77]. تنبيهاً على فعلية الأشياء هناك، وكونها على غاية الكمال والتمام. وأنت إذا قست مبادي الحركات المتفاوتة قوة وضعفاً وسرعة وبطوء بعضها إلى بعض، كقوى الرامين سهاماً نحو المرمى في مسافة واحدة، فوجدت كلما كان أقوى قوة وأسرع حركة فهو أقل زمان حركة، حتى لو فرضت قوة مباشرة للتحريك في غاية الشدة، كانت الحركة واقعة منها دفعة واحدة، فإذا أشير إلى زمان الآخرة أشير إلى أقل ما يتصور من الأزمنة، وإذا أشير إلى مكان الآخرة أشير إلى أوسع ما يتصور من الأمكنة، كقوله: {أية : وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا ٱلسَّمَاوَاتُ وَٱلأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ} تفسير : [آل عمران:133]، وأمر الإعادة كأمر الإبداع {أية : وَمَآ أَمْرُنَآ إِلاَّ وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِٱلْبَصَرِ} تفسير : [القمر:50]، وشأن البداية كشأن النهاية حذو القُذّة بالقُذّة، وكل إنسان يرجع في آخر أمره إلى فطرته الأصلية التي خرج منها، ورد إلى مبدئه الذي صدر عنه ما لم تتغير فطرته الأصلية بالمسخ أو الطمس، نعوذ بالله من الحَوْر بعد الكَوْر. وقد اختلفوا في أن البرزخ الذي ستصير الأرواح إليها بعد المفارقة عن الدنيا، هو عين البرزخ الذي بين الأرواح المجردة والأجسام الطبيعية أم غيره؟. والأكثر على أن أحدهما غير الآخر حقيقة، قائلين بأن تنزلات الوجود ومعارجه دورية، مستدلين بأن الصور التي تلحق الأرواح في البرزخ الأخير، إنما هي صور الأعمال ونتيجة الأفعال السابقة في النشأة الدنيوية، بخلاف صور البرزخ الأول، فلا يكون أحدهما عين الآخر، لكنهما مشتركان في كونهما عالماً غير مادي وجوهراً غير طبيعي. وأقول: فيه بحث كشفي لا يمكن عرضه لغير المكاشف على وجهه، إلا أنه يجب أن يَعْلم كل سالك أن وحدة الجواهر العالية والمبادئ المتعالية ليست من قبيل وحدة الأشخاص الطبيعية الواقعة في عالم التضايق والتصادم والتضاد، ويعلم أيضاً أن وحدة الموضوع التي اعتبرها المنطقيون في شرائط التناقض، لا بد أن تختص بما يتحقق في الماديات، حتى يثبت التناقض بين الأمرين المتناقضين، وإلاّ فكثيراً ما تجتمع المتناقضات في موضوع غير طبيعي موجود في غير هذا العالم، فإن المتقابلات حاضرة عند المرتفعين عن حضيض هذا الأدنى، وصدق الكلي الطبيعي على أفراده المتقابلة تُنَبّهُكَ على هذا، وكذلك الحكم عندما يتصور العقل وجوداً وعدماً، وسواداً وبياضاً لشيء واحد. ومما يدل على ما ذكرنا قوله تعالى: {أية : هُوَ ٱلأَوَّلُ وَٱلآخِرُ} تفسير : [الحديد:3] وكذا قول الحكماء: إن الواجب تعالى مبدء الأشياء وغايتها، وقولهم: إن العقل الفعّال ثمرة العقل المستفاد، كما أنه مبدأ فاعلي له، وكذا ما عليه المحققون من العرفاء، أن العقل الأول هو الحقيقة المحمدية عند انبعاثه ووصوله إلى المقام المحمود المختص به. وبالجملة، إن العالم المتوسط البرزخي من جملة مبادئ الإنسان التي قد نزلت حقيقته وماهيته منها، وسيقع رجوع النفس إليها، والكلام في وحدة ذلك العالم وتعدده صدوراً ووروداً، كالكلام في سائر المبادئ المحصلة لماهية الإنسان أولاً، والمكملة لوجودها أخيراً. فافهم واغتنم إن كنت من أهله، وإلاَّ فأنت وشأنَكَ. والإشكال الرابع: إنه إذا صار إنسان معين غذاءً لإنسان آخر، فالأجزاء المأكولة إما أن تعاد في بدن الآكل، أو في بدن المأكول، وأياً ما كان، لا يكون أحدهما بعينه معاداً بتمامه. وأيضاً إذا كان الآكل كافراً والمأكول مؤمناً، يلزم تعذيب المطيع وتنعيم العاصي، أو يلزم أن يكون الآكل كافراً معذباً، والمأكول مؤمناً منعماً مع كونهما جسماً واحداً. واندفاعه بما مهدناه؛ في إن تشخّص كل إنسان إنما هو بنفسه، وأما بدنه من حيث هو بدنه فليس له تشخّص إلاَّ بالنفس، بل ليس له من هذه الحيثية حقيقة ولا ذات حتى يكون له في ذاته تعيّن بهذا الاعتبار وتوحّد إلاَّ بحسب ما يتصرف فيه نفسه، ومن حيث إضافته إلى نفسه، وليس من شرط كون بدن زيد - مثلاً - محشوراً، أن يكون الجسم الذي منه صار مأكولاً لسبع أو إنسان من حيث هو جسم معين له حقيقة في نفسه لحمية أو عظمية أو عصبية محشوراً يوم القيامة، أي بهذا الاعتبار، بل المحشور ليس إلاّ بدن زيد بما هو بدن زيد بعدما انحفظت شخصيته بنفسه التي تكون جهة وحدته وتشخصه، وإن تبدلت بجميع أجزائه وصفاته في نفسه، لا بأنها أجزاء بدن زيد من حيث هي أجزاء بدن زيد بعينها، فاعتبر ببقاء شخصية زيد تمام عمره مع تبدل أجزائه كلاً أو بعضاً. فاعتقادنا في حشر الأبدان يوم الجزاء؛ هو أن تبعث من القبور أبدان إذا رأيت كل واحد منها لقلت هذا وفلان، وذاك فلان - اعتقاداً مطابقاً للواقع -، لا أن تكون تلك الأبدان مثلاً وأشباحاً للأشخاص الإنسانية، وذلك لأن المعلوم من الآيات والمفهوم من الشرايع والديانات، أن المُعاد في المَعاد هو مجموع النفس والبدن بعينهما، دون مجرد النفس - كما رآه المشّاؤون - أو مع بدن آخر عنصري - كما رآه بعض -، أو مثالي - كما ذهب إليه الإشراقيون -، وهذا هو الاعتقاد الصحيح المطابق للعقل والشرع، الموافق للملة والحكمة، فمن صدّق وآمن بالمعاد بهذا، فقد آمن بيوم البعث والحساب والجزاء، وقد أصبح مؤمناً حقاً، والنقصان عن هذا خذلان، بل كفر وطغيان. ولا يلزم من هذه أن يعتقد أن مُشوّه الخلق يجب أن يُبعث مُشَوّه الخلق، ولا الأقطع والأشلّ والأعمى والهرم يجب أن يُبْعَثوا كذلك، كيف وقد ورد في الأحاديث خلاف ذلك، فعود الشكل والهيئة والمقدار عيناً أو مثلاً غير لازم، كيف وقد ورد في الحديث: "حديث : إنَّ ضرس الكافر مثل جبل أُحد" "حديث : وإن أهل الجنة جُرْدٌ مُرْدٌ" تفسير : بل اللازم شكل مّا وهيئة مّا ومقدار مّا، مع انحفاظ التشخص. وليس بواجب في كل فرد من الإنسان أن يحشر مع بدن من الأبدان، بل الكاملون في العلوم إنما يحشرون إلى الله، مفارقين عن الأجسام بالكلية، منخرطين في سلك الملائكة المقرّبين، الذين طعامهم التسبيح وشرابهم التقديس، وهم الذين من خشية ربهم مشفقون.
اطفيش
تفسير : {وَقَالُوا} أي منكروا البعث. {أَءِذَا} وقرأ ابن عامر (إذا) بهمزة واحدة على ترك الاستفهام. {ضَلَلْنَا فِي الأَرْضِ} وقريء ضللنا بكسر اللام وهو قراءة علي وابن عباس وذلك لغتان بمعنى اي سرنا ترابا مخلوطا بالارض لا نتميز منها كما يضل الماء في اللبن وغبنا في الارض بالدفن فيها وقرأ الحسن صللنا بصاد مهملة وكسر اللام وقريء بفتحها من صل للحم اذا اتسن وقيل صرنا من جنس الصلة وهي الأرض واذا متعلق بمحذوف دل عليه جوابها أي نبعث او نخلق او نجدد حذف وناب عنه جوابها الذي ذكرت وهو {أَءِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ} وجوابها في الاصل هو ذلك المحذوف وناب عنه هذا ويجوز تعليقه بمجموع {أَءِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ} لتضمنه معنى نبعث ونخلق ونجدد وانما لم يعلق باستقرار خبر ان لان ان لها الصدر وصرح بعض المتأخرين بانه لا صدر لها اذا كانت في جواب شرط ظرفي او جواب اما وقرأ غير نافع وغير الكسائي ويعقوب (ءانا) بهمزة الاستفهام بتحقيقها مع همزة ان وبتسهيل همزة ان وبادخال الف بينهما على الوجهين وكذا في ائذا في هذه الاوجه والاستفهام في الموضعين انكار وتعجب وقائل ذلك ابي بن خلف لعنه الله ولرضاهم بقوله اسند اليهم جميعا. {بَلْ هُم بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ} بالبعث او بتلقي ملك الموت وما بعده. {كَافِرُونَ} وكفرهم بلقاء ربهم بواسطة البعث او تلقى ملك الموت اعظم من كفرهم بنفس البعث ولذلك اضرب الى ما هو اعظم.
اطفيش
تفسير : {وقالوا} انكارا للبعث، والقائل ابى، وجمع لرضى الباقين، بل رضاهم قول اى اعتقاد {أإذا ضَللنا} تلفنا بالتفتت والتلف والاختلاط بالتراب والغيبة {في الأرض} وجواب اذا محذوف اى نبعث او يجدد خلقنا كما قال: {أإنَّا لفي خلْق جَديدٍ} والاستفهام الانكارى محذوف اى إأنا لى خلق جديد، او يقدر ما حذف من قولنا: نبعث او يجدد خلقنا مقدما مغنيا عن الجواب، ويجوز ان لا يقدر الاستفهام، اقروا بذلك تهكماً، او يقدر انا لفى خلق جديد عندكم، ودل على ذلك المحذوف من قوله: "نبعث" او يجدد خلقنا المقام، وقوله: {أإنا لفي خلق جديد} على الاستفهام. {بلْ هُم بلقاء ربِّهم كافرون} اضراب انتقالى من ذكر انكارهم للبعث بطريق الاستفهام الى ذكرهم انكارهم للبعث بطريق الجزم، او المراد بلقاء ربهم لقاء ملائكته للشهادة عليهم يوم القيامة بما عملوا لانكارهم البعث البتة او لقاء ملائكته عند الموت، وفى القبر وما بعد.
الالوسي
تفسير : {وَقَالُواْ } كلام مستأنف مسوق لبيان أباطيلهم بطريق الالتفات إيذاناً بأن ما ذكر من عدم شكرهم تلك النعم موجب للإعراض عنهم وتعديد جناياتهم لغيرهم بطريق المباثة، وروي أن القائل أبـي بن خلف فضمير الجمع لرضا الباقين بقوله {أَءذَا ضَلَلْنَا فِى ٱلأَرْضِ} أي ضعنا فيها بأن صرنا تراباً مخلوطاً بترابها بحيث لا نتميز منه فهو من ضل المتاع إذا ضاع أو غبنا فيها بالدفن وإن لم نصر تراباً وإليه ذهب قطرب، وأنشد قول النابغة يرثي النعمان بن المنذر:شعر : وآب مضلوه بعين جلية وغودر بالجولان حزم ونائل تفسير : / وقرأ يحيـى بن يعمر وابن محيصن وأبو رجاء وطلحة وابن وثاب {ضَللنَا } بكسر اللام ويقال: ضل يضل كضرب يضرب وضل يضل كعلم يعلم وهما بمعنى والأول اللغة المشهورة الفصيحة وهي لغة نجد والثاني لغة أهل العالية. وقرأ أبو حيوة {ضللنا } بضم الضاد المعجمة وكسر اللام ورويت عن علي كرم الله تعالى وجهه. وقرأ الحسن والأعمش وأبان بن سعيد بن العاصي {صللنا} بالصاد المهملة وفتح اللام ونسبت إلى علي كرم الله تعالى وجهه وابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وعن الحسن أنه كسر اللام ويقال فيه نحو ما يقال في ضل بالضاد المعجمة وزيادة أصل بالهمزة كأفعل، قال الفراء: والمعنى صرنا بين الصلة وهي الأرض اليابسة الصلبة كأنها من الصليل لأن اليابس الصلب إذا انشق يكون له صليل، وقيل: أنتنا من الصلة وهو النتن، وقيل: للأرض الصلة لأنها است الدنيا وتقول العرب ضع الصلة على الصلة، وقال النحاس لا نعرف في اللغة صللنا ولكن يقال أصل اللحم وصل وأخم وخم إذا نتن وهذا غريب منه. وقرأ ابن عامر {إِذَا } بترك الاستفهام والمراد الإخبار على سبيل الاستهزاء والتهكم والعامل في {إِذَا } ما دل عليه قوله تعالى: {ءَإِنا لَفِى خَلْقٍ جَدِيدٍ } وهو نبعث أو يجدد خلقنا، ولا يصح أن يكون هو العامل لمكان الاستفهام وإن وكل منهما لا يعمل ما بعده فيما قبله ويعتبر ما ذكر من نبعث أو يجدد خلقنا جواباً لإذا إذا اعتبرت شرطية لا ظرفية محضة والهمزة للإنكار والمراد تأكيد الإنكار لا إنكار التأكيد كما هو المتبادر من تقديمها على أداته فإنها مؤخرة عنها في الاعتبار وتقديمها عليها لقوة اقتضائها الصدارة. وقرأ نافع والكسائي ويعقوب {إِنَاْ } بترك الاستفهام على نحو ما ذكر آنفاً. {بَلْ هُم بِلَقَاء رَبّهِمْ كَـٰفِرُونَ } إضراب وانتقال عن بيان كفرهم بالبعث إلى بيان ما هو أبلغ وأشنع منه وهو كفرهم بلقاء ملائكة ربهم عند الموت وما يكون بعده جميعاً، وقيل: هو إضراب وترق من التردد في البعث واستبعاده إلى الجزم بجحده بناء على أن لقاء الرب كناية عن البعث، ولا يضر فيه على ما قال الخفاجي كون الاستفهام السابق إنكارياً وهو يؤل إلى الجحد فتأمل.
ابن عاشور
تفسير : الواو للحال، والحال للتعجيب منهم كيف أحالوا إعادة الخلق وهم يعلمون النشأة الأولى، وليست الإعادة بأعجب من بدء الخلق وخاصة بدء خلق آدم عن عدم، وخُلوّ الجملة الماضوية عن حرف (قد) لا يقدح في كونها حالاً على التحقيق. والاستفهام في {أءذا ضللنا} للتعجب والإحالة، أي أظهروا في كلامهم استبعاد البعث بعد فناء الأجساد واختلاطها بالتراب، مغالطة للمؤمنين وترويجاً لكفرهم. والضّلال: الغياب، ومنه: ضلال الطريق، والضالة: الدابة التي ابتعدت عن أهلها فلم يعرف مكانها. وأرادوا بذلك إذا تفرقت أجزاء أجسادنا في خلال الأرض واختلطت بتراب الأرض. وقيل: الضلال في الأرض: الدخول فيها بناء على أنه يقال: أضلّ الناسُ الميت، أي: دفنوه. وأنشدوا قول النابغة في رثاء النعمان ابن الحارث الغساني:شعر : فآب مُضِلّوه بعين جَلية وغُودر بالجَوْلان حَزم ونائل تفسير : وقرأه نافع والكسائي ويعقوب: {إنا لفي خلق جديد} بهمزة واحدة على الإخبار اكتفاء بدخول الاستفهام على أول الجملة ومتعلقها. وقرأ الباقون {أإنا لفي خلق جديد} بهمزتين أولاهما للاستفهام والثانية تأكيد لهمزة الاستفهام الداخلة على {أإذا ضللنا في الأرض}. وقرأ ابن عامر بترك الاستفهام في الموضعين على أن الكلام خبر مستعمل في التهكم. وتأكيد جملة {إنَّا لفي خلق جديد} بحرف {إنَّ} لأنهم حكوا القول الذي تعجبوا منه وهو ما في القرآن من تأكيد تجديد الخلق فحكوه بالمعنى كما في الآية الأخرى: {أية : وقال الذين كفروا هل ندلّكم على رجل يُنَبِّئكم إذا مُزِّقْتُم كلَّ ممزَّق إنكم لفي خلق جديد}تفسير : [سبأ: 7]، أي: يُحَقِّق لكم ذلك. و{إذا} ظرف وهو معمول لما في جملة {إنا لفي خلق جديد} من معنى الكون. والخلق: مصدر. و{في} للظرفية المجازية ومعناها المصاحبة. والجديد: المحدث، أي غير خلقنا الذي كنا فيه. و{بل} من {بل هُم بلقاء ربهم كافرون} إضراب عن كلامهم، أي ليس إنكارهم البعث للاستبعاد والاستحالة لأن دلائل إمكانه واضحة لكل متأمل ولكن الباعث على إنكارهم إياه هو كفرهم بلقاء الله، أي كفرهم الذي تلقوه عن أيمتهم عن غير دليل، فالمعنى: بل هم قد أيقنوا بانتفاء البعث فهم متعنّتون في الكفر مُصرّون عليه لا تنفعهم الآيات والأدلة. فالكفر المثبت هنا كفر خاص وهو غير الكفر الذي دل عليه قولهم {أإذا ضَلَلْنا في الأرض إنا لفي خلق جديد} فإنه كفر بلقاء الله لكنهم أظهروه في صورة الاستبعاد تشكيكاً للمؤمنين وترويجاً لكفرهم. وتقديم المجرور على {كافرون} للرعاية على الفاصلة، والإتيان بالجملة الاسمية لإفادة الدوام على كفرهم والثبات عليه.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات أئذا ضللنا في الأرض: أي غبنا فيها حيث فنينا وصرنا ترابا. أئنا لفي خلق جديد: أي أنعود خلقا جديداً بعد فنائنا واختلاطنا بالتراب. بل هم بلقاء ربهم كافرون: أي لم يقف الأمر عند استبعادهم للبعث بل تعداه إلى كفرهم بلقاء ربهم، وهو الذي جعلهم ينكرون البعث. قل يتوفاكم ملك الموت: أي يقبض أرواحكم ملك الموت المكلف بقبض الأرواح. ثم إلى ربكم ترجعون: أي بعد الموت، وما دمتم لا تمنعون أنفسكم من الموت سوف لا تمنعونها من الحياة فرجوعكم حتمي لا محالة. معنى الآيتين ما زال السياق في تقرير أصول العقيدة فأخبر تعالى عن منكري البعث فقال {وَقَالُوۤاْ} أي منكروا البعث الآخر {أَءِذَا ضَلَلْنَا فِي ٱلأَرْضِ} أي غبنا فيها بحيث صرنا ترابا فيها {أَءِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ} أي لعائدون في خلق جديد. وهذا منهم انكار للبعث واستبعاد له، فقال تعالى مخبراً عن علة إنكارهم للبعث وهي أنهم بلقاء ربهم كافرون إذ لو كانوا يؤمنون بلقاء الله الذي وعدهم به لما أنكروا البعث والحياة لذلك، وقوله تعالى {قُلْ يَتَوَفَّاكُم} أي قل يا رسولنا لهؤلاء المنكرين للبعث ولقاء الرب تعالى: يتوفاكم عند نهاية آجالكم {مَّلَكُ ٱلْمَوْتِ} الذي وكله ربُّه يقبض أرواحكم، {ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ} بعد ذلك وما دمتم لا تدفعون الموت عن أنفسكم فكيف تدفعون الحياة عندما يريدها الله منكم؟ وهل دفعتموها عندما كنتم عدماً فأوجدكم الله وأحياكم. هداية الآيتين: من هداية الآيتين: 1) تقرير عقيدة البعث والجزاء. 2) الذنب الذي هو سبب كل ذنب هو الكفر بلقاء الله تعالى. 3) بيان أن لقبض الأرواح ملكاً وله أعوان من الملائكة وأن الأرض جعلت لملك الموت كالطست بين يديه يتناول منها ما يشاء.
القطان
تفسير : ضللنا في الأرض: معناه هنا غبنا فيها. ناكسو رؤوسِهم: مطأطئو رؤوسهم، خافضوها من الذل. إنا نسيناكم: أهملناكم. بعد ان بيّن الله فائدة رسالة النبي الكريم، والخلقَ، ووحدانيته تعالى، وتدبيره لهذا الكون - ذكر هنا اعتراضَ المشركين وعدم إيمانهم بالبعث، وقولهم أإذا متنا وتحلّلت اجسادُنا فصارت ترابا وغبنا في هذه الأرض أسنُخلق من جديد!؟ ان هؤلاء المشركين ينكرون كل شيء فهم بلقاء ربهم يجحدون. وبعد ذلك يردّ الله عليه ويوبّخهم. قل لهم ايها الرسول: يتوفاكم ملكُ الموت الموكل بقبض أرواحكم ثم الى الله وحده ترجعون. ولو أُتيح لك يا محمد ان ترى المجرمين في موقف الحساب يوم القيامة لرأيتَ عَجَبا، فان هؤلاء المكذّبين يكونون بحال سيئة، رؤوسُهم منكّسة الى الأرض خِزياً من ربهم، يقولون في ذلة: ربنا أبصَرْنا الآن ما كنا نتعامى عنه، وسمعنا ما كنا نُصم آذاننا عنه، فارجِعنا الى الدنيا لنعمل صالحاً غير الذي كنا نعمل. لقد آمنّا الآن.. لكنه يكون فات الأوان. {وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا.... } ولو شئتُ لهديتُ كل نفس، ولكن ثبت منّي القول، لحكمةٍ أعلمها، بأن أملأ جهنم من الجنّ والانس معا، ونقول لهم: ذوقوا العذاب بسبب غفلتكم عن لقاء يومك هذا، وقد اهملناكم وتركناكم في العذاب كالمنسيّين، فذوقوا العذاب الخالدَ بما كنتم تعملون. فيا ايها العاقلون اعتبِروا بمصير أولئك المجرمين، واعملوا صالحاً قبل ان تندموا يومَ ذلك الموقف الرهيب.
د. أسعد حومد
تفسير : {أَإِذَا} {أَإِنَّا} {كَافِرُونَ} (10) - وَقَالَ المُشْرِكُونَ باللهِ، المُكَذِّبُونَ بِالبَعْثِ والنُّشُورِ: هَلْ إِذا صَارَتْ لُحُومُنا وَعِظَامُنا تُراباً، وَتَفَرَّقَتْ في الأَرضِ، واخْتَلَطَتْ بِتُرابها فلم تَعُدْ تَتَمَّيزُ عَنْهُ، سَنُبْعَثُ مَرَّةً أُخْرى، ونُخْلَقُ خَلْقاً جَديداً؟ وَهؤلاءِ المُشْرِكُونَ يُنْكِرُونَ قُدرَةَ اللهِ عَلى الخَلْقِ، وَيَكْفُرُونَ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ في الآخِرةِ. ضَلَلْنا فِي الأَرضِ - ضِعْنا فِيها وَصِرْنا تُرَاباً.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : معنى {ضَلَلْنَا فِي ٱلأَرْضِ ..} [السجدة: 10] أي: غِبْنا فيها، واندثرتْ ذراتنا، بحيث لا نعرف أين ذهبت، وإلى أيِّ شَيء انتقلت، إلى حيوان أم إلى نبات؟ إذا حدث هذا {أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ ..} [السجدة: 10] يعني: أيخلقنا الله من جديد مرة أخرى؟ والحق سبحانه يرد عليهم: {بَلْ هُم بِلَقَآءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ} [السجدة: 10] بل تفيد الإضراب عن كلامهم السابق، وتقرير حقيقة أخرى، هي أنهم لا ينكرون البعث والحشر، إنما ينكرون لقاء الله {بَلْ هُم بِلَقَآءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ} [السجدة: 10] لأن مسألة الحشر مستحيل أنْ ينكروها؛ لأن الدليل عليها واضح. كما قال سبحانه: {أية : أَفَعَيِينَا بِٱلْخَلْقِ ٱلأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِّنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ} تفسير : [ق: 15] والذي خلق من العدم أولاً قادر على الإعادة من موجود، لأن ذراتك وخاماتك موجودة، فالإعادة أسهل من البَدْء؛ لذلك قال سبحانه: {أية : وَهُوَ ٱلَّذِي يَبْدَؤُاْ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ ..} تفسير : [الروم: 27]. إذن: تكذيبهم ليس للبعث في حَدِّ ذاته، إنما للقاء الله وللحساب، لكنهم ينكرون البعث؛ لأنه يؤدي إلى لقاء الله، وهم يكرهون لقاء الله، فينكرون المسألة من بدايتها.
مجاهد بن جبر المخزومي
تفسير : أَنبا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا آدم، نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي ٱلأَرْضِ}. يقول: {أية : أَإِذَا كُنَّا عِظَاماً وَرُفَاتاً}تفسير : [الإِسراء: 49] هلكنا في الأَرض {أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ} [الآية: 10]. أَنبا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا آدم، ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ ٱلْمَوْتِ} [الآية: 11]. قال: حويت له الأَرض، فجعلت له مثل الطست، ينال منها حيث يشاءُ. أَنا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا آدم، نا حماد بن سلمة عن عاصم بن أَبي النجود، عن شهر بن حوشب، حديث : عن معاذ بن جبل قال: تلا رسول الله، صلى الله عليه وسلم، هذه الآية: {تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمْ عَنِ ٱلْمَضَاجِعِ} [الآية: 16]. فقال: هو قيام العبد من الليل . تفسير : أَنا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا آدم، نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح عن مجاهد /60 ظ/ قال: كانوا يصلون من الليل [الآية: 16].
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : أي: قال المكذبون بالبعث على وجه الاستبعاد: { أَئِذَا ضَلَلْنَا فِي الأرْضِ } أي: بَلِينَا وتمزقنا، وتفرقنا في المواضع التي لا تُعْلَمُ. { أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ } أي: لمبعوثون بعثًا جديدًا بزعمهم أن هذا من أبعد الأشياء، وذلك لقياسهم قدرة الخالق، بقدرهم. وكلامهم هذا، ليس لطلب الحقيقة، وإنما هو ظلم، وعناد، وكفر بلقاء ربهم وجحد، ولهذا قال: { بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُون } فكلامهم علم مصدره وغايته، وإلا فلو كان قصدهم بيان الحق، لَبَيَّنَ لهم من الأدلة القاطعة على ذلك، ما يجعله مشاهداً للبصيرة، بمنزلة الشمس للبصر. ويكفيهم، أنهم معهم علم أنهم قد ابتدئوا من العدم، فالإعادة أسهل من الابتداء، وكذلك الأرض الميتة، ينزل اللّه عليها المطر، فتحيا بعد موتها، وينبت به متفرق بذورها. { قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ } أي: جعله اللّه وكيلا على قبض الأرواح، وله أعوان. { ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ } فيجازيكم بأعمالكم، وقد أنكرتم البعث، فانظروا ماذا يفعل اللّه بكم.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):