Verse. 3512 (AR)

٣٢ - ٱلسَّجْدَة

32 - As-Sajda (AR)

ثُمَّ سَوّٰىہُ وَنَفَخَ فِيْہِ مِنْ رُّوْحِہٖ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْاَبْصَارَ وَالْاَفْـــِٕدَۃَ۝۰ۭ قَلِيْلًا مَّا تَشْكُرُوْنَ۝۹
Thumma sawwahu wanafakha feehi min roohihi wajaAAala lakumu alssamAAa waalabsara waalafidata qaleelan ma tashkuroona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ثم سوَّاه» أي خلق آدم «ونفخ فيه من روحه» أي جعله حيا حساسا بعد أن كان جمادا «وجعل لكم» أي لذريته «السمع» بمعنى الأسماع «والأبصار والأفئدة» القلوب «قليلا ما تشكرون» ما زائدة مؤكدة للقلة.

9

Tafseer

المحلي و السيوطي

تفسير : {ثُمَّ سَوَّاهُ } أي خلق آدم {وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ } أي جعله حياً حساساً بعد أن كان جماداً {وَجَعَلَ لَكُمُ } أي لذريته {ٱلسَّمْعَ } بمعنى الأسماع {وَٱلأَبْصَٰرَ وَٱلأَفْئِدَةَ } القلوب {قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ } ما زائدة مؤكدة للقلة.

ابن عبد السلام

تفسير : {سَوَّاهُ} سوى خلقه في الرحم، أو سوى خلقه كيف شاء {مِن رُّوحِهِ} قدرته، أو ذريته، إذ المراد بالإنسان آدم، أو من أمره أن يقول كن فيكون، أو روحاً من روحه أي خَلْقِه أضافه إلى نفسه لأنه من فعله وعبر عنه بالنفخ لأن الروح من جنس الريح. {والأَفْئِدَةَ} سمي القلب فؤاداً لأنه منبع الحرارة الغريزية من المفتأد وهو موضع النار.

اسماعيل حقي

تفسير : {ثم سوّيه} اى قوم النسل بتكميل اعضائه فى الرحم وتصويرها على ما ينبغى. وقال الكاشفى [بس راست كرد قالب آدم را]. قال النسفى [مراد: از تسويه آدم برابرئ اركانست يعنى اجزاى هرجهار برابر باشد وتسويه قالب بمثابت نارست كه آهن رابتدبير بجايى شفاف وعكس بذير شود وقابل صورت كردد] {ونفخ فيه من روحه} اضافه الى نفسه تشريفا واظهارا بانه خلق عجيب ومخلوق شريف وان له شأنا له مناسبة الى حضرة الربوبية ولاجله من عرف نفسه فقد عرف ربه. وفى الكواشى جعل فيه الشئ الذى اختص تعالى به ولذلك اضافه اليه فصار بذلك حيا حساسا بعد ان كان جمادا لا ان ثمة حقيقة نفخ. قال الشيخ عز الدين بن عبد السلام الروح ليس بجسم يحل فى البدن حلول الماء فى الاناء ولا هو عرض يحل القلب او الدماغ حلول السواد فى الاسود والعلم فى العالم بل هو جوهر لا يتجزأ باتفاق اهل البصائر فالتسوية عبارة عن فعل فى المحل القابل وهو الطين فى حق آدم عليه السلام والنطفة فى حق اولاده بالتصفية وتعديل المزاج حتى ينتهى فى الصفاء ومناسبة الاجزاء الى الغاية فيستعد لقبول الروح وامساكها والنفخ عبارة عما اشتغل به نور الروح فى المحل القابل فالنفخ سبب الاشتغال وصورة النفخ فى حق الله محال والمسبب غير محال فعبر عن نتيجة النفخ بالنفخ وهو الاشعال والسبب الذى اشتعل به نور الروح هو صفة فى الفاعل وصفة فى المحل القابل اما صفة الفاعل فالجود الذى هو ينبوع الوجود وهو فياض بذاته على كل موجود حقيقة وجوده ويعبر عن تلك الصفة بالقدرة ومثالها فيضان نور الشمس على كل قابل بالاستنارة عند ارتفاع الحجاب بينهما والقابل هو الملونات دون الهواء الذى لا تلون له واما صفة المحل القابل فالاستواء والاعتدال الحاصل فى التسوية ومثال صفة القابل صقالة المرآة والروح منزهة عن الجهة والمكان وفى قوتها العلم بجميع الاشياء والاطلاع عليها وهذه مناسبة ومضاهاة ليست لغيرها من الجسمانية فلذلك اختصت بالاضافة الى الله تعالى انتهى كلامه باختصار. قال الشيخ النسفى [انسانرا جند روح است انسان روح طبيعى دارد ومحل وى جكرست دربهلوى راست است وروح حيوانى دارد ومحل وى دلست دربهلوى جب است وروح نفسانى دارد ومحل وى دماغست وروح انسانى دارد ومحل آن روح نفسانيست وروح قدسى دراد ومحل وى روح انسانيست روح قدسى بمثابه نارست وروح انسانى بمثابه روغنست وروح نفسانى بمثابه فتيله است وروح حيوانى بمثابه زجاجه است وروح طبيعى بمثابه مشكاتست اينست] معنى {أية : مثل نوره كمشكاة فيها مصباح} تفسير : الآية والمنفوخ هو الروح الانسانى والانسان يشارك الحيوان فى الروح الطبيعى والروح الحيوانى والروح النفسانى ويمتاز عنه بالروح الانسانى الذى هو من عالم الامر وخواص الانسان يشاركون عوامهم فى الارواح الاربعة المذكورة ويمتازون عنهم بالروح القدسى الذى ينفخه الله عند الفناء التام جعلنا الله واياكم ممن حى بهذا الروح واوصلنا الى انواع الفتوح {وجعل} وخلق {لكم} لمنافعكم يا بنى آدم {السمع} لتسمعوا الآيات التنزيلية الناطقة بالبعث وبالتوحيد {والابصار} لتبصروا الآيات التكوينية المشاهدة فيهما [والافئدة} لتعقلوا وتستدلوا بها على حقيقة الآيتين جمع فؤاد بمعنى القلب لكن انما يقال فؤاد اذا اعتبر فى القلب معنى التفؤد اى التوقد {قليلا ما تشكرون} اى تشكرون رب هذه النعم شكرا قليلا على ان القلة بمعنى النفى والعدم فهو بيان لكفرهم بتلك النعم وربها. وفيه اشارة الى ان قليلا من الانسان يعرف نفسه بالمرآتية ليعرف ربه بالمحسنية المتجلى فيها وقد خلقه الله تعالى لمعرفة ذاته وصفاته كما قال {أية : وما خلقت الجنس والانس الا ليعبدون} تفسير : اى ليعرفون وانما يصل الانسان الى مرتبة المعرفة الحقيقية بدلالة الرسول ووراثته [حق سبحانه وتعالى همه عالم بيافريد فلك وملك عرش وكرسى ولوح وقلم وبهشت ودوزخ وآسمان وزمين وباين آفريدها هيج نظر مهر ومحبت نكرد رسول بايشان نفرستاد وبيغام بايشان نداد جون نوبت بخاكيان رسيدكه بركشيدكان لطف بودند ونواختكان فضل ومعادن انوار واسرار بلطف وكرم خويشتن ايشانرا محل نظر خود كرد بيغمير بايشان فرستاد تا مهتدى شوند وفرشتكانرا رقيب ونكهبان ايشان كرد سوز مهر درسينهاى ايشان نهاد وآتش عشق در دلها افكند وخطوط ايمان برصفحه دلهاى شان بنوشت ورقم محبت برضمير شان كشيد ونعيم دنيا وطيبات رزق كه افريد از بهر مؤمنان آفريد جنانكه كفت {أية : قل هى للذين آمنوا فى الحياة الدنيا} تفسير : كافر كه دردنيا روزى ميخورد وبطفيل مؤمن ميخورد آنكه كفت {أية : خالصة يوم القيامة} تفسير : روز قيامت خالص مر مؤمن را بود وكافررا يك شربت آب نبود] فعلى العاقل أن يعرف النعم والمنعم ويجتهد فى خدمة الشكر حتى لا يكون من اهل البطالة واذا كان من اهل الشكر للنعم الداخلة والخارجة من القوى والاعضاء وغيرهما فالله تعالى يشكر له اى يقبل طاعته ويثنى عليه عند الملأ الاعلى ويجازيه باحسن الجزاء وهو الجنان ودرجاتها ونعيمها الابدى لاهل العموم وقرباته ومواصلاته وتجليه السرمدى لاهل الخصوص نسأل الله سبحانه ان يجعلنا من الذين مدحهم بالشكر والطاعة فى كل ساعة لا ممن ذمهم بتضييع الحقوق وافساد الاستعداد والسعى فى الارض بالفساد

الجنابذي

تفسير : {ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ} اضاف الرّوح الى نفسه تشريفاً والمراد بالرّوح هو ربّ النّوع لكنّه لمّا كان اثر ظهور هذا الرّوح الحيوانىّ والنّفسانىّ وهما شبيهان بالرّيح ومتحرّكان كالرّيح استعمل النّفخ فيه وقد مضى فى سورة بنى اسرائيل بيان للرّوح {وَ} بعد نفخ الرّوح فى الشّهر الرّابع فيكم {جَعَلَ لَكُمُ ٱلسَّمْعَ} لصيرورة الانسان بعد الاتّصاف بالسّمع والبصر والفؤاد قابلاً للتّخاطب التفت من الغيبة الى الخطاب {وَٱلأَبْصَارَ وَٱلأَفْئِدَةَ قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ وَقَالُوۤاْ أَإِذَا ضَلَلْنَا} لتبعيد القائلين هذا القول عن ساحة الحضور التفت من الخطاب الى الغيبة {فِي ٱلأَرْضِ} بتفتّت اجزائنا واعضائنا واختلاطها بتراب الارض {أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ} لتأكيد التّعجّب والتّعجيب والانكار كرّر الاستفهام {بَلْ هُم بِلَقَآءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ} لمّا كان قوله تعالى قالوا ائذا اضللنا فى مقام ذمّهم وانّ هذا القول منهم ليس عن علمٍ بل محض تخمين وخيال كان فى معنى ان ليس قولهم عن علمٍ وتحقيقٍ بل هم بلقاء ربّهم اى حسابه فى الآخرة كما ورد فى الخبر او لقاء ربّهم المضاف اللّقاء الفطرىّ الّذى كان ربّهم فى الولاية ملاقياً به فطرةً لهم كافرون ولذلك تمسّكوا بالخيال واهويتهم واعرضوا عن العلم وآثاره.

اطفيش

تفسير : {ثُمَّ سَوَّاهُ} قوّم آدم لتصوير أعضائه على ما ينبغي. {وَنَفَخَ} ادخل. {فِيهِ مِن رُّوحِهِ} من روح الله من اضافة الملك الى المالك اي من الروح الذي هو ملك الله وفي ذلك تشريف للروح بتلك الاضافة واشعار بانها خلق عجيب لا يعلم غايته الا هو وبادخال الروح فيه صار حيوانا حساسا بعد إن كان جمادا روي: أن من عرف نفسه أي عرف ان له صانعا عرف ربه أي وحده. {وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ} أي الاسماع. {وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ} أي القلوب والخطاب للذرية وزعم بعض انه وحد السمع لأن الانسان يسمع الكلام من أي جهة. {قَلِيلاً} شكرا قليلا وزمان قليلا. {مَّا} صلة لتأكيد الغفلة والقلة اي بمعنى النفي ولا شكر لمشرك أو هي ضد الكثرة نظرا الى الموحدين فأكثر أحوال الموحدين عدم الشكر. {تَشْكُرُونَ} الله أو تشكرون نعمة ويجوز ان يريد بالانسان الجنس وخلقهم طين بواسطة خلق آدم منه ولا ينافي ذلك تعبيره بثم واضافة النسل لضمير الانسان فان مادة النظفة مسبوقة بخلق اصلهم من طين ويكون في الكلام التفات من الغيبة الى الخطاب.

اطفيش

تفسير : {ثم سوَّاهُ} عدله فى الرحم بتكميل الاعضاء وتصويرها، واصل التسوية جعل الاجزاء او الاشياء متساوية، ونأخذ من ذلك ان اعضاء متساوية فى مطلق النفع بها، والاحساس، وثم للترتيب الرتبى فان تسويته اعلى مرتبة مما قبلها، او للترتيب الذكرى او للزمانى {ونَفَخ فيه مِن روحِه} بعض روحه، او من للابتداء، اى من الروح الذى هو ملك له، وهذه الاضافة تشريف بانه خلق عجيب كناقة الله، ونفخ الروح فيه مجاز عن تعليقها بالبدن، ويلزم من ذلك انها متجردة من البدن، كما هو رأى الفلاسفة، وبعض المتكلمين كالغزالى، وقيل: النفخ حقيقة وهو من الملك، ولا مجاز، وفى قوله: "أية : فنفخنا فيه من روحنا" تفسير : [التحريم: 12] مجاز فى الاسناد، او يقدر مضاف، الا ان يقال الاصل هنا، ونفخ الله فيه من روحه: بدليل فنفخنا فيه من روحنا، فيكون البناء للمفعول مأخوذا من مجاز الاسناد والصواب، ان الروح داخلة فى البدن كابتلال التراب بالماء، وكالماء فى العود الاخضر، وكالنار فى الجمر، وذلك معقول لنا كالمشاهد،هو الذي دلت عليه الاحاديث والاخبار، وظاهر الآيات. {وجَعَل} خلق {لَكُم} خاطب بعد الغيبة ليناسب تشريف الروح، بانها تعقل وتفهم الخطاب فى جسد كان قبلها كجماد، وقدم على طريقة الاعتناء بالمقدم والتشويق الى المؤخر، وقدم قوله: {السَّمْع} لان اكثر امور الدين بالاستماع والتعلم به، وكذا الدنيا، وافرد لان أصله مصدر، وهو الآن بمعنى الاذنين ليوافق الابصار والافئدة، فان المراد العيون والقلوب، ولا مانع من إبقائه على المعنى المصدرى كما يناسبه الافراد، او افرد لان اصله المصدر فنقول: أفرد لذلك ولكون مدركه واحد وهو الصوت. {والأبصار} مدرك البصر متعدد يدرك اللون والضوء والشكل، والحركة والسكون، والطول العرض {والأفئدة} مدركه متعدد، يدرك كل ما تدركه الحواس بواسطة الحواس، وتزيد عليها وتنصرف خلق ذلك لكم لتنتفعوا به، وتشكروا نعمته، وتستدلوا به على وحدانية الله عز وجل وقدرته، فتستمعون القرآن، وتعملوا به بعد فهمه، وتروا بأعينكم ما يدلكم، وتعتقدوا بأفئدتكم ما ادت اليه اسماعكم وابصاركم {قليلا} شكرا قليلا، او زمانا قليلا {ما تَشْكرون} ما صلة لتأكيد القلة، وقد يقع بعض صور االشكر من مشرك، ولا ينفعه وقيل القلة النفى.

الالوسي

تفسير : {ثُمَّ سَوَّاهُ } عدله بتكميل أعضائه في الرحم وتصويرها على ما ينبغي، وأصل التسوية جعل الأجزاء متساوية، و {ثُمَّ } للترتيب الرتبـي أو الذكري. {وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ } أضاف الروح إليه تعالى تشريفاً له كما في بيت الله تعالى وناقة الله تعالى وإشعاراً بأنه خلق عجيب وصنع بديع، وقيل: أضافه لذلك إيماء إلى أن له شأناً له مناسبة ما إلى حضرة الربوبية. ومن هنا قال أبو بكر الرازي: من عرف نفسه فقد عرف ربه، ونفخ الروح قيل: مجاز عن جعلها متعلقة بالبدن وهو أوفق بمذهب القائلين بتجرد الروح وأنها غير داخلة في البدن من الفلاسفة وبعض المتكلمين كحجة الإسلام الغزالي عليه الرحمة، وقيل: هو على حقيقته والمباشر له الملك الموكل على الرحم وإليه ذهب القائلون بأن الروح جسم لطيف كالهواء سار في البدن سريان ماء الورد في الورد والنار في الجمر، وهو الذي تشهد له ظواهر الأخبار وأقام العلامة ابن القيم عليه نحو مائة دليل. {وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلْسَّمْعَ وَٱلأَبْصَـٰرَ وَٱلأَفْئِدَةَ } التفات إلى الخطاب لا يخفى موقع ذكره بعد نفخ الروح وتشريفه بخلعة الخطاب حين صلح للخطاب والجعل إبداعي واللام متعلقة به، والتقديم على المفعول الصريح لما مر مراراً من الاهتمام بالمقدم والتشويق إلى المؤخر مع ما فيه من نوع طول يخل تقديمه بجزالة النظم الكريم، وتقديم السمع لكثرة فوائده فإن أكثر أمور الدين لا تعلم إلا من جهته وأفرد لأنه في الأصل مصدر. وقيل: للإيماء إلى أن مدركه نوع واحد وهو الصوت بخلاف البصر فإنه يدرك الضوء واللون والشكل والحركة والسكون وبخلاف الفؤاد فإنه يدرك مدركات الحواس بواسطتها وزيادة على ذلك أي خلق لمنفعتكم تلك المشاعر لتعرفوا أنها مع كونها في أنفسها نعماً جليلة لا يقادر قدرها وسائل إلى التمتع بسائر النعم الدينية والدنيوية الفائضة عليكم وتشكروها بأن تصرفوا كلاً منها إلى ما خلق هو له فتدركوا بسمعكم الآيات التنزيلية الناطقة بالتوحيد والبعث وبأبصاركم الآيات التكوينية الشاهدة بهما وتستدلوا بأفئدتكم على حقيقتهما. وقوله تعالى: {قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ } بيان لكفرهم بتلك النعم بطريق الاعتراض التذييلي والقلة بمعنى النفي كما ينبىء عنه ما بعده. ونصب الوصف على أنه صفة لمحذوف وقع معمولاً لتشكرون أي شكراً قليلاً تشكرون أو زماناً قليلاً تشكرون. واستظهر الخفاجي عليه الرحمة كون الجملة حالية لا اعتراضية.

د. أسعد حومد

تفسير : {سَوَّاهُ} {ٱلأَبْصَارَ} (9) - ثُمَّ عَدَلَهُ وَأَكْمَلَ خَلْقَهُ في الرَّحِمِ، وَصَوَّرَهُ عَلَى أَحْسَنِ صُورَةٍ، وَنَفَخَ فِيهِ الرُّوحَ فَظَهَرتْ فِيه آثارُ الحَياةِ، وأَنْعَمَ عَلَى البَشَر بِمَنْحِهِم السَّمْعَ والأَبْصَارَ، والأَفْئِدَةَ التي يُمَيِّزُونَ بِهَا بَيْنَ الخَيرِ والشَّرِّ، وَبَيْنَ الحَقِّ والبَاطِلِ؛ وَمَعَ كُلِّ هذِهِ النِّعَمِ الجَلِيلَةِ فإِنَّ البَشَرَ قَلِيلوُ الشُّكْرِ للهِ تَعَالى على نِعَمِهِ التِي لا تُحْصَى. سَوَّاهُ - قَوَّمَهُ بِتَصْويرِ أَعْضَائِهِ وَتَكْمِيلِهَا.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وهذه التسوية كانت أولاً للإنسان الأول الذي خلقه الله من الطين، كما قال سبحانه: {أية : فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ} تفسير : [الحجر: 29] وقد مَرَّ آدم - عليه السلام - في هذه التسوية بالمراحل التي ذكرت، كذلك الأمر في سلالته يُسوِّيها الخالق - عز وجل - وتمر بمثل هذه المراحل: من نطفة، ثم من علقة، ثم من مضغة .. إلخ، ثم تُنفخ فيه الروح. وإذا كان الإنسان لم يشهد كيفية خَلْقه، فإن الله تعالى يجعل من المشَاهد لنا دليلاً على ما غاب عَنَّا، فإنْ كنَّا لم نشهد الخَلْق فقد شاهدنا الموت، والموت نَقْضٌ للحياة وللخَلْق، ومعلوم أن نَقْض الشيء يأتي على عكس بنائه، فإذا أردنا مثلاً هدم عمارة من عدة أدوار فإن آخر الأدوار بناءً هو أول الأدوار هدماً. كذلك الحال في الموت، أول شيء فيه خروج الروح، وهي آخر شيء في الخَلْق، فإذا خرجت الروح تصلَّب الجسد، أو كما يقولون (شضَّب)، وهذه المرحلة أشبه بمرحلة الصلصالية، ثم يُنتن وتتغير رائحته، كما كان في مرحلة الحمأ المسنون، ثم يتحلل هذا الجسد ويتبخر ما فيه من مائية، وتبقى بعض العناصر التي تتحول إلى تراب ليعود إلى أصله الأول. إذن: خُذْ من رؤيتك للموت دليلاً على صِدْق ربك - عز وجل - فيما أخبرك به من أمر الخَلْق الذي لم تشهده. وقوله تعالى: {وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلسَّمْعَ وَٱلأَبْصَارَ وَٱلأَفْئِدَةَ ..} [السجدة: 9] سبق أن تكلمنا عن هذه الأعضاء، وقد قرر علماء وظائف الأعضاء مهمة كل عضو وجارحة، ومتى تبدأ هذه الجارحة في أداء مهمتها، وأثبتوا أن الأذن هي الجارحة الأولى التي تؤدي مهمتها في الطفل، بدليل أنك إذا وضعتَ أصبعك أمام عين الطفل بعد ولادته لا (يرمش)، في حين يفزع إنْ أحدثت َ بجواره صوتاً: ذلك لأنه يسمع بعد ولادته مباشرة، أما الرؤية فتتأخر من ثلاثة إلى عشرة أيام. لذلك كانت حاسة السمع هي المصاحبة للإنسان، ولا تنتهي مهمتها حتى في النوم، وبها يتم الاستدعاء، أما العين فلا تعمل أثناء النوم. وهذه المسألة أوضحها الحق سبحانه في قصة أهل الكهف، فلما أراد الحق سبحانه أنْ يُنيم أهل الكهف هذه المدة الطويلة، والكهف في صحراء بها أصوات الرياح والعواصف والحيوانات المتوحشة؛ لذلك ضرب الله على آذانهم وعطَّل عندهم هذه الحاسة كما قال سبحانه: {أية : فَضَرَبْنَا عَلَىٰ آذَانِهِمْ فِي ٱلْكَهْفِ سِنِينَ عَدَداً} تفسير : [الكهف: 11]. إذن: الأذن هي أول الأعضاء أداءً لمهمتها، ثم العين، ثم باقي الأعضاء، وآخرها عملاً الأعصاب، بدليل أن الطفل تصل حرارته مثلاً إلى الأربعين درجة، ونراه يجري ويلعب دون أن يشعر بشيء، لماذا؟ لأن جهازه العصبي لم ينضج بَعْد، فلا يشعر بهذه الحرارة. لذلك نجد دائماً القرآن يُقدِّم السمع على البصر، ويتقدم البصرَ إلا في آية واحدة هي قوله تعالى: {أية : أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا ..} تفسير : [السجدة: 12] لأنها تصور مشهداً من مشاهد القيامة وفيه يفاجأ الكفار بأهوال القيامة، ويأخذهم المنظر قبل أنْ يسمعوا الصوت حين ينادي المنادي. ومن عجائب الأداء البياني في القرآن أن كلمة أسماع يقابلها أبصار، لكن المذكور هنا: {ٱلسَّمْعَ وَٱلأَبْصَارَ ..} [السجدة: 9] فالسمع مفرد، والأبصار جمع، فلماذا أفرد السمع وجمع البصر؟ قالوا: لأن الأذن ليس لها غطاء يحجب عنها الأصوات، كما أن للعين غطاءً يُسْدل عليه ويمنع عنها المرئيات، فإذن فهو سمع واحد لي ولك وللجميع، الكل يسمع صوتاً واحداً، أما المرئيات فمتعددة، فما تراه أنت قد لا أراه أنا. ولم يأْتِ البصر مفرداً - في هذا السياق - إلا في موضع واحد هو قوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلسَّمْعَ وَٱلْبَصَرَ وَٱلْفُؤَادَ كُلُّ أُولـٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً} تفسير : [الإسراء: 36] ذلك لأن الآية تتكلم عن المسئولية، والمسئولية واحدة ذاتية لا تتعدى، فلا بُدَّ أنْ يكون واحداً. ومن المناسب أن يذكر الحق سبحانه السمع والأبصار والأفئدة بعد الحديث عن مسألة الخَلْق؛ لأن الإنسان يُولَد من بطن أمه لا يعلم شيئاً، وبهذه الأعضاء والحواس يتعلّم ويكتسب المعلومات والخبرات كما قال سبحانه: {أية : وَٱللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلْسَّمْعَ وَٱلأَبْصَارَ وَٱلأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} تفسير : [النحل: 78]. إذن: فهذه الأعضاء ضرورية لوجود الإنسان الخليفة في الأرض، وبها يتعايش مع غيره، ولا بُدَّ له من اكتساب المعلومات، وإلاَّ فكيف سيتعايش مع بيئته؟ وقلنا: إن الإنسان لكي يتعلم لا بُدَّ له من استعمال هذه الحواس المدركة، كل منها في مناطه، فاللسان في الكلام، والعين في الرؤية، والأذن في السمع، والأنف في الشم، والأنامل في اللمس. وقلنا: إن هذه الحواس هي أمهات الحواس المعروفة، حيث عرفنا فيما بعد حواسَّ أخرى؛ لذلك احتاط العلماء لهذا التطور، فأطلقوا على هذه الحواس المعروفة اسم "الحواس الظاهرة"، وبعد ذلك عرفنا حاسة البَيْن التي نعرف بها رقَّة القماش وسُمْكه، وحاسة العضل التي نعرف بها الثقل. إذن: حينما يُولَد الإنسان يحتاج إلى هذه الحواس ليتعايش بها ويدرك ويتفاعل مع المجتمع الذي يعيش فيه، ولو أن الإنسان يعيش وحده ما احتاج مثلاً لأنْ يتكلم، لكنه يعيش بطبيعته مع الجماعة، فلا بُدَّ له أن يتكلم ليتفاهم معهم، وقبل ذلك لا بُدَّ له أنْ يسمع ليتعلم الكلام. وعرفنا سابقاً أن اللغة وليدة السماع، فالطفل الذي يُولَد في بيئة عربية ينطق بالعربية، والذي يعيش في بيئة إنجليزية ينطق الإنجليزية وهكذا، فما تسمعه الأذن يحكيه اللسان، فإذا لم تسمع الأذن لا ينطق اللسان. لذلك سبق أن قلنا في سورة البقرة في قول الله تعالى: {أية : صُمٌّ بُكْمٌ ..} تفسير : [البقرة: 18] أن البَكَم وهو عدم الكلام نتيجة الصمم، وهو عدم السماع، فالسمع - إذن - هو أول مهمة في الإنسان، وهو الذي يعطيني الأرضية الأولى في حياتي مع المجتمع من حولي. ومعلوم أن تعلُّم القراءة مثلاً يحتاج إلى معلم أسمع منه النطق، فهذه ألف، وهذه باء، هذه فتحة، وهذه ضمة .. إلخ، فإذا لم أسمع لا أستطيع النطق الصحيح، ولا أستطيع الكتابة. وبالسماع يتم البلاغ عن الله من السماء إلى الأرض؛ لذلك تقدَّم ذِكْر السمع على ذِكْر البصر. والحق سبحانه لما تكلَّم عن السمع بهذه الصورة قال: أنا سأُسْمع أسماء الأشياء، فهذه أرض، وهذه سماء .. إلخ، لذلك حينما نُعلِّم التلميذ نقول له: هذه عين، وهذه أذن. وبعد أنْ يتعلم التلميذ من مُعلِّمه القراءة يستطيع بعد ذلك أنْ يقرأ بذاته، فيحتاج إلى حاسّة البصر في مهمة القراءة، فإذا أتم تعليمه واستطاع أن يصحح قراءته بنفسه، واختمرت عنده المعلومات التي اكتسبها بسمعه وبصره استطاع أنْ يقرأ أشياء أخرى غير التي قرأها له معلمه، واستطاع أن يربي نفسه ويُعلِّمها حتى تتكون عنده خلية علمية يستحدث من خلالها أشياء جديدة، ربما لا يعرفها معلمه، وهذه مهمة الفؤاد {وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلسَّمْعَ وَٱلأَبْصَارَ وَٱلأَفْئِدَةَ ..} [السجدة: 9]. فالمعاني تتجمع بهذه الحواس، حتى يصير الإنسان سَوياً لديه الملَكة التي يتعلم بها، ثم يُعلِّم هو غيره. واللغة المنطوقة لا تُتعلَّم إلابالسماع، فأنا سمعت من أبي، وأبي سمع من أبيه، وتستطيع أنْ تسلسل هذه المسألة لتصل إلى آدم عليه السلام أبي البشر جميعاً، فإنْ قلتَ: فممَّنْ سمع آدم؟ نقول: سمع الله حينما علَّمه الأسماء كلها: {أية : وَعَلَّمَ آدَمَ ٱلأَسْمَآءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى ٱلْمَلاَئِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَآءِ هَـٰؤُلاۤءِ إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ} تفسير : [البقرة: 31]. وهذا أمر منطقي؛ لأن اللغة المسموعة بالأذن لا يمكن لأحد اختراعها، ومع ذلك يوجد مَنْ يعترض على هذه المسألة، يقول: هذا يعني أن اللغة توقيفية، لا دخْلَ لنا فيها. بمعنى: أننا لا نستحدث فيها جديداً. ونقول: نعم، اللغة أمر توقيفي، لكن أعطى اللهُ آدم الأسماء وعلَّمه إياها، وبهذه الأسماء يستطيع أنْ يتفاهم على وضع غيرها من الأسماء في المعلومات التي تستجد في حياته. وإلا، فكيف سمَّينْا (الراديو والتليفزيون .. إلخ) وهذه كلها مُستجدات لا بُدَّ لها من أسماء، والاسم لا يوجد إلا بعد أنْ يوجد مُسمَّاه، وهذه مهمة المجامع اللغوية التي تقرر هذه الأسماء، وتوافق على استخدامها، وقد اصطلح المَجْمع على تسمية الهاتف: مسرة. والتليفزيون: تلفاز .. إلخ. إذن: أتينا بهذه الألفاظ واتفقنا عليها؛ لأنها تعبر عن المعاني التي نريدها، وهذه الألفاظ وليدة الأسماء التي تعلمها آدم عليه السلام، فاللغة بدأت توقيفية، وانتهت وضعية. وقوله تعالى بعد هذه النعم: {قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ} [السجدة: 9] دليل على أن هذه النعم تستوجب الشكر، لكن قليل منَّا مَنْ يشكر، وكان ينبغي أن نشكر المنعم كلما سمعنا، وكلما أبصرنا، وكلما عملتْ عقولنا وتوصلتْ إلى جديد. لذلك، كان شكر المؤمن لربه لا ينتهي، كما أن أعياده وفرحته لا تنتهي، فنحن مثلاً نفرح يوم عيد الفطر بفطرنا وبأدائنا للعبادة التي فرضها الله علينا، وفي عيد الأضحى نفرح؛ لأن سيدنا إبراهيم - عليه السلام - تحمَّل عنَّا الفداء بولده، لكي يعفينا جميعاً من أنْ يفدي كل منَّا، ويتقرب إلى الله بذبح ولده، وإلا لكانت المسألة شاقة علينا؛ لذلك نفرح في عيد الأضحى، ونذبح الأضاحي، ونؤدي النُّسُك في الحج. وما دام المؤمن ينبغي له أن يفرح بأداء الفرائض وعمل الطاعات، فلماذا لا نفرح كلما صلَّينا أو صُمْنا أو زكَّيْنا؟ لماذا لا نفرح عندما نطيع الله بعمل المأمورات، وترْك المنهيات؟ لماذا لا نفرح في الدنيا حتى يأتي يوم الفرح الأكبر، يوم تتجمع حصيلة هذه الأعمال، وننال ثوابها الجنة ونعيمها؟ واقرأ إن شئت قول ربك: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ ٱلأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ ٱلنَّعِيمِ * دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ ٱللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} تفسير : [يونس: 9-10].