٣٢ - ٱلسَّجْدَة
32 - As-Sajda (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
16
Tafseer
الرازي
تفسير : يعني بالليل قليلاً ما يهجعون وقوله: {يَدْعُونَ رَبَّهُمْ } أي يصلون، فإن الدعاء والصلاة من باب واحد في المعنى أو يطلبونه وهذا لا ينافي الأول لأن الطلب قد يكون بالصلاة، والحمل على الأول أولى لأنه قال بعده: {وَمِمَّا رَزَقْنَـٰهُمْ يُنفِقُونَ } وفي أكثر المواضع التي ذكر فيها الزكاة ذكر الصلاة قبلها كقوله تعالى: { أية : وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلوٰةَ وَمِمَّا رَزَقْنَـٰهُمْ يُنفِقُونَ } تفسير : [البقرة: 3] وقوله: {خَوْفًا وَطَمَعًا } يحتمل أن يكون مفعولاً له ويحتمل أن يكون حالاً، أي خائفين طامعين كقولك جاؤني زوراً أي زائرين، وكأن في الآية الأولى إشارة إلى المرتبة العالية وهي العبادة لوجه الله تعالى مع الذهول عن الخوف والطمع بدليل قوله تعالى: { أية : إِذَا ذُكّرُواْ بِهَا خَرُّواْ } تفسير : [السجدة: 15] فإنه يدل على أن عند مجرد الذكر يوجد منهم السجود وإن لم يكن خوف وطمع. وفي الآية الثانية إشارة إلى المرتبتين الأخيرتين وهي العبادة خوفاً كمن يخدم الملك الجبار مخافة سطوته أو يخدم الملك الجواد طمعاً في بره، ثم بين ما يكون لهم جزاء فعلهم.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمْ عَنِ ٱلْمَضَاجِعِ} أي ترتفع وتَنْبُو عن مواضع الاضطجاع. وهو في موضع نصب على الحال؛ أي متجافية جنوبهم. والمضاجع جمع مضجع؛ وهي مواضع النوم. ويحتمل عن وقت الاضطجاع، ولكنه مجاز، والحقيقة أوْلى. ومنه قول عبد الله بن رَوَاحة:شعر : وفينا رسول الله يتلو كتابه إذا انشق معروف من الصبح ساطع يبيت يجافي جنبه عن فراشه إذا استثقلت بالمشركين المضاجع تفسير : قال الزّجاج والرُّمانِيّ: التّجافي التنحِّي إلى جهة فوق. وكذلك هو في الصفح عن المخطىء في سَبٍّ ونحوه. والجُنوب جمع جنب. وفيما تتجافى جنوبهم عن المضاجع لأجله قولان: أحدهما: لذكر الله تعالى، إمّا في صلاة وإما في غير صلاة؛ قاله ابن عباس والضحاك. الثاني: للصلاة. وفي الصلاة التي تتجافى جنوبهم لأجلها أربعة أقوال: أحدها: التّنفّل بالليل؛ قاله الجمهور من المفسرين وعليه أكثر الناس، وهو الذي فيه المدح، وهو قول مجاهد والأوزاعيّ ومالك بن أنس والحسن بن أبي الحسن وأبي العالية وغيرهم. ويدلّ عليه قوله تعالى: {فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّآ أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ} لأنهم جُوزُوا على ما أخفوا بما خفي. والله أعلم. وسيأتي بيانه. وفي قيام الليل أحاديث كثيرة؛ منها حديث معاذ بن جبل أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال له: «حديث : أَلاَ أَدُلُّك على أبواب الخير: الصوم جُنّة، والصدقة تطفىء الخطيئة كما يطفىء الماء النار، وصلاة الرجل من جَوْف الليل ـ قال ثم تلا ـ {تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمْ عَنِ ٱلْمَضَاجِعِ ـ حتى بلغ ـ يَعْمَلُونَ }»تفسير : أخرجه أبو داود الطيالسيّ في مسنده والقاضي إسماعيل بن إسحاق وأبو عيسى الترمذيّ، وقال فيه: حديث حسن صحيح. الثاني: صلاة العشاء التي يقال لها العتمة؛ قاله الحسن وعطاء. وفي الترمذيّ: عن أنس بن مالك أن هذه الآية {تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمْ عَنِ ٱلْمَضَاجِعِ} نزلت في انتظار الصلاة التي تُدْعَى العَتمَة قال: هذا حديث حسن غريب. الثالث: التنفُّل ما بين المغرب والعشاء؛ قاله قتادة وعكرمة. وروى أبو داود عن أنس بن مالك أن هذه الآية {تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمْ عَنِ ٱلْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ} قال: كانوا يتنفَّلون ما بين المغرب والعشاء. الرابع: قال الضحاك: تَجافِي الجُنُب هو أن يصلّي الرجل العشاء والصبح في جماعة. وقاله أبو الدّرداء وعُبادة. قلت: وهذا قول حسن، وهو يجمع الأقوال بالمعنى، وذلك أن منتظِر العشاء إلى أن يصليها في صلاة وذكرٍ لله جلّ وعز؛ كما قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : لا يزال الرجل في صلاة ما انتظر الصلاة»تفسير : . وقال أنس: المراد بالآية انتظار صلاة العشاء الآخرة؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يؤخرها إلى نحو ثلث الليل. قال ابن عطية: وكانت الجاهلية ينامون من أوّل الغروب ومن أيّ وقت شاء الإنسان، فجاء انتظار وقت العشاء غريباً شاقًّا. ومصلِّي الصبح في جماعة لا سيما في أوّل الوقت؛ كما كان عليه السلام يصليها. والعادة أن من حافظ على هذه الصلاة في أوّل الوقت يقوم سَحَراً يتوضأ ويصليّ ويذكر الله عز وجل إلى أن يطلع الفجر؛ فقد حصل التجافي أوّلَ الليل وآخره. يزيد هذا ما رواه مسلم من حديث عثمان بن عفان قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : من صلّى العشاء في جماعة فكأنما قام نصف الليل، ومن صلى الصبح في جماعة فكأنما قام الليل كله»تفسير : . ولفظ الترمذي وأبي داود في هذا الحديث: «حديث : من شهد العشاء في جماعة كان له قيام نصف ليلة، ومن صلّى العشاء والفجر في جماعة كان له كقيام ليلة»تفسير : . وقد مضى في سورة «النور» عن كعب فيمن صلّى بعد العشاء الآخرة أربع ركعات كن له بمنزلة ليلة القدر. وجاءت آثار حسان في فضل الصلاة بين المغرب والعشاء وقيام الليل. ذكر ابن المبارك قال: أخبرنا يحيـى بن أيوب قال حدثني محمد بن الحجاج أو ابن أبي الحجاج أنه سمع عبد الكريم يحدث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حديث : «من ركع عشر ركعات بين المغرب والعشاء بُنِيَ له قصر في الجنة» فقال له عمر بن الخطاب: إذاً تَكْثر قصورنا وبيوتنا يا رسول لله؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«الله أكبر وأفضل ـ أو قال ـ أطيب»تفسير : . وعن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: صلاة الأوّابين الخلوة التي بين المغرب والعشاء حتى تثوب الناس إلى الصلاة. وكان عبد الله بن مسعود يصلّي في تلك الساعة ويقول: صلاة الغفلة بين المغرب والعشاء؛ ذكره ابن المبارك. ورواه الثعلبي مرفوعاً عن ابن عمر قال: قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : من جَفَتْ جنباه عن المضاجع ما بين المغرب والعشاء بُنِيَ له قصران في الجنة مسيرة عام، وفيهما من الشجر ما لو نزلها أهل المشرق والمغرب لأوسعتهم فاكهة»تفسير : . وهي صلاة الأوّابين وغفلة الغافلين. وإن من الدعاء المستجاب الذي لا يردّ الدعاء بين المغرب والعشاء. فصل في فضل التجافي: ذكر ابن المبارك عن ابن عباس قال: إذا كان يوم القيامة نادى منادٍ: ستعلمون اليوم مَن أصحاب الكرم؛ لِيَقُمِ الحامدون لله على كل حال، فيقومون فيُسَرّحون إلى الجنة. ثم ينادي ثانية: ستعلمون اليوم من أصحاب الكرم؛ لِيَقُمِ الذين كانت جنوبهم تتجافى عن المضاجع {يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ}. قال: فيقومون فيسرحون إلى الجنة. قال: ثم ينادي ثالثة: ستعلمون اليوم من أصحاب الكرم؛ لِيَقُمِ الذين كانوا {لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ وَإِقَامِ ٱلصَّلاَةِ وَإِيتَآءِ ٱلزَّكَـاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ ٱلْقُلُوبُ وَٱلأَبْصَارُ}، فيقومون فيسرحون إلى الجنة. ذكره الثعلبيّ مرفوعاً عن أسماء بنت يزيد قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : إذا جمع الله الأوّلين والآخرين يوم القيامة جاء منادٍ فنادى بصوت تسمعه الخلائق كلهم: سيعلم أهل الجمع اليوم من أوْلى بالكَرَمِ، لِيَقُمِ الذين كانت تتجافى جنوبُهم عن المضاجع فيقومون وهم قليل، ثم ينادي الثانيةَ ستعلمون اليومَ مَن أوْلَى بالكرم لِيَقُمِ الذين لا تلهِيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله فيقومون، ثم ينادي الثالثةَ ستعلمون اليوم من أولى بالكرم لِيَقُمِ الحامدون لله على كل حال في السرّاء والضراء فيقومون وهم قليل فيسرحون جميعاً إلى الجنة، ثم يحاسب سائر الناس»تفسير : . وذكر ابن المبارك قال أخبرنا مَعْمَر عن رجل عن أبي العلاء بن الشِّخّير عن أبي ذرّ قال: ثلاثة يَضْحَك الله إليهم ويستبشر الله بهم: رجل قام من الليل وترك فراشه ودِفْأهُ، ثم توضأ فأحسن الوضوء، ثم قام إلى الصلاة؛ فيقول الله لملائكته: ما حمل عبدي على ما صنع، فيقولون: ربَّنا أنت أعلم به منا؛ فيقول: أنا أعلم به ولكن أخبروني فيقولون: رَجّيته شيئاً فرجاه وخوّفته فخافه. فيقول: أشهدكم أني قد أمنته مما خاف وأوجبت له ما رجاه قال: ورجل كان في سَرِيّة فلقِي العدوّ فانهزم أصحابه وثبت هو حتى يُقتل أو يفتح الله عليهم؛ فيقول الله لملائكته مثل هذه القصة. ورجل سَرى في ليلة حتى إذا كان في آخر الليل نزل هو وأصحابه، فنام أصحابه وقام هو يصلّي؛ فيقول الله لملائكته... وذكر القصة. قوله تعالى: {يَدْعُونَ رَبَّهُمْ} في موضع نصب على الحال؛ أي داعين. ويحتمل أن تكون صفة مستأنفة؛ أي تتجافى جنوبهم وهم أيضاً في كل حال يدعون ربّهم لَيْلَهم ونهارهم. و{خَوْفاً} مفعول من أجله. ويجوز أن يكون مصدراً. {وَطَمَعاً} مثله؛ أي خوفاً من العذاب وطمعاً في الثواب. {وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ} تكون «ما» بمعنى الذي وتكون مصدراً، وفي كِلاَ الوجهين يجب أن تكون منفصلة من «مِن» و«يُنْفِقُونَ» قيل: معناه الزكاة المفروضة. وقيل: النوافل؛ وهذا القول أمدح.
المحلي و السيوطي
تفسير : {تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمْ } ترتفع {عَنِ ٱلْمَضَاجِعِ } مواضع الاضطجاع بفُرُشِها لصلاتهم بالليل تهجداً {يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً } من عقابه {وَطَمَعًا } في رحمته {وَمِمَّا رَزَقْنَٰهُمْ يُنفِقُونَ } يتصدقون.
ابن عطية
تفسير : جفا الرجل الموضع إذا تركه، و"تجافى الجنب" عن مضجعه إذا تركه وجافى الرجل جنبه عن مضجعه، ومنه في الحديث "ويجافي بضبعيه" أي يبعدهما عن الأرض وعن يديه، فقوله {تتجافى جنوبهم} أي تبعد وتزول، ومنه قول عبد الله بن رواحة: [الطويل] شعر : نَبِيٌّ تجافى جنبه عن فراشه إذا استثقلت بالمشركين المضاجع تفسير : ويروى يبيت يجافي، قال الزجاج والرماني: التجافي التنحي إلى جهة فوق. قال الفقيه الإمام القاضي: وهذا قول حسن، وكذلك في الصفح عن المخطي في سب ونحوه، و"الجنوب" جمع جنب، و {المضجع} موضع الاضطجاع للنوم، وقال أنس بن مالك: أراد بهذه الآية الصلاة بين المغرب والعشاء، وقال عطاء وأبو سلمة أراد صلاة العشاء الآخرة، وقال أبو محمد: وكانت الجاهلية ينامون من أول المغرب ومن أي وقت شاء الإنسان فجاء انتظار وقت العشاء الآخرة غريباً شاقاً، وقال أنس بن مالك أيضاً: أراد انتظار العشاء الآخرة لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يؤخرها إلى نحو ثلث الليل وفي ذلك أحاديث كثيرة، وقال الضحاك: "تجافي الجنب" هو أن يصلي الرجل العشاء والصبح في جماعة وهذا قول حسن يساعده لفظ الآية، وقال الجمهور من المفسرين: أراد بهذا التجافي صلاة النوافل بالليل. قال الفقيه الإمام القاضي: وعلى هذا التأويل أكثر الناس، وهو الذي فيه المدح، وفيه أحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم يذكر قيام الليل ثم يستشهد بالآية، ذكره الطبري عن معاذ بن جبل، ورجح الزجاج هذا القول بأنهم جزوا بإخفاء فدل ذلك على أن العمل إخفاء أيضاً وهو قيام الليل، وقوله {يدعون} يحتمل أن يكون في موضع الحال من الموصوفين، أي في وقت التجافي، ويحتمل أن يكون صفة مستأنفة، أي {تتجافى جنوبهم} وهم أيضاً في كل أحوالهم {يدعون} ليلهم ونهارهم. و"الخوف" من عذاب الله، و"الطمع" في ثواب الله. و{ينفقون} قيل معناه الزكاة المفروضة وقيل النوافل والصدقات غير المفروضة وهذا القول أمدح، ثم ذكر تعالى وعدهم من النعيم بما لم تعلمه نفس ولا بشر ولا ملك، وقرأ حمزة وحده "أخفي" بسكون الياء كأنه قال أخفي أنا وهي قراءة الأعمش، وروي عنه "ما أخفيت لهم من قرة أعين"، وقرأ عبد الله "ما نُخفي لهم" بالنون مضمومة، وروى المفضل عن الأعمش "ما يُخفَى لهم" بالياء المضمومة وفتح الفاء، وقرأ محمد بن كعب "ما أَخفى" بفتح الهمزة، أي ما أخفى الله، وقرأ جمهور الناس "أُخفيَ" بفتح الياء على بناء الفعل للمفعول، و {ما} يحتمل أن تكون بمعنى الذي، فعلى القراءة الأولى فثم ضمير محذوف تقديره أخفيه، وعلى قراءة الجمهور فالضمير الذي لم يسم فاعله يجري في العودة على الذي، ويحتمل أن تكون استفهاماً، فعلى القراءة الأولى فهي في موضع نصب بـ"أخفي" وعلى القراءة الثانية هي في موضع رفع بالابتداء، و {قرة أعين} ما تلذه وتشتهيه وهي مأخوذة من القر كما أن سخنة العين مأخوذة من السخانة، وأصل هذا فيما يزعمون أن دمع الفرح بارد ودمع الحزن سخن، وفي معنى هذه الآية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الله عز وجل: "حديث : أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر تفسير : . واقرؤوا إن شئتم: {فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين}. وقال ابن مسعود: "في التوراة مكتوب على الله للذين تتجافى جنوبهم عن المضاجع ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولاخطر على قلب بشر". وقرأ ابن مسعود وأبو هريرة وأبو الدرداء "قرات" على الجمع، وقوله {جزاء بما كانوا يعملون} أي بتكسبهم، وقوله تعالى: {أفمن كان مؤمناً} الآية، روي عن عطاء بن يسار أنها نزلت في علي بن أبي طالب: والوليد بن عقبة بن أبي معيط وذلك أنهما تلاحيا فقال له الوليد: أنا أبسط منك لساناً وأحد سناناً وأرد للكتيبة، فقال له علي بن أبي طالب: اسكت فإنك فاسق، فنزلت الآية. وذكر الزجاج والنحاس وغيرهما أنها نزلت في علي وعقبة بن أبي معيط، وعلى هذا يلزم أن تكون الآية مكية، لأن عقبة لم يكن بالمدينة وإنما قتل في طريق مكة منصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم من بدر، ويعترض القول الآخر بإطلاق اسم الفسق على الوليد وذلك يحتمل أن يكون في صدر إسلام الوليد لشيء كان فيه أو لما روي من نقله عن بني المصطلق ما لم يكن حتى نزلت فيه {أية : إن جاءكم فاسق بنبأ} تفسير : [الحجرات: 6] ويحتمل أيضاً أن تطلق الشريعة ذلك عليه لأنه كان على طرف مما يبغي وهو الذي شرب الخمر في خلافة عثمان وصلى الصبح بالناس أربعاً ثم التفت وقال: أتريدون أن أزيدكم ونحو هذا مما يطول ذكره. ثم قسم الله تعالى المؤمنين والفاسقين الذين فسقهم بالكفر لأن التكذيب الذي في آخر الآية يقتضي ذلك، وقرأ طلحة "جنة" بالإفراد، وقرأ أبو حيوة "نزْلاً" بإسكان الزاي، والجمهور على ضمها وسائر باقي الآية بين.
ابن عبد السلام
تفسير : {تَتَجَافَى} ترتفع لذكر الله في الصلاة، أو في غيرها "ع"، أو الصلاة: العشاء، أو الصبح والعشاء في جماعة، أو للنفل بين المغرب والعشاء، أو قيام الليل. والمضاجع مواضع الاضطجاع خوفاً من حسابه وطمعاً في رحمته، أو خوفاً من عقابه وطمعاً في ثوابه. {يُنفِقُونَ} الزكاة، أو صدقة التطوع، أو نفقة الأهل، أو النفقة في الطاعة.
الثعالبي
تفسير : وقوله تعالى: {تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمْ عَنِ ٱلْمَضَاجِعِ...} الآية، تَجافَى الجنبُ عن موضِعِه إذا تَرَكه قال الزجاج وغيره: التَّجافِي التَّنَحِّي إلى فوق. قال * ع *: وهذا قول حسن، والجنوبُ جَمْعُ جَنْبٍ، والمضاجِعُ مَوْضِع الاضْطجَاع للنوم. * ت *: وقال الهرَوِيُّ: {تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمْ عَنِ ٱلْمَضَاجِعِ} أي: ترتفعُ وتَتَباعَدُ والجَفاء بَيْن النَّاسِ هُو التَّبَاعُدُ، انتهى. وَرَوَى البُخَاري بسنَدِهِ عن أبي هريرة أن عَبدَ اللّه بن رَوَاحَةَ رَضِيَ اللّه عنه قَالَ: [الطويل] شعر : وَفِينَا رَسُولُ اللّهِ يَتلُو كِتَابَه إذَا ٱنْشَقَّ مَعْرُوفٌ مِنَ الفَجْرِ سَاطِعُ أَرَانَا الهُدَىٰ بَعْدَ الْعَمَىٰ فَقُلُوبُنَا بِهِ مُوقِنَاتٌ أَنَّ مَا قَالَ وَاقِعُ يَبِيتُ يُجَافِي جَنْبَهُ عَنْ فِرَاشِهِ إذَا ٱسْتَثْقَلَتْ بِالْكَافِرِينَ المَضَاجِعُ تفسير : انتهى. وجمهور المفسرين: على أن المرادَ بهذا التجافي صلاةُ النوافلِ بالليلِ. قال * ع *: وعلى هذا التأويل أكثَرُ الناسِ، وهو الذي فيه المدحُ وفيه أحاديثُ عن النبي صلى الله عليه وسلم يَذكر عليه السلام قِيامَ الليل؛ ثم يستشهدُ بالآية؛ ففي حديثِ معاذٍ «حديث : أَلاَ أَدُلُّكَ عَلَىٰ أَبْوَابِ الخَيْرِ: الصَّوْمُ جُنَّةٌ، وَالصَّدَقَةُ تُطْفِىءُ الخَطِيئَةَ كَمَا يُطْفِىءُ المَاءُ النَّارَ، وَصَلاَةُ الرَّجُلِ مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ، ثم قَرَأ {تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمْ عَنِ ٱلْمَضَاجِعِ}، حَتَّى بَلَغَ {يَعْمَلُونَ}»تفسير : رَواه الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح؛ ورَجَّحَ الزَّجَاجُ ما قاله الجمهور بأنهم: جُوزُوا بإخفاءٍ، فَدَلَّ ذلك على أن العَمَلَ إخْفَاءٌ أيضاً، وهو قيامُ الليل {يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً} أي: من عذابه {وَطَمَعاً}، أي: في ثوابه. قال * ص *: {تَتَجَافَىٰ} أَعربه أبو البقاء: حالاً، و {يَدْعُونَ}: حالٌ أو مُسْتَأنَفٌ و{خَوْفاً وطَمَعاً}: مَفْعُولاَن من أجله أو مصدران في موضع الحال؛ انتهى. وفي الترمذي عن معاذ بن جَبَلٍ قال: قلتُ: يَار رَسُولَ اللّهِ، أَخْبِرْنِي بِعَمَلٍ يُدْخِلُنِي الجَنَّةَ، وَيُبَاعِدُنِي عَنِ النَّارِ، قَالَ: «حديث : لَقَدْ سَأَلْتَ عَنْ عَظِيمٍ، وَإنَّهُ لَيَسِيرٌ عَلَىٰ مَنْ يَسَّرَهُ اللّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ؛ تَعْبُدُ اللّهَ لاَ تُشْرِكُ بِهِ شَيْئاً، وَتُقِيمَ الصَّلاَةَ، وَتُؤْتِي الزَّكَاةَ، وَتَصُومُ رمضَانَ، وتَحُجُّ البَيْتَ، ثمَّ قَالَ: أَلاَ أَدُلُّكَ عَلَىٰ أَبْوَابِ الخَيْرِ؟ الصَّوْمُ جِنَّةٌ، والصَّدَقَةُ تُطْفِىءُ الخَطِيئَةَ كَمَا يُطْفِىءُ المَاءُ النَّارَ، وَصَلاَةُ الرَّجُلِ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ، ثم تَلاَ: {تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمْ عَنِ ٱلْمَضَاجِعِ} حَتَّى بَلَغَ {يَعْمَلُونَ}. ثم قال: أَلاَ أُخْبِرُكَ بِرَأْسِ الأَمْر وَعَمُودِهِ وَذِرْوَةِ سَنَامِهِ؟ قُلْتُ: بَلَىٰ، يَا رَسُولَ اللّهِ. قال: رَأْسُ الأَمْرِ الإسْلاَمُ، وَعَمُودُهُ الصَّلاَةُ وَذِرْوَةُ سَنَامِهِ الْجِهَادُ، ثُمَّ قَالَ: أَلاَ أُخْبِرُكَ بِمَلاَكِ ذَلِكَ كُلِّهِ؟ قُلْتُ: بَلَىٰ يَا رَسُولَ اللّهِ، فَأَخَذَ بِلِسَانِهِ، وَقَالَ: كُفَّ عَلَيْكَ هَذَا. قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللّهِ، وَإنَّا لَمُؤَاخِذُونَ بِمَا نَتَكَلَّمُ بِهِ؟ٰ فَقَالَ: ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ، وَهَلْ يَكُبَّ النَّاسَ فِي النَّارِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ إلاَّ حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ؟!»تفسير : قال الترمذيُّ: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. انتهى. وقرأ حمزةُ وحده: «أُخْفِيْ» ـــ بسكون الياء كأنه قال: أُخْفِيْ أَنَا. وقرأ الجمهور «أُخْفِيَ» ـــ بفتح الياء ـــ، وفي معنى هذه الآية قال صلى الله عليه وسلم: «حديث : قال اللّه - عز وجل -: أعْدَدْتُ لِعِبَادِيَ الصَّالِحِينَ مَا لاَ عَيْنٌ رَأَتْ وَلاَ أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلاَ خَطَرَ عَلَىٰ قَلْبِ بَشَرٍ ذُخْراً بَلْهَ مَا ٱطَّلَعْتُمْ عَلَيْهِ، وَٱقْرَءُوا إنْ شِئْتُمْ: {فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ...} الآية»تفسير : انتهى. قال القرطبيُّ في «تذكرته»: «وبَلْهَ» معناه: غَيْر، وقيل: هو اسم فِعْلٍ بمعنى دَعْ، وهذا الحديث خَرَّجَه البخاري، وغيره. * ت *: وفي رواية للبخاري قال أبو هريرة: وَٱقْرَءُوا إنْ شِئْتُمْ: {فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ...} الآية. انتهى. وقال ابن مسعودٍ: في التوراة مكتوبٌ «عَلَى اللّهِ لِلَّذِينَ تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمْ عَنِ المَضَاجِعِ مَا لاَ عَيْنٌ رَأَتْ وَلاَ أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلاَ خَطَرَ عَلَىٰ قَلْبِ بَشَرٍ»، وباقي الآية بَيِّن؛ والضمير في قوله تعالى: {وَلَنُذِيقَنَّهُمْ} لكفار قريش، ولا خلافَ أن العذابَ الأكبرَ هو عذابُ الآخرةِ، واخْتُلِفَ في تَعْيين العذاب الأَدْنَى؛ فقيل هو السنون التي أجاعَهم اللّه فيها، وقيل هو مصائبُ الدنيا من الأمراض؛ ونحوها، وقيل هو القَتْل بالسَّيْف كَبَدْرِ وغيرها. وقوله سبحانه: {إِنَّا مِنَ ٱلْمُجْرِمِينَ مُنتَقِمُونَ} ظاهر الإجرام هنا أنه الكفر، وروى معاذ بن جبل عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم: أنه قال: «حديث : ثَلاَثٌ مَنْ فَعَلَهُنَّ، فَقَدْ أَجْرَمَ: مَنْ عَقَدَ لِوَاءً فِي غَيْرِ حَقٍّ، وَمَنْ عَقَّ وَالِدَيْهِ، وَمَنْ نَصَرَ ظَالِماً».
السيوطي
تفسير : أخرج الترمذي وصححه وابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه ومحمد بن نصر في كتاب الصلاة عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن هذه الآية {تتجافى جنوبهم عن المضاجع} نزلت في انتظار الصلاة التي تدعى العتمة. وأخرج الفريابي وابن أبي حاتم وابن مردويه عن أنس بن مالك رضي الله عنه في قوله {تتجافى جنوبهم عن المضاجع} قال: كانوا لا ينامون حتى يصلوا العشاء. وأخرج البخاري في تاريخه وابن مردويه عن أنس رضي الله عنه قال نزلت {تتجافى جنوبهم عن المضاجع} في صلاة العشاء. وأخرج ابن أبي شيبة عن أنس رضي الله عنه قال: كنا نجتنب الفرش قبل صلاة العشاء. وأخرج محمد بن نصر وابن جرير عن أبي سلمة رضي الله عنه في قوله {تتجافى جنوبهم عن المضاجع} في صلاة العتمة. وأخرج عبد الرزاق في المصنف وابن مردويه عن أنس رضي الله عنه قال: ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم راقداً قبل العشاء ولا متحدثاً بعدها فإن هذه الآية نزلت في ذلك {تتجافى جنوبهم عن المضاجع}. وأخرج ابن مردويه عن أنس رضي الله عنه قال: نزلت فينا معاشر الأنصار كنا نصلي المغرب فلا نرجع إلى رحالنا حتى نصلي العشاء مع النبي صلى الله عليه وسلم، فنزلت فينا {تتجافى جنوبهم عن المضاجع...}. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلمحديث : قال {تتجافى جنوبهم عن المضاجع} قال: هم الذي لا ينامون قبل العشاء، فأثنى عليهم، فلما ذكر ذلك جعل الرجل يعتزل فراشه مخافة أن تغلبه عينه، فوقتها قبل أن ينام الصغير ويكسل الكبير ". تفسير : وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {تتجافى جنوبهم عن المضاجع} قال: أنزلت في صلاة العشاء الآخرة، كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لا ينامون حتى يصلوها. وأخرج ابن أبي شيبة وأبو داود ومحمد بن نصر وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في سننه عن أنس رضي الله عنه في قوله {تتجافى جنوبهم عن المضاجع} قال: كانوا ينتظرون ما بين المغرب والعشاء يصلون. وأخرج عبدالله بن أحمد بن حنبل في زوائد الزهد وابن عدي وابن مردويه عن مالك بن دينار رضي الله عنه قال: سألت أنس بن مالك رضي الله عنه عن هذه الآية {تتجافى جنوبهم عن المضاجع} قال: كان قوم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من المهاجرين الأولين يصلون المغرب ويصلون بعدها إلى عشاء الآخرة، فنزلت هذه الآية فيهم. وأخرج البزار وابن مردويه عن بلال رضي الله عنه قال: كنا نجلس في المجلس وناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلون المغرب إلى العشاء، فنزلت {تتجافى جنوبهم عن المضاجع}. وأخرج محمد بن نصر والبيهقي في سننه عن ابن المنكدر وأبي حازم في قوله {تتجافى جنوبهم عن المضاجع} قالا: هي ما بين المغرب والعشاء صلاة الأوابين. وأخرج محمد بن نصر عن عبد الله بن عيسى رضي الله عنه قال: كان ناس من الأنصار يصلون ما بين المغرب والعشاء، فنزلت فيهم {تتجافى جنوبهم عن المضاجع} . وأخرج أحمد وابن جرير وابن مردويه عن معاذ بن جبل رضي الله عنه "عن النبي صلى الله عليه وسلم حديث : في قوله {تتجافى جنوبهم عن المضاجع} قال "قيام العبد من الليل" ". تفسير : وأخرج أحمد والترمذي وصححه والنسائي وابن ماجة وابن نصر في كتاب الصلاة وابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: حديث : كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر، فاصبحت يوماً قريباً منه ونحن نسير، فقلت: يا نبي الله اخبرني بعمل يدخلني الجنة، ويباعدني عن النار قال "لقد سألت عن عظيم وانه اليسير على من يسره الله عليه. تعبد الله ولا تشرك به شيئاً، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت، ثم قال: ألا أدلك على أبواب الخير؟ الصوم جنة، والصدقة تطفىء الخطيئة، وصلاة الرجل في جوف الليل، ثم قرأ {تتجافى جنوبهم عن المضاجع} حتى بلغ {يعملون} ، ثم قال: ألا أخبرك برأس الأمر، وعموده، وذروة سنامه؟ فقلت: بلى يا رسول الله قال: رأس الأمر الإِسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد، ثم قال ألا أخبرك بملاك ذلك كله؟ فقلت: بلى يا نبي الله، فأخذ بلسانه فقال: كف عنك هذا، فقلت: يا رسول الله وانا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ فقال: ثكلتك أمك يا معاذ! وهل يكب الناس في النار على وجوههم إلا حصائد ألسنتهم ". تفسير : وأخرج ابن جرير عن مجاهد رضي الله عنه قال: ذكر لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم قيام الليل ففاضت عيناه حتى تحادرت دموعه، فقال {تتجافى جنوبهم عن المضاجع} . وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رجلاً قال "حديث : يا رسول الله أخبرني بعمل أهل الجنة قال: قد سألت عن عظيم، وإنه ليسير على من يسره الله عليه. تعبد الله لا تشرك به شيئاً، وتؤدي الصلاة المكتوبة - ولا أدري ذكر الزكاة أم لا - وإن شئت أنبأتك، برأس هذا الأمر، وعموده، وذروة سنامه، رأسه الإِسلام من أسلم سلم، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله، والصيام جنة، والصدقة تمحو الخطيئة، وصلاة الرجل في جوف الليل، ثم تلا هذه الآية {تتجافى جنوبهم عن المضاجع} ". تفسير : وأخرج ابن مردويه عن أنس رضي الله عنه في قوله {تتجافى جنوبهم عن المضاجع} لا تمر عليهم ليلة إلا أخذوا منها بحظ. وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة ومحمد بن نصر وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله {تتجافى جنوبهم عن المضاجع} قال: يقومون فيصلون بالليل. وأخرج ابن نصر وابن جرير عن الحسن رضي الله عنه في قوله {تتجافى جنوبهم عن المضاجع} قال: قيام الليل. وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد من طريق أبي عبد الله الجدلي عن عبادة بن الصامت عن كعب رضي الله عنه قال: إذا حشر الناس نادى مناد: هذا يوم الفصل أين الذين {تتجافى جنوبهم عن المضاجع؟} أين الذين {أية : يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم؟} تفسير : [آل عمران: 191] ثم يخرج عنق من النار فيقول: أمرت بثلاث: بمن جعل مع الله إلهاً آخر. وبكل جبار عنيد. وبكل معتد، لأنا أعرف بالرجل من الوالد بولده، والمولود بوالده، ويؤمر بفقراء المسلمين إلى الجنة فيحبسون فيقولون: تحسبونا ما كان لنا أموال ولا كنا أمراء. وأخرج محمد بن نصر وابن جرير عن الضحاك رضي الله عنه في قوله {تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفاً وطمعاً} قال: هم قوم لا يزالوان يذكرون الله، إما في الصلاة، وإما قياماً، واما قعوداً، وإما إذا استيقظوا من منامهم. هم قوم لا يزالون يذكرون الله تعالى. وأخرج البيهقي في شعب الإِيمان عن ربيعة الجرشي رضي الله عنه قال: يجمع الله الخلائق يوم القيامة في صعيد واحد، فيكونون ما شاء الله أن يكونوا، فينادي مناد: سيعلم أهل الجمع لمن العز اليوم والكرم، ليقم الذين {تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفاً وطمعاً} فيقومون وفيهم قلة، ثم يلبث ما شاء الله أن يلبث، ثم يعود فينادي سيعلم أهل الجمع لمن العز والكرم، ليقم الذين {أية : لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله} تفسير : [النور: 37] فيقومون وهم أكثر من الأولين، ثم يلبث ما شاء الله أن يلبث، ثم يعود وينادي: سيعلم أهل الجمع لمن العز اليوم والكرم، ليقم الحمادون لله على كل حال، فيقومون وهم أكثر من الأولين. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما {تتجافى جنوبهم عن المضاجع} يقول: تتجافى لذكر الله كلما استيقظوا ذكروا الله. اما في الصلاة، وإما في قيام أو قعود، أو على جنوبهم، فهم لا يزالون يذكرون الله.
التستري
تفسير : قوله: {تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمْ عَنِ ٱلْمَضَاجِعِ}[16] قال: إن الله تعالى وهب لقوم هبة، وهو أن أدناهم من مناجاته، وجعلهم من أهل وسيلته وصلته، ثم مدحهم إلى إظهار الكرم بأنه وفقهم على ما وفقهم له، فقال: {تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمْ عَنِ ٱلْمَضَاجِعِ}[16]. قوله تعالى: {يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً}[16] قال: أي خوفاً من هجرانه وطمعاً في لقائه.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمْ عَنِ ٱلْمَضَاجِعِ} [الآية: 16]. قال سهل: إنَّ الله وهب لقومه هبة وهو أذن لهم فى مناجاته وجعلهم من أهل وسيلته وصفوته وخيرته ثم مدحهم على ذلك إظهارًا للكرامة بأن وقفهم لما وقفهم له ثم مدحهم عليه فقال: {تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمْ عَنِ ٱلْمَضَاجِعِ}. قال ابن عطاء: جفت جنوبهم وأبت أن تسكن على بساط الغفلة وطلب بساط القربة والمناجاة وأنشد: شعر : جَفَتْ عينى عن التغميض حتى كأن جفونها عنها قصار كـأن جفونهـا ثُملت بشوك فليس لنومه فيهـا قرار قـول ولـيتنى تزداد طـولاً أيا ليلى لقد بعد النهار تفسير : قوله تعالى: {يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً} [الآية: 16]. قال جعفر: خوفًا منه وطمعًا فيه. وقال بعضهم: خوفًا من النار وطمعًا فى الجنة. وقال محمد بن على: خوفًا من سخطه وطمعًا فى رضوانه. وقال: خوفًا من القطيعة وطمعًا فى الوصلة. وقال سهل: خوفًا من هجرانه وطمعًا فى لقائه. وقال الواسطى رحمة الله عليه: الخوف والرجاء زمامان للنفوس لئلا تخرج إلى رعوناتها لأنه لا يعطى بالرجاء ولا يدفع بالخوف. وقال أيضًا: الخوف ظلم يتحير صاحبها تحتها يطلب المخرج، فإذا جاء الرجاء بضيائه خرج إلى مواضع الراحة فغلب عليه التمنى. قال أحمد بن يسع السجزى: مَن عَبَدَ اللهَ بالخوف دون الرجاء وقع فى بحر الحيرة ومن عَبَد الله بالمحبة دون الخوف والرجاء وقع فى بحر التعطيل، ومن عَبَد الله بالخوف والرجاء والمحبة نال الاستقامة فى الدين. وقال أبو العباس بن عطاء رحمة الله عليه فى قوله: {يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً}. قال: قوم يدعونه خوفًا من سخطه وطمعًا فى ثوابه. والأوساط يدعونه خوفًا من اعتراض الكدورة فى المحبة وصفاء المعرفة، والأجِلَّة يدعونه خوفًا من قطعه وطمعًا فى دوام الوداد لأن الخوف من شرائط الإيمان. وقال بعضهم خوف الهيبة وطمع المحبة. وقال أبو سعيد الخراز: سألت بعض العارفين عن الخوف فقال: أشتهى أن أرى رجلاً يدرى أيش الخوف فإن أكثر الخائفين خافوا على أنفسهم لا من الله وشفقة على أنفسهم وعملوا فى خلاصها من الله والخائفون خافوا لحظوظهم والخائف من الله العزيز. وقال الحسن: خوف الأنبياء والأولياء وأرباب المعارف خوف التسليط وخوف الملائكة خوف مكر الله وخوف العامة خوف تلف النفس والرجاء والطمع عين التهمة.
القشيري
تفسير : في الظاهر: عن الفِراش قياماً بحقِّ العبادة والجهد والتهجد. وفي الباطن: تتباعد قلوبُهم عن مضاجعات الأحوال، ورُؤية قَدّرِ النفس، وتوَّهُمِ المقَام - فإن ذلك بجملته حجابٌ عن الحقيقة، وهو للعبد سُمِّ قاتل - فلا يساكَنون أعمالَهم ولا يلاحظون أحوالَهم. ويفارقون مآلِفَهم، ويَهجرون في الله معَارفَهم. والليل زمان الأحباب، قال تعالى: {أية : لِتَسْكُنُواْ فِيهِ}تفسير : [يونس: 67]: يعني عن كلّ شُغل وحديثِ سوء حديث محبوبكم. والنهارُ زمانُ أهل الدنيا، قال تعالى: {أية : وَجَعَلْنَا ٱلنَّهَارَ مَعَاشاً}تفسير : [النبأ: 11]، أولئك قال لهم: {أية : فَإِذَا قُضِيَتِ ٱلصَّلاَةُ فَٱنتَشِرُواْ فِي ٱلأَرْضِ}تفسير : [الجمعة: 10]. إذا ناجيتمونا في ركعتين في الجمعة فعودوا إلى متجركم، واشتغلوا بحرفتكم. وأما الأحبابُ فالليلُ لهم إِمَّا في طرَب التلاقي وإما في حَرَب الفراقِ، فإن كانوا في أُنْسِ القرابة فَلَيْلَهُم أقصرُ من لحظة، كما قالوا: شعر : زارني مَنْ هَوَيْتُ بعد بعادٍ بوصال مُجَدَّدٍ وودادِ ليلة كاد يلتقي طرفاها قِصَراً وهي ليلة الميعادِ تفسير : وكما قالوا: شعر : وليلةٍ زَيْنُ ليالي الدهر قابلتُ فيها بدرها ببدر لم تَسْتَبِن عنْ شققٍ وفجرِ حتى تولَّت وهي بِكْرُ الدهر تفسير : وأمَّا إن كان الوقتُ وقتَ مقاساةِ فُرقة وانفرادٍ بكُرْبة فَلَيْلُهم طويل، كما قالوا: شعر : كم ليلةٍ فيك لا صباحَ لها أفْنَيْتُها قابضاً على كبدي قد غُصَّت العينُ بالدموع وقد وضعتُ خدي على بنان يدي تفسير : قوله: {يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً} [السجدة: 16]: قومٌ خوفاً من العذاب وطمعاً في الثواب، وآخرون خوفاً من الفراقِ وطمعاً في التلاقي، وآخرون خوفاً من المكر وطمعاً في الوَصْلِ. {وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ}: يأتون بالشاهد الذي خصصناهم به؛ فإنْ طَهَّرْنا أحوالَهم عن الكدورات حضروا بأحوالٍ مُقَدَّسة، وإِنْ دَنَّسَّا أوقاتهم بالآفاتِ شهدوا بحالاتٍ مُدَنَّسَة، {وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ}؛ فالعبدُ إنما يتجر في البضاعة التي يودعها لديه سَيِّدُه: شعر : يفديكَ بالروح صَبٌّ لو يكون له أعزّ من روحه شيء فداك به
البقلي
تفسير : قوله تعالى {تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمْ عَنِ ٱلْمَضَاجِعِ} وصف سبحانه اهل وده ومحبته وعشقه وشوقه الذين اذا ناموا ناموا بالحق من كمال سكرهم واذا انتبهوا من ركضة الام حزن فوت وصاله ولذيذ مناجاته فانصرف جنوبهم عن مضاجعهم بغير اختيارهم كان الارض القتهم من نفسها وذلك مما ينشكف لهم من استار الملك والملكوت ويظهر لهم انوار مشاهدة الحق وينفخ ابواب قربه ووصاله ثم زاد فى وصفهم بقوله {يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً} خوفا من هجرانه واجلالا لجلاله طمعا فى وصاله {وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ} يعنى يبذلون ارواحهم واشباحهم لله ثم ذكر ما يجازيهم من جمال قربه وكشف لقائه بقوله {فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّآ أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ} قوة اعينهم انوار جماله وجلاله وذلك جزاء احتراقهم فى حبه بقوله {جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} قال سهل فى قوله تتجافى جنوبهم عن المضاجع ان الله وهب لقوم هبة وهوان أذن لهم فى مناجاته وجعلهم من اهل وسيلته وصوفته وخبرته ثم مدحهم على ذلك اظهارا لكرامته بانه وقفتهم بما وقفتهم له فقال تتجافى فى جنوبهم عن المضاجع وقال ابن عطا جفت جنوبهم وابت ان تسكن على بساط الغفلة وطلب بساط القربة والمناجاة وانشد شعر : جفت عينى عن التغميض حتى كان جفونها عن قصار كان جفونه سلمت بشوك فليس لنومه فيها قرار اقول وليتنى تزداد طولا ايا ليل لقد بعد النهار تفسير : وقال جعفر خوفا منه وطمعا فيه وقال بعضهم خوفا من القطيعة وطمعا فى الوصلة وقال ابن عطا -----اعينهم بما سبق لهم من حسن الموافقة مع ربهم وقال سهل قرت اعينهم بما شاهد وامن ظاهر الحقائق وباطنها الذى كشف لهم من علم المكاشفة مراده وتمسكوا به فقرت بذلك اعينهم وسكنت اليه قلوبهم وقال الجنيد تجافت جنوب العارفين عن انفسهم وتقطعت قلوبهم للحق وجنبت اسرارهم بالصدق قال محمد بن على الباقر تجافت جنوب الزهاد من نعيم الدنيا لما وجد وامن حلاوة نعيم العقبى وجنوب العارفين عن التدبير والاختيار فاستقروا على احكام الرضا وقال ابن عطا اخفى لهم من مبارزة ما يعجز النفوس من التفكر فيها فلن تامنها قال الاستاذ اما الاحباب فالليل لهم اما طرب فى التلاقى او طرب الفراق فان كانوا فى انس القربة فليلهم اقصر من الحظة كما قالوا شعر : زارنى من هويت بعد بعاد بوصال مجدد وواد تفسير : وان كان الموقت وقت مقاساة فرقة والفراد بكونه فليلهم طويل كما قالوا شعر : كم ليلة فيك لاصباح لها افنيتها قابضا على كبدى قد عصت العين بالدموع وقد وصفت خدى على بنان يدى تفسير : وقال خوفاً من العذاب وطمعا فى الثواب وأخرون خوفا من الفراق وطمعا فى التلاقى.
اسماعيل حقي
تفسير : {تتجافى جنوبهم} استئناف لبيان بقية محاسن المؤمنين. والتجافى النبوّ والبعد اخذ من الجفاء فان من لم يوافقك فقد جافاك وتجنب وتنحى عنك والجنوب جمع جنب وهو شق الانسان وغيره. والمعنى ترتفع وتتنحى اضلاعهم {عن المضاجع} اى الفرش ومواضع النوم جمع مضجع كمقعد بمعنى موضع الضجوع اى وضع الجنب على الارض: وبالفارسية [دور ميشود بهلوهاى ايشان از خوابكهها] وفى اسناد التجافى الى الجنوب دون ان يقال يجافون جنوبهم اشارة الى ان حال اهل اليقظة والكشف ليس كحال اهل الغفلة والحجاب فانهم لكمال حرصهم على المناجاة ترتفع جنوبهم عن المضاجع حين ناموا بغير اختيارهم كان الارض القتهم من نفسها واما اهل الغفلة فيتلاصقون بالارض لا يحركهم محرك {يدعون ربهم} حال من ضمير جنوبهم اى داعين له تعالى على الاستمرار {خوفا} من سخطه وعذابه وعدم قبول عبادته {وطمعا} فى رحمته قال عليه السلام فى تفسير الآية قيام العبد من الليل يعنى انها نزلت فى شأن المتهجدين فان افضل الصيام بعد شهر رمضان صيام شهر الله المحرم وافضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل. قال الكاشفى [جون برده شب فرو كذارند وجهانيان سربر بالين غفلت بنهند ايشان بهلو از بستر كرم وفراش نرم تهى كرده برقدم نياز بايستند ودر شب در از باحضرت خداوند را ز كويند. از سهيل يمنى يعنى اويس قرنى رضى الله عنه منقولست كه درشبى ميكفت "هذه ليلة الركوع" وبيك ركوع بسر مى برد ودرشبى ديكر ميفر مودكه "هذه ليلة السجود" وبيك سجده بصبح ميرسانيد كفتند اى اويس جون طاقت طاعت دارى سبب جيست كه شبها بدين درازى بريك حال مى كذرانى كفت كجاست شب دزازى كاشكى ازل وابد يكشب بودى تابيك سجده بآخر بردمى دران سجده نالهاى زار وكريهاى بيشمار كردمى] شعر : به نيم شب كه همه مست خواب خوش باشند من وخيال تو ونالهاى درد آلود تفسير : وفى الحديث "حديث : عجب ربنا من رجلين رجل ثار عن وطائه ولحافه من بين احبته واهله الى صلاته فيقول الله تعالى لملائكته انظروا الى عبدى ثار عن فراشه ووطائه من بين احبته واهله الى صلاته رغبة فيما عندى واشفاقا مما عندى ورجل غزا فى سبيل الله فانهزم مع اصحابه فعلم ما عليه من الانهزام وماله فى الرجوع فرجع حتى اهريق دمه فيقوالله لملائكته انظروا الى عبدى رجع رغبة فيما عندى واشفاقا مما عندى حتى اهريق دمه" تفسير : وفى الحديث "حديث : ان فى الجنة غرفا يرى ظاهرها من باطنها وباطنها من ظاهرها اعدها الله لمن ألان الكلام واطعم الطعام وتابع الصيام وصلى بالليل والناس نيام" تفسير : قال ابن رواحة رضى الله عنه يمدح النبى عليه السلام شعر : وفينا رسول الله يتلو كتابه اذا انشق معروف من الفجر ساطع ارنا الهدى بعد العمى فقلوبنا به موقنات ان ما قال واقع يبيت جافى جنبه عن فراشه اذا استثقلت بالكافرين المضاجع تفسير : وفى الحديث "حديث : اذا جمع الله الاولين والآخرين جاء مناد بصوت يسمع الخلائق كلهم سيعلم اهل الجمع اليوم من اولى بالكرم ثم يرجع فينادى ليقم الذين تتجافى جنوبهم عن المضاجع فيقومون وهم قليل ثم يرجع فيقول ليقم الذين يحمدون الله فى السراء والضراء فيقومون وهم قليل فيسرحون جميعا الى الجنة ثم يحاسب سائر الناس " تفسير : واعلم ان قيام الليل من علو الهمة وهو وهب من الله تعالى فمن وهب له هذا فليقم ولا يترك ورد الليل بوجه من الوجوه. قال ابو سليمان الدارانى قدس سره نمت عن وردى فاذا انا بحوراء تقول يا ابا سليمان تنام وانا اربى لك فى الخيام منذ خمسمائة عام. وعن الشيخ ابى بكر الضرير رضى الله عنه قال كان فى جوارى شاب حسن الوجه يصوم النهار ولا يفطر ويقول الليل ولا ينام فجاءنى يوما وقال لى يا استاذ انى نمت عن وردى الليلة فرأيت كأن محرابى قد انشق وكأنى بجوار قد خرجن من المحراب لم ار احسن اوجها منهن واذا فيهن واحدة شوهاء لم ار اقبح منها منظرا فقلت لمن انتن ولمن هذه فقلن نحن لياليك التى مضين وهذه ليلة نومك فلومت فى ليلتك هذه لكانت هذه حظك ثم انشأت الشوهاء تقول شعر : اسأل لمولاك وارددنى الى حالى فانت قبحتنى من بين اشكالى لا ترقدن الليالى ما حييت فان نمت الليالى فهن الدهر امثالى تفسير : فاجابتها جارية من الحسان تقول شعر : ابشر بخير فقد نلت الغنى ابدا فى جنة الخلد فى روضات جنات نحن الليالى اللواتى كنت تسهرها تتلو القرآن بترجيع ورنات ابشر وقد نلت ما ترجوه من ملك بر يجود بافضال وفرحات غدا تراه تجلى غير محتجب تدنى اليه وتحظى بالتحيات تفسير : قال ثم شهق شهقة خرميتا رحمه الله تعالى. وفى آكام المرجان ظهر ابليس ليحيى عليه السلام فقال له يحيى هل قدرت منى على شئ قال لا الامرة واحدة فانك قدّمت طعاما لتأكله فلم ازل اشهيه اليك حتى اكلت منه اكثر مما تريد فنمت تلك الليلة فلم تقم الى الصلاة كما كنت تقوم اليها فقال له يحيى لا جرم لا شبعت من طعام ابدا قال له الخبيث لا جرم لا نصحت آدميا بعدك شعر : باندازه خور زاد اكرمردمى جنين برشكم آدمى ياخمى ندارند تن بروران آكهى كه برمعده باشد زحكمت تهى تفسير : {ومما رزقناهم} اعطيناهم من المال {ينفقون} فى وجوه الخير والحسنات. قال بعضهم هذا عام من الواجب والتطوع وذلك على ثلاثة اضرب زكاة من نصاب ومواساة من فضل وايثار من قوت شعر : بدونيك را بذل كن سيم وزر كه آن كسب خيراست وآن دفع شر از آن كس كه خيرى بماند روان دمادم رسد رحمتش بر روان تفسير : {فلا تعلم نفس} من النفوس لا ملك مقرب ولا نبى مرسل فضلا عمن عداهم {ما اخفى لهم} اى لاولئك الذين عددت نعوتهم الجليلة من التجافى والدعاء والانفاق ومحل الجملة نصب لا تعلم سدت مسد المفعولين {من قرة اعين} مما تقربه اعينهم اذا رأوه وتسكن به انفسهم. وقال الكاشفى [از روشنى جشمها يعنى جيزى كه بدان جشمها روشن كردد] وفى الحديث "حديث : يقول الله تعالى اعددت لعبادى الصالحين مالا عين رأت ولا اذن سمعت ولا خطر على قلب بشر بل ما اطلعتم عليه اقرأوا ان شئتم فلا تعلم نفس ما اخفى لهم من قرة اعين" تفسير : {جزاء بما كانوا يعملون} اى جزوا جزاء بسبب ما كانوا يعملون فى الدنيا من اخلاص النية وصدق الطوية فى الاعمال الصالحة [بزركى فرموده كه جون عمل بنهان ميكردند جزا نيز بنهانست تاجنانجه كس را برطاعت ايشان اطلاع نبود كسى را نيز بمكافاة ايشان اطلاع نباشد] شعر : روزى كه روم همره جانان بجمن نه لا له وكل بينم ونه سرو وسمن زيرا كه ميان من واو كفته شود من دانم واو داند واو داند ومن تفسير : وفى التأويلات النجمية {تتجافى جنوبهم عن المضاجع} عن مضاجع الدارين وتتباعد قلوبهم عن مضاجعات الاحوال فلا يساكنون اعمالهم ولا يلاحظون احوالهم ويفارقون مآلفهم ويهجرون فى الله معارفهم يدعون ربهم بربهم لربهم خوفا من القطيعة والابعاد {وطمعا} فى القربات والمواصلات {ومما رزقناهم} من نعمة الوجود {ينفقون} ببذل المجهود فى طلب المفقود وليردّ اليهم بالجود ما اخفى لهم من النقود كما قال تعالى {فلا تعلم} الخ. وفى الحقيقة ان ما اخفى لهم انما هو جمالهم فقد اخفى عنهم لعينهم فان العين حق. فاعلم انه ما دام ان تكون عينكم الفانية باقية يكون جمالكم الباقى مخفيا عنكم لئلا تصيبه عينكم فلو طلع صبح سعادة التلاقى وذهب بظلمة البين من البين وتبدلت العين بالعين فذهب الجفاء وظهر الخفاء ودام اللقاء كما اقول شعر : مذ جاء هواكم ذاهبا بالبين لم يبق سوى وصالكم فى البين ما جاء بغير عينكم فى عينى والآن محت عينكمولى عينى تفسير : وبقوله {جزاء بما كانوا يعملون} يشير الى ان عدم علم كل نفس بما اخفى لهم وحصول جهلهم به انما كان جزاء بما كانوا يعملون بالاعراض عن الحق لاقبالهم على طلب غير الله وعبادة ما سواه انتهى
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جل جلاله: {تتجافى} أي ترتفع وتتنحى {جُنُوبهم عن المضاجع}؛ عن الفُرش ومواضع النوم للصلاة والذكر. قال سهل: وَهَب لقوم هِبَةً، وهو أن أَذِن لهم في مناجاته، وجعلهم من أهل وسيلته ثم مدحهم عليه فقال: ( {تتجافى جنوبهم عن المضاجع} )، {يَدْعُونَ} أي: داعين {ربَّهم خوفاً}، أي: لأجل خوفهم من سخطه {وطمعاً} في رحمته، وهم المجتهدون أو المتفكرون في الليل. وسيأتي في الإشارة. وعن النبي صلى الله عليه وسلم في تفسيرها: "هو قيامُ العبد من الليل". وعن ابن عطاء: أبت جنوبهم أن تسكن على بساط الغفلة، وطلبت بساط القربة، وعن أنس: كان أناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلون من صلاة المغرب إلى صلاة العشاء الأخيرة، فنزلت فيهم. وقال ابن عمر رضي الله عنه: قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : من عَقَب - أي: أحيا - ما بين المغرب والعشاء؛ بُني له في الجنة قصران مسيرة عام، وفيهما من الشجر ما لو نزلهما أهل المشرق والمغرب لأوسعهم فاكهة. وهي صلاة الأوابين وغفلة الغافلين. وإن من الدعاء المستجاب الذي لا يُرد: الدعاء بين المغرب والعشاء"تفسير : . هـ. وقيل: هم الذين يَصلُّونَ العَتَمَةَ، ولا ينامون عنها. {ومما رزقناهم ينفقون} في طاعة الله، يعني: أنهم جمعوا بين قيام الليل وسخاوة النفس. {فلا تعلم نفس ما أُخْفِيَ لهم من قُرة أعين} أي: لا يعلم أحد ما أعد الله لهم من الكرامة، مما تقرّ به العينُ من نعيم الأشباح ونعيم الأرواح. وقرأ حمزة ويعقوب: "أَخْفَى"؛ على المضارع. {جزاء بما كانوا يعملون}، وعن الحسن: في القوم أعمالهم في الدنيا؛ فأخفى الله لهم ما لا عين رأت، ولا أذنٌ سمعت، ولا خطر على قلب بشر. وفيه دليل على أن المرادَ الصلاةُ في جوف الليل؛ ليكون الجزاء وفاقاً. قاله النسفي. وفي حديث أسماء، عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : إذَا جَمَعَ الله الأَوَّلِينَ والآخِرِين، يوم القيامة، جاء مُنَادٍ يُنادِي بصوت يسمعه الخلائق كلهم: سيعلم أهل الجمع، اليوم، مَنْ أَوْلَى بالكرم، ثم يرجع فينادي: ليقم الذين كانت لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله، فيقومون، وهم قليل. ثم يرجع فينادي: ليقم الذين كانوا يحمدون الله في السراء والضراء، فيقومون، وهم قليل، يسرحون جميعاً إلى الجنة. ثم يحاسب سائر الناس"تفسير : . وفي البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : يقول الله - عز وجل -: أعددتُ لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر" تفسير : قال أبو هريرة: واقرؤوا، إن شئتم: {فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين}. وقال في "البدور السافرة": أخرج الترمذي، عن أبي سعيد الخدري؛ عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إنَّ في الجّنَّة مَائَةَ دَرَجَةٍ، لَوْ أَنَّ العَالَمِينَ اجتَمَعُوا في إحدَاهُنَّ لَوَسعَتْهُمُ"تفسير : . هـ. وقال ابن وهب: أخبرني عبد الرحمن بن زياد أنه سمع عُتبة بن عُبيد، الضبي، يذكر عمن حدَّثه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إن في الجنة مائة درجة، بين كل درجتين ما بين السماء والأرض، أول درجة منها دورُها وبيوتها وأبوابها وسرُرُها ومغاليقها، من فضة، والدرجة الثانية: دورها وبيوتها وسُرُرها ومغاليقها من ذهب، والدرجة الثالثة: دورها وبيوتها وأبوابها وسُرُرها ومغاليقها من ياقوت ولؤلؤ وزبرجد. وسَبْع وتسعون درجة، لا يعلم ما هي إلا الله تعالى"تفسير : . هـ. وقيل: المراد بقرة الأعين: النظر إلى وجه الله العظيم. قلت: قرة عين كل واحد: ما كان بغيتَه وهِمَّته في الدنيا، فمن كانت همته القصور والحور، أعطاه ما تقر به عينه من ذلك، ومن كانت بغيته وهمته النظرة، أعطاه ما تقر به عينه من ذلك، على الدوام. قال أبو سليمان: شتان بين مَنْ هَمُّهُ القصور والحور، ومن همه الحضور ورفعُ الستور. جعلنا الله من خواصهم. آمين. الإشارة: قوم تتجافى جنوبهم عن المضاجع الحسية إلى العبادة الحسية، وهم العُبّاد والزهاد من الصالحين، فلا تعلم نفس ما أُخفي لهم؛ من نعيم القصور، والحور، والولدان، وغير ذلك. وقوم تتجافى قلوبهم عن مضاجع نوم الغفلة إلى حال الانتباه واليقظة، وعن مضاجع الرغبة إلى حال العفة والحرية، ثم عن مضاجع الفَرْقِ، إلى حال الجمع، ثم من الجمع إلى جمع الجمع. فهؤلاء على صلاتهم دائمون، وفي حال نومهم عابدون، وعلى كل حال إلى ربهم سائرون، وفي معاريج بحر عرفانهم سائحون، فلا تعلم نفس ما أُخفي لهؤلاء من دوام النظرة، والعكوف في الحضرة، واتصال الحبرة. فعبادة هؤلاء قلبية، سرية؛ خفية عن الكرام الكاتبين، بين فكرة وشهود، وعبرة واستبصار، الذرة منها تعدل أمثال الجبال من أعمال الجوارح، وقد ورد: (تفكر ساعة أفضل من عبَادَةِ سَبْعينَ سَنَة). هذا تفكر الاعتبار، وأما تفكر الشهود والاستبصار، فكل ساعة، أفضل من ألف سنة، كما قال الشاعر: شعر : كُلُّ وَقْتٍ مِنْ حَبِيبِي قَدْرُهُ كَأَلْفِ حَجّه تفسير : أي: سنة، ومع هذا لا يُخلون أوقاتهم من العبادة الحسية، شكراً، وقياماً بآداب العبودية، وهي في حقهم كمال، كما قال الجنيد: عبادة العارفين تاج على الرؤوس. هـ. وفي مثل هؤلاء ورد الخبر: "حديث : إن أهل الجنة بينما هم في نعيمهم، إذ سطع عليهم نور من فَوق، أضاءت منه منازلهم، كما تضيء الشمس لأهل الدنيا، فنظروا إلى رجالٍ مِنْ فوقهم، أهل عليين يرونهم كما يُرى الكوكب الدري في أفق السماء، وقد فُضِّلُوا عليهم في الأنوار والنعم، كما فضل القمر على سائر النجم، فينظرون إليهم، يطيرون على نجب، تسرح بهم في الهواء، يزورون ذا الجلال الإكرام، فينادون هؤلاء: يا أخواننا، ما أنصفتمونا، كنا نُصلي كما تُصلون، ونصوم كما تصومون، فما هذا الذي فضلتمونا به؟ فإذا النداء من قِبل الله تعالى: كانوا يجوعون حين تشبعون، ويعطشون حين تروون، ويعرون حين تكسون، ويذكرون حين تسكتون، ويبكون حين تضحكون، ويقومون حين تنامون، ويخافون حين تأمنون، فلذلك فُضِّلوا عليكم اليوم" تفسير : . فذلك قوله تعالى: "فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون". هـ. قال القشيري: (تتجافى جنوبهم عن المضاجع)، في الظاهر، عن الفراش، قياماً بحقِّ العبادة والجهد والتِهجد، وفي الباطن: بِتَبَاعُدِ قلوبِهم عن مضاجعات الأحوال، ورؤية قَدرِ النفس، وتوهم المقام؛ لأن ذلك بجملته، حجابٌ عن الحقيقة، وهو للعبد سُمٌّ قاتل، فلا يساكنون أعمالهم، ولا يلاحظون أحوالهم، ويفارقون مآلِفَهم، ويَهجُرون معارفهم. والليل زمان الأحباب، قال الله تعالى: {أية : لِتَسْكُنُواْ فِيهِ}تفسير : [القصص:73] يعني: عن كلّ شُغل وحديث سوى حديث معبودكم ومحبوبكم، والنهارُ زمان أهل الدنيا. قال الله تعالى: {أية : وَجَعَلْنَا ٱلنَّهَارَ مَعَاشاً}تفسير : [النبأ:11].. انظر بقية كلامه. ثم بيّن أن من كان في نور الطاعة والاحسان ليس كمن كان في ظلمة الكفر والعصيان، فقال: {أَفَمَن كَانَ مُؤْمِناً كَمَن...}
الطوسي
تفسير : قرأ {أخفي} باسكان الياء حمزة ويعقوب. الباقون - بفتح الياء - من سكن الياء جعله فعلا مستقبلا وحجته قراءة عبد الله {ما تخفي لهم} ومن فتح جعله فعلا ماضياً على ما لم يسم فاعله، فعلى قراءة حمزة (ما) نصب مفعول به، وعلى ما في القرآن إن موضع (ما) رفع بما لم يسم فاعله. والله فاعله و {قرة أعين} شيء أعده الله لعباده لم يطلعهم عليه في دنياهم، كما قال النبي صلى الله عليه وآله "حديث : هو ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر" تفسير : وصف الله تعالى المؤمنين الذين ذكرهم في الآية الأولى في هذه الآية بأن قال: وهم الذين لا يستنكفون عن عبادته {تتجافى جنوبهم عن المضاجع} أي يرتفعون عن مواضعهم التي ينامون عليها فالتجافي تعاطي الارتفاع عن الشيء، ومثله النبو يقال جفا عنه يجفو جفاء إذا نبا عنه. وتجافى عنه يتجافى تجافياً، واستجفاه استجفاء والمضجع موضع الاضجاع، والاضطجاع هو القاء النفس {يدعون ربهم} أي داعين ربهم الذي خلقهم وأوجدهم {خوفاً} من عذابه يسألونه المغفرة {وطمعاً} في ثوابه. وانتصب {خوفاً، وطمعاً} على انه مفعول له أي للخوف وللطمع {ومما رزقناهم ينفقون} في طاعة الله وسبيل ثوابه. ووجه المدح بذلك أن هؤلاء المؤمنين يقطعهم اشتغالهم بالدعاء لله عن طيب المضطجع لما يأملون به من الخير والبركة من الله تعالى، لأن آمالهم مصروفة اليه، واتكالهم في أمورهم عليه، وقال الشاعر في التجافي: شعر : وصاحبي ذات هباب دمشق وابن ملاط متجاف ادفق تفسير : أي متنح عن كركرتها، وقال أنس وقتادة: انه مدح قوماً كانوا يتنفلون بين المغرب والعشاء. وقال الضحاك: انهم كانوا يذكرون الله بالدعاء والتعظيم وقال قتادة: {خوفاً} من عذاب الله {وطمعاً} في رحمة الله {ومما رزقناهم ينفقون} في طاعة الله. وقال ابو جعفر، وابو عبد الله عليهما السلام الآية متناولة لمن يقوم إلى صلاة الليل عن لذيذ مضجعه وقت السحر، وبه قال معاذ والحسن ومجاهد. وقال عبد الله بن رواحة في صفة النبي صلى الله عليه وآله: شعر : يبيت يجافي جنبه عن فراشه إذا استثقلت بالمشركين المضاجع تفسير : ثم قال تعالى {فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين} تحتمل (ما) في قوله {ما أخفي} أن تكون بمعنى الذي ويكون موضعها النصب، ويحتمل أن تكون بمعنى (أن) ويكون موضعها الرفع، وتكون الجملة في موضع نصب، والمعنى ليس يعلم أحد كنه ما أعد الله لهؤلاء المؤمنين الذين تقدم وصفهم من انواع اللذات والاشياء التي تقرّ أعينهم بها على كنه معرفتها. وقولهم قرت عيناه أي فرحها الله. لأن المستبشر الضاحك يخرج من عينه ماء بارد من شؤونه. والباكي جزعاً يخرج من عينيه ماء سخن من الكبد، ومنه قولهم: سخنت عينه - بكسر الخاء - {جزاء بما كانوا يعملون} من الطاعات في دار التكليف، وانما نفى العلم عنهم مع أن المؤمن يعلم أنه مستحق للثواب، لان العلم بالشيء يكون من وجهين: احدهما - ان يعلم الشيء على طريق الجملة، وهو الذى يحصل للمؤمن في دار التكليف. والآخر - ان يحصل على طريق التفصيل، وذلك موقوف على مشاهدتهم للثواب الذي يرونه عند زوال التكليف وحضور الثواب. ثم قال تعالى {أفمن كان مؤمناً} مصدقا بالله عارفاً به وبأنبيائه عاملا بما اوجبه الله عليه وندبه اليه {كمن كان فاسقاً} خارجاً عن طاعة الله بارتكاب معاصيه على وجه الانكار لذلك، فلذلك جاء به على لفظ الاستفهام، ثم اخبر تعالى بأنهم {لا يستوون} قط، لان منزلة المؤمن الثواب وانواع اللذات، ومنزلة الفاسق العذاب وفنون العقاب. ثم فسر ذلك بما قال بعده فقال {أما الذين آمنوا} بالله وصدقوه وصدقوا أنبياءه {وعملوا الصالحات} وهي الطاعات مع ذلك {فلهم جنات المأوى} فالمأوى المقام اي لهم هذه البساتين التي وعدهم الله بها يأوون اليها {نزلاً بما كانوا يعملون} أي في مواضع لهم ينزلون فيها مكافأة لهم على طاعاتهم التي عملوها. وقال الحسن: {نزلاً} أي عطاء نزلوه {وأما الذين فسقوا} بخروجهم عن طاعة الله إلى معاصيه {فمأواهم النار} يأوون اليها نعوذ بالله منها {كلما أرادوا أن يخرجوا منها} أي كلما كادوا وهموا بالخروج منها لما يلحقهم من العذاب {أعيدوا فيها} أي ردوا فيها وقال الحسن: كلما كادوا الخروج منها لانها ترميهم بلهبها ضربوا بمقامع حتى يعودوا فيها، وقيل: لهم مع ذلك على وجه التقريع والتبكيت {ذوقوا عذاب النار الذي كنتم به تكذبون} اي العذاب الذي كنتم به تجحدون في دار الدنيا ولا تصدقون به. وقال ابن ابي ليلى: نزلت الآية في رجل من قريش وعلي عليه السلام وقال غيره: إن هذه الآيات نزلت في علي ابن أبي طالب عليه السلام والوليد بن عقبة بن ابي معيط، فالمؤمن المراد به علي عليه السلام والفاسق هو الوليد بن عقبة، روي انه لقيه يوماً فقال لعلي: انا أبسط منك لساناً واحد منك سناناً، فقال علي: عليه السلام ليس كما قلت يا فاسق. فنزل قوله {أفمن كان مؤمناً كمن كان فاسقاً....} فقال قتادة: والله ما استووا، لا في الدنيا ولا في الآخرة ولا عند الموت.
صدر المتألهين الشيرازي
تفسير : "التجافي عن المضاجع" ظاهراً، تنحّي أبدانهم عن الفراش ومواضع النوم لصلاة الليل، لأنهم المتهجدون بالليل القائمون عن مواضعهم للصلاة، عن الحسن ومجاهد وعطا، وهو المروي عن أبي جعفر وابي عبد الله (عليه السلام). وباطناً تنحي أرواحهم بحسب قواهم العملية عن الغواشي الطبيعية والشواغل الجسمية، التي تلي الجنبة السافلة منها، والقيام عن المضاجع البدنية والخروج عن عالم الأجسام بقطع التعلقات ومحو الآثار، أو عن عالم الإمكان بمحو الصفات. روى الواحدي باسناده حديث : عن معاذ بن جبل "قال: بينا نحن مع رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) في غزوة تبوك، وقد أصابنا الحر فتفرق القوم، فإذا رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) أقربهم مني، فدنوتُ منه فقلت: يا رسول الله! أنبئني بعمل يدخلني الجنة ويباعدني من النار. قال: سألت عن عظيم، وانه ليسير على من يسّره الله تعالى عليه، تعبد الله ولا تشرك به شيئاً، وتقيم الصلاة المكتوبة، وتؤدي الزكاة المفروضة، وتصوم رمضان. قال: وان شئت أنبأتك بأبواب الجنة؟ قال: قلت: أجل يا رسول الله. قال: الصوم جُنة، والصدقة تكفّر الخطيئة، وقيام الرجل في جوف الليل يبتغي وجه الله تعالى - ثم قرأ هذه الآية -" . تفسير : وقيل: نزلت في الذين لا ينامون حتى يصلّوا العشاء الآخرة. وعن أنس: نزلت فينا معاشر الأنصار، كنا نصلي المغرب فلا نرجع إلى رحالنا حتى نصلي العشاء الآخرة مع رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم). وقيل: هم الذين يصلون ما بين المغرب والعشاء الآخرة، وهي صلاة الأوّابين. وأما دعاؤهم ربهم: فهو توجههم إلى التوحيد ومقام العندية، وعبادتهم بمقتضى العبودية خوفاً من سخط الله والتردي في مهوى الطرد والبعد، أو من جهة الاحتجاب بصفات النفس، وطمعاً في بقاء ذاته - ان كان من المقرّبين -، وفي رحمة الله وجناته، - ان كان من أهل العمل -. وعن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم): "حديث : إذا جمع الله الأولين والآخرين يوم القيامة، جاء مناد ينادي بصوت يسمع الخلائق كلهم: سيعلم أهل الجمع من أولى بالكرم. ثم يرجع فينادي: ليَقُم الذين كانت تتجافى جنوبهم عن المضاجع، فيقومون وهم قليل. ثم يرجع فينادي: ليقم الذين كانوا يحمدون الله في البأساء والضرّاء، فيقومون وهم قليل، فَيُسَرّحون جميعاً إلى الجنة، ثم يحاسب سائر الناس ". تفسير : وأما إنفاقهم مما رُزقوا: فهو إيتاؤهم الزكاة من المال، وتعليمهم المعارف والحقائق على أهل الاستعداد.
الجنابذي
تفسير : {تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمْ عَنِ ٱلْمَضَاجِعِ} من جفا السّرج عن فرسه رفعه {يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ} قد مضى صدر الآية فى سورة الاعراف وذيلها فى اوّل البقرة، عن الباقر (ع) فى هذه الآية انّه قال: لعلّك ترى انّ القوم لم يكونوا ينامون، لا بدّ لهذا البدن ان تريحه حتّى يخرج نفسه فاذا خرج النّفس استراح البدن ورجع للرّوح قوّة على العمل، قال نزلت فى امير المؤمنين (ع) واتباعه من شيعتنا ينامون فى اوّل اللّيل فاذا ذهب ثلثا اللّيل او ما شاء الله فزعوا الى ربّهم راغبين مرهبين طامعين فيما عنده فذكر الله فى كتابه فأخبركم بما اعطاهم انّه اسكنهم فى جواره وادخلهم جنّته وآمنهم خوفهم واذهب رعبهم، وفى خبرٍ عن الصّادق (ع) فى هذه الآية انّه قال: لا ينامون حتّى يُصلّوا العتمة.
اطفيش
تفسير : {تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ المَضَاجِعِ} التجافي التباعد تتباعد جنوبهم عن المضاجع اي تتركها اي لا ينامون الا قليلا والجنوب جمع جنب وهو الايمن من كل انسان فان المؤمن ينام على جنبه الايمن والانبياء على ظهروهم والشياطين على وجوههم وبطونهم وقال الزجاج وغيره: التجافي التنحي الى فوق قال عياض وهو قول حسن والمضاجع جمع مضجع اسم مكان الاضطجاع والنوم والاية في سهر الليل كما قال الحسن ومجاهد ومالك والاوزاعي يسهره المؤمنون بالصلاة النفلية وهو مذهب الجمهور ورجحه الزجاج لان فيه اخفاء العمل وعن ابي هريرة ان عبدالله بن رواحة رضى الله عنه قال. شعر : وفينا رسول الله يتلوا كتابه اذا انشق معروف من الفجر ساطع ارانا الهدى بعد العمى قلوبنا به موقنات ان ما قال واقع يبيت يجافي جنبه عن فرارشه اذا استثقلت بالكفارين المضاجع "حديث : وقال معاذ بن جبل: يا رسول الله اخبرني بعمل يدخلني الجنة ويباعدني من النار؟ قال: لقد سألت عن عظيم وإِنه ليسير على من يسر الله تعالى عليه تعبد الله ولا تشرك به شيئا وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت ـ ثم قال ـ ألا ادلك على ابواب الخير؟ الصوم جنة والصدقة تطفىء الخشية كما يطفىء الماء النار وصلاة الرجل في جوف الليل ثم تلا {تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ} ـ الى ـ {يعملون} ثم قال: ألا أخبرك برأس الامر وعموده وذروة سنامه؟ الجهاد ـ ثم قال: ألا أخبرك بملاك ذلك كله؟ قلت: بلى يا رسول الله فأخذ بلسانه قال: كف عليك هذا. قلت يا رسول الله وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ قال: ثكلتك أمك وهل يكب الناس في النار على وجوههم إلا حصائد ألسنتهم أو قال: على مناخرهم "تفسير : وذلك في سفرة سافرها معاذ رضي الله عنه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: اصبحت قريبا منه وهو يسير. فقلت له: يا رسول الله اخبرني بعمل والى اخر ما مر. وقد قيل: ان ذلك في غزوة تبوك زمان الحر وقد اشار الشيخ هود رحمه الله في هذا الحديث. وعن ابي امامة الباهلي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : عليكم بقيام الليل فانه دأب الصالحين من قبلكم وقربة الى ربكم وتكفير للسيئات ومنهاة عن الآثام ومطردة للداء عن الجسد ". تفسير : وعن ابن مسعود رضي الله عنه عجب ربنا من رجلين أي رضي فعلهما رجل ثار عن وطائه ولحافه من بين اهله الى صلاته فيقول الله عز وجل لملائكته: (انظروا الى عبدي ثار عن فراشه ووطائه وأهله الى صلاته رغبة فيما عندي وشفقا مما عندي ورجل غزا في سبيل الله فانهزم مع اصحابه فعلم ما عليه في الانهزام وماله في الرجوع فرجع حتى اريق دمه فيقول الله تعالى لملائكته: انظروا الى عبدي رجع رغبة فيما عندي وشفقة مما عندي حتى اريق دمه. وعن ابي هريرة عن الرسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : أفضل الصيام بعد شهر رمضان شهر الله المحرم وأفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل " تفسير : وكان صلى الله عليه وسلم يقوم الليل حتى تتورم قدماه فقالت عائشة رضي الله عنها: لم تصنع هذا يا رسول الله فقد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر قال: " حديث : أفلا أكون عبدا شكورا ". تفسير : وعن علي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : إِن في الجنة غرفا يرى باطنها من ظاهرها وظاهرها من باطنها أعدها الله لمن ألان الكلام وأطعم والطعام وتابع الصيام وصلى بالليل والناس نيام "تفسير : ذكر بعض ذلك الثعالبي وغيره ورأيت الخازن ذكر الكل وهكذا كثيرا ما أنقل كلاما من محله من الكتب فأجد الخازن نقله وربما ظان اني نقلت منه وليس كذلك. وقال ابن مسعود: التوراة مكتوب على الله (للذين تتجافى جنوبهم عن المضاجع ما لا عين رأت ولا اذن سمعت ولا خطر على قلب بشر) وقال صلى الله عليه وسلم " حديث : إِذا جمع الأَولين والآخرين يوم القيامة جاء مناد ينادي بصوت يسمع الخلائق كلهم سيعلم اليوم اهل الجمع من اولى بالكرم ثم يرجع فينادي ليقم الذين تتجافى جنوبهم عن المضاجع فيقومون وهم قليل ثم ينادي ليقم الذين يحمدون الله في البأساء والضراء فيقومون وهم قليل فيسرحون جميعا الى الجنة ثم يحاسب سائر الناس " . تفسير : وقال انس بن مالك: كان ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلون من صلاة المغرب الى صلاة العشاء فنزل منه {تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَن المَضَاجِعِ} ذكره الشيخ هود وفي رواية قال انس: نزلت فينا معاشر الانصار كنا نصلي المغرب فلا نرجع الى رحالنا حتى نصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. وممن قال المراد صلاة ما بينهما وهي صلاة الأوابين ابو حازم ومحمد بن المنكندر. وعن ابن عباس: ان الملائكة لتحف بالذين يصلون بين المغرب والعشاء وانها صلاة الأوابين. وعن انس: نزلت في انتظار العشاء. وعن عطاء: نزلت في الذين ينامون حتى يصلون العشاء في جماعة ثم ينامون ويصلون الفجر في الجماعة. وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من صلى العشاء والفجر في جماعة فكأنما صلى الليل كله ". تفسير : وعنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : لو يعلمون ما في العتمة والصبح لاتوهما ولو حبوا ". تفسير : {يَدْعُونَ} حال او مستأنف وكذا تتجافى جنوبهم وقال ابو البقاء هذا حال ويدعون حال او مستأنف. {رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً} من سخطه او طمعا في رضائه. وعن ابن عباس: خوفا من النار وطمعا في الجنة والنصب على التعليل أي لأجل الخوف والطمع أو الحالية اي خائفين وطامعين او ذوي خوف وطمع او هم نفس الخوف والطمع مبالغة او مفعول مطلق ليدعون مضمنا معنى الخوف والطمع أو المحذوف وذلك المحذوف حال اي يخافون او خائفين خوفا ويطمعون او طامعين طمعا. {وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمٍ يُنفِقُونَ} عام في النفقة الواجبة والتطوع وقيل المراد الزكاة.
اطفيش
تفسير : {تَتَجافى جُنوبهم عن المضَاجع} مستانفة لبيان بقية محاسنهم، او حال من واو ولا يستكبرون، اى لا يستكبرون وهم متصفون بتجافى الجنوب، او حال من واو سبحوا، و خبر ثان لقوله: {هم} والتجافى التباعد جدا، والجنب الشق الايمن والشق الايسر، لأن الغالب النوم عليهما لا على الظهر، ولا على البطن، وان شئت فكأن جنوبهم جفت المضاجع، كأنها تعاديها، والمضاجع مواضع الضجع اى الامتداد للنوم، وذلك كناية عن ترك النوم الى الاشتغال بصلاة النفل ليلا. قال معاذ: كنت مع النبى صلى الله عليه وسلم فى سفر فأصبحت يوما قريبا منه ونحن نسير، فقلت: يا نبى الله اخبرنى بعمل يدخلنى الجنة، ويباعدنى من النار، قال: "حديث : لقد سألت عن عظيم وإنه ليسير على من يسره الله له، تعبد الله ولا تشرك به شيئاً، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت"تفسير : ثم قال: "حديث : ألا أدلك على أبواب الخير: الصوم جنة والصدقة تطفئ الخطيئة، وصلاة الرجل في جوف الليل، ثم قرأ {تتجافى جنوبهم} حتى بلغ {يعملون} "تفسير : الى آخر الحديث رواه احمد والترمذى والنسائى، وابن ماجه والطبرى، والحاكم والبيهقى، وفيه ان عمود الاسلام الصلاة، وذروته الجهاد. ويروى عليكم بقيام الليل فانه دأب الصالحين قبلكم، وقربة الى ربكم، وتكفير للسيئات، ومنهاة عن الآثام، ومطردة الداء عن الجسد، وعن أبى الدرداء: الآية ان يصلى العشاء والصبح فى جماعة، وعن الحسن ان لا ينام حتى يصلى العشاء، كما روى عن انس انها انتظار صلاة العشاء، وعنه: كنا معشر الانصار نصلى المغرب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلا نرجع الى رحالنا حتى نصلى العشاء مع النبى صلى الله عليه وسلم، وقيل: ان يصلى بعد المغرب الى العشاء، وعن انس: نزلت فى المهاجرين الأولين، يصلون من المغرب الى العشاء، رواه مالك بن دينار رضى الله عنه، عن انس عن ابن عباس: ان الملائكة ليحفون بمن يصلى بين المغرب والعشاء، وانها صلاة الأوابين، وفى الصحيحين: "حديث : لو علموا ما في العتمة والصبح أى الجماعة لأتوهما ولو حبواً"تفسير : وروى انها نزلت فى قوم من الانصار يصلون من المغرب الى العشاء. {يَدعُون ربَّهم} يسألونه المغفرة والجنة، وقيل: يصلون خبر آخر او حال او مستأنف {خوفا وطَمَعاً} خائفين، وطامعين او ذوى خوف وطمع، او لأجل خوف او طمع، او يخافون خوفا، ويطمعون طمعا او خائفين خوفاً، وطامعين طمعا {وممَّا رَزَقناهم} من المال وصحة البدن والعلم والجاه {يُنفقون} فى كل وجه من وجوه الخير بحسب ما أمكن لهم.
الالوسي
تفسير : وقوله تعالى: {تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمْ عَنِ ٱلْمَضَاجِعِ } جملة مستأنفة لبيان بقية محاسنهم. وجوز أن تكون حالية أو خبراً ثانياً للمبتدأ، والتجافي البعد والارتفاع؛ والجنوب جمع جنب الشقوق، وذكر / الراغب أن أصل الجنب الجارحة ثم يستعار في الناحية التي تليها كعادتهم في استعارة سائر الجوارح لذلك نحو اليمين والشمال، و {ٱلْمَضَاجِعِ } جمع المضجع أماكن الاتكاء للنوم أي تتنحى وترتفع جنوبهم عن مواضع النوم وهذا كناية عن تركهم النوم ومثله قول عبد الله بن رواحة يصف النبـي صلى الله عليه وسلم:شعر : نبـي تجافى جنبه عن فراشه إذا استثقلت بالمشركين المضاجع تفسير : والمشهور أن المراد بذلك التجافي القيام لصلاة النوافل بالليل وهو قول الحسن ومجاهد ومالك والأوزاعي وغيرهم، وفي الأخبار الصحيحة ما يشهد له، أخرج أحمد والترمذي وصححه والنسائي وابن ماجه ومحمد بن نصر في «كتاب الصلاة» وابن جرير وابن أبـي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في «شعب الإيمان» عن معاذ بن جبل قال: «حديث : كنت مع النبـي صلى الله عليه وسلم في سفر فأصبحت يوماً قريباً منه ونحن نسير فقلت: يا نبـي الله أخبرني بعمل يدخلني الجنة ويباعدني من النار؟ قال: لقد سألت عن عظيم وأنه يسير على من يسره الله تعالى عليه تعبد الله ولا تشرك به شيئاً وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت ثم قال: ألا أدلك على أبواب الخير؟ الصوم جنة والصدقة تطفىء الخطيئة وصلاة الرجل في جوف الليل ثم قرأ {تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمْ عَنِ ٱلْمَضَاجِعِ } حتى بلغ {يعملون}»تفسير : [السجدة: 16-17] الحديث. وقال أبو الدرداء وقتادة والضحاك هو أن يصلي الرجل العشاء والصبح في جماعة، وعن الحسن وعطاء هو أن لا ينام الرجل حتى يصلي العشاء، أخرج الترمذي وصححه وابن جرير وغيرهما عن أنس قال: إن هذه الآية {تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمْ عَنِ ٱلْمَضَاجِعِ } نزلت في انتظار الصلاة التي تدعي العتمة، وفي رواية أخرى عنه أنه قال فيها: نزلت فينا معاشر الأنصار كنا نصلي المغرب فلا نرجع إلى رحالنا حتى نصلي العشاء مع النبـي صلى الله عليه وسلم، وقيل: هو أن يصلي الرجل المغرب ويصلي بعدها إلى العشاء، فقد أخرج عبد الله بن أحمد في «زوائد الزهد» وابن عدي وابن مردويه عن مالك بن دينار قال: سألت أنس بن مالك عن هذه الآية {تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمْ عَنِ ٱلْمَضَاجِعِ } قال: كان قوم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من المهاجرين الأولين يصلون المغرب ويصلون بعدها إلى عشاء الآخرة فنزلت هذه الآية فيهم، وقال قتادة وعكرمة: هو أن يصلي الرجل ما بين المغرب والعشاء؛ واستدل له بما أخرجه محمد بن نصر عن عبد الله بن عيسى قال: كان ناس من الأنصار يصلون ما بين المغرب والعشاء فنزلت فيهم {تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمْ عَنِ ٱلْمَضَاجِعِ }. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال في الآية: تتجافى جنوبهم لذكر الله تعالى كلما استيقظوا ذكروا الله عز وجل إما في الصلاة وإما في قيام أو قعود أو على جنوبهم لا يزالون يذكرون الله تعالى، وروى نحوه هو. ومحمد بن نصر عن الضحاك والجمهور عولوا على ما هو المشهور، وفي فضل التهجد ما لا يحصى من الأخبار وأفضله على ما نص عليه غير واحد ما كان في الأسحار. {يَدْعُونَ رَبَّهُمْ } حال من ضمير {جُنُوبُهُمْ } وقد أضيف إليه ما هو جزء، وجوز على احتمال كون جملة {تَتَجَافَىٰ } الخ حالية أن تكون حالاً ثانية مما جعلت تلك حالاً منه وعلى احتمال كونها خبراً ثانياً للمبتدأ أن تكون خبراً ثالثاً، وجوز كونها مستأنفة، والظاهر أن المراد بدعائهم ربهم سبحانه المعنى المتبادر، وقيل: المراد به الصلاة {خَوْفًا } أي خائفين من سخطه تعالى وعذابه عز وجل وعدم قبول عبادتهم {وَطَمَعًا } / في رحمته تبارك وتعالى فالمصدران حالان من ضمير {يَدَّعُونَ } وجوز أن يكونا مصدرين لمقدر أي يخافون خوفاً ويطمعون طمعاً وتكون الجملة حينئذٍ حالاً، وأن يكونا مفعولاً له ولا يخفى أن الآية على الحالية أمدح. {وَمِمَّا رَزَقْنَـٰهُمْ } إياه من المال {يُنفِقُونَ } في وجوه الخير.
د. أسعد حومد
تفسير : {رَزَقْنَاهُمْ} (16) - وَهُمْ يَهْجُرونَ مَضَاجِعَهُمْ لِيَقُومُوا في اللِّيلِ إِلى الصَّلاةِ والنَّاسُ نِيَامٌ، وَلِيَدْعُوا رَبَّهُمْ تَضَرُّعاً إِليهِ، وَخَوْفاً مِنْ سَخطِهِ وَطَمَعاً فِي عَفْوِهِ عَنْهُمْ، وَمَغْفِرَتِهِ لَهُمْ، وَيُنْفِقُونَ مِمَّا رَزَقَهُمُ مِنْ مَالٍ. (حديث : وَقَالَ الرَّسُولُ صلى الله عليه وسلم تَتَجَافَى جنُوبُهُمْ عَنِ المَضَاجِعِ هِي قِيامُ العَبْدِ أَوَّلَ اللَّيلِ ). تفسير : تَتَجَافى - تَرْتَفِعُ وَتَتَنَحَّى لِلعِبَادَةِ. المَضَاجِعِ - الفُرُشِ التي يُضْطَجَعُ عَلَيها.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : التجافي يعني الترك، لكن الترك قد يكون معه شوق ويصاحبه ألم، كما تودع حبيباً وتتركه وأنت غير زاهد فيه ولا قَالٍ له، أما الجفوة فترك فيه كراهية للمتروك، فهؤلاء المؤمنون الذين يتركون مضاجعهم كأن جنوبهم تكره المضجع وتجفوه؛ لأنها تتركه إلى لذة أبقى وأعظم هي لذة الاتصال بالله ومناجاته. ونذكر هنا إن الإمام علياً رضي الله عنه حينما ذهب ليدفن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم رضي الله عنها وقف عند قبر رسول الله وقال: السلام عليك يا سيدي يا رسول الله، قَلَّ عن صفيتك صبري، ورقَّ عنها تجلُّدي، إلا أن لي في التعزي بعظيم فُرْقتك وفادح مصيبتك موضع تأسٍّ - يعني: الذي تحمَّل فَقْدك يا رسول الله يهون عليه أيُّ فَقْد بعدك - فلقد وسدتُك يا رسول الله في ملحودة قبرك، وفاضت بين سَحْري ونَحْري نفسك، أما ليلي فمُسهَّد، وأما حزني فَسَرْمَد، إلى أنْ يختار الله لي دارك التي أنت بها مقيم، هذا وستخبرك ابنتك عن حال أمتك وتضافرها على هضمها ... فَأصْغِها السؤال، واستخبرها الحال، هذا ولم يَطلُّ منك العهد، ولم يخْلُ منك الذكر. ثم لما أراد أنْ ينصرف عن قبر حبيبه قال: والسلام عليك سلام مُودِّع، لا قال ولا سئم، فإنْ انصرف فلا عن ملالة، وإنْ أُقِم فلا عن سوء ظنَّ بما وعد الله به عباده الصابرين. فقوله تعالى: {تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمْ عَنِ ٱلْمَضَاجِعِ ..} [السجدة: 16] أي: تكرهها وتجفوها، مع أنها أعزُّ ما يركن إليه الإنسان عند راحته، فالإنسان حين تدبّ فيه الحياة، ويستطيع أنْ تكون له قوة ونشاط يعمل في الحياة، فالعمل فرع وجود الحياة، وبالقوة يمشي، وبالقوة يحمل الأثقال. فإذا ما أتعبه الحِمْل وضعه عن نفسه ليستريح، لكنه يستطيع أن يمشي بدون حمل، فإنْ أتعبه المشي وقف، فإذا أتعبه الوقوف جلس؛ لذلك يحدث أن تقول لصاحبك: لو سمحت احمل عني هذا الحِمْلَ فيقول: يا شيخ، هل أنا قادر أن أحمل نفسي؟ إذن: التعب في هذه الحالة ناشئ من ثِقَل الجسم على القدمين فيتعبه الوقوف، ألاَ ترانا إذا أطال الإمام في الصلاة مثلاً نراوح بين القدمين مرة على هذه، ومرة على هذه، أما القعود فيريح الإنسان؛ لأنه يُوسِّع دائرة العضو المحتمل، فثِقَل الجسم في حالة القعود يُوزَّع على المقعدة كلها، فإذا بلغ به التعب حداً بحيث أتعبه القعود فإنه يستلقي على جنبه، ويمد جسمه كله على الأرض فيتوزع الثقل على كل الأعضاء، فلا يحمل العضو إلا ثقله فقط. فإنْ شعر الإنسان بتعب بعد هذا كله تقلَّب على جنبه الآخر أو على ظهره، هذه كلها ألوان من الراحة لجسم الإنسان، لكنه لا يرتاح الراحة الكاملة إلا إذا استغرق في النوم، ويُسمُّون هذا التسلسل متواليات عضلية. والدليل على أن النوم راحة تامة أنك لا تشعر فيه بالألم الذي تشعر به حال اليقظة - إنْ كنت تتألم من مرض مثلاً - وهذه كلها متواليات يمر بها المؤمن، وبالتالي إذا مات استراح أكثر، ثم إذا بُعِث يوم القيامة ارتاح الراحة الكبرى، فهي مراحل نمرُّ بها إلى أنْ نرتمي في حضن خالقنا عز وجل. إذن: فالمضاجع آخر مرحلة في اليقظة، ولم تأْتِ إلا بعد عدة مراحل من التعب، ومع ذلك شوق المؤمنين إلى ربهم ورغبتهم في الوقوف بين يديه سبحانه يُنسيهم هذه الراحة، ويُزهِّدهم فيها، فيجفونها ليقفوا بين يدي الله. وفي موضع آخر قال تعالى عنهم: {أية : كَانُواْ قَلِيلاً مِّن ٱللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ} تفسير : [الذاريات: 17] ثم يقول سبحانه: {يَدْعُونَ رَبَّهُمْ ..} [السجدة: 16] أي: يدعون ربهم وهم على حال التعب، كأن الدعاء مجرد الدعاء يريحهم، لماذا ولم يُجَابوا بعد؟ قالوا: لأنهم وضعوا حاجاتهم وطلبهم عند قادر على الإنفاذ، ثم إن حلاوة لقائهم بربهم في الصلاة تُنسيهم التعب الذي يعانون. والمؤمنون يدعون ربهم {خَوْفاً وَطَمَعاً ..} [السجدة: 16] أي: خوفاً مما حدث منهم من تقصير في حق الله، وأنهم لم يُقدِّموا لله تعالى ما يستحق من التقوى ومن الطاعة {وَطَمَعاً ..} [السجدة: 16] أي: في المغفرة {وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ} [السجدة: 16] والمراد هنا الزكاة. لذلك نرى في قوله تعالى: {تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمْ عَنِ ٱلْمَضَاجِعِ ..} [السجدة: 16] أن هذا التجافي كان بقصد الصلاة؛ لأن القرآن عادةً ما يقرن بالصلاة بالزكاة، فقال بعدها: {وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ} [السجدة: 16].
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمْ عَنِ ٱلْمَضَاجِعِ} معناه تَتَنحّى وتَرتفعُ.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : ثم وصف الساجدين لأنهم بأي خصوصية سجدوا له {تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمْ عَنِ ٱلْمَضَاجِعِ} [السجدة: 16] جنوب همهم عن مضاجع الدارين وتتباعد قلوبهم عن مضاجعات الأحوال فلا يسلكون أعمالهم ولا يلاحظون أحوالهم ويفارقون مألوفهم، ويهجرون في الله معارفهم {يَدْعُونَ رَبَّهُمْ} بربهم {خَوْفاً} عن القطيعة والإبعاد {وَطَمَعاً} في القربات والمواصلات {وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ} [السجدة: 16] من نعمة الوجود ينفقون ببذل المجهود في طلب المفقود ليرد إليهم بالجود ما أخفى لهم من النقود. كما قال تعالى: {فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّآ أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ} [السجدة: 17] وفي الحقيقة أن ما أخفى لهم إنما هو جمالهم فقد أخفى عنهم لعينهم، فإن العين حق فاعلم أنه ما دام أن تكون عينكم الفانية باقية يكون جمالكم الباقي مخفياً عنكم لئلا تصيبه عينكم فلو طلع صبح سعادة التلاقي، ويذهب بظلمة الشين من البين، وتبدلت العين بالعين فذهب الجفاء وظهر الخفاء ودام اللقاء، كما أقول: شعر : قد جَاء هواكمُ وذهبَ بالبينِ لم يبق سوى وصالكمُ في البينِ ما جاء بغير عينكم في عيني والآن تحت عينكم لي عيني تفسير : وبقوله: {جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} [السجدة: 17] يشير إلى عدم علم كل نفس بما أخفى لهم وحصول جهلهم به إنما كان جزاء بما كانوا يعملون بالإعراض عن الحق؛ لإقبالهم على طلب غير الله وعبادة ما سواه {أَفَمَن كَانَ مُؤْمِناً} [السجدة: 18] بطلب الحق {كَمَن كَانَ فَاسِقاً} بطلب ما سوى الحق {لاَّ يَسْتَوُونَ} الطالبون لله والبطالون عن الله. {أَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} [السجدة: 19] بطلب الحق تعالى {وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ} بالإقبال على الله والإعراض عما سواه {فَلَهُمْ جَنَّاتُ ٱلْمَأْوَىٰ نُزُلاً بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} يعني: أن جنات هي مأوى الأبرار ومنزلهم تكون لهم نزلاً للمقربين السائرين إلى الله وأما مأواهم ومنزلهم ففي {أية : فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ}تفسير : [القمر: 55]. {وَأَمَّا ٱلَّذِينَ فَسَقُواْ} [السجدة: 20] خرجوا عن سبيل الرشاد ووقعوا في بين البعد والإبعاد {فَمَأْوَاهُمُ ٱلنَّارُ كُلَّمَآ أَرَادُوۤاْ أَن يَخْرُجُواُ مِنْهَآ أُعِيدُواْ فِيهَا} [السجدة: 20] لأنهم في هذه الصفة عاشوا وفيها ماتوا فعليها حشروا وذلك أن دعاة الحق كانوا في الدنيا ينصحون لهم أن يخرجوا من أسفل الطبيعة بحبل الشريعة ورعاية أدب الطريقة حملهم الشوق الروحاني على التوجه إلى الوطن الأصلي العلوي، فلما عزموا على الخروج من الدركات الشهوية أدركتهم الطبيعة النفسانية الحيوانية السفلية وأمادتهم إلى أسفل الطبيعة {وَقِيلَ لَهُمْ} [السجدة: 20] يوم القيامة {ذُوقُواْ عَذَابَ ٱلنَّارِ ٱلَّذِي كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ} [السجدة: 20] لأنكم وإن كنتم معذبين في الدنيا، ولكن ما كان لكم الشعور بالعذاب لخلل حواسكم الأخروية ولو كنتم تدون ذوق العذاب لانتهيتم من الأعمال الموجبة لعذاب النار، كما أنكم لما ذقتم ألم عذاب النار في الدنيا احترزتم عنها غاية الاحتراز.
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير : 771 : 1 - حدثنا أبو حذيفة ثنا سفين عن أبان بن أبي عياش عن أنس ابن مالك في قوله {تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمْ عَنِ ٱلْمَضَاجِعِ} قال، ما بين المغرب والعشاء. [الآية 16].
النسائي
تفسير : قوله تعالى: {تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمْ عَنِ ٱلْمَضَاجِعِ} [16] وقوله تعالى: {فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّآ أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ} [17] 414 - أنا محمد بن عبد الأعلى، نا محمد بن ثورٍ، عن معمرٍ عن عاصمٍ، عن أبي وائلٍ، عن مُعاذ بن جبلٍ، قال: حديث : كُنتُ مع النبي صلى الله عليه وسلم فأصبحتُ قريباً منه ونحنُ نسير فقلتُ: يا نبيَّ الله أخبرني بعملٍ يُدخلني الجنة ويُبعدُني عن النار قال: "لقد سألت عن/ عظيمٍ وإنه ليسيرٌ على من يسرهُ الله عليه. تُقيمُ الصلاة، وتُؤتي الزكاة، وتصومُ رمضان، وتحُجُ البيتَ، ثم قال: ألا أدُلُّكَ على أبواب الخير، الصومُ جُنَّةٌ، والصدقةُ تُطفيء الخطيئة كما يُطفيء الماءُ النارَ، وصلاةُ الرجل من جوف الليلِ، ثُم تلا {تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمْ عَنِ ٱلْمَضَاجِعِ} حتى { يَعْمَلُونَ} ثم قال: ألا أُخبرك برأسِ الأمر وعمودِهِ وذِروَةِ سَنَامِهِ [قلتُ: بلى يا رسول الله، قال: "رأسُ الأمرِ الإسلامُ، وَعَمُودُهُ الصلاةُ وذِرْوَةُ سَنَامِهِ] الجهادُ"، ثم قال: "ألا أخبرك بملاكَ ذلك كُلِّهِ؟" قُلتُ: بلى يا رسول الله، فأخذ بلسانِهِ فقال: "كُفَّ عليك هذا" قلتُ: يا رسول الله وإنَّا لَمُؤَاخَذُونَ بما نتكلمُ به؟ قال: "ثكلتك أُمك يا مُعاذُ، وهل يَكُبُّ الناس في النار على وُجُوهِهِمْ - أو قال على مناخِرِهِمْ - إلاَّ حَصائِدُ ألْسِنَتِهِمْ ".
همام الصنعاني
تفسير : 2301- حدّثنا عبد الرزاق، عن الثَّوْري، عن جويبر، عن الضحاك، في قوله: {تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمْ}: [الآية: 16]، قال: كانوا إذا استيقظوا ذكروا الله وكبروا. 2302- حدُّنا عبد الرزاق، عن معمر، عن عاصم بن أبي النجود، عن أبي وائل، عن معاذ بن جبل في قوله: {تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمْ عَنِ ٱلْمَضَاجِعِ}: [الآية: 16]، قال: كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر فأصبحت يَوْماً قريباً منه ونحن نسير، فقلت: يا رسول الله، أخبرني بعملٍ يُدخلني الجنة ويُباعدني من النَّارِ؟ قال: "حديث : لقد سألت عَنْ عظِيمٍ، وإنه لَيَسِيرٌ عَلَى مَنْ يَسَّرَهُ الله عَلَيْهِ، تعبد الله ولا تشرك به شيئاً، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصُومَ رمضان، وتحج البيت"تفسير : ثم قال: "حديث : ألا أدلك على أبوا الخير: الصوم جُنَّة، والصدقة تطفيء الخطيئة، وصلاة الرجحل من جوف الليل"تفسير : . ثم قَرَأ {تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمْ} حتى {يَعْمَلُونَ}: [الآية: 17]، ثم قال: "حديث : ألا أُخْبِرُكَ برأس الأمر وعموده وذروة سنامه"تفسير : فقلت بلى يا رسول الله، قال: "حديث : رأس الأمر الإِسلام، وعموده: الصلاة، وذروة سنامه الجهاد"تفسير : ثم قال: "حديث : ألا أخبرك بملاك ذلك كله"تفسير : قلت: بلى يا رسول الله، فأخذ بلسانه ثم قال: "حديث : كُفَّ عليك هذا"تفسير : فقلت: يا رسول الله، أو إِنَّا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ فقال: "حديث : ثكلتك أمك يا مُعاذ، وَهَلْ يَكُبُّ الناس في النار على وجوههم أو على مناخرهم إلاَّ حصائدُ ألسنتهم ". تفسير : 2303- حدّثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، عن الحسن، في قوله: {تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمْ عَنِ ٱلْمَضَاجِعِ}: [الآية: 16] قال: الصَّلاةُ مِنَ اللَّيْلِ. 2304- حدّثنا عبد الرزاق، عن معمر قال: تلا قتادة: {فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّآ أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ}: [الآية: 17]، قال، قال الله: "حديث : أعددت لعبادي ما لا عََيْنٌ رأت، ولا أُذُنٌ سمِعَتْ، ولا خطر على قلب بشر ". تفسير : 2305- حدّثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن همام بن منبه، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):