٣٢ - ٱلسَّجْدَة
32 - As-Sajda (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
17
Tafseer
الرازي
تفسير : يعني مما تقر العين عنده ولا تلتفت إلى غيره يقال إن هذا لا يدخل في عيني، يعني عيني تطلع إلى غيره، فإذا لم يبق تطلع للعين إلى شيء آخر لم يبق للعين مسرح إلى غيره فتقر جزاء بحكم الوعد، وهذا فيه لطيفة وهي أن من العبد شيئاً وهو العمل الصالح، ومن الله أشياء سابقة من الخلق والرزق وغيرهما وأشياء لاحقة من الثواب والإكرام، فلله تعالى أن يقول جزاء الإحسان إحسان، وأنا أحسنت أولا والعبد أحسن في مقابلته، فالثواب تفضل ومنحة من غير عوض، وله أن يقول جعلت الأول تفضلاً لا أطلب عليه جزاء، فإذا أتى العبد بالعمل الصالح فليس عليه شيء لأني أبرأته مما عليه من النعم فكان هو آتياً بالحسنة ابتداء، وجزاء الإحسان إحسان، فأجعل الثواب جزاء كلاهما جائز، لكن غاية الكرم أن يجعل الأول هبة ويجعل الثاني مقابلاً وعوضاً لأن العبد ضعيف لو قيل له بأن فعلك جزاء فلا تستحق جزاء، وإنما الله يتفضل يثق ولكن لا يطمئن قلبه، وإذا قيل له الأول غير محسوب عليك والذي أتيت به أنت به باد ولك عليه استحقاق ثواب يثق ويطمئن ثم إذا عرف أن هذا من فضل الله فالواجب من جانب العبد أن يقول فعلى جزاء نعم الله السابقة ولا أستحق به جزاء، فإذا أثابه الله تعالى يقول الذي أتيت به كان جزاء، وهذا ابتداء إحسان من الله تعالى يستحق حمداً وشكراً فيأتي بحسنة فيقول الله إني أحسنت إليه جزاء فعله الأول وما فعلت أولا لا أطلب له جزاء فيجازيه ثالثاً فيشكر العبد ثالثاً فيجازيه رابعاً وعلى هذا لا تنقطع المعاملة بين العبد والرب، ومثله في الشاهد اثنان تحابا فأهدى أحدهما إلى الآخر هدية ونسيها والمهدي إليه يتذكرها فأهدى إلى المهدي عوضاً فرآه المهدي الأول ابتداء لنسيانه ما أهداه إليه فجازاه بهدية فقال المحب الآخر ما أهديته كان جزاء لهديته السابقة، وهذه هدية ما عوضتها فيعوض ويعوض عنه المحب الآخر ويتسلسل الأمر بينهما ولا ينقطع التهادي والتحاب، بخلاف من أرسل إلى واحد هدية وهو يتذكرها فإذا بعث إليه المهدي إليه عوضاً يقول المهدي هذا عوض ما أهديت إليه فيسكت ويترك الإهداء فينقطع، واعلم أن التكاليف يوم القيامة، وإن ارتفعت لكن الذكر والشكر والعبادة لا ترتفع بل العبد يعبد ربه في الجنة أكثر مما يعبده في الدنيا، وكيف لا وقد صار حاله مثل حال الملائكة الذين قال في حقهم { أية : يُسَبّحُونَ ٱلْلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ لاَ يَفْتُرُونَ } تفسير : [الأنبياء: 20] غاية ما في الباب أن العبادة ليست عليهم بتكليف بل هي بمقتضى الطبع ومن جملة الأسباب الموجبة لدوام نعيم الجنة هذا وكيف لا وخدمة الملوك لذة وشرف فلا تترك وإن قرب العبد منه بل تزداد لذتها.
القرطبي
تفسير : قرأ حمزة: «مَّا أُخْفِي لَهُمْ» بإسكان الياء. وفتحها الباقون. وفي قراءة عبد الله «مَا نُخْفِي» بالنون مضمومة. وروى المفضّل عن الأعمش «ما يُخْفَى لَهُمْ» بالياء المضمومة وفتح الفاء. وقرأ ابن مسعود وأبو هريرة: «من قُرّات أعين». فمن أسكن الياء من قوله: «ما أخفي» فهو مستقبل وألفه ألف المتكلم. و«ما» في موضع نصب بـ«ـأخفي» وهي استفهام، والجملة في موضع نصب لوقوعها موقع المفعولين، والضمير العائد على «ما» محذوف. ومن فتح الياء فهو فعل ماضٍ مبني للمفعول. و«ما» في موضع رفع بالابتداء، والخبر «أخفي» وما بعده، والضمير في «أخفي» عائد على «ما». قال الزجاج: ويقرأ «مَا أَخْفَى لَهُمْ» بمعنى ما أخفى الله لهم؛ وهي قراءة محمد بن كعب، و«ما» في موضع نصب. المهدوِيّ: ومن قرأ: «قرّات أعين» فهو جمع قُرّة، وحَسُن الجمع فيه لإضافته إلى جمع، والإفراد لأنه مصدر، وهو اسم للجنس. وقال أبو بكر الأنبارِيّ: وهذا غير مخالف للمصحف؛ لأن تاء «قُرّة» تكتب تاء على لغة من يجري الوصل على الوقف؛ كما كتبوا (رحمت الله) بالتاء. ولا يُستنكر سقوط الألف من «قُرات» في الخط وهو موجود في اللفظ؛ كما لم يستنكر سقوط الألف من السموات وهي ثابتة في اللسان والنطق. والمعنى المراد: أنه أخبر تعالى بما لهم من النعيم الذي لم تعلمه نفس ولا بشر ولا مَلَك. وفي معنى هذه الآية: قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : قال الله عز وجل أعْدَدْتُ لعبادي الصالحين ما لا عيْن رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ـ ثم قرأ هذه الآية ـ {تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمْ عَنِ ٱلْمَضَاجِعِ ـ إلى قوله ـ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ}» تفسير : خرجه الصحيح من حديث سهل بن سعد الساعديّ. وقال ابن مسعود: في التوراة مكتوب: على الله للذين تتجافى جنوبهم عن المضاجع ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خَطَر على قلب بشر. وقال ابن عباس: الأمر في هذا أجلّ وأعظم من أن يُعرف تفسيره. قلت: وهذه الكرامة إنما هي لأعلى أهل الجنة منزلاً؛ كما جاء مبيَّناً في صحيح مسلم عن المغيرة بن شُعبة يرفعه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : سأل موسى عليه السلام ربّه فقال: يا ربِّ ما أدنى أهل الجنة منزلةً قال: هو رجل يأتي بعدما يدخل أهل الجنة الجنة فيقال له ادخل الجنة فيقول أيْ ربّ كيف وقد نزل الناس منازلهم وأخذوا أَخَذَاتهم فيقال له أترضى أن يكون لك مثلُ مُلْك مَلِك من ملوك الدنيا فيقول رضيتُ ربِّ فيقول لك ذلك ومثله ومثله معه ومثله ومثله ومثله ومثله فقال في الخامسة رضيت رَبّ فيقال هذا لك وعشرة أمثاله ولك ما اشتهت نفسك ولذّت عينك فيقول رضيتُ رَبّ قال رَبِّ فأعلاهم منزلةً قال أولئك الذين أردتُ غَرَسْتُ كرامتهم بيدي وخَتمتُ عليها فلم تر عين ولم تسمع أذن ولم يَخْطر على قلب بشر ـ قال ـ ومصْداقُه من كتاب الله قوله تعالى: {فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّآ أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ}تفسير : . وقد روي عن المغيرة موقوفاً قوله. وخرّج مسلم أيضاً عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : يقول الله تبارك وتعالى أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ذُخْراً بَلْهَ ما أَطْلَعَكُمْ عليه ـ ثم قرأ ـ {فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّآ أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ}»تفسير : . وقال ابن سيرين: المراد به النظر إلى الله تعالى. وقال الحسن: أخفى القوم أعمالاً فأخفى الله تعالى لهم ما لا عين رأت ولا أذن سمعت.
المحلي و السيوطي
تفسير : {فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّآ أُخْفِىَ } خُبِّىء {لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ } ما تقرّ به أعينهم. وفي قراءة بسكون الياء مضارع {جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ }.
ابن عبد السلام
تفسير : {مَّآ أُخْفِىَ} للذين تتجافى جنوبهم، أو للمجاهدين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. مأثور، أو هو جزاء قوم أخفوا عملهم فأخفى الله تعالى ما أعده لهم، أو زيادة تَحَفِّ من الله ليست في جناتهم يكرمون بها في مقدار كل يوم من أيام الدنيا ثلاث مرات، أو زيادة نعيمهم وسجود الملائكة لهم.
الخازن
تفسير : قوله عز وجل: {فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين} أي مما تقربه أعينهم فلا يلتفتون إلى غيره قال ابن عباس هذا مما لا تفسير له وقيل أخفوا أعمالهم فأخفى الله ثوابهم {جزاء بما كانوا يعملون} أي من الطاعات في دار الدنيا (ق) عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : يقول الله تبارك وتعالى أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر واقرؤوا إن شئتم: فلا تعلم نفس ما أخفي لم من قرة أعين"تفسير : . قوله تعالى {أفمن كان مؤمناً كمن كان فاسقاً لا يستوون} نزلت في علي بن أبي طالب والوليد بن عقبة بن أبي معيط، كان بينهما تنازع وكلام في شيء، فقال الوليد لعلي اسكت فإنك صبي وأنا شيخ وإني أبسط منك لساناً، وأحد منك سناناً وأشجع منك جناباً وأملأ منك حشواً في الكتيبة، فقال له علي اسكت فإنك فاسق، فأنزل الله هذه الآية وقوله لا يستوون أراد جنس المؤمنين وجنس الفاسقين ولم يرد مؤمناً واحداً ولا فاسقاً واحداً {أما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم جنات المأوى} أي التي يأوي إليها المؤمنون {نزلاً} هو ما يهيأ للضيف عند نزوله {بما كانوا يعملون} يعني من الطاعات في دار الدنيا {وأما الذين فسقوا فمأواهم النار كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها وقيل لهم ذوقوا عذاب النار الذي كنتم به تكذبون}. قوله تعالى: {ولنذيقنهم من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر} أي سوى العذاب الأكبر، قال ابن عباس العذاب الأدنى مصائب الدنيا وأسقامها، وعنه أنه الحدود وقيل هو الجوع بمكة حتى أكلوا الجيف والعظام والكلاب سبع سنين، وقال ابن مسعود هو القتل بالسيف يوم بدر والأكبر هو عذاب جهنم {لعلهم يرجعون} أي إلى الإيمان يعني من بقي منهم بعد القحط وبعد بدر {ومن أظلم} أي لا أحد أظلم {ممن ذكر بآيات ربه} أي بدلائل وحدانيته وإنعامه عليه {ثم أعرض عنها} أي ترك الإيمان بها {إنا من المجرمين} يعني المشركين {منتقمون} معناه أنهم لما لم يرجعوا بالعذاب الأدنى فإنا منهم منتقمون بالعذاب الأكبر. قوله تعالى {ولقد آتينا موسى الكتاب} أي التوراة {فلا تكن في مرية} أي في شك {من لقائه} أي من لقاء موسى ليلة المعراج، قاله ابن عباس (ق) عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : رأيت ليلة أسري بي موسى رجلاً آدم طوالاً جعداً كأنه من رجال شنوءة ورأيت عيسى رجلاً مربوعاً مربوع الخلق إلى الحمرة وإلى البياض سبط الشعر، ورأيت مالكاً خازن النار، والدجال في آيات أراهن الله أياه فلا تكن في مرية من لقائه"تفسير : (م) عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "حديث : أتيت على موسى ليلة المعراج ليلة أسري بي عند الكثيب الأحمر وهو قائم يصلي في قبره"تفسير : . فإن قلت قد صح في حديث المعراج أنه رآه في السماء السادسة عند مراجعته في الصلوات فكيف الجمع بين هذين الحديثين. قلت يحتمل أن تكون رؤيته في قبره عند الكثيب الأحمر, كان قبل صعوده إلى السماء وذلك في طريقه إلى بيت المقدس، ثم لما صعد على السماء السادسة وجده هناك قد سبقه لما يريد الله عز وجل وهو على كل شيء قدير. فإن قلت كيف تصح منه الصلاة في قبره وهو ميت وقد سقط عنه التكليف وهو في دار الآخرة وليست دار عمل. وكذلك رأى النبي صلى الله عليه وسلم جماعة من الأنبياء وهم يحجون فما الجواب عن هذا؟ قلت يجاب عنه بأجوبة أحدها: أن الأنبياء كالشهداء بل هم أفضل منهم والشهداء أحياء عند ربهم يرزقون، فلا يبعد أن يحجوا أو يصلوا كما صح في الحديث وأن يتقربوا إلى الله بما استطاعوا وإن كانوا قد ماتوا لأنهم بمنزلة الأحياء في هذه الدار التي هي دار العمل، إلى أن تفنى ثم يرحلون إلى دار الجزاء التي هي الجنة. الجواب الثاني: أنه صلى الله عليه وسلم رأى حالهم الذي كانوا عليه في حياتهم ومثلوا له كيف كانوا وكيف كان حجهم وصلاتهم. الجواب الثالث: أن التكليف وإن ارتفع عنهم في الآخرة لكن الذكر والشكر والدعاء لا يرتفع، قال الله تعالى {أية : دعواهم فيها سبحانك اللهم وتحيتهم فيها سلام}تفسير : [يونس: 10] وقال صلى الله عليه وسلم "حديث : يلهمون التسبيح كما يلهمون النفس"تفسير : فالعبد يعبد ربه في الجنة أكثر مما كان يعبده في الدنيا وكيف لا يكون ذلك وقد صار حاله مثل حال الملائكة والذين قال الله في حقهم {أية : يسبحون الليل والنهار لا يفترون}تفسير : [الأَنبياء: 20]، غاية ما في الباب أن العبادة ليست عليهم بتكليف بل هي على مقتضى الطبع والله أعلم، وقيل في قوله {فلا تكن في مرية من لقائه} أي تلقى موسى كتاب الله بالرضا والقبول {وجعلناه} أي الكتاب {هدى لبني إسرائيل وجعلنا منهم} أي من بني إسرائيل {أئمة} أي قادة للخير يقتدى بهم وهم الأنبياء الذين كانوا في بني إسرائيل وقيل هم أتباع الأنبياء {يهدون بأمرنا} يعني يدعون الناس إلى طاعتنا {لما صبروا} يعني على دينهم وعلى البلاء من عدوهم بمصر {وكانوا بآياتنا يوقنون} يعني أنها من الله تعالى {إن ربك هو يفصل} أي يقضي ويحكم {بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون} قيل هم الأنبياء وأممهم وقيل هم المؤمنون والمشركون قوله تعالى {أو لم يهد لهم} أي نبين لهم {كم أهلكنا} يعني كثرة من أهلكنا {من قبلهم من القرون} يعني الأمم الخالية {يمشون في مساكنهم} يعني أهل مكة يسيرون في بلادهم ومنازلهم إذا سافروا {إن في ذلك لآيات أفلا يسمعون} يعني آيات الله ومواعظه فيتعظون بها.
السيوطي
تفسير : أخرج الحاكم وصححه وابن مردويه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ {فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين}. وأخرج أبو عبيد في فضائله وسعيد بن منصور وابن أبي حاتم وابن الأنباري في المصاحف عن أبي هريرة رضي الله عنه {فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين} . وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير ومحمد بن نصر وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والحاكم وصححه والبيهقي في البعث عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان عرش الله على الماء، فاتخذ جنة لنفسه، ثم اتخذ دونها أخرى، ثم أطبقهما لؤلؤة واحدة، ثم قال: ومن دونهما جنتان لم يعلم الخلق ما فيهما، وهي التي قال الله {فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون} يأتيهم فيها كل يوم تحفة. وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وصححه عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: إنه لمكتوب في التوراة "لقد أعد الله للذين تتجافى جنوبهم عن المضاجع ما لم ترَ عين، ولم تسمع أذن، ولم يخطر على قلب بشر، ولا يعلم ملك مقرب، ولا نبي مرسل، وإنه لفي القرآن {فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين}". وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وهناد كلاهما في الزهد والبخاري ومسلم والترمذي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه وابن الأنباري عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "حديث : قال الله تعالى: أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، قال أبو هريرة رضي الله عنه: اقرأوا إن شئتم {فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين} ". تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم عن عامر بن عبد الواحد رضي الله عنه قال: بلغني أن الرجل من أهل الجنة يمكث في مكانه سبعين سنة، ثم يلتفت فإذا هو بامرأة أحسن مما كان فيه فتقول له: قد آن لك أن يكون لنا منك نصيب. فيقول: من أنت؟ فتقول: أنا مزيد، فيمكث معها سبعين سنة، ويلتفت فإذا هو بامرأة أحسن مما كان فيه فتقول: قد آن لك أن يكون لنا منك نصيب فيقول: من أنت؟ فتقول: أنا التي قال الله {فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين}. وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عمر رضي الله عنه قال: إن الرجل من أهل الجنة ليجيء فيشرف عليه النساء فيقلن: يا فلان بن فلان ما أنت حين خرجت من عندنا بأولى بك منا فيقول: من أنتن؟! فيقلن: نحن من اللاتي قال الله {فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون} . وأخرج ابن أبي شيبة عن سعيد بن جبير رضي الله عنه قال: يدخلون عليهم على مقدار كل يوم من أيام الدنيا ثلاث مرات، معهم التحف من الله من جنات عدن مما ليس في جناتهم. وذلك قوله {فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين} . وأخرج ابن أبي حاتم عن كعب قال: سأصف لكم منزل الرجل من أهل الجنة كان يطلب في الدنيا حلالاً، ويأكل حلالاً، حتى لقي الله على ذلك، فإنه يعطى يوم القيامة قصراً من لؤلؤة واحدة ليس فيها صدع ولا وصل، فيها سبعون ألف غرفة، وأسفل الغرف سبعون ألف بيت، في كل بيت سقفه صفائح الذهب والفضة ليس بموصول، ولولا أن الله سخر له النظر إليه لذهب بصره من نوره، عرض الحائط اثنا عشر ميلاً، وطوله في السماء سبعون ميلاً، في كل بيت سبعون ألف باب يدخل عليه، في كل بيت من كل باب سبعون ألف خادم لا يراهم من في هذا البيت، ولا من في هذا البيت، فإذا خرج في قصره صار في ملكه مثل عمر الدنيا، يسير في ملكه عن يمينه وعن يساره ومن ورائه، وأزواجه معه وليس معه ذكر غيره، ومن بين يديه ملائكة قد سخروا له بينه وبين أزواجه ستر، وبين يديه ستر ووصفاء ووصائف قد أفهموا ما يشتهي وما يشتهي أزواجه، ولا يموت هو ولا أزواجه ولا خدامه أبداً، نعيمهم يزداد كل يوم من غير أن يبلى الأول، وقرة عين لا تنقطع أبداً، لا يدخل عليه فيه روعة أبداً. وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال"حديث : والذي نفسي بيده لو أن آخر أهل الجنة رجلاً أضاف آدم فمن دونه، ووضع لهم طعاماً وشراباً حتى يخرجوا من عنده لا ينقصه ذلك مما أعطاه الله ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد ومسلم والطبراني وابن جرير والحاكم وصححه وابن مردويه ومحمد بن نصر في كتاب الصلاة من طريق أبي صخر عن أبي حازم عن سهل بن سعد قال: "حديث : بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصف الجنة حتى انتهى، ثم قال "فيهما ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر"، ثم قرأ {تتجافى جنوبهم عن المضاجع...} قال أبو صخر: فذكرته للقرظي فقال: إنهم أخفوا عملاً، وأخفى الله لهم ثواباً، فقدموا على الله فقرت تلك الأعين ". تفسير : وأخرج ابن جرير عن أبي اليمان الهذلي قال: الجنة مائة درجة، أولها درجة فضة، وأرضها فضة، وآنيتها فضة، وترابها المسك. والثانية ذهب، ومساكنها ذهب، وآنيتها ذهب، وترابها المسك. والثالثة لؤلؤ، وأرضها لؤلؤ، ومساكنها لؤلؤ، وآنيتها لؤلؤ، وترابها المسك. وسبع وتسعون بعد ذلك ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، وتلا هذه الآية {فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين..} . وأخرج ابن جرير والطبراني والحاكم وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان من طريق الحاكم بن أبان عن الغطريف عن جابر بن زيد عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم عن الروح الأمين قال "حديث : يؤتى بحسنات العبد وسيئاته، فيقتص بعضها من بعض، فإن بقيت حسنة واحدة أدخله الله الجنة" تفسير : قال: فدخلت على يزدان فحدث بمثل هذا فقلت: فإن ذهبت الحسنة؟ قال: {أية : أولئك الذين نتقبل عنهم أحسن ما عملوا ونتجاوز عن سيئاتهم} تفسير : [الأحقاف: 16] قلت: أفرأيت قوله {فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين} قال: هو العبد يعمل سراً أسره إلى الله لم يعلم به الناس، فأسر الله له يوم القيامة {قرة أعين} . وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "حديث : إن أدنى أهل الجنة حظاً قوم يخرجهم الله من النار برحمته بعد أن يحترقوا، يرتاح لهم الرب أنهم كانوا لا يشركون بالله شيئاً، فينبذون بالعراء فينبتون كما ينبت البقل حتى إذا رجعت الأرواح إلى أجسادها قالوا: ربنا كالذي أخرجتنا من النار ورجعت الأرواح إلى أجسادنا فاصرف وجوهنا عن النار، فيصرف وجوههم عن النار، ويضرب لهم شجرة ذات ظل وفيء فيقولون: ربنا كالذي أخرجتنا من النار فانقلنا إلى ظل هذه الشجرة، فينقلهم إليها، فيرون أبواب الجنة فيقولون: ربنا كالذي أخرجتنا من النار فانقلنا إلى أبواب الجنة، فيفعل فإذا نظروا إلى ما فيها من الخيرات والبركات قال: وقرأ أبو هريرة رضي الله عنه {فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين} قالوا: ربنا كالذي أخرجتنا من النار فادخلنا الجنة قال: فيدخلون الجنة، ثم يقال لهم: تمنوا فيقولون: يا رب اعطنا حتى إذا قالوا: يا ربنا حسبنا قال: هذا لكم وعشرة أمثاله ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة ومسلم والترمذي وابن جرير والطبراني وأبو الشيخ في العظمة وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات عن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم"حديث : أن موسى عليه السلام سأل ربه فقال: رب أي أهل الجنة أدنى منزلة؟ فقال: رجل يجيء بعدما دخل أهل الجنة الجنة فيقال له: ادخل. فيقول: كيف ادخل وقد نزلوا منازلهم، وأخذوا أخذاتهم؟ فيقال له: اترضى أن يكون لك مثل ما كان لملك من ملوك الدنيا؟ فيقول: نعم. أي رب قد رضيت فيقال له: فإن لك هذا وعشرة أمثاله معه فيقول: أي رب رضيت فيقال له: فإن لك من هذا ما اشتهت نفسك، ولذت عينك، فقال موسى عليه السلام: أي رب فأي أهل الجنة ارفع منزله؟ قال: إياها أردت وسأحدثك عنهم إني غرست كرامتهم بيدي، وختمت عليها فلا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، قال: ومصداق ذلك في كتاب الله تعالى {فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين} ".
ابو السعود
تفسير : {فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ} من النُّفوسِ لا مَلَكٌ مقرَّبٌ ولا نبـيٌّ مرسلٌ فضلاً عمَّن عداهم {مَّا أُخْفِىَ لَهُم} أي لأولئكَ الذين عُدِّدت نعوتُهم الجليلةُ {مّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ} مما تقرُّ به أعينُهم وعنْهُ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ: « حديث : يقولُ الله عزَّ وجلَّ: أعددتُ لعبادي الصَّالحينَ ما لا عينٌ رأتْ ولا أذنٌ سمعتْ ولا خطَر على قلبِ بشرٍ، بَلْهَ ما اطلعتُم عليهِ اقرؤا إنْ شئتُم، فلا تعلم نفسٌ ما أُخفي لهم من قرَّةِ أعينٍ ». تفسير : وقُرىء ما أُخفي لهم وما نُخفي لهم وما أَخفيتُ لهم على صيغة المتكلِّمِ وما أَخفىٰ لهم على البناءِ للفاعلِ وهو الله سبحانه. وقُرىء قُرَّاتِ أعينٍ لاختلافِ أنواعِها. والعِلمُ بمعنى المعرفةِ وما موصولةٌ أو استفهاميةٌ عُلِّق عنها الفعلُ {جَزَاء بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} أي جُزوا جَزاءاً أو أُخفي لهم للجزاءِ بما كانُوا يعملونَه في الدُّنيا من الأعمالِ الصَّالحةِ. قيل: هؤلاءِ القومُ أخفَوا أعمالَهم فأخفَى الله تعالى ثوابَهم {أَفَمَن كَانَ مُؤْمِناً كَمَن كَانَ فَاسِقاً} أي أبعدَ ظهورِ ما بـينهُما من التَّباينِ البـيِّنِ يُتوهَّمُ كونُ المؤمنِ الذي حُكيت أوصافُه الفاضلةُ كالفاسقِ الذي ذُكرت أحوالُه {لاَّ يَسْتَوُونَ} التَّصريح به مع إفادةِ الإنكارِ لنفيِ المشابهةِ بالمرَّة على أبلغِ وجهٍ وآكدِه لبناء التَّفصيل الآتِي عليه والجمعُ باعتبارِ معنى مَن كما أنَّ الإفرادَ فيما سبق باعتبارِ لفظِها. وقولُه تعالى: {أَمَّا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ فَلَهُمْ جَنَّـٰتُ ٱلْمَأْوَىٰ} تفصيلٌ لمراتبِ الفريقينِ في الآخرةِ بعد ذكرِ أحوالِهما في الدُّنيا وأضيفتْ الجنَّةُ إلى المَأْوى لأنَّها المأوى الحقيقيُّ وإنَّما الدُّنيا منزلٌ مرتحلٌ عنه لا محالةَ وقيل: المَأْوى جنَّةٌ من الجنَّاتِ، وأياً ما كان فلا يبعُد أنْ يكونَ فيه رمزٌ إلى ما ذُكر من تجافِيهم عن مضاجعِهم التي هي مأواهم في الدُّنيا {نُزُلاً} أي ثواباً وهو في الأصلِ ما يعدُّ للنَّازلِ من الطَّعامِ والشَّرابِ وانتصابُه على الحاليَّةِ {بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} في الدُّنيا من الأعمالِ الصَّالحةِ أو بأعمالِهم.
التستري
تفسير : قوله عزَّ وجلَّ: {فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّآ أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ}[17] قال: أعينهم بما شاهدوا من ظاهر الحقائق، وباطنها التي كشفت لهم من مكاشفات، فرأوها وتمسكوا بها، فقرّت أعينهم، وسكنت إليها قلوبهم، وغيرهم لا يعلمون ما أخفي لهم. والله سبحانه وتعالى أعلم.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّآ أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ} [الآية: 17]. قال ابن عطاء: {قُرَّةِ أَعْيُنٍ} بما سبق لهم من حسن الموافقة مع ربهم. وقال سهل: {قُرَّةِ أَعْيُنٍ} بما شهدوا من ظاهر الحقائق وباطنها الذى كشف لهم من علم المكاشفة فرأوه وتمسكوا به فقرت أعينهم بذلك وسكنت إليه قلوبهم.
القشيري
تفسير : إنما تَقَرُّ عينُكَ برؤية مَنْ تحبه، أو ما تحبه؛ فطالبْ قلبكَ ورَاع حالك، فيحصل اليومَ سرورُك، وكذلك غداً.. وعلى ذلك تحشر؛ ففي الخبر: "حديث : مَنْ كان بحالة لقي الله بها ". تفسير : ثم إنّ وصفَ ما قال الله سبحانه إنه لا يعلمه أحدٌ - مُحَالٌ، اللهم أن يُقال: إنها حال عزيزة، وصفةٌ جَليلة.
صدر المتألهين الشيرازي
تفسير : أي لا تعلم نفس من النفوس - لا مَلَك مُقَرّب ولا نبي مرسل - ما ادّخر الله لأولئك الموصوفين بالأوصاف المذكورة وأخفاه لهم عن جميع خلائقه، لا يعلمه إلاَّ هو مما يقرّ بِهِ عيونهم من جمال الذات ولقاء نور الأنوار، فيجدون من اللذة والسرور ما لا يبلغ كنهه ولا يمكن وصفه، كما في الحديث الرباني: "حديث : أعددت لعبادي الصالحين مَا لاَ عَيْنٌ رأت ولا أذُنٌ سمعت ولا خَطَرَ على قلب بشر"تفسير : ، جزاءاً بما كانوا يعملون من الأعمال القلبية والتأملات القدسية، المستلزمة للأعمال البدنية على وفق أحكام التجليات وشروق الإفاضات. إشراق فرقاني إعلم أن أسعد الخلق في الآخرة أقواهم حباً لله، وأشدهم شوقاً للقائه، فإن معنى الآخرة القدوم على الله ودرك سعادة لقائه، وما أعظم نعيم المحب المستهتر إذا قدم على محبوبه بعد طول شوقه، وتمكن من دوام مشاهدته أبد الآباد من غير مزاحم ومكدر ومنغص ورقيب وخوف الانقطاع، إلاَّ أن هذا النعيم على قدر الحب واستيلائه وشدته، وان لم ينفك عن أصل المحبة مؤمن، كما لا ينفك عباده عن أصل المعرفة، وإلاَّ لم يكن المؤمن مؤمناً - هذا خلف -. وإنما يحصل ذلك بشيئين: أحدهما: قطع العلائق وإخراج حب الدنيا وما فيها من القلب، فبقدر ما يشغل القلب بغير الله، ينقص منه حب الله، ويفرغ إناء قلبه عن ذكر الله بقدر اشتغاله بغيره، لأن قلب كل أحد واحد: {أية : مَّا جَعَلَ ٱللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ}تفسير : [الأحزاب:4]. والكفر؛ عبارة عن امتلاء القلب بمحبة الباطل، وكل ما سوى الله باطل دون وجهه الكريم، والمحب التام المحبة لله، ومن امتلأ قلبه من محبته، وإليه الإشارة بقوله {أية : قُلِ ٱللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ} تفسير : [الأنعام:91]، بل هو معنى قول: {أية : لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ ٱللَّهُ}تفسير : [الصافات:35] على التحقيق، أي لا معبود ولا محبوب سواه، ولذلك قال: {أية : أَفَرَأَيْتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَـٰهَهُ هَوَاهُ} تفسير : [الجاثية:23]، وفي الحديث عنه (صلّى الله عليه وآله وسلم): حديث : أبغضُ الهٍ عُبِدَ في الأرض الهوىتفسير : ، ولذلك قال النبي (صلّى الله عليه وآله وسلم): "حديث : من قال لا إله إلاَّ الله مخلصاً وجبت له الجنة"تفسير : ، ومعنى الإخلاص: أن يخلص قلبه لله، فلا يبقى فيه شركة لغير الله، ومَن هذا حاله فالدنيا سجنه، لأنها مانعة له عن مشاهدة محبوبه، وموته خلاصه من السجن وقدومه على محبوبه. والسبب الثاني لقوة المحبة، قوة المعرفة لله تعالى واتساعها واستيلاؤها على القلب، وذلك بعد تظهيره من الشواغل، وهي بمنزلة وضع البذر في الأرض بعد تطهيرها من الحشيش، فيتولد من هذا البذر شجرة المحبة والمعرفة، وهي الكلمة الطيبة التي ضرب الله لها مثلاً في قوله: {أية : أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي ٱلسَّمَآءِ}تفسير : [إبراهيم:24] وإليه الإشارة بقوله: {أية : إِلَيْهِ يَصْعَدُ ٱلْكَلِمُ ٱلطَّيِّبُ}تفسير : [فاطر:10]، فهي المعرفة، نعم، والعمل الصالح يرفعه ويحركه، ولذلك قال: {جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} [السجدة:17]، لأن العمل الصالح كالحامل (كالخادم - ن) له، وإنما فائدة العمل كله في تطهير القلب أولاً من الدنيا، ثم في إدامة طهارته، وأصل الطهارة والصفاء لكونه أمراً عدمياً لا يراد لنفسه، بل لهذه المعرفة، وكذا العلم المتعلق بكيفية العمل يراد للعمل، فالعلم هو الأول والآخر. تتمّة الواصلون إلى هذه النعمة العظيمة، ينقسمون إلى الأقوياء والضعفاء، فالسابقون الأولون هم الذين درجتهم درجة العقول القادسة والملائكة المهيمة، أول معرفتهم لله تعالى وبه يعرفون غيره، وإليه الإشارة بقوله تعالى: {أية : أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} تفسير : [فصّلت:53]، وبقوله: {أية : شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ} تفسير : [آل عمران:18]. ومنه نظر بعضهم حيث قيل له: بِمَ عرفتَ ربك؟ فقال: عرفت ربي بربي، ولولا ربي ما عرفت ربي. واللاحقون التالون هم الذين درجتهم درجة النفوس الكلية والملائكة المدبّرة، فيكون أول معرفتهم بالأفعال، ثم يترقّون منه إلى صفات الله، ثم إلى ذاته، فالله سبحانه غاية أفكارهم كما أن الله فاعل أفكار الأولين، والى هؤلاء الإشارة بقوله: {أية : سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي ٱلآفَاقِ وَفِيۤ أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ} تفسير : [فصّلت:53]، وبقوله: {أية : أَوَلَمْ يَنْظُرُواْ فِي مَلَكُوتِ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} تفسير : [الأعراف:185]. وبقوله: {أية : قُلِ ٱنظُرُواْ مَاذَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} تفسير : [يونس:101]، وبقوله: {أية : ٱلَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقاً مَّا تَرَىٰ فِي خَلْقِ ٱلرَّحْمَـٰنِ مِن تَفَاوُتِ فَٱرْجِعِ ٱلْبَصَرَ هَلْ تَرَىٰ مِن فُطُورٍ * ثُمَّ ارجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ} تفسير : [المُلك:3 - 4] - الآية -. وهذا الطريق هو الأسهل على الأكثرين، وهو الأوسع على السالكين، ولهذا وقعت دعوة القرآن إليه أكثر، والأمر بالتدبر والتفكر في بدائع الفطرة، والاعتبار والنظر في آيات الآفاق والأنفس خارج عن الحصر، إذ النجاة من العذاب الدائم موقوف على حب الله تعالى، وعدم الاشتراك فيه، وهو متوقف على المعرفة، فطلبه واجب، لكونه مقدمة أمر واجب هو الخلاص من العقاب الدائم، وما لا يتم واجب المطلق إلاَّ به فهو واجب، فطلب المعرفة والعلم بالله فريضة على كل مسلم ومسلمة. إيضاح تفصيلي لك أن تقول: إن كلا الطريقين وعر وصعب، فاوضح منهما ما يستعان به على تحصيل المعرفة والتوصل بها إلى المحبة. فاعلم أن الطريق الأعلى، والمشرب الأصفى عن شَوْب الإشراك، هو الاستشهاد بالحق على سائر الخلق كما هو الواقع، فإن وجود الموجودات رشح وتَبَع لوجوده، فينبغي أن يكون المعلوم المشهود على وفق الواقع الموجود، إلاّ أنه غامض دقيق، والكلام فيه خارج عن فهم أكثر الخلائق، فلا فائدة في إيراده في الكتاب والتعاليم. وأما الطريق الأسهل الأدنى، فأكثره غير خارج عن حد الأفهام، وإنما قصرت عنه أفهام الأكثرين لإعراضهم عن التدبر في الآيات، واشتغالها بشهوات الدنيا وحظوظ النفس. والمشتغلون بهذا الطريق الأسهل، إمّا أن يكون نظرهم في ما يقبل الفساد والتغير والحركة والزمان، وموضوع علمهم الأجسام الطبيعية والفلكية والعنصرية من الحيثية المذكورة، وبحثهم عن معرفة أنواعها وعوارضها الذاتية بالبرهان المستفاد من العلة القريبة، كالمادة والصورة في الإدراك التصديقي أو بالحد المستفاد من الجنس والفصل في الإدراك التصوري، فيسمى علمهم علما طبيعياً، وهم الحكماء الطبيعيون الذين يصلون إلى معرفة الله تعالى، والاعتقاد بوجود ذاته وصفاته وأفعاله عن طريق الحركة وعوارضها، وبهذا الطريق سلك الخليل (عليه السلام) على ما حكى الله عنه بقوله: {أية : فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ ٱلْلَّيْلُ رَأَى كَوْكَباً قَالَ هَـٰذَا رَبِّي} تفسير : [الأنعام:76] الآية. وإن كان نظرهم في حقائق الممكنات مطلقاً، ومباديها وغاياتها الثابتة الخارجة عن الحركة والزمان، وموضوعُ علمهم الموجودُ المفارق عن المادة ولواحقها في الوجود والتعقل جميعاً، وبحثهم عن إثبات أنواعه وعوارضه بالبرهان الضروري الأزلي الدائم، المستفاد من فاعل الوجود وغايته، وبالحد المستفاد منهما أيضاً، إذ الصورة في المفارقات غير مفتقرة إلى علّة مقارنة، بل إنما يتقوّم ذاته وماهيته مما يتقوّم به وجوده، لِمَا تقرر هناك أن "لِمَ هو" و "ما هو" في البسائط المفارقة شيء واحد، فيكون معرفتهم هذه علماً الهياً، وهم الحكماء الإلهيون، لأن غاية معرفتهم وحكمتهم هي الوصول إلى الحق الأول ومجاوريه من الملكوت الأعلى. بل غاية هذين العلمين جميعا وثمرتهما، معرفة الباري جلّت أسماؤه، إلاّ أن في الأدْوَن منهما حصلت بتوسط معرفة النفس التي هي مرقاة معرفة الرب، كما في الحديث المشهور، وفي الأعلى من غير توسطها. وأما الطريقة التي هي فوق تينك الطريقتين، فهي التوصل إلى معرفة ذاته تعالى بذاته، وذلك بأن ينظر أولاً إلى نور الوجود المنتشر في أهوية ماهيات الممكنات المنبسط على سطوح هياكل الممكنات، ثم يعرف من حقيقته المطلقة التي هي أجلىٰ من كل متصور وأول كل تصور، تقدمه على كل شيء له ماهية غير الوجود، حتى يتكشف له ما نفس حقيقة الوجود المحض، المجرد عن كل موضوع ومحلّ، والمستغني عن كل سبب فاعلي أو غائي، كالماهيات، أو مقوّم فصلي كالأنواع، أو مقسم كالأجناس، أو مشخّص كالكلي مطلقا، أو صوري كالمواد، أو مادي كالصور والأعراض، أو الجميع كالأجسام، لأن كلاًّ من هذه الأمور، تسقط أوليته وتقدمه فيعلم أنه بسيط الحقيقة من كل الوجوه، غني عمّا سواه، مفتقر إليه ما سواه دفعاً للدور والتسلسل. فيعلم من هذا أن صفاته الكمالية عين ذاته، والجميع أمر واحد، فلا تكثّر [في] الواجب بالذات، فيكون الباري أحديّ الذات والصفات جميعاً، فتكون خالقيته بما هو ذاته ووجوده. فإذا علم ذاته وصفاته على هذا الوجه، وعلم أن ذاته وصفاته [واحد] يعلم أفعاله، وأنها نهج واحد مستمر لقوله: {أية : وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ ٱللَّهِ تَبْدِيلاً} تفسير : [الأحزاب:62]. فيعلم أن أول ما صدر يجب أن يكون جوهراً قدسياً، ثم جوهراً آخر كذلك إلى ما شاء الله من سلسلة الملائكة المقدسين، وبتوسط أولئك المقربين سلسلة أخرى من النفوس المجردة ضرباً من التجرد، وضرباً من التعلق بالأجرام الدوّارة شوقاً وطرباً إلى لقاء الله، لورود الإشراقات العقلية المتتالية على ذواتهم، لكل منها بواسطة علة مفارقة قريبة مختصة، وذلك لاختلاف الحركات والآثار الدالّة على اختلاف الوسائل لئلاَّ تنثلم وحدة الباري جلّ مجده. وبالجملة ينتقل من كل عال إلى سافل، ويعرف من خاصية كل فاعل كيفية فعله وأثره، إلى أن يستقصي الموجودات ويحيط بالعالم الموجود بنور مبدع الوجود، وهذه طريقة الصدّيقين الذين يعرفون بنور الحق ما سواه، ولا يستدلون على نور الوجود بهذا الظلام، ولا على صباح الفطرة بليالي هذه الأجسام. تتمّة ثم إن قوله تعالى: {جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ}، قد حسم عرق أطماع المتمنين، وقلع باب اغترارات المعطّلين القاعدين عن تحصيل العلم والعرفان، ظناً منهم أنَّ مجرَّد دعوى الإيمان، أو التشبث بأئمة هذا المذهب، أو صورة الأعمال الظاهرة، يؤدي إلى نعيم الجنان، أو رضوان من العزيز الرحمان، من غير معرفة السبب المجازي، ومن غير تحقق الوجه الذي يؤدي العمل به إلى حصول الثمرة الأخروية التي بَذْرُها المعرفة الثابتة في القلب أولاً، وهذه الأعمال بمنزلة السقي لها. إذ التحقيق: أن وجود الاعتقادات الإيمانية والمعارف الإلهية، إذا قوي في الباطن، واشتد رسوخها في القلب، تؤدي بصاحبها إلى صورة النعيم الأخروي، بل هذه ستصير هي إذا رسخت في الباطن، كما أن الميل إلى اللذّات الحسية والاعتقاد بوجودها وركون النفس إليها والإخلاد إلى عالمها، إذا تكررت ورسخت في الباطن، تنجر إلى عذاب الجحيم كما أشرنا إليه سابقاً. وفي القرآن آيات كثيرة دالة على ثبوت هذا الإنجرار، كقوله تعالى في سورة الأعراف: {أية : وَنُودُوۤاْ أَن تِلْكُمُ ٱلْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ}تفسير : [الأعراف:43]. وكقوله تعالى في سورة يس: {أية : فَٱلْيَوْمَ لاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَلاَ تُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} تفسير : [يس:54]، وفي سورة النجم: {أية : وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَىٰ * وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَىٰ * ثُمَّ يُجْزَاهُ ٱلْجَزَآءَ ٱلأَوْفَىٰ * وَأَنَّ إِلَىٰ رَبِّكَ ٱلْمُنتَهَىٰ} تفسير : [النجم:39 - 42]. وكما في قوله تعالى: {أية : سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ}تفسير : [الأنعام:139] وقوله تعالى: {أية : يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَراً}تفسير : [آل عمران:30]. وقوله: {أية : يَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلْعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِٱلْكَافِرِينَ}تفسير : [العنكبوت:54]. وقوله في سورة الشورى:{أية : تَرَى ٱلظَّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُواْ وَهُوَ وَاقِعٌ بِهِمْ}تفسير : [الشورى:22]. إلى غير ذلك من الآيات. ومما يدل أيضاً على أن السعادة الأخروية والقرب عند الله والوصول إلى الخير الحقيقي منوطة بالحكمة والمعرفة، والله الهادي والموفّق لهما، وأن الصارف للإنسان عن طلبها والباعث على الإعراض عنها والرضاء بالجهل، هو الشيطان اللعين الباعث لطلب الجاه والدنيا والشهرة عند الناس، والخوف من زوال الثروة والعزة قوله سبحانه: {أية : ٱلشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ ٱلْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِٱلْفَحْشَآءِ وَٱللَّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلاً وَٱللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ * يُؤّتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَآءُ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ ٱلأَلْبَابِ}تفسير : [البقرة:268 - 269]. وكما أن السّعادة الأخروية منوطة بالحكمة، فكذلك التوغّل في الدنيا والتوسع في لذاتها وشهواتها، مرتبطة بنسيان الحكمة وترك التدبر في الآيات، وفهم المعارف والبينات، لقوله: {أية : فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ} تفسير : [الأنعام:44] الآية، وأما قوله تعالى: {أية : وَٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا يَمَسُّهُمُ ٱلْعَذَابُ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ} تفسير : [الأنعام:49] فهو إشارة إلى عاقبة هذه اللذّات الدنيوية، فالإعراض عن الحكمة والمعرفة، والتكذيب بالآيات البينات، مما يفتح على النفس أبواب التنعمات في الدنيا، وحقيقة هذه الشهوات ليست في القيامة إلاّ صورة النار والحسرة والندامة، والدنيا ها هنا متاع قليل، وفي الآخرة عذاب شديد، وذلك قوله تعالى: {أية : وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَىٰ عَذَابِ ٱلنَّارِ} تفسير : [البقرة:126]. وقس على ذلك أيضاً قوله: {أية : وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً} تفسير : [طه:124] فإن المراد من تلك المعيشة الضنك ما هي بحسب النشأة الآخرة، ولهذا عقبه بقوله: {أية : وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ ٱلْقِيامَةِ أَعْمَىٰ* قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِيۤ أَعْمَىٰ وَقَدْ كُنتُ بَصِيراً * قَالَ كَذٰلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذٰلِكَ ٱلْيَوْمَ تُنْسَىٰ}تفسير : [طه:124 - 126]. والعاقل ينبغي أن يرجع إلى ذاته ويتأمل في نفسه، ويطرد عن باطنه التعصب والعناد والاستكبار، والسكر الحاصل له بجاه مستحقر، واشتغال بعلوم جزئية، فتنحصر عنده الآيات الدالة على حقيقة القرآن ووصفه، وماهية الرسول المنزل إليه كتابُ الله ونعته، بحسب ما هو الداخل في قوام كل منهما، غير الأوصاف الخارجة عن ملاك الأمر فيهما، فيرى هل يجد فيها دلالة على فضلهما وشرفهما إلاّ من جهة مزية علمية، وفضيلة حِكَمية، لهما على سائر الكتب وسائر الناس، لا أظن عاقلاً في مرية من هذا. وهي كقوله تعالى في نعت القرآن: {أية : قَدْ جَآءَكُمْ مِّنَ ٱللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ * يَهْدِي بِهِ ٱللَّهُ مَنِ ٱتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ ٱلسَّلاَمِ وَيُخْرِجُهُمْ مِّنِ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} تفسير : [المائدة:15 - 16]. وكقوله في نعت الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلم): {أية : هُوَ ٱلَّذِي بَعَثَ فِي ٱلأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلْكِتَابَ وَٱلْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ} تفسير : [الجمعة:2]. وقال سبحانه في صفة أهل الإيمان: {أية : يَوْمَ تَرَى ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَىٰ نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِم}تفسير : [الحديد:12]. ومما يدلّ على أن العلماء بالله ورسوله أهلُ الإيمان خاصة قوله تعالى: {أية : وَيَرَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ ٱلَّذِيۤ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ هُوَ ٱلْحَقَّ وَيَهْدِيۤ إِلَىٰ صِرَاطِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَمِيدِ} تفسير : [سبأ:6]. وقوله: {أية : أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبِّكَ ٱلْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَىٰ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ ٱلأَلْبَابِ} تفسير : [الرعد:19]. كذلك من تصفّح كلام الله وحديثَ رسوله (صلّى الله عليه وآله وسلم) وكلماتِ الأئمة المعصومين صلوات الله عليهم أجمعين، يعرف أن رأس الشقاوة كلها هو الكفر بالله وصفاته وأفعاله واليوم الآخر، وليس الكفر إلاَّ ضَرْبٌ من الجهل المضادّ للحكمة، كقوله سبحانه: {أية : وَٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَلِقَآءِ ٱلآُخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ}تفسير : [الأعراف:147]. ومما يدل على أن الجهل والنسيان منشأ العذاب في الآخرة قوله تعالى: {أية : أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ وَأُولَـٰئِكَ هُمُ ٱلْغَافِلُونَ * لاَ جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ هُمُ ٱلْخَاسِرونَ}تفسير : [النحل:108 - 109]. وكقوله تعالى في مذمّة أهل الجحود: {أية : وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ * إِنَّ شَرَّ ٱلدَّوَابِّ عِندَ ٱللَّهِ ٱلصُّمُّ ٱلْبُكْمُ ٱلَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ * وَلَوْ عَلِمَ ٱللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّواْ وَّهُمْ مُّعْرِضُونَ}تفسير : [الأنفال:21 - 23]. وقوله سبحانه في مذمّة المعرضين عن الحِكمة: {أية : وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيِاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْراً وَإِن تَدْعُهُمْ إِلَىٰ ٱلْهُدَىٰ فَلَنْ يَهْتَدُوۤاْ إِذاً أَبَداً} تفسير : [الكهف:57]. وقد جعل الله سبحانه الرجس على النفوس الجاهلة الغير العارفة بحقائق الإيمان في قوله: {أية : وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تُؤْمِنَ إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ وَيَجْعَلُ ٱلرِّجْسَ عَلَى ٱلَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ}تفسير : [يونس:100] والسر فيه: أن من لم يبلغ إلى درجة تصير نفسه عقلاً بالفعل، ولم يرد إلاَّ ما يدركه الحواس، فهو متعلق الوجود بالأجساد الدنيوية وأرجاسها الشَهَوية والغضبية، مثل الكلب والخنزير، والدنيا دار النجاسة، وطلابها الأرجاس والأنجاس لقوله (عليه السلام): "الدنيا جيفة وطلابها كلاب" وفي الحديث: "حديث : الدنيا ملعونة وملعون ما فيها ". تفسير : والآيات الدالة على أن منشأ العذاب في الآخرة هو الجهل والإعراض عن تعلم الحكمة والمعرفة، كثيرة لا تحصى، إن في هذا لبلاغاً لقوم عابدين.
الجنابذي
تفسير : وقد ذكر فى اخبارٍ كثيرةٍ بيان ما اخفى لهم من قرّة اعينٍ من اراد فليرجع الى المفصّلات.
الهواري
تفسير : قوله: {فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} أي: على قدر أعمالهم. ذكروا أن الله تبارك وتعالى يقول لأهل الجنة: ادخلوا الجنة برحمتي واقتسموها بأعمالكم. ذكروا عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : قال الله تبارك وتعالى: أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. اقرأوا إن شئتم قول الله: {فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}. وإن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام ما يقطعها، اقرأوا إن شئتم: {وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ} [الواقعة: 30]، ولقاب قوس أحدكم من الجنة وموضع سوطه خير من الدنيا وما فيها. اقرأوا إن شئتم: {فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الحَيَاةُ الدُّنْيَآ إِلاَّ مَتَاعُ الغُرُورِ} [آل عمران: 185] . تفسير : ذكروا عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : إن العبد ليعطى على باب الجنة ما يكاد فؤاده أن يطير لولا أن الله يبعث ملكاً فيشد قلبه .
اطفيش
تفسير : {فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ} لا ملك مقرب ولا نبي مرسل ولا احد ما. {مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّة أَعْيُنٍ} مما تقر به عيونهم واصل القرة البرد قرة عينه اي بردت ليس فيها دمعة حزن ودمعة الحزن حارة فصار يطلق على الفرح وعلى ما به الفرح والاية تحتملهما فان الفرح يستلزم ما به الفرح وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم: عن الله سبحانه وتعالى: "حديث : أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا اذن سمعت ولا خطر على قلب بشر بله ما اطلعتم عليه "تفسير : اي غير ما اطلعتم عليه او دعوا ما اطلعتم عليه اي ليس كالاشياء التي اطلعكم الله عليها (اقرؤا ان شئتم {فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين") وفي رواية (دخرا من بله) وفي رواية (دخرا بله) وبسطت الكلام على بله في النحو. وفاعل اخفي الله حذف لفظه وناب عنه المفعول وهو ضمير ما وقرأ حمزة (ما أخفي) باسكان الباء اما تخفيفا واجراء للوصل مجرى الوقف واما على انه مضارع مبدوء وبهمزة التكلم وكذلك قرأ يعقوب ومن حصر تلك القراءة على حمزة كابي عمرو الداني فانما اراد والله اعلم انه لم يقرأ من السبعة غيره بها ويعقوب من العشرة لا من السبعة وقرىء (ما اخفي) علي البناء للفاعل والماضوية وضميره لله وقري (نخفي) بنون التكلم وقرىء (اخفيت) وقرىء (من قرات اعين) بجمع قرة لاختلاف أنواعها واما اسم موصول مفعول لتعلم بمعنى تعرف والجملة بعدها صلة أو اسم استفهام مبتدأ والجملة خبر والمجموع مفعول تعلم معلق عنها بالاستفهام. {جَزَآءً} حال فانهم ولو لم يصلوا ذلك اليوم لكنه مكنوز لهم ثوابا وجزاء او مفعول مطلق اي جوزوا أو يجازون به جزاء وهو اسم مصدر بمعنى المجازاة او اطلق على اسم العين وهو ما يجازون به او مفعول لاجله أي اخفي لهم للجزاء فان اخفاءه لعلو شأنه ولكونهم اخفوا عملهم اذ عملوها ليلا. {بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} هذا قطع لتمني المتمنين اذ قال ان لهم ذلك لعملهم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : يقول الله سبحانه لأهل الجنة: أُدخلوا الجنة برحمتي واقسموها بأعمالكم "تفسير : وقال: "حديث : من اتقى ربه يعطى على باب الجنة ما كاد فؤاده ينفطر به لشدة الفرح لولا ان الله سبحانه يبعث ملكا فيشد فؤاده ". تفسير : والباء متعلق بجزاء او باخفى او بمحذوف خبر المحذوف.
اطفيش
تفسير : {فلا تعلم نفس} ما من النفوس ولو ملكا مقربا، او نبيا مرسلا، والفاء عاطفة على محذوف، اى اعطوا فوق رجائهم، فلا تعلم، ويجوز ان يراد بالنفس هؤلاء المطيعون، فمقتضى الظاهر فلا يعلمون، وعدل الى لا تعلم نفس لتعظيم الجزاء {ما أخفي لَهُم من قرة أعين} ما تقر به العيون، اى تبرد لعدم الحزن، والمراد مما يفرحون به، ولم يخص اعينهم اشارة الى انه مما تقر به العين مطلقا لعظم شأنه، وكونه فى غاية الحسن، ثم انه لم يقل الاعين بأل الجنسية، او الاسغراقية، فالظاهر اعين مخصوصة، معظمة بالتنكير كأعين الملائكة تفرح للمطيعين، وكأعين الانبياء وغيرها من باب اولى ان تقربه لهم، او استعمل النكرة للعموم فى الاثبات كما مر وروده قليلا، ويجوز ان يراد اعين هؤلاء المطعين، نكرها للتعظيم، فالمراد ما اخفى لهم من قرة أعينهم. وعن ابى هريرة، عنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : يقول الله تعالى اعددت لعبادى الصالحين ما لا عين رأت، ولا اذن سمعت ولا خطر على قلب بشر بله ما اطلعتكم عليه اقرءوا ان شئتم: فلا تعلم نفس ما أُخفي لهم من قرة أعين" تفسير : رواه مسلم والبخارى وغيرهما، وعن ابن مسعود: انه لمكتوب فى التوراة: لقد اعد الله تعالى للذين تتجافى جنوبهم عن المضاجع ما لم تر عين، ولم تسمع اذن، ولم يخطر على قلب بشر، ولا يعلم ملك مقرب، ولا نبى مرسل، وانه لفى القرآن يخطر "فلا تعلم نفس ما أُخفي لهم من قرة أعين" ومعنى بله ما اطلعتكم عليه: اتركوا توهم انه هو الذى اطلعتم عليه، فانه فوق ذلك. {جزاءً بما كانُوا يعملون} مفعول مطلق لمحذوف، جوزوا على ان جزاء اسم مصدر للرباعى او جزوا على انه مصدر الثلاثى لا مفعول ثان ليعلم، لان الناس لا يعلمون بوجود نفس هذا الذى اخفى، فيبقى انهم لا يعلمون انه جزاء هؤلاء، نعم يجوز ان يكونوا عالمين به على فرض التوسعة، فيخبرون كاخبار من علم وجوده بانه جزاءهم.
الالوسي
تفسير : {فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ } أي كل نفس من النفوس لا ملك مقرب ولا نبـي مرسل فضلاً عمن عداهم فإن النكرة في سياق النفي تعم، والفاء سببية أو فصيحة أي أعطوا فوق رجاءهم فلا تعلم نفس {مَّا أُخْفِىَ لَهُم } أي لأولئك الذين عددت نعوتهم الجليلة {مّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ } أي مما تقر به أعين، وفي إضافة القرة إلى الأعين على الإطلاق لا إلى أعينهم تنبيه على أن ما أخفي لهم في غاية الحسن والكمال. وروى الشيخان وغيرهما عن أبـي هريرة عن النبـي صلى الله عليه وسلم يقول الله تعالى: «حديث : أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر بله ما أطلعتكم عليه اقرؤا إن شئتم {فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِىَ لَهُم مّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ}»تفسير : وأخرج القريابـي وابن أبـي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبـي حاتم والطبراني والحاكم وصححه عن ابن مسعود قال: إنه لمكتوب في التوراة: لقد أعد الله تعالى للذين تتجافى جنوبهم عن المضاجع ما لم تر عين ولم تسمع أذن ولم يخطر على قلب بشر ولا يعلم ملك مقرب ولا نبـي مرسل وإنه لفي القرآن {فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِىَ لَهُم مّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ}. {جَزَاء بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } أي جوزوا جزاءً بسبب ما كانوا يعملونه من الأعمال الصالحة فجزاء مفعول مطلق لفعل مقدر والجملة مستأنفة. وجوز جعلها حالية، وقيل: يجوز جعله مصدراً مؤكداً لمضمون الجملة المتقدمة، وقيل: يجوز أن يكون مفعولاً له لقوله تعالى: {لاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ } على معنى منعت العلم للجزاء أو لأخفي فإن إخفاءه لعلو شأنه، وعن الحسن أنه قال: أخفى القوم أعمالاً في الدنيا فأخفى الله تعالى لهم ما لا عين رأت ولا أذن سمعت أي أخفي ذلك ليكون الجزاء من جنس العمل. وفي «الكشف» أن هذا يدل على أن الفاء في قوله تعالى: {فَلاَ تَعْلَمُ } رابطة للاحق بالسابق وأصله فلا يعلمون والعدول لتعظيم الجزاء، وعدم ذكر الفاعل في {أُخْفِىَ } ترشيح له لأن جازيه من هو العظيم وحده فلا يذهب وهل إلى غيره سبحانه اهـ فتأمل. وقرأ حمزة ويعقوب والأعمش {أخفى} بسكون الياء فعلاً مضارعاً للمتكلم، وابن مسعود {نخفى} بنون العظمة، والأعمش أيضاً {أخفيت} بالإسناد إلى ضمير المتكلم وحده، ومحمد بن كعب {أخفى} فعلاً ماضياً مبنياً للفاعل. و {مَا } في جميع ذلك اسم موصول مفعول {تَعْلَمْ } والعلم بمعنى المعرفة والعائد الضمير المستتر النائب عن الفاعل على قراءة الجمهور وضميره محذوف على غيرها، وقال أبو البقاء: يجوز أن تكون {مَا } استفهامية وموضعها رفع بالابتداء و {أُخْفِىَ لَهُم } خبره على قراءة من فتح الياء وعلى قراءة من سكنها وجعل {أُخْفِىَ } مضارعاً يكون {مَا } في موضع نصب بأخفى ويعلم منه حالها على سائر القراءات، وإذا كانت استفهامية يجوز أن يكون العلم بمعنى المعرفة وأن يكون على ظاهره فيتعدى لمفعولين تسد الجملة الاستفهامية مسدهما، وعلى كل من احتمالي الموصولية والاستفهامية فالإبهام للتعظيم. وقرأ عبد الله وأبو الدرداء وأبو هريرة وعون والعقيلي {من قرات} على الجمع بالألف والتاء، وهي رواية عن أبـي عمرو وأبـي جعفر والأعمش، وجمع المصدر أو اسمه لاختلاف أنواع القرة، والجار والمجرور في موضع الحال.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 17- فلا تعلم نفس مقدار ما أعده الله وأخفاه لهؤلاء من النعيم العظيم، الذى تقر به عيونهم، جزاء بما كانوا يكسبون من الطاعة والأعمال. 18- أيستوى الناس فى جزائهم وقد اختلفوا فى أعمالهم؟ أفمن كان مؤمناً بالله كمن كان كافراً به عاصياً له؟ لا يستوون! 19- أما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم جنات المأوى التى فيها مساكنهم، كرامة لهم بما كانوا يعملون. 20- وأما الذين خرجوا عن طاعة الله بكفرهم فمقامهم الذى أُعِدَّ لهم النار، كلما حاولوا الخروج منها أعيدوا فيها، وقيل لهم: ذوقوا عذاب النار الذى كنتم فى الدنيا تصرون على التكذيب به. 21- ونُقْسم: لنذيقنهم فى الدنيا عذاب الخذلان قبل أن يصلوا إلى العذاب الأكبر، وهو الخلود فى النار، لعل المعذبين بالعذاب الأدنى يتوبون عن الكفر. 22- ولا أحد أشد ظلماً للحق ولنفسه من إنسان ذُكِّرَ بآيات الله وحججه البينات ثم انصرف عن الإيمان بها مع وضوحها، إننا من كل مجرم سننتقم. 23- ولقد آتينا موسى التوراة فلا تكن فى شك من لقاء موسى للكتاب، وجعلنا الكتاب المنزل على موسى هادياً لبنى إسرائيل.
د. أسعد حومد
تفسير : (17) - وَلاَ يَعْلَمُ أَحَدٌ عَظَمَةَ مَا أَعَدَّهُ اللهُ تَعَالى لِهؤلاءِ الكِرامِ البَرَرَةِ وَأَخْفَاهُ فِي الجَنَّاتِ مِنَ النَّعيمِ المُقِيمِ، واللذَائِذِ التِي لَمْ يَطَّلِعْ أَحَدٌ عَلى مِثْلِها، جَزَاءً وِفَاقاً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ، لَقَدْ أَخْفَوا أَعْمَالَهُمْ فَأَخْفَى اللهُ لَهُمْ مَا لَمْ تَرَهُ عَيْنٌ، وَلَمْ يَخْطُرْ عَلَى قَلبِ بَشَرٍ. مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ - مِنْ مُوجِبَاتِ المَسَرَّةِ وَالفَرَحِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : قلنا: إن الحق سبحانه أخفى أسرار الخير عن الخَلْق، ولم يُعْطهم منها إلا على قدر حاجتهم منها، فإذا أراد سبحانه أنْ يُجازي عباده المؤمنين لا يجازيهم بما يعلمون من خيرات الدنيا وإمكاناتهم فيها، إنما يجازيهم بما يعلم هو سبحانه، وبما يتناسب مع إمكانات قدرته. وهذه الإمكانات لا نستطيع نحن التعبير عنها؛ لأن ألفاظ اللغة لا تستطيع التعبير عنها، ومعلوم أن الإنسان لا يضع الاسم إلا إذا وُجد المسمى والمعنى أولاً؛ لذلك قال تعالى في التعبير عن هذا النعيم: {فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّآ أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ ..} [السجدة: 17]. وقال النبي صلى الله عليه وسلم عن الجنة: "حديث : فيها ما لا عين رأتْ، ولا أذن سمعت، ولا خظر على قلب بشر" تفسير : إذن: كيف نُسمِّي هذه الأشياء؟ وكيف نتصَّورها وهي فوق إدراكاتنا؟ لذلك سنفاجأ بها حين نراها إنْ شاء الله. ثم أَلاَ ترى أن الحق سبحانه حينما يعرض علينا طرفاً من ذكر الجنة لا يقول لنا الجنة كذا وكذا، إنما يقول: {أية : مَّثَلُ ٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِي وُعِدَ ٱلْمُتَّقُونَ ..} تفسير : [الرعد: 35] أي: أن ما نعرضه عليك ليس هو الجنة، إنما شبيه بها، أما هي على الحقيقة ففوق الوصف الذي تؤديه اللغة، فأنا أعطيكم الصورة القريبة لأذهانكم. ثم يُنقي الحق سبحانه المثل الذي يضربه لنا من شوائبه في الدنيا، وتأمل في ذلك قول الله تعالى عن نعيم الجنة: {أية : مَّثَلُ ٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِي وُعِدَ ٱلْمُتَّقُونَ فِيهَآ أَنْهَارٌ مِّن مَّآءٍ غَيْرِ آسِنٍ ..} تفسير : [محمد: 15] وكانت آفة الماء عندهم أن يأسن ويتغير في الجرار، فنقَّاه الله من هذه الآفة. وكذلك في {أية : وَأَنْهَارٌ مِّن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ ..} تفسير : [محمد: 15] وكان العربي إذا سار باللبن يحمض فيعافه {أية : وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ ..} تفسير : [محمد: 15] وآفة خمر الدنيا أنها تغتال العقل، وتذهب به، وليس في شربها لذة؛ لذلك نرى شاربها والعياذ بالله يتجرَّعها مرة واحدة، ويسكبها في فمه سَكْباً، دليلاً على أنها غير طيبة، وهل رأيت شارب الخمر يمتصُّها مثلاً كما تمتص كوباً من العصير، وتشعر بلذة شربه؟ وقد وصف الله خمر الآخرة بقوله: {أية : لاَ فِيهَا غَوْلٌ وَلاَ هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ} تفسير : [الصافات: 47]. ثم يقول سبحانه: {أية : وَأَنْهَارٌ مِّنْ عَسَلٍ مُّصَفًّى ..} تفسير : [محمد: 15] فوصف العسل بأنه مُصفَّى؛ لأن آفة العسل عندهم ما كان يعلَق به من الحصى والشوائب حين ينحدر من بيوت النحل في الجبال، فصفَّى الله عسل الآخرة من شوائب العسل في الدنيا. ومهما بلغ بنا ترف الحياة ونعيمها، ومهما عَظُمَتْ إمكاناتنا في الدنيا، فلن نرى فيها نهراً من الخمر، أو من اللبن، أو من العسل، ثم إن هذه الأنهار تجري في الجنة بلا شطآن، بل ويتداخل بعضها في بعض دون أن يطغى أحد منها على الآخر، وهذه طلاقة القدرة التي لا حدود لها. إذن: الحق سبحانه حين يشرح لنا نعيم الجنة، وحين يَصِفُها يعطينا المثال لا الحقيقة، ثم يُنقِّى هذا المثال مما يشوبه في الدنيا. ومن ذلك أن العربي كان يحب شجرة السِّدر أي النبق، فيستظل بظلها، ويأكل ثمرها، لكن كان ينغص عليه هذه اللذة ما بها من أشواك لا بُدَّ أنْ تؤذى مَنْ يقطف ثمارها، فلما ذكرها الله تعالى في نعيم الجنة قال عنها: {أية : فِي سِدْرٍ مَّخْضُودٍ} تفسير : [الواقعة: 28] أي: منزوع الشوك، فالمتعة به تامة لا يُنغِّصها شيء. ولما تكلم عن نساء الجنة قال سبحانه عن الحور العين: {أية : لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلاَ جَآنٌّ} تفسير : [الرحمن: 74] فنفى عنهن ما يُنغِّص على الرجل جمال المرأة في الدنيا، وطمأنك أنها بِكْر لم ينظر إليها أحد قبلك. لهذا قال تعالى عن نعيم الجنة {فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّآ أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ ..} [السجدة: 17] والقرة والقُرور أي: السكون، ومنه قرَّ في المكان أي: استقر فيه، والمعنى أن الإنسان لا يستقر في المكان إلا إذا وجد فيه راحته ومُقوِّمات حياته، فإذا أردتَ أنْ تستقر في مكان أو تشتري شقة مثلاً تسأل عن المرافق والخدمات من ماء وكهرباء وطرق .. إلخ. حتى نحن في تعبيراتنا العامية وفي الريف الذي يحتفظ لنا بخصائص الفطرة النقية التي لم يَشُبْها زيف الحضارات ولا زخرفة المدينة، وهذه الفطريات تستهوي النفوس وتجذبها، بدليل أن الإنسان الحضاري مهما بلغ القمة وسكن ناطحات السحاب، وتوفرتْ له كل كماليات الحياة لا بُدَّ أنْ يأتي اليوم الذي يلجأ فيه إلى أحضان الطبيعة، فلا ترتاح نفسه، ولا تستقر إلا في الريف، فيقضي هناك عدة أيام حيث تهدأ هناك نفسه، وتستريح من ضوضاء المدينة، والبعض يسمونها (الويك إند). فمعنى (قرة العين) أي: استقرارها على شيء بحيث لا تتحول عنه إلى غيره، والعين لا تستقر على الشيء إلا إذا أعجبها، ورأتْ فيه كل ما تصبو إليه من متعة. ومن ذلك قولنا (فلان عينه مليانة) يعني: لا يحتاج مزيداً من المرائي غير ما يراه (وفلان عينه فارغة) يعني: لا يكتفي بما يرى، بل يطلب المزيد، فينظر هنا وهناك. ففي الجنة تقرّ العيون بحيث لم يَعُدْ لها تطلعات، فقد كَمُلَتْ لها المعاني، فلا ينبغي لها أنْ تطمع في شيء آخر إلا الدوام. لذلك يخاطب الله رسوله صلى الله عليه وسلم: {أية : وَلاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِّنْهُمْ زَهْرَةَ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ..} تفسير : [طه: 131]. فالإنسان إذا كانت عينه فارغة تراه زائغ العينين، ينظر هنا وهناك، ولو كانت عينه (مليانة) لانتهى عندها. ومن معاني مادة (قرَّ) القُرُّ وهو البرد الشديد، وهذا المعنى يَكْنُون به عن سرور النفس، فالعين الباردة أي: المسرورة، أما العين الساخنة فهي الحزينة المتألمة. ومن المعاني أيضاً لقرور العين سكونها وعدم حركتها لِعلَّة أو عمى، ومن ذلك قول المرأة التي دخلتْ على الخليفة فقالت: أقرَّ الله عينك، وأتمَّ عليك نعمتك. ففهم الحاضرون أنها تدعو له، فقال: والله ما دعتْ لي، إنما دعتْ عليَّ، فهي تقصد أقرَّ الله عينك يعني: أسكنها لا تتحرك، وأتمَّ عليك نعمتك. أي: أزالها؛ لأن النعمة إذا تمتْ زالت، فلا شيء بعد التمام إلا النقصان. ثم يُعلِّل الحق سبحانه هذا النعيم الذي أخفاه لعباده المؤمنين في الجنة بأنه {جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} [السجدة: 17] وهذه أثارت معركة بين العلماء هي معركة الأحباء: فريق قال إن المؤمن يدخل الجنة بعمله، كما نصَّتْ هذه الآية أي: أن الجنة بالعدل لا بالفضل، وفريق قال: بل يدخل الجنة بفضل الله، كما جاء في قول الحق سبحانه وتعالى: {أية : قُلْ بِفَضْلِ ٱللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ} تفسير : [يونس: 58]. وقول النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : لن يدخل أحدٌ الجنةَ بعمله قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته ". تفسير : فلما حميَتْ هذه المعركة أرادوا أنْ يوحدوا هذين الرأيين، ويُوفِّقوا بينهما، فقالوا: لقد سبق الله تعالى المكلف بالإحسان، فخلق له مُقومات حياته قبل أنْ يوجد، ثم تركه يرتع في نِعَمه دون أنْ يطالبه بشيء حتى بلغ سِنَّ التكليف. فإذا ما كلَّفه الله بعد سابق نعمه عليه، فعليه أنْ يطيع هذا التكليف جزاء ما سبق من إحسان الله إليه الإحسان الأول، وبذلك يكون الجزاء في الآخرة ليس على العمل، إنما محْض فضل من الله على عباده. إذن: حينما تؤدي ما كلَّفك ربك به كأنك تجازي ربك بطاعته على سابق إحسانه إليه، فكأن الجنة ونعيمها زيادة وفضل من الله، فالله سبحانه له الفضل عليك في الأولى، وله الفضل عليك في الآخرة. ثم إن الحق - تبارك وتعالى - حين يُشرِّع لك ويكلِّفك، فشَرْعه وتكليفه في ذاته فضل، أَلاَ ترى أن الحسنة عنده سبحانه بعشر أمثالها، وأنها تضاعف إلى أضعاف كثيرة، ونحن مِلْكه سبحانه، يعطينا أو لا يعطينا. وبعض أهل المعرفة والشطح يقولون: الله قدَّم الإحسان أولاً، فيجب على العبد أن يأتي بالإحسان جزاء الإحسان؛ لأنه {أية : هَلْ جَزَآءُ ٱلإِحْسَانِ إِلاَّ ٱلإِحْسَانُ} تفسير : [الرحمن: 60]. وحين يُحسِن العبد في التكليف يُحيِّيه ربه بإحسان آخر، فيرد العبد على إحسان ربه إليه بالإحسان، وهكذا يتواصل الإحسان بين العبد وربه إلى ما لا نهاية. ثم يقول الحق سبحانه: {أَفَمَن كَانَ مُؤْمِناً ...}.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):