Verse. 3521 (AR)

٣٢ - ٱلسَّجْدَة

32 - As-Sajda (AR)

اَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا۝۰ۭؔ لَا يَسْـتَوٗنَ۝۱۸۬
Afaman kana muminan kaman kana fasiqan la yastawoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«أَفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون» أي المؤمنون والفاسقون.

18

Tafseer

الرازي

تفسير : لما بين حال المجرم والمؤمن قال للعاقل هل يستوي الفريقان، ثم بين أنهما لا يستويان، ثم بين عدم الاستواء على سبيل التفصيل، فقال: {أَمَّا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ فَلَهُمْ جَنَّـٰتُ ٱلْمَأْوَىٰ } إشارة إلى ما ذكرنا أن الله أحسن ابتداء لا لعوض فلما آمن العبد وعمل صالحاً قبله منه كأنه ابتداء فجازاه بأن أعطاه الجنة ثم قال تعالى: {نُزُلاً } إشارة إلى أن بعدها أشياء لأن النزل ما يعطي الملك النازل، وقت نزوله قبل أن يجعل له راتباً أو يكتب له خبزاً وقوله: {بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } يحقق ما ذكرنا وقوله تعالى: {وَأَمَّا ٱلَّذِينَ فَسَقُواْ فَمَأْوَاهُمُ ٱلنَّارُ كُلَّمَا أَرَادُواْ أَن يَخْرُجُواُ مِنْهَا } إشارة إلى حال الكافر، وقد ذكرنا مراراً أن العمل الصالح له مع الإيمان أثر أما الكفر إذا جاء فلا التفات إلى الأعمال، فلم يقل وأما الذين فسقوا وعملوا السيآت لأن المراد من فسقوا كفروا ولو جعل العقاب في مقابلة الكفر والعمل، لظن أن مجرد الكفر لا عقاب عليه، وقوله في حق المؤمنين (لَهُمْ ) بلام التمليك زيادة إكرام لأن من قال لغيره اسكن هذه الدار يكون ذلك محمولاً على العارية وله استرداده، وإذا قال هذه الدار لك يكون ذلك محمولا على نسبة الملكية إليه وليس له استرداده بحكم قوله وكذلك في قوله: { أية : لَهُمْ جَنَّـٰتُ } تفسير : [البقرة:25] ألا ترى أنه تعالى لما أسكن آدم الجنة وكان في علمه أنه يخرجه منها قال: { أية : ٱسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ ٱلْجَنَّةَ } تفسير : [البقرة: 35] ولم يقل لكما الجنة وفي الآخرة لما لم يكن للمؤمنين خروج عنها قال: { أية : لَهُمْ ٱلْجَنَّةِ } تفسير : [التوبة:111] و {لَهُمْ جَنَّـٰتُ } وقوله: {كُلَّمَا أَرَادُواْ أَن يَخْرُجُواُ مِنْهَا أُعِيدُواْ فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُواْ } إشارة إلى معنى حكمي، وهو أن المؤلم إذا تمكن والألم إذا امتد لم يبق به شعور تام ولهذا قال الأطباء إن حرارة حمى الدق بالنسبة إلى حرارة الحمى البلغمية نسبة النار إلى الماء المسخن، ثم إن المدقوق لا يحس من الحرارة بما يحس به من به الحمى البلغمية لتمكن الدق وقرب العهد بظهور حرارة الحمى البلغمية، وكذلك الإنسان إذا وضع يده في ماء بارد يتألم من البرد، فإذا صبر زماناً طويلاً تثلج يده ويبطل عنه ذلك الألم الشديد مع فساد مزاجه، إذا علمت هذا فقوله: {كُلَّمَا أَرَادُواْ أَن يَخْرُجُواُ مِنْهَا أُعِيدُواْ فِيهَا } إشارة إلى أن الإله لا يسكن عنهم بل يرد عليهم في كل حال أمر مؤلم يجدد وقوله: {ذُوقُواْ عَذَابَ ٱلنَّارِ ٱلَّذِي كُنتُمْ بِهِ تُكَذّبُونَ } يقرر ما ذكرنا ومعناه أنهم في الدنيا كانوا يكذبون بعذاب النار، فلما ذاقوه كان أشد إيلاماً لأن من لا يتوقع شيئاً فيصيبه يكون أشد تأثيراً، ثم إنهم في الآخرة كما في الدنيا يجزمون أن لا عذاب إلا وقد وصل إليهم ولا يتوقعون شيئاً آخر من العذاب فيرد عليهم عذاب أشد من الأول، وكانوا يكذبون به بقولهم لا عذاب فوق ما نحن فيه فإذن معنى قوله تعالى: {ذُوقُواْ عَذَابَ ٱلنَّارِ ٱلَّذِي كُنتُمْ بِهِ تُكَذّبُونَ } ليس مقتصراً على تكذيبهم الذي كان في الدنيا بل {كُلَّمَا أَرَادُواْ أَن يَخْرُجُواُ مِنْهَا أُعِيدُواْ فِيهَا } وقيل لهم ذوقوا عذاباً كذبتم به من قبل، أما في الدنيا بقولكم لا عذاب في الآخرة، وأما في الآخرة فبقولكم لا عذاب فوق ما نحن فيه.

القرطبي

تفسير : فيه ثلاث مسائل: الأولى: قوله تعالى: {أَفَمَن كَانَ مُؤْمِناً كَمَن كَانَ فَاسِقاً لاَّ يَسْتَوُونَ } أي ليس المؤمن كالفاسق؛ فلهذا آتينا هؤلاء المؤمنين الثواب العظيم. قال ابن عباس وعطاء بن يَسار: نزلت الآية في عليّ بن أبي طالب والوليد بن عُقبة بن أبي مُعَيْط؛ وذلك أنهما تلاحَيَا فقال له الوليد: أنا أَبْسَطُ منك لساناً وأحدّ سِناناً وأردّ للكتيبة ـ وروي وأملأ في الكتيبة ـ جسداً. فقال له عليّ: اسكت! فإنك فاسق؛ فنزلت الآية. وذكر الزجاج والنحاس أنها نزلت في عليّ وعُقبة بن أبي مُعَيْط. قال ابن عطية: وعلى هذا يلزم أن تكون الآية مكية؛ لأن عُقبة لم يكن بالمدينة، وإنما قُتل في طريق مكة مُنْصَرَف رسول الله صلى الله عليه وسلم من بدر. ويعترض القول الآخر بإطلاق اسم الفسق على الوليد. وذلك يحتمل أن يكون في صدر إسلام الوليد لشيء كان في نفسه، أوْ لما روي من نقله عن بني المُصْطَلِق ما لم يكن، حتى نزلت فيه: {أية : إِن جَآءَكُمْ فَاسِقُ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوۤاْ} تفسير : [الحجرات: 6] على ما يأتي في الحُجُرات بيانه. ويحتمل أن تطلق الشريعة ذلك عليه؛ لأنه كان على طرف مما يبغي، وهو الذي شرب الخمر في زمن عثمان رضي الله عنه، وصلّى الصبح بالناس ثم التفت وقال: أتريدون أن أزيدكم، ونحو هذا مما يطول ذكره. الثانية: لما قسّم الله تعالى المؤمنين والفاسقين الذين فسقهم بالكفر ـ لأن التكذيب في آخر الآية يقتضي ذلك ـ اقتضى ذلك نفي المساواة بين المؤمن والكافر؛ ولهذا منع القصاص بينهما؛ إذ من شرط وجوب القصاص المساواة بين القاتل والمقتول. وبذلك احتج علماؤنا على أبي حنيفة في قتله المسلم بالذميّ. وقال: أراد نفي المساواة هاهنا في الآخرة في الثواب وفي الدنيا في العدالة. ونحن حملناه على عمومه، وهو أصح، إذ لا دليل يخصه؛ قاله ابن العربي. الثالثة: قوله تعالى: {لاَّ يَسْتَوُونَ} قال الزجاج وغيره: «مَنْ» يصلح للواحد والجمع. النحاس: لفظ «مَنْ» يؤدي عن الجماعة؛ فلهذا قال: «لاَ يَسْتَوُونَ»؛ هذا قول كثير من النحويين. وقال بعضهم: «لا يَسْتَوُونَ» لاثنين؛ لأن الاثنين جمع، لأنه واحد جمع مع آخر. وقاله الزجاج أيضاً. والحديث يدلّ على هذا القول؛ لأنه عن ابن عباس. وغيره قال: نزلت {أَفَمَن كَانَ مُؤْمِناً} في عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه، {كَمَن كَانَ فَاسِقاً} في الوليد بن عُقبة بن أبي مُعَيْط. وقال الشاعر:شعر : أليس الموت بينهما سواء إذا ماتوا وصاروا في القبور

ابن كثير

تفسير : يخبر تعالى عن عدله وكرمه: أنه لا يساوي في حكمه يوم القيامة من كان مؤمناً بآياته متبعاً لرسله، بمن كان فاسقاً، أي: خارجاً عن طاعة ربه، مكذباً لرسل الله إليه، كما قال تعالى: {أية : أَمْ حَسِبَ ٱلَّذِينَ ٱجْتَرَحُواْ ٱلسَّيِّئَاتِ أَن نَّجْعَلَهُمْ كَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ سَوَآءً مَّحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ} تفسير : [الجاثية: 21] وقال تعالى: {أية : أَمْ نَجْعَلُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ كَٱلْمُفْسِدِينَ فِى ٱلأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ ٱلْمُتَّقِينَ كَٱلْفُجَّارِ } تفسير : [ص: 28] وقال تعالى: {أية : لاَ يَسْتَوِىۤ أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ وَأَصْحَـٰبُ ٱلْجَنَّةِ} تفسير : [الحشر: 20] الآية، ولهذا قال تعالى ههنا: {أَفَمَن كَانَ مُؤْمِناً كَمَن كَانَ فَاسِقاً لاَّ يَسْتَوُونَ} أي: عند الله يوم القيامة، وقد ذكر عطاء بن يسار والسدي وغيرهما: أنها نزلت في علي بن أبي طالب وعقبة بن أبي معيط، ولهذا فصل حكمهم، فقال: {أَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ} أي: صدقت قلوبهم بآيات الله، وعملوا يمقتضاها، وهي الصالحات، {فَلَهُمْ جَنَّاتُ ٱلْمَأْوَىٰ} أي: التي فيها المساكن والدور والغرف العالية {نُزُلاً} أي: ضيافة وكرامة {بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ فَسَقُواْ} أي: خرجوا عن الطاعة، فمأواهم النار، كلما أرادوا أن يخرجوا منها، أعيدوا فيها؛ كقوله: {كُلَّمَآ أَرَادُوۤاْ أَن يَخْرُجُواُ مِنْهَآ أُعِيدُواْ فِيهَا} الآية. قال الفضيل بن عياض: والله إن الأيدي لموثقة، وإن الأرجل لمقيدة، وإن اللهب ليرفعهم، والملائكة تقمعهم، {وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُواْ عَذَابَ ٱلنَّارِ ٱلَّذِي كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ} أي: يقال لهم ذلك تقريعاً وتوبيخاً. وقوله تعالى: {وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِّنَ ٱلْعَذَابِ ٱلأَدْنَىٰ دُونَ ٱلْعَذَابِ ٱلأَكْبَرِ} قال ابن عباس: يعني بالعذاب الآدنى مصائب الدنيا وأسقامها وآفاتها، وما يحل بأهلها؛ مما يبتلي الله به عباده؛ ليتوبوا إليه. وروي مثله عن أبي بن كعب وأبي العالية والحسن وإبراهيم النخعي والضحاك وعلقمة وعطية ومجاهد وقتادة وعبد الكريم الجزري وخصيف. وقال ابن عباس في رواية عنه: يعني به: إقامة الحدود عليهم. وقال البراء بن عازب ومجاهد وأبو عبيدة: يعني به: عذاب القبر. وقال النسائي: أخبرنا عمرو بن علي، أخبرنا عبد الرحمن بن مهدي عن إسرائيل عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص، وأبي عبيدة عن عبد الله: {وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِّنَ ٱلْعَذَابِ ٱلأَدْنَىٰ دُونَ ٱلْعَذَابِ ٱلأَكْبَرِ} قال: سنون أصابتهم. وقال عبد الله ابن الإمام أحمد: حدثني عبيد الله بن عمر القواريري، حدثنا يحيى بن سعيد عن شعبة عن قتادة عن عروة عن الحسن العوفي عن يحيى الجزار، عن ابن أبي ليلى عن أبي بن كعب في هذه الآية: {وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِّنَ ٱلْعَذَابِ ٱلأَدْنَىٰ دُونَ ٱلْعَذَابِ ٱلأَكْبَرِ} قال: القمر والدخان قد مضيا، والبطشة واللزام، ورواه مسلم من حديث شعبة به موقوفاً نحوه. وعند البخاري عن ابن مسعود نحوه. وقال عبد الله بن مسعود أيضاً في رواية عنه: العذاب الأدنى: ما أصابهم من القتل والسبي يوم بدر، وكذا قال مالك عن زيد بن أسلم. قال السدي وغيره: لم يبق بيت بمكة إلا دخله الحزن على قتيل لهم أو أسير، فأصيبوا أو غرموا، ومنهم من جمع له الأمران. وقوله تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِـآيَـٰتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَآ} أي: لا أظلم ممن ذكره الله بآياته، وبينها له ووضحها، ثم بعد ذلك تركها وجحدها، وأعرض عنها، وتناساها كأنه لا يعرفها. قال قتادة.: إياكم والإعراض عن ذكر الله، فإن من أعرض عن ذكره فقد اغتر أكبر الغرة، وأعوز أشد العوز، وعظم من أعظم الذنوب، ولهذا قال تعالى متهدداً لمن فعل ذلك: {إِنَّا مِنَٱلْمُجْرِمِينَ مُنتَقِمُونَ} أي: سأنتقم ممن فعل ذلك أشد الانتقام. وروى ابن جرير: حدثني عمران بن بكار الكلاعي، حدثنا محمد بن المبارك، حدثنا إسماعيل بن عياش، حدثنا عبد العزيز بن عبيد الله عن عبادة بن نسي عن جنادة بن أبي أمية عن معاذ بن جبل قال: سمعت رسول الله يقول: حديث : »ثلاث من فعلهن فقد أجرم: من عقد لواء في غير حق، أو عق والديه، أو مشى مع ظالم ينصره، فقد أجرم، يقول الله تعالى: { إِنَّا مِنَ ٱلْمُجْرِمِينَ مُنتَقِمُونَ}»تفسير : ورواه ابن أبي حاتم من حديث إسماعيل بن عياش به، وهذا حديث غريب جداً.

المحلي و السيوطي

تفسير : {أَفَمَن كَانَ مُؤْمِناً كَمَن كَانَ فَاسِقاً لاَّ يَسْتَوُنَ } أي المؤمنون والفاسقون.

الماوردي

تفسير : قوله تعالى: {أَفَمَن كَانَ مُؤْمِناً كَمَن كَانَ فَاسِقاً} المؤمن هنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه والفاسق عقبة بن أبي معيط قال ابن عباس: سابّ عقبة علياً فقال أنا أبسط منك لساناً وأحدّ منك سناناً وأملأ منك حشواً فقال له علي كرم الله وجهه: ليس كما قلت يا فاسق فنزلت، فيهما هذه الآية. {لاَ يَسْتَوُونَ} قال قتادة: لا والله لا يستوون لا في الدينا ولا عند الموت ولا في الآخرة. قوله تعالى: {وَلَنُذِيقَنَّهُم مِّنَ الْعَذَابِ الأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الأَكْبَرِ} أما العذاب الأدنى ففي الدنيا وفيه سبعة أقاويل: أحدها: أنها مصائب الدنيا في الأنفس والأموال، قاله أُبي. الثاني: القتل بالسيف، قاله ابن مسعود. الثالث: أنه الحدود،قاله ابن عباس. الرابع: القحط والجدب، قاله إبراهيم. الخامس: عذاب القبر، قاله البراء بن عازب ومجاهد. السادس: أنه عذاب الدنيا كلها، قاله ابن زيد. السابع: أنه غلاء السعر والأكبر خروج المهدي، قاله جعفر الصادق. ويحتمل ثامناً: أن العذاب الأدنى في المال، والأكبر في الأنفس. والعذاب الأكبر عذاب جهنم في الآخرة. {لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} فيه وجهان: أحدهما: يرجعون إلى الحق، قاله إبراهيم. الثاني: يتوبون من الكفر، قاله ابن عباس.

ابن عبد السلام

تفسير : {أَفَمَن كَانَ مُؤْمِناً} علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه والفاسق عقبة بن أبي معيط تَسَابَّا فقال عقبة: أنا أَحَدُّ منك سناناً وأبسط منك لساناً وأملأ منك حَشوًا. فقال: علي رضي الله تعالى عنه ليس كما قلت يا فاسق. فنزلت فيهما "ع".

النسفي

تفسير : {أفمن كان مؤمناً كمن كان فاسقاً} أي كافراً وهما محمولان على لفظ من وقوله {لاّ يستوون} على المعنى بدليل قوله {أمّا الّذين آمنوا وعملوا الصّالحات فلهم جنّات المأوى} هي نوع من الجنان تأوي إليها أرواح الشهداء. وقيل: هي عن يمين العرش {نزلاً بما كانوا يعملون} عطاء بأعمالهم والنزل عطاء النازل ثم صار عاماً {وأمّا الّذين فسقوا فمأواهم النّار} أي ملجؤهم ومنزلهم {كلّما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها وقيل لهم} أي تقول لهم خزنة النار {ذوقوا عذاب النّار الّذي كنتم به تكذّبون} وهذا دليل على أن المراد بالفاسق الكافر إذ التكذيب يقابل الإيمان {ولنذيقنّهم مّن العذاب الأدنى} أي عذاب الدنيا من الأسر وما محنوا به من السنة سبع سنين {دون العذاب الأكبر} أي عذاب الآخرة أي نذيقهم عذاب الدنيا قبل أن يصلوا إلى الآخرة. وعن الداراني: العذاب الأدنى الخذلان والعذاب الأكبر الخلود في النيران. وقيل: العذاب الأدنى عذاب القبر {لعلّهم} لعل المعذبين بالعذاب الأدنى {يرجعون} يتوبون عن الكفر {ومن أظلم ممّن ذكّر} وعظ {بآيات ربّه} أي بالقرآن {ثمّ أعرض عنها} أي فتولى عنها ولم يتدبر فيها. و«ثم» للاستبعاد أي أن الإعراض عن مثل هذه الآيات في وضوحها وإنارتها وإرشادها إلى سواء السبيل والفوز بالسعادة العظمى بعد التذكير بها، مستبعد في العقل كما تقول لصاحبك «وجدت مثل تلك الفرصة ثم لم تنتهزها» استبعاداً لتركه الانتهاز {إنّا من المجرمين منتقمون} ولم يقل «منه» لأنه إذا جعله أظلم كل ظالم ثم توعد المجرمين عامة بالانتقام منهم فقد دل على إصابة الأظلم النصيب الأوفر من الانتقام، ولو قال بالضمير لم يفد هذه الفائدة. {ولقد آتينا موسى الكتاب} التوراة {فلا تكن في مريةٍ} شك {من لقائه} من لقاء موسى الكتاب أو من لقائك موسى ليلة المعراج أو يوم القيامة أو من لقاء موسى ربه في الآخرة كذا عن النبي صلى الله عليه وسلم {وجعلناه هدًى لّبني إسرائيل} وجعلنا الكتاب المنزل على موسى لقومه هدى {وجعلنا منهم أئمّةً} بهمزتين: كوفي وشامي {يهدون} بذلك الناس ويدعونهم إلى ما في التوراة من دين الله وشرائعه {بأمرنا} إياهم بذلك {لمّا صبروا} حين صبروا على الحق بطاعة الله أو عن المعاصي {لما صبروا} حمزة وعلي أي لصبرهم عن الدنيا، وفيه دليل على أن الصبر ثمرته إمامة الناس {وكانوا بآياتنا} التوراة {يوقنون} يعلمون علماً لا يخالجه شك {إنّ ربّك هو يفصل} يقضي {بينهم يوم القيامة} بين الأنبياء وأممهم أو بين المؤمنين والمشركين {فيما كانوا فيه يختلفون} فيظهر المحق من المبطل. {أو لم} الواو للعطف على معطوف عليه منوي من جنس المعطوف أي أو لم يدع {يهد} يبين والفاعل الله بدليل قراءة زيد عن يعقوب {نهد} {لهم} لأهل مكة {كم} لا يجوز أن يكون «كم» فاعل {يهدى} لأن «كم» للاستفهام فلا يعمل فيه ما قبله ومحله نصب بقوله {أهلكنا من قبلهم مّن القرون} كعاد وثمود وقوم لوط {يمشون في مساكنهم} أي أهل مكة يمرون في متاجرهم على ديارهم وبلادهم {إنّ في ذلك لآياتٍ أفلا يسمعون} المواعظ فيتعظوا {أو لم يروا أنّا نسوق الماء} نجري المطر والأنهار {إلى الأرض الجرز} أي الأرض التي جرز نباتها أي قطع إما لعدم الماء أو لأنه رعي، ولا يقال للتي لا تنبت كالسباخ جرز بدليل قوله {فنخرج به} بالماء {زرعاً تأكل منه} من الزرع {أنعامهم} من عصفه {وأنفسهم} من حبه {أفلا يبصرون} بأعينهم فيستدلوا به على قدرته على إحياء الموتى {ويقولون متى هذا الفتح} النصر أو الفصل بالحكومة من قوله {أية : ربنا افتح بيننا}تفسير : [الأعراف: 89] وكان المسلمون يقولون إن الله سيفتح لنا على المشركين أو بفتح بيننا وبينهم فإذا سمع المشركون ذلك قالوا: متى هذا الفتح أي في أي وقت يكون {إنّ كنتم صادقين} في أنه كائن. {قل يوم الفتح} أي يوم القيامة وهو يوم الفصل بين المؤمنين وأعدائهم أو يوم نصرهم عليهم أو يوم بدر أو يوم فتح مكة {لا ينفع الّذين كفروا إيمانهم ولا هم ينظرون} وهذا الكلام لم ينطبق جواباً على سؤالهم ظاهراً ولكن لما كان غرضهم في السؤال عن وقت الفتح استعجالاً منهم على وجه التكذيب والاستهزاء أجيبوا على حسب ما عرف من غرضهم في سؤالهم فقيل لهم: لا تستعجلوا به ولا تستهزئوا فكأني بكم وقد حصلتم في ذلك اليوم وآمنتم فلا ينفعكم الإيمان، أو استنظرتم في إدراك العذاب فلم تنظروا، ومن فسره بيوم الفتح أو بيوم بدر فهو يريد المقتولين منهم فإنهم لا ينفعهم إيمانهم في حال القتل كما لم ينفع فرعون إيمانه عند الغرق {فأعرض عنهم وانتظر} النصرة وهلاكهم {إنّهم مّنتظرون} الغلبة عليكم وهلاككم، وكان عليه السلام لا ينام حتى يقرأ «{ألم تنزيل}» السجدة و {أية : تبارك الذي بيده الملك} تفسير : [الملك: 1] وقال «حديث : من قرأ الم تنزيل في بيته لم يدخله الشيطان ثلاثة أيام»تفسير : وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: سورة الم تنزيل هي المانعة تمنع من عذاب القبر. والله أعلم.

البقاعي

تفسير : ولما كانوا أهل بلاغة ولسن، وبراعة: وجدل، فكان ربما قال متعنتهم: ما له إذا كان ما تزعمون من أنه لا يبالي بشيء ولا ينقص من خزائنه شيء وهو العزيز الرحيم، لا يسوي بين الكل في إدخال الجنة، والمن بالنعيم فيعمهم بالرحمة الظاهرة كما عمهم بها في الدينا كما هو دأب المحسنين؟ تسبب عن ذلك أن قال منكراً لذلك مشيراً إلى أن المانع منه خروجه عن الحكمة، فإن تلك دار الجزاء، وهذه دار العمل، فبينهما بون: {أفمن كان} أي كوناً كأنه من رسوخه جبلي {مؤمناً} أي راسخاً في التصديق العظيم بجميع ما أخبرت به الرسل {كمن كان} ولما كان السياق منسوقاً على دليل {مالكم من دونه من ولي ولا شفيع} - الآية، فكان الكافر خارجاً عن محيط ذلك الدليل الذي لا يخفي بوجه على أحد له سمع وبصر وفؤاد، اقتضى الحال التعبير بالفسق الذي هو الخروج عن محيط فقال: {فاسقاً} أي راسخاً في الفسق خارجاً عن دائرة الإذعان. ولما توجه الاستفهام إلى كل من اتصف بهذا الصف، وكان الاستفهام إنكارياً، عبر عن معناه مصرحاً بقوله: {لا يستوون} إشارة - بالحمل على لفظ "من" مرة ومعناها أخرى - إلى أنه لا يستوي جمع من هؤلاء يجمع من أولئك ولا فرد بفرد. ولما نفى استواءهم، أتبعه حال كل على سبيل التفصيل معبراً بالجمع لأن الحكم بإرضائه وإسخاطه بفهم الحكم على الواحد منه من باب الأولى فقال: {أما الذين آمنوا وعملوا} أي تصديقاً لإيمانهم {الصالحات فلهم جنات المأوى} أي الجنات المختصة دون الدنيا التي هي دار ممر، دون النار التي هي دار مفر لا مقر، بتأهلها للمأوى الكامل في هذا الوصف بما أشار إليه بـ "ال" ثابتون فيها لا يبغون عنها حولاً، كما تبؤوا الإيمان الذي هو أهل للإقامة فلم يبغوا به بدلاً {نزلاً} أي عداداً لهم أول قدومهم في قول الحسن وعطاء، وهو أوفق للمقام كما يعد للضيف على ما لاح {بما كانوا} جبلة وطبعاً {يعملون *} دائماً على وجه التجديد، فإن أعمالهم من رحمة ربهم، فإذا كانت هذه الجنات نزلاً فما ظنك بما بعد ذلك! وهو لعمري ما أشار إليه قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر" تفسير : وهم كل لحظة في زيادة لأن قدرة الله لا نهاية لها، فإياك أن يخدعك خادع أو يغرك ملحد {وأما الذين فسقوا} أي خرجوا عن دائرة الإيمان الذي هو معدن التواضع وأهل للمصاحبة والملازمة {فمأواهم النار} أي التي لا صلاحية فيها للإيواء بوجه من الوجوه أصلاً. ولما كان السامع جديراً بالعلم بأنهم مجتهدون في الخلاص منها، قال مستأنفاً لشرح حالهم: {كلما أرادوا} أي وهم مجتهدون فكيف إذا أراد بعضهم {أن يخرجوا منها} وهذا يدل على أنه يزاد في عذابهم بأن يخيل إليهم ما يظنون به القدرة على الخروج منها كما كانوا يخرجون بفسوقهم من محيط الأدلة من دائرة الطاعات إلى بيداء المعاصي والزلات، فيعالجون الخروج فإذا ظنوا أنه تيسر لهم وهم بعد في غمراتها {أعيدوا} بأيسر أمر وأسهله من أيّ من أمر بذلك {فيها} إلى المكان الذي كانوا فيه أولاً، ولا يزال هذا دأبهم أبداً {وقيل} أي من أيّ قائل وكل بهم {لهم} أي عند الإعادة إهانة له: {ذوقوا عذاب النار}. ولما وصف عذابهم في النار كان أحق بالوصف عند بيان سبب الإهانة بالأمر بالذوق مع أنه أحق من حيث كونه مضافاً محدثاً عنه فقال: {الذي كنتم} أي كوناً هو لكم كالجبلات، وأشار إلى أن تكذيبهم به يتلاشى عنده كل تكذيب، فكأنه مختص فقال: {به تكذبون *} فإن الإعادة بعد معالجة الخروج أمكن في التصديق باعتبار التجدد في كل آن. ولما كان المؤمنون الآن يتمنون إصابتهم بشيء من الهوان في هذه الدار، لأن نفوس البشر مطبوعة على العجلة، بشرهم بذلك على وجه يشمل عذاب القبر، فقال مؤكداً له لما عندهم من الإنكار لعذاب ما بعد الموت وللإصابة في الدنيا بما هم من الكثرة والقوة: {ولنذيقنهم} أي أجمعين بالمباشرة والتسبيب، بما لنا من العظمة التي تتلاشى عندها كثرتهم وقوتهم {من العذاب الأدنى} أي قبل يوم القيامة، بأيديكم وغيرها، وقد صدق الله قوله، وقد كانوا عند نزول هذه السورة بمكة المشرفة في غاية الكثرة والنعمة، فأذاقهم الجدب سنين متوالية، وفرق شملهم وقتلهم وأسرهم بأيدي المؤمنين إلى غير ذلك بما أراد سبحانه؛ ثم أكد الإرادة لما قبل الآخرة وحققها بقوله، معبراً بما يصلح للغيرية والسفول: {دون العذاب الأكبر} أي الذي مر ذكره في الآخرة {لعلهم يرجعون*} أي ليكون حالهم حال من يرجى رجوعه عن فسقه عند من ينظره، وقد كان ذلك، رجع كثير منهم خوفاً من السيف، فلما رأوا محاسن الإسلام كانوا من أشد الناس فيه رغبة وله حباً.

السيوطي

تفسير : أخرج أبو الفرج الأصفهاني في كتاب الأغاني والواحدي وابن عدي وابن مردويه والخطيب وابن عساكر من طرق عن ابن عباس رضي الله عنهما قال‏:‏ قال الوليد بن عقبة لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه‏:‏ أنا أحد منك سناناً، وأبسط منك لساناً، وأملأ للكتيبة منك، فقال له علي رضي الله عنه‏:‏ اسكت فإنما أنت فاسق‏.‏ فنزلت ‏ {‏أفمن كان مؤمناً كمن كان فاسقاً لا يستوون‏} ‏ يعني بالمؤمن‏:‏ عليا‏ً.‏ وبالفاسق‏:‏ الوليد بن عقبة بن أبي معيط‏.‏ وأخرج ابن إسحاق وابن جرير عن عطاء بن يسار قال‏:‏ نزلت بالمدينة في علي بن أبي طالب، والوليد بن عقبة بن أبي معيط قال‏:‏ كان بين الوليد وبين علي كلام فقال الوليد بن عقبة‏:‏ أنا أبسط منك لساناً، وأحمد منك سناناً، وأرد منك للكتيبة، فقال علي رضي الله عنه‏:‏ اسكت فانك فاسق‏.‏ فأنزل الله ‏{‏أفمن كان مؤمناً كمن كان فاسقاً لا يستوون‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه مثله‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه في قوله ‏{‏أفمن كان مؤمناً كمن كان فاسقاً لا يستوون...‏}‏ قال‏:‏ نزلت في علي بن أبي طالب رضي الله عنه، والوليد بن عقبة‏.‏ وأخرج ابن مردويه والخطيب وابن عساكر عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله ‏{‏أفمن كان مؤمناً كمن كان فاسقاً‏} قال‏:‏ أما المؤمن‏:‏ فعلي بن أبي طالب رضي الله عنه، وأما الفاسق:‏ فعقبة بن أبي معيط، وذلك لسباب كان بينهما، فأنزل الله ذلك‏. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله {‏أفمن كان مؤمناً كمن كان فاسقاً لا يستوون‏} ‏ قال‏:‏ لا في الدنيا، ولا عند الموت، ولا في الآخرة‏.‏ وفي قوله ‏ {‏وأما الذين فسقوا‏} ‏ قال‏:‏ هم الذين أشركوا وفي قوله ‏{‏كنتم به تكذبون‏}‏ قال‏:‏ هم يكذبون كما ترون‏.

السلمي

تفسير : قال بعضهم ليس من هو فى أنس الإقبال علينا كمن هو فى وحشة الإعراض عنا. وقال ابن عطاء: من كان فى بصره الطاعة والإيمان لا يستوى مع من هو فى ظلمة الفسق والعصيان. قال القاسم: لا يستوى من أكرم بنور البيان، وسواطع البرهان، ويضىء عليه لمعان التوفيق مع من هو فى ظلمات الهوى، ومتابعة الشيطان، وترادف المخالفات، لا يلتقيان أبدًا.

القشيري

تفسير : أفمن كان في حال الوصال يَجِرّ أذيالَه كنتْ هو في مَذلةِ الفراق يقاسي وبالَهَ؟ أفمن كان في رَوْحِ القربة ونسيم الزلفة كمن هو في هوْل العقوبة يعاني مشقة الكلفة؟ أفمن هو في رَوْح إقبالنا عليه كمن هو محنة إعراضنا عنه؟ أفمن بقي معنا كمنْ بقي عَنَّا؟ أفمنْ هو في نهار العرفان وضياء الإحسان كمن هو في ليالي الكفران ووحشة العصيان؟ أَفمن أُيِّدَ بنور البرهان وطلعت عليه شموسُ العرفان كمن ربطَ بالخذلان ووُسم بالحرمان؟ لا يستويان ولا يلتقيان!

البقلي

تفسير : فامن كان عارفا بذاته وصفاته كم كان جاهلا بجلاله قدرته لا يستويان ابدا كما لا يستوى البصير والاعمى قال ابن عطا من كان فى بصيرة الطاعة والايمان لا يستوى مع من هو فى ظلمات الفسق والطغيان.

اسماعيل حقي

تفسير : {أفمن} [آيا آنكس كه] {كان} فى الدنيا {مؤمنا كمن كان فاسقا} خارجا عن الايمان لانه قابل به المؤمن وايضا اخبر انه يخلد فى النار ولا يستحق التخليد فيها الا الكافر {لا يستوون} فى الشرف والجزاء فى الآخرة والتصريح به مع افادة الانكار نفى المشابهة للتأكيد وبناء التفصيل الآتى عليه والجمع للحمل على معنى من. قال الكاشفى [آورده اندكه وليد بن عقبه باشير بيشه مردى در مقام مفاخرت آمده كفت اى على سنان من ازسنان توسخترست وزبان من از زبان توتيز تر على كفت خاموش باش اى فاسق ترا با من جه زهره مساوات وجه ياراى مجادلا تست حق سبحانه وتعالى براى تصديق على رضى الله عنه آيت فرستاد] فالمؤمن هو علىّ رضى الله عنه ودخل فيه من مثل حاله والكافر هو الوليد ودخل فيه من هو على صفته ولذلك اورد الجمع فى لا يستوون. قال ابن عطاء من كان فى انوار الطاعة والايمان لا يستوى مع من هو فى ظلمات الفسق والطغيان. وفى كشف الاسرار أفمن كان فى حلة الوصال يجرّ اذياله كمن هو فى مذلة الفراق يقاسى وباله أفمن كان فى روح القربة ونيسم الزلفة كمن هو فى هول العقوبة يعانى مشقة الكلفة أفمن ايد بنور البرهان وطلعت عليه شموس العرفان كمن ربط بالخذلان ووسم بالحرمان لا يستويان ولا يلتقيان شعر : ايها المنكح الثريا سهيلا عمرك الله كيف يلتقيان هى شامية اذا ما استقلت وسهيل اذا استقل يمانى تفسير : {اما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم} استحقاقا {جنات المأوى} قال الراغب المأوى مصدر اوى الى كذا انضم اليه وجنة المأوى كقوله دار الخلود فى كون الدار مضافا الى المصدر. وفى الارشاد اضيفت الجنة الى المأوى لانها المأوى الحقيقى وانما الدنيا منزل مرتحل عنه لا محالة ولذلك سميت قنطرة لانها معبر للآخرة لا مقر: وبالفارسية [ايشانراست بوستانها وبهشتها كه مأواى حقيقى است]. وعن ابن عباس رضى الله عنهما جنة المأوى كلها من الذهب وهى احدى الجنان الثمان التى هى دار الجلال ودار القرار ودار السلام وجنة عدن وجنة المأوى وجنة الخلد وجنة الفردوس وجنة النعيم {نزلا} اى حال كون تلك الجنات ثوابا واجرا: وبالفارسية [در حالتى كه بيشكش باشد يعنى ما حضرى كه براى مهمانان آرند] وهو فى الاصل ما يعد للنازل والضيف من طعام وشراب وصلة ثم صار عاما فى العطاء {بما كانوا يعملون} بسبب اعمالهم الحسنة التى عملوها فى الدنيا. وفى التأويلات النجمية {أفمن كان مؤمنا} بطلب الحق تعالى {كمن كان فاسقا} بطلب ما سوى الحق {لا يستوون} اى الطالبون لله والطالبون لغير الله فـ{أما الذين آمنوا} بطلب الحق {وعملوا الصالحات} بالاقبال على الله والاعراض عما سواه {فلهم جنات المأوى نزلا} يعنى ان جنات مأوى الابرار ومنزلهم يكون نزلا للمقربين السائرين الى الله واما مأواهم ومنزلهم ففى مقعد صدق عند مليك مقتدر {واما الذين فسقوا} خرجوا عن الايمان والطاعة بايثار الكفر والمعصية عليهما {فمأواهم} اسم مكان اى ملجأهم ومنزلهم {النار} مكان جنات المأوى للمؤمنين {كلما} [هركاه كه] {ارادوا ان يخرجوا منها اعيدوا فيها} عبارة عن الخلود فيها فانه لا خروج ولا اعادة فى الحقيقة كقوله {أية : كلما خبت زدناهم سعيرا} تفسير : ونار جهنم لا تخبو يعنى كلما قال قائلهم قد خبت زيد فيها ويروى انه يضربهم لهيب النار فيرتفعون الى طبقاتها حتى اذا قربوا من بابها وارادوا ان يخرجوا منها يضربهم لهيب النار او تتلقاهم الخزنة بمقامع: يعنى [بكرزهاى آتشين] فتضربهم فيهوون الى قعرها سبعين خريفا وهكذا يفعل بهم ابدا وكلمة فى للدلالة على انهم مستقرون فيها وانما الاعادة من بعض طبقاتها الى بعض {وقيل لهم} اهانة وتشديدا عليهم وزيادة فى غيظهم {ذوقوا عذاب النار الذى كنتم به} اى بعذاب النار {تكذبون} على الاستمرار فى الدنيا وتقولون لاجنة ولا نار. قال فى برهان القرآن وفى سبأ {عذاب النار التى كنتم بها تكذبون} لان النار فى هذه السورة وقعت موقع الكناية لتقدم ذكرها والكنايات لا توصف بوصف العذاب وفى سبأ لم يتقدم ذكر النار فحسن وصف النار وهذه لطيفة فاحفظها انتهى. وفى التأويلات {واما الذين فسقوا} خرجوا عن سبيل الرشاد ووقعوا فى بئر البعد والابعاد {فمأواهم النار كلما ارادوا ان يخرجوا منها اعيدوا فيها} لانهم فى هذه الصفة عاشوا وفيها ماتوا فعليها حشروا وذلك ان دعاة الحق لما كانوا فى الدنيا ينصحون لهم ان يخرجوا من اسفل الطبيعة بحبل الشريعة برعاية آداب الطريقة حملهم الشوق الروحانى على التوجه الى الوطن الاصلى العلوى فلما عزموا على الخروج من الدركات الشهوانية ادركتهم الطبيعة النفسانية الحيوانية السفلية واعادتهم الى اسفل الطبيعة {وقيل لهم} يوم القيامة {ذوقوا} الخ لانكم وان كنتم معذبين فى الدنيا ولكن ما كان لكم شعور بالعذاب الذى يجلل حواسكم الاخروية ولو كنتم تجدون ذوق العذاب لانتهيتم عن الاعمال الموجبة لعذاب النار كما انكم لما ذقتم ألم عذاب النار فى الدنيا احترزتم عنها غاية الاحتراز انتهى. فالاحتراق وصف الكافر والفاسق واما المؤمن والمطيع فقد قال عليه السلام فى حقه "حديث : تقول جهنم للمؤمن جز يا مؤمن فقد اطفأ نورك لهبى" تفسير : كما قال فى المثنوى شعر : كويدش بكذر سبك اى محتشم ورنه زاتشهاى تومرد آتشم تفسير : وذلك النور هو نور التوحيد وله تأثير جدا فى عدم الاحتراق ـ كما حكى ـ ان مجذوبا كان يصاحب الشيخ الحاجى بيرام قدس سره وكان يحبه فلما توفى الشيخ جاء المجذوب الى الشيخ الشهير بآق شمس الدين لكونه خليفة الشيخ الحاجى بيرام فقال له شمس الدين يوما يا اخى ما لبست كسوة الشيخ الحاجى بيرام فى حياته فكيف لو لبستها من يدنا فقبل ففرح شمس الدين مع مريديه فعملوا ضيافة والبسوه كسوة فلما لبسها القى نفسه فى نار كانت فى ذلك المجلس فلبث فيها حتى احترقت الكسوة ولم يحترق المجذوب ثم خرج منها وقال يا ايها الشيخ لا خير فى كسوة تحرفها النار. قال بعض العارفين لو كان المشتاقون دون جماله فى الجنة واويلاه ولو كانوا فى الجحيم معه واشوقاه فمن كان مع المحبوب فهو لا يحترق ألا ترى ان النبى عليه الصلاة والسلام نظر الى جهنم وما فيها ليلة المعراج ولم يحترق منه شعرة وكما ان النار تقول للمؤمن ذلك القول كذلك الجنة تقول له حين يذهب الى مقامه جزيا مؤمن الى مقامك فان نورك يذهب بزينتى ولطافتى كما قال فى المثنوى شعر : كويدش جنت كذركن همجو باد ورنه كردد هرجه من دارم كساد تفسير : وذلك لان نور المؤمن نور التجلى والتجلى انما يكون للمؤمن لا للجنة فيغلب نوره على الجنة التى ليس لها نور التجلى ألا ترى ان من جلس للوعظ وفى المجلس من هو اعلى حالا منه فى العلم يحصل له الانقباض والكساد فلا يطلب الا قيام ذلك من المجلس فاذا كان هذا حال العالم مع من هو اعلم منه فى الظاهر فقس عليه حال العالم مع من هو اعلم منه فى الباطن فمن عرف مراتب اهل الله تعالى يسكت عند حضورهم لان لهم الغلبة فى كل شان ولهم المعرفة بكل مقام قدس الله اسرارهم

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جل جلاله: {أفمن كان مؤمناً} بالله ورسله {كمن كان فاسقاً}؛ خارجاً عن الإيمان {لا يستوون} أبداً عند الله تعالى. وأفرد, أولاً؛ مراعاةً للفظ "من"، وجمع ثانياً مراعاة لمعناها. ثم فصّل حالهم بقوله: {أما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم جناتُ المأوى} أي: المسكن الحقيقي، وأما الدنيا، فإنها منزل انتقال وارتحال، لا محالة، وقيل: المأوى: جنة من الجنان. قال ابن عطية سميت جنة المأوى لأن أرواح المؤمنين تأوي إليها. هـ. أي: في الدنيا؛ لأنها في حواصل طير خضر، كما ورد في الشهداء، وأما الصدِّيقون فإنها تشكل على صور أجسادها، تسرح حيث شاءت. {نُزُلاً بما كانوا يعملون} أي: عطاء معجلاً بأعمالهم. والنُزُل: ما يقدم للنازل، ثم صار عاماً. {وأما الذين فسقوا فمأواهم النارُ} أي: هي ملجأهم ومنزلُهم، {كلما أرادوا أن يخرجوا منها أُعيدوا فيها}، فلا خروج منها، ولا موت، {وقيل} لهم: {ذُوقُوا عذابَ النار الذي كنتم به تُكذِّبون}، هذا دليل على أن المراد بالفاسق: الكافر؛ إذ التكذيب يقابل الإيمان. قال ابن جزي: فإن قيل: لِمَ وصف، هنا، العذاب، وأعاد عليه الضمير، ووصف، في سبأ، النار وأعاد عليها الضمير، فقال: {أية : عَذَابَ ٱلنَّارِ ٱلَّتِي كُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ}تفسير : [سبأ:42]؟ فالجواب من ثلاثة أوجه: الأول: أنه خص العذاب في السجدة بالوصف؛ اعتناء به؛ لَمَّا تكرر ذكره في قوله: {لنذيقنهم من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر..}، الثاني: أنه تقدم في السجدة ذكر النار، فكان الأصل أن يذكرها بعد ذلك بلفظ المضمر، لكنه جعل الظاهر مكان المضمر، فكما لا يوصف المضمر؛ لم يوصف ما قام مقامه، وهو النار، فوصف العذاب، ولم يصف النار، الثالث - وهو الأقوى: أنه امتنع في السجدة وصف النار، فوصف العذاب، وإنما امتنع وصفها؛ لتقدم ذكرها، فإنك إذا ذكرت شيئاً ثم كررت ذكره لم يجز وصفه، كقولك: رأيت رجلاً فأكرمت الرجل. فلا يجوز وصفه لما يوهم أنه غيره. هـ. الإشارة: أفمن كان مصدقاً بطريق الخصوص، داخلاً فيها، شارباً من خمرتها، كمن كان فاسقاً خارجاً عنها، مشتغلاً بنفسه، غريقاً في هواه، لا يستوون أبداً. أما الذين آمنوا بها، وصدقوا أهلها، ودخلوا في تربيتهم، فلهم جنات المعارف، هي مأواهم ومعشش قلوبهم، إليها يأوون، وفيها يسكنون، وأما الذين فسقوا وخرجوا عن تربيتهم، فمأواهم نار القطيعة، وعذاب الحرص، وغم الحجاب، كلما أرادوا أن يخرجوا منها أُعيدوا فيها؛ إذ لا خروج منها إلا بصحبة أهلها. وقيل لهم: ذوقوا وبال الإنكار، وحرمان الخصوصية، التي كنتم بها تكذبون. قال القشيري: هذا ما يلقون يوم القيامة، ثم ذكر ما يعجُّل لهم في الدنيا، فقال: {وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِّنَ ٱلْعَذَابِ...}

صدر المتألهين الشيرازي

تفسير : وكلمة "مَن" في الموضعين مفرد لفظاً مجموع معنى، فبالاعتبار الأول أورد: "كان مؤمناً" و "كان فاسقاً" محمولين على اللفظ، وأورد: "لا يستوون" حملاً على المفهوم كما يدل عليه قوله: "أما الذين آمنوا"، "وأما الذين فسقوا"، ومثله قوله تعالى: {أية : وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّىٰ إِذَا خَرَجُواْ مِنْ عِندِكَ} تفسير : [محمد:16]. والمراد "بالفاسق" هنا: الكافر، لخروجه عن الإيمان، لما في الآية التالية من ذكر عدم الخروج والتكذيب. قال ابن أبي ليلى: نزلت في علي بن أبي طالب (عليه السلام) ورجل من قريش. وقال غيره نزلت هذه الآية إلى قوله: "لعلهم يرجعون" فيه (عليه السلام) والوليد بن عقبة، فالمؤمن علي (عليه السلام) والفاسق الوليد، وذلك أنه قال لعلي (عليه السلام): "أنا أَبْسَطُ منك لساناً وأَحَدُّ منك سِناناً" فقال (عليه السلام): "ليس كما تقول يا فاسق". قال قتادة: "لا والله ما استويا، لا في الدنيا ولا عند الموت ولا في الآخرة". مكاشفة إنه لما علم مما سبق غاية خسّة الكافر والفاسق، بحيث تنزل درجتهم عن درجة الأنعام والبهائم لقوله: {أية : وَذُوقُـواْ عَذَابَ ٱلْخُلْدِ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} تفسير : [السجدة:14]، وغاية درجة المؤمن بحيث يعلو ويفوق على كثير من خلقه تعالى، حتى ضروب من ملائكة الله لقوله تعالى: {أية : فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّآ أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ}تفسير : [السجدة:17]، فيتوهم ها هنا للنفوس الغير المتدربة في العلوم الدقيقة والأنظار اللطيفة العميقة، أن أفراد الإنسان لمّا كانت متساوية الحقيقة، فيمتنع أن يصير بعضهم أعلى علّيين، وبعضهم أسفل سافلين. والجواب: بأن هذا التفاوت إنما يكون بالعوارض الغريبة التي لا مدخلية لها في تقوّم شيء من الافراد غير منجّح (صحيح - ن)، ولا تقبله الطبائع السليمة، كيف والسبب الاتفاقي لا يكون دائمياً ولا أكثرياً، فلا بد أن يكون علة خلود المؤمن في الجنة، وعلة خلود الكافر في النار، أمراً داخلاً في تجوهر العبد وحقيقته وذاته، بل الحق الحقيق بالتصديق، إن الإنسان بحسب النشأة الأخروية أنواع مختلفة حسب اختلاف الأخلاق والملكات الراسخة في باطنه، وستظهر في القيامة بصورها المناسبة لمعانيها المتخالفة الحقائق. وممن تفطن بهذا المطلب المنكشف بنور القرآن، واحد من الفلاسفة المعروف بفرفوريوس، القائل باتحاد العاقل والمعقول، لكن لم يبلغ نظره إلى مرتبة البالغين من رجال هذا الدين المتين، الذي هو صراط السالكين إلى عالم الحق واليقين، فالله سبحانه رفع نقاب الاختفاء، وكشف غطاء الامتراء عن المحجة البيضاء، وبيّن ها هنا نفي المماثلة بين المؤمن والكافر في الذات والحقيقة، وسلب المساواة بين العارف والمنكر في درجة الماهية، كما في قوله تعالى: {أية : قُلْ هَلْ يَسْتَوِي ٱلَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ} تفسير : [الزمر:9]. وفي القرآن آيات كثيرة دالّة على أن الإنسان بحسب النشأة الباطنية، متخالف النوع متبائن الحقيقة والصورة، سيّما التخالف بين المؤمن والكافر، والعالم والجاهل، مثل قوله تعالى: {أية : وَٱمْتَازُواْ ٱلْيَوْمَ أَيُّهَا ٱلْمُجْرِمُونَ} تفسير : [يس:59]. وكقوله: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ وَٱلْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَآ أَوْلَـٰئِكَ هُمْ شَرُّ ٱلْبَرِيَّةِ * إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ أُوْلَـٰئِكَ هُمْ خَيْرُ ٱلْبَرِيَّةِ} تفسير : [البيّنة:6 - 7]. وقوله تعالى: {أية : أَفَنَجْعَلُ ٱلْمُسْلِمِينَ كَٱلْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ} تفسير : [القلم:35 - 36]. ومن الشواهد الدالة على هذا المطلب قوله سبحانه في حق المؤمنين: {أية : يُخْرِجُهُمْ مِّنَ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ} تفسير : [البقرة:257]. وفي حق الكافرين: {أية : يُخْرِجُونَهُمْ مِّنَ ٱلنُّورِ إِلَى ٱلظُّلُمَاتِ أُوْلَـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}تفسير : [البقرة:257]. وكذا قوله في حق المؤمنين: {أية : أَصْحَابُ ٱلْمَيْمَنَةِ} تفسير : [البلد:18] وفي حق الكافرين {أية : أَصْحَابُ ٱلْمَشْئَمَةِ}تفسير : [البلد:19]، تنبيه بليغ على إثبات ما ادّعيناه. ومما يدل أيضاً في الحديث قوله (صلّى الله عليه وآله وسلم): "حديث : يُحشر الناس على صور نيّاتهم"تفسير : وقوله (صلَّى الله عليه وآله وسلم): "حديث : يُحشر بعض الناس على صورة تحسن عندها القردة والخنازير ". تفسير : ولولا مخافة الإطناب، لأوردتُ ها هنا برهاناً تفصيليا على هذا المطلب ممّا ألهمني الله به، نبيِّن منه كون الإنسان متخالف الماهية في الباطن بحسب ما يخرج عقله الهيولاني من القوة إلى الفعل، وإن كان نوعاً واحداً في الظاهر بحسب ما تخرج مادته الجسمانية من القوة إلى الفعل، ويتبيّن أن نفسه الناطقة صورة الصور في هذا العالم ومادة المواد في عالم آخر، إن هذا لبلاغاً لقوم عابدين.

الجنابذي

تفسير : {أَفَمَن كَانَ مُؤْمِناً} جوابٌ لسؤالٍ مقدّرٍ كأنّه قيل على سبيل التّعجّب: الهم ذلك؟- فقال: ليس لهم ذلك فمن كان مؤمناً {كَمَن كَانَ فَاسِقاً لاَّ يَسْتَوُونَ أَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ} بيان لعدم استوائهم {فَلَهُمْ جَنَّاتُ ٱلْمَأْوَىٰ نُزُلاً} اى معدّة او منزلاً {بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ فَسَقُواْ فَمَأْوَاهُمُ ٱلنَّارُ} عدل عن قوله لهم الجحيم نزلاً اشعاراً بانّ الفاسق لا اعتناء به حتّى يكون العذاب نزلاً له بل العذاب من تبعة اعماله الّتى تلحقه {كُلَّمَآ أَرَادُوۤاْ أَن يَخْرُجُواُ مِنْهَآ أُعِيدُواْ فِيهَا} اعلم، انّ اهل الجحيم مثل اهل الدّنيا يريدون الخروج من الجحيم من غمٍّ يستولى عليهم لكن لمّا كان ارادة خروجهم من الغمّ ولم يكن لهم قائد شوقٍ للخروج لا يخرجون بل يعادون فيها ولو كان ارادة خروجهم من الشّوق لخرجوا فى اسرع زمانٍ {وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُواْ عَذَابَ ٱلنَّارِ ٱلَّذِي كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ} قيل: انّ جهنّم اذا دخلوها هووا فيها مسيرة سبعين عاماً فاذا بلغوا اسفلها زفرت بهم جهنّم فاذا بلغوا اعلاها قمعوا بمقامع الحديدة فهذه حالهم.

الحبري

تفسير : حَدَّثَنا عَلِيُّ بنُ مُحَمَّدٍ، قالَ: حَدَّثَنِي الحِبَرِيُّ، قالَ: حَدَّثَنا حَسَنُ بنُ حُسَيْنٍ (قالَ) حَدَّثَنا حِبَّانُ، عن الكَلْبِيّ، عن أَبِي صَالِحٍ، عن: ابنِ عَبَّاسٍ (فِي قَوْلِهِ تَعَالَى}: {أَفَمَن كَانَ مُؤْمِناً} عَلِيُّ بنُ أَبِي طَالِبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ. {كَمَن كَانَ فَاسِقاً}: اَلْوَلِيدُ بنُ عُقْبَةِ بنِ أَبِي مُعَيْطٍ.

فرات الكوفي

تفسير : {أفمن كان مؤمناً كمن كان فاسقاً لا يستوون18-20} قال: حدثنا فرات قال: حدثني جعفر بن محمد الفزاري معنعناً: عن ابن عباس رضي الله عنه في قوله: {أفمن كان مؤمناً كمن كان فاسقاً} قال: {أفمن كان مؤمناً} يعني علي [بن أبي طالب عليه السلام. ر. ب: علياً] {كمن كان فاسقاً} يعني منافقاً الوليد بن عقبة {لا يستوون} عند الله في الطاعة والثواب. فرات قال: حدثني الحسين بن سعيد معنعناً: عن ابن عباس رضي الله عنه [في قوله. ب]: {أفمن كان مؤمناً كمن كان فاسقاً [لا يستوون}. ب] المؤمن علي والفاسق الوليد بن عقبة أو عتبة!. فرات قال: حدثني علي بن محمد الزهري معنعناً: عن ابن عباس رضي الله عنه في قوله: {أفمن كان مؤمناً} وهو علي بن أبي طالب [عليه السلام. أ] {كمن كان فاسقاً} وهو الوليد بن عقبة وهو الفاسق. فرات قال: حدثنا الحسين بن الحكم [قال: حدثنا حسن بن حسين قال: حدثنا حبان عن الكلبي عن أبي صالح. ح]: عن ابن عباس [رضي الله عنه. أ، ر] في قوله [تعالى. ح، ر]: {أفمن كان مؤمناً} [يعني. ر. علي بن أبي طالب عليه السلام. ر، ح] {كمن كان فاسقاً} [يعني. ر] الوليد بن عقبة بن أبي معيط [لعنه الله {لا يستوون} عند الله. ر]. و [في. ن] قوله [تعالى. ر]: {أما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم جنات المأوى نزلاً [بما كانوا يعلمون}. ر] نزلت في علي [بن أبي طالب. ن] عليه السلام {وأما الذين فسقوا فمأواهم النار} نزلت في الوليد بن عقبة. فرات قال: حدثنا إِسماعيل بن إبراهيم معنعناً: عن ابن عباس رضي الله عنه قال: أنسبّ علي بن أبي طالب عليه السلام و [الوليد بن. خ] عقبة بن أبي معيط [لعنه الله. ر] قال: فقال لعلي: أنا والله أبسط [ن: أقسط] منك لساناً وأحد منك سناناً وأمثل [ب: وأملأ] منك حشراً [ب: حشواً] في الكتيبة، قال: فقال له علي: اسكت فإنك فاسق. قال: فنزلت [هذه. ب] الآية {أفمن كان مؤمناً كمن كان فاسقاً لا يستوون}.

الهواري

تفسير : قال: {أَفَمَن كَانَ مُؤْمِناً كَمَن كَانَ فَاسِقاً} أي: مشركاً أو منافقاً، وهذا على الاستفهام. قال: {لاَ يَسْتَوُونَ}. {أَمَّا الَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى} أي: يأوي إليها أهل الجنة، وجنة المأوى اسم من أسماء الجنة. {نُزُلاً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}. قال: {وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا} أي: أشركوا أو نافقوا {فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَآ أَرَادُوا أِن يَخْرُجُوا مِنْهَآ أُعِيدُوا فِيهَا} أي: إنهم إذا كانوا في أسفلها رفعتهم بلهبها حتى إذا كانوا في أعلاها وأرادوا أن يخرجوا منها ضربوا بمقامع من حديد فهووا إلى أسفلها. {وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ} أي: في الدنيا. العذاب مذكر، والنار مؤنثة، وإنما عنى هنا العذاب، ولذلك قال: {الَّذِي كُنتُم بِهِ تُكَذِّبُونَ}. قوله: {وَلَنُذِيقَنَّهُم مِّنَ الْعَذَابِ الأَدْنَى} أي: السيف يوم بدر {دُونَ الْعَذَابِ الأَكْبَرِ} أي: جهنم، والأكبر الأشد {لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} لعل من بقي منهم يرجع من الشرك إلى الإِيمان؛ فعذبهم بالسيف يوم بدر، ومَنَّ بعدهم على من شاء بالإِيمان. وهذا تأويل من تأول الآية على المشركين، ومن تأولها على المنافقين قال: {وَلَنُذِيقَنَّهُم مِّنَ الْعَذَابِ الأَدْنَى} يعني إقامة الحدود في الدنيا، وأكثر من كان يصيب الحدود المنافقون؛ والسورة مكية، والنفاق إنما كان بالمدينة بعدما فرض الجهاد والحدود والأحكام. قوله: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَآ إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ} أي: المشركين {مُنتَقِمُونَ}. قوله: {وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ} يعني التوراة {فَلاَ تَكُن فِي مِرْيَةٍ مِّن لِّقَآئِهِ} تفسير الكلبي: يعني ليلةَ أُسْرِيَ به، فلقيه النبي عليه السلام في السماء السادسة ليلةَ أُسْرِيَ به. وقد فسّرنا ذلك في حديث المعراج. وتفسير الحسن: {فَلاَ تَكُن فِي مِرْيَةٍ مِّن لِّقَآئِهِ} أي: من أنك تلقى من أمتك من الأذى ما لقى موسى من قومه من الأذى. قال: {وَجَعَلْنَاهُ هُدىً لِّبَنِى إِسْرَآءِيلَ} تفسير الحسن: وجعلنا موسى هدى لبني إسرائيل. [وقال السّدي: {وَجَعَلْنَاهُ هُدىً لِّبَنِي إِسْرَآءِيلَ} يعني التوراة]، قال الله تعالى: {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً} أي: أنبياء يُقتدى بهم {يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا} أي: يدعون بأمرنا {لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ}.

اطفيش

تفسير : {أَفَمَن كَانَ مُؤْمِناً كَمَن كَانَ فَاسِقاً لا يَسْتَوُونَ} المؤمن الموحد الموفي بما اقر به والفاسق المشرك والموحد الخائن فيما أقر به والله سبحانه وتعالى استفهم استفهاما انكاريا نفيا لان يكون هذا كذاك ثم استأنف جملة اخرى لنفي الاستواء تأكيدا وفي كان مراعاة لفظ (من) وفي (لا يستوون) مراعاة معناها كذلك ظهر لي والحمد لله ثم رأيته منصوصا عليه في كتب المذهب وغيره معنى واعرابا والاية في عامة المؤمن والفاسق وقال بعض قومنا: نزلت في علي بن ابي طالب والوليد بن عقبة بن أبي معيط كان بينهما تنازع وكلام في شيء يوم بدر فقال الوليد لعليّ: اسكت فانك صبي وأنا شيخ والله اني أبسط منك لسانا وأشجع منك جنانا وأملأ منك حشوا في الكتيبة. فقال له علي: اسكت فانك فاسق. وعن ابن الحسن انه قال للوليد كيف تشتم عليا وقد سماه الله مؤمنا في عشر آيات وسماك فاسقا. ولا صحة عندنا لذلك فان صح فقد ثبت في شذوذ المذهب ان عليا قد تاب مما فعل بالصحابة لكن المشهور المأخوذ به انه غير تائب فانه ولو روي انه ندم لكن ليس كل ندم توبة فان بعض الندم غير توبة فانه لم يصرح بخطأ ولم تشهر عنه الانابة عن ذلك والتوجع منه ولو فعل ذلك لكفاه عند كثير عن القود والدية اذ فعل ذلك باجتهاد وان فعله تشهيا فلا يكفيه ذلك عنهما والامام يؤخذ بما فعلت الرعية بأمره.

اطفيش

تفسير : {أفمن كان مُؤمناً} موحدا موفيا كما ذكر {كمن كان فاسقاً} شركا ذا اعمال قبيحة، واصل الفسق الخروج، فسقت الثمرة خرجت عن قشرها، والمشرك خارج عن دين الله تعالى، والفسق اعم من الشرك، يطلق عليه وعلى ما دونه من الكبائر، كقوله تعالى: "أية : ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون " تفسير : [النور: 55] وكذا الكفر وشهر استعماله فى الشرك، والمراد هنا الشرك لقوله عز وجل: "أية : الذي كنتم به تكذبون"تفسير : [السجدة: 20] واكد ذلك بقوله: {لا يَسْتوون} لان الاستفهام انكار وهو نفى الجمع لمعنى: من، وقيل: بمعنى الاثنين المؤمن والكافر.

الالوسي

تفسير : {أَفَمَن كَانَ مُؤْمِناً كَمَن كَانَ فَاسِقاً} أي أبعد ظهور ما بينهما من التباين البين يتوهم كون المؤمن الذي حكيت أوصافه الفاضلة كالفاسق الذي ذكرت أحواله القبيحة العاطلة، وأصل الفسق الخروج من فسقت الثمرة إذا خرجت من قشرها ثم استعمل في الخروج عن الطاعة وأحكام الشرع مطلقاً فهو أعم من الكفر وقد يخص به كما في قوله تعالى: {أية : وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذٰلِكَ فَأُوْلَٰئِكَ هُمُ ٱلْفَـٰسِقُونَ }تفسير : [النور: 55] وكما هنا لمقابلته بالمؤمن مع ما ستسمعه بعد إن شاء الله تعالى. {لاَّ يَسْتَوُونَ } التصريح به مع إفادة الإنكار لنفي المشابهة بالمرة على أبلغ وجه وآكده لزيادة التأكيد وبناء التفصيل الآتي عليه، والجمع باعتبار معنى من كما أن الإفراد فيما سبق باعتبار لفظها، وقيل: الضمير لاثنين وهما المؤمن والكافر والتثنية جمع.

ابن عاشور

تفسير : فُرع بالفاء على ما تقدم من الآيات من الوعد للمؤمنين والوعيد للكافرين استفهام بالهمزة مستعمل في إنكار المساواة بين المؤمن والكافر، وهو إنكار بتنزيل السامع منزلة المتعجب من البَون بين جزاء الفريقين في ذلك اليوم فكانَ الإنكار موجهاً إلى ذلك التعجب في معنى الاستئناف البياني. والكاف للتشبيه في الجزاء. وجملة {لا يستوون} عطف بيان للمقصود من الاستفهام. والفاسق هنا هو: مَن ليس بمؤمن بقرينة قوله بعده {وقيل لهم ذُوقُوا عذابَ النار الذي كنتم به تكذبون}. فالمراد: الفسق عن الإيمان الذي هو الشرك وهو إطلاق كثير في القرآن. ثم أكد كِلا الجزاءين بذكر مرادف لمدلوله مع زيادة فائدة، فجملةُ {فلهم جنات المأوى} إلى آخرها مؤكدة لمضمون جملة {أية : فلا تعلم نفس ما أخْفِي لهم}تفسير : [السجدة: 17] إلى آخرها. وجملة {فمأواهم النار} إلى آخرها مؤكدة لمضمون جملة {أية : فذوقوا بما نسيتم لقاء يومكم هذا} تفسير : [السجدة: 14] إلى {أية : بما كنتم تعملون}تفسير : [السجدة: 14]. و{مَن} الموصولة في الموضعين عامة بقرينة التفصيل بالجمع في قوله {أمَّا الذينَ آمنوا} الخ. و{أما الذين فسقوا}. فليست الآية نازلة في معيَّن كما قيل. و{المأوى}: المكان الذي يُؤْوَى إليه، أي يُرجع إليه. والتعريف باللام فيه للعهد، أي مأوى المؤمنين، قال تعالى: أية : عندها جنة المأوى}تفسير : [النجم: 15]. ولك أن تجعل اللام عوضاً عن المضاف إليه، أي مأواهم بقرينة قوله في مقابله {فمأواهم النار}. وإضافة {جنات} إلى {المأوى} من إضافة الموصوف إلى الصفة لقصد التخفيف وهي واقعة في الكلام وإن اختلف البصريون والكوفيون في تأويلها خلافاً لا طائل تحته، وذلك مثل قولهم: مسجد الجامع، وقوله تعالى: {أية : وما كنت بجانب الغربي}تفسير : [القصص: 44]، وقولهم: عِشاء الآخرةِ. والمعنى: فلهم الجنات المأوى لهم، أي الموعودون بها. وانتصب {نزلاً} على الحال من {جنات المأوى}. والنُزُل بضمتين مشتق من النزول فيطلق على ما يُعد للنزيل من العطاء والقِرى قال في «الكشاف»: «النزل: عطاء النازل، ثم صار عاماً»، أي: يطلق على العطاء ولو بدون ضيافة مجازاً مرسلاً. قلت: ويطلق على محل نزول الضيف ولأجل هذه الإطلاقات يختلف المفسرون في المراد منه في بعض الآيات رعياً لما يناسب سياق الكلام. وفسره الزجاج في هذه الآية ونحوها بالمنزل، وفسره في قوله تعالى: {أية : أذلك خيرٌ نُزُلاً أم شجرة الزقوم}تفسير : [الصافات: 62] فقال: «يقول أذلك خير في باب الأنزال التي تمكن معها الإقامة أم نُزل أهل النار» وقد تقدم في آخر سورة آل عمران (163)، والباء في {بما كانوا يعملون} للسببية. وقوله: {أية : كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها} تفسير : تقدم نظيره في سورة الحج (22). ويتجه في هذه الآية أن يقال: لماذا أُظهر اسم النار في قوله {ذُوقُوا عذاب النار} مع أن اسم النار تقدم في قوله {فمأواهم النار} فكان مقتضى الظاهر الإضمار بأن يقال: وقيل لهم ذوقوا عذابها. وهذا السؤال أورده ابن الحاجب في «أماليه» وأجاب بوجهين: أحدهما أن سياق الآية التهديد وفي إظهار لفظ النار من التخويف ما ليس في الإضمار، الثاني: أن الجملة حكاية لما يقال لهم يومئذ فناسب أن يحكى كما قيل لهم وليس فيما يقال لهم تقدُّم ذكر النار.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: أفمن كان مؤمنا: أي مصدقا بالله ورسوله ولقاء ربّه. كمن كان فاسقا: أي كافراً لا يستوون. جنات المأوى نزلا: النزل ما يعد للضيف من قرىً. من العذاب الأدنى: أي عذاب الدنيا من مصاب القحط والجدب والقتل والأسر. العذاب الأكبر: هو عذاب الآخرة في نار جهنم. لعلهم يرجعون: أي يصيبهم بالمصائب في الدنيا رجاء أن يؤمنوا ويوحدوا. ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه فأعرض عنها: لا أحد أظلم منه أبداً. إنا من المجرمين منتقمون: أي من المشركين أي بتعذيبهم اشد أنواع العذاب. معنى الآيات: قوله تعالى {أَفَمَن كَانَ مُؤْمِناً كَمَن كَانَ فَاسِقاً} أي كافراً ينفي تعالى إستواء الكافر مع المؤمن فلذا بعد الاستفهام الإِنكاري أجاب بقوله تعالى: {لاَّ يَسْتَوُونَ} ثم بيّن تعالى جزاء الفريقين وبذلك تأكد بُعد ما بينهما فقال {أَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} بالله ربَّاً وإلها وبمحمد نبيّاً ورسولا وبالإِسلام شرعاً وديناً {وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ} بأداء الفرائض والنوافل في الغالب بعد اجتنابهم الشرك والمحارم {فَلَهُمْ جَنَّاتُ ٱلْمَأْوَىٰ نُزُلاً} أي ضيافة لهم {بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} وأما الذين فسقوا عن أمر الله فلم يوحدوا ولم يطيعوا فعاشوا على الشرك والمعاصي حتى ماتوا {فَمَأْوَاهُمُ ٱلنَّارُ} أي مقرهم ومحل مثواهم وإقامتهم لا يخرجون {كُلَّمَآ أَرَادُوۤاْ} أي هموا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها من قبل الزبانية تدفعهم عن أبوابها، {وَقِيلَ لَهُمْ} إذلالا لهم وإهانة {ذُوقُواْ عَذَابَ ٱلنَّارِ ٱلَّذِي كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ} إذ كانوا مكذبين بالبعث والجزاء وقالوا {أية : أَءِذَا ضَلَلْنَا فِي ٱلأَرْضِ أَءِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ} تفسير : [السجدة: 10]. وقوله تعالى {وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِّنَ ٱلْعَذَابِ ٱلأَدْنَىٰ} وهو عذاب الدنيا بالقحط والغلاء والقتل والأسر {دُونَ ٱلْعَذَابِ ٱلأَكْبَرِ} وهو عذاب يوم القيامة {لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} يخبر تعالى أنه فاعل ذلك بكفار قريش لعلهم يتوبون إلى الإِيمان والتوحيد فينجوا من العذاب وينعموا في الجنة وفعلاً قد تاب منهم كثيرون وقوله {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَآ} أي وُعظ بها وخُوِّف كما كان الرسول صلى الله عليه وسلم يقرأ عليهم القرآن وكان بعضهم يعرض عنها فلا يسمعها ويرجع وهو مستكبر والعياذ بالله فمثل هؤلاء لا أحد أشدّ منهم ظلما وقوله تعالى {إِنَّا مِنَ ٱلْمُجْرِمِينَ مُنتَقِمُونَ} يخبر تعالى أنه لا محالة منتقم من أهل الاجرام وهم أهل الشرك والمعاصي، وورد عن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر ثلاثة أصناف من أهل الإِجرام الخاص وهم: 1) من اعتقد "عقد" لواء في غير حق أي حمل راية الحرب على المسلمين وهو مبطل غير محق. 2) من عق والديه أي آذاهما بالضرب ونحوه ومنعهما برهما ولم يطعهما في معروف. 3) من مشى مع ظالم ينصره رواه ابن جرير عن معاذ بن جبل رضي الله عنه. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1) بيان خطأ من يسوي بين المؤمن والكافر والبار والفاجر والمطيع والفاسق. 2) بيان جزاء كل من المؤمنين والفاسقين. 3) بيان أن الله تعالى كان يأخذ قريشاً بألوان من المصائب لعلهم يتوبون. 4) بيان أنه لا أظلم ممن ذكر بآيات الله فيعرض عنها مستكبراً جاحداً معانداً.

د. أسعد حومد

تفسير : {يَسْتَوُونَ} (18) - يُخْبِرُ اللهُ تَعَالى أَنَّهُ لاَ يَسْتَوِي فِي حُكْمِهِ يومَ القِيَامَةِ مَنْ كَانَ مُؤْمِناً بِاللهِ مُتَّبِعاً رَسُولَهُ، مَعَ مَنْ كَانَ خَارِجاً عَنْ طَاعَةِ اللهِ (فَاسِقاً)، مُكَذِّباً رُسُلَهُ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : أولاً: نلحظ في اللفظ أن مؤمناً وفاسقاً جاءت بصيغة المفرد، فكان القياس أنْ نقول: لا يستويان، إنما سياق القرآن {لاَّ يَسْتَوُونَ} [السجدة: 18] وسبق أنْ قُلْنا: إن (من وما) الموصولتين تأتي للمفرد أو للمثنى أو للجمع، وللمذكر وللمؤنث، فمرة يراعي السياق لفظها، ومرة يراعى معناها. والمعنى هنا {أَفَمَن كَانَ مُؤْمِناً كَمَن كَانَ فَاسِقاً} [السجدة: 18] الحق سبحانه لا يتكلم عن المفرد، إنما عن الجمع، أو أنها قيلت رداً لحالة مخصوصة بين مؤمن وكافر وأراد الحق سبحانه أن يعطيها العموم لا خصوص السبب، فراعى السياق خصوص السبب في مؤمن وكافر، وراعى عموم الموضوع فقال {لاَّ يَسْتَوُونَ} [السجدة: 18] والقاعدة الفقهية تقول: إن العبرة في القرآن بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. وقيل: إن هذه الآية نزلت في الوليد بن عقبة بن أبي معيط حين جادل علياً رضي الله عنه. فقال له: أنا أشبُّ منك شباباًً، وأجلد منك جَلَداً، وأذرب منك لساناً، وأحدُّ منك سناناً، وأشجع منك وجداناً، وأكثر منك مَرَقاً، فردَّ عليه عليٌّ - كرَّم الله وجهه - بما يدحض هذا كله ويبطله، فقال له: اسكت يا فاسق، ولا موهبة لفاسق. والمعنى: إنْ كنت كما تقول فقد ضيعتَ هذا كله بفسقك، حيث استعملتَ قوة شبابك وجَلَدك وذَرَب لسانك وشجاعة وجدانك في الباطل وفي المعصية، وفي الصدِّ عن سبيل الله. وهكذا جمعتْ الآية بين خصوصية هذا السبب في {أَفَمَن كَانَ مُؤْمِناً كَمَن كَانَ فَاسِقاً ..} [السجدة: 18] وبين عموم الموضوع في {لاَّ يَسْتَوُونَ} [السجدة: 18]، فهذا الحكم ينسحب على الجمع أيضاً. وجاء قوله تعالى: {لاَّ يَسْتَوُونَ} [السجدة: 18] كأنه جواب للسؤال {أَفَمَن كَانَ مُؤْمِناً كَمَن كَانَ فَاسِقاً ..} [السجدة: 18] لكن، لماذا لم يأتِ الجواب مثلاً: لا يستوي المؤمن والفاسق؟ قالوا: لأن هذا الأسلوب يسمى أسلوب الإقناع التأكيدي، وهو أن تجعل الخصم هو الذي ينطق بالحكم. كما لو قال لك صديق: لقد مررتُ بأزمة ولم تقف بجانبي. فتستطيع أنْ تقول له: وقفتُ بجانبك يوم كذا ويوم كذا - على سبيل الخبر منك، لكن الإخبار منك يحتمل الصدق ويحتمل الكذب، فتلجأ إلى أسلوب آخر لا يستطيع معه الإنكار، ولا يملك إلا الاعتراف لك بالجميل فتقول بصيغة السؤال: ألم أقدم لك كذا وكذا يوم كذا وكذا؟ وأنت لا تسأله إلا إذا وثقتَ بأن جوابه لا بُدَّ أنْ يأتي وَفْق مرادك وعندها يكون كلامه حجة عليه. لذلك طرح الحق سبحانه هذه المسألة في صورة سؤال: {أَفَمَن كَانَ مُؤْمِناً كَمَن كَانَ فَاسِقاً ..} [السجدة: 18] ولا بد أن نقول نحن في جواب هذا السؤال: لا يستوي مؤمن وفاسق، ومَنْ يقُلْ بهذا فقد وافق مراد ربه. وما دام أن المؤمن لا يستوي والفاسق، فلكل منهما جزاء يناسبه: {أَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ...}.

الصابوني

تفسير : المنَاسَبَة: لما ذكر تعالى حال المجرمين في الآخرة، وحال المؤمنين المتقين، وما أعدَّه لهم من الكرامة في دار النعيم، ذكر هنا أنه لا يتساوى الفريقان: فريق الأبرار، وفريق الفجار لأن عدالة الله تقتضي التمييز بين المؤمن الصالح، والفاسق الفاجر. اللغَة: {فَاسِقاً} الفاسقُ: الخارج عن طاعة الله {نُزُلاً} ضيافةً وعطاءً، والنُّزل ما يهُيأ للنازل والضيف قال الشاعر: شعر : وكنا إِذا الجبار بالجيش ضافنا جعلنا القنا والمرهفات له نزلاً تفسير : {ٱلْجُرُزِ} اليابسة الجرداء التي لا نبات فيها، والجرزُ: القطع قال الزمخشري: الجرُز: الأرضُ التي جرز نباتها أي قطع، إِمّا لعدم الماء أو لأنه رُعي وأُزيل، ولا يقال للتي لا تنبتُ كالسباخ جُرز {ٱلْفَتْحُ} الحاكم ويقال للحاكم: فاتح وفتاح لأنه يفصل بين الناس بحكمه {يُنظَرُونَ} يمهلون ويؤخرون. سَبَبُ النّزول: روي أنه كان بين "علي بن أبي طالب" و "عُقبة بن أبي مُعيط" تنازع وخصومة، فقال الوليد بن عُقبة لعلي: أُسكت فإِنك صبيٌ، وأنا والله أبسط منك لساناً، وأشجع منك جناناً، وأملأ منك حشواً في الكتيبة، فقال له علي: اسكتْ فإِنك فاسق فنزلت {أَفَمَن كَانَ مُؤْمِناً كَمَن كَانَ فَاسِقاً لاَّ يَسْتَوُونَ}. التفسِير: {أَفَمَن كَانَ مُؤْمِناً كَمَن كَانَ فَاسِقاً}؟ أي أفمن كان في الحياة الدنيا مؤمناً متقياً لله، كمن كان فاسقاً خارجاً عن طاعة الله؟ {لاَّ يَسْتَوُونَ} أي لا يستوون في الآخرة بالثواب والكرامة، كما لم يستووا في الدنيا بالطاعة والعبادة، وهذه الآية كقوله تعالى {أية : أَفَنَجْعَلُ ٱلْمُسْلِمِينَ كَٱلْمُجْرِمِينَ} تفسير : [القلم: 35] قال ابن كثير: يخبر تعالى عن عدله وكرمه، أنه لا يساوي في حكمه يوم القيامة، من كان مؤمناً بآياته متبعاً لرسله، بمن كان فاسقاً أي خارجاً عن طاعة ربه، مكذباً رسل الله، ثم فصَّل تعالى جزاء الفريقين فقال {أَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ} أي أما المتقون الذين جمعوا بين الإِيمان والعمل الصالح {فَلَهُمْ جَنَّاتُ ٱلْمَأْوَىٰ} أي لهم الجنات التي فيها المساكن والدور والغرف العالية يأوون إِليها ويستمتعون بها قال البيضاوي: فالجنة هي المأوى الحقيقي، والدنيا منزل مرتحلٌ عنه لا محالة {نُزُلاً بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} أي ضيافةً مهيأةً ومعدةً لإِكرامهم كما تهيأ التُحف للضيف وذلك بسبب ما قدموه من صالح الأعمال {وَأَمَّا ٱلَّذِينَ فَسَقُواْ فَمَأْوَاهُمُ ٱلنَّارُ} أي وأمّأ الذين خرجوا عن طاعة الله فملجؤهم ومنزلهم نار جهنم {كُلَّمَآ أَرَادُوۤاْ أَن يَخْرُجُواُ مِنْهَآ أُعِيدُواْ فِيهَا} أي إِذا دفعهم لهب النار إِلى أعلاها ردُّوا إِلى موضعهم فيها قال الفُضيل بن عياض: والله إِن الأيدي لموثقة، وإِنَّ الأرجل لمقيَّدة، وإِنَّ اللهب ليرفعهم والملائكة تقمعهم {وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُواْ عَذَابَ ٱلنَّارِ ٱلَّذِي كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ} أي وتقول لهم خزنة جهنم تقريعاً وتوبيخاً: ذوقوا عذاب النار المخزي الذي كنتم تكذبون به في الدنيا وتهزءون منه، ثم توعدهم بعذاب عاجلٍ في الدنيا فقال {وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِّنَ ٱلْعَذَابِ ٱلأَدْنَىٰ} أي ولنذيقنَّهم من العذاب الأقرب وهو عذاب الدنيا من القتل والأسر والبلايا والمحن قال الحسن: العذاب الأدنى: مصائب الدنيا وأسقامها مما يُبتلى به العبيد حتى يتوبوا وقال أبو مجاهد: القتل والجوع {دُونَ ٱلْعَذَابِ ٱلأَكْبَرِ} أي قبل العذاب الأكبر الذي ينتظرهم وهو عذاب الآخرة {لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} أي لعلهم يتوبون عن الكفر والمعاصي، ثم بعد أن توعدهم وهددهم بيَّن استحقاقهم للعذاب فقال {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَآ} أي لا أحد أظلم لنفسه ممَّن وعظ وذكر بآيات الرحمن، ثم ترك الإِيمان وتناساها؟ {إِنَّا مِنَ ٱلْمُجْرِمِينَ مُنتَقِمُونَ} أي سأنتقم ممن كذَّب بآياتي أشدَّ الانتقام، ووضع الاسم الظاهر مكان الضمير لتسجيل الإِجرام عليهم {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَابَ} أي أعطينا موسى التوراة {فَلاَ تَكُن فِي مِرْيَةٍ مِّن لِّقَآئِهِ} أي فلا تكن يا محمد في شكٍ من تلقي القرآن كما تلقَّى موسى التوراة، والمقصود تقرير رسالته عليه السلام، وتحقيق أن ما معه من الكتاب وحيٌ سماويٌ وكتابٌ إِلهي {وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِّبَنِيۤ إِسْرَائِيلَ} أي جعلنا التوراة هدايةً لبني إِسرائيل من الضلالة {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً} أي جعلنا منهم قادةً وقدوة يقتدى بهم في الخير {يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا} أي يدعون الخلق إِلى طاعتنا ويرشدونهم إِلى الدين بأمرنا وتكليفنا {لَمَّا صَبَرُواْ وَكَانُواْ بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ} أي حين صبروا على تحمل المشاقّ في سبيل الله، وكانوا يصدقون بآياتنا أشد التصديق وأبلغه قال ابن الجوزي: وفي هذا تنبيه لقريش أنكم إن أطعتم وآمنتم جعلت منكم أئمة {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ ٱلْقَيَامَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} أي إِن ربك يا محمد يقضي ويحكم بين المؤمنين والكفار، فيميز بين المحقِّ والمبطل يوم القيامة، ويجازي كلاً بما يستحق، فيما اختلفوا فيه من أمور الدين قال الطبري: فيما كانوا فيه يختلفون من أمور الدين، والبعث، والثواب والعقاب، ثم نبه تعالى على آثار قدرته في مخلوقاته، وأقام الحجة على الكفار بالأمم السالفة الذين كفروا فأُهلكوا فقال {أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِمْ مِّنَ ٱلْقُرُونِ} أي أغفل هؤلاء المشركون ولم يتبيَّن لهم كثرة من أهلكناهم من الأمم الماضية الذين كذبوا رسل الله؟ {يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ} أي حال كون أهل مكة يسيرون في دورهم، ويشاهدون في أسفارهم منازل هؤلاء المهلكين أفلا يعتبرون؟ قال ابن كثير: أي وهؤلاء المكذبون يمشون في مساكن أولئك الظالمين، فلا يرون فيها أحداً ممن كان يسكنها ويعمرها {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ أَفَلاَ يَسْمَعُونَ} أي إِن في إِهلاكهم لدلالات عظيمة على قدرتنا، أفلا يسمعون سماع تدبر واتعاظ؟ ثم ذكر تعالى دلائل الوحدانية فقال {أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا نَسُوقُ ٱلْمَآءَ إِلَى ٱلأَرْضِ ٱلْجُرُزِ} أي أولم يشاهدوا كمال قدرتنا في سوقنا الماء إِلى الأرض اليابسة التي لا نبات فيها من شدة العطش لنحييها؟ {فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنفُسُهُمْ} أي فنخرج بذلك الماء أنواع الزروع والثمار، تأكل منه دوابهم من الكلأ والحشيش، وأنفسهم من الحب والخضر والفواكه والبقول {أَفَلاَ يُبْصِرُونَ} أي أفلا يبصرون ذلك فيستدلون به على كمال قدرته تعالى وفضله، ويعلمون أن الذي أحيا الأرض الميتة قادر على إِعادتهم بعد وفاتهم؟ {وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْفَتْحُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} أي ويقول كفار مكة للمسلمين على سبيل السخرية والتهكم: متى ستنصرون علينا ويكون لكم الغلبة والفتح علينا؟ إِن كنتم صادقين في دعواكم قال الصاوي: كان المسلمون يقولون إِن الله سيفتح لنا على المشركين، ويفصل بيننا وبينهم، وكان أهل مكة إِذا سمعوهم يقولون بطريق الاستعجال تكذيباً واستهزاءً: متى هذا الفتح فنزلت {قُلْ يَوْمَ ٱلْفَتْحِ لاَ يَنفَعُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ إِيَمَانُهُمْ} أي قل لهم يا محمد توبيخاً وتبكيتاً: إِن يوم القيامة هو يوم الفتح الحقيقي الذي يفصل تعالى فيه بيننا وبينكم، ولا ينفع فيه الإِيمان ولا الاعتذار فلماذا تستعجلون؟ {وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ} أي ولا هم يؤخرون ويمهلون للتوبة قال البيضاوي: ويوم الفتح هو يوم القيامة فإِنه يوم نصر المؤمنين على الكافرين والفصل بينهم، وقيل هو يوم بدر {فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ} أي فأعرضْ يا محمد عن هؤلاء الكفار ولا تبالِ بهم {وَٱنتَظِرْ إِنَّهُمْ مُّنتَظِرُونَ} أي وانتظر ما يحل بهم من عذاب الله، إِنهم منتظرون كذلك ما يحل بكم قال القرطبي: أي ينتظرون بكم حوادث الزمان. البَلاَغَة: تضمنت السورة الكريمة وجوهاً من البيان والبديع نوجزها فيما يلي: 1- جناس الاشتقاق مثل {تُنذِرَ.. ونَّذِيرٍ} وكذلك مثل {ٱنتَظِرْ.. إِنَّهُمْ مُّنتَظِرُونَ}. 2- الطباق بين {ٱلْغَيْبِ.. وَٱلشَّهَادَةِ} وبين {خَوْفاً.. وَطَمَعاً}. 3- الالتفات من الغيبة إِلى الخطاب {وَجَعَلَ لَكُمُ} والأصل "وجعل له" والنكتة أن الخطاب إِنما يكون مع الحيّ فلما نفخ تعالى الروح فيه حسن خطابه مع ذريته. 4- الاستفهام الإِنكاري وغرضه الاستهزاء {أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي ٱلأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ}؟ 5- الإِضمار {رَبَّنَآ أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا} أي يقولون ربنا أبصرنا وسمعنا. 6- الاختصاص {ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ} أي إِليه لا إِلى غيره مرجعكم يوم القيامة. 7- حذف جواب لو للتهويل {وَلَوْ تَرَىٰ إِذِ ٱلْمُجْرِمُونَ نَاكِسُواْ رُءُوسِهِمْ} أي لرأيت أمراً مهولاً. 8- المشاكلة وهي الاتفاق في اللفظ مع الاختلاف في المعنى {نَسِيتُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ.. إِنَّا نَسِينَاكُمْ} فإِن الله تعالى لا ينسى وإِنما المراد نترككم في العذاب ترك الشيء المنسي. 9- المقابلة اللطيفة بين جزاء الأبرار وجزاء الفجار {أَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ ٱلْمَأْوَىٰ..} {وَأَمَّا ٱلَّذِينَ فَسَقُواْ فَمَأْوَاهُمُ ٱلنَّارُ} وهو من المحسنات البديعية. 10- الكناية عن كثرة العبادة والتبتل ليلاً {تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمْ عَنِ ٱلْمَضَاجِعِ}. 11- الاستفهام للتقريع والتوبيخ {أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ}؟ {أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا نَسُوقُ ٱلْمَآءَ}؟ {أَفَلاَ يَسْمَعُونَ}؟ {أَفَلاَ يُبْصِرُونَ} وكلها بقصد الزجر والتوبيخ. 12- السجع مراعاةً للفواصل ورءوس الآيات مثل {إِنَّا مُوقِنُونَ * وَهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ * لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ * أَفَلاَ يَسْمَعُونَ} وهذا من المحسنات البديعية وهو كثير في القرآن الكريم.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : ينبه تعالى، العقول على ما تقرر فيها، من عدم تساوي المتفاوتين المتباينين، وأن حكمته تقتضي عدم تساويهما فقال: { أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا } قد عمر قلبه بالإيمان، وانقادت جوارحه لشرائعه، واقتضى إيمانه آثاره وموجباته، من ترك مساخط اللّه، التي يضر وجودها بالإيمان. { كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا } قد خرب قلبه، وتعطل من الإيمان، فلم يكن فيه وازع ديني، فأسرعت جوارحه بموجبات الجهل والظلم، من كل إثم ومعصية، وخرج بفسقه عن طاعة الله. أفيستوي هذان الشخصان؟. { لا يَسْتَوُونَ } عقلا وشرعًا، كما لا يستوي الليل والنهار، والضياء والظلمة، وكذلك لا يستوي ثوابهما في الآخرة. { أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ } من فروض ونوافل { فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى } أي: الجنات التي هي مأوى اللذات، ومعدن الخيرات، ومحل الأفراح، ونعيم القلوب، والنفوس، والأرواح، ومحل الخلود، وجوار الملك المعبود، والتمتع بقربه، والنظر إلى وجهه، وسماع خطابه. { نزلا } لهم أي: ضيافة، وقِرًى { بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ } فأعمالهم التي تفضل اللّه بها عليهم، هي التي أوصلتهم لتلك المنازل الغالية العالية، التي لا يمكن التوصل إليها ببذل الأموال، ولا بالجنود والخدم، ولا بالأولاد، بل ولا بالنفوس والأرواح، ولا يتقرب إليها بشيء أصلا سوى الإيمان والعمل الصالح. { وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ } أي: مقرهم ومحل خلودهم، النار التي جمعت كل عذاب وشقاء، ولا يُفَتَّرُ عنهم العقاب ساعة. { كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا } فكلما حدثتهم إرادتهم بالخروج، لبلوغ العذاب منهم كل مبلغ، ردوا إليها، فذهب عنهم روح ذلك الفرج، واشتد عليهم الكرب. { وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ } فهذا عذاب النار، الذي يكون فيه مقرهم ومأواهم، وأما العذاب الذي قبل ذلك، ومقدمة له وهو عذاب البرزخ، فقد ذكر بقوله: { وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الأدْنَى دُونَ الْعَذَابِ ...}.