٣٢ - ٱلسَّجْدَة
32 - As-Sajda (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
19
Tafseer
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {أَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ ٱلْمَأْوَىٰ} أخبر عن مقرّ الفريقين غداً؛ فللمؤمنين جنات المأوى، أي يأوون إلى الجنات؛ فأضاف الجنات إلى المأوى لأن ذلك الموضع يتضمن جنات. {نُزُلاً} أي ضيافة. والنُّزُلُ: ما يُهيّأ للنازل والضيف. وقد مضى في آخر «آل عمران» وهو نصب على الحال من الجنات؛ أي لهم الجنات معدّة، ويجوز أن يكون مفعولاً له. {وَأَمَّا ٱلَّذِينَ فَسَقُواْ} أي خرجوا عن الإيمان إلى الكفر {فَمَأْوَاهُمُ ٱلنَّارُ} أي مقامهم فيها. {كُلَّمَآ أَرَادُوۤاْ أَن يَخْرُجُواُ مِنْهَآ أُعِيدُواْ فِيهَا} أي إذا دفعهم لهب النار إلى أعلاها ردّوا إلى موضعهم فيها، لأنهم يطمعون في الخروج منها. وقد مضى هذا في «الحج». {وَقِيلَ لَهُمْ} أي يقول لهم خَزَنة جهنم. أو يقول الله لهم: {ذُوقُواْ عَذَابَ ٱلنَّارِ ٱلَّذِي كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ} والذوق يُستعمل محسوساً ومعنًى. وقد مضى في هذه السورة بيانه.
المحلي و السيوطي
تفسير : {أَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ فَلَهُمْ جَنَّٰتُ ٱلْمَأْوَىٰ نُزُلاً } هو ما يعدّ للضيف {بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ }.
القشيري
تفسير : {ٱلَّذِينَ آمَنُواْ}: صَدَّقوا، و{وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ}: بما حَققوا - فلهم حُسْنُ الحال، وحميدُ المآلُ وجزيلُ المنال، وأَما الذين كدّوا وجحدوا، وفي معاملاتهم أساءوا وأفسدوا، فقصاراهم الخزيُ والهوان، وفنونٌ من المحن وألوان.. كلما راموا من محنتهم خلاصاً ازدادوا فيها انتكاساً، ولكما أَمَّلوا نجاةً جُرّعوا وزيدوا ياساً.
صدر المتألهين الشيرازي
تفسير : {جَنَّاتُ ٱلْمَأْوَىٰ}: نوع من الجنان، كل منها غاية ما يمكن لطائفة من الناس أن يبلغ إليها بقوة الإيمان والعمل الصالح، لأن صيغة الجمع تدل على أنها مراتب متفاوتة، قال جل عزّه: {أية : وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَىٰ * عِندَ سِدْرَةِ ٱلْمُنتَهَىٰ * عِندَهَا جَنَّةُ ٱلْمَأْوَىٰ} تفسير : [النجم:13 - 15]. وقيل: سميت بذلك، لما روي عن ابن عباس، قال: تأوي إليها أرواح الشهداء، وقيل: هي عن يمين العرش، وقرأ: {جَنَّاتُ ٱلْمَأْوَىٰ} - على الإفراد -. و"النزل" عطاء النازل، ثم عمم. والمعنى: لما فارق الحق سبحانه في الآية السابقة بين المؤمن والكافر في الحقيقة والمرتبة، ونفى عنهما المساواة، أراد أن ينبه على ذلك بتفصيل دواعي كل واحدة من هاتين الطائفتين عن الأخرى، والفرق بين أعراضهما وغاية قصودهما ونهاية توجههما، لأنه تباين المأوى الطبيعي، يدل على تباين الطبيعة المقتضية، فإن لكل طبيعة حيزاً طبيعياً، ولكل من الطيور مأوى خاصاً، والتعبير عن مقام كل من القبيلتين بالمأوى، تنبيه بليغ لمن وفّق لإدراك الإشارات القرآنية والآيات الإلهية. على أن السعيد مفطور على أن يعمل عمل أهل الجنة، والشقي مفطور على أن يعمل أعمال أهل النار، وهما طالبان بالاختيار لما قدّر لهما في دار القرار. وأما قوله في حق الكفار: {كُلَّمَآ أَرَادُوۤاْ أَن يَخْرُجُواُ مِنْهَآ - من غم - أُعِيدُواْ فِيهَا}: فهو نعي لهم، وبيان لكيفية تردّيهم إلى عالم البوار، فإن أحد الداعيين المقتضيين إذا كان جِبِلياً والآخر عرضياً اتّفاقياً، فلا محالة يغلب الأول على الثاني بالأخرة، أوَ لاَ ترى أن عمَّال الدنيا وأهل الحرف والمتوغلين في الشواغل الحسية، كلما بلغوا إلى صحبة الخائضين في العلوم، واستطابوا حالتهم، واستنشقوا روائحهم، وتهوّسوا الوصول إلى مرتبتهم، والخروج من ظلمة الجهالة وضيق النقص وخسة الرذالة إلى نور العلم وفسحة الكمال وشرف العرفان، غلبت عليهم شِقوتهم، وقويت فيهم جواذب الطبيعة السفلية، وأهبطهم ثقل الأوزار والأثقال والتعلقات مثل السلاسل والأغلال، حتى توصلهم إلى أسفل درك الجحيم، لاستيلاء الميل السفلي عليهم، وقهر الملكوت الأرضي بسبب رسوخ الهيآت الذميمة. والآياتُ الدالة على أن أهل الحجاب الكلّي، والمتوغلين في الحسِّيات، اضطروا إلى التردي والتقلب في النار كثيرة، منها قوله تعالى: {أية : وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ ٱلنَّارِ}تفسير : [البقرة:167]. وقوله: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَّا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُواْ بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}تفسير : [المائدة:36]. وقوله: {أية : يُرِيدُونَ أَن يَخْرُجُواْ مِنَ ٱلنَّارِ وَمَا هُم بِخَارِجِينَ}تفسير : [المائدة:37]. وقوله: {أية : أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ لَمْ يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي ٱلدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ}تفسير : [المائدة:41]. وقوله: {أية : وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَىٰ عَذَابِ ٱلنَّارِ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ} تفسير : [البقرة:126]. والسبب العقلي فيه، إن الجحيم الأخروي من جنس هذه الدار، فكل من غلبت عليه جهة الحس والمحسوسات، ولم يصدّق بوجود عالم آخر ضميراً واعتقاداً، وإن أَقَرَّ به قولاً ولساناً، وليس له ربتة الوصول إلى حقائق الإيمان، ولا العمل بمقتضاه والسلوك على وفق مؤدّاه، ولا يخرج طير روحه أبداً من قفص هذا العالم، فمآله إلى الجحيم وله عذاب مقيم.
الحبري
تفسير : وَقَوْلُهُ: {أَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ ٱلْمَأْوَىٰ نُزُلاً}. نَزَلَتْ فِي عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ.
اطفيش
تفسير : {أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ المَأْوَى} اجنة المأوى والمأوى المرجع والمسكن وهن نوع من الجنات سمين بذلك لانهن تأوي اليهن أرواح الشهداء. قيل: وهن عن يمين العرش والواضح ان الجنة كلها عن يمينه ويجوز ان يراد بجنات المأوى مطلق الجنة الآخرة فإنها المسكن الحقيقي واما الدنيا فمرتحل عنها لا محالة والجنة مطلقا يأوي اليها المؤمنون وقرىء (جنة المأوى) بالافراد. {نُزُلاً} أي عطاء بأعمالهم والنزل عطاء النازل ثم يطلق عاما فيحتمل هنا المعنى الاول ويحتمل الثاني العام ويجوز ان يراد انهم يعطون جنات المأوى عطاء مثل ما يعطى الضيف النازل ويهيأ له ولهم سوى تلك الجنات مما تعد اليه جنات المأوى مثل ما يعطي الضيف في القلة وهو حال من ضمير الاستقرار ومفعول مطلق بمحذوف اي يغطونها نزلا أي عطاء. {بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} متعلق بذلك الاستقرار ونزلا بمعنى عطاء او بمحذوف نعت لنزلا بمعنى الشيء المعطى والباء ان للتعليل والسببية قيل او بمعنى على.
اطفيش
تفسير : {أمَّا الَّذين آمنُوا وعَملوا الصالحات فلَهُم جناتُ المأوى} تفصيل لقوله: "أية : لا يستوون"تفسير : [السجدة: 18] وقوله: "أية : أفمن كان" تفسير : [السجدة: 18] الخ، وقيل لذكر احوالهم فى الدنيا، واضيفت الجنات الى المأوى اشارة الى ان الدنيا ليست مأوى يتبوأ، بل موضع الارتحال يرتحل منها الى ما هو المسكن الحقيقى: كمن فى سفر يرتحل الى بلده، والجنات كلها جنات المأوى، وقد يرد لفظ جنة المأوى لنوع منها يختص به نوع من المؤمنين، كما جاء ايضا انها عن يمين العرش تأوى اليها ارواح الشهداء. {نُزلاً} حال من المستتر فى لهم، او متعلقه، ومعناه ثوابا على اعمالهم، واصله ما يعد للنازل من طعام وشراب، ويجوز ان تكون الجنات لأهلها كالنزل للنازل، باعتبار ما يزاد لهم فى الجنات، فان خيراتها لا تزال تزداد، ومن الزيادة قوله تعالى: "إني راضٍ عنكم" وان جعلنا نزلا جمع نازل فهو حال من الهاء {بمَا كانُوا يعْمَلون} متعلق بلهم لنيابته عما صح التعليق به، او بما تعلق به لهم، اوبمحذوف نعت لنزلا بمعنى ثواب، والباء للسببية أو المصاحبة، ولا ينافى المعاوضة أو السببية قوله صلى الله علي وسلم: "حديث : لن يدخل أحدكم الجنة بعمله" تفسير : استحقاقا، واما بفضل الله فقد جعلها لهم عوضا ومسببة لأعمالهم.
الالوسي
تفسير : {أَمَّا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ فَلَهُمْ جَنَّـٰتُ ٱلْمَأْوَىٰ } تفصيل لمراتب الفريقين بعد نفي استوائهما وقيل: بعد ذكر أحوالهما في الدنيا، وأضيفت الجنان إلى المأوى لأنها المأوى والمسكن الحقيقي والدنيا منزل مرتحل عنه لا محالة، وقيل: المأوى علم لمكان مخصوص من الجنان كعدن، وقيل: جنة المأوى لما روي عن ابن عباس، أنها تأوي إليها أرواح الشهداء، وروي أنها عن يمين العرش ولا يخفى ما في جعله علماً من البعد وأياً ما كان فلا يبعد أن يكون فيه رمز إلى ما ذكر من تجافيهم عن مضاجعهم التي هي مأواهم في الدنيا. وقرأ طلحة {جَنَّةُ ٱلْمَأْوَىٰ } بالإفراد. {نُزُلاً } أي ثواباً وهو في الأصل ما يعد للنازل من الطعام والشراب والصلة ثم عم كل عطاء، وانتصابه على أنه حال من {جَنَّـٰتُ } والعامل فيه الظرف، وجوز أن يكون جمع نازل فيكون حالاً من ضمير {ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ} وقرأ أبو حيوة {نُزُلاً } بإسكان الزاي كما في قوله:شعر : وكنا إذا الجبار بالجيش ضافنا جعلنا القنا والمرهفات له نزلاً تفسير : {بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } أي بسبب الذي كانوا يعملونه في الدنيا من الأعمال الصالحة على أن ما موصولة والعائد محذوف والباء سببية، وكون ذلك سبباً بمقتضى فضله تعالى ووعده عز وجل فلا ينافي حديث «حديث : لا يدخل أحدكم الجنة بعمله»تفسير : ويجوز أن تكون الباء للمقابلة والمعاوضة كعلى في نحو بعتك الدار على ألف درهم أي فلهم ذلك على الذي كانوا يعملونه.
د. أسعد حومد
تفسير : {آمَنُواْ} {ٱلصَّالِحَاتِ} {جَنَّاتُ} (19) - أَمَّا الذِينَ آمَنُوا باللهِ وَرُسُلِهِ، وَعَمِلُوا الأَعْمَالَ الصَّالِحَاتِ، وَعَمِلُوا بِمَا أَمَرَ اللهُ، وَانْتَهَوْا عَمَّا نَهَاهُمْ عَنْهُ.. فَهؤُلاءِ لَهُمْ الجَنَّاتُ التِي فِيها المَسَاكِنُ، والدُّورُ، وَالغُرَفُ العَالِيَاتُ (جَنَّاتُ المَأْوَى) يَحُلُّونَ فِيها نُزَلاَءَ فِي ضِيَافَةٍ وَكَرَامَةٍ، جَزَاءً لَهُمْ مِنَ اللهِ تَعَالى عَلَى إِيمَانِهِمْ وَطَاعَتِهِمْ، وَصَالِحِ أَعْمَالِهِمْ. نُزُلاً - ضِيَافَةً وَعَطَاءً وَتَكْرُمَةً.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وإنْ كانت لفظة (مؤمن) جاءت مفردة، فقد أوضحتْ هذه الآية أن المراد الجمع {أَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ ..} [السجدة: 19] أي: العموم؛ لأنه أُخِذ مما كان مفرداً جمعاً، وهذا دليل على أن هذا المفرد في جنسه جمع كثير، كما في قوله تعالى {أية : وَٱلْعَصْرِ * إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَفِى خُسْرٍ} تفسير : [العصر: 1-2] فالإنسان مفرد يُستثنى منه الجمع {أية : إِلاَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ ..} تفسير : [العصر: 3] لأن لفظة الإنسان هنا تدل على الجماعة، و (ال) فيها ال الاستغراقية. فالحق سبحانه ينقلنا من المؤمن إلى العموم {أَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ..} [السجدة: 19] ومن الفاسق إلى {أية : وَأَمَّا ٱلَّذِينَ فَسَقُواْ ..} تفسير : [السجدة: 20] فهما جماعتان متقابلتان لكل منهما جزاؤه الذي يناسبه: {أَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ ٱلْمَأْوَىٰ ..} [السجدة: 19] والمأوى هو المكان الذي يأوي إليه الإنسان ويلجأ إليه ليحفظه من كل مكروه، كما قال تعالى في شأن عيسى وأمه مريم عليهما السلام: {أية : وَآوَيْنَاهُمَآ إِلَىٰ رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ} تفسير : [المؤمنون: 50] يعني: يمكنهما الاستقرار فيها؛ لأن بها مُقوِّمات الحياة (ومعين) يعني: عيْن ماء. ومن ذلك قوله تعالى في قصة ابن نوح حين قال لأبيه: {أية : سَآوِيۤ إِلَىٰ جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ ٱلْمَآءِ ..} تفسير : [هود: 43] فنبَّهه أبوه وحذره، فقال: {أية : لاَ عَاصِمَ ٱلْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ إِلاَّ مَن رَّحِمَ ..} تفسير : [هود: 43]. ونلحظ في هذه القصة حنان الأبوة من سيدنا نوح حين قال {أية : رَبِّ إِنَّ ٱبْنِي مِنْ أَهْلِي ..} تفسير : [هود: 45] لكن ربه عز وجل لا يتركه على هذه القضية، إنما يُصحِّحها له {أية : إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ ..} تفسير : [هود: 46]. إذن: فالبنوة هنا ليست بنوة نسب، إنما بنوة إيمان وعمل، أَلاَ ترى أن سيدنا رسول الله قال لسلمان الفارسي وهو من غير العرب بالمرة: "حديث : سلمان منا آل البيت ". تفسير : وإنْ كان النسب ينفع من الآباء إلى الأبناء، فهذه ليست خصوصية للأنبياء، إنما لكل الناس، كما قال سبحانه: {أية : وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَٱتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَآ أَلَتْنَاهُمْ مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَيْءٍ ..} تفسير : [الطور: 21]. وإلحاق الأبناء بالآباء في الحقيقة كرامة للآباء أنْ يجدوا أولادهم معهم في الجنة جزاء إيمان الآباء وعملهم الصالح، فإنْ كان الأولاد دون سِنِّ التكليف فطبيعي أنْ يلحقوا بالآباء، بل وتكون منزلتهم أعظم من منزلة آبائهم؛ لأن الأطفال الذين يموتون قبل الرُّشْد ليس لهم أماكن محددة، إنما ينطلقون في الجنة يمرحون فيها كما يشاؤون. وقد مثَّلنا لذلك بالولد الصغير تأخذه معك في زيارة أحد الأصدقاء، فتجلس أنت في حجرة الجلوس، بينما الولد الصغير يجري في أنحاء البيت، ويدخل أي مكان فيه لا يمنعه أحد، لذلك يسمون الأطفال (دعاميص) الجنة. والبعض هنا يثير مسألة أن الإنسان مرتهن بعمله، ولا ينتفع بعمل غيره، فكلٌّ مُعلَّق من (عرقوبه) كما نقول، فالبعض يسأل: لماذا إذاً نصلى على الميت، والصلاة عليه ليست من عمله؟ فإنْ كانت الصلاة عليه لها فائدة تعود عليه فقد انتفع بغير عمله، وإن لم تكُنْ لها فائدة فهي عبث، وحاشَ لله أنْ يضع تشريعاً عبثاً. ونقول: هل صليت على كل ميت مؤمناً كان أو كافراً؟ لا إنما نصلي على المؤمن، إذن: صلاتك أنت عليه نتيجة إيمانه، وجزء من عمله، ولولا إيمانه ما صلَّينا عليه. نعود إلى معنى كلمة (المأوى)، فالجنة مأوى المؤمن، تحفظه من النار وأهوالها {نُزُلاً بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} [السجدة: 19] أي: جزاء عملهم الصالح، والنزُل هو المكان المعَدّ لينزل فيه الضيف الطارئ عليك؛ لذلك يسمون الفندق (نُزُل)، فإذا كانت الفنادق الفاخرة التي نراها الآن ما أعَدَّه البشر للبشر، فما بالك بما أعدَّهُ ربُّ البشر لعباده الصالحين؟
الجيلاني
تفسير : بل {أَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} بوحدانية الحق {وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ} المأمورة لهم على وجهها، مع كونهم مخلصين فيها، خاشعين خاضعين {فَلَهُمْ} في النشأة الأخرى بعدما انقرضوا عن دار الدنيا {جَنَّاتُ ٱلْمَأْوَىٰ} أي: المتنزهات المعدة لأهل الإيمان والقبول تأوي إليها نفوسهم على الرغبة الكاملة والطوع التام؛ ليكون {نُزُلاً} لهم؛ أي: منزلاً يسكنون فيه، ويستريحون فيها {بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} [السجدة: 19] أي: بمقابلة ما يرتكبون من حمل المتاعب والمشاق ف يطريق الطاعات والعبادات. {وَأَمَّا ٱلَّذِينَ فَسَقُواْ} أي: تركوا الإيمان بالله، وخرجوا عن مقتضى الأوامر والنواهي الموردة في كتبه وعلى ألسنة رسله {فَمَأْوَاهُمُ} أي: مرجعهم ومثواهم في النشأة الأخرى {ٱلنَّارُ} المعدة لأهل الشقاوة الأزلية، هم يها خالدون مخلدون، مؤبدون لا نجاة لهم أصلاً، بل {كُلَّمَآ أَرَادُوۤاْ} وأملوا {أَن يَخْرُجُواُ مِنْهَآ} أمهلهم الخزنة إلى أن يصلوا إلى شفيرنا، ثمَّ بعد ذلك {أُعِيدُواْ فِيهَا} زجراً وقهراً تاماً مهانين صاغرين {وَقِيلَ لَهُمْ} أي: الزبانية الموكلون عليهم بإلهما الله إياهم: {ذُوقُواْ} أيها المنكرون المصرون {عَذَابَ ٱلنَّارِ ٱلَّذِي كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ} [السجدة: 20] حين أخبركم الرسل والكتب، وأنذروكم به. ثمَّ أشار سبحانه إلى رداءة فطنة أصحاب الضلال، وخبث طينتهم فقال على سبيل المبالغة والتأكيد: {وَ} الله {لَنُذِيقَنَّهُمْ} ونصبّنَّ عليهم في دار الابتلاء {مِّنَ ٱلْعَذَابِ ٱلأَدْنَىٰ} الأنزل الأسهل من القحط والطاعون والوباء، والقتل والسبي والزلزلة، وأنواع المحن والبليات التي هي أدنى وأسهل بمراحل {دُونَ ٱلْعَذَابِ ٱلأَكْبَرِ} أي: عند عذاب الآخرة الذي هو في غاية الشدة، ونهاية الألم والفظاعة، وإما أخذناهم بها {لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [السجدة: 21] مما هم عليه من الكفر والشقاق، ويتفطنون منها إلى كما قدرتنا واقتدارنا على أضعافها وآلافها، ومع ذلك لم يتفطنوا ولم يرجعوا عن غيهم وضلالهم، بل أصروا واستكبروا عدواناً وظلماً.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):