Verse. 3586 (AR)

٣٣ - ٱلْأَحْزَاب

33 - Al-Ahzab (AR)

يٰۗاَيُّہَا الَّذِيْنَ اٰمَنُوْا لَا تَدْخُلُوْا بُيُوْتَ النَّبِيِّ اِلَّاۗ اَنْ يُّؤْذَنَ لَكُمْ اِلٰى طَعَامٍ غَيْرَ نٰظِرِيْنَ اِنٰىہُ۝۰ۙ وَلٰكِنْ اِذَا دُعِيْتُمْ فَادْخُلُوْا فَاِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوْا وَلَا مُسْـتَاْنِسِيْنَ لِحَدِيْثٍ۝۰ۭ اِنَّ ذٰلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيٖ مِنْكُمْ۝۰ۡ وَاللہُ لَا يَسْتَحْيٖ مِنَ الْحَقِّ۝۰ۭ وَاِذَا سَاَلْتُمُوْہُنَّ مَتَاعًا فَسْـَٔــلُوْہُنَّ مِنْ وَّرَاۗءِ حِجَابٍ۝۰ۭ ذٰلِكُمْ اَطْہَرُ لِقُلُوْبِكُمْ وَقُلُوْبِہِنَّ۝۰ۭ وَمَا كَانَ لَكُمْ اَنْ تُــؤْذُوْا رَسُوْلَ اللہِ وَلَاۗ اَنْ تَنْكِحُوْۗا اَزْوَاجَہٗ مِنْۢ بَعْدِہٖۗ اَبَدًا۝۰ۭ اِنَّ ذٰلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللہِ عَظِيْمًا۝۵۳
Ya ayyuha allatheena amanoo la tadkhuloo buyoota alnnabiyyi illa an yuthana lakum ila taAAamin ghayra nathireena inahu walakin itha duAAeetum faodkhuloo faitha taAAimtum faintashiroo wala mustaniseena lihadeethin inna thalikum kana yuthee alnnabiyya fayastahyee minkum waAllahu la yastahyee mina alhaqqi waitha saaltumoohunna mataAAan faisaloohunna min warai hijabin thalikum atharu liquloobikum waquloobihinna wama kana lakum an tuthoo rasoola Allahi wala an tankihoo azwajahu min baAAdihi abadan inna thalikum kana AAinda Allahi AAatheeman

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم» في الدخول بالدعاء «إلى طعام» فتدخلوا «غير ناظرين» منتظرين «إناه» نضجه مصدر أنى يأنى «ولكن إذا دعيتم فادخلوا فإذا طعمتم فانتشروا ولا» تمكثوا «مستأنسين لحديث» من بعضكم لبعض «إن ذلكم» المكث «كان يؤذي النبي فيستحيي منكم» أن يخرجكم «والله لا يستحيي من الحق» أن يخرجكم، أي لا يترك بيانه، وقرئ يستحي بياء واحدة «وإذا سألتموهن» أي أزواج النبي صلى الله عليه وسلم «متاعا فاسألوهن من وراء حجابٍ» ستر «ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن» من الخواطر المريبة «وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله» بشيء «ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا إن ذلكم كان عند الله» ذنبا «عظيما».

53

Tafseer

الرازي

تفسير : ثم قال تعالى: {يأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتَ ٱلنَّبِىّ إِلاَّ أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَىٰ طَعَامٍ غَيْرَ نَـٰظِرِينَ إِنَـٰهُ }. لما ذكر الله تعالى في النداء الثالث { أية : يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ إِنَّا أَرْسَلْنَـٰكَ شَاهِداً } تفسير : [الأحزاب: 45] بياناً لحاله مع أمته العامة قال للمؤمنين في هذا النداء لا تدخلوا إرشاداً لهم وبياناً لحالهم مع النبـي عليه السلام من الاحترام ثم إن حال الأمة مع النبـي على وجهين أحدهما: في حال الخلوة والواجب هناك عدم إزعاجه وبين ذلك بقوله: {لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتَ ٱلنَّبِىّ } وثانيهما: في الملأ والواجب هناك إظهار التعظيم كما قال تعالى: { أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلّمُواْ تَسْلِيماً } تفسير : [الأحزاب: 56] وقوله: {إِلَىٰ طَعَامٍ غَيْرَ نَـٰظِرِينَ إِنَـٰهُ } أي لا تدخلوا بيوت النبـي إلى طعام إلا أن يؤذن لكم. ثم قال تعالى: {ولكن إذا دعيتم فادخلوا فإذا طعمتم فانتشروا ولا مستأنسين لحديث إن ذلكم كان يؤذي النبي فيستحيي منكم والله لا يستحيى من الحق ووإذا سألتموهن متاعاً فسألوهن من وراء حجاب ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله وولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبداً إن ذلكم كان عند الله عظيماً }. لما بين من حال النبـي أنه داع إلى الله بقوله: {وَدَاعِياً إِلَى ٱللَّهِ } قال ههنا لا تدخلوا إلا إذا دعيتم يعني كما أنكم ما دخلتم الدين إلا بدعائه فكذلك لا تدخلوا عليه إلا بعد دعائه وقوله: {غَيْرَ نَـٰظِرِينَ } منصوب على الحال. والعامل فيه على ما قاله الزمخشري لا تدخلوا قال وتقديره ولا تدخلوا بيوت النبـي إلا مأذونين غير ناظرين، وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: قوله: {إِلاَّ أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَىٰ طَعَامٍ } إما أن يكون فيه تقديم وتأخير تقديره ولا تدخلوا إلى طعام إلا أن يؤذن لكم، فلا يكون منعاً من الدخول في غير وقت الطعام بغير الإذن، وإما أن لا يكون فيه تقديم وتأخير فيكون معناه ولا تدخلوا إلا أن يؤذن لكم إلى طعام فيكون الإذن مشروطاً بكونه إلى الطعام فإن لم يؤذن لكم إلى طعام فلا يجوز الدخول فلو أذن لواحد في الدخول لاستماع كلام لا لأكل طعام لا يجوز، نقول المراد هو الثاني ليعم النهي عن الدخول، وأما قوله فلا يجوز إلا بالإذن الذي إلى طعام، نقول: قال الزمخشري الخطاب مع قوم كانوا يجيئون حين الطعام ويدخلون من غير إذن فمنعوا من الدخول في وقته بغير إذن، والأولى أن يقال المراد هو الثاني لأن التقديم والتأخير خلاف الأصل وقوله: {إِلَىٰ طَعَامٍ } من باب التخصيص بالذكر فلا يدل على نفي ما عداه، لا سيما إذا علم أن غيره مثله فإن من جاز دخول بيته بإذنه إلى طعامه جاز دخوله إلى غير طعامه بإذنه، فإن غير الطعام ممكن وجوده مع الطعام، فإن من الجائز أن يتكلم معه وقتما يدعوه إلى طعام ويستقضيه في حوائجه ويعلمه مما عنده من العلوم مع زيادة الإطعام، فإذا رضي بالكل فرضاه بالبعض أقرب إلى الفعل فيصير من باب { أية : فلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفّ } تفسير : [الإسراء: 23] وقوله: {غَيْرَ نَـٰظِرِينَ } يعني أنتم لا تنتظروا وقت الطعام فإنه ربما لا يتهيأ. المسألة الثانية: قوله تعالى: {وَلَـكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَٱدْخُلُواْ } فيه لطيفة وهي أن العادة إذا قيل لمن كان يعتاد دخول دار من غير إذن لا تدخلها إلا بإذن يتأذى وينقطع بحيث لا يدخلها أصلاً لا بالدعاء ولا بالدعاء، فقال لا تفعلوا مثل ما يفعله المستنكفون بل كونوا طائعين سامعين إذا قيل لكم لا تدخلوا لا تدخلوا وإذا قيل لكم ادخلوا فادخلوا، وإناه قيل وقته وقيل استواؤه وقوله: {إِلاَّ أَن يُؤْذَنَ } يفيد الجواز وقوله: {وَلَـكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَٱدْخُلُواْ } يفيد الوجود فقوله: {وَلَـكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ } ليس تأكيداً بل هو يفيد فائدة جديدة. المسألة الثالثة: لا يشترط في الإذن التصريح به، بل إذا حصل العلم بالرضا جاز الدخول ولهذا قال: {إِلاَّ أَن يُؤْذَنَ } من غير بيان فاعل، فالآذن إن كان الله أو النبـي أو العقل المؤيد بالدليل جاز والنقل دال عليه حيث قال تعالى: {أَوْ صَدِيقِكُمْ } وحد الصداقة لما ذكرنا، فلو جاء أبو بكر وعلم أن لا مانع في بيت عائشة من بيوت النبـي عليه السلام من تكشف أو حضور غير محرم عندها أو علم خلو الدار من الأهل أو هي محتاجة إلى إطفاء حريق فيها أو غير ذلك، جاز الدخول. المسألة الرابعة: قوله: {فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَٱنْتَشِرُواْ } كأن بعض الصحابة أطال المكث يوم وليمة النبـي عليه السلام في عرس زينب، والنبـي عليه السلام لم يقل له شيئاً، فوردت الآية جامعة لآداب، منها المنع من إطالة المكث في بيوت الناس، وفي معنى البيت موضع مباح اختاره شخص لعبادته أو اشتغاله بشغل فيأتيه أحد ويطيل المكث عنده، وقوله: {وَلاَ مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ } قال الزمخشري هو عطف على {غَيْرَ نَـٰظِرِينَ } مجرور، ويحتمل أن يكون منصوباً عطفاً على المعنى، فإن معنى قوله تعالى: {لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتَ ٱلنَّبِىّ إِلاَّ أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ } لا تدخلوها هاجمين، فعطف عليه {وَلاَ مُسْتَأْنِسِينَ } ثم إن الله تعالى بين كون ذلك أدباً وكون النبـي حليماً بقوله: {إن ذلكم كان يؤذي النبي فيستحيي منكم والله لا يستحيي من الحق} إشارة إلى أن ذلك حق وأدب، وقوله كان إشارة إلى تحمل النبـي عليه السلام، ثم ذكر الله أدباً آخر وهو قوله: {يأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتَ ٱلنَّبِىّ } لما منع الله الناس من دخول بيوت النبـي عليه السلام، وكان في ذلك تعذر الوصول إلى الماعون، بين أن ذلك غير ممنوع منه فليسأل وليطلب من وراء حجاب، وقوله {ذٰلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ } يعني العين روزنة القلب، فإذا لم تر العين لا يشتهي القلب. أما إن رأت العين فقد يشتهي القلب وقد لا يشتهي، فالقلب عند عدم الرؤية أطهر، وعدم الفتنة حينئذ أظهر، ثم إن الله تعالى لما علم المؤمنين الأدب أكده بما يحملهم على محافظته، فقال: {وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تؤْذُواْ رَسُولَ ٱللَّهِ } وكل ما منعتم عنه مؤذ فامتنعوا عنه، وقوله تعالى: {وَلاَ أَن تَنكِحُواْ أَزْوَاجَهُ مِن بَعْدِهِ أَبَداً } قيل سبب نزوله أن بعض الناس قيل هو طلحة بن عبيد الله، قال لئن عشت بعد محمد لأنكحن عائشة، وقد ذكرنا أن اللفظ العام لا يغير معناه سبب النزول، فإن المراد أن إيذاء الرسول حرام، والتعرض لنسائه في حياته إيذاء فلا يجوز، ثم قال لا بل ذلك غير جائز مطلقاً، ثم أكد بقوله: {إِنَّ ذٰلِكُمْ كَانَ عِندَ ٱللَّهِ عَظِيماً } أي إيذاء الرسول.

القرطبي

تفسير : فيه ست عشرة مسألة: الأولى: قوله تعالى: {لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتَ ٱلنَّبِيِّ إِلاَّ أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ} «أنْ» في موضع نصب على معنى: إلا بأن يؤذن لكم، ويكون الاستثناء ليس من الأول. {إِلَىٰ طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ} نصب على الحال، أي لا تدخلوا في هذه الحال. ولا يجوز في «غَيْر» الخفض على النعت للطعام، لأنه لو كان نعتاً لم يكن بدّ من إظهار الفاعلين، وكان يقول: غير ناظرين إناه أنتم. ونظير هذا من النحو: هذا رجلٌ مع رجل ملازمٌ له، وإن شئت قلت: هذا رجلٌ مع رجلٍ ملازمٍ له هو. وهذه الآية تضمّنت قصتين: إحداهما: الأدب في أمر الطعام والجلوس. والثانية: أمر الحجاب. وقال حماد بن زيد: هذه الآية نزلت في الثقلاء. فأما القصة الأولى فالجمهور من المفسرين على أن سببها: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما تزوّج زينب بنت جحش امرأة زيد أوْلَم عليها، فدعا الناس، فلما طعموا جلس طوائف منهم يتحدّثون في بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وزوجته موَلّية وجهها إلى الحائط، فثَقُلُوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال أنس: فما أدري أأنا أخبرت النبيّ صلى الله عليه وسلم أن القوم قد خرجوا أو أخبرني. قال: فانطلق حتى دخل البيت، فذهبت أدخل معه فألقى الستر بيني وبينه ونزل الحجاب. قال: ووعظ القومَ بما وُعظوا به، وأنزل الله عز وجل: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتَ ٱلنَّبِيِّ ـ إلى قوله ـ إِنَّ ذٰلِكُمْ كَانَ عِندَ ٱللَّهِ عَظِيماً } أخرجه الصحيح. وقال قتادة ومقاتل في كتاب الثعلبيّ: إن هذا السبب جرى في بيت أم سلمة. والأوّل الصحيح، كما رواه الصحيح. وقال ابن عباس: نزلت في ناس من المؤمنين كانوا يتحينون طعام النبيّ صلى الله عليه وسلم فيدخلون قبل أن يدرِك الطعام، فيقعدون إلى أن يدرِك، ثم يأكلون ولا يخرجون. وقال إسماعيل بن أبي حكيم: وهذا أدب أدّب الله به الثقلاء. وقال ابن أبي عائشة في كتاب الثعلبيّ: حسبك من الثقلاء أن الشرع لم يحتملهم. وأما قصة الحجاب فقال أنس بن مالك وجماعة: سببها أمر القعود في بيت زينب، القصة المذكورة آنفاً. وقالت عائشة رضي الله عنها وجماعة: سببها أن عمر قال قلت: يا رسول الله، إن نساءك يدخل عليهنّ البَرّ والفاجر، فلو أمرتهنّ أن يحتجبن؛ فنزلت الآية. وروى الصحيح عن ابن عمر قال: قال عمر وافقت ربّي في ثلاث: في مقام إبراهيم، وفي الحجاب، وفي أسارى بدر. هذا أصح ما قيل في أمر الحجاب، وما عدا هذين القولين من الأقوال والروايات فواهية، لا يقوم شيء منها على ساق، وأضعفها ما روي عن ابن مسعود: أن عمر أمر نساء النبيّ صلى الله عليه وسلم بالحجاب، فقالت زينب بنت جحش: يا ابن الخطاب، إنك تَغَار علينا والوحي ينزل في بيوتنا! فأنزل الله تعالى: {وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فَٱسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَآءِ حِجَابٍ ذٰلِكُمْ} وهذا باطل، لأن الحجاب نزل يوم البناء بزينب، كما بيّناه. أخرجه البخاريّ ومسلم والترمذي وغيرهم. وقيل: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يَطْعَم ومعه بعض أصحابه، فأصاب يَدُ رجل منهم يدَ عائشة، فكره النبيّ صلى الله عليه وسلم فنزلت آية الحجاب. قال ابن عطية: وكانت سيرة القوم إذا كان لهم طعام وليمة أو نحوه أن يبكر من شاء إلى الدعوة ينتظرون طبخ الطعام ونُضْجَه. وكذلك إذا فرغوا منه جلسوا كذلك، فنهى الله المؤمنين عن أمثال ذلك في بيت النبيّ صلى الله عليه وسلم، ودخل في النهي سائر المؤمنين، والتزم الناس أدب الله تعالى لهم في ذلك، فمنعهم من الدخول إلا بإذن عند الأكل، لا قبله لانتظار نُضْج الطعام. الثانية: قوله تعالى: {بُيُوتَ ٱلنَّبِيِّ} دليل على أن البيت للرجل، ويحكم له به، فإن الله تعالى أضافه إليه. فإن قيل: فقد قال الله تعالى: {وَٱذْكُـرْنَ مَا يُتْـلَىٰ فِي بُيُوتِكُـنَّ مِنْ آيَاتِ ٱللَّهِ وَٱلْحِكْــمَةِ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ لَطِيفاً خَبِيراً} قلنا: إضافة البيوت إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم إضافة مِلك، وإضافة البيوت إلى الأزواج إضافة محل، بدليل أنه جعل فيها الإذن للنبيّ صلى الله عليه وسلم، والإذن إنما يكون للمالك. الثالثة: واختلف العلماء في بيوت النبيّ صلى الله عليه وسلم إذ كان يسكن فيها أهله بعد موته، هل هي ملك لهنّ أم لا على قولين: فقالت طائفة: كانت ملكاً لهنّ، بدليل أنهنّ سكنّ فيها بعد موت النبيّ صلى الله عليه وسلم إلى وفاتهنّ، وذلك أن النبيّ صلى الله عليه وسلم وهب ذلك لهنَّ في حياته. الثاني: أن ذلك كان إسكاناً كما يسكن الرجل أهله ولم يكن هبة، وتمادى سكناهنّ بها إلى الموت. وهذا هو الصحيح، وهو الذي ارتضاه أبو عمر بن عبد البر وابن العربيّ وغيرهم، فإن ذلك من مئونتهنّ التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم استثناها لهنّ، كما استثنى لهنّ نفقاتهنّ حين قال: «حديث : لا تَقْتَسم ورثتي ديناراً ولا درهماً، ما تركت بعد نفقة أهلي ومئونة عاملي فهو صدقة»تفسير : . هكذا قال أهل العلم، قالوا: ويدلّ على ذلك أن مساكنهنّ لم يرثها عنهنّ ورثتهنّ. قالوا: ولو كان ذلك ملكاً لهنّ كان لا شك قد ورثه عنهنّ ورثتهنّ. قالوا: وفي ترك ورثتهنّ ذلك دليل على أنها لم تكن لهنّ ملكاً، وإنما كان لهنّ سكنى حياتهنّ، فلما تَوفَّين جعل ذلك زيادة في المسجد الذي يعم المسلمين نفعه، كما جعل ذلك الذي كان لهنّ من النفقات في تركة رسول الله صلى الله عليه وسلم لما مضين لسبيلهنّ، فزيد إلى أصل المال فصرف في منافع المسلمين مما يعمّ جميعَهم نفعُه. والله الموفق. قوله تعالى: {غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ} أي غير منتظرين وقت نُضْجه. و«إنَاهُ» مقصور، وفيه لغات: «إنَى» بكسر الهمزة. قال الشيباني:شعر : وكِسْرَى إذ تقسّمه بَنُوه بأسياف كما اقْتُسِم اللِّحام تمخّضت المَنون له بيوم أنَى ولكل حاملة تمام تفسير : وقرأ ابن أبي عبلة: «غَيِر نَاظِرِينَ إِنَاه» مجروراً صفة لـ«ـطعام». الزمخشريّ: وليس بالوجه، لأنه جرى على غير ما هو له، فمن حق ضمير ما هو له أن يبرز إلى اللفظ، فيقال: غيرِ ناظرين إناه أنتم، كقولك: هندٌ زيدٌ ضاربته هي. وأنى (بفتحها)، وأناء (بفتح الهمزة والمد) قال الحطيئة:شعر : وأخّرت العَشاء إلى سُهَيْل أو الشِّعْرَى فطال بِيَ الأناءُ تفسير : يعني إلى طلوع سهيل. وإناه مصدر أنى الشيء يأنى إذا فرغ وحان وأدرك. الرابعة: قوله تعالى: {وَلَـكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَٱدْخُلُواْ فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَٱنْتَشِرُواْ} فأكّد المنع، وخصّ وقت الدخول بأن يكون عند الإذن على جهة الأدب، وحفظ الحضرة الكريمة من المباسطة المكروهة. قال ابن العربيّ: وتقدير الكلام: ولكن إذا دعيتم وأذن لكم في الدخول فادخلوا، وإلا فنفس الدعوة لا تكون إذناً كافياً في الدخول. والفاء في جواب «إذا» لازمة لما فيها من معنى المجازاة. الخامسة: قوله تعالى: {فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَٱنْتَشِرُواْ} أَمر تعالى بعد الإطعام بأن يتفرّق جميعهم وينتشروا. والمراد إلزام الخروج من المنزل عند انقضاء المقصود من الأكل. والدليل على ذلك أن الدخول حرام، وإنما جاز لأجل الأكل، فإذا انقضى الأكل زال السبب المبيح وعاد التحريم إلى أصله. السادسة: في هذه الآية دليل على أن الضيف يأكل على ملك المضيف لا على ملك نفسه؛ لأنه قال: {فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَٱنْتَشِرُواْ} فلم يجعل له أكثر من الأكل، ولا أضاف إليه سواه، وبقي الملك على أصله. السابعة: قوله تعالى: {وَلاَ مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ} عطف على قوله: {غَيْرَ نَاظِرِينَ} و«غَيْرَ» منصوبة على الحال من الكاف والميم في «لكم» أي غير ناظرين ولا مستأنسين؛ والمعنى المقصود: لا تمكثوا مستأنسين بالحديث كما فعل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في وليمة زينب. {إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي ٱلنَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِ مِنكُمْ وَٱللَّهُ لاَ يَسْتَحْيِ مِنَ ٱلْحَقِّ} أي لا يمتنع من بيانه وإظهاره. ولما كان ذلك يقع من البشر لعلة الاستحياء نفى عن الله تعالى العلة الموجبة لذلك في البشر. وفي الصحيح عن أم سلَمة قالت:حديث : جاءت أم سُليم إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله، إن الله لا يستحيي من الحق، فهل على المرأة من غسل إذا احتلمت؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا رأت الماء».تفسير : الثامنة: قوله تعالى: {وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً} الآية. روى أبو داود الطيالسي عن أنس بن مالك قال: قال عمر: وافقت ربي في أربع...؛ الحديث. وفيه: قلت يا رسول الله، لو ضربتَ على نسائك الحجاب، فإنه يدخل عليهنّ البرّ والفاجر؛ فأنزل الله عز وجل {وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فَٱسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَآءِ حِجَابٍ}. واختلف في المتاع؛ فقيل: ما يتمتع به من العواريّ. وقيل فَتْوَى. وقيل صحف القرآن. والصواب أنه عام في جميع ما يمكن أن يطلب من المواعين وسائر المرافق للدين والدنيا. التاسعة: في هذه الآية دليل على أن الله تعالى أذن في مسألتهنّ من وراء حجاب في حاجة تَعْرِض، أو مسألة يُستفتين فيها؛ ويدخل في ذلك جميع النساء بالمعنى، وبما تضمنته أصول الشريعة من أن المرأة كلها عورة، بدنها وصوتها؛ كما تقدّم، فلا يجوز كشف ذلك إلا لحاجة كالشهادة عليها، أو داء يكون ببدنها، أو سؤالها عما يعرض وتعيَّن عندها. العاشرة: استدلّ بعض العلماء بأخذ الناس عن أزواج النبيّ صلى الله عليه وسلم من وراء حجاب على جواز شهادة الأعمى، وبأن الأعمى يطأ زوجته بمعرفته بكلامها. وعلى إجازة شهادته أكثر العلماء، ولم يجزها أبو حنيفة والشافعيّ وغيرهما. قال أبو حنيفة: تجوز في الأنساب. وقال الشافعيّ: لا تجوز إلا فيما رآه قبل ذهاب بصره. الحادية عشرة: قوله تعالى: {ذٰلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ} يريد من الخواطر التي تعرض للرجال في أمر النساء، وللنساء في أمر الرجال؛ أي ذلك أنفى للريبة وأبعد للتهمة وأقوى في الحماية. وهذا يدلّ على أنه لا ينبغي لأحد أن يثق بنفسه في الخلوة مع من لا تحل له؛ فإن مجانبة ذلك أحسن لحاله وأحصن لنفسه وأتم لعصمته. الثانية عشرة: قوله تعالى: {وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تؤْذُواْ رَسُولَ ٱللَّهِ} الآية. هذا تكرار للعلة وتأكيد لحكمها؛ وتأكيد العلل أقوى في الأحكام. الثالثة عشرة: قوله تعالى: {وَلاَ أَن تَنكِحُوۤاْ أَزْوَاجَهُ مِن بَعْدِهِ أَبَداً} روى إسماعيل بن إسحاق قال حدثنا محمد بن عبيد قال: حدثنا محمد بن ثور عن معمر عن قتادة أن رجلاً قال: لو قُبض رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوجتُ عائشة؛ فأنزل الله تعالى: {وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تؤْذُواْ رَسُولَ ٱللَّهِ} الآية. ونزلت: {وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ}. وقال القشيري أبو نصر عبد الرحمن: قال ابن عباس قال رجل من سادات قريش من العشرة الذين كانوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على حِراء ـ في نفسه ـ لو توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم لتزوَّجت عائشة، وهي بنت عمي. قال مقاتل: هو طلحة بن عبيد الله. قال ابن عباس: وندم هذا الرجل على ما حدّث به في نفسه، فمشى إلى مكة على رجليه وحمل على عشرة أفراس في سبيل الله، وأعتق رقيقاً فكفّر الله عنه. وقال ابن عطية: روي أنها نزلت بسبب أن بعض الصحابة قال: لو مات رسول الله صلى الله عليه وسلم لتزوَّجت عائشة؛ فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فتأذّى به؛ هكذا كنَّى عنه ابن عباس ببعض الصحابة. وحكى مكيّ عن معمر أنه قال: هو طلحة بن عبيد الله. قلت: وكذا حكى النحاس عن معمر أنه طلحة؛ ولا يصح. قال ابن عطية: لله درّ ابن عباس! وهذا عندي لا يصح على طلحة بن عبيد الله. قال شيخنا الإمام أبو العباس: وقد حكي هذا القول عن بعض فضلاء الصحابة، وحاشاهم عن مثله! والكذب في نقله؛ وإنما يليق مثل هذا القول بالمنافقين الجهال. يروى أن رجلاً من المنافقين قال حين تزوّج رسول الله صلى الله عليه وسلم أمّ سلمة بعد أبي سلمة، وحفصة بعد خُنيس بن حُذافة: ما بال محمد يتزوّج نساءنا! والله لو قد مات لأجَلْنا السهام على نسائه؛ فنزلت الآية في هذا؛ فحرم الله نكاح أزواجه من بعده، وجعل لهن حكم الأمهات. وهذا من خصائصه تمييزاً لشرفه وتنبيهاً على مرتبته صلى الله عليه وسلم. قال الشافعيّ رحمه الله: وأزواجه صلى الله عليه وسلم اللاتي مات عنهن لا يحلّ لأحد نكاحهن، ومن استحلّ ذلك كان كافراً؛ لقوله تعالى: {وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تؤْذُواْ رَسُولَ ٱللَّهِ وَلاَ أَن تَنكِحُوۤاْ أَزْوَاجَهُ مِن بَعْدِهِ أَبَداً}. وقد قيل: إنما منع من التزوّج بزوجاته؛ لأنهن أزواجه في الجنة، وأن المرأة في الجنة لآخر أزواجها. قال حذيفة لامرأته: إن سرّك أن تكوني زوجتي في الجنة إن جمعنا الله فيها فلا تزوّجي من بعدي؛ فإن المرأة لآخر أزواجها. وقد ذكرنا ما للعلماء في هذا في (كتاب التذكرة) من أبواب الجنة. الرابعة عشرة: اختلف العلماء في أزواج النبيّ صلى الله عليه وسلم بعد موته؛ هل بقين أزواجاً أم زال النكاح بالموت، وإذا زال النكاح بالموت فهل عليهن عدة أم لا؟ فقيل: عليهن العدة؛ لأنه تُوُفّي عنهن، والعدة عبادة. وقيل: لا عدة عليهن؛ لأنها مدة تربص لا ينتظر بها الإباحة. وهو الصحيح؛ لقوله عليه السلام: «حديث : ما تركت بعد نفقة عيالي»تفسير : وروي «حديث : أهلي» تفسير : وهذا اسم خاص بالزوجية؛ فأبقى عليهن النفقة والسكنى مدة حياتهن لكونهن نساءه، وحرمن على غيره؛ وهذا هو معنى بقاء النكاح. وإنما جعل الموت في حقه عليه السلام لهن بمنزلة المغيب في حق غيره؛ لكونهن أزواجاً له في الآخرة قطعاً بخلاف سائر الناس؛ لأن الرجل لا يعلم كونه مع أهله في دار واحدة، فربما كان أحدهما في الجنة والآخر في النار؛ فبهذا انقطع السبب في حق الخلق وبقي في حق النبيّ صلى الله عليه وسلم؛ وقد قال عليه السلام: «حديث : زوجاتي في الدنيا هن زوجاتي في الآخرة»تفسير : . وقال عليه السلام: «حديث : كل سبب ونسب ينقطع إلا سببي ونسبي فإنه باق إلى يوم القيامة".تفسير : فرع: فأما زوجاته عليه السلام اللاتي فارقهن في حياته مثل الكَلْبية وغيرها؛ فهل كان يحلّ لغيره نكاحهن؟ فيه خلاف. والصحيح جواز ذلك؛ لما روي أن الكلبية التي فارقها رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوجها عكرمة بن أبي جهل على ما تقدّم. وقيل: إن الذي تزوّجها الأشعث بن قيس الكندي. قال القاضي أبو الطيّب: الذي تزوّجها مهاجر بن أبي أميّة، ولم ينكر ذلك أحد؛ فدلّ على أنه إجماع. الخامسة عشرة: قوله تعالى: {إِنَّ ذٰلِكُمْ كَانَ عِندَ ٱللَّهِ عَظِيماً } يعني أَذِيَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم أو نكاح أزواجه؛ فجعل ذلك من جملة الكبائر ولا ذنب أعظم منه. السادسة عشرة: قد بيّنا سبب نزول الحجاب من حديث أنس وقول عمر، وكان يقول لسَوْدة إذا خرجت وكانت امرأة طويلة: قد رأيناك يا سودة، حرصاً على أن ينزل الحجاب، فأنزل الله آية الحجاب. ولا بُعْد في نزول الآية عند هذه الأسباب كلها ـ والله أعلم ـ بَيْدَ أنه لما ماتت زينب بنت جحش قال: لا يشهد جنازتها إلا ذو محرم منها؛ مراعاةً للحجاب الذي نزل بسببها. فدلته أسماء بنت عُميس على سترها في النعش في القُبّة، وأعلمته أنها رأت ذلك في بلاد الحبشة فصنعه عمر. وروي أن ذلك صُنع في جنازة فاطمة بنت النبي صلى الله عليه وسلم.

ابن كثير

تفسير : هذه آية الحجاب وفيها أحكام وآداب شرعية، وهي مما وافق تنزيلها قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه، كما ثبت ذلك في الصحيحين عنه أنه قال: وافقت ربي عز وجل في ثلاث، قلت: يا رسول الله لو اتخذت من مقام إبراهيم مصلى، فأنزل الله تعالى: {أية : وَٱتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَٰهِيمَ مُصَلًّى} تفسير : [البقرة: 125] وقلت: يا رسول الله إن نساءك يدخل عليهن البر والفاجر، فلو حجبتهن، فأنزل الله آية الحجاب، وقلت لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم لما تمالأن عليه في الغيرة: {أية : عَسَىٰ رَبُّهُ إِن طَلَّقَكُنَّ أَن يُبْدِلَهُ أَزْوَٰجاً خَيْراً مِّنكُنَّ} تفسير : [التحريم: 5] فنزلت كذلك، وفي رواية لمسلم ذكر أسارى بدر، وهي قضية رابعة. وقد قال البخاري: حدثنا مسدد عن يحيى عن حميد عن أنس بن مالك قال: قال عمر بن الخطاب: يا رسول الله يدخل عليك البر والفاجر، فلو أمرت أمهات المؤمنين بالحجاب، فأنزل الله آية الحجاب، وكان وقت نزولها في صبيحة عرس رسول الله صلى الله عليه وسلم بزينب بنت جحش الأسدية التي تولى الله تعالى تزويجها بنفسه، وكان ذلك في ذي القعدة من السنة الخامسة في قول قتادة والواقدي وغيرهما، وزعم أبو عبيدة معمر بن المثنى وخليفة بن خياط أن ذلك كان في سنة ثلاث، فالله أعلم. قال البخاري: حدثنا محمد بن عبد الله الرقاشي، حدثنا معتمر بن سليمان، سمعت أبي، حدثنا أبو مجلز عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: لما تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم زينب بنت جحش، دعا القوم فطعموا، ثم جلسوا يتحدثون، فإذا هو يتهيأ للقيام، فلم يقوموا، فلما رأى ذلك، قام، فلما قام، قام من قام، وقعد ثلاثة نفر، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم ليدخل، فإذا القوم جلوس، ثم إنهم قاموا فانطلقوا، فجئت فأخبرت النبي صلى الله عليه وسلم أنهم قد انطلقوا، فجاء حتى دخل، فذهبت أدخل، فألقى الحجاب بيني وبينه، فأنزل الله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتَ ٱلنَّبِىِّ إِلاَّ أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَىٰ طَعَامٍ غَيْرَ نَـٰظِرِينَ إِنَـٰهُ وَلَـكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَٱدْخُلُواْ فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَٱنْتَشِرُواْ} الآية، وقد رواه أيضا في موضع آخر، ومسلم والنسائي من طرق عن معتمر بن سليمان به. ثم رواه البخاري منفرداً به من حديث أيوب عن أبي قلابة، عن أنس بن مالك رضي الله عنه بنحوه، ثم قال: حدثنا أبو معمر، حدثنا عبد الوارث، حدثنا عبد العزيز بن صهيب عن أنس بن مالك قال: بنى النبي صلى الله عليه وسلم زينت بنت جحش بخبز ولحم، فأرسلت على الطعام داعياً، فيجيء قوم فيأكلون ويخرجون، ثم يجيء قوم فيأكلون ويخرجون، فدعوت حتى ما أجد أحداً أدعوه، فقلت: يا رسول الله ما أجد أحداً أدعوه، قال: «حديث : ارفعوا طعامكم»تفسير : ، وبقي ثلاثة رهط يتحدثون في البيت، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم فانطلق إلى حجرة عائشة رضي الله عنها فقال: «حديث : السلام عليكم أهل البيت ورحمة الله وبركاته» تفسير : قالت: وعليك السلام ورحمة الله، كيف وجدت أهلك يا رسول الله؟ بارك الله لك؟ فتقرى حجر نسائه كلهن، يقول لهن كما يقول لعائشة، ويقلن له كما قالت عائشة، ثم رجع النبي صلى الله عليه وسلم فإذا ثلاثة رهط في البيت يتحدثون، وكان النبي صلى الله عليه وسلم شديد الحياء، فخرج منطلقاً نحو حجرة عائشة، فما أدري أخبرته أم أخبر أن القوم خرجوا، فرجع حتى إذا وضع رجله في أسكفة الباب داخله، والأخرى خارجة، أرخى الستر بيني وبينه، وأنزل آية الحجاب. انفرد به البخاري من بين أصحاب الكتب الستة سوى النسائي في اليوم والليلة من حديث عبد الوارث، ثم رواه عن إسحاق، هو ابن منصور، عن عبد الله بن بكر السهمي عن حميد عن أنس بنحو ذلك، وقال رجلان: انفرد به من هذا الوجه، وقد تقدم في أفراد مسلم من حديث سليمان بن المغيرة عن ثابت عن أنس. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو المظفر، حدثنا جعفر بن سليمان عن الجعد أبي عثمان اليشكري عن أنس بن مالك قال: أعرس رسول الله صلى الله عليه وسلم ببعض نسائه، فصنعت أم سليم حيساً، ثم جعلته في تور، فقالت: اذهب بهذا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأقرئه مني السلام، وأخبره أن هذا منا له قليل، قال أنس: والناس يومئذ في جهد، فجئت به فقلت: يا رسول الله بعثت بهذا أم سليم إليك، وهي تقرئك السلام وتقول: أخبره أن هذا منا له قليل، فنظر إليه ثم قال: «حديث : ضعه» تفسير : فوضعته في ناحية البيت، ثم قال: «حديث : اذهب فادع لي فلاناً وفلاناً» تفسير : فسمى رجالاً كثيراً، وقال: «حديث : ومن لقيت من المسلمين» تفسير : فدعوت من قال لي، ومن لقيت من المسلمين، فجئت والبيت والصفة والحجرة ملأى من الناس، فقلت: يا أبا عثمان كم كانوا؟ فقال: كانوا زهاء ثلاثمائة. قال أنس: فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : جىء به» تفسير : فجئت به إليه، فوضع يده عليه، ودعا وقال: «حديث : ما شاء الله» تفسير : ثم قال: «حديث : ليتحلق عشرة عشرة، وليسموا، وليأكل كل إنسان مما يليه» تفسير : فجعلوا يسمون ويأكلون حتى أكلوا كلهم، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : ارفعه» تفسير : قال: فجئت فأخذت التور، فنظرت فيه، فما أدري أهو حين وضعت أكثر، أم حين أخذت؟ قال: وتخلف رجال يتحدثون في بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم التي دخل بها معهم مولية وجهها إلى الحائط، فأطالوا الحديث، فشقوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان أشد الناس حياء، ولو أعلموا، كان ذلك عليهم عزيزاً، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرج فسلم على حجره وعلى نسائه، فلما رأوه قد جاء، ظنوا أنهم قد ثقلوا عليه، ابتدروا الباب فخرجوا، وجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أرخى الستر ودخل البيت، وأنا في الحجرة، فمكث رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيته يسيراً، وأنزل الله عليه القرآن، فخرج وهو يتلو هذا الآية: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتَ ٱلنَّبِىِّ} الآيات، قال أنس: فقرأهن علي قبل الناس، فأنا أحدث الناس بهن عهداً، وقد رواه مسلم والترمذي والنسائي جميعاً عن قتيبة عن جعفر بن سليمان به، وقال الترمذي: حسن صحيح، وعلقه البخاري في كتاب النكاح، فقال: وقال إبراهيم بن طهمان: عن الجعد أبي عثمان عن أنس، فذكر نحوه. ورواه مسلم أيضاً عن محمد بن رافع عن عبد الرزاق عن معمر عن الجعد به، وقد روى هذا الحديث عبد الله بن المبارك عن شريك عن بيان بن بشر عن أنس بنحوه، ورواه البخاري والترمذي من طريقين آخرين عن بيان بن بشر الأحمسي الكوفي عن أنس بنحوه، ورواه ابن أبي حاتم أيضاً من حديث أبي نضرة العبدي عن أنس بن مالك بنحو ذلك، ولم يخرجوه، ورواه ابن جرير من حديث عمرو بن سعيد، ومن حديث الزهري عن أنس بنحو ذلك. وقال الإمام أحمد: حدثنا بهز وهاشم بن القاسم قالا: حدثنا سليمان بن المغيرة عن ثابت عن أنس قال: لما انقضت عدة زينب، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لزيد: «حديث : اذهب فاذكرها علي» تفسير : قال: فانطلق زيد حتى أتاها ــــ قال: ــــ وهي تخمر عجينها، فلما رأيتها، عظمت في صدري، وذكر تمام الحديث كما قدمناه عند قوله تعالى: {أَن تَخْشَـٰهُ فَلَمَّا قَضَىٰ زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَراً} وزاد في آخره بعد قوله: ووعظ القوم بما وعظوا به: قال هاشم في حديثه: {لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتَ ٱلنَّبِىِّ إِلاَّ أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ} الآية. وقد أخرجه مسلم والنسائي من حديث سليمان بن المغيرة، به. وقال ابن جرير: حدثني أحمد بن عبد الرحمن ابن أخي ابن وهب، حدثني عمي عبد الله بن وهب، حدثني يونس عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت: إن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم كن يخرجن بالليل إذا تبرزن إلى المناصع ــــ وهو صعيد أفيح ــــ وكان عمر يقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم احجب نساءك، فلم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم ليفعل، فخرجت سودة بنت زمعة زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت امرأة طويلة، فناداها عمر بصوته الأعلى: قد عرفناك يا سودة؛ حرصاً على أن ينزل الحجاب، قالت: فأنزل الله الحجاب، هكذا وقع في هذه الرواية، والمشهور أن هذا كان بعد نزول الحجاب. كما رواه الإمام أحمد والبخاري ومسلم من حديث هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها قالت: خرجت سودة بعدما ضرب الحجاب لحاجتها، وكانت امرأة جسيمة، لا تخفى على من يعرفها، فرأها عمر بن الخطاب، فقال: ياسودة أما والله ما تخفين علينا، فانظري كيف تخرجين؟ قالت: فانكفأت راجعة، ورسول الله صلى الله عليه وسلم في بيتي، وإنه ليتعشى وفي يده عرق، فدخلت فقالت: يا رسول الله إني خرجت لبعض حاجتي، فقال لي عمر: كذا وكذا، قالت: فأوحى الله إليه، ثم رفع عنه، وإن العرق في يده ما وضعه، فقال: «حديث : إنه قد أذن لكن أن تخرجن لحاجتكن» تفسير : لفظ البخاري، فقوله تعالى: {لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتَ ٱلنَّبِيِّ} حظر على المؤمنين أن يدخلوا منازل رسول الله صلى الله عليه وسلم بغير إذن كما كانوا قبل ذلك يصنعون في بيوتهم في الجاهلية وابتداء الإسلام، حتى غار الله لهذه الأمة، فأمرهم بذلك، وذلك من إكرامه تعالى هذه الأمة، ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : إياكم والدخول على النساء» تفسير : الحديث، ثم استثنى من ذلك، فقال تعالى:{إِلاَّ أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَىٰ طَعَامٍ غَيْرَ نَـٰظِرِينَ إِنَـٰهُ} قال مجاهد وقتادة وغيرهما: أي: غير متحينين نضجه واستواءه، أي: لا ترقبوا الطعام إذا طبخ، حتى إذا قارب الاستواء، تعرضتم للدخول، فإن هذا مما يكرهه الله ويذمه، وهذا دليل على تحريم التطفيل، وهو الذي تسميه العرب الضيفن، وقد صنف الخطيب البغدادي في ذلك كتاباً في ذم الطفيليين، وذكر من أخبارهم أشياء يطول إيرادها. ثم قال تعالى: {وَلَـٰكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَٱدْخُلُواْ فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَٱنْتَشِرُواْ} وفي "صحيح مسلم" عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : إذا دعا أحدكم أخاه، فليجب، عرساً كان أو غيره» تفسير : وأصله في "الصحيحين"، وفي الصحيح أيضاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم«حديث : لو دعيت إلى ذراع لأجبت، ولو أهدي إلى كراع لقبلت، فإذا فرغتم من الذي دعيتم إليه، فخففوا عن أهل المنزل، وانتشروا في الأرض» تفسير : ولهذا قال تعالى: {طَعِمْتُمْ فَٱنْتَشِرُواْ وَلاَ مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ} أي: كما وقع لأولئك النفر الثلاثة الذين استرسل بهم الحديث، ونسوا أنفسهم، حتى شق ذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم كما قال تعالى: {إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِى ٱلنَّبِىِّ فَيَسْتَحْيِى مِنكُمْ} وقيل: المراد: إن دخولكم منزله بغير إذنه كان يشق عليه، ويتأذى به، ولكن كان يكره أن ينهاهم عن ذلك؛ من شدة حيائه عليه السلام، حتى أنزل الله عليه النهي عن ذلك، ولهذا قال تعالى: {وَٱللَّهُ لاَ يَسْتَحْىِ مِنَ ٱلْحَقِّ} أي: ولهذا نهاكم عن ذلك، وزجركم عنه. ثم قال تعالى: {وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَـٰعاً فَٱسْـأَلُوهُنَّ مِن وَرَآءِ حِجَابٍ} أي: وكما نهيتكم عن الدخول عليهن، كذلك لا تنظروا إليهن بالكلية، ولو كان لأحدكم حاجة يريد تناولها منهن، فلا ينظر إليهن، ولا يسألهن حاجة إلا من وراء حجاب. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا ابن أبي عمر، حدثنا سفيان عن مسعر عن موسى بن أبي كثير عن مجاهد عن عائشة قالت: كنت آكل مع النبي صلى الله عليه وسلم حيساً في قعب، فمر عمر، فدعاه فأكل، فأصابت إصبعه إصبعي، فقال: حَسِّ، أو أوه، لو أطاع فيكن، ما رأتكن عين، فنزل الحجاب. {ذَٰلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ} أي: هذا الذي أمرتكم به، وشرعته لكم من الحجاب، أطهر وأطيب. وقوله تعالى: {وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تؤْذُواْ رَسُولَ ٱللَّهِ وَلاَ أَن تَنكِحُوۤاْ أَزْوَاجَهُ مِن بَعْدِهِ أَبَداً إِنَّ ذَٰلِكُمْ كَانَ عِندَ ٱللَّهِ عَظِيماً} قال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا محمد بن أبي حماد، حدثنا مهران عن سفيان عن داود بن أبي هند عن عكرمة عن ابن عباس في قوله تعالى: {وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تؤْذُواْ رَسُولَ ٱللَّهِ} قال: نزلت في رجل هم أن يتزوج بعض نساء النبي صلى الله عليه وسلم بعده، قال رجل لسفيان: أهي عائشة؟ قال: قد ذكروا ذلك، وكذا قال مقاتل بن حيان وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وذكر بسنده عن السدي أن الذي عزم على ذلك طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه، حتى نزل التنبيه على تحريم ذلك، ولهذا أجمع العلماء قاطبة على أن من توفي عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم من أزواجه أنه يحرم على غيره تزوجها من بعده؛ لأنهن أزواجه في الدنيا والآخرة، وأمهات المؤمنين؛ كما تقدم، واختلفوا فيمن دخل بها ثم طلقها في حياته: هل يحل لغيره أن يتزوجها؟ على قولين، مأخذهما هل دخلت هذه في عموم قوله: {مِن بَعْدِهِ} أم لا؟ فأما من تزوجها ثم طلقها قبل أن يدخل بها، فما نعلم في حلها لغيره والحالة هذه نزاعاً، والله أعلم. وقال ابن جرير: حدثني محمد بن المثنى، حدثنا عبد الوهاب، حدثنا داود عن عامر: أن نبي الله صلى الله عليه وسلم مات وقد ملك قيلة بنة الأشعث ــــ يعني: ابن قيس ــــ فتزوجها عكرمة بن أبي جهل بعد ذلك، فشق ذلك على أبي بكر مشقة شديدة، فقال له عمر: ياخليفة رسول الله إنها ليست من نسائه، إنها لم يخيرها رسول الله، ولم يحجبها، وقد برأها الله منه بالردة التي ارتدت مع قومها: قال: فاطمأن أبو بكر رضي الله عنه، وسكن، وقد عظم الله تبارك وتعالى ذلك، وشدد فيه، وتوعد عليه بقوله: {إِنَّ ذَٰلِكُمْ كَانَ عِندَ ٱللَّهِ عَظِيماً} ثم قوله تعالى: {إِن تُبْدُواْ شَيْئاً أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيماً} أي: مهما تكنه ضمائركم، وتنطوي عليه سرائركم، فإن الله يعلمه، فإنه لا تخفى عليه خافية {أية : يَعْلَمُ خَآئِنَةَ ٱلأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِى ٱلصُّدُورُ } تفسير : [غافر: 19].

المحلي و السيوطي

تفسير : { يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتَ ٱلنَّبِىِّ إِلاَّ أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ } في الدخول بالدعاء {إِلَىٰ طَعَامٍ } فتدخلوا {غَيْرَ نَٰظِرِينَ } منتظرين {إِنَٰهُ } نضجه، مصدر أنى يأني {وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَٱدْخُلُواْ فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَٱنْتَشِرُواْ وَلاَ } تمكثوا {مُسْتئْنِسِينَ لِحَدِيثٍ } من بعضكم لبعض {إِنَّ ذَلِكُمْ } المكث {كَانَ يُؤْذِى ٱلنَّبِىَّ فَيَسْتَحْيِى مِنكُمْ } أن يُخرجكم {وَٱللَّهُ لاَ يَسْتَحْىِ مِنَ ٱلْحَقِّ } أن يخرجكم، أي لا يترك بيانه. وقرىء يستحي بياء واحدة {وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ } أي أزواجَ النبي صلى الله عليه وسلم {مَتَٰعاً فَٱسْئَلُوهُنَّ مِن وَرآءِ حِجَابٍ } ستر {ذٰلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ } من الخواطر المريبة {وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تؤْذُواْ رَسُولَ ٱللَّهِ } بشيء {وَلاَ أَن تَنكِحُواْ أَزْوَاجَهُ مِن بَعْدِهِ أَبَداً إِنَّ ذٰلِكُمْ كَانَ عِندَ ٱللَّهِ } ذنباً {عَظِيماً }.

الشوكاني

تفسير : قوله: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتَ ٱلنَّبِيّ } هذا نهي عام لكل مؤمن أن يدخل بيوت رسول الله صلى الله عليه وسلم إلاّ بإذن منه. وسبب النزول ما وقع من بعض الصحابة في وليمة زينب، وسيأتي بيان ذلك آخر البحث إن شاء الله. وقوله: {إِلاَّ أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ } استثناء مفرّغ من أعمّ الأحوال، أي لا تدخلوها في حال من الأحوال إلاّ في حال كونكم مأذوناً لكم، وهو في موضع نصب على الحال، أي إلاّ مصحوبين بالإذن، أو بنزع الخافض، أي إلاّ بأن يؤذن لكم، أو منصوب على الظرفية، أي إلاّ وقت أن يؤذن لكم، وقوله: {إِلَىٰ طَعَامٍ } متعلق بـ {يؤذن} على تضمينه معنى الدعاء، أي إلاّ أن يؤذن لكم مدعوّين إلى طعام، وانتصاب {غَيْرَ نَـٰظِرِينَ إِنَـٰهُ } على الحال، والعامل فيه {يؤذن} أو مقدّر، أي ادخلوا غير ناظرين ومعنى ناظرين: منتظرين، وإناه: نضجه وإدراكه، يقال: أنى يأني أنى: إذا حان وأدرك. قرأ الجمهور: {غير ناظرين} بالنصب. وقرأ ابن أبي عبلة: "غير" بالجرّ صفة لطعام، وضعف النحاة هذه القراءة لعدم بروز الضمير لكونه جارياً على غير من هو له، فكان حقه أن يقال: {غَيْرَ نَـٰظِرِينَ } إناه أنتم. ثم بيّن لهم سبحانه ما ينبغي في ذلك، فقال: {وَلَـكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَٱدْخُلُواْ } وفيه تأكيد للمنع، وبيان الوقت الذي يكون فيه الدخول، وهو عند الإذن. قال ابن العربي: وتقدير الكلام: ولكن إذا دعيتم وأذن لكم فادخلوا، وإلاّ فنفس الدعوة لا تكون إذناً كافياً في الدخول. وقيل: إن فيه دلالة بينة على أن المراد بالإذن إلى الطعام هو الدعوة إليه {فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَٱنْتَشِرُواْ } أمرهم سبحانه بالانتشار بعد الطعام، وهو التفرّق، والمراد الإلزام بالخروج من المنزل الذي وقعت الدعوة إليه عند انقضاء المقصود من الأكل {وَلاَ مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ } عطف على قوله: {غير ناظرين}، أو على مقدّر، أيّ ولا تدخلوا ولا تمكثوا مستأنسين. والمعنى: النهي لهم عن أن يجلسوا بعد الطعام يتحدّثون مستأنسين بالحديث. قال الرازي في قوله: {إِلاَّ أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَىٰ طَعَامٍ } إما أن يكون فيه تقديم وتأخير تقديره: ولا تدخلوا إلى طعام إلاّ أن يؤذن لكم، فلا يكون منعاً من الدخول في غير وقت الطعام بغير إذن. وإما أن لا يكون فيه تقديم وتأخير، فيكون معناه: ولا تدخلوا إلاّ أن يؤذن لكم إلى طعام، فيكون الإذن مشروطاً بكونه إلى طعام، فإن لم يؤذن إلى طعام فلا يجوز الدخول، فلو أذن لواحد في الدخول لاستماع كلام لا لأكل طعام فلا يجوز، فنقول: المراد هو الثاني ليعمّ النهي عن الدخول. وأما كونه لا يجوز إلاّ بإذن إلى طعام فلما هو مذكور في سبب النزول أن الخطاب مع قوم كانوا يتحينون حين الطعام، ويدخلون من غير إذن، فمنعوا من الدخول في وقتهم بغير إذن. وقال ابن عادل: الأولى أن يقال: المراد هو: الثاني؛ لأن التقديم والتأخير خلاف الأصل، وقوله: {إِلَىٰ طَعَامٍ } من باب التخصيص بالذكر، فلا يدلّ على نفي ما عداه، لا سيما إذا علم مثله، فإن من جاز دخول بيته بإذنه إلى طعامه جاز دخوله بإذنه إلى غير الطعام، انتهى. والأولى في التعبير عن هذا المعنى الذي أراده أن يقال: قد دلت الأدلة على جواز دخول بيوته صلى الله عليه وسلم بإذنه لغير الطعام وذلك معلوم لا شك فيه، فقد كان الصحابة وغيرهم يستأذنون عليه لغير الطعام، فيأذن لهم، وذلك يوجب قصر هذه الآية على السبب الذي نزلت فيه، وهو القوم الذين كانوا يتحينون طعام النبي صلى الله عليه وسلم فيدخلون ويقعدون منتظرين لإدراكه وأمثالهم، فلا تدلّ على المنع من الدخول مع الإذن لغير ذلك، وإلاّ لما جاز لأحد أن يدخل بيوته بإذنه لغير الطعام، واللازم باطل فالملزوم مثله. قال ابن عطية: وكانت سيرة القوم إذا كان لهم طعام وليمة أو نحوه أن يبكر من شاء إلى الدعوة ينتظرون طبخ الطعام ونضجه، وكذلك إذا فرغوا منه جلسوا كذلك، فنهى الله المؤمنين عن ذلك في بيت النبي صلى الله عليه وسلم، ودخل في النهي سائر المؤمنين، والتزم الناس أدب الله لهم في ذلك، فمنعهم من الدخول إلاّ بإذن عند الأكل لا قبله لانتظار نضج الطعام. والإشارة بقوله: {إِنَّ ذٰلِكُمْ} إلى الانتظار والاستئناس للحديث، وأشير إليهما بما يشار به إلى الواحد بتأويلهما بالمذكور كما في قوله: {أية : عَوَانٌ بَيْنَ ذٰلِكَ } تفسير : [البقرة: 68] أي إن ذلك المذكور من الأمرين {كَانَ يُؤْذِي ٱلنَّبِيّ } لأنهم كانوا يضيقون المنزل عليه وعلى أهله ويتحدّثون بما لا يريده. قال الزجاج: كان النبيّ صلى الله عليه وسلم يحتمل إطالتهم كرماً منه، فيصبر على الأذى في ذلك، فعلم الله من يحضره الأدب صار أدباً لهم ولمن بعدهم {فَيَسْتَحْيِي مِنكُمْ } أي يستحيي أن يقول لكم: قوموا أو أخرجوا {وَٱللَّهُ لاَ يَسْتَحْيِ مِنَ ٱلْحَقّ } أي لا يترك أن يبين لكم ما هو الحق ولا يمتنع من بيانه وإظهاره، والتعبير عنه بعدم الاستحياء للمشاكلة. قرأ الجمهور: {يستحيي} بياءين، وروي عن ابن كثير: أنه قرأ بياء واحدة، وهي لغة تميم يقولون: استحى يستحي مثل استقى يستقي. ثم ذكر سبحانه أدباً آخر متعلقاً بنساء النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال: {وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَـٰعاً } أي شيئاً يتمتع به، من الماعون وغيره {فَٱسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَآءِ حِجَاب} أي من وراء ستر بينكم وبينهنّ. والمتاع يطلق على كل ما يتمتع به، فلا وجه لما قيل من أن المراد به العارية أو الفتوى أو المصحف. والإشارة بقوله: {ذٰلِكُمْ } إلى سؤال المتاع من وراء حجاب، وقيل: الإشارة إلى جميع ما ذكر من عدم الدخول بغير إذن، وعدم الاستئناس للحديث عند الدخول وسؤال المتاع، والأوّل أولى، واسم الإشارة مبتدأ وخبره {أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ } أي أكثر تطهيراً لها من الريبة، وخواطر السوء التي تعرض للرجال في أمر النساء، وللنساء في أمر الرجال. وفي هذا أدب لكل مؤمن وتحذير له من أن يثق بنفسه في الخلوة مع من لا تحلّ له، والمكالمة من دون حجاب لمن تحرم عليه {وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تؤْذُواْ رَسُولَ ٱللَّهِ } أي ما صح لكم ولا استقام أن تؤذوه بشيء من الأشياء كائناً ما كان، ومن جملة ذلك دخول بيوته بغير إذن منه، واللبث فيها على غير الوجه الذي يريده، وتكليم نسائه من دون حجاب {وَلاَ أَن تَنكِحُواْ أَزْوَاجَهُ مِن بَعْدِهِ أَبَداً } أي ولا كان لكم ذلك بعد وفاته؛ لأنهنّ أمهات المؤمنين، ولا يحلّ للأولاد نكاح الأمهات، والإشارة بقوله: {إِنَّ ذٰلِكُم} إلى نكاح أزواجه من بعده {كَانَ عِندَ ٱللَّهِ عَظِيماً } أي ذنباً عظيماً وخطباً هائلاً شديداً. وكان سبب نزول الآية أنه قال قائل: لو قد مات محمد لتزوّجنا نساءه، وسيأتي بيان ذلك {إِن تُبْدُواْ شَيْئاً أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِكُلّ شَيْء عَلِيماً } يعلم كل شيء من الأشياء، ومن جملة ذلك ما تظهرونه في شأن أزواج رسوله، وما تكتمونه في صدوركم. وفي هذا وعيد شديد؛ لأن إحاطته بالمعلومات تستلزم المجازاة على خيرها وشرّها. ثم بين سبحانه من لا يلزم الحجاب منه، فقال: {لاَّ جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي ءَابَائِهِنَّ وَلاَ أَبْنَائِهِنَّ وَلاَ إِخْوٰنِهِنَّ وَلاَ أَبْنَاء إِخْوٰنِهِنَّ وَلاَ أَبْنَاء أَخَوٰتِهِنَّ } فهؤلاء لا يجب على نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا غيرهنّ من النساء الاحتجاب منهم، ولم يذكر العمّ والخال؛ لأنهما يجريان مجرى الوالدين. وقال الزجاج: العمّ والخال ربما يصفان المرأة لولديهما، فإن المرأة تحلّ لابن العمّ وابن الخال فكره لهما الرؤية، وهذا ضعيف جدّاً، فإن تجويز وصف المرأة لمن تحلّ له ممكن من غيرهما ممن يجوز له النظر إليها، لا سيما أبناء الإخوة، وأبناء الأخوات. واللازم باطل، فالملزوم مثله، وهكذا يستلزم أن لا يجوز للنساء الأجنبيات أن ينظرن إليها؛ لأنهنّ يصفنها، واللازم باطل فالملزوم مثله. وهكذا لا وجه لما قاله الشعبي وعكرمة من أنه يكره للمرأة أن تضع خمارها عند عمها أو خالها، والأولى أن يقال: إنه سبحانه اقتصر هاهنا على بعض ما ذكره من المحارم في سورة النور اكتفاء بما تقدّم {وَلاَ نِسَائِهِنَّ } هذه الإضافة تقتضي أن يكون المراد بالنساء المؤمنات؛ لأن الكافرات غير مأمونات على العورات، والنساء كلهنّ عورة {وَلاَ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ } من العبيد والإماء، وقيل: الإماء خاصة، ومن لم يبلغ من العبيد، والخلاف في ذلك معروف. وقد تقدّم في سورة النور ما فيه كفاية. ثم أمرهنّ سبحانه بالتقوى التي هي ملاك الأمر كله، والمعنى: اتقين الله في كل الأمور التي من جملتها ما هو مذكور هنا {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَىٰ كُلّ شَيْء شَهِيداً } لم يغب عنه شيء من الأشياء كائناً ما كان، فهو مجاز للمحسن بإحسانه وللمسيء بإساءته. وقد أخرج البخاري ومسلم عن أنس قال: قال عمر بن الخطاب: يا رسول الله إن نساءك يدخل عليهنّ البرّ والفاجر فلو حجبتهنّ، فأنزل الله آية الحجاب. وفي لفظ أنه قال عمر: يا رسول الله، يدخل عليك البرّ والفاجر، فلو أمرت أمهات المؤمنين بالحجاب، فأنزل الله آية الحجاب. وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن أنس قال: لما تزوّج رسول الله صلى الله عليه وسلم زينب بنت جحش دعا القوم فطعموا، ثم جلسوا يتحدّثون وإذا هو كأنه يتهيأ للقيام فلم يقوموا، فلما رأى ذلك قام، فلما قام قام من قام وقعد ثلاثة نفر، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم ليدخل، فإذا القوم جلوس، ثم إنهم قاموا، فانطلقت فجئت، فأخبرت النبيّ صلى الله عليه وسلم أنهم قد انطلقوا، فجاء حتى دخل، فذهبت أدخل فألقى الحجاب بيني وبينه، فأنزل الله {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتَ ٱلنَّبِيّ } الآية. وأخرج ابن جرير عن عائشة: أن أزواج النبيّ صلى الله عليه وسلم كنّ يخرجن بالليل إذا تبرّزن إلى المناصع، وهو صعيد أفيح، وكان عمر بن الخطاب يقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم: احجب نساءك، فلم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل، فخرجت سودة بنت زمعة ليلة من الليالي عشاء، وكانت امرأة طويلة، فناداها عمر بصوته الأعلى: قد عرفناك يا سودة حرصاً على أن ينزل الحجاب، فأنزل الله الحجاب قال: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتَ ٱلنَّبِيّ } الآية. وأخرج ابن سعد عن أنس قال: نزل الحجاب مبتنى رسول الله صلى الله عليه وسلم بزينب بنت جحش، وذلك سنة خمس من الهجرة، وحجب نساءه من يومئذ، وأنا ابن خمس عشرة سنة. وكذا أخرج ابن سعد عن صالح بن كيسان، وقال: نزل الحجاب على نسائه في ذي القعدة سنة خمس من الهجرة، وبه قال قتادة والواقدي. وزعم أبو عبيدة وخليفة بن خياط: أن ذلك كان في سنة ثلاث. وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس في قوله: {وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تؤْذُواْ رَسُولَ ٱللَّهِ } قال: نزلت في رجل همّ أن يتزوّج بعض نساء النبيّ صلى الله عليه وسلم بعده. قال سفيان: وذكروا أنها عائشة. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدّي قال: بلغنا أن طلحة بن عبيد الله قال: أيحجبنا محمد عن بنات عمنا ويتزوّج نساءنا من بعدنا؟ لئن حدث به حدث لنتزوّجنّ نساءه من بعده، فنزلت هذه الآية. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة قال: قال طلحة بن عبيد الله: لو قبض النبيّ صلى الله عليه وسلم لتزوّجت عائشة. فنزلت. وأخرج ابن سعد عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم قال: نزلت في طلحة؛ لأنه قال: إذا توفّي النبيّ صلى الله عليه وسلم تزوّجت عائشة. قال ابن عطية: وهذا عندي لا يصح على طلحة بن عبيد الله. قال القرطبي: قال شيخنا الإمام أبو العباس: وقد حكى هذا القول عن بعض فضلاء الصحابة، وحاشاهم عن مثله، وإنما الكذب في نقله، وإنما يليق مثل هذا القول بالمنافقين الجهال. وأخرج البيهقي في السنن عن ابن عباس قال: قال رجل من أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم: لو قد مات رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوّجت عائشة أو أمّ سلمة، فأنزل الله: {وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تؤْذُواْ رَسُولَ ٱللَّهِ } الآية. وأخرج ابن جرير عنه أن رجلاً أتى بعض أزواج النبيّ صلى الله عليه وسلم فكلمها وهو ابن عمها، فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: حديث : لا تقومنّ هذا المقام بعد يومك هذا تفسير : ، فقال: يا رسول الله، إنها ابنة عمي، والله ما قلت لها منكراً ولا قالت لي، قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: حديث : قد عرفت ذلك إنه ليس أحد أغير من الله، وإنه ليس أحد أغير مني»تفسير : ، فمضى، ثم قال: يمنعني من كلام ابنة عمي، لأتزوّجنّها من بعده، فأنزل الله هذه الآية، فأعتق ذلك الرجل رقبة وحمل على عشرة أبعرة في سبيل الله، وحج ماشياً توبة من كلمته. وأخرج ابن مردويه عن أسماء بنت عميس قالت: خطبني عليّ، فبلغ ذلك فاطمة فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: إن أسماء متزوّجة علياً، فقال لها النبيّ صلى الله عليه وسلم: حديث : ما كان لها أن تؤذي الله ورسوله".تفسير : وأخرج ابن سعد عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف في قوله: {إِن تُبْدُواْ شَيْئاً أَوْ تُخْفُوهُ } قال: أن تكلموا به، فتقولون: تتزوّج فلانة لبعض أزواج النبيّ صلى الله عليه وسلم، أو تخفوا ذلك في أنفسكم فلا تنطقوا به يعلمه الله. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس في قوله: {لاَّ جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ } إلى آخر الآية قال: أنزلت هذه في نساء النبيّ صلى الله عليه وسلم خاصة، وقوله:{نِسَاء ٱلنَّبِيّ } يعني: نساء المسلمات {وَلاَ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ } من المماليك والإماء ورخص لهنّ أن يروهنّ بعد ما ضرب الحجاب عليهنّ.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامُنُواْ لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتَ النَّبِيِّ إلاَّ أَن يُؤذَنَ لَكُمْ} سبب نزل هذه الآية ما رواه أبو نضرة عن أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بنساء من نسائه وعندهن رجال يتحدثون، فكره ذلك وكان إذا كره الشىء عُرف من وجهه فلما كان العَشي خرج فصعد المنبر فتلا هذه الآية. قوله عز وجل: {إِلَى طَعَامِ غَيْرَ نَاظِرينَ إِنَاهُ} فيه تأويلان: أحدهما: غير منتظرين نضجه، قاله الضحاك ومجاهد. الثاني: غَيْرَ متوقعين لحينه ووقته، قاله قتادة. {وَلكِن إذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُواْ} فدل هذا على حظر الدخول بغير إذن. {فَإذَا طَعِمْتُمْ فآنتَشِرُواْ} أي فاخرجوا، فدلّ على أن الدخول للأكل يمنع من المقام بعد الفراغ من الأكل. {وَلاَ مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ...} روى أبو قلابة عن أنس. قال: لما أهديت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم زينبُ بنت جحش وضع طعاماً ودعا قوماً فدخلوا وزينب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجعلوا يتحدثون وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يخرج ثم يرجع وهم قعود فأنزل الله تعالى: {فَإذَا طَعِمْتُمْ فَانتَشِرُواْ}. قوله عز وجل: {.. فَيَسْتَحْي مِنكُمْ} يعني النبي صلى الله عليه وسلم أن يخبركم. {وَاللَّهُ لاَ يَسْتَحْي مِنَ الْحَقِّ} أن يأمركم به. {وَإذَا سَألْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: حاجة، قاله السدي. الثاني: صحف القرآن، قاله الضحاك. الثالث: عارية، قاله مقاتل.ومعانيها متقاربة. {فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَآءِ حِجَابٍ} أمرن وسائر النساء بالحجاب عن أبصار الرجال وأمر الرجال بغض أبصارهم عن النساء. وفي سبب الحجاب ثلاثة أقاويل: أحدها ما رواه مجاهد عن عائشة رضي الله عنها قالت: كنت آكل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حيساً في قعب، فمر عمر فدعاه فأكل فأصابت إصبعه إصبعي فقال عمر لو أُطَاعُ فيكن ما رأتكن عين، فنزلت آيات الحجاب. الثاني: ما رواه عروة بن الزبير عن عائشة رضي الله عنها أن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم كن يخرجن بالليل إلى المباضع وهي صعيد أفيح يتبرزن فيه، وكان عمر يقول للنبي صلى الله عليه وسلم: احجب نساءك يا رسول الله، فلم يكن يفعل، فخرجت سودة بنت زمعة ليلة من الليالي، وكانت امرأة طويلة فناداها بصوته الأعلى: قد عرفناك يا سودة، حرصاً أن ينزل الحجاب قالت: فأنزل الله تعالى الحجاب. الثالث: ما روى ابن مسعود أن عمر رضي الله عنه أمر نساء النبي صلى الله عليه وسلم بالحجاب فقالت زينب بنت جحش: يا ابن الخطاب إنك لتغار علينا والوحي ينزل في بيوتنا، فأنزلت الآية: {وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَآءِ حَجَابٍ}. {ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُم وَقُلُوبِهنَّ} يحتمل وجهين: أحدهما: أطهر لها من الريبة. الثاني: أطهر لها من الشهوة. {وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تُؤُذُواْ رَسُولَ اللَّهِ وَلآَ أَن تَنكِحُواْ أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً} حكى السدي أن رجلاً من قريش من بني تميم قال عند نزول الحجاب أيحجبنا رسول الله عن بنات عمنا ويتزوج نساءَنا لئن حدث به حدث لنتزوجن نساءه من بعده، فأنزلت هذه الآية. ولتحريمه تعديهن لزمت نفقاتهن من بيت المال. واختلف أهل العلم في وجوب العدة عليهن بوفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم عنهن على وجهين: أحدهما: لا تجب عليهن العدة لأنها مدة تربص ينتظر بها الإباحة. الثاني: تجب لأنها عبادة وإن لم تعقبها إباحة.

ابن عطية

تفسير : هذه الآية تضمنت قصتين إحداهما الأدب في أمر الطعام والجلوس والثانية في أمر الحجاب، فأما الأولى فالجمهور من المفسرين على أن سببها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما تزوج زينب بنت جحش أولم عليها فدعا الناس، فلما طعموا، قعد نفر في طائفة من البيت فثقل على رسول الله صلى الله عليه وسلم مكانهم فخرج ليخرجوا لخروجه، ومر على حجر نسائه ثم عاد فوجدهم في مكانهم وزينب في البيت معهم، فلما دخل وراءهم انصرف فخرجوا عند ذلك، قال أنس بن مالك: فأعلم أو أعلمته بانصرافهم فجاء، فلما وصل الحجرة أرخى الستر بيني وبينه ودخل، ونزلت الآية بسبب ذلك، وقال قتادة ومقاتل وفي كتاب الثعلبي: إن هذا السبب جرى في بيت أم سلمة والأول أشهر، وقال ابن عباس: نزلت في ناس في المؤمنين كانوا يتحينون طعام النبي صلى الله عليه وسلم فيدخلون عليه قبل الطعام إلى أن يدرك ثم يأكلون ولا يخرجون، وقال إسماعيل بن أبي حكيم: هذا أدب أدّب الله تعالى به الثقلاء، وقال ابن أبي عائشة في كتاب الثعلبي: بحسبك من الثقلاء إن الشرع لم يحتملهم، وأما آية الحجاب فقال أنس بن مالك وجماعة سببها أمر والعقود في بيت زينب، القصة المذكورة آنفاً، وقالت فرقة بل في بيت أم سلمة، وقال مجاهد سبب آية الحجاب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أكل معه قوم وعائشة معهم فمست يدها يد رجل منهم فنزلت آية الحجاب بسبب ذلك، وقالت عائشة وجماعة سبب الحجاب كلام عمر وأنه كلم رسول الله صلى الله عليه وسلم مراراً في أن يحجب نساءه وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يفعل وكان عمر يتابع فخرجت سودة ليلة لحاجتها وكانت امرأة تفرع النساء طولاً فناداها عمر قد عرفناك يا سودة حرصاً على الحجاب. وقالت له زينب بنت جحش: عجبنا لك يا ابن الخطاب تغار علينا والوحي ينزل في بيوتنا، فما زال عمر يتابع حتى نزلت آية الحجاب، وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه وافقت ربي في ثلاث: منها الحجاب، ومقام إبراهيم، وعسى ربه إن طلقكن الحديث، وكانت سيرة القوم إذا كان لهم طعام وليمة أو نحوه أن يبكر من شاء إلى دار الدعوة ينتظر طبخ الطعام ونضجه في حديث أنس، وكذلك إذا فرغوا منه جلسوا، كذلك فنهى الله تعالى المؤمنين عن أمثال ذلك في بيت النبي صلى الله عليه وسلم ودخل في النهي سائر المؤمنين، والتزم الناس أدب الله تعالى لهم في ذلك فمنعهم من الدخول إلا بإذن عند الأكل لا قبله لانتظار نضج الطعام، و {ناظرين} معناه منتظرين و {إناه} مصدر أنى الشيء يأنى إذا فرغ وحان آناً، ومنه قول الشاعر: [الوافر] شعر : تمخضت المنون له بيوم أنى ولكل خاتمة تمام تفسير : وقرأ الجمهور بفتح النون من "إناه" وأمالها حمزة والكسائي، ثم أكد المنع وحصر وقت الدخول بأن يكون عن الإذن، ثم أمر تعالى بعد الطعام بأن يفترق جمعهم وينتشر، وقوله {ولا مستأنسين} عطف على قوله {غير ناظرين} و {غير} منصوبة على الحال من الكاف والميم في {لكم} أي ناظرين ولا مستأنسين، وقرأ ابن أبي عبلة "غير" بكسر الراء وجوازه على تقدير "غير ناظرين إناه أنتم"، وقرأ الأعمش "آناءة" على جمع "أنى" بمدة بعد النون، وقرأت فرقة "فيستحيي" بإظهار الياء المكسورة قبل الساكنة، وقرأت فرقة "فيستحيي" بسكون الياء دون ياء مكسورة قبلها، وقوله {والله لا يستحيي} معناه لا يقع منه ترك قوله {الحق} ولما كان ذلك يقع من البشر لعلة الاستحياء نفي عن الله تعالى العلة الموجبة لذلك في البشر، وقوله تعالى: {وإذا سألتموهن متاعاً} الآية هي آية الحجاب، و"المتاع" عام في جميع ما يمكن أن يطلب على عرف السكنى والمجاورة من المواعين وسائر المرافق للدين والدنيا، وقوله {ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن} يريد من الخواطر التي تعرض للرجال في أمر النّساء وللنساء في أمر الرجال، وقوله تعالى: {وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله} الآية روي أنها نزلت بسبب أن بعض الصحابة قال: لو مات رسول الله صلى الله عليه وسلم لتزوجت عائشة فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فتأذى به، هكذا كنى عنه ابن عباس ببعض الصحابة، وحكى مكي عن معمر أنه قال هو طلحة بن عبيد الله. قال الفقيه الإمام القاضي: لله در ابن عباس، وهذا عندي لا يصح على طلحة، الله عاصمه منه، وروي أن رجلاً من المنافقين قال حين تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم أم سلمة بعد أبي سلمة وحفصة بعد خُنَيْس بن حذافة ما بال محمد يتزوج نساءنا والله لو مات لأجلنا السهام على نسائه فنزلت الآية في هذا، وحرم الله تعالى نكاح أزواجه بعده وجعل لهن حكم الأمهات، ولما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وارتدت العرب ثم رجعت زوج عكرمة بن أبي جهل قتيلة بنت الأشعث بن قيس وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد تزوجها ولم يبن بها فصعب ذلك على أبي بكر الصديق وقلق منه فقال له عمر: مهلاً يا خليفة رسول الله إنها ليست من نسائه إنه لم يخيرها ولا أرخى عليها حجاباً وقد أبانتها منه ردتها مع قومها، فسكن أبو بكر، وذهب عمر إلى أن لا يشهد جنازة زينب بنت جحش إلا ذو محرم منها مراعاة للحجاب، فدلته أسماء بنت عميس على سترها في النعش في القبة وأعلمته أنها رأت ذلك في بلاد الحبشة فصنعه عمر، وروي أن ذلك صنع في جنازة فاطمة بنت النبي صلى الله عليه وسلم.

ابن عبد السلام

تفسير : {لا تَدْخُلُواْ بُيُوتَ النَّبِىِّ} مر الرسول صلى الله عليه وسلم ببعض نسائه وعندهن رجال يتحدثون وكان حديث عهد بزينب بنت جحش فهنينه وهنأه الناس فأتى عائشة ـ رضي الله عنها ـ فإذا عندها رجال يتحدثون فكره ذلك وكان إذا كره الشيء عرف في وجهه فلما كان العشي صعد المنبر وتلا هذه الآية. {نَاظرِينَ إِنَاهُ} منتظرين نضجه، أو متوقعين بحينه ووقته {وَلا مُسْتَئْنِسِينَ} لما أهديت زينب للرسول صلى الله عليه وسلم صنع طعاماً ودعا قوماً فدخلوا وزينب مع الرسول صلى الله عليه وسلم فجعلوا يتحدثون وجعل الرسول صلى الله عليه وسلم يخرج ثم يرجع وهم قعود: فنزلت {فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانتَشِرُواْ} {فَيَسْتَحْىِ مِنكُمْ} أن يخبركم به {وَاللَّهُ لا يَسْتَحْىِ مِنَ الْحَقِّ} أن يأمركم بهم {مَتَاعاً} حاجة، أو صحف القرآن أو عارية أُمرن وسائر النساء وبالحجاب كان الرسول صلى الله عليه وسلم وعائشة ـ رضي الله تعالى عنها ـ يأكلان حيساً في قعب فَمَرَّ عمرـ رضي الله تعالى عنه ـ فدعاه فأكل فأصابت أصبعه أصبع عائشة فقال حسبي لو أطاع فيكن ما رأتكن عين، أو كن يخرجن للتبرز إلى المناصع وكان عمر ـ رضي الله تعالى عنه ـ يقول للرسول صلى الله عليه وسلم: احجب نساءك فلم يكن يفعل فنزل الحجاب، أو أمرهن عمر بالحجاب فقالت زينب: يا عمر إنك لتغار علينا وإن الوحي ينزل في بيوتنا فنزل الحجاب {وَلا أَن تَنكِحُواْ} لما نزل الحجاب قال قرشي من بني تميم حجبنا الرسول عن بنات عمنا ويتزوج نساءنا من بعدنا لئن حدث به حدث لنتزوجن نساءه من بعده فنزلت ولتحريمهن بعده وجبت نفقاتهن من بيت المال وفي وجوب العدة عليهن مذهبان لأن العدة تربص للإباحة ولا إباحة في حقهن.

الخازن

تفسير : قوله عز وجل: {يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم} الآية قال أكثر المفسرين نزلت هذه الآية في شأن وليمة زينب بنت جحش حين بنى لها رسول الله صلى الله عليه سلم (ق) عن أنس بن مالك: أنه كان ابن عشر سنين مقدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة، قال فكانت أم هانىء تواظبني على خدمة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فخدمته عشر سنين وتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا ابن عشرين سنة، وكنت أعلم الناس بشأن الحجاب حين أنزل، وكان أول ما نزل في مبتنى رسول الله صلى الله عليه وسلم بزينب بنت جحش حين أصبح النبي صلى الله عليه وسلم بها عروساً فدعا القوم فأصابوا من الطعام ثم خرجوا، وبقي رهط عند النبي صلى الله عليه وسلم فأطالوا المكث فقام النبي صلى الله عليه وسلم فخرج وخرجت معه لكي يخرجوا فمشى النبي صلى الله عليه وسلم ومشيت معه حتى جاء عتبة حجرة عائشة ثم ظن أنهم قد خرجوا، فرجع ورجعت معه حتى إذا دخل على زينب فإذا هم جلوس ولم يقوموا فرجع النبي صلى الله عليه وسلم ورجعت، حتى إذا بلغ عتبة حجرة عائشة، وظن أنهم قد خرجوا فرجع ورجعت معه فإذا هم قد خرجوا فضرب النبي صلى الله عليه وسلم بيني وبينه بالستر وأنزل الحجاب زاد في رواية قال دخل يعني النبي صلى الله عليه وسلم البيت وأرخى الستر، وإني لفي الحجرة وهو يقول {يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم} إلى قوله {والله لا يستحيي من الحق} (ق) عن عائشة "أن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم كن يخرجن بالليل، إذا تبرزن إلى المناصع وهو صعيد أفيح، وكان عمر رضي الله عنه يقول للنبي صلى الله عليه وسلم، احجب نساءك فلم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل، فخرجت سودة بنت زمعة زوج النبي صلى الله عليه وسلم ليلة من الليالي عشاء وكانت امرأة طويلة فنادها عمر ألا قد عرفناك يا سودة حرصاً على أن ينزل الحجاب فأنزل الله الحجاب" المناصع المواضع الخالية، لقضاء الحاجة من البول أو الغائط والصعيد وجه الأرض والأفيح الواسع (ق)، عن أنس وابن عمر أن عمر قال "وافقت ربي في ثلاث قلت يا رسول الله لو اتخذت من مقام إبراهيم مصلى فنزل {أية : واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى}تفسير : [البقرة: 125] وقلت: يا رسول الله, يدخل على نسائك البر والفاجر فلو أمرتهن أن يحتجبن فنزلت الآية الحجاب واجتمع نساء النبي صلى الله عليه وسلم في الغيرة فقلت عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجاً خيراً منكن فنزلت كذلك. وقال ابن عباس: إنها نزلت في ناس من المسلمين كانوا يتحينون طعام رسول الله صلى الله عليه وسلم فيدخلون عليه قبل الطعام قبل أن يدرك ثم يأكلون، ولا يخرجون وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتأذى بهم، فنزلت الآية {يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم} يعني إلا أن تدعوا {إلى طعام} فيؤذن لكم فتأكلون {غير ناظرين إناه} يعني منتظرين نضجه ووقت إدراكه {ولكن إذا دعيتم فادخلوا فإذا طعمتم} أي أكلتم الطعام {فانتشروا} أي فاخرجوا من منزله وتفرقوا {ولا مستأنسين لحديث} أي لا تطيلوا الجلوس ليستأنس بعضكم بحديث بعض، وكانوا يجلسون بعد الطعام يتحدثون فنهوا عن ذلك {إن ذلكم كان يؤذي النبي فيستحيي منكم} أي فيستحيي من إخراجكم {والله لا يستحيي من الحق} أي لا يترك تأديبكم وبيان الحق حياء ولما كان الحياء مما يمنع الحيي من بعض الأفعال، وقيل: لا يستحيي من الحق بمعنى لا يمتنع منه ولا يتركه ترك الحيي منكم وهذا أدب أدب الله به الثقلاء، وقيل: بحسبك من الثقلاء أن الله لم يحتملهم {وإذا سألتموهن متاعاً} أي وإذا سألتم نساء النبي صلى الله عليه وسلم حاجة {فاسألوهن من وراء حجاب} أي من وراء ستر فبعد آية الحجاب لم يكن لأحد أن ينظر إلى امرأة من نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم متنقبة كانت أو غير متنقبة {ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن} أي من الريب {وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله} أي ليس لكم أذاه في شيء من الأشياء {ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبداً} نزلت في رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه سلم، قال إذا: قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم فلأنكحن عائشة. قيل هو طلحة بن عبيد الله فأخبر الله أن ذلك محرم، وقال {إن ذلكم كان عند الله عظيماً} أي ذنباً عظيماً وهذا من إعلام تعظيم الله لرسوله الله صلى الله عليه وسلم، وإيجاب حرمته حياً وميتاً وإعلامه بذلك مما طيب نفسه وسر قلبه واستفرغ شكره فإن من الناس من تفرط غيرته على حرمه حتى يتمنى لها الموت قبله لئلا تنكح بعده.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتَ ٱلنَّبِيِّ} الآية قال أكثر المفسرين: نزلت هذه الآية في شأن وليمة زينبَ حين بنى بها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما روى ابن شِهَابٍ قال: أخبرني أنسُ بنُ مالك أنه كان ابن عَشْرِ سنينَ فقدِم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المدينة قال: فكانت ام هانىء تواظبُني على خدمةِ النبي - صلى الله عليه وسلم - فخدمته عَشْر سنينَ وتوفي وانا ابن عشرينَ فكنت أعلمَ الناس بشأن الحِجاب حين أنزل وكان أول ما أنزل في مْبْتَنَى رَسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم - بزينبَ بنتِ جحشٍ أصبح النبي - صلى الله عليه وسلم - بها عروساً فدعا القوم وأَصابوا من الطّعام ثم خرجوا وبَقِيَ رَهْطٌ منهم عند النبي - صلى الله عليه وسلم - فأطالوا المُكْثَ فقام النبي - صلى الله عليه وسلم - وخرج وخرجت معه لكي يخرجوا فمشى النبي - صلى الله عليه وسلم - فمشيت حتى جاء عتبة حُجْرَة عائشةَ ثم ظن أنهم قد خرجوا فرجَع فرَجَعْتُ معهم حتى إذا دخل على زينب فإذا هم جلوس لم يخرجوا فرجَع النبي - صلى الله عليه وسلم - ورجعت معه حتى إذا بلغ عتبة حجرة عائشة فظن أنهم قد خرجوا فرَجَع ورجعت معه فإذا هم قد خرجوا فضرب النبي - صلى الله عليه وسلم - بيني وبينه بالسِّتر - فأنزل الله الحجاب، (و) قال أبو عثمان واسمه الجَعد عن أنس (قال) فدخل - يعني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - البيت وأرخى الستر وإني لفي الحجرة وهو يقول: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتَ ٱلنَّبِيِّ إِلاَّ أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ} إلى قوله: {وَٱللَّهُ لاَ يَسْتَحْيِي مِنَ ٱلْحَقِّ} وروي عن ابن عباس أنها نزلت في ناسٍ من المسلمين كانوا يتحيَّنون طعام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيدخلون عليه قبل الطعام إلى أن يدرك ثم يأكلون ولا يخرجون وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتأذَّى بهم فنزلت الآية {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتَ ٱلنَّبِيِّ}. وروى ابنُ شِهابٍ عن عروة عن عائشة أن أزواج النبي - صلى الله عيه وسلم - كُنَّ يَخْرُجْنَ باللَّيْلِ إذَا تَبَرَّزْنَ إِلَى المَنَاصِع وهو صَعِيدٌ أَفْيَحُ فكان عمر يقول للنبي - صلى الله عليه وسلم - احجبْ نِسَاءَكَ فلم يكن رسولُ الله يفعل فخرجت سُوْدةُ بنتُ زمعة زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - ليلةً من الليالي عشاءً وكانت امرأة طويلة فناداها عمر: قد عرفناك يا سَوْدَةُ حرصاً على أن تنزل آيةُ الحجاب فأنزل الله الحجاب، وعن أنس قال: قال عمر: وافَقَنِي ربي في ثلاثة، قلت يا رسول الله لو اتخذت من مقام إبراهيم مصلى فأنزل الله: {أية : وَٱتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى}تفسير : [البقرة: 125]، وقلت يا رسول الله: إنه يدخل عليك البرُّ الفاجر فلو أمرت أمهات المؤمنين بالحِجاب فأنزل الله آية الحجاب قال: بلغني ما آذين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نساؤه قال: فدخلت عليهن فجعلت استقربهن واحدة واحدة قلت: والله لَتَنْتَبِهْنَ أوْ لَيُبَدِّلنَّه الله أزواجاً خَيْراً منْكُنَّ حت أتيت على زينب فقالت: يا عُمَرُ: ما كان في رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما يعظ نساءه حتى تَعِظَهُنَّ أنت قال: فخرجت فأنزل الله: {أية : عَسَىٰ رَبُّهُ إِن طَلَّقَكُنَّ أَن يُبْدِلَهُ أَزْوَاجاً خَيْراً مِّنكُنَّ}تفسير : [التحريم: 5] الآية قوله: {إِلاَّ أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ} فيه أوجه: أحدها: أنها في موضع نصب على الحال تقديره إِلاَّ مَصْحُوبِينَ بالإِذن. الثاني: أنها على إسقاط باء السبب تقديره: "إلا بِسبِب الإذن لكم" كقوله "فَأَخْرَجَ بِهِ" أي بسببه. الثالث: أنه منصوب على الظرف قال الزمخشري: {إِلاَّ أَنْ يُؤْذَنَ} في معنى الظرف تقديره: إلا وقت أن يؤذن لكم و "غَيْرَ نَاظِرينَ" حال من "لاَ تَدْخُلُوا" وقع الاستثناء على الحال والوقت معاً كأنه قيل: لا تدخلوا بيوت النبي إلا وَقْتَ الإذْنِ ولا تدخلوا إلاَّ غَيْرَ ناظرين إناه، ورد أبو حيان الأول بأن النحاة نصوا على أن "أنْ" المصدرية لا تقع مَوْقِعَ الظرف، لا يجوز: "آتِيكَ أَنْ يَصِيحَ الدِّيكُ" وإن جاز ذلك في المصدر الصريح نحو: "آتِيكَ صِيَاحَ الدِّيكَ"، ورد الثاني بأنه لا يقع بعد "إلا" في الاستثناء إلا المستثنى أو المستثنى منه أو صفته ولا يجوز فيما عَدَا هذا عند الجمهور، وأجاز ذلك الكسائي والأخفش أجازا "مَا قَامَ القوْمُ إِلاَّ يَوْمَ الجُمُعَةِ ضَاحِكِينَ" و "إلَى طَعَام" متعلق بـ"يُؤْذَن" لأنه بمعنى إلاَّ أنْ يَدْعُوا إلى طعام، وقرأ العامة غَيْرَ ناظرين - بالنصب على الحال - كا تقدم، فعند الزمخشري ومن تابعه العامل فيه "يُؤْذَنَ" وعند غيرهم العامل فيه مقدر تقديره ادخلوا غير ناظرين، وقرأ ابن أبي عبلة "غَيْرِ" بالجر صفة لطعام واستضعفها الناس من أجل عدم بروز الضمير لجَرَيَانه على غير مَنْ هو له فكان من حقه أن يقال: غَيْرَ ناظرين إناه أنتم، وهذا رأي البصريين، والكوفيونَ يجيزون ذلك إن لم يُلْبِسْ كهذه الآية، وقد تقدمت هذه المسألة وفروعها وما قيل فيها، وهل هذا مختص بالاسم أو يجري في الفعل خلاف مشهور قلّ من يَضْبِطُهُ. قوله: "إِنَاهُ" قرأ العامة "إِنَاهُ" مفرداً أي نضجه، يُقَالُ: أنَى الطَّعامُ إنّى، نحوُ: قَلاَهُ قلّى، أي غير منتظرين إِدْرَاكَهُ وَوَقْتَ نُضْجِه ويقال: أنَى الحميمُ إذا انتهى حُرُّهُ، وأنَى أَنْ يَفْعَلَ كَذَا أي حان إِنَى بكسر الهمزة مقصورةً؛ وقرأ الأعمش "آناءه" جمعاً على أفْعَالٍ، فأبدلت الهمزة الثانية ألفاً والياء همزة لتطرفها بعد ألف زائدة فصار في اللفظ "كآناء" من قوله: "وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ" وإن كان المعنى مختلفاً، قال البَغَويُّ: إذا فتحت الهمزة مَدَدْتَ فقلت: الآناء وفيه لغتان أَنَى يأْنِي، وآنَ يَئِينُ مثل: حَانَ يَحِين. قوله:{وَلَـكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَٱدْخُلُواْ فَإِذَا طَعِمْتُمْ} أكلتم "فَانْتَشِرُوا" تفرقوا واخرجوا من منزله. فصل قال ابن الخطيب قوله: {إِلاَّ أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَىٰ طَعَامٍ} إِما أن يكون فيه تقديم وتأخير تقديره "وَلاَ تَدْخُلُوا إلى طعام إلاَّ أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ" فلا يكون منعاً من الدخول في غير وقت الطعام بغير الإذن وإما أن لا يكون فيه تقديم وتأخير فيكون معنى: ولا تدخلوا إلا أن يؤذن لكم إلى طعام فيكون الإذن مشروطاً بكونه إلى طعام فإن لم يؤذن إلى طعام فلا يجوز الدخول فلو أذن لواحد في الدخول لاستماع كلام لا لأكل طعام لا يجوز فنقول المراد هو الثاني ليعم النهي عن الدّخول، وأما كونه لا يجوز إلا بإذن إلى طعام فلما تقدم في سبب النزول أن الخطاب مع قوم كانوا يَتَحَيَّنُونَ حين الطعام ويدخلون من غير إذن فمنعوا من الدخول في وقتهم بغير إذن، والأولى أن يقال المراد هو الثاني لأن التقديمَ والتأخيرَ خلافُ الأصل. وقوله: "إلى طعام" من باب التخصيص بالذكر فلا يدل على نفي ما عداه لا سيما إذا علم أن غيره مثله فإن من جازَ دخول بيته بإذنه إلى طعامه، جاز دخوله إلى غير طعامه فإن غير الطعام يمكن وجوده مع الطعام فإن من الجائز أن يتكلم معه وقت ما يدعوه إلى الطعام ويَسْتَعِينُه في حوائجه ويعلمه ممِا عنده من العلوم مع زيادة الطعام فإن رضي بالكل فرضاه بالبعض أقرب إلى العقل فيصير من باب: {أية : فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا}تفسير : [الإسراء: 23] وقوله: {غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ} أي لا تنظروا وقت الطعام فإنه ربما لا يَتَهَيَّأ. فصل لا يشترط في الإذن التصريح به بل إذا حصل العلم بالرضا جاز الدخول ولهذا قال: "إِلاَّ أَنْ يُؤْذَنَ" من غير بيان فاعل فالآذن إن كان الله أو النبي أو العقل المؤيد بالدليل جاز والنقل دال عليه حيث قال: {أية : أَوْ صَدِيقِكُمْ}تفسير : [النور: 61] فلو جاء الرجل وعلم أنّ لا مانع في البيت من يكشف أو بحضور غير محرم أو علم خلو الدار من الأهل وهي محتاجة إلى إطفاء حريق فيها أو غير ذلك جاز الدخول وفي معنى البيت موضع مباح اختاره شخص لعبادته او اشتغاله بشغل فيأتيه أحد ويطيل المكث عنده. قوله: {وَلاَ مُسْتَأنِسِينَ} يجوز أن يكون منصوباً عطفاً على "غَيْر" أي لا تدخلوها غَيْرَ ناظِرينَ ولا مُسْتَأْنسين والمعنى ولا طالبين الأُنسَ لِلْحَديث، وكانوا يجلسون بعد الطعام يتحدثون طويلاً فَنُهُوا عن ذلك. قوله: "لِحَدِيثٍ" يحتمل أن تكون لام العلة أي مستأنسين لأجل أن يحدث بعضكم بعضاً وأن تكون المقوية للعامل لأنه قرع أي ولا مستأنسين حديثَ أَهْل البَيْت أو غيرهم. قوله: "إنَّ ذَلَكُمْ" أي إن انتظارَكم واسْئنَاسكم فأشير إِليهما إِشارة الواحد كقوله {أية : عَوَانٌ بَيْنَ ذٰلِكَ}تفسير : [البقرة: 68] أي إن المذكور. قوله: "فيستحيي منكم" قرىء "لا يَسْتَحِي" بياء واحدة، والأخرى محذوفة، واختلف فيها هل هي الأولى أو الثانية وتقدم ذلك في البقرة، وأنها رواية عن ابن كثير وهي لغة تميم يقولون اسْتَحَى يَسْتَحِي مثل: اسْتَقَى يستقي. قوله: {وَٱللَّهُ لاَ يَسْتَحْيِي مِنَ ٱلْحَقِّ} أن لا يترك تأديبكم وهذا إشارة إِلى أنّ ذلك حق وأدب، ثم ذكر أدباً آخر فقال: {وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فَٱسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَآءِ حِجَابٍ} أي من وراء سِتْر، فبعد آية الحجاب لم يكن لأحد أن ينظر إلى امرأةٍ من نساء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مُنْتقِبة كانت أو غير مُنْتَقِبة {ذٰلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ} من الريب لأن العين روزنة القلب فإذا لم تر العين لا يشتهي القلب، فأما وإن رأت العين فقد يشتهي القلب وقد لا يشتهي، فالقلب عند عدم الرؤية أطهر وعدم الفتنة حينئذ أظهر. قوله: {وَلاَ أَن تَنكِحُوۤاْ أَزْوَاجَهُ مِن بَعْدِهِ أَبَداً} نزلت في رجلٍ من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: لئن قُبِضَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأنكحن عائشةَ. قال مقاتل ابن سليمان: هو طلحة ابن عُبَيْد الله فأخبر اللَّه عز وجل - أن ذلك مُحَرَّم وقال: {إِنَّ ذٰلِكُمْ كَانَ عِندَ ٱللَّهِ عَظِيماً}. وروى مَعْمَرٌ عن الزهري أن العالية بنتَ ظبيان التي طلق النبي - صلى الله عليه وسلم - تزوجت رجلاً وولدت له وذلك قبل تحريم أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - على الناس. قوله: {إِن تُبْدُواْ شَيْئاً أَوْ تُخْفُوهُ} الآية نزلت فيمن أضمر نِكَاحَ عائشةَ بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقيل: قال رجل من الصحابة ما بالنا نمنع الدخول على بنات أعمامنا فنزلت هذه الآية، ولما نزلت آية الحجاب قال الآباء والأقارب ونحن أيضاً نكلمهن من وراء حجاب فأنزل الله - عز وجل - {لاَّ جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِيۤ آبَآئِهِنَّ وَلاَ أَبْنَآئِهِنَّ وَلاَ إِخْوَانِهِنَّ وَلاَ أَبْنَآءِ إِخْوَانِهِنَّ وَلاَ أَبْنَآءِ أَخَوَاتِهِنَّ} أي لا إثم عليهنّ في ترك الاحتجاب عن هؤلاء "وَلاَ نِسَائِهِنَّ" قيل: أراد به نساء المُسْلمات حتى لا يجوز للكتابيات الدخول عليهن. وقيل: هو عام في المسلمات والكتابيات وإنَّمَا قال: "وَلاَ نِسَائِهِنَّ" لأنهن من أجناسهن، وقد الآباء لأن اطلاعهم على بناتهم أكثر، وكيف وهم رأوا جميع بدن البنات في حال صغرهن ثم الأبناء ثم الإخوة وذلك ظاهر، إنما الكلام في بني الإخوة حيث قدمهم الله عليه على بنات الأخواتِ لأن بني الأخوات آباؤهم ليس المحارم خالات أبنائهم وبني الإخوة آباؤهم محارم أيضاً, ففي بني الأخوات مفسدة ما وهي أن الابن ربما يحكي خالته عند أبيه وهو ليس بمحرم ولا كذلك بنوة الإخوة. فإن قيل: لم يذكر الله تعالى من المحارم الأعمام والأخوال ولم يقل: ولا أعمامهن ولا أخوالهن؟. فالجواب من وجهين: أحدهما: أن ذلك معلوم من بني الإخوة وبني الأخوات لأن من علم أن بني الأخ للعمّات محارم علم أن بنات الأخ عند آبائهم وهم غير محارم وكذلك الحال في ابن الخال. قوله: {وَلاَ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ} ذكر هذا بعد الكل، فإن المفسدة في التكشف لهم ظاهرة، واختلفوا في عبد المرأة هل يكون محرماً لها فقيل يكون لها لقوله: {وَلاَ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ}، وقيل: المراد من كان دون البلوغ. قوله: "واتَّقِينَ" عطف على محذوف أي امْتَثِلْنَ ما أُمرْتُنِ بِهِ واتَّقِينَ اللَّهَ أن يراكنّ غير هؤلاء، وقوله: {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيداً} في غاية الحسن في هذا الموضع لأن ما سبق إشارة إلى جواز الخلوة بهم والتكشف لهم فقال إن الله شاهد عند اختلاء بعضكم ببعض فخلوتكم مثل ملئكم بشهادة الله فاتقوا الله فإنه شهيد على أعمال العباد. قوله: {إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلاَئِكَـتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِيِّ} العامة على نصب "الملائكة" نَسَقاً على اسم "إن" و "يُصَلُّونَ" هل هو خبر عن "اللَّه وملائكته" أو عن "الملائكة" فقط، وخبر الجلالة محذوف لتغاير الصلاتين خلاف. وقرأ ابن عباس وُرَويت عن أبي عمرو: وَمَلاَئِكَتُهُ رفعاً فيحتمل أنْ يكون عطفاً على محل اسم "إِنَّ" عند بعضهم، وأن يكون مبتدأ والخبر محذوف وهو مذهب البصريين، وقد تقدم فيه بحث نحو: زَيْدٌ ضَارِبٌ وعَمْرٌو أي ضَارِبٌ فِي الأَرْضِ. فصل لما أمر بالاستئذان وعدم النظر إلى نسائه احتراماً له كمل بيان حرمته وذلك أن حالاته منحصرة في حالتين حالة خلوة فذكر ما يدل على احترامه في تلك الحالة بقوله: {لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتَ ٱلنَّبِيِّ} وحالة بكونه في ملأ والملأ إما الملأ الأعلى وإما الملأ الأدنى أما احترامه في الملأ الأعلى فإن الله وملائكته يصلون عليه، وأما احترامه في الملأ الأدنى فقوله: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلِّمُواْ تَسْلِيماً}. فصل قال ابن عباس: أراد أنّ الله يرحم النبي والملائكة يدعون له، وعن ابن عباس أيضاً: يصلون يزكون، قويل: الصلاة من الله الرحمة، ومن الملائكة الاستغفار. وقال أبو العالية: صلاة الله ثناؤه عليه عند الملائكة وصلاة الملائكة الدعاء، روى عبد الرحمن بنُ أَبي لَيْلَى قال: حديث : لَقِيَنِي كعْب بن عُجْرَةَ فقال: ألا أُهْدِي لك هديّة سمعتُها من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقلت بلى فأهدها إليَّ قال: قلنا يا رسول الله قد علمنا كيف نسلم فكيف نصلي عليك؟ قال: "قولوا اللَّهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد كما صليتَ على إبراهيمَ وعلى آلِ إبْرَاهيم إنك حميد مجيد""تفسير : وروى أبو حُمَيْد السَّاعِدِيّ أنهم قالوا حديث : يا رسول الله: كيف نصلي عليك؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قولوا: اللَّهم صلِّ على محمد وأزواجه وذريته كما صليت على إبراهيم وبارك على محمد وأزواجه وذريته كما باركت على إبراهيم إنك حميد مجيدتفسير : . وروى ابن مسعود قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "حديث : إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِي يَوْمَ القِيَامَةِ أَكْثَرهُمْ عَلَيَّ صَلاَةَ"تفسير : . وروى أبو هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "حديث : مَنْ صَلَّى عَلَيَّ وَاحِدةً صلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ عَشْراً"تفسير : وروى عبد الله بن أبي طلحة عن أبيه عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه جاء ذات يوم والبِشْرُ في وجهه فقال: "حديث : إِنِّي جَاءَنِي جبريلُ فقال: أَمَا يُرْضِيكَ يا محمد أن لا يُصَلِّي عَلَيْكَ أَحَدٌ مِنْ أُمَّتِكَ إِلاَّ صَلَّيْتُ عَلَيْهِ عَشْراً وَلاَ يُسَلِّمُ عَلَيْكَ أَحَدٌ مِنْ أُمَّتِكَ إِلاَّ سَلَّمْتُ عَلَيْهِ عَشْراً"تفسير : وروى عامر بن ربيعة أنه سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول "حديث : مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلاَةً صَلَّت المَلاَئِكَةُ عَلَيْهِ مَا صَلَّى عَلَيَّ فليقلّ العَبْدُ مِنْ ذَلِكَ أوْ لِيُكْثِرُ"تفسير : وروى عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "حديث : إنَّ لِلَّه مَلاَئِكَةً سَيَّاحِينَ في الأَرْضِ يُبَلِّغُونَ عَني أُمَّتِي السَّلاَمَ ". تفسير : فصل دلت الآية على وجوب الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - لأن الأمر للوجوب ولا تجب في غير التشهد فتجب في التشهد وكذلك قوله: "وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً" أمر فيجب السلام ولم يجب في غير الصلاة فيجب فيها وهو قولنا في التشهد: السَّلاَمُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ، وذكر في السلام المصدر للتأكيد، ولم يُؤكد الصلاة لأنها كانت مؤكدة بقوله: {إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلاَئِكَـتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِيِّ}. فإن قيل: إذا صلى الله وملائكته عليه فأي حاجة به إلى صلاتنا؟. فالجواب: أن الصلاة عليه ليس لحاجة إليها وإلا فلا حاجة إلى صلاة الملائكة مع صلاة الله عليه، وإنما هو إظهاره وتعظيمه (كما أن الله تعالى) وجب علينا ذكر نفسه ولا حاجة له إليه وإنما هو لإظهاره وتعظيمه منا شفقة علينا ليثيبنا عليه ولهذا قال عليه (الصلاة و) السلام: "حديث : ومن صلى علي واحدة صلى الله عليه عشراً ". تفسير : قوله (تعالى): {إِنَّ ٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ ٱللَّهَ} فيه أوجه أي يقولون فيه ما صورته أذى وإن كان تعالى لا يلحقه ضرر ذلك حيث وصفوه بما لا يليق بجلاله من اتخاذ الأنداد ونسبة الولد والزوجة إليه، قال ابن عباس هم اليهود والنصارى والمشركون، قال عليه (الصلاة و) السلام حديث : يقول الله تعالى: "شَتَمَنِي عَبْدِي يَقُولُ اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً وَأَنَا الأَحَدُ الصَّمَدُ لَمْ أَلِدُ وَلَم أَولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لِي كفواً أَحَدٌ"تفسير : وقال عليه (الصلاة و) السلام حديث : قال الله تعالى: يُؤذِيني ابْنُ آدَمَ يَسُبُّ الدَّهرَ وأَنَا الدَّهرُ بِيدِي الأَمْرُ أُقَلِّبُ اللَّيْلَ والنَّهَارَتفسير : وقيل: يؤذون الله: يلحدون في أسمائه وصفاته، وقال عكرمة: هم أصحاب التصاوير، روى أبو هريرة قال: سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: "حديث : قال الله تعالى: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ يَخْلُقُ كَخَلْقِي فليخلقوا ذَرَّةً أَوْ لِيَخْلُقُوا حَبَّةً أَوْ شَعِيرَةً ". تفسير : ويحتمل أن يكون على حذف مضاف أي أولياء الله كقوله: {أية : وَسْئلِ ٱلْقَرْيَةَ}تفسير : [يوسف: 82] أي أهل القرية قال عليه (الصلاة و) السلام: حديث : قال الله تعالى: "مَنْ عَادَى لِي وَلِيّاً فَقَدْ آذَنْتُهُ بالحَرْبِ"تفسير : . وقال: "حديث : مَنْ أَهَانَ لِي وَلِيَّاً فَقَدْ بَارَزَنِي بِالمُحَارَبَةِ"تفسير : . ومعنى الأذى هو مخالفة أمر الله وارتكاب معاصيه وذكره على ما يتعارفه الناس بينهم والله عز وجل منزه عن أن يلحقه أذى من أحد، وقال بعضهم أتى بالجلالة تعظيماً، والمراد يؤذون رسولي كقوله: {أية : إِنَّمَا يُبَايِعُونَ ٱللَّهَ}تفسير : [الفتح: 10] وأما إيذاء الرسول فقال ابن عباس: هو أنه شُجَّ في وجهه وكُسِرت رُبَاعِيّتُه، وقيل: ساحر شاعر معلم مجنون، ثم قال: {لَعَنَهُمُ ٱللَّهُ فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ} واللعن الطرد، وهذا إشارة إلى بعد لا رجاء للقرب معه، لأن البعيد في الدنيا يرجو القرب في الآخرة فإذا خاب في الآخرة فقد خاب وخسر. ثم إنه تعالى لم يحصر جزاءه في الإبعاد بل أوعده بالعذاب المهين فقال: "وَأَعَدَّ لَهُمْ" وهذا يفيد التأكيد؛ لأن السيد إذا عذب عبده حالة الغضب من غير إعداد يكون دون ما أعد له قيداً وغلاًّ. قوله: {وَٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا ٱكْتَسَبُواْ} أي من غير ما عملوا ما أوجب أذاهم، وقال مجاهد: يقعون فيهم ويرمونهم بغير كلام، وقيل: إن من جُلِدَ مائة على شرب الخمر أو حُدَّ أربعين على لعب النَّرْد فقد أوذي بغير ما اكتسب. قوله: "فَقَد احْتَمَلُوا" خبر "والذين" ودخلت الفاء لشبه الموصول بالشرط. وقوله: {بُهْتَاناً وَإِثْماً مُّبِينا} قال مقاتل: نزلت في علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - كانوا يؤذونه ويسمعونه وقيل: نزلت في شأن عائشة، وقال الضحاك والكلبي: نزلت في الزّناة (الذين) كانوا يتمشون في طريق المدينة يتبعون النساء إذا برزن بالليل لقضاء حوائجهن فيغمزون المرأة فإِن سكتت اتبعوها وإن زجرتهم انتهوا عنها ولم يكونوا يطلبون إلا الإماء ولكن كانوا لا يعرفون الحرة من الأَمَةِ؛ لأن زي الكل كان واحداً يخرجن في دِرْع وخمار الحرة والأمة فشكَوا ذلك إلى أزواجهن فذكروا ذلك لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فنزلت هذه الآية: {وَٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ} الآية، ثم نهى الحرائر أن يتشبهن بالإِماء فقال - عز وجل - {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ قُل لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَآءِ ٱلْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلاَبِيبِهِنَّ}. فإن قيل: البهتان هو الزور، وهو لا يكون إلا في القول، والإيذاء قد يكون بغير القول، فمن آذى مؤمناً بالضرب أو أخذ ماله لا يكون قد احتمل بهتاناً؟. فالجواب: أن المراد: والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بالقول لأن الله تعالى أراد إظهار شرف المؤمنين لأنه لما ذكر أن من آذى الله ورسوله لعن، وإيذاء الله أن ينكر وجوده أو يشرك به من لا يبصر لا يسمع وذلك قول فذكر إيذاء المؤمنين بالقول وعلى هذا خص إيذاء القول بالذكر لأنه أعم؛ لأنه الإنسان لا يقدر أن يؤذي الله بما يؤلمه من ضرب أو أخذ مال ويؤذيه بالقول وكذا الغائب لا يمكن إيذاؤه بالفعل ويمكن إيذاؤه بالقول بأن يقول فيه ما يصل إليه فيتأذى، ووجه آخر في الجواب بأن يقال: قوله بعد ذلك: وإثْماً مُبِيناً، كأنه استدرك فكان قوله احتمل بهتاناً إن كان بالقول، وَإِثْماً مبيناً ما كان الإيذاء. قوله: "يُدْنِينَ" كقوله {أية : قُل لِّعِبَادِيَ... ٱلَّذِينَ آمَنُواْ يُقِيمُواْ..}تفسير : [إبراهيم: 31] و "مِنْ" للتَّبْعِيض، و "الجَلاَبِيبُ" جمع "الجِلْبَابِ" وهو المَلاَءَةُ التي تشتمل بها المرأة فوق الدرع والخمار، قال ابن عباس و (أبو) عبيدة من نساء المؤمنين أن يغطين رؤوسهن ووجوههنّ بالجلابيب أقْرَبُ إلى عِرْفَانِهِنَّ أي أدنى أن يعرفن أنهن حرائر "فَلاَ يُؤْذَيْنَ" لا يتعرض لهن، ويمكن أن يقال: المراد يعرفن أنهن لا يَزْنينَ لأن من تستر وجهها مع أنه ليس بعورة لا يطمع فيها أنها تكشف عورتها فيُعْرَفْنَ أنهنَّ مستوراتٌ لا يمكن طلب الزنا منهن. {وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً} قال أنس: مرت بعمر بن الخطاب جارية مقنَّعة فعلاها بالدرَّة، وقال: يا لَكَاعِ أتتشبّهين بالحَرَائِرِ أَلْقِي القِنَاعَ. قوله: {لَّئِن لَّمْ يَنتَهِ ٱلْمُنَافِقُونَ وَٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ} لما ذكر حال المشركين الذي يؤذون الله ورسوله والمجاهر الذي يؤذي المؤمنين ذكر حال المُسِرِّ الذي لا يظهر الحق ويظهر الباطل وهو المنافق ولما كان المذكور من قبلُ أقواماً ثلاثةً نظر إلى أمورِ ثلاثة وهم المُؤْذُونَ لله والمُؤْذُونَ للرسول، والمؤذون للمؤمنين ذكر للمسرين ثلاثة نظراً إلى اعتبار أمور ثلاثة: أحدها: المنافق الذي يؤذي الله سرّاً. والثاني: الذي في قلبه مرض وهو الذي يؤذي المؤمن باتباع نِسَائِهِ. والثالث: المرجف الذي يؤذي النبي عليه (الصلاة و) السلام بالإرجاف بقوله: غُلِبَ محمد، وسيخرج من المدينة وسيؤخذ، وهؤلاء وإِنْ كانوا قوماً واحداً إلاَّ أنَّ لهم ثلاث اعتبارات وهذا لقوله تعالى: {إِنَّ ٱلْمُسْلِمِينَ وَٱلْمُسْلِمَاتِ وَٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ} حيث ذكر أصنافاً عشرة وكلهم يوجد في واحد بالشخص لكنه كثير الاعتبار فقال: {لَّئِن لَّمْ يَنتَهِ ٱلْمُنَافِقُونَ} أي عن نفاقهم {وَٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ} يعني الزناة، {وَٱلْمُرْجِفُونَ فِي ٱلْمَدِينَةِ} بالكذب وذلك أن ناساً منهم كانوا إذا خرجت سرايا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يُوقِعُونَ في الناس أنهم قتلوا وهزموا ويقولون قد أتاكم العدو ونحوه، وقال الكلبي: كانوا يحبون أن تشيع الفاحشةُ في الذين آمنوا وَيفْشُو الأخبار. قوله: "لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ" أي لنُحَرِّشَنَّكَ وَلنُسَلِّطَنَّكَ عليهم لِتُخْرِجَهُمْ من المدينة {ثُمَّ لاَ يُجَاوِرُونَكَ فِيهَآ} لا يساكنونك فيها أي في المدينة "إلاَّ قَلِيلاً" حتى يخرجوا منها، وقيل: لنسلطنهم عليهم بقتلهم ونخرجهم من المدينة. قوله: "الاَّ قَلِيلاً" أي إِلاَّ زماناً قليلاً، أو إلا جوَاراً قليلاً، وقيل: "قليلاً" نصب على الحال من فاعل "يجاورونك" أي إِلا أَقِلاَّءَ أَذِلاَّء بمعنى قَلِيلِينَ، وقيل: قليلاً منصوب على الاستثناء أي لا يجاورك إلا القليل منهم على أذل حال وأقله. قوله: "مَلْعُونِينَ" حال من فاعل "يُجَاوِرُونَكَ" قاله ابن عطية، والزمخشري وأبو البقاء، قال ابن عطية لأنه بمعنى مُنَتَفَوْنَ منها مَلْعُونينَ، وقال الزمخشري: دخل حرف الاستثناء على الحال والظرف معاً كما مر في قوله: {إِلاَّ أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَىٰ طَعَامٍ غَيْرَ} وتقدم بحث أبي حيان معه، وهو عائد هنا، وجوز الزمخشري أن ينتصب على الشَّتْم؛ وجوز ابن عطية أن يكون بدلاً من "قليلاً" على أنه حال كما تقدم تقريره، ويجوز أن يكون "ملعونين" نعتاً، لـ "قليلاً" على أنه منصوب على الاستثناء من واو "يجاورونك" كما تقدم تقريره، أي لا يُجَاوِرُكَ مِنْهُمْ أَحَدٌ قَلِيلاً ملعوناً، ويجوز أن يكون منصوباً "بأُخِذُوا" الذي هو جواب الشرط نحو: خَيْراً إِنْ تَأْتِنِي تُصِبْ، وقد منع الزمخشري من ذلك فقال: ولا يصح أن يَنْتَصِبَ "بأخذ" لأن ما بعد كلمة الشرط لا يعمل فيها قبلها، وهذا منه مشي على الجَارَّةِ، وقوله ما بعد كلمة الشرط يشمل فعل الشرط والجواب، فأما الجواب فتقدم حكمه وأما الشرط فأجاز الكسائيّ أيضاً تقديم معموله على الأداة، نحو: "زَيْداً إنْ تَضْرِبْ أُهِنْكَ" فتلخص في المسألة ثلاثة مذاهب المنع مطلقاً، الجواز مطلقاً، التفصيل يجوز تقديم معمولي الجواب، ولا يجوز تقديم معمولي الشرط وهو رأي الفراء. قوله: "وَقُتِّلُوا" العامة على التشديد، وقرىء بالتخفيف. وهذه يردها مجيء المصدر على التفعيل إلا أن يقال: جاء على غير مصدره، وقوله: "سُنَّةَ اللَّهِ" تقدم نظيرها. قوله: "مَلْعُونينَ" مطرودين من باب الله وبابك، وإذا خرجوا لا يَنْفَكُّونَ عن الذلة ولا يجدون ملجأً بل أينما يكونون يؤخذون ويقتلون، وهذا ليس بِدْعاً بل هو سنة جارية وعادة مستمرة تفعل بالمكذبين {وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ ٱللَّهِ تَبْدِيلاً} أي ليست هذه السنة مثل الحكم الذي يتبدل وينسخ فإن النسخ يكون في الأقوال أما الأفعال إذا وقعت والأخبار لا تنسخ. قوله: {يَسْأَلُكَ ٱلنَّاسُ عَنِ ٱلسَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ ٱللَّهِ} لما بين حالهم في الدنيا أنهم يُلْعَنُونَ ويُهَانُونَ ويُقْتَلُونَ أراد أن يبين حالهم في الآخرة، فذكرهم بالقيامة وما يكون لهم فيها فقال: {يَسْأَلُكَ ٱلنَّاسُ عَنِ ٱلسَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ ٱللَّهِ} أي إن وقت القيامة علمه عند الله لا يبين لهم فإِن الله أخفاها لحكمةٍ وهي امتناع المكلف عن الاجتراء وخوفهم منها في كل وقت. قوله: {وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ ٱلسَّاعَةَ} الظاهر أن "لعل" تعلق كما تعلق التمني و"قريباً" خبر كان على حذف موصوف أي شيئاً قريباً، وقيل: التقدير: قيام الساعة فروعيت "الساعة" في تأنيث "يكون" ورُوعِيَ المضاف المحذوف في تذكير "قريباً" وقيل: "قريباً" أكثر استعماله استعمال الظرف فهو هنا ظرف في موضع الخبر. وقال ابن الخَطِيب: فَعِيلٌ يستوي فيه المذكَّر والمؤنث قال تعالى: {أية : إِنَّ رَحْمَةَ ٱللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ ٱلْمُحْسِنِينَ}تفسير : [الأعراف: 56] أي لعلَّ الساعةَ تكون قريبةً. فصل المعنى أي شيء يعلمك أمر الساعة ومتى يكون قيامها أي أنت لا تعرفه لعل الساعة تكون قريباً. وهذا إشارة إلى التخويف، ثم قال: {إِنَّ ٱللَّهَ لَعَنَ ٱلْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيراً} أي كما أنهم ملعونون في الدنيا عندكم فكذلك هم يلعنون عند الله وأعد لهم سعيراً كما قال: {لَعَنَهُمُ ٱللَّهُ فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً مُّهِيناً خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً} مطيلين المكث فيها مستمرين، وقوله "فِيهَا" أي في السعير لأنها مؤنثة، أو لأنه في معنى "جهنم" {لاَّ يَجِدُونَ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً} حال ثانية، أو من "خَالِدِينَ" لا يجدون ولياً ولا نصيراً أي لا صديق يشفع لهم، ولا ناصر يدفع عنهم. قوله: "يَوْمَ" معمول "لِخالدين" أو لمحذوف، أو "لنصير" أو "لاذْكُرْ" أو لِـ "يقولون" بعده، وقرأ العامة تُقَلَّبُ - مبنيّاً للمفعول (و) وُجُوهُهُمْ رفع على ما لم يسم فاعله، وقرأ الحسن وعيسى والرؤاسي - بفتح التاء - أي تَتَقَلَّب (و) وُجُوهُهُمُ فاعل به، وأبو حيوة نُقَلِّبُ بالنون أي نحن (و) وُجُوهَهُمْ بالنصب. وعيسى تُقَلّب - بضم التاء وكسر اللام - أي السعيرُ أو الملائكةُ وُجُوهَهُمْ بالنصب على المفعول به "يَقُولُون" حال و "يَا لَيْتَنَا" مَحْكيّ. قوله: {تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي ٱلنَّارِ} ظهراً لبطن كانا يسحبون عليها يقولون يا ليتنا أطعنا الله وأطعنا الرسولَ في الدنيا. قوله: "سَادَتَنا" قرأ ابنُ عامر في آخرينَ بالجمع بالألف والتاء، قال البغوي على جَمْع الجَمْع، والباقون "سَادَتَنا" على أنه جمع تكسير غير مجموع بألف وتاء، ثم "سادة" يجوز أن يكون جمعاً لسيّد ولكن لا ينقاس لأن "فيْعلاً" لا يجمع على "فَعَلَةٍ" وسادة فعلة، إذ الأصل سَوَدَةٌ، ويجوز أن يكون جمعاً لسائد نحو: فَاجِر وفَجَرَةٍ وكَافِر وكَفَرَةٍ، وهو أقرب إلى القياس مما قبله، وابن عامر جمع هذا ثانياً بالألف والتاء وهو غير مقيس أيضاً نحو: بُيُوتَات، وجَمَالاَتٍ. فصل لما بين أنه لا شفيع لهم يدفع عنهم العذاب بين أن بعض أعضائه أيضاً لا يدفع العذاب عن البعض بخلاف عذاب الدنيا فإن الإنسان يدفع عن وجهه الضربة اتِّقاءً بيده فإن من يقصد رأسه ووجهه يجعل يده جُنَّة لوجهه ووقاية له يقولون يا ليتنا أطعنا الله وأطعنا الرسول في الدنيا فيندمون حيث لا تنفعهم الندامة ثم يقولون {رَبَّنَآ إِنَّآ أَطَعْنَا سَادَتَنَا} أي أطعنا السادة بدل طاعة الله وطاعة الرسول {فَأَضَلُّونَا ٱلسَّبِيلا}. {رَبَّنَآ آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ ٱلْعَذَابِ وَٱلْعَنْهُمْ لَعْناً كَبِيراً} قرأ عاصم "كبيراً" - بالباء الموحدة - والباقون بالمثلثة وتقدم معناهما في البقرة، والمراد بضعفين من العذاب أي ضِعْفَيْ عَذَابِ غَيْرِهِمْ.

البقاعي

تفسير : ولما كان القرب والإحاطة لله، كان بالحقيقة لا رقيب إلا هو، والآية على كل حال منسوخة إن قلنا بالاحتمال الأول أو الثاني، فقد روى الترمذي في التفسير عن عائشة رضي الله عنها وناهيك بها ولا سيما في هذا الباب أنها قالت: ما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أحل له النساء، وقال: هذا حديث حسن صحيح - انتهى. ونقل ابن الجوزي عنها رضي الله عنها أن الناسخ آية {إنا أحللنا لك أزواجك} وكذا عن جماعة منهم علي وابن عباس وأم سلمة رضي الله عنهم، ولكن صلى الله عليه وسلم ترك ذلك أدباً مع الله تعالى حيث عبر في المنع بصيغة الخبر والفعل المضارع، ورعاية أشار الله إليه من رعاية حقهن في اختيارهن من الدار الآخرة. ولما قصره صلى الله عليه وسلم عليهن، وكان قد تقدم إليهن بلزوم البيوت وترك ما كان عليه الجاهلية من التبرج، أرخى عليهن الحجاب في البيوت ومنع غيره صلى الله عليه وسلم مما كانت العرب عليه من الدخول على النساء لما عندهم من الأمانة في ذلك، فقال مخاطباً لأدنى أسنان أهل هذا الدين لما ذكر في سبب نزولها، ولأن المؤمنين كانوا منتهين عن ذلك بغير ناه كما يدل عليه ما يأتي من قول عمر رضي الله عنه في الحجاب: {يا أيها الذين آمنوا} أي ادعوا الإيمان صدقوا دعواكم فيه بأن {لا تدخلوا} مع الاجتماع، فالواحد من باب الأولى. ولما كان تشويش الفكر ربما كان شاغلاً عن شيء مما يبنئ الله به كما أشار إليه قوله صلى الله عليه وسلم "حديث : بينت لي ليلة القدر فتلاحى فلان وفلان فأنسيتها" تفسير : - أو كما قال صلى الله عليه وسلم، عبر بصفة النبوة في قوله: {بيوت النبي} أي الذي يأتيه الإنباء من علام الغيوب بما فيه غاية رفعته، في حال من الأحوال أصلاً {إلا} في حال {أن يؤذن لكم} أي ممن له الإذن في بيوته صلى الله عليه وسلم منه أو ممن يأذن له في ذلك، منتهين {إلى طعام} أي أكله، حال كونكم {غير ناظرين إناه} أي وقت ذلك الطعام وبلوغه واستواءه للأكل، فمنع بهذا من كان يتحين طعام النبي صلى الله عليه وسلم، لأن في ذلك تكليفاً له صلى الله عليه وسلم بما يشق عليه جداً، فإنه ربما كان ثم من هو أحوج إلى ذلك الطعام من المتحين أو غير ذلك من الأعذار، فلا يتوجه الخطاب إلى غير أهل السن السافل، ومن وقعت له فلتة ممن فوق رتبتهم دخل في خطابهم بما أنزل من رتبته، والتعبير باسم الفاعل المجرد في "ناظرين" أبلغ في النهي. ولما كان هذا الدخول بالإذن مطلقاً، وكان يراد تقييده، وكان الأصل في ذلك: فإذا دعيتم - إلى آخره، ولكن لما كان المقام للختم بالجزم فيما يذكر، وكان للاستدراك أمر عظيم من روعة النفس وهزها للعلم بأن ما بعده مضاد لما قبله قال: {ولكن إذا دعيتم} أي ممن له الدعوة {فادخلوا} أي لأجل ما دعاكم له؛ ثم سبب عنه قوله: {فإذا طعمتم} أي أكلتم طعاماً أو شربتم شراباً {فانتشروا} أي اذهبوا حيث شئتم في الحال، ولا تمكثوا بعد الأكل لا مستريحين لقرار الطعام في بطونكم {ولا مستأنسين لحديث} أي طالبين الأنس لأجله، قال حمزة بن نضر الكرماني في كتابه جوامع التفسير: قال الحسن: حسبك في الثقلاء أن الله لم يتجوز في أمرهم - انتهى، وعن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: حسبك بالثقلاء أن الله لم يحتملهم، ثم علل ذلك بقوله مصوباً الخطاب إلى جميعه، معظماً له بأداة البعد: {إن ذلكم} أي الأمر الشديد وهو المكث بعد الفراغ من الأكل والشرب {كان يؤذي النبي} أي الذي هيأناه لسماع ما ننبئه به مما يكون سبب شرفكم وعلوكم في الدارين، فاحذروا أن تشغلوه عن شيء منه فننبئه بشيء تهلكون فيه. ثم سبب عن ذلك المانع له من مواجهتهم بما يزيل أذاه فقال: {فيستحيي} أي يوجد الحياء، وأصله إيجاد الحياة. كأن من لا حياء له جماد لا حياة له {منكم} أي أن يأمركم بالانصراف {والله} أي الذي له جميع الأمر {لا يستحيي من الحق} أي لا يفعل فعل المستحيي فيؤديه ذلك إلى ترك الأمر به. ولما كان البيت يطلق على المرأة لملازمتها له عادة، أعاد الضمير عليه مراداً به النساء استخداماً فقال: {وإذا سألتموهن} أي الأزواج {متاعاً} أي شيئاً من آلات البيت {فسئلوهن} أي ذلك المتاع، كائنين وكائنات {من وراء حجاب} أي ستر يستركم عنهن ويسترهن عنكم {ذلكم} أي الأمر العالي الرتبة الذي أنبئكم جميعكم به من السؤال من وراء حجاب وغيره {أطهر لقلوبكم وقلوبهن} أي من وساوس الشيطان التي كان يوسوس بها في أيام الجاهلية قناعة منه بما كانوا في حبالته من الشرك {وما كان لكم} أي وما صح وما استقام في حال من الأحوال {أن تؤذوا} وذكرهم بالوصف الذي هو سبب لسعادتهم واستحق به عليهم من الحق ما لا يقدرون على القيام بشكره فقال: {رسول الله} صلى الله عليه وسلم، أي الذي له جميع الكمال فله إليكم من الإحسان ما يستوجب منكم به غاية الإكرام والإجلال، فضلاً عن الكف عن الأذى، فلا تؤذوه بالدخول إلى شيء من بيوته بغير إذنه أو المكث بعد فراغ الحاجة ولا بغير ذلك. ولما كان قد قصره صلى الله عليه وسلم عليهن، ولزم ذلك بعد أن أحل له غيرهن قصرهن عليه بعد الموت زيادة لشرفه وإظهاراً لمزيته فقال: {ولا أن تنكحوا} أي فيما يستقبل من الزمان، {أزواجه من بعده} أي بعد فراقه لمن دخل منهن بموت أو طلاق لما تقدم أنه حي لم يمت {أبداً} فإن العدة منه ينبغي أن لا تنقضي لما له من الجلال والعظمة والكمال، وهو حي في قبره لا يزال، وثم علة أعم من هذه لمسها في الميراث، وهي قطع الأطماع عن امتدادها إلى شيء من الدنيا بعده لئلا يتمنى أحد موته صلى الله عليه وسلم ليأخذ ذلك فيكفر لأنه لا إيمان لمن لا يقدمه على نفسه، وأما العالية بنت ظبيان التي طلقها النبي صلى الله عليه وسلم. وتزوجت غيره فكان أمرها قبل نزول هذه الآية - ذكره البغوي عن معمر عن الزهري. ثم علل ذلك بقوله: {إن ذلكم} أي الإيذاء بالنكاح وغيره الذي ينبغي أن يكون على غاية البعد {كان عند الله} أي القادر على كل شيء {عظيماً *} وقد ورد في سبب نزول هذه الآية أشياء، روى أبو يعلى الموصلي في مسنده عن أنس رضي الله عنه قال: بعثتني أم سليم رضي الله عنها برطب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على طبق في أول ما أينع ثمر النخل قال: فدخلت عليه فوضعته بين يديه فأصاب منه ثم أخذ بيدي فخرجنا وكان حديث عهد بعرس زينب بنت جحش رضي الله عنها، قال: فمر بنساء من نسائه وعندهن رجال يتحدثون فهنأنه وهنأه الناس فقالوا: الحمد لله الذي أقر بعينك يا رسول الله، فمضى حتى أتى عائشة رضي الله عنها، فإذا عندها رجال، قال: فكره ذلك، وكان إذا كره الشيء عرف في وجهه، قال: فأتيت أم سليم فأخبرتها، فقال أبو طلحة رضي الله عنه: لئن كان ما قال ابنك حقاً ليحدثن أمر، قال: فلما كان من العشي خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فصعد المنبر ثم تلا هذه الآية {يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم} الآية، قال: وأمر بالحجاب وأصله في التفسير من جامع الترمذي، وروى البخاري وغيره عنه رضي الله عنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم عروساً بزينب رضي الله عنها، فقالت لي أم سليم: لو أهدينا للنبي صلى الله عليه وسلم هدية! فقلت لها: افعلي، فعمدت إلى تمر وأقط وسمن، فاتخذت حيسة في برمة، فأرسلت بها معي إليه، فقال لي: ضعها، ثم أمرني فقال لي: ادع لي رجالاً - سماهم - وادع لي من لقيت، ففعلت الذي أمرني، فرجعت فإذا البيت غاص بأهله - وفي رواية الترمذي ان الراوي قال: قلت لأنس: كم كانوا؟ قال: زهاء ثلاثمائة - فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم وضع يده على تلك الحيسة وتكلم بما شاء الله ثم جعل يدعو عشرة عشرة يأكلون منه، ويقول لهم: اذكروا اسم الله، وليأكل كل رجل مما يليه، حتى تصدعوا كلهم عنها، قال الترمذي: فقال لي: يا أنس، ارفع، فرفعت فما أدري حين وضعت كان أكثر أو حين رفعت - فخرج منهم من خرج وبقي نفر يتحدثون، قال: وجعلت أغتم - قال الترمذي: ورسول الله جالس وزوجته مولية وجهها إلى الحائط، فثقلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ وقال عبد الرزاق في تفسيره: فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يستحي منهم أن يقول لهم شيئاً - ثم خرج النبي صلى الله عليه وسلم نحو الحجرات وخرجت في أثره، فقلت: إنهم قد ذهبوا، فرجع فدخل البيت وأرخى الستر وإني لفي الحجرة وهو يقول: {يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم} الآية، وفي رواية الترمذي: ثم رجع، فلما رأوا رسول الله صلى الله عليه وسلم رجع ظنوا أنهم قد ثقلوا عليه، فابتدروا الباب، فخرجوا كلهم، وجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أرخى الستر ودخل وأنا جالس في الحجرة، فلم يلبث إلا يسيراً حتى خرج عليّ وأنزلت هذه الآيات، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأهن على الناس {يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي} الآية، وروى الشيخان وغيرهما عن أنس رضي الله عنه - وهذا لفظ البخاري - في روايات قال: بنى على رسول الله صلى الله عليه وسلم بزينب بنت جحش بخبز ولحم، فأرسلت على الطعام داعياً، فيجيء قوم يأكلون ويخرجون، ثم يجيء قوم فيأكلون ويخرجون، فدعوت حتى ما أجد أحداً أدعو، فقلت: يا نبي الله! ما أجد أحداً أدعو، قال: ارفعوا طعامكم، فجلسوا يتحدثون في البيت فإذا هو كأنه يتهيأ للقيام، فلم يقوموا، فلما رأى ذلك قام، فلما قام قام من قام، وقعد ثلاثة نفر، وفي رواية، ثلاثة رهط، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم فانطلق إلى حجرة عائشة رضي الله عنها فقال: السلام عليكم أهل البيت ورحمة الله. فقالت: وعليك السلام ورحمة الله، كيف وجدت أهلك، بارك الله لك! فتقرى حجر نسائه كلهن يقول لهن كما يقول لعائشة رضي الله عنها. ويقلن له كما قالت عائشة - رضي الله عنهن، ثم رجع النبي صلى الله عليه وسلم فإذا القوم جلوس، وكان النبي صلى الله عليه وسلم شديد الحياء فخرج منطلقاً، نحو حجرة عائشة رضي الله عنها، وفي رواية: أولم رسول الله صلى الله عليه وسلم حين بنى بزينب بنت جحش رضي الله عنها فأشبع الناس خبزاً ولحماً، ثم خرج إلى حجر أمهات المؤمنين كما كان يصنع صبيحة بنائه، فيسلم عليهن ويدعو لهن، ويسلمن عليه ويدعون له، فلما رجع إلى بيته رأى رجلين جرى بهما الحديث، فلما رآهما رجع عن بيته، فلما رأى الرجلان نبي الله صلى الله عليه وسلم رجع عن بيته وثبا مسرعين، فما أدري أنا أخبرته بخروجهما أو أخبر أن القوم خرجوا، فرجع حتى إذا وضع رجله في أسكفة الباب داخلة وأخرى خارجة أرخى الستر، وفي رواية: فذهبت أدخل فألقى الحجاب بيني وبينه، وأنزلت آية الحجاب {يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي} الآية، وللبخاري عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم: احجب نساءك قالت: فلم يفعل، وكان أزواج النبي صلى الله عليه وسلم يخرجن ليلاً إلى ليل قبل المناصع، خرجت سودة بنت زمعة وكانت امرأة طويلة رضي الله عنها، فرآها عمر بن الخطاب رضي الله عنه وهو في المجلس فقال: عرفتك يا سودة، حرصاً على أن ينزل الحجاب، قالت: فأنزل الله عز وجل الحجاب وللبخاري عن أنس رضي الله عنه ومسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما كلاهما عن عمر رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله! إن نساءك يدخل عليهن البر والفاجر، فلو أمرتهن أن يتحجبن، فنزلت آية الحجاب، وروي في السبب أشياء غير هذه، وقد تقدم أنه ليس ببدع أن يكون للآية الواحدة عدة أسباب مستوية الدرجة، أو بعضها أقرب من بعض، على أنه قد روى البخاري في التفسير في سياق هذه الآية ما هو صريح في أن قصة سودة بعد الحجاب عن عائشة رضي الله عنها، قالت: خرجت سودة بعد ما ضرب الحجاب لحاجتها وكانت امرأة جسيمة لا تخفى على من يعرفها، فرآها عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال: يا سودة! أما والله ما تخفين علينا، فانظري كيف تخرجين، قالت: فانكفأت راجعة ورسول الله صلى الله عليه وسلم في بيتي وإنه يتعشى وفي يده عرق, فدخلت فقالت: يا رسول الله! إني خرجت لبعض حاجتي، فقال لي عمر كذا وكذا، قالت: فأوحى الله إليه ثم رفع عنه وإن العرق في يده ما وضعه فقال: قد أذن لكن أن تخرجن لحاجتكن وهؤلاء الذين جلسوا - والنبي صلى الله عليه وسلم على ما هو عليه من الكراهة لجلوسهم بما ذكر من هيئته في حيائه وتهيئه للقيام ونحو ذلك - لم يستثمروا الفقه من أحواله، بل كانوا واقفين عندما يسمعونه من مقاله، وطريقة الكمل الاستبصار برسمه وحاله كما يستبصرون من قاله وفعاله، قال الحرالي: الحال كل هيئة تظهر عن انفعال باطن، ويختص بتفهمها المشاهد المتوسم، وذلك كضحكه صلى الله عليه وسلم للذي رآه يوم خيبر وقد أخذ جراب شحم من فيء يهود وهو يقول: لا أعطي اليوم من هذا أحداً شيئاً، وكتغير وجهه لعمر رضي الله عنه لما أخذ يقرأ عليه صحيفة من حكم الأولين حتى نبه عمر رضي الله عنه من توسم في وجهه صلى الله عليه وسلم الكراهة لفعل عمر، وإنباء كل حال منها يحسب ما يفيده الانفعال من الانبساط والانقباض والإعراض ونحو ذلك مما يتوسمه المتفطن، ويقطع بمقتضاه المتفهم، وأما الرسم فهو كل ما شأنه البقاء بعد غيبته ووفاته، فيتفهم منه المعتبر حكم وضعه ومقصد رسمه، كالذي يشاهد من هيئة بنائه مسجده على حال اجتزاء بأيسر ممكن وكبنائه بيوته على هيئة لا تكلف فيها، ولا مزيد علة مقدار الحاجة، وكمثل الكساء الملبد الذي تركه، وفراشه ونحو ذلك من متاع بيوته، وكما يتفهم من احتفاله في أداة سلاحه مثل كون سيفه محلى بالفضة وقبضته فضة، ومثل احتفاله بالتطيب حتى كان يرى في ثوبه وزره، فيتعرف من رسومه أحكامه، كما يتعرف من أحواله وأفعاله وأقواله، وذلك لأن جميع هذه الإبانات كلها هي حقيقة ما هو الكلام - انتهى. وبرهان ذلك أن الأصل في الكل الكلام النفسي الذي هو المنشأ، والقول والفعل والحال والرسم مترجمة عنه، وليس بعضها أحق بالترجمة من بعض، نعم بعضها أدل من بعض وأنص وأصرح، فتهيؤ النبي صلى الله عليه وسلم للقيام من بيته مثل لو قال: أريد أن تذهبوا، فإنه يلزم من قيام الرجل من بيته الذي هو محل ما يستره عن غيره أن يريد ذهاب، غيره منه لئلا يطلع على ما لا يحب أن يطلع عليه أحد، وإتيانه ليدخل فإذا رآهم رجع مثل لو قال: إنما يمنعني من الدخول إلى محل راحتي جلوسكم فيه لثقل جلوسكم عليّ، وكذا الأحوال والرسول - والله الهادي.

السيوطي

تفسير : أخرج البخاري وابن جرير وابن مردويه عن أنس رضي الله عنه قال‏:‏ قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه‏:‏ يا رسول الله يدخل عليك البر والفاجر، فلو أمرت أمهات المؤمنين بالحجاب، فأنزل الله آية الحجاب‏.‏ وأخرج أحمد وعبد بن حميد والبخاري ومسلم والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في سننه من طرق عن أنس رضي الله عنه قال‏:‏ ‏"‏لما تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم زينب بنت جحش رضي الله عنها دعا القوم، فطعموا ثم جلسوا يتحدثون، وإذا هو كأنه يتهيأ للقيام فلم يقوموا، فلما رأى ذلك قام، فلما قام قام من قام، وقعد ثلاثة نفر، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم ليدخل، فإذا القوم جلوس، ثم إنهم قاموا، فانطلقت فجئت، فاخبرت النبي صلى الله عليه وسلم أنهم قد انطلقوا، فجاء حتى دخل، فذهبت أدخل، فألقى الحجاب بيني وبينه، فأنزل الله تعالى ‏{‏يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏"‏‏. وأخرج الترمذي وحسنه وابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عن أنس رضي الله عنه قال: ‏"‏كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم فأتى باب امرأة عرس بها، فإذا عندها قوم، فانطلق فقضى حاجته، فرجع وقد خرجوا، فدخل وقد أرخى بيني وبينه ستراً، فذكرته لأبي طلحة فقال‏:‏ لئن كان كما تقول لينزلن في هذا شيء‏.‏ فنزلت آية الحجاب‏"‏‏. وأخرج ابن سعد وعبد بن حميد وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان عن أنس رضي الله عنه قال ‏"‏كنت أدخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم بغير إذن، فجئت يوماً لأدخل، فقال علي‏:‏ مكانك يا بني إنه قد حدث بعدك أمر، لا تدخل علينا إلا بإذن‏"‏‏. وأخرج ابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال ‏"‏حديث : دخل رجل على النبي صلى الله عليه وسلم، فأطال الجلوس، فقام النبي صلى الله عليه وسلم مراراً كي يتبعه ويقوم، فلم يفعل، فدخل عمر رضي الله عنه فرأى الرجل وعرف الكراهية في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنظر إلى الرجل المقعد فقال‏:‏ لعلك آذيت النبي صلى الله عليه وسلم، ففطن الرجل فقام، فقال النبي صلى الله عليه وسلم‏: لقد قمت مراراً كي يتبعني فلم يفعل، فقال عمر رضي الله عنه‏:‏ لو اتخذت حجاباً، فإن نساءك لسن كسائر النساء، وهو أطهر لقلوبهن‏.‏ فأنزل الله تعالى ‏ {‏يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏‏ .‏ فأرسل إلى عمر رضي الله عنه فأخبره بذلك ‏"‏‏. تفسير : وأخرج النسائي وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه بسند صحيح عن عائشة رضي الله عنها قالت‏:‏ كنت آكل مع النبي صلى الله عليه وسلم طعاماً في قعب، فمر عمر فدعاه فأكل، فاصابت أصبعه أصبعي فقال عمر‏:‏ أوه لو أطاع فيكن ما رأتكن عين‏.‏ فنزلت آية الحجاب‏. وأخرج ابن سعد عن ابن عباس قال‏:‏ نزل حجاب رسول الله في عمر‏.‏ أكل مع النبي طعاماً، فاصاب يده بعض أيدي نساء النبي صلى الله عليه وسلم، فأمر بالحجاب‏.‏ أخرج ابن سعد وابن جرير وابن مردويه عن أنس رضي الله عنه قال‏:‏ ما بقي أحد أعلم بالحجاب مني، ولقد سألني أبي بن كعب رضي الله عنه فقلت‏:‏ نزل في زينب‏. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة رضي الله عنه في قوله ‏{‏يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي‏} ‏ إلى قوله ‏ {‏غير ناظرين إناه‏} ‏ قال‏:‏ غير متحينين طعامه ‏{‏ولكن إذا دعيتم فادخلوا فإذا طعمتم فانتشروا‏} ‏ قال‏:‏ كان هذا في بيت أم سلمة رضي الله عنها أكلوا ثم أطالوا الحديث، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يخرج ويدخل‏.‏ ويستحي منهم والله لا يستحي من الحق ‏{‏وإذا سألتموهن متاعاً فاسألوهن من وراء حجاب‏} ‏ قال‏:‏ بلغنا أنهم أمروا بالحجاب عند ذلك ‏{‏لا جناح عليهن في آبائهن‏} ‏ قال‏:‏ فرخص لهن أن لا يحتجبن من هؤلاء‏. وأخرج عبد بن حميد عن الربيع بن أنس رضي الله عنه قال‏:‏ كانوا يجيئون، فيدخلون بيت النبي صلى الله عليه وسلم، فيجلسون، فيتحدثون ليدرك الطعام، فأنزل الله تعالى ‏ {‏يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم إلى طعام غير ناظرين إناه‏} ‏ ليدرك الطعام ‏{‏ولا مستأنسين لحديث‏}‏ ولا تجلسوا فتحدثوا‏. وأخرج الطستي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن نافع بن الأزرق قال له‏:‏ أخبرني عن قوله ‏{‏غير ناظرين إناه‏} ‏ قال‏:‏ الانا‏:‏ النضيج‏.‏ يعني إذا أدرك الطعام قال‏:‏ وهل تعرف العرب ذلك‏؟‏ قال‏:‏ نعم‏.‏ أما سمعت قول الشاعر‏:‏ شعر : ينعم ذاك الانا الغبيط كما ينعم غرب المحالة الجمل تفسير : وأخرج ابن جرير عن مجاهد ‏"أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يطعم ومعه بعض أصحابه، فاصابت يد رجل منهم يد عائشة رضي الله عنها، فكره ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فنزلت آية الحجاب‏"‏‏. وأخرج ابن جرير عن عائشة رضي الله عنها،‏ أن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم كن يخرجن بالليل إذا برزن إلى المناصع‏!‏ وهو صعيداً فيح‏.‏ وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول للنبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ أحجب نساءك، فلم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل، فخرجت سودة رضي الله عنها بنت زمعة ليلة من الليالي عشاء، وكانت امرأة طويلة، فناداها عمر رضي الله عنه بصوته ألا قد عرفناك يا سودة حرصاً على أن ينزل الحجاب، فأنزل الله تعالى الحجاب‏.‏ قال الله تعالى ‏ {‏يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ ‏. وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله ‏{‏غير ناظرين إناه‏} ‏ قال‏:‏ غير متحينين نضجه ‏ {‏ولا مستأنسين لحديث‏} ‏ بعد أن تأكلوا‏. وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن الضحاك رضي الله عنه في قوله ‏ {إناه‏} ‏ قال‏:‏ نضجه‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن سليمان بن أرقم رضي الله عنه في قوله ‏{‏ولا مستأنسين لحديث‏}‏ قال‏:‏ نزلت في الثقلاء‏. وأخرج الخطيب عن أنس رضي الله عنه قال‏:‏ كانوا إذا طعموا جلسوا عند النبي صلى الله عليه وسلم رجاء أن يجيء شيء، فنزلت ‏ {‏فإذا طعمتم فانتشروا ولا مستأنسين لحديث‏}‏ ‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله ‏ {‏وإذا سألتموهن متاعا‏ً} ‏ قال‏:‏ أزواج النبي صلى الله عليه وسلم عليهن الحجاب‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه في قوله ‏{‏وإذا سألتموهن متاعاً‏}‏ قال‏:‏ حاجة‏.‏ وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود رضي الله عنه قال‏:‏ فضل الناس عمر بن الخطاب رضي الله عنه بأربع‏:‏ بذكره الاسارى يوم بدر أمر بقتلهم، فأنزل الله ‏{‏أية : لولا كتاب من الله سبق‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ تفسير : ‏[‏الأنفال: 68‏]‏.‏ وبذكره الحجاب أمر نساء النبي صلى الله عليه وسلم أن يحتجبن فقالت له زينب رضي الله عنها‏:‏ وانك لتغار علينا يا ابن الخطاب والوحي ينزل في بيوتنا‏؟‏ فأنزل الله ‏ {‏وإذا سألتموهن متاعا‏ً}‏ ‏.‏ وبدعوة النبي صلى الله عليه وسلم‏"حديث : ‏اللهم أيد الإِسلام بعمر‏"‏تفسير : ‏.‏ وبرأيه في أبي بكر كان أول الناس بايعه‏. وأخرج ابن سعد عن محمد بن كعب رضي الله عنه قال‏:‏ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا نهض إلى بيته بادروه، فأخذوا المجالس، فلا يعرف بذلك في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا ببسط يده إلى الطعام مستحياً منهم، فعوتبوا في ذلك، فأنزل الله ‏{‏يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ ‏. وأخرج ابن سعد عن أنس رضي الله عنه قال‏:‏ نزل الحجاب مبتنى رسول الله صلى الله عليه وسلم بزينب بنت جحش رضي الله عنها، وذلك سنة خمس من الهجرة، وحجب نساؤه من يومئذ وأنا ابن خمس عشرة‏.‏ وأخرج ابن سعد عن صالح بن كيسان قال‏:‏ نزل حجاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على نسائه في ذي القعدة، سنة خمس من الهجرة‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردوية عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله ‏ {وما ‏كان لكم أن تؤذوا رسول الله‏.‏‏.‏‏.‏‏} ‏ قال‏:‏ نزلت في رجل هم أن يتزوّج بعض نساء النبي صلى الله عليه وسلم بعده قال سفيان‏:‏ ذكروا أنها عائشة رضي الله عنها‏. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال‏:‏ قال رجل‏:‏ لئن مات محمد صلى الله عليه وسلم لأتزوجن عائشة‏.‏ فأنزل الله ‏ {‏وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ ‏. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم قال‏:‏ بلغ النبي صلى الله عليه وسلم أن رجلاً يقول‏:‏ إن توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوجت فلانة من بعده، فكان ذلك يؤذي النبي صلى الله عليه وسلم، فنزل القرآن ‏ {‏وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏‏ . وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه قال‏:‏ بلغنا أن طلحة بن عبيد الله قال‏:‏ أيحجبنا محمد عن بنات عمنا، ويتزوج نساءنا من بعدنا، لئن حدث به حدث لنتزوجن نساءه من بعده‏.‏ فنزلت هذه الآية‏. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه قال‏:‏ قال طلحة بن عبيد الله‏:‏ لو قبض النبي صلى الله عليه وسلم تزوجت عائشة رضي الله عنها‏.‏ فنزلت ‏ {‏وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله‏.‏‏‏‏.‏‏}‏ ‏. وأخرج ابن سعد عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم في قوله ‏ {‏وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله‏.‏‏.‏‏.‏‏} ‏ قال‏:‏ نزلت في طلحة بن عبيد الله لأنه قال‏:‏ إذا توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوجت عائشة رضي الله عنها‏. وأخرج البيهقي في السنن عن ابن عباس رضي الله عنهما قال‏:‏ قال رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ لو قد مات رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوجت عائشة‏.‏ أو أم سلمة‏.‏ فأنزل الله ‏ {‏وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله‏.‏‏‏‏.‏‏}‏ ‏. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما "حديث : أن رجلاً أتى بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، فكلمها وهو ابن عمها‏.‏ فقال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ لا تقومن هذا المقام بعد يومك هذا فقال‏:‏ يا رسول الله إنها ابنة عمي، والله ما قلت لها منكراً، ولا قالت لي قال النبي صلى الله عليه وسلم‏: قد عرفت ذلك أنه ليس أحد أغير من الله، وأنه ليس أحد أغير مني، فمضى ثم قال‏:‏ يمنعني من كلام ابنة عمي‏ لأَتَزَوَّجَنَّها من بعده‏.‏ فأنزل الله هذه الآية، فاعتق ذلك الرجل رقبة، وحمل على عشرة ابعرة في سبيل الله، وحج ماشياً من كلمته ‏"‏‏. تفسير : وأخرج ابن مردويه عن أسماء بنت عميس رضي الله عنها قالت‏:‏ ‏"حديث : خطبني علي رضي الله عنه، فبلغ ذلك فاطمة رضي الله عنها، فأتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت‏:‏ إن أسماء متزوجة علياً فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم "ما كان لها أن تؤذي الله ورسوله"‏ ". تفسير : وأخرج البيهقي في السنن عن حذيفة رضي الله عنه أنه قال لامرأته‏:‏ إن سرك أن تكوني زوجتي في الجنة، فلا تتزوجي بعدي، فإن المرأة في الجنة لآخر أزواجها في الدنيا، فلذلك حرم أزواج النبي صلى الله عليه وسلم أن ينكحن بعده، لأنهن أزواجه في الجنة‏. وأخرج ابن سعد عن أبي امامة بن سهل بن حنيف في قوله ‏{إن تبدوا شيئاً أو تخفوه‏} ‏ قال‏:‏ أن تتكلموا به فتقولون‏:‏ نتزوج فلانة لبعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، أو تخفوا ذلك في أنفسكم، فلا تنطقوا به يعلمه الله‏. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر والبيهقي في سننه عن ابن شهاب رضي الله عنه قال‏:‏ بلغنا أن العالية بنت ظبيان طلقها النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يحرم نساؤه على الناس، فنكحت ابن عم لها وولدت فيهم‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل رضي الله عنه في قوله ‏{‏إن تبدوا شيئا‏ً} ‏ قال‏:‏ مما يكرهه النبي صلى الله عليه وسلم ‏ {‏أو تخفوه في أنفسكم فإن الله كان بكل شيء عليما‏ً} ‏ يقول‏:‏ فإن الله يعلمه‏.

ابو السعود

تفسير : {يأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتَ ٱلنَّبِىّ} شروعٌ في بـيانِ ما يجبُ مراعاتُه على النَّاسِ من حُقوقِ نساءِ النبـيِّ عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إثرَ بـيانِ ما يجبُ مُراعاتُه عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ منَ الحقوقِ المُتعلقةِ بهنَّ. وقولُه تعالى {إِلاَّ أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ} استثناءٌ مفرَّغٌ من أعمِّ الأحوالِ أي لا تدخلُوها في حالٍ من الأحوالِ إلا حالَ كونِكم مأذوناً لكم، وقيل: من أعمِّ الأوقاتِ أي لا تدخلُوها في وقتٍ من الأوقاتِ إلا وقتَ أنْ يُؤذنَ لكُم وردَّ عليهِ بأنَّ النُّحاةَ نصُّو على أنَّ الوقوعَ موقعَ الظَّرفِ مختصٌّ بالمصدرِ الصَّريحِ دُونَ المؤولِ لا يُقال آتيكَ أنْ يصيحَ الدِّيكُ وإنَّما يقالُ آتيكَ صياحَ الدِّيكِ. وقولُه تعالى {إِلَىٰ طَعَامٍ} متعلَّقٌ بـيؤذنُ بتضمينِ معنى الدُّعاءِ للإشعارِ بأنَّه لا ينبغِي أنْ يدخلُوا على الطَّعامِ بغيرِ دعوةٍ وإنْ تحققَ الإذنُ كما يُشعر بهِ قولُه تعالى {غَيْرَ نَـٰظِرِينَ إِنَـٰهُ} أي غيرَ منتظرينَ وقتَهُ أو إدراكَه وهو حالٌ من فاعلِ لا تدخلوُا على أنَّ الاستثناءَ واقعٌ على الوقتِ والحالِ معاً عندَ مَنْ يُجوزه أو من المجرورِ في لكُم. وقُرىء بالجرِّ صفةً لطعامٍ فيكون جارياً على غيرِ مَن هُو له بلا إبرازِ الضِّميرِ ولا مساغٍ له عند البصريـينَ. وقُرىء بالإمالةِ لأنَّه مصدرٌ أنَى الطعامَ أي أدركَ. {وَلَـكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَٱدْخُلُواْ} استدراكٌ من النَّهيِ عن الدُّخولِ بغيرِ إذنٍ وفيهِ دلالةٌ بـيِّنةٌ على أنَّ المرادَ بالإذنِ إلى الطَّعامِ هو الدَّعوةُ إليهِ {فَإِذَا طَعِمْتُم فَٱنتَشِرُواْ} فتفرقُوا ولا تلبثُوا لأنَّه خطابٌ لقومٍ كانوا يتحيَّنون طعامَ النَّبـيِّ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ فيدخُلون ويقعدُون منتظرين لإدراكِه مخصوصةً بهم وبأمثالِهم وإلاَّ لمَا جازَ لأحدٍ أنْ يدخلَ بـيوتَه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ بإذنٍ لغيرِ الطَّعامِ ولا اللبثِ بعد الطعامِ لأمرٍ مُهمَ {وَلاَ مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ} أي لحديثِ بعضِكم بَعضاً أو لحديثِ أهلِ البـيتِ بالتَّسمعِ له. عطفٌ على ناظرينَ أو مقدَّرٌ بفعلٍ أي ولا تدخلُوا ولا تمكثُوا مستأنسين الخ. {إِنَّ ذَلِكُمْ} أي الاستئناسُ الذي كنتُم تفعلونَهُ من قبل {كَانَ يُؤْذِى ٱلنَّبِىّ} لتضيـيقِ المنزَّلِ عليهِ وعلى أهلِه وإيجابِه للاشتغالِ بما لا يَعنيه وصدِّه عن الاشتغالِ بما يعنيهِ {فَيَسْتَحِى مّنكُمْ} أي من إخراجِكم لقولِه تعالى {وَٱللَّهُ لاَ يَسْتَحْىِ مِنَ ٱلْحَقّ} فإنَّه يستدعِي أنْ يكونَ المستحىٰ منه أمراً حقَّاً متعلِّقاً بهم لا أنفسَهم، وما ذلك إلا إخراجهم فينبغي أنْ لا يُترك حياءً ولذلك لم يتركْه تعالى وأمرَكم بالخروجِ. والتَّعبـيرُ عنه بعدم الاستحياءِ للمشاكلةِ. وقُرىء لا يستحِي بحذفِ الياءِ الأُولى وإلقاءِ حركتِها إلى ما قبلَها. {وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ} الضَّميرُ لنساءِ النبـيِّ المدلولِ عليهنَّ بذكرِ بـيوتِه عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ {مَّتَـٰعًا} أي شيئاً يُتمتَّعُ بهِ من الماعونِ وغيرِه {فَٱسْـئَلُوهُنَّ} أي المتاعَ {مِن وَرَاء حِجَابٍ} أي سترٍ. روُي أنَّ عمرَ رضي الله عنه قالَ يا رسولَ الله يدخلُ عليكَ البرُّ والفاجرُ فلو أمرتَ أمَّهاتِ المؤمنينَ بالحجابِ فنزلتْ. وقيلَ: إنَّه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ كان يَطعمُ ومعه بعضُ أصحابِه فأصابتْ يدُ رجلٍ منهُم يدَ عائشةَ رضي الله عنها فكرِه النبـيُّ ذلكَ فنزلتْ {ذٰلِكُمْ} أي ما ذُكر من عدمِ الدُّخولِ بغير إذنٍ وعدم الاستئناسِ للحديثِ عند الدُّخولِ وسؤالِ المتاعِ من وراءِ حجابٍ {أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ} أي أكثرُ تطهيراً من الخواطرِ الشَّيطانيَّةِ. {وَمَا كَانَ لَكُمْ} أي وما صحَّ وما استقامَ لكُم {أَن تؤْذُواْ رَسُولَ ٱللَّهِ} أي أنْ تفعلُوا في حياتِه فعلاً يكرهه ويتأذَّى به {وَلاَ أَن تَنكِحُواْ أَزْوَاجَهُ مِن بَعْدِهِ أَبَداً} أي بعدَ وفاتِه أو فراقِه {إِنَّ ذَلِكُمْ} إشارةٌ إلى ما ذُكر منْ إيذائِه عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ونكاحِ أزواجهِ من بعده وما فيهِ من مَعْنى البُعدِ للإيذانِ ببُعدِ منزلتِه في الشرِّ والفسادِ {كَانَ عِندَ ٱللَّهِ عَظِيماً} أي أمراً عظيماً وخطباً هائلاً لا يُقادر قدرُه. وفيهِ من تعظيمِه تعالى لشأنِ رسولِه صلى الله عليه وسلم وإيجابِ حُرمتِه حيَّاً وميِّتاً ما لا يخفى ولذلكَ بالغَ تعالى في الوعيدِ حيثُ قال:

القشيري

تفسير : قوله جلّ ذكره: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتَ ٱلنَّبِيِّ إِلاَّ أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَىٰ طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَـكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَٱدْخُلُواْ} الآية. أَمَرَهم بحفظ الأدب في الاستئذان، ومراعاة الوقت، ووجوب الاحترام؛ فإذا أُذِنَ لكم فادخلوا على وجه الأدب، وحِفْظِ أحكام تلك الحضرة، وإذا انتهت حوائجكم فاخرجوا، ولا تتغافلوا عنكم، ولا يَمْنَعَنَّكُم حُسْنُ خُلُقِه من حِفْظِ الأدب، ولا يحملنَّكم فرطُ احتشامِه على إبرامه. {فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَٱنْتَشِرُواْ وَلاَ مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَٰلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي ٱلنَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنكُمْ}: حُسْنُ خُلُقِه - صلى الله عليه وسلم - جَرَّهم إلى المباسطة معه، حتى أنزل اللَّهُ هذه الآية. {وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فَٱسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَآءِ حِجَابٍ ذٰلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ}: نَقَلَهم عن مألوفِ العادة إلى معروف الشريعة ومفروض العبادة، وبَيَّنَ أن البَشَرَ بَشَرٌ - وإن كانوا من الصحابة، فقال: {ذٰلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ}. فلا ينبغي لأحدٍ أن يأمن نفسه - ولهذا يُشَدَّدُ الأمرُ في الشريعة بألا يخلوَ رجلٌ بامرأة ليس بينهما مَحْرَمَة. قوله جلّ ذكره: {وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تؤْذُواْ رَسُولَ ٱللَّهِ وَلاَ أَن تَنكِحُوۤاْ أَزْوَاجَهُ مِن بَعْدِهِ أَبَداً إِنَّ ذٰلِكُمْ كَانَ عِندَ ٱللَّهِ عَظِيماً}. وهذا من خصائصه - صلى الله عليه وسلم، وفي هذا شبه رخصة لمن يلاحظ شيئاً من هذا، فيهتم بالاتصال مَنْ له مَيْلٌ إلَيهنَّ بغيرهن بعد وفاته - وإِنْ كان التحرُّزُ عنه - وعن أمثال هذا مِنْ تَرْكِ الحظوظ - أتمَّ وأعلى.

اسماعيل حقي

تفسير : {يا ايها الذين آمنوا} [آورده اندكه جون حضرت ييغمبر عليه السلام زينب را رضى الله عنها بحكم ربانى قبول فرموده وليمة ترتيب نمود ومردم را طلبيده دعوتى مستوفى داد وجون طعام خورده شد بسخن مشغول كشتند وزينب در كوشه خانه روى بديوار نشسته بود حضرت عليه السلام ميخواست كه مردمان بروند آخر خود از مجلس برخاست وبرفت صحابه نيزبر فتند وسه كس مانده همجنان سخن ميكفتند حضرت بدرخانة آمد وشرم ميداشت كه ايشانرا عذر خواهد وبعد ازانتظار بسياركه خلوت شد آيت حجاب نازل شد] ـ روى ـ ان ناسا من المؤمنين كانوا ينتظرون وقت طعام رسول الله فيدخلون ويقعدون الى حين ادراكه ثم يأكلون ولا يخرجون وكان رسول الله يتأذى من ذلك فقال تعالى {يا ايها الذين آمنوا} {لا تدخلوا بيوت النبى} حجراته فى حال من الاحوال {الا ان يؤذن لكم} الاحال كونكم مأذونا لكم ومدعوا {الى طعام} [بس آن هنكام در آييد] وهو متعلق بيؤذن لانه متضمن معنى يدعى للاشعار بانه لا يحسن الدخول على الطعام من غير دعوة وان اذن به كما اشعر به قوله {غير ناظرين انيه} حال من فاعل لا تدخلوا على ان الاستثناء وقع على الظرف والحال كأنه قيل لا تدخلوا بيوت النبى الا حال الاذن ولا تدخلوها الا غير ناظرين اناه اى غير منتظرين وقت الطعام او ادراكه وهو بالقصر والكسر مصدر انى الطعام اذا ادرك. قال فى المفردات الانا اذا كسر اوله قصروا واذا فتح مد وانى الشئ يأنى قرب اناه ومثله آن يئين اى حان يحين. وفيه اشارة الى حفظ الادب فى الاستئذان ومراعاة الوقت وايجاب الاحترام {ولكن اذا دعيتم فادخلوا} استدراك من النهى عن الدخول بغير اذن وفيه دلالة بينة على ان المراد بالاذن الى الطعام هو الدعوة اليه اى اذا اذن لكم فى الدخول ودعيتم الى الطعام فادخلوا بيوته على وجوب الادب وحفظ احكام تلك الحضرة {فاذا طعمتم} الطعام وتناولتم فان الطعم تناول الغذاء: وبالفارسية [بس جون طعام خورديد] {فانتشروا} فتفرقوا ولا تمكثوا: وبالفارسية [بس برا كنده شرويد ازخانهاى او] هذه الآية مخصوصة بالداخلين لاجل الطعام بلا اذن وامثالهم والا لما جاز لاحد ان يدخل بيوته بالاذن لغير الطعام ولا اللبث بعد الطعام لامر مهم {ولا مستأنسين} [الاستئناس: انس كرفتن] وهو ضد الوحشة والنفور {لحديث} الحديث يستعمل فى قليل الكلام وكثيره لانه يحدث شيئا فشيئا وهو عطف على ناظرين او مقدر بفعل اى ولا تدخلوا طالبين الانس لحديث بعضكم او لحديث اهل البيت بالتسمع له: وبالفارسية [ومنشينيد آرام كرفتكان براى سخن بيكديكر]. وفى التأويلات النجمية اذا انتهت حوائجكم فاخرجوا ولا تتغافلوا ولا يمنعكم حسن خلقه من حسن الادب ولا يحملنكم فرط احتشامه على الابرام عليه وكان حسن خلقه جسرهم على المباسطة معه حتى انزل الله هذه الآية {ان ذلكم} اى الاستئناس بعد الاكل الدال على اللبث {كان يؤذى النبى} [مى رنجاند وآزرده كند ييغمبررا] لتضييق المنزل عليه وعلى اهله واشغاله فيما لا يعنيه. والاذى ما يصل الى الانسان من ضرر اما فى نفسه او فى جسمه او فتياته دنيويا كان او اخرويا {فيستحى منكم} محمول على حذف المضاف اى من اخراجكم بدليل قوله {والله لا يستحيى من الحق} فانه يستدعى ان يكون المستحيى منه امرا حقا متعلقا بهم لانفسهم وما ذكل الا اخراجهم. يعنى ان اخراجكم حق فينبغى ان لا يترك حياء ولذلك لم يترك الله ترك الحى وامركم بالخروج والتعبير عن عدم الترك بعدم الاستحياء للمشاكلة وكان عليه السلام اشد الناس حياء واكثرهم عن العورات اغضاء وهو التغافل عما يكره الانسان بطبيعته. والحياء رقة تعترى وجه الانسان عند فعل ما يتوقع كراهته او ما يكون تركه خيرا من فعله. قال الراغب الحياء انقباض النفس عن القبائح وتركه لذلك ـ روى ـ ان الله تعالى يستحيى من ذى الشيبة المسلم ان يعذبه فليس يراد به انقباض النفس اذ هو تعالى منزه عن الوصف بذلك وانما المراد به ترك تعذيبه وعلى هذا ما روى ان الله تعالى حى اى تارك للمقابح فاعل للمحاسن. ثم فى الآية تأديب للثقلاء. قال الاحنف نزل قوله تعالى {فاذا طعمتم فانتشروا} فى حق الثقلاء فينبغى للضيف ان لا يجعل نفسه ثقيلا بل يخفف الجلوس وكذا حال العائد فان عيادة المرضى لحظة قيل للاعمش ما الذى اعمش عينيك قال النظر الى الثقلاء قيل شعر : اذا دخل الثقيل بارض قوم فما للساكنين سوى الرحيل تفسير : وقيل مجالسة الثقيل حمى الروح. وقيل لأنوشروان ما بال الرجل يحمل الحمل الثقيل ولا يحمل مجالسة الثقيل قال يحمل الحمل بجميع الاعضاء والثقيل تنفرد به الروح. قيل من حق العاقل الداخل على الكرام قلة الكلام وسرعة القيام. ومن علامة الاحمق بالجلوس فوق القدر والمجيئ فى غير الوقت. وقد قالوا اذا اتى باب اخيه المسلم يستأذن ثلاثا ويقول فى كل مرة السلام عليكم يا اهل البيت ثم يقول أيدخل فلان ويمكث بعد كل مرة مقدار ما يفرغ الآكل من اكله ومقدار ما يفرغ المتوضئ من وضوئه والمصلى باربع ركعات من صلاته فان اذن دخل وخفف والارجع سالما عن الحقد والعداوة. ولا يجب الاستئذان على من ارسل اليه صاحب البيت رسولا فاتى بدعوته. قال فى كشف الاسرار [ادب نهايت قال است وبدايت حال حق جل جلاله اول مصطفى را عليه السلام بادب بيارست بس بخلق فرستاد: كما قال "حديث : ادبنى ربى فاحسن تأديبى"تفسير : . عام را هرعضوى ازاعضاى ظاهر ادبى بايد والا هالكند. وخاص راهر عضوى از اعضاى باطن ادبى بايد والا هالكند. وخاص الخاص درهمه اوقات ادب بايد قال المولى الجامى] شعر : ادبوا النفس ايها الاحباب طرق العشق كلها آداب مايه دولت ابد ادبست بايه رفعت خرد ادبست جيست آن داد بندكى دادن بر حدود خداى ايستادن قول وفعل از شنيدن وديدن بموازين شرع سنيجدن باحق وخلق وشيخ ويار ورفيق ره سيردن بمقتضاى طريق حركات جوارح واعضا راست كردن بحكم دين هدا خطرات وخواطر واوهام باك كردن زشوب نفس تمام دين واسلام در ادب طلبيست كفر وطغيان زشوم بى ادبيست تفسير : ومن الله التوفيق للآداب الحسنة والافعال المستحسنة {واذا سألتموهن متاعا} الماعون وغيره {فاسألوهن} اى المتاع {من وراء حجاب} من خلف ستر: وبالفارسية [ازبس برده] ويقال خارج الباب {ذلكم} اى سؤال المتاع من وراء الحجاب {اطهر لقلوبكم وقلوبهن} اى اكثر تطهيرا من الخواطر النفسانية والخيالات الشيطانية فان كل واحد من الرجل والمرأة اذا لم ير الآخر لم يقع فى قلبه شئ. قال فى كشف الاسرار نقلهم عن مألوف العادة الى معروف الشريعة ومفروض العبادة وبين ان البشر بشر وان كانوا من الصحابة وازواج النبى عليه السلام فلا يأمن احد على نفسه من الرجال والنساء ولهذا شدد الامر فى الشريعة بان لا يخلو رجل بامرأة ليس بينهما محرمية كما قال عليه السلام "حديث : لا يخلوّن رجل بامرأة فان ثالثهما الشيطان " تفسير : وكان عمر رضى الله عنه يحب ضرب الحجاب عليهن محبة شديدة وكان يذكره كثيرا ويود ان ينزل فيه وكان يقول لو اطاع فيكن ما رأتكن عين وقال يا رسول الله يدخل عليك البر والفاجر فلو امرت امهات المؤمنين بالحجاب فنزلت ـ روى ـ انه مر عليهن وهن مع النساء فى المسجد فقال احتجبن فان لكن على النساء فضلا كما ان لزوجكن على الرجال الفضل فقالت زينب انك يا ابن الخطاب لتغار علينا والوحى ينزل فى بيوتنا: يعنى [اكر مراد الله بود خود فرمايد وحاجت بغيرت تو نباشد تادرين حديث بودند بروفق قول عمر رضى الله عنه آيت حجاب فرود آمد {واذا سألتموهن} الخ. وعن عائشة رضى الله عنها ان ازواج النبى عليه السلام كن يخرجن الليل لحاجتهن وكان عمر يقول للنبى احجب نساءك فلم يكن يفعل فخرجت سودة بنت زمعة ليلة من الليالي عشيا وكانت امرأة طويلة فناداها عمر ألا قد عرفناك يا سودة حرصا على ان تنزل آية الحجاب فانزلها الله تعالى وكانت النساء قبل نزول هذه الآية يبرزن للرجال [وبعد ازنزولش حكم شد تاهمه زنان برده فروكذاشتند] ولم يكن لاحد ان ينظر الى امرأة من نساء رسول الله متنقبة كانت او غير متنقبة: يعنى [بعد ازنزول آيت حجاب هيج كس را روا نبود كه درزنى از زنان رسول نكر ستند اكر در نقاب بودى يابى نقاب] واستدل بعض العلماء باخذ الناس عن ازواج النبى عليه السلام من وراء الحجاب على جواز شهادة الاعمى اذا تيقن الصوت وهو مذهب مالك واحمد ولم يجزها ابو حنيفة سواء كانت فيما يسمع او لا خلافا لابى يوسف فيما اذا تحملها بصيرا فان العلم حصل له بالنظر وقت التحمل وهو العيان فاداؤه صحيح اذ لا خلل فى لسانه وتعريف المشهود عليه يحصل بذكر نسبه ولابى حنيفة انه يحتاج فى ادائها الى التمييز بين الخصمين وهو لا يفرق بينهما الا بالنغمة وهى لا تعتبر لانها تشبه نغمة اخرى ويخاف عليه التلقين من الخصم والمعرفة بذكر النسب لا تكفى لانه ربما يشاركه غيره فى الاسم والنسب وهذا الخلاف فى الدين والعقار لا فى المنقول لان شهادة لا تقبل فيه اتفاقا لانه يحتاج الى الاشارة والدين يعرف ببيان الجنس والوصف والعقار بالتحديد وكذا قال الشافعى تجوز شهادة الاعمى فيما رآه قبل ذهاب بصره او يقر فى اذنه فيتعلق به حتى يشهد عند قاض به {وما كان لكم} اى وما صح وما استقام لكم {ان تؤذوا رسول الله} اى ان تفعلوا فى حياته فعلا يكرهه ويتأذى به {ولا ان تنكحوا ازواجه} [زنان اوراكه مدخول بها باشد] {من بعده} اى من بعد وفاته او فراقه {ابدا} فان فيه تركا لمراعاة حرمته فانه اب وازواجه امهات ويقال لانهن ازواجه فى الدنيا والآخرة كما قال عليه السلام "حديث : شارطت ربى ان لا اتزوج الا من تكون معى فى الجنة" تفسير : ولو تزوجن لم يكنّ معه فى الجنة لان المرأة لآخر ازواجها لما روى ان ام الدرداء رضى الله عنها قالت لابى الدرداء رضى الله عنه عند موته انك خطبتنى من ابوىّ فى الدنيا فانكحاك فانى اخطبك الى نفسى فى الآخرة فقال لها لا تنكحى بعدى فخطبها معاوية بن ابى سفيان فاخبرته بالذى كان وابت ان تتزوجه ـ روى ـ عن حذيفة رضى الله عنه انه قال لامرأته ان اردت ان تكونى زوجى فى الجنة فلا تتزوجى بعدى فان المرأة لآخر ازواجها ـ روى ـ فى خبر آخر بخلاف هذا وهو حديث : ان ام حبيبة رضى الله عنها قالت يا رسول الله ان المرأة منا اذا كان لها زوجان لايهما تكون فى الآخرة فقال "انها تخير فتختار احسنهما خلقا منهما" ثم "قال يا ام حبيبة ان حسن الخلق ذهب بالدنيا والاخرة" تفسير : والحاصل انه يجب على الامة ان يعظموه ويوقروه فى جميع الاحوال فى حال حياته وبعد وفاته فانه يقدر ازدياد تعظيمه وتوقيره فى القلوب يزداد نور الايمان فيها وللمريدين مع الشيوخ فى رعاية امثال هذا الادب اسوة حسنة لان الشيخ فى قومه كالنبى فى امته كما سبق بيانه عند قوله {وازواجه امهاتهم}. وفى الآية اشارة الى ان قوى النفس المحمدية من جهة الراضية والمرضية والمطمئنة بطبقاتها بكلياتها متفردة بالكمالات الخاصة للحضرة الاحمدية دنيا وآخرة فافهم سر الاختصاص والتشريف. ثم ان اللاتى طلقهن النبى عليه السلام اختلف فيهن ومن قال بحلهن فلانه عليه السلام قطع العصمة حيث قال "حديث : ازواجى فى الدنيا هن ازواجى فى الآخرة" تفسير : فلم يدخلن تحت الآية والصحيح ان من دخل بها النبى عليه السلام ثبتت حرمتها قطعا فخص من الآية التى لم يدخل بها لما روى ان الاشعث بن قيس تزوج المستعيذة فى ايام خلافة عمر رضى الله عنه فهمّ برجمهما فاخبر بانه عليه السلام فارقها قبل ان يمسها فترك من غير نكير. وسبب نزول الآية ان طلحة بن عبيد الله التيمى قال لئن مات محمد لاتزوجن عائشة وفى لفظ تزوج محمد بنات عمنا ويحجبهن عنا يعنى يمنعنا من الدخول على بنات عمنا لانه وعائشة كانت من بنى تيم ابن مرة فقال لئن مات لاتزوجن عائشة من بعده فنزل فيه قوله تعالى {وما كان لكم} الآية. قال الحافظ السيوطى وقد كنت فى وقفة شديدة من صحة هذا الخبر لان طلحة احد العشرة المبشرين بالجنة اجل مقاما من ان يصدر منه ذلك حتى رأيت انه رجل آخر شاركه فى اسمه واسم ابيه ونسبته كما فى انسان العيون {ان ذلكم} يعنى ايذاءه ونكاح ازواجه من بعده {كان عند الله عظيما} اى ذنبا عظيما وامرا هائلا [زيرا كه حرمت آن حضرت لازمست درحيات او وبعد از وفات او بلكه حيات وممات او دراداى حقوق تعظيم يكسانست جه خلعت خلافت ولباس شفاعت كبرى بس از وفات بر بالاى اعتدال او دوخته اند] شعر : قباى سلطنت هو دو كون تشريفست كه جز يقامت زيباى او نيامد راست تفسير : ثم بالغ فى الوعيد

ابن عجيبة

تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتَ ٱلنَّبِيِّ إِلاَّ أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَىٰ طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَـكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَٱدْخُلُواْ فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَٱنْتَشِرُواْ وَلاَ مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي ٱلنَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنكُمْ وَٱللَّهُ لاَ يَسْتَحْيِي مِنَ ٱلْحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فَٱسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَآءِ حِجَابٍ ذٰلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ...}. يقول الحق جلّ جلاله: {يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتَ النبي} وكانت تسعاً، {إلا أن يُؤذنَ لكم إِلى طعامٍ} أي: إلا وقت أن يُؤذن لكم، أو: إلا مأذوناً لكم، فجملة: {إلا أن يُؤذن}: في موضع الحال، أو الظرف. و {غير ناظرين}: حال من {لا تدخلوا}، وقع الاستثناء على الوقت الحال، كأنه قيل: لا تدخلوا بيوت النبي إلا وقت الإذن، ولا تدخلوها إلا {غير ناظرين} أي: منتظرين {إِنَاهُ} أي: إدراكه ونضجه. قال ابن عزيز: إِناهُ بلوغ وقته، يقال: أنِيَ يَأنَى، وآن يئين: إذا شهى، بمنزلة: حان يحين. هـ. وقال الهروي: أي: غير ناظرين نضجه وبلوغ وقته، مكسور الهمزة مقصور، فإذا فتحت مددت، فقلت: الإناء، أي غير ناظرين وقت الطعام وساعة أكله. رُوي أن النبي صلى الله عليه وسلم أَوْلَمَ على زينب بتمر وسويق، وذبح شاةً، وأمر أنساً أن يدعو الناس، فترادفوا أفواجاً، يأكل كل فوج، فيخرج، ثم يدخل فوج، إلى أن قال: يا رسول الله دعوتُ حتى ما أجد أحداً أدعوه. فقال: "حديث : أرفعوا طعامكم" تفسير : وتفرّق الناس، وبقي ثلاثة نفر يتحدثون، فأطالوا، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم ليخرجوا، فطاف بالحجرات، وسلّم عليهن، ودعون له، ورجع، فإذا الثلاثة جلوس يتحدثون. وكان صلى الله عليه وسلم شديد الحياء، فتولى، فلما رأوه متولياً خرجوا، فنزلت الآية، وهي آية الحجاب. قال أنس: فضرب بيني وبينه الحجاب. قال تعالى: {ولكن إِذا دُعيتم فادخلوا فإِذا طَعِمْتُم فانتشروا} تفرقوا، {ولا مستأنسين لحديثٍ} أي: ولا تدخلوها حال كونكم مستأنسين لحديث، أو: غير ناظرين ولا مستأنسين، فهو منصوب، أو مجرور، عطف على "ناظرين"، نُهوا أن يُطيلوا الجلوس في بيته صلى الله عليه وسلم مستأنسين بعضهم ببعض، لأجل حديث يتحدثون به، {إِن ذلكم كان يُؤذي النبيَّ فيستَحْي منكم} من إخراجكم؛ {والله لا يستحي من الحق} يعني أن إخراجكم حق، ما ينبغي أن يُستحى منه، ولا يُترك بيانه، حياءً، أو: لا يأمر بالحياء في الحق، ولا يَشرع ذلك. {وإِذا سألتموهنّ} أي: نساء النبي صلى الله عليه وسلم، بدلالة البيوت عليهن؛ لأن فيها نساءه، {متاعاً} عارية أو حاجة، {فاسألوهنّ من وراءِ حجابٍ} ستر، {ذلكم أطهرُ لقلوبكم وقلوبهنّ} من خواطر الشيطان وعوارض الفتن. وكانت النساء قبل هذه الآية يبرزن للرجال، وكان عمر رضي الله عنه يُحب ضَرْبَ الحجاب عليهن، ويودّ أن ينزلَ فيه، وقال: يا رسول الله: يدخل عليك البرّ والفاجر، فلو أمرتَ أمهاتِ المؤمنين بالحجاب؟ فنزلت. وقيل: إنه عليه الصلاة والسلام، كان يَطعمَ ومعه بعض أصحابه، فأصابت يدُ رجلٍ يدَ عائشة، فكَرِهَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم ذلك فنزلت الآية. والله تعالى أعلم. الإشارة: العلماء ومشايخ التربية ورثة الأنبياء، فإذا دَعوا إلى طعام فلا يدخل أحد حتى يُؤذن له، فإذا طعموا فلينتشروا، وإذا سأل أحدٌ حاجته من أهل دار الشيخ؛ فليسأل من وراء الباب، وليتنحَّ عن مقابلة الباب؛ لئلا يتكشف على عِرض شيخه، فيسيء الأدب معه، وهو سبب الخسران. ثم نهى عن تزوج نساء النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: {.... وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تؤْذُواْ رَسُولَ ٱللَّهِ وَلاَ أَن تَنكِحُوۤاْ أَزْوَاجَهُ مِن بَعْدِهِ أَبَداً إِنَّ ذٰلِكُمْ كَانَ عِندَ ٱللَّهِ عَظِيماً إِن تُبْدُواْ شَيْئاً أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً}. يقول الحق جلّ جلاله: {وما كان لكم أن تُؤذوا رسولَ الله} أي: ما صحَّ لكم إيذاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو كفر، {ولا أن تَنكِحُوا أزواجَه من بعده أبداً} تعظيماً لحُرمته صلى الله عليه وسلم، ولبقاء عصمته عليهن، ولذلك وجبت نفقتهن بعده، لقوله: "حديث : ما بقي بعد نفقة أهلي صدقة" تفسير : . وكذا السكنى كما قد علم، وبه قال ابن العربي. وعَطفُ (ولا أن تنكحوا) على (أن تؤذوا) من عطف الخاص على العام؛ إذ تزوج نسائه من أعظم الإيذاء. {إِنَّ ذلكم} أي: الإيذاء أو التزوُّج {كان عند الله} ذنباً {عظيماً}. {إِن تُبدوا شيئاً} من أذى رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو نكاح أزواجه، {أو تُخفوه} في أنفسكم، {فإِنَّ الله كان بكل شيءٍ عليماً} فيُعاقبكم عليه. رُوي أن رجلاً من الصحابة قال: لئن قُبض النبي صلى الله عليه وسلم لأنكحنَّ عائشة، فنزلت، فَحُرّمن. وفيه نزلت: {إن تبدوا شيئاً} أي: من نكاح عائشة، {أو تخفوه...} إلخ. وكان ـ عليه الصلاة والسلام ـ مَلَك قتيبة بنت الأشعث بن قيس، ولم يبنِ بها، فتزوجها عكرمة بن أبي جهل، بعد ذلك، فهمَّ به أبو بكر، وشقّ عليه، حتى قال له عمر: يا خليفة رسول الله، ليست من نسائه، ولم يُخيرها، ولم يحجبها، وقد برأها الله منه بالردة، حين ارتدت مع قومها، فسكن أبو بكر. وقال الزهري: إن العالية بنت ظبيان، التي طلق النبيُّ صلى الله عليه وسلم تزوجت رجلاً وولدت له قبل أن يحرم أزواج النبي صلى الله عليه وسلم. الإشارة: مذهب الصوفية تشديد الأدب مع الأشياخ، فإذا مات الشيخ، أو طلَّق امرأة بعد الدخول، فلا يتزوجها أحد من تلامذته أبداً، تعظيماً وأدباً مع الشيخ. وأما تزوج بنت الشيخ فلا بأس، إن قدر على القيام بالأدب معها، والصبر على أذاها، وإلا فالبُعد أحسن وأسلم، والله تعالى أعلم. قال القشيري: قوله تعالى: {إن تبدوا شيئاً...} الآية: حِفْظُ القلبِ مع الله تعالى، ومراعاةُ الأمر بينه وبين الله على الصِّحَّةِ في دوام الأوقات لا يَقْوى عليه إلا الخواصُّ، من أهل الحضور. هـ. ثم رخص للأقارب أن يدخلوا على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم فقال: {لاَّ جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِيۤ آبَآئِهِنَّ...}

الجنابذي

تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} تأديبٌ للامّة كيف ينبغى ان يعاملوا الرّسول (ص) الّذى هو ابٌ لهم؟ وكيف يكون معاملتهم مع ازواجه؟ {لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتَ ٱلنَّبِيِّ إِلاَّ أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ} لعلّهم كانوا يدخلون بيوت النّبىّ (ص) وبيوت بعضهم من غير اذنٍ واستيناسٍ فنزلت هذه الآية وآية الامر بالاستيناس {إِلَىٰ طَعَامٍ} تعدية الاذن بالى لتضمين معنى الدّعوة {غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ} اى ادراكه ونضجه يعنى لا تدخلوا بعد الدّعوة قبل نضج الطّعام وادراكه للاكل، فانّ ذلك يضيّق المنزل عليه وعلى اهل بيته {وَلَـكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَٱدْخُلُواْ فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَٱنْتَشِرُواْ} لما ذكر من تضييق المنزل عليه وعلى اهل بيته {وَلاَ مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ} اى لحديث محمّد (ص) او لحديث بعضكم بعضاً وهو عطف على غير ناظرين اناه، او حال عن عاملٍ محذوفٍ والتّقدير ولا تمكثوا مستأنسين لحديثٍ {إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي ٱلنَّبِيَّ} لما ذكر من تضييق المنزل ولانّه ربما يريد الخلوة فى بيته او مع بعض نسائه {فَيَسْتَحْيِي مِنكُمْ} فى ان يأمركم بالخروج {وَٱللَّهُ لاَ يَسْتَحْيِي مِنَ ٱلْحَقِّ} فيأمركم بعدم اللّبث عنده {وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً} اى نساء النّبىّ (ص) {فَٱسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَآءِ حِجَابٍ} عن القمّى انّه لمّا تزوّج رسول الله (ص) بزينب بنت جحشٍ وكان يحبّها فاولم ودعا اصحابه وكان اصحابه اذا اكلوا يحبّون ان يتحدّثوا عند رسول الله (ص) وكان يحبّ ان يخلو مع زينب فانزل الله عزّ وجلّ: يا ايّها الّذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النّبىّ (الى قوله) من وراء حجابٍ وذلك انّهم كانوا يدخلون بلا اذنٍ، وعن الصّادق (ع): كان جبرئيل اذا اتى النّبىّ (ص) قعد بين يديه قعدة العبد وكان لا يدخل حتّى يستأذنه وكانت النّساء قبل ذلك يبرزن للرّجال الاجانب من غير حجابٍ كما كانت النّساء يبرزن فى الملل الباطلة للرّجال من غير حجابٍ ولا شكّ انّ دواعى الرّيبة تكون اكثر اذا كنّ بلا حجابٍ {ذٰلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ} من الرّيبة {وَقُلُوبِهِنَّ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تؤْذُواْ رَسُولَ ٱللَّهِ} عطف للتّعليل للجمل السّابقة وللتّمهيد لما يأتى {وَلاَ أَن تَنكِحُوۤاْ أَزْوَاجَهُ مِن بَعْدِهِ أَبَداً} لما سبق انّ ازواجه امّهاتهم {إِنَّ ذٰلِكُمْ كَانَ عِندَ ٱللَّهِ عَظِيماً إِن تُبْدُواْ شَيْئاً} كارادة نكاحهنّ بان تقولوا بالسنتكم {أَوْ تُخْفُوهُ} بان لا تظهروه بالسنتكم {فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً} تهديد ووعيد، عن القمّىّ فى نزول الآية: انّه لما انزل الله النّبىّ اولى بالمؤمنين من انفسهم وازواجه امّهاتهم، غضب طلحة فقال يحرّم محمّد (ص) علينا نساءه ويتزوّج هو بنسائنا، لئن امات الله محمّداً (ص) لنركضنّ بين خلاخيل نسائه كما ركض بين خلاخيل نسائنا، فأنزل الله تعالى: وما كان لكم ان تؤذوا رسول الله (الآية) ولا اختصاص لهذا الحكم بالمدخول بهنّ فان المعقودة الغير المدخول بها فى حكم ازواج الآباء، قيل: لمّا قبض رسول الله (ص) وولّى النّاس ابو بكر اتته العامريّة والكنديّة اللّتان لم يدخل بهما رسول الله (ص) وألحقهما باهلهما وقد خطبتا، فاجتمع ابو بكر وعمر وقالا لهما اختارا ان شئتما الحجاب وان شئتما الباه فاختارتا الباه فتزوّجتا فجذم احد الزّوجين وجنّ الآخر. وقد روى انّ هذا الحكم يجرى فى الوصىّ ايضاً يعنى لا يجوز لمن آمن به ان ينكح زوجه.

الأعقم

تفسير : {يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي} بغير إذن {إلا أن يؤذن لكم} الآية نزلت في وليمة زينب بنت جحش وذلك لما أطعم الناس رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) خرجوا وبقي ثلاثة يتحدثون وأطالوا المكث، واستحيا أن يأمرهم بالخروج بعد أن رفعوا الطعام وتفرق الناس، فقام رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى حجرة عائشة، فقال: "حديث : السلام عليكم أهل البيت" تفسير : فقالوا: وعليك السلام يا رسول الله، ورجع وإذا الثلاثة جلوس يتحدثون، وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) شديد الحياء فولى، فلما رأوه مولياً خرجوا فرجع ونزلت، وقيل: نزلت في أناس كانوا يدخلون على رسول الله قبل الطعام ويجلسون حتى يدرك فنزلت الآية {إلا أن يؤذن لكم} فأباح الدخول عند الإِذن إلى طعام {غير ناظرين إناه}، قيل: وقته أي غير ناظرين وقت الطعام وساعة أكله، وقيل: لا تدخلوا بيوت النبي إلا وقت الإِذن، ولا تدخلوها إلا غير ناظرين، وهؤلاء قوم كانوا يتحينون طعام رسول الله فيدخلون ويقعدون منتظرين لإِدراكه، ومعناه لا تدخلوا يا هؤلاء المتحينون للطعام إلا أن يؤذن لكم إلى طعام غير ناظرين، وإلا فلو لم يكن لهؤلاء خصوصاً لما جاز لأحد أن يدخل بيوت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إلا أن يؤذن له اذناً خاصاً وهو الإِذن إلى الطعام فحسب ذكره جار الله {ولا مستأنسين لحديث} فهو أن يطلبوا الجلوس ويستأنس بعضهم ببعض {إن ذلكم كان يؤذي النبي فيستحيي منكم} من إخراجكم من منزله {والله لا يستحيي من الحق} أي ينزله ويبيّنه لكم، وقيل: الحق هو مما لا يستحيى منه {وإذا سألتموهن متاعاً} الآية، روت عائشة أن عمر قال للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم): احجب نساءك فنزلت الآية، وقيل: ان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يطعم الطعام ومعه بعض أصحابه فأصابت يد رجل منهم يد عائشة فكره النبي ذلك فنزلت، متاعاً أي شيئاً ينتفع به {فاسألوهن من وراء حجاب} من خلف ستر {ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن} من التهمى والريبة ووسوسة الشيطان {وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله} لأنه اختاره لرسالته فليس لأحد أن يؤذيه {ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبداً} قيل: نزلت في رجل قال لهن: لئن قبض رسول الله لأنكحن عائشة {إن ذلكم كان عند الله عظيماً} أي إثماً عظيماً لأن من لم يعتقد ذلك كفر {إن تبدوا شيئاً أو تخفوه فإن الله كان بكل شيء عليماً} إشارة إلى أنه عالم لم يزل بجميع الأشياء ثم استثنى الأقارب فقال سبحانه: {لا جناح عليهن في آبائهن ولا أبنائهن ولا إخوانهن} أي لا حرج عليهن في ترك الحجاب بين النساء وبين هؤلاء، ومتى قيل: لم لم يذكر العم والخال؟ قالوا: لأن العم كالأب والخال كالأم أو لأجل أولادهم لأنهما يجريان مجرى الوالدين {ولا نسائهن} قيل: نساء دينهن، وقيل: جميع النساء الحرائر والإِماء، وقيل: نساء قراباتهن وجيرانهن {ولا ما ملكت أيمانهن} قيل: من العبيد والإِماء الذين يقومون لخدمتهن عن أبي علي، وقيل: أراد النساء، وقيل: الذكور والإِناث في حال الصغر {واتقين الله} خطاب عام في جميع المؤمنين النساء {إن الله كان على كل شيء شهيداً} في جميع أفعالكم فلا يخفى عليه شيء.

اطفيش

تفسير : {يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم} نزلت في شأن وليمة زينب بنت جحش حين بنى بها. قال انس: قدم النبي المدينة وانا بن عشر سنين وخدمته عشر سنين ومات وكانت امي تحضني على خدمته وكنت اعلم الناس بشأن الحجاب اذ نزل واول ما نزل في حين بنى بها اصبح صلى الله عليه وسلم عروسا بها فدعي القوم فأصابوا من الطعام ثم خرجوا وبقي رهط واطالوا المكث فقام ليقوموا فخرج وخرجت معه حتى وصل الى عتبة بيت عائشة وظن انهم خرجوا فرجع ورجعت معه فدخل فاذا هم جلوس فرجع حتى وصل عتبة بيت عائشة ايضا فاذا هم قد خرجوا فضرب بيني وبينه الستر وانزل آية الحجاب واني لفي الحجرة خلف الستر سمعته يقول {يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت} الخ وروي انه خرج ولما رجع ظنوا انه يريد الدخول فخرجوا والمصدر من يؤذن منصوب على الاستثناء المنقطع او على الظرفية نيابة عن اسم الزمان اي إلا وقت الاذن لكم وزعم القاضي انه يجوز كونه حالا والمشهور ان المصدر المعبر عنه بالفعل مثلا وحرف المصدر لا يكون حالا وتقدم الكلام في تلك القصة. وروي: حديث : أن انسا دعى الناس للطعام شاة وتمر وسويق حتى قال: يا رسول الله ما بقي من ادعوا وكانوا يترادفون افواجا ولما اكلوا قال (ارفعوا طعامكم) وانه انطلق وفي البيت ثلاثة رجال يتحادثون وفيه زينب الى عائشة فسلم عليها (السلام عليكم أهل البيت) فردت عليه بأن قالت وعليك السلام يا رسول الله كيف وجدت اهلك وطاف بنسائه كلهن يسلم ويرددن ودعون له فرجع فاذا هم جلوس فتولى حياء فخرجوا فنزلت الآية الى {لا يستحي من الحق} تفسير : وكان عمر يحب الحجاب لدخول البر والفاجر على نساء النبي وكان يحب ان يتخذ من مقام ابراهيم مصلى ولما تغايرت ازواج النبي صلى الله عليه وسلم قال عسى ربه ان اطلق كن ان يبدله ازواجا خيرا منكن فنزل ذلك كله. قيل: مر عليهن وهن مع النساء في المسجد فقال لئن احتجبتن كان لكن الفضل على النساء كما لزوجكن الفضل على الرجال فقالت زينب: يابن الخطاب انك لتغار علينا والوحي ينزل في بيوتنا فلم يلبثوا الا يسيرا حتى نزلت وعلى هذا فنزلت بعد التزوج والوليمة وقيل كان صلى الله عليه وسلم يأكل مع بعض اصحابه فأصابت يد رجل منهم يد عائشة فكره صلى الله عليه وسلم ذلك فنزلت وقيل كانت نساء النبي صلى الله عليه وسلم يخرجن ليلا للبول والغائط الى المواضع الخالية الواسعة كان يقول يا رسول الله احجب نسائك فلم يكن يحجب فخرجت سودة بنت زمعة عشاء وكانت طويلة فناداها عمر: الا قد عرفناك يا سودة قال ذلك حرصا على الحجاب فنزلت الآية كذلك يقول الجمهور والصحيح كما قال بن عباس انها نزلت في ناس من المسلمين يراقبون وقت طعام رسول الله صلى الله عليه وسلم فيدخلون قبل ادراكه فينظرونه فيأكلون ولا يخرجون فنزلت نهيا لهم عن الدخول لاجل الطعام ولو يأذن في الدخول حتى يأذن لهم ويدعوهم للطعام واذا لم يدعهم اليه فلا يأتوا اليه يراقبونه وكذا اناس تراقب وقت طعامك فيأتيك ويستأذن فتأذن له وانت كاره او غير كاره ولا يحل له ذلك. وقيل: كان يحل ذهوب المراقبين المخصوصين الدخول في دار النبي صلى الله عليه وسلم بغير اذن فكانوا يدخلون بغير اذن ويراقبون الطعام وان اراد الجمهور ان ذلك نزل في دخولهم وليمة زينب فأذن في الدخول لكن لم يؤذن لهم الى طعام اي لم يدعو اليه بأن يأتوا فيستأذنوا وهم يريدون الطعام ولم يدعهم انس ولا غيره صح قولهم فالآية نهي عن المجيء للطعام من غير دعاء اليه ثم رأيت القاضي قال: ما قلته من ان النهي عن المجيىء للطعام بلا دعاء اليه ولو اذن في الدخول للجائي، والحمد لله اذ وافقت عالما وما ذلك إلا من الله وقول عائشة رضي الله عنها وجماعة ان سبب نزول آية الحجاب كلام عمر للنبي صلى الله عليه وسلم مارا في ان يحجب نساءه يحتمل قول الجمهور وقول غيرهم. {إلى طعام} مر لك ما تعرف به ان يؤذن عدي بإلي لتضمينه معنى الدعاء. {غير ناظرين إناه} غير حال مؤكدة لأنهم لا يدعون الى طعام الا وهو منضج قدرك فذلك زجر لهم عن مجيئهم يقعدون في البيت ينتظرون ادراكه وايضاح الآية هكذا لا تدخلو بيت النبي للطعام ولو استأذنتم فأذن لكم الا ان دعيتم من أول الأمر للطعام فادخلوا توافقوه منضجا وصاحب تلك الحال واو تدخلوا او كاف لكم وأنى الطعام ادركه وقيل وقته اي غير ناظرين وقت أكله والهاء للطعام وقيل الاناء الجفنة والهاء للنبي صلى الله عليه وسلم وامال حمزة والكسائي وهشام الف اناه، وناظرين بمعنى منتظرين وقرأ بن ابي عبلة بجر (غير) وصفا للطعام من الوصف السببي الجاري على ما هو له وهو جائز هنا ولو لم يظهر ضمير ناظرين لعدم اللبس ولو كان مذهب البصريين المنع الا بالابراز ولو ابرز لقيل غير ناظرين انتم إناه. {ولكن إذا دعيتم فادخلوا} ولو بلا اذن ان خلي البيت لمن يدعى للطعام في الوقت مخصوص وبالاذن لمن دعي وتأخر أو لم يخل البيت لذلك. {وإذا طعمتم} أكلتم. {فانتشروا} تفرقوا ولا تمكثوا ومن قال ذلك في قوم مخصوصين كانوا يدخلون بغير اذن في بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وينظرون الطعام ويلبثون بعد الأكل قال هذا اللبث بعد الأكل خاص بهم وكذا الدخول الطعام وانتظاره فأبطل الله سبحانه ذلك. {ولا مستأنسين} مستفعل من الانس بمعنى المؤانسة. {لحديث} والعطف على ناظرين أي وغير مقدرين للاستئناس بالكلام بعد الأكل بأن تأكلوا وتلبثوا متحدثين يأنس بعضكم بحديث بعض او حين الأكل او قبله او المراد ترتاحون لحديث اهل البيت مع الأكل وبعده او قبله باستماعه او يقدر لا تدخلوها مستأنسين. {إن ذلكم} المذكور من دخول بيته لانتظار طعامه بلا دعاية او عدم الخروج بعد الأكل او الاستيناف للحديث وكل ذلك. {كان يؤذي النبي} يضره ولا شيء اثقل ممن يضييق عليك المنزل او عليك وعلى اهلك ويشغلك بما لا يعنيك ولا يعنيه بعد قضاء حاجته اولا حاجة له الا ذاك وعن عائشة مشيرة له الآية: حسبك في الثقلاء ان الله تعالى لم يحتملهم اذ نهى عن ذلك من يفعله في بيت النبي وذكر انه يؤذي النبي وذكر انه لا يستحي من الحق كما يأتي. {فيستحي منكم} اي فلا يخرجكم لحيائه مع انه يضره ذلك وكان صلى الله عليه وسلم اشد حياء من البكر في خدرها او يقدر مضاف اي من اخراجكم ويدل له قوله. {والله لا يستحي من الحق} ومن الحق اخراجكم فلا يتركه الله حياء صرح الله بالخروج تأديبا لهم ومن الحكمة تأديب الله خلقه ففي الآية تأديب للثقلاء وقرئ {لا يستحي} بكسر الحاء بعدها ياء واحدة ساكنة نقلت كسرة الأولى للهاء فحذفت للالتقاء الساكنين أو لما التقيا حذفت الثانية. {وإذا سألتموهن متاعا} اذا سألتم نساءه صلى الله عليه وسلم شيئا ينتفع به ويستمتع به. {فاسألوهن} اياه. {من وراء حجاب} ستر ذكر بعض ان سبب نزول {واذا سألتموهن} الخ ذكر عمر للنبي صلى الله عليه وسلم امر الحجاب لنسائه مرارا وكان يقول لو اطاع فيكن ما رأتكن عين وتقدم ما يخالف هذا وقيل سبب نزوله ما مر من ملاقاة يد بعض الصحابة ليد عائشة حين الأكل معها ومعه صلى الله عليه وسلم وعن ثوبان وابي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ثلاثة لا يحل لأحد أن يفعلهن لا يؤم الرجل قوما فيخص نفسه بالدعاء دونهم فإِن فعل ذلك فقد خانهم ولا ينظر في قعر بيت قبل أَن يستأذن فإِن فعل فقد خان ولا يصلي وهو حقن حتى يتخفف" تفسير : وبعد آية الحجاب لم يكن لاحد ان ينظر الى نسائه صلى الله عليه وسلم ولو من ثقب باب. {ذلكم} اي السؤال من وراء حجاب او هو وترك الاستئناس لحديث والمكث في البيت. {أطهر لقلوبكم وقلوبهن} من الخواطر الشيطانية والنفسانية وروي ان طلحة بن عبيدالله قال: أننهى أن نكلم بنات عمنا الا من وراء حجاب لئن مات محمد لأتزوجن عائشة فأنزل الله تعالى. {وما كان لكم} أي ما جاز لكم. {أن تؤذوا رسول الله} في شيء ما ولو في تزوج امرأة من نسائه بعد وفاته وقيل قال ذلك بعض المنافقين وان رسول الله صلى الله عليه وسلم أغير خلق الله والله أغير منه كما اشار الى تحريم ازواجه على غيره بقوله: {ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا} بعد فراقه بالموت او بالطلاق وذلك داخل في عموم {وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله} ولكن نص عليه وخصه ايضاحا لأن الناس لا يفهمونه كذا ظهر لي ورأيت القاضي بعد ذلك قال ان قوله من بعده معناه (من بعد) موته او فراقه كما ظهر لي ولكن التي تزوجها ولم يدخل بها لموته او طلاقه لا يحرم نكاحها كما مر انه عقد على قتيلة بنت قيس ومات قبل الدخول بها وتزوجها عكرمة بن ابي جهل فاهتم ابوبكر بإحراق بيتها عليها فقال عمر ما هي من امهات المؤمنين ما دخل بها ولا ضرب عليها الحجاب وما احق ما قاله عمر رضي الله عنه لما ذكره ولكونها لو كانت من امهات المؤمنين لكانت من اهل الجنة فكيف يحرقها ويحرق بيتها وانما عليها التوبة ثم ظهر لي انها لو صح انها منهن وفعلت ذلك لم يمنعها كونها منهن عن الحد فرأى ابوبكر رضي الله عنه حدها احراقا لا رجما كأنه شدد ولكن تبقى على الولاية ولا تموت الا تائبة قطعا ولكن ليست منهن. وروي ايضا ان الاشعث بن قيس تزوج المستعيذة من النبي صلى الله عليه وسلم وقد مر الخلف في المستعيذة فهم عمر برجمها وذلك في ايامه فأخبر بأنه صلى الله عليه وسلم فارقها قبل ان يمسها فلم يرجمها وتحريم نساء رسول الله صلى الله عليه ولسم تعظيم له حيا وميتا واعلمه بذلك ليخبر الناس ويطيب نفسا فان الغيرة لا يخلو منها نفس الرجل حتى ان من تفرط غيرته على زوجته او غيرها يتمنى لها الموت قبله مخافة ان تتزوج او تزني. واشتد حب فتى لجارية وتنفس الصعداء وانتحب وعلا نحيبه شغفا ولم يزل به ذلك حتى قتلها مخافة ان تكون تحت يد غيره بعده. قال جار الله وعن بعض الفقهاء ان الزوج الثاني في هدم الثلاث يجري مجرى العقوبة فصين رسول الله صلى الله عليه وسلم عما يلاحظ ذلك. {إن ذلك كان عند الله عظيما} أي ان ذلكم المذكور من ايذائه وتزوج نسائه كان عند الله ذنبا عظيما وزاد مبالغة في الوعيد بقوله: {إن تبدوا} تظهروا. {شيئا} من نكاحهن. {أو تخفوه} في صدوركم. {فإن الله كان بكل شيء عليما} فيجازي به لما نزلت آية الحجاب قال الآباء والأبناء والمحارم ونحن ايضا يا رسول الله نكلم من وراء حجاب فنزل. {لا جناح عليهن} لا إثم عليهن والضمير لنساء النبي صلى الله عليه وسلم. {في آبائهن} في رواية آبائهن له وتكلمهم من غير حجاب ودخل الأعمام في الآباء وكثيرا ما تسمي العرب العم ابا على ان يكون الآباء في الآية مستعملا في الحقيقة والمجاز والخال بمنزلة الأم وقيل يكره ترك الحجاب عنهما لأنهما يصفان لأبنائهما وهم غير محارم. {ولا أبنائهن ولا إخوانهن ولا أبناء إخوانهن ولا أبناء أخواتهن ولا نسائهن} اراد النساء المسلمات فأخرج المشركات فلا يدخلن على نساء النبي صلى الله عليه وسلم وذلك فائدة الاضافة وقيل المراد النساء مسلمات او مشركات والاضافة لانهن جنس واحد. {ولا ما ملكت أيمانهن} من عبيد واماء ولا ما ملكن بعضه وقيل ان عبد المرأة كالأجنبي وان المراد بما ملكت أيمانهن الاماء. {واتقين الله} بالاجتهاد في الستر والاحتجاب وليكن عملكن بعد الأمر بالاحتجاب افضل من عملكن قبله. {إن الله كان على كل شيء شهيدا} لا يخفى عنه شيء ولا تتفاوت في علمه الأشياء.

اطفيش

تفسير : {يا أيُّها الَّذين آمنُوا لا تَدخُلوا بيُوت النبي إلا أن يُؤذن لكُم إلى طَعامٍ غَير ناظرينَ إناه} نزلت الآية فى شىء مخصوص يفعلونه، فنهاهم عنه، وهو أنهم يدخلون بلا إذن بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وقت الطبخ، فينتظرون تمام طبخه ليأكلوا، ويدخل من يدخل بإذن يأذن له، وهو يظن أن لا يلبث فيلبث الى أن يتم الطبخ حتى يتم، أو فى غير وقت الطبخ بإذن لحاجة، فيخرج بعدها، كان الطبخ أو لم يكن أو دخل بإذن وقعد بإذن بعد الأكل لحاجة أو أذن بعد تمامه، فلا يحرم ذلك. وعن ابن عباس رضى الله عنهما: نزلت فى ناس من المسلمين، يتحينون طعام النبى صلى الله عليه وسلم فيدخلون عليه قبل الإدراك، ثم يأكلون ولا ينصرفون، ويتأذى صلى الله عليه وسلم بذلك، ويروى أنه أطعم صلى الله عليه وسلم على زينب بنت جحش تمراً وشاة. قال أنس: هاجر النبى صلى الله عليه وسلم وأنا ابن عشر، ومات وأنا بن عشرين، وأمرنى أن أعود الناس ففعلت حتى لا أجد من أدعو، وبقى ثلاثة رجال يتحدثون بعد الأكل، فخرج النبى صلى الله عليه وسلم ليخرجوا وخرجت معه، حتى أتى باب عائشة ورجعت معه، الى باب زينب ولم يخرجوا، ثم رجع الى باب عائشة ورجعت معه، رجع فوجدهم خرجوا، فدخل ودخلت معه، فأرخى الستر وهو يقول: "يا أيها الذين أمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم" الى "من الحق" ويقدر الحرف قبل أن، أى إلا بأن يؤذن، أو لأن يؤذن، أو يقدر مضاف أى إلا وقت أن يؤذن، فالمصدر المأول يقدر منصوباً على النيابة عن المضاف، لا على الظرفية، كجئت طلوع الشمس، لأن نصب المصدر على الظرفية مشروط فيه أن يكون صريحا، وأجازه بعض ولو غير صريح كالآية، وعليه الزمخشرى، وهو محجوج بالذوق، وبعدم السماع، وكونه إماماً فى العربية لا يدفع ذلك عنه، ولو سمع جئت إن طعلت الشمس لقدر مضاف، أو لام التوقيت، أى وقت أن طلعت، أو سمع أجىء إن تطلع لقدر وقت أن تطلع، أو لأن تطلع، واستثناء شيئين فصاعداً بأداة واحدة بلا عطف ولا إبدال غير جائز، نحو: ما جاء أحد إلا زيد عمرو، ولو سمع نحو: ما أعطيت أحداً إلا شيئاً زيد دانقا لقدر عامل، أى أعطيته دانقاً. وأجاز بعض هذا المثال ونحوه فقط، ولو سمع ما ضرب زيد إلا عمراً بلا موجب، لقدر ضربه بلا موجب، وليست الآية من استثناء متعدد فان الى طعام متعلق بيؤذن، وغير حال من الكاف، وإناه مفعول الناظر، وليست مستثنيات، وعدى يؤذن بالى لتضمنه معنى الدعاء، ولا يعارض أن دعا يتعدى بنفسه وأذن تعدى باللام، وإنا اسم زمان مفعول به فقيل: هو مقلوب آن وقيل: إناه غايته وتمامه. {ولكن إذا دُعيتُم} الى الطعام نهاهم أن يأتوا طعاما لم يدعوا لله، ولا سيما إن كان الدخول بغير إذن، ويحتمل العموم أى إذا دُعيتُم لطعام أو غيره {فادْخلوا} إن كان لطعام فالبثوا حتى تأكلوا ولو بانتظار إناه، وإن لغيره فاذا تم ما دعيتم اليه فاخرجوا ولا تنتظروه، إلا إن أمركم، وإذا لم يتبين لكم سبب الدعاء فاقعدوا حتى يأذن لكم بالخروج {فإذا طعمتُم} أكلتم، وأطعمته صيرته طاعما، أى آكلا {فانْتشِرُوا} تفرقُوا عن البيت وأهله، ولا تلبثوا، وليس المراد أن يتفرق الطاعمون بعض عن بعض، وان أذن لكم فى اللبث فلا بأس. {ولا مستأنسِين لحديثٍ} عطف على ناظرين فالمعنى غير منتظرين إناه، وغير مستأنسين لحديث، أى طالبين الأنس، واللام للتعليل، أو مستمعين، واللام للتقوية، والمراد حديث بعض لبعض، أو حديث أهل البيت، ومعنى قوله: أن لا زائدة فى مثل هذا أن الكلام يتم بدونها، إذ ليست عاطفة ولا داخلة على الجملة، لكن جىء بها للنص على عموم السلب، ولا يصح العطف على غير إلا إن جعلت لا اسما معطوفا بالواو، ومضافا لما بعده {إنَّ ذلكُم} أى ما ذكر من اللبث والاستئناس، والنظر والدخول بلا إذن، كل واحد من ذلكم واختار بعض أن الإشارة للبث {كان يؤذي} يضر {النَّبي} صلى الله عليه وسلم، إذ يفاجئه أو يفاجىء أهله أو كليهما الداخل بلا إذن على حال لا تشاهد، وإذ يضيق عليه المنزل، وإذ يريد الخلوة لطعام أو كلام أو غيره، فيمتنع لأجل الداخل، وإذ قد يسمعون ما لا يجب أن يسمعوه، أو يرون ما لا يجب أن يروه. {فيسْتَحيى منْكُم} أن يخرجكم أو يمنعكم عما يؤذيه {والله لا يسْتَحيى من الحق} وهو إخراجهم، أو منعهم عما يؤذى، والأكل أو الشرب بلا مناولة للداخل، فإنه لا حق له فيهما، وهو صلى الله عليه وسلم يناولهم، ولو لم تطب نفسه لقلة أو غيرها، والتعبير بعدم استحيائه تعالى للمساكلة، والمعنى أن الله عز وجل لم يترك الحق، وأمركم بالخروج، وترك الدخول بوجه غير جائز، والاستحياء فى الجملة سبب للترك، وملزوم له. {وإذا سألتُموهنَّ} طلبتم نساء النبى صلى الله عليه وسلم ورضى عنهن، المدلول عليهن بذكر البيوت وبالمقام {متاعا} شيئا يتمتع به، ككوز وإبريق وقصعة، والمراد إذا أردتم سؤالهن متاعا {فسألوهن من وراء حجابٍ} ستر بلا نظر لأشخاصهن، ولو من فوق ثيابهن {ذلكُم} ما ذكر من السؤال من وراء حجاب، أو مع الدخول بإذن، وترك الاستئناس {أطْهَر لقُلوبكم وقُلوبهنَّ} عما يخطر للرجال فى أمر النساء، ولهن فى أمرهم من الطبع والشيطان بواسطة الرؤية والسمع، وقد وصفهم وإياهن الله بحصول الطهر عن ذلك، ولكن أمر الكل بالازدياد فيه لأن أطهر اسم تفضيل، والنظر سهم مسموم من سهام إبليس. قال عمر رضى الله عنه: يا رسول الله يدخل عليك البر والفاجر، فلو أمرت أمهات المؤمنين بالحجاب، فنزلت آية الحجاب، رواه البخارى والطبرى، عن أنس، وروى الطبرى: أن أزواج النبى صلى الله عليه وسلم يخرجن لقضاء حاجة الإنسان ليلا قبل أن تتخذ الكنف فى البيوت، وكان عمر رضى الله عنه يقول: يا رسول الله احجب نساءك ولا يفعل انتظاراً للوحى، وخرجت سودة ليلا، وكانت طويلة فناداها عمر بأعلى صوته: قد عرفناك يا سودة، فنزلت آية الحجاب، وقد أحسن رضى الله عنه فى ذلك، ولو خجلت سودة لأن ذلك سعى فى صلاحها، ولو كان ظلما لنهاه النبى صلى الله عليه وسلم. قال عمر: وافقت ربى فى ثلاث: قلت: يا رسول الله لو اتخذت من مقام ابراهيم مصلى فنزل: "أية : واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى" تفسير : [البقرة: 125] وقلت: يا رسول الله يدخل على نسائك البر الفاجر فلو أمرتهن بالحجاب، فنزلت آية الحجاب، واجتمعت نساء النبى صلى الله عليه وسلم فى الغيرة فقلت: "أية : عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجاً خيراً منكن"تفسير : [التحريم: 5] فنزلت كذلك، وفى البخارى والنسائى، عن عائشة رضى الله عنها أنها كانت تأكل معه صلى الله عليه وسلم، وكان يأكل معهما بعض أصحابه، فأصابت يد رجل يدها، فكره النبى صلى الله عليه وسلم ذلك، فنزلت آية الحجاب، ولعل الرجل عمر، لما روى مجاهد، عن عائشة: أنها كانت تأكل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حيسا فى قعب، فمر عمر فأمره النبى صلى الله عليه وسلم أن يأكل معهما، فأصابت أصبعه أصبعها، فقال: يا رسول الله لو حجبت نساءك، فنزلت آية الحجاب، ولعل الآية نزلت لذلك كله. {وما كان لَكُم أن تُؤذوا رسُول الله} صلى الله عليه وسلم فى حياته بالدخول بلا إذن، واللبث والاستئناس والنظر، وذكره بالرسالة لمزيد قبح ذلك بِأن الرسالة، ولا بعد موته كما قال: {ولا أنْ تنْكحُوا} تتزوجوا ولو بلا مس {أزْواجَه من بعده أبداً} أى من بعد موته، فان الرجل تلحقه الغيرة بتزوج امرأته ولو بعد موته، يكره فى حياته أن يكون ذلك بعد موته، وربما كره أيضا بعد موته، ولا سيما العرب، لأنهم أشد غيرة، حتى إن فتى منهم قتل جارية له يحبها خوف أن تقع فى يد غيره بعد موته، وقيل: المراد من بعد تزوجه كان حيا أو ميتا، فقيل: كل من كانت زوجا له لاتحل فى حياته أو بعد موته، فارقها أو أمسكها، مسها أو لم يمسها، كالتى قالت: أعوذ بالله منك، والعامرية التى اختارت نفسها، والتى رأى بياضا بكشحها فقال لها الحقى بأهلك، وعلى أن المراد من بعد موته قبيل تحرم أزواجه التسع، أوهن الأزواج له إذ مات عنهن، وأجيب بأن المراد مطلق من تسمى زوجاً له، وإذا حرمن بعد موته فأولى فى حياته. وروى أن عمرهم برجم الأشعت إذ تزوج المستعيذة، فأخبر أنها لم يدخل صلى الله عليه وسلم بها، فتركه، وتزوج عكرمة بن أبى جهل قتيلة بنت قيس أخت الأشعث، فاهتم الصديق أن يحرق عليها بيتها، إذ زوجها أخوها برسول الله صلى الله عليه وسلم، وارتد أخوها، وحملها الى حضرموت، فقال عمر: ليست من أزواجه التى دخل بهن، ولا ضرب عليها حجابا، فتركها، وقيل: لأنها ارتدت ثم أسملت، فلم تكن من أزواجه، فتركها ولا يشك عاقل أن سراريه يحرمن على غيره كأزواجه. {إنَّ ذلكُم} ما تقدم من إيذائه، ونكاح أزواجه من بعده، وإشارة البعد لشدة قبح ذلك {كانَ عنْد الله عظيماً} لعظم شأن رسول الله صلى الله عليه وسلم حيا وميتا، وزاد تأكيدا بقوله: {إن تُبْدوا} تظهروا بألسنتكم {شيئا} عن قَصْد نكاحهن أو تمنيه {أو تُخْفُوه} فى صدوركم، الجواب محذوف تقديره يعاقبكم، ونابت عنه علته فى قوله: {فإن} لأن {الله كان بكل شيء} أبدى أو أخفى {عليماً} غاية العلم، وإن ضمن قوله تعالى: {إن الله كان بكل شيء عليماً} معنى أخبركم الله به، جاز أن يكون جوابا لكن ضعيف المعنى والمعنى القوى ما ذكرت، أما على معنى أخبركم أن الله إلخ فهو أشد ضعفا، والأخبار أيضا مسبب عن العلم، وتلويح بالعقاب. لما نزل الحجاب قال رجل: أننهى أن تكلم بنات عمنا إلا من وراء حجاب، لئن مات صلى الله عليه وسلم لنتزوجن نساءه، وروى لتزوجت عائشة أو أم سلمة، وكلم رجل ابنة عمه منهن، فنهاه صلى الله عليه وسلم، فقال: إنها ابنة عمى، وما قلت منكرا، ولا قالت، فقال: "قد علمت ولا أحد أغير من الله ولا منى" ومضى وقال: عنفنى من كلام ابنة عمى لئن مات لأتزوجنها. وعن قتادة: أن طلحة بن عبيد الله قال: إن مات صلى الله عليه وسلم تزوجت عائشة، وندم ندما عظيما، وقيل القائل طلحة آخر، وقال منافق بعد ما تزوج صلى الله عليه وسلم حفصة بعد خنيس بن حذافة، وأم سلمة بعد أبى سلمة: ما بال محمد يتزوج نساءنا، لئن مات لأجلنا السهام على نسائه، فنزل لقول هؤلاء كلهم: {وما كان لكم أن تؤذوا} الآية فأعتق الذى قال عنفنى على كلام ابنة عمى إلخ رقبة، وحمل على عشرة أبعرة فى سبيل الله، وحج ماشيا لذلك، ولما نزلت قال الآباء والأبناء ونحوهم: ما نفعل يا رسول الله؟ فنزل قوله تعالى: {لا جُناحَ عليْهنَّ فى آبائهنَّ ولا أبنائهنَّ ولا إخُوانهنَّ ولا أبناء إخْوانهنَّ ولا أبناء أخَواتهنَّ} فى أن يكلموهن بلا حجاب، وقال الزهرى: فى أن يبدين زينتهنَّ لهم، وفى حكمهم كل ذى رحم محرم من نسب أو رحم، والأخوال والأعمام ولم يذكرهما الله عز وجل لأنهم كالوالدين، ولذكر أبناء الإخوة وأبناء الأخوات، لأن علتهم على ما بينهن وبين العم والخال من العمومة والخؤولة، فإنهن عمات لأبناء الإخوة، وخالات لأبناء الأخوات، ونقول: الآية تمثيل لا حصر، وقد سمى الله تعالى اسماعيل أبا وهو عم فى قوله تعالى: "أية : وإله أبائك إبراهيم وإسماعيل" تفسير : [البقرة: 133]. {ولا نِسائهنَّ} أى الموحدات فيحتجبن عن المشركات ولو كتابيات، قال كثير، وعن الموحدات الزوانى، وعمن يصفهن للرجال بلا قصد تزوج لمن لا زوج لها {واتَّقين الله} فى كل ما تأتين، وما تذرن، ولاسماعين ما أمرتن به، أو نهيتن عنه، وأكد عليهن بالخطاب بعد الغيبة {إنَّ الله كان على كُل شيءٍ شَهيداً} حاضرا بعلمه، ولا يجوز نظر الكف والوجه منهن ولو بلا زينة، ويجوز بروز أشخاص مستترات لحاجة، كالسفر للحج، والطواف، وكما يسمع الصحابة منهن باديات الأشخاص مستترات، ولما ماتت زينب بنت جحش رضى الله عنها نادى عمر أن لا يحضر جنازتها إلا ذو محرم لها، مراعاة للحجاب، فدلته أسماء بنت عميس على قبة توضع على النعش، كما رأت فى الحبشة ففعل، فحضرها الناس مطلقا، وصنعها لفاطمة رضى الله عنها، وذلك مستحب، وظاهر كلام عمر الوجوب، ولا بأس به، لأنه يقول به ما أمكن، وإذا لم يمكن كالحج والطواف لم يقل به، إلا أنه يشكل عليه ظهور أشخاصهن للسائلين من الصحابة والتابعين فقد يقال: لا تظهرن لهم.

الالوسي

تفسير : { يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتَ ٱلنَّبِىّ إِلاَّ أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ } شروع في بيان بعض الحقوق على الناس المتعلقة به صلى الله عليه وسلم وهو عند نسائه، والحقوق المتعلقة بهن رضي الله تعالى عنهن ومناسبة ذلك لما تقدم ظاهرة، والآية عند الأكثرين نزلت يوم تزوج عليه الصلاة والسلام زينت بنت جحش. أخرج الإمام أحمد وعبد بن حميد والبخاري ومسلم والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبـي حاتم وابن مردويه والبيهقي في سننه من طرق عن أنس قال: لما تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم زينب بنت جحش دعا القوم فطعموا ثم جلسوا يتحدثون وإذا هو كأنه يتهيأ للقيام فلم يقوموا فلما رأى ذلك قام فلما قام قام من قام وقعد ثلاثة نفر فجاء النبـي صلى الله عليه وسلم ليدخل فإذا القوم جلوس ثم أنهم قاموا فانطلقت فجئت فأخبرت النبـي صلى الله عليه وسلم أنهم قد انطلقوا فجاء حتى دخل فذهبت أدخل فألقى الحجاب بيني وبينه فأنزل الله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتَ ٱلنَّبِىّ } الآية والنهي للتحريم. وقوله سبحانه: {إِلاَّ أَن يُؤْذَنَ } بتقدير باء المصاحبة استثناء مفرغ من أعم الأحوال أي لا تدخلوها في حال من الأحوال إلا حال كونكم مصحوبين بالإذن. وجوز أبو حيان كونه بتقدير باء السببية فيكون الاستثناء من أعم الأسباب أي لا تدخلوها بسبب من الأسباب إلا بسبب الإذن، وذهب الزمخشري إلى أنه استثناء من أعم الأوقات أي لا تدخلوها في وقت من الأوقات إلا وقت أن يؤذن لكم، وأورد عليه أبو حيان أن الوقوع موقع الظرف مختص بالمصدر الصريح دون / المؤول فلا يقال أتيتك أن يصيح الديك وإنما يقال أتيتك صياح الديك، ولا يخفى أن القول بالاختصاص أحد قولين للنحاة في المسألة نعم إنه الأشهر والزمخشري إمام في العربية لا يعترض عليه بمثل هذه المخالفة. وزعم بعضهم أن الوقت مقدر في نظم الكلام فيكون محذوفاً حذف حرف الجر وأن هذا ليس من باب وقوع المصدر موقع الظرف. وأجاز بعض الأجلة كون ذلك استثناء من أعم الأحوال بلا تقدير الباء بل باعتبار أن المصدر مؤول باسم المفعول أي لا تدخلوها إلا مأذوناً لكم والمصدر المسبوك قد يؤول بمعنى المفعول كما قيل في قوله تعالى: {أية : مَا كَانَ هَـٰذَا ٱلْقُرْءانُ أَن يَفْتَرِى }تفسير : [يونس: 37] إن المعنى ما كان هذا القرآن مفترى فمن قال كون المصدر بمعنى المفعول غير معروف في المؤول لم يصب، وقيل فيما ذكر مخالفة لقول النحاة المصدر المسبوك معرفة دائماً كما صرح به في «المغني». وتعقبه الخفاجي بأن الحق أنه سطحي وأنه قد يكون نكرة وذكر قوله تعالى: {مَا كَانَ } الخ. وقوله سبحانه: {إِلَىٰ طَعَامٍ } متعلق بيؤذن وعدي بإلى مع أنه يتعدى بفي فيقال أذن له في كذا لتضمينه معنى الدعاء للإشعار بأنه لا ينبغي أن يدخلوا على طعام بغير دعوة وإن تحقق الإذن الصريح في دخول البيت فإن كل إذن ليس بدعوة، وقيل يجوز أن يكون قد تنازع فيه الفعلان {تَدْخُلُواْ} و{يُؤْذَنَ} وهو مما لا بأس به. وقوله تعالى: {غَيْرَ نَـٰظِرِينَ إِنَٰهُ} أي غير منتظرين نضجه وبلوغه تقول أني الطعام يأنى أنى كقلي يقلى قلى إذا نضج وبلغ قاله الزجاج؛ وقال مكي: إناه ظرف زمان مقلوب آن التي بمعنى الحين فقلبت النون قبل الألف وغيرت الهمزة إلى الكسرة أي غير ناظرين آنه أي حينه والمراد حين إدراكه ونضجه أو حين أكله، حال من فاعل {تدخلوا} وهو حال مفرغ من أعم الأحوال كما سمعت في {إِلاَّ أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ } وإذا جعل ذلك حالاً فهي حال مترادفة فكأنه قيل: لا تدخلوا في حال من الأحوال إلا مصحوبين بالإذن غير ناظرين، والظاهر أنها حال مقدرة ويحتمل أن تكون مقارنة، والزمخشري بعد أن جعل ما تقدم نصباً على الظرفية جعل هذا حالاً أيضاً لكنه قال بعد وقع الاستثناء على الوقت والحال معاً كأنه قيل لا تدخلوا بيوت النبـي إلا وقت الإذن ولا تدخلوها إلا غير ناظرين. وتعقبه أبو حيان بأنه لا يجوز على مذهب الجمهور من أنه لا يقع بعد (إلا) في الاستثناء إلا المستثنى أو المستثنى منه أو صفة المستثنى منه ثم قال وأجاز الأخفش والكسائي ذلك في الحال أجاز ما ذهب القوم إلا يوم الجمعة راحلين عنا فيجوز ما قاله الزمخشري عليه ولا يخفى على المتأمل في كلام الزمخشري أنه بعيد بمراحل عن جعل الآية الكريمة كالمثال المذكور لأنه على التأخير والتقديم وكلامه آب عن اعتبار ذلك في الآية نعم لو اقتصر على جعل {غَيْرَ نَـٰظِرِينَ } حالاً من ضمير {تَدْخُلُواْ } لأمكن أن يقال إن مراده لا تدخلوا غير ناظرين إلا أن يؤذن لكم ويكون المعنى أن دخولهم غير ناظرين إناه مشروط بالإذن وأما دخولهم ناظرين فممنوع مطلقاً بطريق الأولى ثم قدم المستثنى وأخر الحال. وتعقبه بعضهم بأن فيه استثناء شيئين وهما الظرف والحال بأداة واحدة وقد قال ابن مالك في «التسهيل»: لا يستثنى بأداة واحدة دون عطف شيئان وظاهره عدم جواز ذلك سواء كان الاستثناء مفرغاً أم لا وسواء كان الشيئآن مما يعمل فيهما العامل المتقدم أم لا فلا يجوز قام القوم إلا زيداً عمراً ولا ما قام القوم إلا زيداً عمراً أو إلا زيد عمرو ولا ما قام إلا خالد بكر ولا ما أعطيت أحداً شيئاً إلا عمراً دانقاً ولا ما أعطيت إلا عمراً دانقاً ولا ما أخذ أحد شيئاً إلا زيد درهماً ولا ما أخذ أحد إلا زيد درهماً. والكلام / في هذه المسألة وما يصح من هذه التراكيب وما لا يصح وإذا صح فعلى أي وجه يصح طويل عريض، والذي أميل إليه تقييد إطلاقهم لا يستثنى بأداة واحدة دون عطف شيئان بما إذا كان الشيئان لا يعمل فيهما العامل السابق قبل الاستثناء فلا يجوز ما قام إلا زيد إلا بكر مثلاً إذ لا يكون للفعل فاعلان دون عطف ولا ما ضربت إلا زيداً عمراً مثلاً إذ لا يكون لضرب مفعولان دون عطف أيضاً، وأرى جواز نحو ما أعطيت أحداً شيئاً إلا عمراً دانقاً ونحو ما ضرب إلا زيد عمراً من غير حاجة إلى التزام إبدال اسمين من اسمين نظير قوله:شعر : ولما قرعنا النبع بالنبع بعضه ببعض أبت عيدانه أن تكسرا تفسير : في الأول وإضمار فعل ناصب لعمرو دل عليه المذكور في الثاني، وما ذكره ابن مالك في الاحتجاج على الشبه بالعطف حيث قال: كما لا يقدر بعد حرف العطف معطوفان كذلك لا يقدر بعد حرف الاستثناء مستثنيان لا يتم علينا فإنا نقول في العطف بالجواز في مثل ما ضرب زيد عمراً، وبكر خالداً قطعاً فنحو ما أعطيت أحداً شيئاً إلا زيداً دانقاً كذلك، وقوله: إن الاستثناء في حكم جملة مستأنفة لأن معنى جاء القوم إلا زيداً جاء القوم ما منهم زيد وهو على ما قيل يقتضي أن لا يعمل ما قبل إلا فيما بعدها في مثل ما ذكر لأنها بمثابة ما وليس ذلك من الصور المستثناة ليس بشيء كما لا يخفى، وما في «أمالي الكافية» من أنه لا بد في المستثنى المفرغ من تقدير عام فلو استعمل بعد (إلا) شيئان فإما أن لا يقدر عام أصلاً وهو يخالف حكم الباب أو يقدر عامان وهو يؤدي إلى أمر خارج عن القياس من غير ثبت ولو جاز في الاثنين جاز فيما فوقهما وهو ظاهر البطلان أو يقدر لأحدهما دون الآخر وهو يؤدي إلى اللبس فيما قصد، تعقبه الحديثي بأن لقائل أن يختار الثالث ويقول: العام لا يقدر إلا للذي يلي إلا منهما لأنه المستثنى المفرغ ظاهراً فلا يحصل اللبس أصلاً، وأبو حيان قدر في الآية محذوفاً وجعل {غَيْرَ نَـٰظِرِينَ } حالاً من الضمير فيه والتقدير ادخلوا غير ناظرين وهو الذي يقتضيه كلام ابن مالك حيث أوجب في نحو ما ضرب إلا زيد عمراً جعل عمراً مفعولاً لمحذوف دل عليه المذكور، والجملة مستأنفة استئنافاً بيانياً وقعت جواباً لسؤال نشأ من الجملة الأولى كأنه لما قيل ما ضرب إلا زيد سأل سائل من ضرب؟ فقيل: ضرب عمراً. وذكر العلامة تقي الدين السبكي عليه الرحمة في رسالته المسماة «بالحلم والأناة في إعراب {غَيْرَ نَـٰظِرِينَ إِنَـٰهُ }» وفيها يقول الصلاح الصفدي:شعر : يا طالب النحو في زمان أطول ظلاً من القناة وما تحلى منه بعقد عليك بالحلم والأناة تفسير : إن الظاهر أن الزمخشري ما قال ذلك إلا تفسير معنى والمستثنى في الحقيقة هو المصدر المتعلق به الظرف والحال فكأنه قيل: لا تدخلوا إلا دخولاً مصحوباً بكذا ثم قال: وليست أقول بتقدير مصدر هو عامل فيهما فإن العمل للفعل المفرغ وإنما أردت شرح المعنى، ومثل هذا الإعراب هو الذي نختاره في قوله تعالى: {أية : وَمَا ٱخْتَلَفَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ ٱلْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ }تفسير : [آل عمران: 19] أي إلا اختلافاً من بعد ما جاءهم العلم بغياً بينهم فمن بعد ما جاءهم وبغياً ليسا مستثنيين بل وقع عليهما المستثنى وهو الاختلاف كما تقول ما قمت إلا يوم الجمعة ضاحكاً أمام الأمير في داره فكلها يعمل فيها الفعل المفرغ من جهة الصناعة وهي من جهة المعنى كالشيء الواحد لأنها بمجموعها بعض من المصدر الذي تضمنه الفعل المنفي وهذا أحسن من أن يقدر اختلفوا بغياً بينهم لأنه حينئذٍ لا يفيد الحصر وعلى ما قلناه يفيد الحصر فيه كما أفاده في قوله تعالى: {مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ ٱلْعِلْمُ } فهو حصر في شيئين لكن بالطريق الذي قلناه لا أنه استثناء شيئين بل استثناء شيء صادق على شيئين، ويمكن حمل كلام الزمخشري على ذلك فقوله: وقع / الاستثناء على الوقت والحال معاً صحيح وإن [كان] المستثنى أعم لأن الأعم يقع على الأخص والواقع على الواقع واقع فتخلص عما ورد عليه من قول النحاة لا يستثنى بأداة واحدة دون عطف شيئآن انتهى فتدبره. وجوز أن يكون {غَيْرَ نَـٰظِرِينَ } حالاً من المجرور في {لَكُمْ } ولم يذكره الزمخشري، وفي «الكشف» لو جعل حالاً من ذلك لأفاد ما ذكره من حيث إنه نهى عن الدخول في جميع الأوقات إلا وقت وجود الإذن المقيد، وقال العلامة تقي الدين: لم يجعل حالاً من ذلك وإن كان جائزاً من جهة الصناعة لأنه يصير حالاً مقدرة ولأنهم لا يصيرون منهيين عن الانتظار بل يكون ذلك قيداً في الإذن وليس المعنى على ذلك بل على أنهم نهوا أن يدخلوا إلا بإذن ونهوا إذا دخلوا أن يكونوا غير ناظرين أناه فلذلك امتنع من جهة المعنى أن يكون العامل فيه {يُؤْذَنَ } وأن يكون حالاً من مفعوله اهـ. ولعله أبعد نظراً مما في «الكشف». وقرأ ابن أبـي عبلة {غَيْرِ } بالكسر على أنه صفة لطعام فيكون جارياً على غير من هو له، ومذهب البصريين في ذلك وجوب إبراز الضمير بأن يقال هنا غير ناظر أنتم أو غير ناظرين أنتم ولا بأس بحذفه عند الكوفيين إذا لم يقع لبس كما هنا والتخريج المذكور عليه، وقد أمال حمزة والكسائي {إِنَـٰهُ } بناءً على أنه مصدر أني الطعام إذا أدرك، وقرأ الأعمش {إناءه} بمدة بعد النون. {وَلَـكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَٱدْخُلُواْ } استدراك من النهي عن الدخول بغير إذن وفيه دلالة على أن المراد بالإذن إلى الطعام الدعوة إليه {فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَٱنْتَشِرُواْ } أي فإذا أكلتم الطعام فتفرقوا ولا تلبثوا، والفاء للتعقيب بلا مهلة للدلالة على أنه ينبغي أن يكون دخولهم بعد الإذن والدعوة على وجه يعقبه الشروع في الأكل بلا فصل. والآية على ما ذهب إليه الجل من المفسرين خطاب لقوم كانوا يتحينون طعام النبـي صلى الله عليه وسلم فيدخلون ويقعدون منتظرين لإدراكه مخصوصة بهم وبأمثالهم ممن يفعل مثل فعلهم في المستقبل فالنهي مخصوص بمن دخل بغير دعوة وجلس منتظراً للطعام من غير حاجة فلا تفيد النهي عن الدخول بإذن لغير طعام ولا عن الجلوس واللبث بعد الطعام لمهم آخر، ولو اعتبر الخطاب عاماً لكان الدخول واللبث المذكوران منهياً عنهما ولا قائل به، ويؤيد ما ذكر ما أخرجه عبد بن حميد عن الربيع عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: كانوا يتحينون فيدخلون بيت النبـي صلى الله عليه وسلم فيجلسون فيتحدثون ليدرك الطعام فأنزل الله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ} الآية وكذا ما أخرجه ابن أبـي حاتم عن سليمان بن أرقم قال نزلت في الثقلاء ومن هنا قيل إنها آية الثقلاء، وتقدم لك القول بجواز كون {إِلَىٰ طَعَامٍ } قد تنازع فيه الفعلان {تَدْخُلُواْ } و{يُؤْذَنَ } والأمر عليه ظاهر. وقال العلامة ابن كمال: الظاهر أن الخطاب عام لغير المحارم وخصوص السبب لا يصلح مخصصاً على ما تقرر في الأصول، نعم يكون وجهاً لتقييد الإذن بقوله تعالى: {إِلَىٰ طَعَامٍ } فيندفع وهم اعتبار مفهومه انتهى وفيه بحث فتأمل والمشهور في سبب النزول ما ذكرناه أول الكلام في الآية عن الإمام أحمد والشيخين وغيرهم فلا تغفل. {وَلاَ مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ } أي لحديث بعضكم بعضاً أو لحديث أهل البيت بالتسمع له فاللام تعليلية أو اللام المقوية و {مُسْتَأْنِسِينَ } مجرور معطوف على {نَـٰظِرِينَ } و {لا } زائدة، ويجوز أن يكون منصوباً معطوفاً على {غَيْرِ } كقوله تعالى: {أية : وَلاَ ٱلضَّالّينَ} تفسير : [الفاتحة: 7]، وجوز أن يكون حالاً مقدرة أو مقارنة من فاعل فعل حذف مع فاعله وذلك معطوف على المذكور والتقدير ولا تدخلوها أو لا تمكثوا مستأنسين لحديث. {إِنَّ ذَلِكُمْ } أي اللبث الدال عليه الكلام أو الاستئناس أو المذكور من الاستئناس والنظر أو الدخول على غير الوجه المذكور، والأول أقوى ملاءمة / للسياق والسباق {كَانَ يُؤْذِى ٱلنَّبِىّ } لأنه يكون مانعاً له عليه الصلاة والسلام عن قضاء بعض أوطاره مع ما فيه من تضييق المنزل عليه صلى الله عليه وسلم وعلى أهله {فَيَسْتَحْىِ مِنكُمْ} أي من إخراجم بأن يقول لكم اخرجوا أو من منعكم عما يؤذيه على ما قيل فالكلام على تقدير المضاف لقوله تعالى: {وَٱللَّهُ لاَ يَسْتَحْىِ مِنَ ٱلْحَقّ } فإنه يدل على أن المستحيا منه معنى من المعاني لا ذواتهم ليتوارد النفي والإثبات على شيء واحد كما يقتضيه نظام الكلام فلو كان المراد الاستحياء من ذواتهم لقال سبحانه والله لا يستحي منكم فالمراد بالحق إخراجهم أو المنع عن ذلك، ووضع الحق موضعه لتعظيم جانبه وحاصل الكلام أنه تعالى لم يترك الحق وأمركم بالخروج، والتعبير بعدم الاستحياء للمشاكلة، وجوز أن يكون الكلام على الاستعارة أو المجاز المرسل، واعتبار تقدير المضاف مما ذهب إليه الزمخشري وكثير وهو الذي ينبغي أن يعول عليه، وفي «الكشف» فإن قلت: الاستحياء من زيد للإخراج مثلاً هو الحقيقة والاستحياء من استخراجه توسع بجعل ما نشأ منه الفعل كالصلة وكلتا العبارتين صحيحة يصح إيقاع إحداهما موقع الأخرى، قلت: أريد أنه لا بد من ملاحظة معنى الإخراج فإما أن يقدر الإخراج ويوقع عليه فيكثر الإضمار ولا يطابق اللفظ نفياً وإثباتاً، وإما أن يقدر المضاف فيقل ويطابق، ومع وجود المرجح وفقد المانع لا وجه للعدول فلا بد مما ذكر. وقال العلامة ابن كمال: إن قوله تعالى: {فَيَسْتَحْىِ مِنكُمْ} تعليل المحذوف دل عليه السياق أي ولا يخرجكم فيستحي منكم ولذلك صدر بأداة التعليل ولو كان المعنى يستحي من إخراجكم لكان حقه أن يصدر بالواو، وفيه أن الكلام بعد تسليم ما ذكر على تقدير المضاف. وزعم بعضهم أن الأصل فيستحي منكم من الحق والله لا يستحيـي منكم من الحق، والمراد بالحق إخراجهم على أن ذلك من الاحتباك وكلا حرفي الجر ليس بمعنى واحد بل الأول للابتداء والثاني للتعليل، وقال: إن الحمل على ذلك هو الأنسب للإعجاز التنزيلي والاختصار القرآني ولا يخفى ما فيه. وقرأت فرقة كما في «البحر» {فيستحي} بكسر الحاء مضارع استحى وهي لغة بني تميم والمحذوف أما عين الكلمة فوزنه يستفل أو لامها فوزنه يستفع، وفي «الكشاف» قرىء {لاَ يَسْتَحْىِ } بياء واحدة وأظن أن القراءة بياء واحدة في الفعل في الموضعين. هذا والظاهر حرمة اللبث على المدعو إلى طعام بعد أن يطعم إذا كان في ذلك أذى لرب البيت وليس ما ذكر مختصاً بما إذا كان اللبث في بيت النبـي عليه الصلاة والسلام، ومن هنا كان الثقيل مذموماً عند الناس قبيح الفعل عند الأكياس. وعن ابن عباس وعائشة رضي الله تعالى عنهما: حسبك في الثقلاء أن الله عز وجل لم يحتملهم. وعندي كالثقيل المذكور من يدعى في وقت معين مع جماعة فيتأخر عن ذلك الوقت من غير عذر كثير شرعي بل لمحض أن ينتظر ويظهر بين الحاضرين مزيد جلالته وأن صاحب البيت لا يسعه تقديم الطعام للحاضرين قبل حضوره مخافة منه أو احتراماً له أو لنحو ذلك فيتأذى لذلك الحاضرون أو صاحب البيت، وقد رأينا من هذا الصنف كثيراً نسأل الله تعالى العافية إن فضله سبحانه كان كبيراً. {وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ } الضمير لنساء النبـي صلى الله عليه وسلم المدلول عليهن بذكر بيوته عليه الصلاة والسلام أي وإذا طلبتم منهن {مَّتَـٰعًا } أي شيئاً يتمتع به من الماعون وغيره {فَٱسْـئَلُوهُنَّ } فاطلبوا منهن ذلك {مِنْ وَرَاء حِجَابٍ } أي ستر. / أخرج البخاري وابن جرير وابن مردويه عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: قال عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه يا رسول الله يدخل عليك البر والفاجر فلو أمرت أمهات المؤمنين بالحجاب فأنزل الله تعالى آية الحجاب وكان رضي الله تعالى عنه حريصاً على حجابهن وما ذاك إلا حباً لرسول الله صلى الله عليه وسلم. أخرج ابن جرير عن عائشة أن أزواج النبـي عليه الصلاة والسلام كن يخرجن بالليل إذ برزن إلى المناصع وهو صعيد أفيح وكان عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه يقول للنبـي صلى الله عليه وسلم: احجب نساءك فلم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل فخرجت سودة بنت زمعة رضي الله تعالى عنها ليلة من الليالي عشاء وكانت امرأة طويلة فناداها عمر رضي الله تعالى عنه بصوته الأعلى قد عرفناك يا سودة حرصاً على أن ينزل الحجاب فأنزل الله تعالى الحجاب وذلك أحد موافقات عمر رضي الله تعالى عنه وهي مشهورة. وعد الشيعة ما وقع منه رضي الله تعالى عنه في خبر ابن جرير من المثالب قالوا: لما فيه من سوء الأدب وتخجيل سودة حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم وإيذائها بذلك. وأجاب أهل السنة بعد تسليم صحة الخبر أنه رضي الله تعالى عنه رأى أن لا بأس بذلك لما غلب على ظنه من ترتب الخير العظيم عليه، ورسول الله صلى الله عليه وسلم وإن كان أعلم منه وأغير لم يفعل ذلك انتظاراً للوحي وهو اللائق بكمال شأنه مع ربه عز وجل. وأخرج البخاري في «الأدب» والنسائي من حديث عائشة أنها كانت تأكل معه عليه الصلاة والسلام وكان يأكل معهما بعض أصحابه فأصابت يد رجل يدها فكره النبـي صلى الله عليه وسلم ذلك فنزلت، ولا يبعد أن يكون مجموع ما ذكر سبباً للنزول، ونزل الحجاب على ما أخرج ابن سعد عن أنس سنة خمس من الهجرة. وأخرج عن صالح بن كيسان أن ذلك في ذي القعدة منها. {ذٰلِكُمْ } الظاهر أنه إشارة إلى السؤال من وراء حجاب، وقيل: هو إشارة إلى ما ذكر من عدم الدخول بغير إذن وعدم الاستئناس للحديث عند الدخول وسؤال المتاع من وراء حجاب {أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ } أي أكثر تطهراً من الخواطر الشيطانية التي تخطر للرجال في أمر النساء وللنساء في أمر الرجال فإن الرؤية سبب التعلق والفتنة، وفي بعض الآثار «حديث : النظر سهم مسموم من سهام إبليس»تفسير : ، وقال الشاعر:شعر : والمرء ما دام ذا عين يقلبها في أعين العين موقوف على الخطر يسر مقلته ما ساء مهجته لا مرحباً بانتفاع جاء بالضرر تفسير : {وَمَا كَانَ لَكُمْ } أي وما صح وما استقام لكم {أَن تؤْذُواْ رَسُولَ ٱللَّهِ } أي تفعلوا في حياته فعلاً يكرهه ويتأذى به كاللبث والاستئناس بالحديث الذي كنتم تفعلونه وغير ذلك، والتعبير عنه عليه الصلاة والسلام بعنوان الرسالة لتقبيح ذلك الفعل والإشارة إلى أنه بمراحل عما يقتضيه شأنه صلى الله عليه وسلم إذ في الرسالة / من نفعهم المقتضي للمقابلة بالمثل دون الإيذاء ما فيها {وَلاَ أَن تَنكِحُواْ أَزْوَاجَهُ مِن بَعْدِهِ أَبَداً } من بعد وفاته أو فراقه وهو كالتخصيص بعد التعميم فإن نكاح زوجة الرجل بعد فراقه إياها من أعظم الأذى. ومن الناس من تفرط غيرته على زوجته حتى يتمنى لها الموت لئلا تنكح من بعده وخصوصاً العرب فإنهم أشد الناس غيرة. وحكى الزمخشري أن بعض الفتيان قتل جارية له يحبها مخافة أن تقع في يد غيره بعد موته. وظاهر النهي أن العقد غير صحيح، وعموم الأزواج ظاهر في أنه لا فرق في ذلك بين المدخول بها وغيرها كالمستعيذة والتي رأى بكشحها بياضاً فقال لها عليه الصلاة والسلام قبل الدخول: «الحقي بأهلك» وهو الذي نص عليه الإمام الشافعي وصححه في «الروضة»، وصحح إمام الحرمين والرافعي في «الصغير» أن التحريم للمدخول بها فقط لما روي أن الأشعث بن قيس الكندي نكح المستعيذة في زمن عمر رضي الله تعالى عنه فهم عمر برجمه فأخبر أنها لم يكن مدخولاً بها فكف من غير نكير. وروي أيضاً أن قتيلة بنت قيس أخت الأشعث المذكور تزوجها عكرمة بن أبـي جهل بحضرموت وكانت قد زوجها أخوها قبل من رسول الله صلى الله عليه وسلم فقبل أن يدخل بها حملها معه إلى حضرموت وتوفي عنها عليه الصلاة والسلام فبلغ ذلك أبا بكر رضي الله تعالى عنه فقال: هممت أن أحرق عليها بيتها فقال له عمر: ما هي من أمهات المؤمنين ما دخل بها صلى الله عليه وسلم ولا ضرب عليها الحجاب. وقيل: لم يحتج عليه بذلك بل احتج بأنها ارتدت حين ارتد أخوها فلم تكن من أمهات المؤمنين بارتدادها وكذا هو ظاهر في أنه لا فرق في ذلك بين المختارة منهن الدنيا كفاطمة بنت الضحاك بن سفيان الكلابـي في رواية ابن إسحاق والمختارة الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم كنسائه عليه الصلاة والسلام التسع اللاتي توفي عنهن. وللعلماء في حل مختارة الدنيا للأزواج طريقان، أحدهما: طرد الخلاف، والثاني: القطع بالحل واختاره الإمام والغزالي عليهما الرحمة، وكأن من قال بحل غير المدخول بها وبحل المختارة المذكورة حمل الأزواج على من كن في عصمته يوم نزول الآية وعلى من يشبههن ولسن إلا المدخولات بهن اللاتي اخترنه عليه الصلاة والسلام، وإذا حمل ذلك وأريد بقوله تعالى: {مِن بَعْدِهِ } من بعد فراقه يلزم حرمة نكاح من طلقها صلى الله عليه وسلم من تلك الأزواج على المؤمنين وهو كذلك، ومن هنا اختلف القائلون بانحصار طلاقه صلى الله عليه وسلم بالثلاث فقال بعضهم: تحل له عليه الصلاة والسلام من طلقها ثلاثاً من غير محلل، وقال آخرون: لا تحل له أبداً، وظاهر التعبير بالأزواج عدم شمول الحكم لأمة فارقها صلى الله عليه وسلم بعد وطئها. وفي المسألة أوجه ثالثها أنها تحرم إن فارقها بالموت كمارية رضي الله تعالى عنها ولا تحرم إن باعها أو وهبها في الحياة. وحرمة نكاح أزواجه عليه الصلاة والسلام من بعده من خصوصياته صلى الله عليه وسلم، وسمعت عن بعض جهلة المتصوفة أنهم يحرمون نكاح زوجة الشيخ من بعده على المريد وهو جهل ما عليه مزيد. {إِنَّ ذَلِكُمْ } إشارة إلى ما ذكر من إيذائه عليه الصلاة والسلام ونكاح أزواجه من بعده، وما فيه من معنى البعد للإيذان ببعد منزلته في الشر والفساد {كَانَ عِندَ ٱللَّهِ } في حكمه عز وجل {عَظِيماً } أي أمراً عظيماً وخطباً هائلاً لا يقادر قدره، وفيه من تعظيمه تعالى لشأن رسوله صلى الله عليه وسلم وإيجاب حرمته حياً وميتاً ما لا يخفى. / ولذلك بالغ عز وجل في الوعيد حيث قال سبحانه: {إِن تُبْدُواْ شَيْئاً...}.

ابن عاشور

تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتَ ٱلنَّبِىِّ إِلاَّ أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَىٰ طَعَامٍ غَيْرَ نَـٰظِرِينَ إِنَـٰهُ وَلَـكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَٱدْخُلُواْ فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَٱنْتَشِرُواْ وَلاَ مُسْتَئنِسِينَ لِحَدِيثٍ إنَّ ذَلِكُم كَانَ يُؤْذِى النَّبِىَّ فَيَسْتَحِى مِنكُمْ واللهُ لاَ يَسْتَحِى مِنَ الحَقِّ}. لما بين الله في الآيات السابقة آداب النبي صلى الله عليه وسلم مع أزواجه قفّاه في هذه الآية بآداب الأمة معهن، وصدره بالإِشارة إلى قصة هي سبب نزول هذه الآية. وهي ما في «صحيح البخاري» وغيره عن أنس بن مالك قال: لما تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم زينب ابنة جحش صنع طعاماً بخبز ولحم ودعا القوم فطعِموا ثم جلسوا يتحدثون وإذا هو كأنه يتهيّأ للقيام فلم يقوموا، فلما رأى ذلك قام فلما قام قام مَن قام وقعد ثلاثة نفر، فجاء النبي ليدخل فإذا القوم جلوس، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يخرج ثم يرجع فانطلق إلى حجرة عائشة... فتقَرَّى حُجَرَ نسائه كلهن يسلّم عليهن ويسلمن عليه ويدعون له، ثم إنهم قاموا فانطلقتُ فجئت فأخبرتُ النبي صلى الله عليه وسلم أنهم قد انطلقوا فجاء حتى دخل فذهبتُ أدخل فألقى الحجاب بيني وبينه فأنزل الله: {يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي} إلى قوله: {من وراء حجاب}. وفي حديث آخر في الصحيح عن أنس أيضاً أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال له: «يا رسول الله يدخل عليك البَّرُ والفاجر فلو أمرتَ أمهاتِ المؤمنين بالحجاب» فأنزل الله آية الحجاب. وليس بين الخبرين تعارض لجواز أن يكون قول عمر كان قبل البناء بزينب بقليل ثم عقبته قصة وليمة زينب فنزلت الآية بإثرها. وابتدىء شرع الحجاب بالنهي عن دخول بيوت النبي صلى الله عليه وسلم إلا لطعام دعاهم إليه، لأن النبي عليه الصلاة والسلام له مجلس يجلس في المسجد فمن كان له مهمّ عنده يأتيه هنالك. وليس ذكر الدعوة إلى طعام تقييداً لإباحة دخول بيوت النبي صلى الله عليه وسلم لا يدخلها إلا المدعو إلى طعام ولكنه مثال للدعوة وتخصيص بالذكر كما جرى في القضية التي هي سبب النزول فيلحق به كل دعوة تكون من النبي صلى الله عليه وسلم وكل إذن منه بالدخول إلى بيته لغير قصد أن يطعم معه كما كان يقع ذلك كثيراً. ومن ذلك قصة أبي هريرة حين استقرأ من عمر آية من القرآن وهو يطمع أن يَدعوه عمر إلى الغدَاء ففتح عليه الآية ودخل فإذا رسول الله قائم على رأس أبي هريرة وقد عرف ما به فانطلق به إلى بيته وأمر له بعُسّ من لبن ثم ثانٍ ثم ثالث، وإنما ذكر الطعام إدماجاً لتبيين آدابه، ولذلك ابتدىء بقوله: {غير ناظرين إناه} مع أنه لم يقع مثله في قصة سبب النزول. وقرأ الجمهور {بيوت} بكسر الباء. وقرأه أبو عمرو وورش عن نافع وحفص عن عاصم وأبو جعفر بضم الباء، وقد تقدم في سورة النساء وغيرها. و{إناه} بكسر الهمزة وبالقصر: إما مصدر أَنَى الشيءُ إذا حان، يقال: أنى يأنِي، قال تعالى: {أية : ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله}تفسير : [الحديد: 16]. ومقلوبه: آن. وهو بمعناه. والمعنى: غير منتظرين حضور الطعام، أي غير سابقين إلى البيوت وقبْل تهيئته. والاستثناء في {إلا أن يؤذن لكم} استثناء من عموم الأحوال التي يقتضيها الدخول المنهي عنه، أي إلا حال أن يؤذن لكم. وضُمِّن {يؤذن} معنى تُدعون فعدي بــــ{إلى فكأنه قيل: إلا أن تُدعَوْا إلى طعام فيؤذن لكم لأن الطفيلي قد يؤذن له إذا استأذن وهو غير مدعو فهي حالة غير مقصودة من الكلام. فالكلام متضمن شرطين هما: الدعوة، والإِذن، فإن الدعوة قد تتقدم على الإذن وقد يقترنان كما في حديث أنس بن مالك. و{غير ناظرين} حال من ضمير {لكم} فهو قيد في متعلق المستثنى فيكون قيداً في قيدٍ فصارت القيود المشروطة ثلاثة. و{ناظرين} اسم فاعل من نظَر بمعنى انتظر، كقوله تعالى: {أية : فهل ينتظرون إلا مثل أيام الذين خلوا من قبلهم}تفسير : [يونس: 102] الآية. ومعنى ذلك: لا تحضروا البيوت للطعام قبل تهيئة الطعام للتناول فتقعدوا تنتظرون نُضجه. وعن ابن عباس نزلت في ناس من المؤمنين كانوا يتحينون طعام النبي فيدخلون قبل أن يُدرك الطعام فيقعدون إلى أن يُدرك ثم يأكلون ولا يخرجون ا هــــ. وقد يقتضي أن ذلك تكرر قبل قضية النَفر الذين حضروا وليمة البناء بزينب فتكون تلك القضية خاتمة القضايا، فكُني بالانتظار عن مبادرة الحضور قبل إبان الأكل. ونكتة هذه الكناية تشويه السبق بالحضور بجعله نهماً وجشعاً وإن كانوا قد يحضرون لغير ذلك، وبهذا تعلم أن ليس النهي متوجهاً إلى صريح الانتظار. وموقع الاستدراك لرفع توهم أن التأخر عن إبان الطعام أفضل فأرشد الناس إلى أن تأخر الحضور عن إبان الطعام لا ينبغي بل التأخر ليس من الأدب لأنه يجعل صاحب الطعام في انتظار، وكذلك البقاء بعد انقضاء الطعام فإنه تجاوز لحد الدعوة لأن الدعوة لحضور شيء تقتضي مفارقة المكان عند انتهائه لأن تقيد الدعوة بالغرض المخصوص يتضمن تحديدها بانتهاء ما دُعي لأجله، وكذلك الشأن في كل دخول لغرض من مشاورة أو محادثة أو سمَر أو نحو ذلك، وكل ذلك يتحدد بالعرف وما لا يَثقل على صاحب المحل، فإن كان محل لا يختص به أحد كدار الشورى والنادي فلا تحديد فيه. و{طعمتم} معناه أكلتم، يقال: طعم فلان فهو طاعم، إذا أكل. والانتشار: افتعال من النشر، وهو إبداء ما كان مطوياً، أطلق على الخروج مجازاً وتقدم في قوله: {أية : وجعل النهار نُشوراً} تفسير : في سورة الفرقان (47). والواو في {ولا مستأنسين} عطف على {ناظرين} وما بينهما من الاستدراك وما تفرع عليه اعتراض بين المتعاطفين. وزيادة حرف النفي قبل {مستأنسين} لتأكيد النفي كما هو الغالب في العطف على المنفي وفي تصدير المنفي نحو قوله: {أية : فلا وربك لا يؤمنون} تفسير : الآية [النساء: 65] وقوله: {أية : لا يسخر قوم من قوم}تفسير : [الحجرات: 11] ثم قوله: {أية : ولا نساء من نساء}تفسير : [الحجرات: 11]. والاستئناس: طلب الأنس مع الغير. واللام في {لحديث} للعلة، أي ولا مستأنسين لأجل حديث يجري بينكم. والحديث: الخبر عن أمر حدث، فهو في الأصل صفة حُذف موصوفها ثم غلبت على معنى الموصوف فصار بمعنى الإِخبار عن أمر حدث، وتُوسّع فيه فصار الإِخبار عن شيء ولو كان أمراً قد مضى. ومنه سمي ما يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم حديثاً كما يسمى خبراً، ثم توسع فيه فصار يطلق على كل كلام يجري بين الجلساء في جد أو فكاهة، ومنه قولهم: حديثُ خرافة، وقول كثير:شعر : أخذنا باكتراث الأحاديث تبييناً .... البيت تفسير : واستئناس الحديث: تسمُّعه والعناية بالإِصغاء إليه، قال النابغة:شعر : كأن رحلي وقد زال النهار بنا يوم الجليل على مُستأنس وَحَدِ تفسير : أي كأني راكب ثوراً وحشياً منفرداً تسمَّع صوت الصائد فأسرع الهروب. وإضافة {بيوت النبي} على معنى لام الملك لأن تلك البيوت ملك له ملكها بالعطية من الذين كانت ساحة المسجد ملكاً لهم من الأنصار، وبالفيء لقبور المشركين التي كانت ثمة، فإن المدينة فتحت بكلمة الإِسلام فأصبحت داراً للمسلمين. ومصير تلك البيوت بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم مصير تركته كلها فإنه لا يورث وما تركه ينتفع منه أزواجه وآله بكفايتهم حياتهم ثم يرجع ذلك للمسلمين كما قضى به عمر بين علي والعباس فيما كان للنبي صلى الله عليه وسلم من فَدَك ونخللِ بني النضير، فكان لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم حق السكنى في بيوتهن بعده حتى توفّاهن الله من عند آخرتهن، فلذلك أدخلها الخلفاء في المسجد حين توسعته في زمن الوليد بن عبد الملك وأمير المدينة يومئذٍ عمر بن عبد العزيز. ولم ينكر ذلك أحد من الصحابة ولم يُعطَ ورثتُهن شيئاً ولا سألوه. وإضافتها إلى ضميرهن في قوله: {أية : ما يتلى في بيوتكن}تفسير : [الأحزاب: 34] على معنى لام الاختصاص لا لام الملك. قال حماد بن زيد وإسماعيل بن أبي حكيم: هذه الآية أدبٌ أدَّبَ اللَّهُ به الثقلاء، وقال ابنُ أبي عائشة: حسبك من الثقلاء أن الشرع لم يحتملهم. ومعنى الثقل فيه هو إدخال أحَدٍ القلقَ والغمّ على غيره من جراء عمل لفائدة العامل أو لعدم الشعور بما يلحق غيره من الحرج من جراء ذلك العمل. وهو من مساوىء الخلق لأنه إن كان عن عمد كان ضراً بالناس وهو منهي عنه لأنه من الأذى وهو ذريعة للتباغض عند نفاد صبر المضرور، فإن النفوس متفاوتة في مقدار تحمل الأذى، ولأن المؤمن يحب لأخيه ما يحب لنفسه فعليه إذا أحس بأن قوله أو فعله يُدخل الغم على غيره أن يكف عن ذلك ولو كان يجتني منه منفعة لنفسه إذ لا يُضر بأحد لينتفع غيره إلا أن يكون لمن يأتي بالعمل حق على الآخر فإن له طلبه مع أنه مأمور بحسن التقاضي، وإن كان إدخاله الغم على غيره عن غباوة وقلة تفطن له فإنه مذموم في ذاته وهو يصل إلى حدّ يكون الشعور به بديهياً. وللحكماء والشعراء أقوال كثيرة في الثقلاء طفحت بها كتب أدب الأخلاق. ومعاملة الناس النبي صلى الله عليه وسلم بهذا الخلق أشد بعداً عن الأدب لأن للنبي صلى الله عليه وسلم أوقاتاً لا تخلو ساعة منها عن الاشتغال بصلاح الأمة ويجب أن لا يَشغل أحد أوقاتَه إلا بإذنه، ولذلك قال تعالى: {إلا أن يؤذن لكم}. والأمر في قوله: {فادخلوا} للندب لأن إجابة الدعوة إلى الوليمة سنة، وتقييد النهي بقوله: {غير ناظرين إناه} للتنزيه لأن الحضور قبل تهيّؤ الطعام غير مقتضى للدعوة ولا يتضمنه الإِذن فهو تطفل. والأمر في قوله: {فانتشروا} للوجوب لأن دخول المنزل بغير إذن حرام، وإنما جاز بمقتضى الدعوة للأكل فهو إذن مقيد المعنى بالغرض المأذوننِ لأجله فإذا انقضى السبب المبيح للدخول عاد تحريم الدخول إلى أصله؛ إلا أنه نظري قد يُغفل عنه لأن أصله مأذون فيه والمأذون فيه شرعاً لا يتقيّد بالسلامة إلا إذا تجاوز الحد المعروف تجاوزاً بيناً. وعطف {ولا مستأنسين لحديث} راجع إلى هذا الأمر بقوله: {فانتشروا} فلذلك ذكر عقبه فإن استدامة المكث في معنى الدخول، فذكر بإثره وحصل تفنن في الكلام. وفي هذه الآية دليل على أن طعام الوليمة وطعام الضيافة ملك للمتضيف وليس ملكاً للمدعوين ولا للأضياف لأنهم إنما أذن لهم في الأكل منه خاصة ولم يملكوه فلذلك لا يجوز لأحد رفع شيء من ذلك الطعام معه. وجملة {إن ذلكم كان يؤذي النبي فيستحيي منكم} استئناف ابتدائي للتحذير ودفع الاغترار بسكوت النبي صلى الله عليه وسلم أن يحسبوه رضي بما فعلوا. فمناط التحذير قوله: {ذلكم كان يؤذي النبي} فإن أذى النبي صلى الله عليه وسلم مقرر في نفوسهم أنه عمل مذموم لأن النبي عليه الصلاة والسلام أعز خلق في نفوس المؤمنين وذلك يقتضي التحرز مما يؤذيه أدنى أذى. ومناط دفع الاغترار قوله: {فيستحيي منكم} فإن السكوت قد يظنه الناس رضى وإذناً وربما تطرق إلى أذهان بعضهم أن جلوسهم لو كان محظوراً لما سكت عليه النبي صلى الله عليه وسلم فأرشدهم الله إلى أن السكوت الناشىء عن سببٍ هو سكوت لا دلالة له على الرضى وأنه إنما سكت حياء من مباشرتهم بالإخراج فهو استحياء خاص من عمل خاص. وإنما كان ذلك مؤذياً النبي صلى الله عليه وسلم لأن فيه ما يحول بينه وبين التفرغ لشؤون النبوءة من تلقي الوحي أو العبادة أو تدبير أمر الأمة أو التأخر عن الجلوس في مجلسه لنفع المسلمين ولشؤون ذاته وبيته وأهله. واقتران الخبر بحرف {إنّ} للاهتمام به. ولك أن تجعله من تنزيل غير المُتردد منزلة المتردد لأن حال النفَر الذين أطالوا الجلوس والحديث في بيت النبي عليه الصلاة والسلام وعدم شعورهم بكراهيته ذلك منهم حين دخل البيت فلما وجدهم خرج، فغفلوا عما في خروج النبي صلى الله عليه وسلم من البيت من إشارة إلى كراهيتِهِ بقاءَهم، تلك حالة من يظن ذلك مأذوناً فيه فخوطبوا بهذا الخطاب تشديداً في التحذير واستفاقة من التغرير. وإقحام فعل {كان} لإِفادة تحقيق الخبر. وصيغ {يؤذي} بصيغة المضارع دون اسم الفاعل لقصد إفادة أذى متكرر، والتكرير كناية عن الشدة. والأذى: ما يكدر مفعوله ويسيء من قول أو فعل. وتقدم في قوله تعالى: {أية : لن يضروكم إلا أذى} تفسير : في آل عمران (111)، وهو مراتب متفاوتة في أنواعه. والتفريع في قوله: {فيستحيي منكم} تفريع على مقدر دلت عليه القصة. والتقدير: فيهمّ بإخراجكم فيستحيي منكم إذ ليس الاستحياء مفرعاً على الإِيذاء ولا هو من لوازمه. ودخول {مِن} المتعلقة بــــ {يستحيي} على ضمير المخاطبين على تقدير مضاف، أي يستحيي من إعلامكم بأنه يؤذيه. وتعدية المشتقات من مادة الحياء إلى الذوات شائع يساوي الحقيقة لأن الاستحياء يختلف باختلاف الذوات، فقولك: أردت أن أفعل كذا فاستحيت من فلان، يجوز أن تكون الحقيقة هي التعليق بذات فلان وأن تكون هي التعليق بالأحوال الملابسة له التي هي سبب الاستحياء لأجل ملابستها له. ولك أن تقول: استحييت من أن أفعل كذا بمرأى من فلان. وعلى التقدير الأول تكون {مِن} للتعليل، وعلى التقدير الثاني تكون {مِن} للابتداء. وظاهر كلام «الكشاف» يقتضي أن: استحييت من فلان مجاز أو توسع، وأن: استحييت من فعل كذا لأجل فلان هو الحقيقة. وظاهر كلام صاحب «الكشاف» عكس ذلك والأمر هيّن. وصيغ فعل {يستحيي} بصيغة المضارع لأنه مفرع على {يؤذي النبي} ليدل على ما دل عليه المفرع هو عليه. وفي هذه الآية دليل على أن سكوت النبي صلى الله عليه وسلم على الفعل الواقع بحضرته إذا كان تعدياً على حق لذاته لا يدل سكوته فيه على جواز الفعل لأن له أن يسامح في حقه، ولكن يؤخذ الحظر أو الإِباحة في مثله من أدلة أخرى مثل قوله تعالى هنا: {إن ذلكم كان يؤذي النبي} ولذلك جزم علماؤنا بأن من آذى النبي صلى الله عليه وسلم بالصراحة أو الالتزام يعزر على ذلك بحسب مرتبة الأذى والقصدِ إليه بعد توقيفه على الخفي منه وعدم التوبة مما تقبل في مثله التوبة منه. ولم يجعلوا في إعراض النبي عليه الصلاة والسلام عن مؤاخذة من آذاه في حياته دليلاً على مشروعية تسامح الأمة في ذلك لأنه كان له أن يعفو عن حقه لقوله تعالى: {أية : فاعف عنهم}تفسير : [المائدة: 13] وقوله: {أية : ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك}تفسير : [آل عمران: 159]. فهذا ملاك الجمع بين الإِيذاء والاستحياءِ والحقّ في هذه الآية، فقد تولى الله تعالى الذبّ عن حق رسوله وكفاه مؤونة المضــض الداعي إليه حياؤه. وقد حقق هذا المعنى وما يحف به القاضي أبو الفضل عياض في تضاعيف القسم الرابع من كتابه «الشفاء». فإن قلت: ورد في الحديث عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج من البيت ليقومَ الثلاثةُ الذين قعَدُوا يتحدثون، فلماذا لم يأمرهم بالخروج بدلاً من خروجه هو. قلت: لأن خروجه غيرُ صريح في كراهية جلوسهم لأنه يحتمل أن يكون لغرض آخر، ويحتمل أن يكون لقصد انفضاض المجلس فكان من واجب الألمعية أن يخطر ببالهم أحد الاحتمالين فيتحفزوا للخروج فليس خروجه عنهم بمناف لوصف حيائه صلى الله عليه وسلم. وجملة {والله لا يستحيي من الحق} معطوفة على جملة {فيستحيي منكم} والمعنى: أن ذلك سوء أدب مع النبي صلى الله عليه وسلم فإذا كان يستحيي منكم فلا يباشركم بالإِنكار ترجيحاً منه للعفو عن حقه على المؤاخذة به فإن الله لا يستحيي من الحق لأن أسباب الحياء بين الخلق منتفية عن الخالق سبحانه: {أية : والله يقول الحق وهو يهدي السبيل}تفسير : [الأحزاب: 4]. وصيغت الجملة المعطوفة على بناء الجملة الاسمية مخالِفةً للمعطوفة هي عليها فلم يقل: ولا يستحيي الله من الحق، للدلالة على أن هذا الوصف ثابت دائم لله تعالى لأن الحق من صفاته، فانتفاء ما يمنع تبليغه هو أيضاً من صفاته لأن كل صفة يجب اتصاف الله بها فإن ضدها يستحيل عليه تعالى. والتعريف في {الحق} تعريف الجنس المراد منه الاستغراق مثل التعريف في {أية : الحمد لله}تفسير : [الفاتحة: 2]. والمعنى: والله لا يستحيي من جميع أفراد جنس الحق. و{الحق}: ضد الباطل. فمنه حق الله وحق الإِسلام، وحق الأمة جمعاء في مصالحها وإقامة آدابها، وحق كل فرد من أفراد الأمة فيما هو من منافعه ودفع الضر عنه. ويشتمل حقَ النبي صلى الله عليه وسلم في بيته وأوقاته، وبهذا العموم في الحق صارت الجملة بمنزلة التذييل. و{مِن} في قوله: {من الحق} ليست مثل {من} التي في قوله: {فيستحيي منكم} لأن {مِن} هذه متعينة لكونها للتعليل إذ الحق لا يُستحيَى من ذاته فمعنى {إن الله لا يستحيي من الحق} أنه لا يستحيي لبيانه وإعلانه. وقد أفاد قوله: {والله لا يستحيي من الحق} أن من واجبات دِين الله على الأمة أن لا يستحيي أحد من الحق الإِسلامي في إقامته، وفي معرفته إذا حل به ما يقتضي معرفته، وفي إبلاغه وهو تعليمه، وفي الأخذ به، إلا فيما يرجع إلى الحقوق الخاصة التي يرغب أصحابها في إسقاطها أو التسامح فيها مما لا يغمص حقاً راجعاً إلى غيره لأن الناس مأمورون بالتخلق بصفات الله تعالى اللائقة بأمثالهم بقدر الإِمكان. وهذا المعنى فهمته أمُّ سُليم وأقرها النبي صلى الله عليه وسلم على فهمها، فقد جاء في الحديث الصحيح: «حديث : عن أم سَلَمة قالت: جاءت أم سُليم إلى النبي فقالت: يا رسول الله إن الله لا يستحيي من الحق فهل على المرأة من غسل إذا احتلمت؟ فقال رسول الله: نعم إذا رأت الماء». تفسير : فهي لم تستح في السؤال عن الحق المتعلق بها، والنبي صلى الله عليه وسلم لم يستحِ في إخبارها بذلك. ولعلها لم تجد من يسأل لها أو لم تر لزاماً أن تستنيب عنها من يسأل لها عن حكم يخص ذاتها. وقد رأى علي بن أبي طالب الجمع بين طلب الحق وبين الاستحياء، ففي «الموطأ» عن المقداد بن الأسود أن علي بن أبي طالب أمره أن يسأل له رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الرجل إذا دنا من أهله فخرج منه المذي ماذا عليه؟ قال علي: فإن عندي ابنة رسول الله وأنا أستحيي أن أسأله» الحديث. على أن بين قضية أم سُليم وقضية علي تفاوتاً من جهات في مقتضى الاستحياء لا تخفى على المتبصر. واعلمْ أن في ورود {يؤذي} هنا ما يبطل المثال الذي أورده ابن الأثير في كتاب «المثل السائر» شاهداً على أن الكلمة قد تروق السامعَ في كلام ثم تكون هي بعينها مكروهة للسامع. وجاء بكلمة {يؤذي} في هذه الآية، ونظيرها (تؤذي) في قول المتنبي:شعر : تَلذ له المروءة وهي تُوذي تفسير : وزعم أن وجودها في البيت يحط من قدر المعنى الشريف الذي تضمنه البيت وأحال في الجزم بذلك على الطبع السليم، ولا أحسب هذا الحكم إلا غضباً من ابن الأثير لا تُسوِّغه صناعة ولا يشهد به ذوق، ولقد صرف أيمة الأدب همهم إلى بحث شعر المتنبي ونقده فلم يَعُدَّ عليه أحد منهم هذا منتقَداً، مع اعتراف ابن الأثير بأن معنى البيت شريف فلم يبق له إلا أن يزعم أن كراهة هذا اللفظ فيه راجعة إلى أمر لفظي من الفصاحة، وليس في البيت شيء من الإِخلال بالفصاحة وكأنه أراد أن يقفي على قدم الشيخ عبد القاهر فيما ذكر في الفصل الذي جعله ثانياً من كتاب «دلائل الإعجاز» فإن ما انتقده الشيخ في ذلك الفصل من مواقع بعض الكلمات لا يخلو من رجوع نقده إياها إلى أصول الفصاحة أو أصول تناسب معاني الكلمات بعضها مع بعض في نظم الكلام، وشتان ما بين الصنيعين. {وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَـٰعاً فَٱسْـئَلُوهُنَّ مِن وَرَآءِ حِجَابٍ ذَٰلِكُمْ أَطْهَرُ لقُلُوبِكُمْ وقُلُوبِهِنَّ}. عطف على جملة {لا تدخلوا بيوت النبي} فهي زيادة بيان للنهي عن دخول البيوت النبوية وتحديد لمقدار الضرورة التي تدعو إلى دخولها أو الوقوف بأبوابها. وهذه الآية هي شارعة حكم حجاب أمهات المؤمنين، وقد قيل: إنها نزلت في ذي القعدة سنة خمس. وضمير {سألتموهن} عائد إلى الأزواج المفهوم من ذِكر البيوت في قوله: {بيوت النبي} فإن للبيوت ربَّاتهن وزوجُ الرجل هي ربة البيت، قال مرة بن مَحْكَان التميمي:شعر : يا ربةَ البيت قُومي غيرَ صاغرة ضمّي إليك رجال الحي والغُربا تفسير : وقد كانوا لا يبني الرجل بيتاً إلا إذا أراد التزوج. وفي حديث ابن عمر: كنت عزباً أبيت في المسجد. ومن أجل ذلك سَموا الزفاف بناء. فلا جرم كانت المرأة والبيت متلازمين فدَلت البيوت على الأزواج بالالتزام. ونظير هذا قوله تعالى: {أية : وفرش مرفوعة إنا أنشأناهن إنشاء فجعلناهن أبكاراً عرباً أتراباً لأصحاب اليمين}تفسير : [الواقعة:34 ـــ 38] فإن ذكر الفرش يستلزم أن للفراش امرأة، فلما ذكر البيوت هنا تبادر أن للبيوت رباتٍ. والمتاع: ما يحتاج إلى الانتفاع به مثل عارية الأواني ونحوها، ومثل سؤال العفاة ويلحق بذلك ما هو أولى بالحكم من سؤالٍ عن الدِّين أو عن القرآن، وقد كانوا يسألون عائشة عن مسائل الدين. والحجاب: السَّتْر المُرخَى على باب البيت. وكانت الستور مرخاة على أبواب بيوت النبي صلى الله عليه وسلم الشارعة إلى المسجد. وقد ورد ما يبين ذلك في حديث الوفاة حين خرج النبي صلى الله عليه وسلم على الناس وهم في الصلاة فكشف الستر ثم أرخى الستر. و{من وراء حجاب} متعلق بــــ{فاسألوهن} فهو قيد في السائل والمسؤول المتعلق ضميراهما بالفعل الذي تعلق به المجرور. و{من} ابتدائية. والوراء: مكان الخلف وهو مكان نسبي باعتبار المتجه إلى جهة، فوراء الحجاب بالنسبة للمتجهين إليه فالمسؤولة مستقبلة حجابها والسائل من وراء حجابها وبالعكس. والإِشارة بــــ{ذلكم} إلى المذكور، أي السؤال المقيد بكونه من وراء حجاب. واسم التفضيل في قوله: {أطهر} مستعمل للزيادة دون التفضيل. والمعنى: ذلك أقوى طهارة لقلوبكم وقلوبهن فإن قلوب الفريقين طاهرة بالتقوى وتعظيم حرمات الله وحرمة النبي صلى الله عليه وسلم ولكن لما كانت التقوى لا تصل بهم إلى درجة العصمة أراد الله أن يزيدهم منها بما يكسب المؤمنين مراتب من الحفظ الإِلهي من الخواطر الشيطانية بقطع أضعف أسبابها وما يقرب أمهات المؤمنين من مرتبة العصمة الثابتة لزوجهن صلى الله عليه وسلم فإن الطيبات للطيبين بقطع الخواطر الشيطانية عنهن بقطع دابرها ولو بالفرض. وأيضاً فإن للناس أوهاماً وظنوناً سُوأَى تتفاوت مراتب نفوس الناس فيها صرامة ووهناً، ونَفَاقاً وضعفاً، كما وقع في قضية الإِفك المتقدمة في سورة النور فكان شَرع حجاب أمهات المؤمنين قاطعاً لكل تقول وإرجاف بعمد أو بغير عمد. ووراء هذه الحِكَم كلها حكمة أخرى سامية وهي زيادة تقرير معنى أمومتهن للمؤمنين في قلوب المؤمنين التي هي أُمومة جَعلية شرعية بحيث إن ذلك المعنى الجعلي الروحي وهو كونهن أمهات يرتد وينعكس إلى باطن النفس وتنقطع عنه الصور الذاتية وهي كونهن فلانة أو فلانة فيصبحْن غير متصوَّرات إلا بعنوان الأمومة فلا يزال ذلك المعنى الروحي ينمى في النفوس، ولا تزال الصور الحسية تتضاءل من القوة المدركة حتى يصبح معنى أمهات المؤمنين معنى قريباً في النفوس من حقائق المجردات كالملائكة، وهذه حكمة من حكم الحجاب الذي سنه الناس لملوكهم في القدم ليكون ذلك أدخل لطاعتهم في نفوس الرعية. وبهذه الآية مع الآية التي تقدمتها من قوله: {أية : يا نساء النبي لستن كأحد من النساء}تفسير : [الأحزاب: 32] تحقق معنى الحجاب لأمهات المؤمنين المركبُ من ملازمتهن بيوتهن وعدمِ ظهور شيء من ذواتهن حتى الوجه والكفين، وهو حجاب خاص بهن لا يجب على غيرهن، وكان المسلمون يقتدون بأمهات المؤمنين ورعاً وهم متفاوتون في ذلك على حسب العادات، ولما أنشد النميري عند الحجاج قوله:شعر : يُخمرن أطرافَ البنان من التقى ويَخرجن جَنح الليلِ مُعْتَجِرات تفسير : قال الحجاج: وهكذا المرأة الحرة المسلمة. ودل قوله: {لقلوبكم وقلوبهن} أن الأمر متوجه لرجال الأمة ولنساء النبي صلى الله عليه وسلم على السواء. وقد أُلحق بأزواج النبي عليه السلام بنته فاطمة فلذلك لما خرجوا بجَنازتها جعلوا عليها قبة حتى دُفنت، وكذلك جعلت قبة على زينبَ بنت جَحش في خلافة عمر بن الخطاب. {وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تؤْذُواْ رَسُولَ ٱللَّهِ وَلاَ أَن تَنكِحُوۤاْ أَزْوَاجَهُ مِن بَعْدِهِ أَبَداً إِنَّ ذَٰلِكُمْ كَانَ عِندَ الله عَظِيمًا}. لما جيء في بيان النهي عن المكث في بيوت النبي صلى الله عليه وسلم بأنه يؤذيه أُتبع بالنهي عن أذى النبي صلى الله عليه وسلم نهياً عاماً، فالخطاب في {لكم} للمؤمنين المفتتح بخطابهم آية: {يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم} الآية. والواو عاطفة جملة على جملة أو هي واو الاعتراض بين جملة {وإذا سألتموهن متاعاً} وجملة {أية : لا جناح عليهن في آبائهن}تفسير : [الأحزاب: 55]. ودلت جملة {ما كان لكم} على الحظر المؤكد لأن {ما كان لكم} نفيٌ للاستحقاق الذي دلت عليه اللام، وإقحام فعل {كان} لتأكيد انتفاء الإِذن. وهذه الصيغة من صيغ شدة التحريم. وتضمنت هذه الآية حكمين: أحدهما: تحريم أن يؤذوا رسول الله صلى الله عليه وسلم والأذى: قول يقال له، أو فعل يُعامل به، من شأنه أن يغضبه أو يسوءه لذاته. والأذى تقدم في أول هذه الآيات آنفاً. والمعنى: أن أذى النبي عليه الصلاة والسلام محظور على المؤمنين. وانظر الباب الثالث من القسم الثاني من كتاب «الشفاء» لعياض. والحكم الثاني: تحريم أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم على الناس بقوله تعالى: {ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبداً} وهو تقرير لحكم أُمومة أزواجه للمؤمنين السالف في قوله: {أية : وأزواجه أمهاتهم}تفسير : [الأحزاب: 6]. وقد حُكيت أقوال في سبب نزول هذه الآية: منها أن رجلاً قال: لو مات محمد تزوجتُ عائشة، أي قاله بمسمع ممن نقلَه عنه فقيل: هذا الرجل من المنافقين وهذا هو المظنون بقائل ذلك. وقيل: هو من المؤمنين، أي خطر له ذلك في نفسه، قاله القرطبي. وذكروا رواية عن ابن عباس وعن مقاتل أنه طلحة بن عبيْد الله. وقال ابن عباس: كانت هفوة منه وتاب وكفَّر بالحج ماشياً وبإِعتاق رقاب كثيرة وحمل في سبيل الله على عشرة أفراس أو أبعرة. وقال ابن عطية: هذا عندي لا يصح على طلحة والله عاصمه من ذلك، أي إنْ حمل على ظاهر صدور القول منه فأما إن كان خطر له ذلك في نفسه فذلك خاطر شيطاني أراد تطهير قلبه فيه بالكفارات التي أعطاها إن صح ذلك. وأقول: لا شك أنه من موضوعات الذين يطعنون في طلحة بن عبيد الله. وهذه الأخبار واهية الأسانيد ودلائل الوضع واضحة فإن طلحة إن كان قال ذلك بلسانه لم يكن ليخفى على الناس فكيف يتفرد بروايته من انفرد. وإن كان خطر ذلك في نفسه ولم يتكلم به فمن ذا الذي اطَّلع على ما في قلبه، وليس بمتعين أن يكون لنزول هذه الآية سبب. فإن كان لها سبب فلا شك أنه قول بعض المنافقين لما يؤذن به قوله تعالى عَقب هذه الآيات {أية : لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض}تفسير : [الأحزاب: 60] الآية. وإنما شرعت الآية أن حكم أمومة أزواج النبي صلى الله عليه وسلم للمؤمنين حكم دائم في حياة النبي عليه الصلاة والسلام أو من بعده ولذلك اقتصر هنا على التصريح بأنه حكم ثابت من بعد، لأن ثبوت ذلك في حياته قد عُلم من قوله: {أية : وأزواجه أمهاتهم}تفسير : [الأحزاب: 6]. وإضافة البعدية إلى ضمير ذات النبي عليه الصلاة والسلام تُعيِّن أن المراد بعد حياته كما هو الشائع في استعمال مثل هذه الإِضافة فليس المراد بعد عصمته من نحو الطَلاق لأن طلاق النبي صلى الله عليه وسلم أزواجه غير محتمل شرعاً لقوله: {أية : ولا أن تبدل بهن من أزواج}تفسير : [الأحزاب: 52]. وأكد ظرف (بعدُ) بإدخال {من} الزائدة عليه، ثم أكد عمومه بظرف {أبداً} ليُعلم أن ذلك لا يتطرقه النسخ ثم زيد ذلك تأكيداً وتحذيراً بقوله: {إن ذلكم كان عند الله عظيماً}، فهو استئناف مؤكد لمضمون جملة {وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله}. والإِشارة إلى ما ذكر من إيذاء النبي صلى الله عليه وسلم وتزوج أزواجه، أي ذلكم المذكورُ. والعظيم هنا في الإثم والجريمة بقرينة المقام. وتقييد العظيم بكونه عند الله للتهويل والتخويف لأنه عظيم في الشناعة. وعلة كون تزوج أحد المسلمين إحدى نساء النبي صلى الله عليه وسلم إثماً عظيماً عند الله، أن الله جعل نساء النبي عليه الصلاة والسلام أمهات للمؤمنين فاقتضى ذلك أن تزوج أحد المسلمين إحداهن له حكم تزوج المرء أمَّه، وذلك إثم عظيم. واعلم أنه لم يتبين هل التحريم الذي في الآية يختص بالنساء اللاتي بنى بهن رسول الله صلى الله عليه وسلم أو هو يعم كل امرأة عقد عليها مثل الكندية التي استعاذت منه فقال لها: الحقي بأهلك، فتزوجها الأشعث بن قيس في زمن عمر بن الخطاب. ومثل قتيلة بنت قيس الكلبية التي زوّجها أخوها الأشعث ابن قيس من رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم حملها معه إلى حضرموت فتوفي رسول الله قبل قفولهما فتزوجها عكرمة بن أبي جهل وأن أبا بكر همّ بعقابه فقال له عمر: إن رسول الله لم يدخل بها. والمرويات في هذا الباب ضعيفة. والذي عندي أن البناء والعقد كانا يكونان مقترنيْن وأن ما يسبق البناء مما يسمونه تزويجاً فإنما هو مراكنة ووعد، ويدل لذلك ما في الصحيح أن رسول الله لما أحضرت إليه الكندية ودخل عليها رسول الله فقال لها: هبي لي نفسك (أي ليعلم أنها رضيت بما عقد لها وليها) فقالت: ما كان لملكة أن تهب نفسها لسوقة أعوذ بالله منك. فقال لها: لقد استعذت بمعاذ. فذلك ليس بطلاق ولكنه رجوع عن التزوج بها دال على أن العقد لم يقع وأن قول عمر لأبي بكر أو قول من قال لعمر: إن رسول الله لم يدخل بها هو كناية عن العقد. وعن الشافعي تحريم تزوج من عقد عليها النبي صلى الله عليه وسلم. ورجع إمام الحرمين والرافعي أن التحريم قاصر على التي دخل بها. على أنه يظهر أن الإضافة في قوله: {أزواجه} بمعنى لام العهد، أي الأزواج اللائي جاءت في شأنهن هذه الآيات من قوله: {أية : لا يحل لك النساء من بعد}تفسير : [الأحزاب: 52] فهن اللاءِ ثبت لهن حكم الأمهات. وبعد فإن البحث في هذه المسألة مجرد تفقه لا يبنى عليه عمل.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فَٱسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَآءِ حِجَابٍ ذٰلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ}. قد قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك أن من أنواع البيان التي تضمنها، أن يقول بعض العلماء في الآية قولاً، وتكون في نفس الآية قرينة تدل على عدم صحة ذلك القول، وذكرنا له أمثلة في الترجمة، وأمثلة كثيرة في الكتاب لم تذكر في الترجمة، ومن أمثلته التي ذكرنا في الترجمة هذه الآية الكريمة فقد قلنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك، ومن أمثلته قول كثير من الناس: إن آية الحجاب أعني قوله تعالى: {وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فَٱسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَآءِ حِجَابٍ} خاصة بأزواج النبي صلى الله عليه وسلم، فإن تعليله تعالى لهذا الحكم الذي هو إيجاب الحجاب بكونه أطهر لقلوب الرجال والنساء من الريبة في قوله تعالى: {ذٰلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنّ} قرينة واضحة على إرادة تعميم الحكم، إذ لم يقل أحد من جميع المسلمين، إن غير أزواج النبي صلى الله عليه وسلم لا حاجة إلى أطهرية قلوبهن وقلوب الرجال من الريبة منهن. وقد تقرر في الأصول: أن العلة قد تعمم معلولها، وإليه أشار في مراقي السعود بقوله: شعر : وقد تخصص وقد تعمم لأصلها لكنها لا تخرم تفسير : انتهى محل الغرض من كلامنا في الترجمة المذكورة. وبما ذكرنا تعلم أن في هذه الآية الكريمة، الدليل الواضح على أن وجوب الحجاب حكم عام في جميع النساء، لا خاص بأزواجه صلى الله عليه وسلم، وإن كان أصل اللفظ خاصاً بهن، لأن عموم علته دليل على عموم الحكم فيه، ومسلك العلة الذي دل على أن قوله تعالى: {ذٰلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنّ} هو علة قوله تعالى: {فَٱسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَآءِ حِجَاب} هو المسلك المعروف في الأصول بمسلك الإيماء والتنبيه، وضابط هذا المسلك المنطبق على جزيئاته: هو أن يقترن وصف بحكم شرعي على وجه لو لم يكن فيه ذلك الوصف علة لذلك الحكم لكان الكلام معيباً عند العارفين، وعرف صاحب مراقي السعود دلالة الإيماء والتنبيه في مبحث دلالة الاقتضاء والإشارة والإيماء، والتنبيه بقوله: شعر : دلالة الإيماء والتنبيه في الفن تقصد لدى ذويه أن يقرن الوصف بحكم إن يكن لغير علة يعبه من فطن تفسير : وعرف أيضاً الإيماء والتنبيه في مسالك العلة بقوله: شعر : والثالث الإيما اقتران الوصف بالحكم ملفوظين دون خلف وذلك الوصف أو النظير قرانه لغيرها يضير تفسير : فقوله تعالى: {ذٰلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ} لو لم يكن علة لقوله تعالى: {فَٱسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَآءِ حِجَاب} لكان الكلام معيباً غير منتظم عند الفطن العارف. وإذا علمت أن قوله تعالى: {ذٰلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ} هو علة قوله: {فَٱسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَآءِ حِجَاب} وعلمت أن حكم العلة عام. فاعلم أن العلة قد تعمم معلولها، وقد تخصصه كما ذكرنا في بيت مراقي السعود، وبه تعلم أن حكم آية الحجاب عام لعموم علته، وإذا كان حكم هذه الآية عاماً، بدلالة القرينة القرآنية. فاعلم أن الحجاب واجب، بدلالة القرآن على جميع النساء. واعلم أنا في هذا المبحث نريد أن نذكر الأدلة القرآنية على وجوب الحجاب على العموم، ثم الأدلة من السنة، ثم نناقش أدلة الطرفين، ونذكر الجواب عن أدلة من قالوا بعدم وجوب الحجاب، على غير أزواجه صلى الله عليه وسلم، وقد ذكرنا آنفاً أن قوله: {ذٰلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ} [الأحزاب: 53] الآية قرينة على عموم حكم آية الحجاب. ومن الأدلة القرآنية على احتجاب المرأة وسترها جميع بدنها حتى وجهها، قوله تعالى: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ قُل لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَآءِ ٱلْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلاَبِيبِهِنَّ} تفسير : [الأحزاب: 59]، فقد قال غير واحد من أهل العلم إن معنى: يدنين عليهن من جلابيبهن: أنهن يسترن بها جميع وجوههن، ولا يظهر منهن شيء إلا عين واحدة تبصر بها، وممن قال به ابن مسعود، وابن عباس، وعبيدة السلماني وغيرهم. فإن قيل: لفظ الآية الكريمة وهو قوله تعالى: {يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلاَبِيبِهِنَّ} لا يستلزم معناه ستر الوجه لغة، ولم يرد نص من كتاب، ولا سنة، ولا إجماع على استلزامه ذلك، وقول بعض المفسرين: إنه يستلزمه معارض بقول بعضهم: إنه لا يستلزمه، وبهذا يسقط الاستدلال بالآية على وجوب ستر الوجه. فالجواب: أن في الآية الكريمة قرينة واضحة على قوله تعالى فيها: {يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلاَبِيبِهِنَّ} يدخل في معناه ستر وجوههن بإدناء جلابيبهن عليها، والقرينة المذكورة: هي قوله تعالى: {قُل لأَزْوَاجِك} ووجوب احتجاب أزواجه وسترهن وجوههن، لا نزاع فيه بين المسلمين. فذكر الأزواج مع البنات ونساء المؤمنين يدل على وجوب ستر الوجوه بإدناء الجلابيب كما ترى. ومن الأدلة على ذلك أيضاً: هو ما قدمنا في سورة النور في الكلام على قوله تعالى: {أية : وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا} تفسير : [النور: 31]، من أن استقراء القرآن يدل على أن معنى إلا ما ظهر منها الملاءة فوق الثياب، وأنه لا يصح تفسير إلا ما ظهر منها بالوجه والكفين كما تقدم إيضاحه. واعلم أن قول من قال: إنه قد قامت قرينة قرآنية على أن قوله تعالى: {أية : يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلاَبِيبِهِنَّ} تفسير : [الأحزاب: 59] لا يدخل فيه ستر الوجه، وأن القرينة المذكورة هي قوله تعالى: {أية : ذٰلِكَ أَدْنَىٰ أَن يُعْرَفْنَ} تفسير : [الأحزاب: 59]، قال وقد دل قوله: أن يعرفن على أنهن سافرات كاشفات عن وجوههن، لأن التي تستر وجهها لا تعرف باطل، وبطلانه واضح، وسياق الآية يمنعه منعاً باتاً لأن قوله: {يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلاَبِيبِهِنَّ} صريح في منع ذلك. وإيضاحه: أن الإشارة في قوله: {ذٰلِكَ أَدْنَىٰ أَن يُعْرَفْنَ} راجعة إلى إدنائهن عليهن من جلابيبهن، وإدناؤهن عليهن من جلابيبهن، لا يمكن بحال أن يكون أدنى أن يعرفن بسفورهن، وكشفهن عن وجوههن كما ترى، فإدناء الجلابيب مناف لكون المعرفة معرفة شخصية بالكشف عن الوجوه كما لا يخفى. وقوله في الآية الكريمة لأزواجك: دليل أيضاً على أن المعرفة المذكورة في الآية، ليست بكشف الوجوه، لأن احتجابهن لا خلاف فيه بين المسلمين. والحاصل: أن القول المذكور تدل على بطلانه أدلة متعددة: الأول: سياق الآية كما أوضحناه آنفاً. الثاني: قوله: لأزواجك كما أوضحناه أيضاً. الثالث: أن عامة المفسرين من الصحابة فمن بعدهم فسروا الآية مع بيانهم سبب نزولها، بأن نساء أهل المدينة كن يخرجن بالليل لقضاء حاجتهن خارج البيوت وكان بالمدينة بعض الفساق يتعرضون للإماء، ولا يتعرضون للحرائر، وكان بعض نساء المؤمنين يخرجن في زي ليس متميزاً عن زي الإماء، فيتعرض لهن أولئك الفساق بالأذى ظناً منهم أنهن إماء. فأمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يأمر أزواجه وبناته ونساء المؤمنين أن يتميزن في زيهن عن زي الإماء وذلك بأن يدنين عليهن من جلابيبهن، فإذا فعلن ذلك ورآهن الفساق، علموا أنهن حرائر، ومعرفتهم بأنهن حرائر لا إماء هو معنى قوله: {أية : ذٰلِكَ أَدْنَىٰ أَن يُعْرَفْنَ} تفسير : [الأحزاب: 59] فهي معرفة بالصفة لا بالشخص. وهذا التفسير منسجم مع ظاهر القرآن كما ترى. فقوله: {أية : يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلاَبِيبِهِنَّ} تفسير : [الأحزاب: 59]، لأن إدنائهن عليهن من جلابيبهن يشعر بأنهن حرائر، فهو أدنى وأقرب، لأن يعرفن: أي يعلم أنهن حرائر، فلا يؤذين من قبل الفساق الذين يتعرضون للإماء، وهذا هو الذي فسر به أهل العلم بالتفسير هذه الآية، وهو واضح، وليس المراد منه أن تعرض الفساق للإماء جائز بل هو حرام، ولا شك أن المتعرضين لهن من الذين في قلوبهم مرض، وأنهم يدخلون في عموم قوله: {أية : وَٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ} تفسير : [الأحزاب: 60] في قوله تعالى: {أية : لَّئِن لَّمْ يَنتَهِ ٱلْمُنَافِقُونَ وَٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ وَٱلْمُرْجِفُونَ فِي ٱلْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ} تفسير : [الأحزاب: 60] إلى قوله: {أية : وَقُتِّلُواْ تَقْتِيلاً} تفسير : [الأحزاب: 61]. ومما يدل على أن المتعرض لما لا يحل من النساء من الذين في قلوبهم مرض، قوله تعالى: {أية : فَلاَ تَخْضَعْنَ بِٱلْقَوْلِ فَيَطْمَعَ ٱلَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ } تفسير : [الأحزاب: 32] الآية، وذلك معنى معروف في كلام العرب، ومنه قول الأعشى: شعر : حافظ للفرج راض بالتقى ليس ممن قلبه فيه مرض تفسير : وفي الجملة: فلا إشكال في أمر الحرائر بمخالفة زي الإماء ليهابهن الفساق، ودفع ضرر الفساق عن الإماء لازم، وله أسباب أخر ليس منها إدناء الجلابيب. تنبيه قد قدمنا في سورة بني إسرائيل في الكلام على قوله تعالى: {أية : إِنَّ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ} تفسير : [الإسراء: 9] أن الفعل الصناعي عند النحويين ينحل عن مصدر وزمن. كما قال ابن مالك في الخلاصة: شعر : المصدر اسم ما سوى الزمان من مدلولي الفعل كأمن من أمن تفسير : وأنه عند جماعات من البلاغيين ينحل عن مصدر، وزمن ونسبة. وإذا علمت ذلك: فاعلم أن المصدر والزمن كامنان في مفهوم الفعل إجماعاً، وقد ترجع الإشارات والضمائر تارة إلى المصدر الكامن في مفهوم الفعل، وتارة إلى الزمن الكامن فيه. فمثال رجوع الإشارة إلى المصدر الكامن فيه قوله تعالى هنا: {أية : يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ }تفسير : [الأحزاب: 59] ثم قال: {أية : ذٰلِكَ أَدْنَىٰ أَن يُعْرَفْنَ} تفسير : [الأحزاب: 59] أي ذلك الإدناء المفهوم من قوله: يدنين. ومثال رجوع الإشارة للزمن الكامن فيه قوله تعالى: {أية : وَنُفِخَ فِي ٱلصُّورِ ذَلِكَ يَوْمَ ٱلْوَعِيدِ} تفسير : [ق: 20] فقوله: ذلك يعني زمن النفخ المفهوم من قوله: ونفخ: أي ذلك الزمن يوم الوعيد. ومن الأدلة على أن حكم آية الحجاب عام هو ما تقرر في الأصول، من أن خطاب الواحد يعم حكمه جميع الأمة، ولا يختص الحكم بذلك الواحد المخاطب، وقد أوضحنا هذه المسألة في سورة الحج في مبحث النهي عن لبس المعصفر، وقد قلنا في ذلك، لأن خطاب النبي صلى الله عليه وسلم لواحد من أمته يعم حكمه جميع الأمة، لاستوائهم في أحكام التكليف، إلا بدليل خاص يجب الرجوع إليه، وخلاف أهل الأصول في خطاب الواحد، هل هو من صيغ العموم الدالة على عموم الحكم؟ خلاف في حال لا خلاف حقيقي، فخطاب الواحد عند الحنابلة صيغة عموم، وعند غيرهم من المالكية والشافعية وغيرهم، أن خطاب الواحد لا يعم، لأن اللفظ للواحد لا يشمل بالوضع غيره، وإذا كان لا يشمله وضعاً، فلا يكون صيغة عموم. ولكن أهل هذا القول موافقون، على أن حكم خطاب الواحد عام لغيره، ولكن بدليل آخر غير خطاب الواحد وذلك الدليل بالنص والقياس. أما القياس فظاهر، لأن قياس غير ذلك المخاطب عليه بجامع استواء المخاطبين في أحكام التكليف من القياس الجلي. والنص كقوله صلى الله عليه وسلم في مبايعة النساء: "حديث : إني لا أصافح النساء، وما قولي لامرأة واحدة إلا كقولي لمائة امرأة " تفسير : قالوا ومن أدلة ذلك حديث: "حكمي على الواحد حكمي على الجماعة". قال ابن قاسم العبادي في الآيات البينات: اعلم أن حديث حكمي على الواحد حكمي على الجماعة: لا يعرف له أصل بهذا اللفظ، ولكن روى الترمذي وقال حسن صحيح. والنسائي، وابن ماجه، وابن حبان قوله صلى الله عليه وسلم في مبايعة النساء "حديث : إني لا أصافح النساء" تفسير : وساق الحديث كما ذكرناه، وقال صاحب كشف الخفاء ومزيل الإلباس، عما اشتهر من الأحاديث على ألسنة الناس "حكمي على الواحد حكمي على الجماعة" وفي لفظ: "كحكمي على الجماعة" ليس له أصل بهذا اللفظ. كما قاله العراقي في تخريج أحاديث البيضاوي. وقال في الدرر للزركشي لا يعرف. وسئل عنه المزي والذهبي فأنكراه، نعم يشهد له ما رواه الترمذي والنسائي من حديث أميمة بنت رقيقة، فلفظ النسائي ما قولي لامرأة واحدة إلا كقولي لمائة امرأة، ولفظ الترمذي "إنما قولي لمائة امرأة كقولي لامرأة واحدة"، وهو من الأحاديث التي ألزم الدارقطني الشيخين بإخراجها لثبوتها على شرطهما، وقال ابن قاسم العبادي في شرح الورقات الكبير: حكمي على الواحد لا يعرف له أصل إلى آخره، قريباً مما ذكرناه عنه. انتهى. قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: الحديث المذكور ثابت من حديث أميمة بنت رقيقة بقافين مصغراً، وهي صحابية من المبايعات، ورقيقة أمها وهي أخت خديجة بنت خويلد. وقيل: عمتها، واسم أبيها بجاد بموحدة ثم جيم ابن عبد الله بن عمير التيمي، تيم بن مرة. وأشار إلى ذلك في مراقي بقوله: شعر : خطاب واحد لغير الحنبل من غير رعي النص والقيس الجلي تفسير : انتهى محل الغرض منه. وبهذه القاعدة الأصولية التي ذكرنا تعلم أن حكم آية الحجاب عام، وإن كان لفظها خاصاً بأزواجه صلى الله عليه وسلم، لأن قوله لامرأة واحدة من أزواجه، أو من غيرهن كقوله لمائة امرأة، كما رأيت إيضاحه قريباً. ومن الأدلة القرآنية الدالة على الحجاب قوله تعالى: {أية : وَٱلْقَوَاعِدُ مِنَ ٱلنِّسَآءِ ٱلَّلاَتِي لاَ يَرْجُونَ نِكَاحاً فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَن يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتِ بِزِينَةٍ وَأَن يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَّهُنَّ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عِلِيمٌ} تفسير : [النور: 60]، لأن الله جل وعلا بين في هذه الآية الكريمة، أن القواعد أي العجائز اللاتي لا يرجون نكاحاً: أي لا يطمعن في النكاح لكبر السن وعدم حاجة الرجال إليهن يرخص لهن برفع الجناح عنهن في وضع ثيابهن، بشرط كونهن غير متبرجات بزينة، ثم إنه جل وعلا مع هذا كله قال: {أية : وَأَن يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَّهُنَّ} تفسير : [النور: 60] أي يستعففن عن وضع الثياب خير لهن، أي واستعفافهن عن وضع ثيابهن مع كبر سنهن وانقطاع طمعهن في التزويج، وكونهن غير متبرجات بزينة خير لهن. وأظهر الأقوال في قوله: أن يضعن ثيابهن: أنه وضع ما يكون فوق الخمار، والقميص من الجلابيب، التي تكون فوق الخمار والثياب. فقوله جل وعلا في هذه الآية الكريمة: {أية : وَأَن يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَّهُنَّ} تفسير : [النور: 60] دليل واضح على أن المرأة التي فيها جمال ولها طمع في النكاح، لا يرخص لها في وضع شيء من ثيابها ولا الإخلال بشيء من التستر بحضرة الأجانب. وإذا علمت بما ذكرنا أن حكم آية الحجاب عام، وأن ما ذكرنا معها من الآيات فيه الدلالة على احتجاب جميع بدن المرأة عن الرجال الأجانب، علمت أن القرآن دل على الحجاب، ولو فرضنا أن آية الحجاب خاصة، بأزواجه صلى الله عليه وسلم، فلا شك أنهن خير أسوة لنساء المسلمين في الآداب الكريمة المقتضية للطهارة التامة وعدم التدنس بأنجاس الريبة، فمن يحاول منع النساء المسلمين كالدعاة للسفر والتبرج والاختلاط اليوم، من الاقتداء بهن في هذا الأدب السماوي الكريم المتضمن سلامة العرض والطهارة من دنس الريبة غاش لأمة محمد صلى الله عليه وسلم، مريض القلب كما ترى. واعلم أنه مع دلالة القرآن على احتجاب المرأة عن الرجال الأجانب، قد دلت على ذلك أيضاً أحاديث نبوية، فمن ذلك ما أخرجه الشيخان في صحيحيهما وغيرهما من حديث عقبة بن عامر الجهني رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إياكم والدخول على النساء، فقال رجل من الأنصار: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم أفرأيت الحمو؟ قال: الحمو الموت" تفسير : أخرج البخاري هذا الحديث في كتاب النكاح في باب: لا يخلون رجل بامرأة إلا ذو محرم إلخ. ومسلم في كتاب السلام في باب: تحريم الخلوة بالأجنبية والدخول عليها، فهذا الحديث الصحيح صرح فيه النبي صلى الله عليه وسلم بالتحذير الشديد من الدخول على النساء، فهو دليل واضح على منع الدخول عليهن، وسؤالهن متاعاً إلا من وراء حجاب، لأن من سألها متاعاً لا من وراء حجاب، فقد دخل عليها، والنبي صلى الله عليه وسلم حذَّره من الدخول عليها، ولما سأله الأنصاري عن الحمو الذي هو قريب الزوج الذي ليس محرماً لزوجته كأخيه وابن أخيه وعمه وابن عمه ونحو ذلك. قال له صلى الله عليه وسلم: حديث : الحمو الموت، تفسير : فسمى صلى الله عليه وسلم دخول قريب الرجل على امرأته وهو غير محرم لها باسم الموت، ولا شك أن تلك العبارة هي أبلغ عبارات التحذير، لأن الموت هو أفظع حادث يأتي على الإنسان في الدنيا كما قال الشاعر: شعر : والموت أعظم حادث مما يمر على الجبلة تفسير : والجبلة: الخلق، ومنه قوله تعالى: {أية : وَٱتَّقُواْ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ وَٱلْجِبِلَّةَ ٱلأَوَّلِينَ} تفسير : [الشعراء: 184]، فتحذيره صلى الله عليه وسلم هذا التحذير البالغ من دخول الرجال على النساء، وتعبيره عن دخول القريب على زوجة قريبه باسم الموت، دليل صحيح نبوي على أن قوله تعالى: {فَٱسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَآءِ حِجَابٍ} [الأحزاب: 53] عام في جميع النساء كما ترى. إذ لو كان حكمه خاصاً بأزواجه صلى الله عليه وسلم، لما حذر الرجال هذا التحذير البالغ العام في الدخول على النساء، وظاهر الحديث التحذير من الدخول عليهن ولو لم تحصل الخلوة بينهما، وهو كذلك، فالدخول عليهن، والخلوة بهن كلاهما محرم تحريماً شديداً بانفراده، كما قدمنا أن مسلماً رحمه الله أخرج هذا الحديث في باب تحريم الخلوة بالأجنبية، والدخول عليها فدل على أن كليهما حرام، وقال ابن حجر في فتح الباري في شرح الحديث المذكور: إياكم والدخول بالنصب على التحذير، وهو تنبيه المخاطب على محذور ليتحرز عنه كما قيل: إياك والأسد، وقوله: إياكم: مفعول لفعل مضمر تقديره: اتقوا. وتقدير الكلام اتقوا أنفسكم أن تدخلوا على النساء، والنساء أن يدخلن عليكم، ووقع في رواية ابن وهب، بلفظ: لا تدخلوا على النساء، وتضمن منع الدخول منع الخلوة بها بطريق الأولى. انتهى محل الغرض منه. وقال البخاري رحمه الله في صحيحه: باب وليضربن بخمرهن على جيوبهن. وقال أحمد بن شبيب: حدثنا أبي عن يونس، قال ابن شهاب عن عروة، عن عائشة رضي الله عنها قالت: يرحم الله نساء المهاجرات الأول، لما أنزل الله {أية : وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ} تفسير : [النور: 31] شققن مروطهن فاختمرن بها. حدثنا أبو نعيم، حدثنا إبراهيم بن نافع، عن الحسن بن مسلم عن صفية بنت شيبة: أن عائشة رضي الله عنها كانت تقول: لما نزلت هذه الآية. {وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنّ} أخذان أُزْرَهُنَّ فَشَقَّفْنها من قِبَل الحواشي، فاختمرن بها. انتهى من صحيح البخاري. وقال ابن حجر في الفتح في شرح هذا الحديث: قوله: فاختمرن: أي غطين وجوههن، وصفة ذلك أن تضع الخمار على رأسها وترميه من الجانب الأيمن على العاتق الأيسر، وهو التقنع. قال الفراء: كانوا في الجاهلية تسدل المرأة خمارها من ورائها وتكشف ما قدامها فأمرن بالاستتار. انتهى محل الغرض من فتح الباري. وهذا الحديث الصحيح في أن النساء الصحابيات المذكورات فيه فهمن أن معنى قوله تعالى: {أية : وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ} تفسير : [النور: 31] يقتضي ستر وجوههن، وأنهن شققن أزرهن، ختمرن أي سترن وجوههن بها امتثالاً لأمر الله في قوله تعالى: {وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ} المقتضى ستر وجوههن، وبهذا يتحقق المنصف: أن احتجاب المراة عن الرجل وسترها وجهها عنهم ثابت في السنة الصحيحة المفسرة لكتاب الله تعالى، وقد أثنت عائشة رضي الله عنها على تلك النساء بمسارعتهن، لامتثال أوامر الله في كتابه. ومعلوم أنهن ما فهمن ستر الوجوه من قوله: {وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ} إلا من النبي صلى الله عليه وسلم لأنه موجود وهن يسألنه عن كل ما أشكل عليهن في دينهن،والله جل وعلا يقول: {أية : وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ ٱلذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} تفسير : [النحل: 44] فلا يمكن أن يفسرنها من تلقاء أنفسهن. وقال ابن حجر في فتح الباري: ولابن أبي حاتم من طريق عبد الله بن عثمان بن خيثم عن صفية ما يوضح ذلك، ولفظه: ذكرنا عند عائشة نساء قريش وفضلهن فقالت: إن لنساء قريش لفضلا، ولكن والله ما رأيت أفضل من نساء الأنصار أشد تصديقاً بكتاب الله ولا إيماناً بالتنزيل، لقد أنزلت سورة النور: {أية : وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ} تفسير : [النور: 31] فانقلب رجالهن إليهن يتلون عليهن ما أنزل فيها، ما منهن امرأة إلا قامت إلى مرطها فأصبحن يصلين الصبح معتجرات كأن على رؤوسهن الغربان. انتهى محل الغرض من فتح الباري. ومعنى معتجرات مختمران كما جاء موضحاً في رواية البخاري المذكور آنفاً، فترى عائشة رضي الله عنها مع علمها، فهمها وتقاها أثنت عليهن هذا الثناء العظيم، وصرحت بأنها ما رأت أشد منهن تصديقاً بكتاب الله، ولا إيماناً بالتنزيل. وهو دليل واضح على أن فهمهن لزوم ستر الوجوه من قوله تعالى: {أية : وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ} تفسير : [النور: 31] من تصديقهن بكتاب الله وإيمانهن بتنزيله، وهو صريح في أن احتجاب النساء عن الرجال وسترهن وجوههن تصديق بكتاب الله وإيمان بتنزيله كما ترى، فالعجب كل العجب ممن يدعي من المنتسبين للعلم أنه لم يرد في الكتاب ولا السنة، ما يدل على ستر المرأة وجهها عن الأجانب، مع أن الصحابيات فعلن ذلك ممتثلات أمر الله في كتابه إيماناً بتنزيله، ومعنى هذا ثابت في الصحيح كما تقدم عن البخاري، وهذا من أعظم الأدلة وأصرحها في لزوم الحجاب لجميع نساء المسلمين كما ترى. وقال ابن كثير رحمه الله في تفسيره: وقال البزار أيضاً: حدثنا محمد بن المثنى حدثني عمرو بن عاصم: حدثنا همام، عن قتادة، عن مورق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إن المرأة عورة فإذا خرجت استشرفها الشيطان، وأقرب ما تكون بروحه ربها وهي في قعر بيتها" تفسير : رواه الترمذي عن بندار، عن عمرو بن عاصم به نحوه اهـ. منه. وقد ذكر هذا الحديث صاحب مجمع الزوائد. وقال رواه الطبراني في الكبير، ورجاله موثقون، وهذا الحديث يعتضد بجميع ما ذكرنا من الأدلة، وما جاء فيه من كون المرأة عورة: يدل على الحجاب للزوم ستر كل ما يصدق عليه اسم العورة. ومما يؤيد ذلك: ما ذكر الهيثمي أيضاً في مجمع الزوائد عن ابن مسعود: قال إنما النساء عورة، وأن المرأة لتخرج من بيتها وما بها من بأس، فيستشرفها الشيطان، فيقول: إنك لا تمرين بأحد إلا أعجبتيه، وإن المرأة لتلبس ثيابها، فيقال: أين تريدين؟ فتقول: أعود مريضاً أو أشهد جنازة أو أصلي في مسجد، وما عبدت امرأة ربها مثل أن تعبده في بيتها. ثم قال: رواه الطبراني في الكبير ورجاله ثقات. اهـ منه. ومثله له حكم الرفع إذ لا مجال للرأي فيه. ومن الأدلة على ذلك الأحاديث التي قدمناها، الدالة على أن صلاة المرأة في بيتها خير لها من صلاتها في المساجد. كما أوضحناه في سورة النور في الكلام على قوله تعالى: {أية : يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِٱلْغُدُوِّ وَٱلآصَالِ} تفسير : [النور: 36] الآية. والأحاديث بمثل ذلك كثيرة جداً. وفيما ذكرنا كفاية لمن يريد الحق. فقد ذكرنا الآيات القرآنية الدالة على ذلك، والأحاديث الصحيحة الدالة على الحجاب، وبينا أن من أصرحها في ذلك آية النور مع تفسير الصحابة لها، وهي قوله تعالى: {أية : وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ} تفسير : [النور: 31] فقد أوضحنا غير بعيد تفسير الصحابة لها، والنبي صلى الله عليه وسلم موجود بينهم ينزل عليه الوحي، بأن المراد بها يدخل فيه ستر الوجه وتغطيته عن الرجال، وأن ستر المرأة وجهها عمل بالقرآن كما قالته عائشة رضي الله عنها. وإذا علمت أن هذا القدر من الأدلة على عموم الحجاب يكفي المنصف، فسنذكر لك أجوبة أهل العلم، عما استدل به الذين قالوا بجواز إبداء المرأة وجهها ويديها، بحضرة الأجانب. فمن الأحاديث التي استدلوا بها على ذلك حديث خالد بن دريك عن عائشة رضي الله عنها: أن أسماء بنت أبي بكر دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم، وعليها ثياب رقاق فأعرض عنها، وقال "حديث : يا أسماء إن المرأة إذا بلغت الحيض لم يصلح أن يرى منها إلا هذا وأشار إلى وجهه وكفيه" تفسير : وهذا الحديث يجاب عنه بأنه ضعيف من جهتين. الأولى: هي كونه مرسلاً، لأن خالد بن دريك لم يسمع من عائشة، كما قاله أبو داود، وأبو حاتم الرازي كما قدمناه في سورة النور. الجهة الثانية: أن في إسناده سعيد بن بشير الأزدي مولاهم، قال فيه في التقريب: ضعيف، مع أنه مردود بما ذكرنا من الأدلة على عموم الحجاب، ومع أنه لو قدر ثبوته قد يحمل على أنه كان قبل الأمر بالحجاب. ومن الأحاديث التي استدلوا بها على ذلك حديث جابر الثابت في الصحيح قال: شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلاة يوم العيد، فبدأ بالصلاة قبل الخطبة بغير أذان، ولا إقامة، ثم قام مُتَوَكّئاً على بلال فأمر بتقوى الله، وحث على طاعته، ووعظ الناس، وذكَّرهم ثم مضى حتى أتى النساء، فوعظهن وذَكَّرَهُنَّ فقال:"حديث : تصدقن فإن أكثركن حَطبُ جهنم. فقامت امرأة من سِطَةِ النساء سفْعاءُ الخَدَّيْن فقالت: لم يا رسول الله؟ قال: لأنَّكُنَّ تُكْثِرْنَ الشَّكَاةَ، وتكْفُرْنَ العَشيرَ. قال فجعلنَ يتصدَّقْنَ من حُليهنَّ يُلْقين في ثوب بلال من أٌقْرِطهِنَّ وخواتمِهنَّ" تفسير : اهـ. هذا لفظ مسلم في صحيحه. قالوا: وقول جابر في هذا الحديث: سفعاء الخدين يدل على أنها كانت كاشفة عن وجهها، إذ لو كانت محتجبة لما رأى خديها، ولما علم بأنها سفعاء الخدين. وأجيب عن حديث جابر هذا: بأنه ليس فيه ما يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم رآها كاشفة عن وجهها، وأقرها على ذلك، بل غاية ما يفيده الحديث أن جابراً رأى وجهها، وذلك لا يستلزم كشفها عنه قصداً، وكم من امرأة يسقط خمارها عن وجهها من غير قصد، فيراه بعض الناس في تلك الحال كما قال نابغة ذبيان: شعر : سقط النصيف ولم ترد إسقاطه فتناولته واثقتنا باليد تفسير : فعلى المحتج بحديث جابر المذكور، أن يثبت أنه صلى الله عليه وسلم رآها سافرة، وأقرها على ذلك، ولا سبيل له إلى إثبات ذلك. وقد روى القصة المذكورة غير جابر، فلم يذكر كشف المرأة المذكورة عن وجهها، وقد ذكر مسلم في صحيحه ممن رواها غير جابر أبا سعيد الخدري، وابن عباس، وابن عمر، وذكره غيره عن غيرهم. ولم يقل أحد ممن روى القصة غير جابر أنه رأى خدي تلك المرأة السفعاء الخدين، وبذلك تعلم أنه لا دليل على السفور في حديث جابر المذكور. وقد قال النووي في شرح حديث جابر هذا عند مسلم وقوله: فقامت امرأة من سطة النساء. هكذا هو في النسخ سطة بكر السين، وفتح الطاء المخففة. وفي بعض النسخ: واسطة النساء. قال القاضي معناه: من خيارهن، والوسط العدل والخيار قال: وزعم حذاق شيوخنا أن هذا الحرف مغير في كتاب مسلم، وأن صوابه من سفلة النساء، وكذا رواه ابن أبي شيبة في مسنده، والنسائي في سننه، وفي رواية لابن أبي شيبة: امرأة ليست من علية النساء، وهذا ضد التفسير الأول ويعضده قوله بعده: سفعاء الخدين هذا كلام القاضي، وهذا الذي ادعوه من تغيير الكلمة غير مقبول، بل هي صحيحة، وليس المراد بها من خيار النساء كما فسره به هو، بل المراد: امرأة من وسط النساء جالسة في وسطهن. قال الجوهري وغيره من أهل اللغة: يقال: وسطت القوم أسطهم وسطا وسطة أي توسطتهم. اهـ منه. وهذا التفسير الأخير هو الصحيح، فليس في حديث جابر ثناء البتة على سفعاء الخدين المذكورة، ويحتمل أن جابراً ذكر سفعة خديها ليشير إلى أنها ليست ممن شأنها الافتتان بها، لأن سفعة الخدين قبح في النساء. قال النووي: سفعاء الخدين: أي فيها تغير وسواد. وقال الجوهري في صحاحه: والسفعة في الوجه: سواد في خدي المرأة الشاحبة، ويقال للحمامة سفعاء لما في عنقها من السفعة، قال حميد بن ثور: شعر : من الورق سفعاء العلاطين باكرت فروع أشاء مطلع الشمس أسحما تفسير : قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: السفعة في الخدين من المعاني المشهورة في كلام العرب: أنها سواد وتغير في الوجه، من مرض أو مصيبة أو سفر شديد. ومن ذلك قول متمم بن نويرة التميمي يبكي أخاه مالكاً: شعر : تقول ابنة العمري مالك بعد ما أراك خضيباً ناعم البال أروعا فقلت لها طول الأسى إذ سألتني ولوعة وجد تترك الخد أسفعا تفسير : ومعلوم أن من السفعة ما هو طبيعي كما في الصقور، فقد يكون في خدي الصقر سواد طبيعي، ومنه قول زهير بن أبي سلمى: شعر : أهوى لها أسفع الخدين مطرق ريش القوادم لم تنصب له الشبك تفسير : والمقصود: أن السفعة في الخدين إشارة إلى قبح الوجه، وبعض أهل العلم يقول: إن قبيحة الوجه التي لا يرغب فيها الرجال لقبحها، لها حكم القواعد اللاتي لا يرجون نكاحاً. ومن الأحاديث التي استدلوا بها على ذلك، حديث ابن عباس الذي قدمناه قال: أردف رسول الله صلى الله عليه وسلم الفضل بن عباس رضي الله عنهما، يوم النحر خلفه على عجز راحلته، وكان الفضل رجلاً وضيئاً فوقف النبي صلى الله عليه وسلم للناس يفتيهم، وأقبلت امرأة من خثعم وضيئة تستفتي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فطفق الفضل ينظر إليها، وأعجبه حسنها فالتفت النبي صلى الله عليه وسلم، والفضل ينظر إليها، فأخلف بيده، فأخذ بذقن الفضل فعدل وجهه عن النظر إليها، فقالت: يا رسول الله: إن فريضة الله في الحج على عباده، أدركت أبي شيخاً كبيراً. الحديث، قالوا: فالإخبار عن الخثعمية بأنها وضيئة يفهم منه أنها كانت كاشفة عن وجهها. وأجيب عن ذلك أيضاً من وجهين: الأول: الجواب بأنه ليس في شيء من روايات الحديث، التصريح بأنها كانت كاشفة عن وجهها، وأن النبي صلى الله عليه وسلم رآها كاشفة عنه، وأقرها على ذلك بل غاية ما في الحديث أنها كانت وضيئة، وفي بعض روايات الحديث: أنها حسناء ومعرفة كونها وضيئة أو حسناء لا يستلزم أنها كانت كاشفة عن وجهها، وأنه صلى الله عليه وسلم أقرها على ذلك، بل قد ينكشف عنها خمارها من غير قصد، فيراها بعض الرجال من غير قصد كشفها عن وجهها كما أوضحناه في رؤية جابر سفعاء الخدين. ويحتمل أن يكون يعرف حسنها قبل ذلك الوقت لجواز أن يكون قد رآها قبل ذلك وعرفها. ومما يوضح هذا أن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما الذي روى عنه هذا الحديث لم يكن حاضراً وقت نظر أخيه إلى المرأة، ونظرها إليه لما قدمنا من أن النبي صلى الله عليه وسلم قدمه بالليل من مزدلفة إلى منى في ضعفة أهله، ومعلوم أنه إنما روى الحديث المذكور من طريق أخيه الفضل، وهو لم يقل له: إنها كانت كاشفة عن وجهها، واطلاع الفضل على أنها وضيئة حسناء لا يستلزم السفور قصداً لاحتمال أن يكون رأى وجهها، وعرف حسنه من أجل انكشاف خمارها من غير قصد منها، واحتمال أنه رآها قبل ذلك وعرف حسنها. فإن قيل: قوله إنها وضيئة، وترتيبه على ذلك بالفاء، قوله: فطفق الفضل ينظر إليها. وقوله: وأعجبه حسنها، فيه الدلالة الظاهرة على أنه كان يرى وجهها، وينظر إليه لإعجابه بحسنه. فالجواب: أن تلك القرائن لاتستلزم استلزاماً لا ينفك أنها كانت كاشفة، وأن النبي صلى الله عليه وسلم رآها كذلك، وأقرها لما ذكرنا من أنواع الاحتمال، مع أن جمال المرأة قد يعرف، وينظر إليها لجمالها وهي مختمرة وذلك لحسن قدها وقوامها، وقد تعرف وضاءتها وحسنها من رؤية بنانها فقط كما هو معلوم، ولذلك فسر ابن مسعود {أية : وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا} تفسير : [النور: 31] بالملاءة فوق الثياب كما تقدم. ومما يوضح أن الحسن يعرف من تحت الثياب قول الشاعر: شعر : طافت أمامة بالركبان آونة يا حسنها من قوام ما ومنتقبا تفسير : فقد بالغ في حسن قوامها، مع أن العادة كونه مستوراً بالثياب لا منكشفاً. الوجه الثاني: أن المرأة محرمة وإحرام المرأة في وجهها وكفيها، فعليها كشف وجهها إن لم يكن هناك رجال أجانب ينظرون إليها، وعليها ستره من الرجال في الإحرام، كما هو معروف عن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، وغيرهن ولم يقل أحد أن هذه المرأة الخثعمية نظر إليها أحد غير الفضل بن عباس رضي الله عنهما، والفضل منعه النبي صلى الله عليه وسلم من النظر إليها، وبذلك يعلم أنها محرمة لم ينظر إليها أحد فكشفها عن وجهها إذا لإحرامها لا لجواز السفور. فإن قيل: كونها مع الحجاج مظنة أن ينظر الرجال وجهها إن كانت سافرة لأن الغالب أن المرأة السافرة وسط الحجيج، لا تخلو ممن ينظر إلى وجهها من الرجال. فالجواب: أن الغالب على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الورع وعدم النظر إلى النساء، فلا مانع عقلاً ولا شرعاً، ولا عادة من كونها لم ينظر إليها أحد منهم، ولو نظر إليها لحكى كما حكى نظر الفضل إليها، ويفهم من صرف النبي صلى الله عليه وسلم بصر الفضل عنها، أنه لا سبيل إلى ترك الأجانب ينظرون إلى الشابة، وهي سافرة كما ترى، وقد دلت الأدلة المتقدمة على أنها يلزمها حجب جميع بدنها عنهم. وبالجملة، فإن المنصف يعلم أنه يبعد كل البعد أن يأذن الشارع للنساء في الكشف عن الوجه أمام الرجال الأجانب، مع أن الوجه هو أصل الجمال، والنظر إليه من الشابة الجميلة هو أعظم مثير للغريزة البشرية وداع إلى الفتنة، والوقوع فيما لا ينبغي. ألم تسمع بعضهم يقول: شعر : قلت اسمحوا لي أن أفوز بنظرة ودعوا القيامة بعد ذاك تقوم تفسير : أترضى أيها الإنسان أن تسمح له بهذه النظرة إلى نسائك وبناتك وأخواتك ولقد صدق من قال: شعر : وما عجب أن النساء ترجلت ولكن تأنيث الرجال عجاب تفسير : مسألة تتعلق بهذه الآية الكريمة أعني آية الحجاب هذه اعلم أنه لا يجوز للرجل الأجنبي أن يصافح امرأة أجنبية منه. ولا يجوز له أن يمس شيء من بدنه شيئاً من بدنها. والدليل على ذلك أمور: الأول: أن النبي صلى الله عليه وسلم ثبت عنه أنه قال: "حديث : إني لا أصافح النساء" تفسير : الحديث. والله يقول: {أية : لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ ٱللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} تفسير : [الأحزاب: 21] فيلزمنا ألا نصافح النساء اقتداء به صلى الله عليه وسلم، والحديث المذكور قد قدمناه موضحاً في سورة الحج في الكلام على النهي: عن لبس المعصفر. مطلقاً في الإحرام، وغيره للرجال. وفي سورة الأحزاب في آية الحجاب هذه. وكونه صلى الله عليه وسلم لا يصافح النساء وقت البيعة دليل واضح على أن الرجل لا يصافح المرأة، ولا يلمس شيء من بدنه شيئاً من بدنها، لأن أخف أنواع اللمس المصافحة، فإذا امتنع منها صلى الله عليه وسلم في الوقت الذي يقتضيها وهو وقت المبايعة، دل ذلك على أنها لا تجوز، وليس لأحد مخالفته صلى الله عليه وسلم، لأنه هو المشرع لأمته بأقواله وأفعاله وتقريره. الأمر الثاني: هو ما قدمنا من أن المرأة كلها عورة يجب عليها أن تحتجب، وإنما أمر بغض البصر خوف الوقوع في الفتنة، ولا شك أن مس البدن للبدن، أقوى في إثارة الغريزة، وأقوى داعياً إلى الفتنة من النظر بالعين، وكل منصف يعلم صحة ذلك. الأمر الثالث: أن ذلك ذريعة إلى التلذذ بالأجنبية، لقلة تقوى الله في هذا الزمان وضياع الأمانة، وعدم التورع عن الريبة، وقد أخبرنا مراراً أن بعض الأزواج من العوام، يقبل أخت امرأته بوضع الفم على الفم ويسمون ذلك التقبيل الحرام بالإجماع سلاماً، فيقولون سلم عليها يعنون قبلها، فالحق الذي لا شك فيه التباعد عن جميع الفتن والريب، وأسبابها ومن أكبرها لمس الرجل شيئاً من بدن الأجنبية، والذريعة إلى الحرام يجب سدها كما أوضحناه في غير هذا الموضع، وإليه الإشارة بقول صاحب مراقي السعود: شعر : سد الذرائع إلى المحرم حتم كفتحها إلى المنحتم

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: يا أيها الذين آمنوا: أي يا من صدقوا بالله وعده ووعيده وبالرسول وما جاء يه. إلا أن يؤذن لكم: أي في الدخول بأن يدعوكم إلى طعام. غير ناظرين إناه: أي غير منتظرين وقت نضجه أي فلا تدخلوا قبل وقت إحضار الطعام وتقدم المدعوين إليه بأن يستغل أحدكم الإذن بالدعوة للطعام فيأتي قبل الوقت ويجلس في البيت فيضايق رسول الله صلى الله عليه وسلم وأهله. فإذا طعمتم فانتشروا: أي إذا أكلتم الطعام وفرغتم فانتشروا عائدين إلى بيوتكم أو أعمالكم ولا يبق منكم أحد. ولا مستأنسين لحديث: أي ولا تمكثوا مستأنسين لحديث بعضكم بعضاً. إن ذلكم كان يؤذي النبي: أي ذلكم المكث في بيوت النبي كان يؤذي النبي صلى الله عليه وسلم. فيستحي منكم: أي أن يخرجكم. والله لا يستحي من الحق: أن يقوله ويأمر به ولذا أمركم أن تخرجوا. من وراء حجاب: أي ستر كباب ورداء ونحوه. أطهر لقلوبكم وقلوبهن: أي من الخواطر الفاسدة. إن ذلكم كان عند الله عظيما: أي إن أذاكم لرسول الله كان عند الله ذنباً عظيما. إن تبدوا شيئاً أو تخفوه: أي إن تظهروا رغبة في نكاح أزواج الرسول بعد وفاته أو تخفوه في نفوسكم فسيجزيكم الله به شر الجزاء. لا جناح عليهن في آبائهن الخ: أي لا حرج على نساء الرسول في أن يظهرن لمحارمهن المذكورين في الآية. ولا نسائهن: أي المؤمنات أما الكافرات فلا. ولا ما ملكت أيمانهن: أي من الإِماء والعبيد في أن يرونهن ويكملونهن من دون حجاب. واتقين الله: أي يا نساء النبي فيما أُمرتن به من الحجاب وغيره. معنى الآيات: لما بين تعالى لرسوله ما ينبغي له مراعاته من شأن أزواجه أمهات المؤمنين بين تعالى بهذه الآية [54] ما يجب على المؤمنين مراعاته أيضا نحو أزواج النبي أمهاتهم فقال {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} حقا وصدقا {لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتَ ٱلنَّبِيِّ إِلاَّ أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ} بالدخول إلى طعام تطعمونه غير ناظرين إناه أي وقته، وذلك أن هذه الآية والمعروفة بآية الحجاب نزلت في شأن نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أكلوا طعام الوليمة التي أقامها رسول الله لما زوجّه الله بزينب بنت جحش رضي الله عنها، وكان الحجاب ما فرض بعد على النساء مكثوا بعد انصراف الناس يتحدثون فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم وخرج أمامهم لعلهم يخرجون فما خرجوا وتردد رسول الله على البيت فيدخل ويخرج رجاء أن يخرجوا معه فلم يخرجوا واستحى صلى الله عليه وسلم أن يقول لهم هيا فاخرجوا. فأنزل الله تعالى هذه الآية فقوله تعالى غير ناظرين إناه يعني ذلك النفر ومن يريد أن يفعل فعلهم فإذا وجه إليه أخوه استدعاء لحضور وليمة بعد الظهر مثلاً أتى إلى المنزل من قبل الظهر يضايق أهل المنزل فهذا معنى غير ناظرين إناه أي وقته لأن الإِنى هو الوقت. وقوله ولكن إذا دعيتم فادخلوا أي فلا تدخلوا بدون دعوة أو إذن فإذا طعمتم أي فرغتم من الأكل فانصرفوا منتشرين في الأرض فهذا إلى بيته وهذا إلى بيت ربه وهذا إلى عمله. وقوله: {وَلاَ مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ} أي ولا تمكثوا بعد الطعام يحدث بعضكم بعضاً مستأنسين بالحديث. حرم تعالى هذا عليكم أيها المؤمنون لأنه يؤذي رسوله. وان كان الرسول لكمال أخلاقه لا يأمركم بالخروج حياءً منكم فالله لا يستحي من الحق فلذا أمركم بالخروج بعد الطعام مراعاة لمقام رسوله محمد صلى الله عليه وسلم وقوله تعالى: {وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً} أي طلبتم شيئاً من الأمتعة التي توجد في البيت كإِناء ونحوه فاسألوهن من وراء حجاب أي باب وستر ونحوهما لا مواجهة لحرمة النظر إليهن. وقوله ذلكم أطهر لقلوبكم أنتم أيها الرجال وقلوبهن أيتها الأمهات أطهر أي من خواطر السوء الفاسدة التي لا يخلو منها قلب الإِنسان إذا خاطب فحل أنثى أو خاطبت امرأة فحلا من الرجال. وقوله تعالى: {وَمَا كَانَ لَكُمْ} أي ما ينبغي ولا يصح أن تؤذوا رسول الله أي أذىً ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أي ولا أن تتزوجوا بعد وفاته نساءه فإنهن محرمات على الرجال تحريم الأُمهات تحريماً مؤبداً لا يحل بحال، وقوله تعالى: {إِنَّ ذٰلِكُمْ} أي المذكور من أذى رسول الله والزواج من بعده بنسائه كان عند الله أي في حكمه وقضائه وشرعه ذنباً عظيماً لا يقادر قدره ولا يعرف مدى جزائه وعقوبته إلا الله. هذا ما دلت عليه الآية الأولى [53] وقوله تعالى إن تبدوا شيئاً أي تظهروه أو تخفوه أي تستروه يريد من الرغبة في الزواج من نساء الرسول بعد موته صلى الله عليه وسلم فإن الله كان بكل شيء عليماً وسيجزيكم بتلك الرغبة التي أظهرتموها أو أخفيتموها في نفوسكم شرَّ الجزاء وأسوأه. فاتقوا الله وعظموا ما عظم من حرمات رسوله صلى الله عليه وسلم. هذا ما دلت عليه الآية [54]. وقوله تعالى في الآية [55] لا جناح عليهن أي لا تضييق ولا حرج ولا إثم على النساء المؤمنات من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهن من نساء المؤمنين في أن يظهرن وجوههن ويكلمن بدون حجاب أي وجها لوجه آباءهن الأب والجد وإن علا، وأبناءهن الابن وابن الابن وإن نزل وابن البنت كذلك وإن نزل. وإخوانهن وأبناء إخوانهن وإن نزلوا وأبناء أخواتهن وإن نزلوا، ومماليكهن من إماء وعبيد. وقوله تعالى {وَٱتَّقِينَ ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيداً} أمر من الله لنساء النبي ونساء المؤمنين بتقوى الله فيما نهاهن عنه وحرمه عليهن من إبداء الوجه للأجانب غير المحارم المذكورين في الآية وتذكيرهم بشهود الله تعالى لكل شيء واطلاعه على كل شيء ليكون ذلك مساعاداً على التقوى. هدى الآيات: من هداية الآيات: 1- بيان ما ينبغي للمؤمنين أن يلتزموه من الآداب في الاستئذان والدخول على البيوت لحاجة الطعام ونحوه. 2- بيان كمال الرسول صلى الله عليه وسلم في خلقه في أنه ليستحي أن يقول لضيفه أُخرج من البيت فقد انتهى الطعام. 3- وصف الله تعالى نفسه بأنه لا يستحي من الحق أن يقوله ويأمر به عباده. 4- مشروعية مخاطبة الأجنبية من وراء حجاب ستر ونحوه. 5- حرمة أذية رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنها جريمة كبرى لا تعادل بأخرى. 6- بيان أن الإِنسان لا يخلو من خواطر السوء إذا كلم المرأة ونظر إليها. 7- حرمة نكاح أزواج الرسول بعد موته وحرمة الخاطر يخطر بذلك. 8- بيان المحارم الذين للمسلمة أن تكشف وجهها أمامهم وتخاطبهم بدون حجاب. 9- الأمر بالتقوى ووعيد الله لمن لا يتقه في محارمه.

القطان

تفسير : غير ناظرين أَناهُ: غير منتظرين نضجه، أنى الطعامُ يأني: نضج واستوى. طَعِمتم: أكلتم. فانتشروا: اذهبوا وتفرقوا. ولا مستأنسين لحديث: لا تمكثوا بعد الطعام تتحدثون. متاعا: اي شيء. من وراء حجاب: من وراء حاجز. في هذه الآيات إرشادٌ وتعليم للناس كيف يدخلون بيوتَ النبي، وفي اي وقت. وقد كان بعض المنافقين يؤذون الرسولَ عليه الصلاة والسلام بالتردّد على بيوته. وكان بعضُ أصحابه يطلبون الجلوس، فأرشدَ الله أصحابه الى تعظيم الرسول، وعيّن الحالاتِ والأوقات التي يُسمح لهم بدخول بيوته، وأدّبهم خير تأديب. روى الامام احمد والبخاري ومسلم وغيرهم عن أنس رضي الله عنه قال: "لما تزّوج رسول الله صلى الله عليه وسلم زينبَ بنتَ جحش دعا القومَ الى طعام، فأكلوا ثم جلسوا يتحدّثون، واذا هو كأنه يتهيأ للقيام فلم يقوموا. فلما رأى ذلك قامَ، فلما قام ذهب جماعةٌ وبقي ثلاثةُ نفر، فجاء النبي ليدخلَ فإذا القومُ جلوس. ثم إنهم قاموا، فانطلقتُ فأخبرتُه بذهابهم....". {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتَ ٱلنَّبِيِّ....} الآية. يا ايها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي الا اذا أذن لكم، او دعاكم الى طعام، فاذا دعيتم الى طعام فلا تأتوا مبكرين لتنتظروا نضجه، بل ادخلوا عندما يكون قد تم إعداده فقبلَ ذلك يكون أهل البيت في شغل عنكم. فاذا دعيتم فلبوا الدعوة، واذا اكلتم الطعام فتفرقوا واخرجوا ولا تطيلوا الجلوس وتمكثوا تتحدثون. فان ذلك كان يؤذي النبي ويستحي منكم، والله لا يستحي من الحق. وقد سمى بعض المفسرين هذه الآية آية الثقلاء، وقالت السيدة عائشة رضي الله عنها: "حسبك في الثقلاء ان الله عز وجل لم يحتملهم". ثم علّمهم كيف يسألون نساء النبي ويتأدبون معهن فقال: {وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فَٱسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَآءِ حِجَابٍ}. وذلك اعظم طهارةً لقلوبكم وقلوبهن من وساوس الشيطان. ولما ذكر الله تعالى بعض الآداب التي يجب ان يراعوها في بيت رسول الله اكده بما يحملهم على ملاطفته وحسن معاملته بقوله: {وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تؤْذُواْ رَسُولَ ٱللَّهِ}، ولا ان تتزوجوا نساءه من بعده ابدا، احتراما لهن لأنهنّ أمهات المؤمنين. {إِنَّ ذٰلِكُمْ كَانَ عِندَ ٱللَّهِ عَظِيماً} ولا يخفى ما في هذا من الوعيد الشديد، وعظيم التهديد على هذا العمل. والله يعلم ما تظهرونه وما تخفونه في صدوركم، لا تخفى عليه خافية. ثم بين بعد ذلك الاقارب الذين يمكن ان يدخلوا على نساء النبي ولا يحتجبن منه وهم: الآباء والابناء واخوانهن، وابناء اخوانهن، وابناء اخواتهم، والنساء المسلمات، وما ملكت ايمانهن من العبيد، وعليهن ان يتقين الله، ان الله كان على كل شيء شهيدا.

د. أسعد حومد

تفسير : {يٰأَيُّهَا} {آمَنُواْ} {نَاظِرِينَ} {إِنَاهُ} {مُسْتَأْنِسِينَ} {مَتَاعاً} {فَٱسْأَلُوهُنَّ} {أَزْوَاجَهُ} (53) - يَا أَيُّها المُؤِمنُونَ لاَ تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم إِلاَّ أَنْ تُدْعَوْا إِلى طعام تَطْعَمُونَهُ غَيْرَ مُنْتَظِرِينَ إِدْرَاكَ نُضْجِهِ، (أَي إِذا دُعِيتُم إِلى طَعَامٍ في بَيْتِ رَسُولِ اللهِ فَلاَ تَدْخُلُوا إِلا إِذَا عَلِمْتُمْ أَنَّ الطَّعَامَ قَدْ تَمَّ نُضْجُهُ وَإِعْدَادُهُ) وَلكِنْ إِذا دَعَاكُمُ النَّبِيُّ إِلى الدُّخُولِ فَادخُلُوا، فَإِذَا أَكَلْتُمُ الطَّعَامَ فَانصَرِفُوا، وَلا تَمْكُثُوا فِيهِ لِتَبَادُلِ الحَدِيثِ، فَذَلِكَ اللُبْثُ، بَعْدَ تَنَاوُلِ الطَّعَامِ، كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ، وَيُثْقِلُ عَليهِ وَعَلى أَهْلِهِ، وَلكِنَّهُ كَانَ يَسْتَحْيِي مِنْ أَنْ يَقُولَ لَكُمْ ذَلِكَ، وَأَنْ يَدْعُوَكُمْ إِلى الانْصِرَافِ، وَاللهُ الذِي يُريدُ أَنْ يُحْسِنَ تَرِبيتَكم وَتَأْدِيبَكُمْ، يُريدُ أَنْ يَقُولَ لَكُمُ الحَقَّ لتَعمَلُوا بِهِ، فَإِذا طَعِمْتُم فِي بَيتِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَاخْرُجُوا، وَلاَ تَقْعُدُوا لِلْحَدِيثِ. وَإِذا طَلَبْتُم مِنْ أَزواجِ النَّبِيِّ وَنِسَاءِ المُؤمِنِينَ شَيئاً تَتَمَتَّعُونَ بِهِ، مِنْ مَاعُونٍ، وَغيرِهِ، فَاطْلُبُوهُ مِنْ وَرَاءِ سِتْرٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُنَّ. وَذلِكَ الدُّخُولُ بَعْدَ الاسْتِئِذَانِ، وَعَدَمُ البَقَاءِ بَعْدَ الطَّعَامِ للاسْتِئْنَاسِ بِالحَدِيثِ، وَسُؤالُ نِسَاءِ النَّبِيِّ المَتَاعَ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ.. كُلُّ ذَلِكَ أَطْهَرُ لِقُلُوبِ الرِّجَالِ وَقُلُوبِ النِّسَاءِ مِنْ وَسَاوِسِ الشَّيْطَانِ، وَأَبْعَدُ عَنْ الرِّيبِ والشُّكُوكِ، وَلاَ يَنْبَغِي لِلْمُؤِمِنينَ أَنْ يَفْعَلُوا فَعْلاً فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ يُؤْذِيهِ وَيُزْعِجُهُ، وَلَيْسَ لَهُمْ أَنْ يُؤْذُوهُ بَعْدَ وَفَاتِهِ بِالتَّزَوٌّجِ بِنِسَائِهِ. فَإِيذَاءُ النَّبِيِّ فِي حَيَاتِهِ وَبَعْدَ مَمَاتِهِ هُوَ أَمْرٌ عَظِيمٌ لاَ يُقَدِّرُ قَدْرَهُ إِلاَّ اللهُ تَعَالى. (وَقَدْ سُمِّيت هذِهِ الآيةُ بآيَةِ الثُّقَلاءِ). غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ - غَيْرَ مُنْتَظِرِينَ نُضْجَهُ. فَانْتَشِرُوا - فَتَفَرَّقُوا وَلاَ تَمْكُثُوا عِنْدَهُ. سَألتُمُوهُنَّ مَتَاعاً - حَاجَةً يُنْتَفَعُ بِهَا.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : الحق - سبحانه وتعالى - وزَّع الأمر بين رسول الله وبين أمته، فكما قال للرسول في أول السورة {أية : يَٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ ٱتَّقِ ٱللَّهَ ..} تفسير : [الأحزاب: 1] أمر أمته بذكْره وطاعته، وكما تكلَّم عن أمر يتعلَّق برسول الله تكلَّم كذلك عن أمر يتعلق بأمته في قوله {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِذَا نَكَحْتُمُ ٱلْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ ..} تفسير : [الأحزاب: 49]. بعد ذلك قال لرسول الله: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ إِنَّآ أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً} تفسير : [الأحزاب: 45] ليُبيِّن عموم نَفْعه لأمته، فجازاه عن الأمة بأن يُصلُّوا عليه، وأنْ يتأدبوا حين دخولهم بيته صلى الله عليه وسلم، فقال هنا: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتَ ٱلنَّبِيِّ إِلاَّ أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ ..} [الأحزاب: 53] لأن التكليف لا بُدَّ أن يكون لمن آمن بالله. وقلنا: إن الحق سبحانه رب وإله، ومعنى (رب) أنه سبحانه خلق وربَّى وأنعم وتفضَّل، والخَلْق والتربية والإنعام والتفضُّل ليس خاصاً بالمؤمنين، بل لكل مَن استدعاه الله للوجود من مؤمنين وكافرين. فالشمس تشرق على الجميع، والمطر يروي أرض المؤمن والكافر، والأرض تستجيب للكل، فالذي يُحسِن أَخْذ أسباب الله من عطاء الربوبية يأخذ النتيجة، وينال نصيبه موقَوتاً بمدى الربوبية في الدنيا {أية : مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي ٱلآخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ} تفسير : [الشورى: 20] والله لا يضيع أجر مَنْ أحسن عملاً. فالمؤمن الذي لا يأخذ يد الله الممدودة له بالأسباب ويهملها يعيش مُتخلِّفاً عالةً على غيره، يعيش شحاذاً يستجدي قُوتَه حتى من الكافر، فإذا ما خَلَتْ الساحة للكافر، وأخذ هو بالأسباب، وأعطاها حقوقها أخذ هو عطاء الرب، وكان أَوْلَى بالمؤمن ألاَّ يترك عطاء ربه، يأخذه مَنْ لا يؤمن بالله، ثم يتخلف هو عن رَكْب الحضارة، وإنْ كانت الحضارة التي وصل إليها الكفار اليوم حضارة في الماديات فحسب. أما القيم والأخلاقيات فقد انحدرتْ في هذه المجتمعات، بدليل أنك حين تذهب إلى هذه البلاد وتنزل مثلاً في فندق - كما نزلنا - تجد مكتوباً على باب الحجرة: إذا دخل عليك اللصوص فلا تقاوم، فإن حياتك أثمن مما معك، إذا خرجتَ إلى الشارع فلا تحمل من المال إلا بقدر ضرورياتك. إذن: ارتقوا في شيء، وانحدروا في أشياء. وإذا كان مظهر ارتقائهم في الناحية الاقتصادية، فانظر إلى أعلى دَخْلٍ للفرد في العالم تجده في السويد، ومع ذلك تكثر عندهم الأمراض النفسية والعصبية والانتحار والجنون والشذوذ وغيرها من الأمراض الاجتماعية. لقد تحضَّرتْ هذه البلاد حضارة مادية؛ لأنهم أخذوا بأسبابها، فأتقن كُلٌّ عمله، وأعطى وقت العمل للعمل، فما بين الثامنة إلى الثانية عشرة لا تجد إنساناً في الشارع، ولا تجد أحداً يجلس على (القهوة) مثلاً أو يضيع وقت العمل، وفي وقت الراحة يذهب الجميع إلى المطعم ليأكل (السندوتش) الجاهز، ثم يعود إلى عمله. هكذا يعيش المجتمع المادي، فالذي لا يعمل فيه يموت من الجوع، والحمد لله أن شبابنا تنبهوا إلى أهمية العمل وتخلَّوْا عن الطفولة التي كانوا يعيشون فيها حتى الثلاثين، وهم عَالَة على الأبوين. والحق سبحانه هنا يُعلِّمنا الأدب مع رسول الله، ويجعله لنا قدوة، فهو صلى الله عليه وسلم عاش عيشة الكفاف مطعماً وملبساً ومسكناً، فليس عنده إلا عدة حجرات، لكل زوجة من زوجاته حجرة واحدة، فليس لديه حجرة صالون أو استقبال، فلا بُدَّ أن تتعلم الأمة آداب الدخول وآداب الزيارة في مثل هذه الحالة، وخاصة مع رسول الله في بيوته. فقال سبحانه: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتَ ٱلنَّبِيِّ إِلاَّ أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ ..} [الأحزاب: 53] كلمة (بيوت) جمع بيت، وهو ما أُعِدَّ للبيتوتة أي: للمبيت فيه، والمبيت في الأغلب الأعَمِّ لليل، فهو محل السكون والبيات، أما النهار فهو محلُّ الحركة، ولا بد للإنسان بعد التعب والجهد أن يأوي بالليل إلى مكان يستريح فيه ويفيء إليه؛ لذلك سُمِّي البيت سكناً، كذلك سُمِّيت الزوجة سكناً للسبب نفسه. فالبيت مسكن لإيواء القالب وراحته، والمرأة سَكَن لإيواء القلب وراحة النفس، فكلاهما ينبغي أن يكون مصدراً للراحة. والبيت يُجمع على بيوت إنْ أردنا المسكن، ويجمع على أبيات إنْ أردنا البيت الشعري، وسُمِّي الشعر بيتاً عند العرب وهم أمة فصاحة وبيان؛ لأنه تأوي إليه المعاني، كما نأوي نحن إلى بيوتنا ونسكن فيها، كذلك المعاني تسكن بيت الشعر، فيصير البيت نفسه حكمة. لذلك يقول أحمد شوقي رحمه الله: لا يزال الشعر عاقلاً - يعني: لا زينة له من قولهم المرأة العاقل أي: التي لا زينة لها - ما لم تُزيِّنه الحكمة، فهو بدونها هراء لا فائدة منه. ولا تزال الحكمة شاردة حتى يؤويها بيت من الشعر يُحفظ ويُتداول على مَرِّ العصور، كما نستشهد نحن الآن بأبيات المتنبي والمعري وشوقي .. إلخ. والبيتوتة في كل شيء بحسبها، فالذين يعملون بالنهار بيتوتهم بالليل، والذين يعملون بالليل بيتوتهم بالنهار، وإنْ كان الأصل في البيات أن يكون ليلاً، وإياك أنْ تشغل إنساناً وقت بيتوته سواء أكانت بالليل أو بالنهار، فوقت العمل للعمل، ووقت السكن للسكن. لذلك فإن أهل الحكمة عندنا في الفلاحين يقولون: (مَنْ يحرس) يعني: بالليل (لا يحرث) يعني: بالنهار؛ لأن الإنسان إنِ انشغل وقت راحته لا يجيد عمله ولا يتقنه. بصرف النظر، أكان وقت الراحة في الليل أو في النهار، فأنت مثلاً حين تتأمل البلاد التي تشرق فيها الشمس ثلاثة أشهر أو ستة أشهر، وتغيب أيضاً ثلاثة أشهر أو ستة أشهر، هل نتصور أن يعمل أهل هذه البلاد طوال الثلاثة أشهر، وينامون ثلاثة أشهر؟ لا إنما يُقسِّمون هذه الفترة في ليل أو نهار إلى فترات: فترة للعمل، وفترة للراحة. لذلك تجد من عظمة القرآن أنْ يحتاط لمثل هذه الأمور، فيقول سبحانه: {َأية : مِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُم بِٱلَّيلِ وَٱلنَّهَارِ وَٱبْتِغَآؤُكُمْ مِّن فَضْلِهِ ..} تفسير : [الروم: 23] فالنوم يكون بالليل، ويكون أيضاً بالنهار لمن تستدعي طبيعة عمله أن يعمل بالليل. والبيت يكون على قدر إمكانات صاحبه، المهم أنْ يكون له مكان يأوي إليه ويستريح فيه، مهما قَلَّ، حتى لو كان مكاناً ضيِّقاً على قَدْر ما يسع الإنسان أنْ يضع جنبه على الأرض، فإنْ كان فيه مُتَّسع فبها ونِعْمت، وعلى طارق البيت أنْ يراعي مدى البيتوتة لمن يطرق عليه. وكما يتفاوت الناس في البيوت، كذلك يتفاوتون في ترف الحياة وأسباب الراحة في البيت على حسب الإمكانات، وما دامت الراحة على قدر الإمكانات، فينبغي أنْ يتحلَّى كلٌّ بالرضا، وأنْ يربط بين عمله ودَخْله وبين ترف حياته، فقبل أنْ تفرض لنفسك حياة مترفة، افرض لها أولاً عملاً مترفاً بنفس المستوى، بحيث توفر منه إمكانات هذا الترف. وكما يقول المثل (على قدر لحافك مِدّ رجليك) فإذا كانت إمكاناتك لا تفر لك إلا الكفاف، فلتكُنْ راضياً به، وإنْ تمردَّتَ وطلبْتَ المزيد فلتتمرد أولاً على نفسك، ولتعمل العمل الذي يوفر لك ما تتطلع إليه. وآفة الناس في اقتصادهم أنْ يحددوا مستوى الحياة أولاً، ثم يرغمون دخولهم وإمكاناتهم على هذا المستوى، فيحدث العجز، ولا تفي الإمكانات بالمتطلبات، إنما الواجب أنْ أُحدِّد مستوى حياتي على ضوء دَخْلي وإمكاناتي، وبذلك يعيش الإنسان سعيداً مرتاحاً لا يرهقه شيء، ولا يفوتنا ونحن نتحدث عن الدخول والإمكانات أنْ نراعي الحلال في الكسب وفي الإنفاق. وإذا كانت البيوت وأسباب الراحة فيها بحَسْب إمكانات أصحابها، فينبغي أنْ تكون أحوالهم النفسية أيضاً على قدر إمكاناتهم حتى لا يمتلىء قلب الفقير حِقْداً على صاحب النعمة. إذن: لا بُدَّ لنا أن نتحلَّى بالرضا، وأنْ نقنع بما في أيدينا، ومَنْ يدريك لعل صاحب النعمة هذا ورثها، وإنْ كان لم يتعب هو فيها فقد تعب أباؤه وأجداده، وسبق أن قلنا: إن الذي يعرق عشر سنين من حياته يرتاح بقية عمره، والذي يعرق عشرين سنة يُريح أولاده، والذي يعرق ثلاثين يُريح أحفاده، ومَنْ ذا الذي عرق وكدَّ ولم يجد ثمرة عرقه؟ فمَنْ أراد أنْ يعيش محترماً مكرماً حال شيخوخته فليعمل في شبابه وحال قدرته، وليعرق قبل أنْ يأتيه يوم لا يجد فيه هذه القدرة؛ لذلك يراعي سيدنا رسول الله هذا المعنى في قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : أعْطوا الأجير حقه قبل أنْ يجفَّ عرقه ". تفسير : أما الذين يتسكعون في الشوارع أو على القهاوي فليسوا أهلاً لهذه الحياة الكمرية حال شيخوختهم، كذلك العامل الذي لا يعطي للعمل حقه، أو لا يتقنه، أو يجلس يراقب صاحب العمل يتحيَّن الفرصة لإضاعة الوقت. ومعلوم أن القرش إذا اكتسبه صاحبه دون وجه حق كان وبالاً عليه وفساداً لحاله؛ لأنه لم يعرق به. واقرأ إنْ شِئْتَ قول سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : مَنْ أصاب مالاً من مهاوش، أذهبه الله في نهابر" تفسير : والمهاوش هي الطرق غير المشروعة لجمع المال، وهو نفس المعنى الذي نقصده حين نقول مثلاً: فلان جمع هذا المال من (الهَبْش) أو (النتش)، والنهابر هي الأبواب التي تُفتح لصرف هذا المال فيما لا فائدة منه. وكثيراً ما نرى بعض الناس دخولهم ورواتبهم كبيرة، ومع ذلك يعيشون عيشة الفقراء، لا ترى عليهم ولا على أولادهم أثراً لهذه النعمة. والناس يختلفون في نظرتهم إلى النعمة في أيدي الآخرين فقويُّ الإيمان ساعة يرى النعمة في يد غيره لا يحسده عليها، إنما يرى أنها فَضْل الله على عباده، وتراه يدعو لصاحب النعمة بالبركة، ويقول: والله إنه يستحق هذه النعمة وأكثر منها؛ لأنه جَدَّ واجتهد. المؤمن يقول: ما شاء الله، لا قوة إلا بالله، اللهم بارك له وأعطني من نعمك، المؤمن يرى في نعمة الدنيا نموذجاً مُصغَّراً لنعمة الآخرة، فيقول: هذا ما أعدَّه البشر لأنفسهم، فكيف بما أعدَّه الله لخَلْقه؟ عندها يتراءى له نعيم الجنة، فيُقبل عليها بقلب يملؤه الإيمان واليقين، وهذه النظرة للنعمة عند الآخرين تسمى غِبْطة. أما غير المؤمن - والعياذ بالله - فيحقد على صاحب النعمة، ويراه غير أَهْل لها، ويتمنى زوالها من عنده، ويحسده عليها، وهذا كله دليل على ضَعْف الإيمان والاعتراض على أقدار الله في خَلْقه. ونُسمِّي المساجد بيوت الله، وسُمِّي المسجد بيت الله؛ لأنه جُعِل خصيصاً لكي نقابل فيه الله حينما نسمع نداء الصلاة؛ لذلك حذرنا رسول الله أنْ نُدخِل الدنيا معنا بيوت الله، فحذَّر أنْ تُعقد الصفقات في المساجد، أو تُنشَد فيها الضالة، ولا أدلَّ على ذلك من قوله صلى الله عليه وسلم لمن عقد صفقة تجارية في بيت الله: "حديث : لا بارك اللهُ لك في صفقتك" تفسير : وقال لمن نشد ضالته في المسجد: "حديث : لا ردَّ اللهُ عليك ضالَّتك ". تفسير : لأن الإنسان يعيش طوال وقته للدنيا، فلا يجوز أن يأخذها معه حتى في وقت الصلاة، فوقت الصلاة للقاء الله، وهذا الوقت لا يعطل حركة حياتك، إنما يعطيك شحنة إيمانية تُقوِّيك على متابعة حركة حياتك، وسبق أن قلنا: إن هذه الشحنة أشبه بشحنة البطارية، فهل يقال لمن أخذ البطارية ليشحنها أنه عطَّل البطارية؟ كذلك أنت صَنْعة الله وخِلْقته، وما بالك بصنعة تُعرض على صانعها كل يوم خمس مرات، أيصيبها عطب بعد ذلك؟ وكذلك أنت حين تعرض نفسك على ربك، تأخذ من هذا اللقاء شحنة إيمان ويقين، وتتخلَّص من همومك ومشاكلك. لذلك كان سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم كلما حَزَبَه أمر فزع إلى الصلاة، ففي الصلاة ترمي بنفسك وترمي بهمومك ومشاكلك في (أحضان) ربك؛ لأنه سبحانه أعطى الكون أسباباً، فإذا عزَّتْ عليك الأسباب ولم تُفِدْكَ بشيء فاترُكْ الأسباب، والجأ إلى المسبِّب سبحانه. وقلنا: إن المسجد بيت الله باختيار الخَلْق، أما بيت الله الحرام فهو بيت الله باختيار الله؛ لذلك جعله الله قِبْلة كل البيوت، فإذا ما زُرْته ولو مرة واحدة أصلح حياتك كلها. نعود إلى بيوت النبي صلى الله عليه وسلم وما ينبغي أنْ يتحلى به المؤمنون من أدب في دخولها، وما يجب أنْ يُراعَي في دخول هذه البيوت بالذات؛ لأن لها طبيعة خاصة تناسب مهمة صاحبها صلى الله عليه وسلم. {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتَ ٱلنَّبِيِّ إِلاَّ أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ ..} [الأحزاب: 53] يعني: لا تتهجَّموا عليها؛ لأنها ضيِّقة وليستْ فيها سعة للاستقبال في كل الأوقات، والإذن هنا مُقيَّد بالطعام {إِلاَّ أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَىٰ طَعَامٍ ..} [الأحزاب: 53]. وحتى إذا دُعِيتَ إلى طعام رسول الله لا تذهبْ إليه قبل وقته، فإذا كان الغداء مثلاً الساعة الثانية، فلا تذهب أنت الساعة العاشرة؛ لأنه لا يليق أن تشغل رسول الله وله في بيته مهمات يجب ألاّ ينشغلَ عنها، مهام مع ربه، ومهام مع أهل بيته، وهذا معنى: {غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ ..} [الأحزاب: 53] أي: نضج الطعام واستوائه وإعداده، والفعل (إِنَي) على وزن رضا، وفي لغة: أني أنيا مثل: رمي رمياً. وهنا تحذير للمؤمنين إذا دُعُوا إلى طعام رسول الله أنْ يدخلوا بيوته ينتظرون نُضْج الطعام، إنما عليهم ألاَّ يدخلوا إلا بعد نُضْج الطعام وإعداده، بحيث يقول لهم تفضلوا الطعام {وَلَـكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَٱدْخُلُواْ ..} [الأحزاب: 53] فالطعام جاهز ومُعَدٌّ {فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَٱنْتَشِرُواْ ..} [الأحزاب: 53] فكما نهاهم في أوَّليّة الطعام عن انتظار نُضْجه، كذلك نهاهم في آخريته عن عدم الجلوس بعده، إنما ينبغي عليهم إذا أكلوا أنْ ينتشروا. والانتشار: أنْ يأخذ الشيء حيِّزاً أوسع من حجمه، والانتشار يُعينك على تحقيق الغاية، ألسْنَا ننشر الملابس بعد غَسلْها؟ لماذا؟ لأن نَشْر الغسيل يساعد على جفافه، ولو تركْتَه في حيِّزه الضيق لاحتاج أسبوعاً لكي يجفَّ، إذن: في الانتشار فائدة. وسبق أنْ أوضحنا هذه الظاهرة بكوب الماء إذا تركْتَه مثلاً وسافرتَ لمدة شهر، فإنك ستعُود فتجده كما هو لم ينقص إلا القليل، لكن إنْ سكبْتَه في أرض الحجرة فسوف يجفّ قبل أنْ تخرج منها. فقوله تعالى هنا {فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَٱنْتَشِرُواْ ..} [الأحزاب: 53] أي تفرَّقوا؛ لأن المكان الذي أنتم فيه في بيت النبي ضيِّق، إذن: ليذهب كُلٌّ إلى عمله، وماذا يُراد من المؤمن بعد أنْ تناول طعامه؟ أنْ يسعى في مناكب الأرض، لا أنْ يجلس خاملاً عَالةً على غيره، وتأمل أيضاً قول الله تعالى في سورة الجمعة: {أية : فَإِذَا قُضِيَتِ ٱلصَّلاَةُ فَٱنتَشِرُواْ فِي ٱلأَرْضِ وَٱبْتَغُواْ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ ..} تفسير : [الجمعة: 10]. إذن: أمر الحق سبحانه عباده المؤمنين بالانتشار؛ لأن له هدفاً وغايةً، فالهدف السعي وطلب الرزق، وماذا بعد أنْ تناولتهم طعامكم؟ أيليق بكم أنْ تقعدوا مثل (تنابلة السلطان) في بيت رسول الله، وأنتم تعلمون أنه يعيش عَيِشَة الكفاف في كل شئون حياته؟ ومن معاني الانتشار: السياحة، وهي مأخوذة من سَاح الماء إذا فَاض، وأخذ حيِّزاً أكبر، والانتشار أو السياحة ينبغي أنْ تكون مُنظمة كما تنتشر نقطة الماء على القماش، فتحدث فيه دائرة منتظمة. كذلك في انتشاركم في الأرض للسعي في طلب الرزق يجب أنْ يكون بنظام معين، بحيث لا يحدث تكدُّس في مكان أو زحام، في حين يخلو مكان آخر لا يجد مَنْ يعمره، ويستنبط خيراته. والسياحة في الأرض أو الانتشار فيها، الله تعالى يريده مِنَّا لغايتين: الأولى: الضرب في الأرض وابتغاء رزق الله وفضله، كما قال الحق سبحانه وتعالى: {أية : وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي ٱلأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ ..} تفسير : [المزمل: 20]. والضرب في الأرض ليس مجرد الانتشار فيها، إنما المراد العمل والكفاح واستخراج خيراتها؛ لأن الخالق سبحانه نثر القوت في أنحاء الأرض بالتساوي، ونثر فيها الخيرات؛ لذلك كل يوم تعطينا الأرض جديداً من نِعَم الله، كنا لا نعرف من خيرات الأرض إلا الزراعة، فلما تقدَّمَتْ العلوم والاكتشافات وتطوَّرت أدواته عرفنا المعادن والبترول والكنوز المطمورة في أرض الله، وكل أثر كنزيٍّ في الأرض لا نستخرجه ولا نعرفه إلا بالضرب في الأرض، وسبق أن قلنا: الضرب إيقاع شيء بقوة. كنا نتعجَّب من الناس الذين يسكنون البوادي والصحراء ونشفق عليهم، كيف يعيشون في هذا الجَدْب والقَحْط؟ ولماذا لا يتركون هذا المكان إلى غيره؟ والآن وبعد الاكتشافات البترولية صاروا هم أغنى الناس وتأتيهم كل خيرات الدنيا تحت أقدامهم. لماذا؟ لأنهم تمسَّكوا بأرضهم وبلادهم وصبروا عليها، حتى آن الأوان لجني خيراتها، ولو أنهم يئسوا منها ما نالوا كل هذا الخير. وسبق أنْ أوضحنا أن خيرات الأرض متساوية، وشبهناها بقطاع طولي في البطيخة مثلاً، وإنْ تعددت ألوان هذه الخيرات واختلفت من مكان لآخر. والأخرى: أن تكون السياحة للاعتبار والتأمل في آيات الله في كونه، فبالتنقل والسير في الأرض أرى آيات ليست موجودة في بيئتي، وفي ذلك يقول تعالى: {أية : قُلْ سِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ فَٱنظُرُواْ كَيْفَ بَدَأَ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ ٱللَّهُ يُنشِىءُ ٱلنَّشْأَةَ ٱلآخِرَةَ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} تفسير : [العنكبوت: 20] ويقول سبحانه في موضع آخر: {أية : قُلْ سِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ ثُمَّ ٱنْظُرُواْ ..} تفسير : [الأنعام: 11]. والمعنى أن السَّيْر في الأرض لابتغاء الرزق ينبغي أنْ يصاحبه نظر وتأمُّل لآيات الله. ثم يقول سبحانه: {وَلاَ مُسْتَئْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَٰلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي ٱلنَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنكُمْ وَٱللَّهُ لاَ يَسْتَحْيِي مِنَ ٱلْحَقِّ ..} [الأحزاب: 53] أي: لا ينبغي أنْ تجلسوا بعد الطعام للحديث، وتجعلوها (سهراية) في بيت رسول الله، وهذا النهي كان له سبب وحادثة وقعتْ، فنزلت هذه الآية. سيدنا رسول الله لم يُولِم وليمة في عُرْس من أعراسه إلا لزينب بنت جحش، فذبح صلى الله عليه وسلم شاة، وأعدَّ لهم الحَيْس، وهو التمر المخلوط بالزبد والسمن، ثم يوضع عليه اللبن الحامض أو الرايب. فلما أكل الناس جلسوا يتحدثون، انتظر رسول الله أنْ يقوموا وينصرفوا، فلم يَقُمْ منهم أحد، وحياؤه صلى الله عليه وسلم يمنعه أنْ يقول لهم: قوموا، فأراد صلى الله عليه وسلم أنْ يُظهِر لهم أنه يريد أنْ يقوم، وقام فعلاً وخرج، فلم يقُم منهم أحد ووجَد صلى الله عليه وسلم آخرين جالسين بالخارج، فعاد إلى مجلسه، فشعر القوم بما يريده رسول الله فانصرفوا. يقول سيدنا أنس: فجئتُ فأخبرتُ رسول الله أنهم انطلقوا، فجاء صلى الله عليه وسلم ودخل، فذهبت لأدخل وراءه، فألقى الحجاب بيني وبينه - يعني: لا أحد يدخل حتى أنت. ومعنى: {إِنَّ ذَٰلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي ٱلنَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنكُمْ ..} [الأحزاب: 53] لأنه صلى الله عليه وسلم يريد أنْ تنصرفوا، لكن يمنعه حياؤه، وهذا لأن المكان ضيِّق، ورسول الله في يوم عُرْس، وليس من المناسب الجلوس عنده. {وَٱللَّهُ لاَ يَسْتَحْيِي مِنَ ٱلْحَقِّ ..} [الأحزاب: 53] لذلك قالوا: حَسْب الثقلاء أن الله لم يحتملهم. هكذا حدثتنا الآية في صدرها عن: آداب الدخول، وآداب الاستئذان، وآداب الأكل، وآداب الجلوس عند رسول الله. ثم تحدَّثنا بعد ذلك عن الآداب التي يجب أنْ يتحلَّى بها المؤمنون في علاقتهم بزوجاته صلى الله عليه وسلم: {وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فَٱسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَآءِ حِجَابٍ ذٰلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ ..} [الأحزاب: 53]. المتاع: أواني البيت التي لا تتيسَّر للجميع، فعادة ما يكون في الشارع أو الحارة بيت أو بيتان مَسْتوران، عندهم مثل هذه الأشياء: ماجور العجين، أو المنخل، أو الغربال، أو الهون .. إلخ. ومثل هذه الأشياء عادة لا تتوفر للفقير، فيذهب إلى جاره فيستعيرها منه، وهذا ما قال الله فيه: {أية : أَرَأَيْتَ ٱلَّذِي يُكَذِّبُ بِٱلدِّينِ * فَذَلِكَ ٱلَّذِي يَدُعُّ ٱلْيَتِيمَ * وَلاَ يَحُضُّ عَلَىٰ طَعَامِ ٱلْمِسْكِينِ * فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ * ٱلَّذِينَ هُمْ عَن صَلاَتِهِمْ سَاهُونَ * ٱلَّذِينَ هُمْ يُرَآءُونَ * وَيَمْنَعُونَ ٱلْمَاعُونَ} تفسير : [الماعون: 1-7]. فالمتاع هو الماعون، وهو أدوات البيت التي يستعيرها منك جارك غير القادر على توفيرها في بيته. إذن: الحق سبحانه في حين جعل للمؤمنين أدباً خاصاً مع رسول الله في الدخول عليه أو الأكل في بيته والجلوس عنده، لم يمنع الانتفاع بما عنده صلى الله عليه وسلم من متاع البيت، ومتاع البيت يُطلَب بأنْ تطرق الباب على أهله تقول: أعطونا كذا وكذا، وعادة ما تُسْأل المرأة لأنها ربةُ البيت والمسئولة عن هذا المتاع، فإذا طلبتُم شيئاً من زوجات النبي فاطلبوه من وراء حجاب {ذٰلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ ..} [الأحزاب: 53]. سبق أنْ قُلْنا: إن المشاعر والإدراكات والمواجيد والعقائد التي تستقرُّ في النفس، هذه المظاهر الشعورية تتكون على مراحل ثلاث: آلة تدرك، ووجدان يستقبل، إما بالمحبة، وأما بالكراهية، ثم نفس تنزع، ومثَّلْنا لذلك بالوردة تراها في البستان جميلة نضرة، وتشُمُّ رائحتها زكية عطرة، فهذا إدراك بحاسة البصر وحاسة الشم، نتج عنه إعجاب ومواجيد، يترتب عليها أنْ تمدَّ يدك لتقطفها، وهذا هو النزوع. والشرع لا يتدخل، لا في الإدراك، ولا في الوجدان، إنما يتدخل في النزوع، فَلَك أنْ ترى جمال الودرة كما تشاء، ولك أنْ تشمَّ عبيرها، لكن إن امتدَّتْ يدُكَ إليها قُلْنا لك: قف: أَهِي حَقٌّ لك؟ إنْ كانت حقك فَخُذْهَا، وإلا فهي مُحرَّمة عليك لأنها ليَستْ مِلْكك، وليس في هذا حَجْراً على حريتك؛ لأن الذي قيَّد حريتك في الاعتداء على مال الغير قيَّد حرية الآخرين في الاعتداء عليك، فأعطاك قبل أنْ يأخذ منك إذن: فالشرع في صالحك أنت. نقول: الشرع لا يتدخل إلا عند مرحلة النزوع، إلا في علاقة الرجل بالمرأة والنظر إلى جمالها، فإنه يتدخل فيها من بدايتها، فيحظر عليك مجرد الإدراك، لأنك حين ترى جمال المرأة، وربما كانت أجمل من امرأتك أو لم يسبق لك الزواج، فإنك تُعجب بها. وهذا الإعجاب لا بُدَّ أنْ يدعوك إلى النزوع، فكيف تنزع في هذه الحالة؟ والنزوع في هذه المسألة له شروط: أولها أنْ تأتيه من باب الحلال، فإنْ لم تكُنْ قادراً على باب الحلال، فإما أنْ تعفَّ نفسك، وإما أنْ تعربد في أعراض الآخرين، لذلك تدخَّل الشرع في هذه المسألة من أولها، ولم يتركك حتى تقع في المحظور وتنزع فيما لا يحلُّ لك؛ لأن المرأة الجميلة لا شكَّ تهيج في الرجل معاني خاصة. وفي ذلك يقول الشاعر: شعر : سُبْحانَ مَنْ خَلَق الجَماَ لَ والانْهِزَام لِسَطْوتِهِ وَلَذَاكَ يأمْرنَا بغَضِّ الطَّرْف عنه لَرحمتِهِ من شاء يطْلبه فلا إلاّ بطُهْر شريعتِه وبذَا يدُوم له التمتُّع هَاهُنَا وبجنَّتِهِ تفسير : أما الذي يدَّعي أن نظره إلى جمال المرأة لا يترك فيه هذا الأثر فهو مخالف للطبيعة، حتى وإنْ كان متزوجاً، وإياك أنْ تظن أن امرأة تُغني بجمالها عن جمال في سواها؛ لذلك يقولون: النساء كالخمر، كل مليحة بمذاق، فمهما كانت زوجتك جميلة، وفيها كل المواصفات التي تعجبك فسوف تجد في غيرها الجديد مما ليس فيها. إذن: من رحمة الله بك أنْ لا تدخل في هذه المسألة من أول مراحلها، فحرَّم مجرد النظر. وإذا كان هذا في المعنى العام للناس، فكيف يكون مع زوجات النبي صلى الله عليه وسلم، وقد قال تعالى مخاطباً المؤمنين {وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تؤْذُواْ رَسُولَ ٱللَّهِ ..} [الأحزاب: 53] أي بالنظر إلى زوجاته؛ لأن النظر إدراك يتبعه أنْ تجد في نفسك شيئاً، صحيح أنت لا تستطيع أنْ تُقدِم؛ لأنهن أمهات المؤمنين، إنما سينشغل قلبك، ومجرد خواطر القلب هنا إيذاء لسيدنا رسول الله، بدليل أنه قال بعدها: {وَلاَ أَن تَنكِحُوۤاْ أَزْوَاجَهُ مِن بَعْدِهِ ..} [الأحزاب: 53]. ورُوِي أن رجلاً رأى السيدة عائشة قبل الحجاب فانبهر بها، فقال: والله إنْ مات رسول الله لأتزوجنَّ هذه الحميراء، وإنْ كان كفَّر عن هذه القَوْلة وحَجَّ ماشياً، وأعتق الرقاب، ليغفر الله له هذه الجرأة على رسول الله صلى الله عليه وسلم. فمعنى {ذٰلِكُمْ ..} [الأحزاب: 53] أي: أمرنا بأنْ تسألوهنَّ من وراء حجاب، وهذا الأمر احتياط للطرفين {أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ ..} [الأحزاب: 53] لقلوبكم أولاً، ولقلوبهن ثانياً. وقوله تعالى: {وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تؤْذُواْ رَسُولَ ٱللَّهِ ..} [الأحزاب: 53] أي: لا ينبغي ولا يكون، وهذا يعني أنَّ شيئاً لم يحدث، بل مجرد الخاطر يُعَدُّ إيذاءً؛ لأنه في حق مَنْ؟ في حق رسول الله. وقوله: {وَلاَ أَن تَنكِحُوۤاْ أَزْوَاجَهُ مِن بَعْدِهِ أَبَداً ..} [الأحزاب: 53] هذا تكريم لرسول الله ولأزواجه ليس في مدة حياته فحَسْب، إنما حتى بعد مماته؛ لأنهُنَّ أمهات للمؤمنين، وليس لأحد أنْ يتزوج منهن بعد رسول الله. ومعلوم أن للزوجة بالنسبة لزوجها خصوصية، فعادةً في طبيعة التكوين الإنساني ترى الرجل عنده ألوان من الخير، فإنْ كان صاحب أريحية لا يمنعك شيئاً تتطلبه أو تستعيره منه، يعطيك من ماله، من متاع بيته، يعيرك سيارته .. إلخ. إلا ما يتعلق بالمرأة، فإنه يغار حتى من مجرد أنْ تنظر إليها، ليس ذلك وهي في حوزته ومِلْكه، إنما حتى لو كان كارهاً لها، حتى لو طلقها يغار عليها أن تتزوج بآخر. إذن المرأة هي المتاع الوحيد الذي يحتل هذه المنزلة، وينال هذا الحفظ وهذه الرعاية، لماذا؟ لأنها وعاء النَّسْل، وكأن الله تعالى يريد للأمة كثرة النسل شريطة أنْ يكون من طُهْر وعِفَّة ونقاء، فوضع في قلب الرجل حُبَّها والغيرة عليها. لذلك، تأمل هذا الوصف الذي وصف الله به الأنصار لما استقبلوا المهاجرين، وأفسحوا لهم في أملاكهم وفي بيوتهم، فوصفهم الله وصفاً أرقى ما يُوصف به مكان في مكين. فقال سبحانه: {أية : وَٱلَّذِينَ تَبَوَّءُوا ٱلدَّارَ وَٱلإِيمَانَ ..} تفسير : [الحشر: 9] فكأنهم يسكنون في الإيمان {أية : مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلاَ يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّآ أُوتُواْ وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ..} تفسير : [الحشر: 9]. وما استحق الأنصارُ هذا الوصفَ من الحق سبحانه إلا لإيثارهم إخوانهم المهاجرين وبَذْل شيء لم يبذله أحد قبلهم، حيث كان الواحد منهم يعرض على أخيه المهاجر أنْ يُطلِّق له إحدى زوجاته ليتزوجها، وهذه هي المسألة التي تثبت أن إيمانَ هؤلاء طغى على كل ما عداه، وصار أحبَّ شيء إليهم حتى من المرأة، ومن الغيرة عليها. وقوله تعالى: {إِنَّ ذٰلِكُمْ ..} [الأحزاب: 53] أي: ما سبق أنْ ذُكِر من سؤال أمهات المؤمنين من وراء حجاب، وألاَّ تؤذوا رسول الله، أو تنكحوا أزواجه من بعده، كل هذا {كَانَ عِندَ ٱللَّهِ عَظِيماً} [الأحزاب: 53] وكيف يُؤْذَي رسولُ الله، وهو ما جاء إلا ليحمينا من الإيذاء في الدنيا في الآخرة. ثم يقول الحق سبحانه: {إِن تُبْدُواْ شَيْئاً أَوْ تُخْفُوهُ ...}.

الصابوني

تفسير : المنَاسَبَة: لمّا ذكر تعالى أحوال النبي صلى الله عليه وسلم مع أزواجه، ذكر هنا الآداب التي ينبغي أن يتحلى بها المؤمنون عند دخولهم بيوت النبي صلى الله عليه وسلم من الاستئذان وعدم الإِثقال، ثم بيَّن شرف الرسول بصلاة الله والملائكة عليه، وختم السورة الكريمة بالحديث عن الساعة وما يعقبها من أهوالٍ لأهل الكفر والضلال، وحال الأشقياء والسعداء في دار البقاء. اللغَة: {إِنَاهُ} نضجه قال في اللسان: إنّى الشيء بلوغه وإِدراكُه والإِنى بكسر الهمزة والقصر: النضجُ {مُسْتَأْنِسِينَ} الاستئناس: طلبُ الأنس بالحديث، تقول: استأنست بحديثه أي طلبت الأنس والسرور به، وما بالدار من أنيس أي ليس بها أحد يؤانسك أو يسليك {مَتَاعاً} المتاعُ: الغرض والحاجة كالماعون وغيره {بُهْتَاناً} البهتانُ: الافتراء والكذب الواضح، وأصله من البهت وهو القذف بالباطل {جَلاَبِيبِهِنَّ} جمع جلباب وهو الثوب الذي يستر جميع البدن وهو يشبه الملاءة "الملحفة" في زماننا، قال الشاعر: شعر : تمشي النسورُ إليه وهي لاهيةٌ مشيَ العَذارى عليهنَّ الجلابيب تفسير : {ٱلْمُرْجِفُونَ} جمع مرجف وهو الذي يشيع الكذب والباطل لإِخافة الناس به قال الشاعر: شعر : وإِنَّا وإن عيرتمونا بقتله وأرجف بالإِسلام باغٍ وحاسد تفسير : {َنُغْرِيَنَّكَ} أغراه به: حثه وسلّطه عليه. {سَعِيراً} ناراً شديدة الاستعار. سَبَبُ النّزول: أ - روي عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم لما تزوَّج "زينب بنت جحش" أَوْلمَ عليها، فدعا الناس فلما طعموا جلس طوائف منهم يتحدثون في بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وزوجتُه مولّيةٌ وجهها إلى الحائط، فثقُلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أنس: فما أدري أأنا أخبرت النبي صلى الله عليه وسلم أن القوم قد خرجوا أو أخبرني، قال: فانطلق حتى دخل البيتَ فذهبتُ أدخلُ معه فألقى الستر بيني وبينه ونزل الحجابُ، ووُعظ الناسُ بما وُعظوا به وأنزل الله {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتَ ٱلنَّبِيِّ إِلاَّ أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ..}. ب - وقال ابن عباس: كان ناسٌ من المؤمنين يتحيَّنون طعام النبي صلى الله عليه وسلم فيدخلون قبل أن يُدرك الطعام، ويقعدون إلى أن يُدرك، ثم يأكلون ولا يخرجون فنزلت. ج - وعن عائشة أنَّ عمر رضي الله عنه قال يا رسول الله: إنَّ نساءَكَ يدخلُ عليهنَّ البرُّ والفاجرُ، فلو أمرتهنَّ أن يحتجبن فنزلت آية الحجاب {وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فَٱسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَآءِ حِجَابٍ ذٰلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ} الآية. د - عن السُّدّي أن الفُسَّاق كانوا يؤذون النساء إذا خرجن بالليل، فإِذا رأوا المرأة عليها قناع تركوها وقالوا: هذه حرة، وإِذا رأوها بغير قناع قالوا: أمةٌ فآذوها فأنزل الله: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ قُل لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَآءِ ٱلْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلاَبِيبِهِنَّ..} الآية. التفسِير: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتَ ٱلنَّبِيِّ إِلاَّ أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ} الإِضافة للتشريف والتكريم، والآية توجيه للمؤمنين لهذا الأدب السامي العظيم والمعنى: لا تدخلوا بيوت النبي في حالٍ من الأحوال إلا في حال الإِذن لكم منه عليه السلام، مراعاةً لحقوق نسائه، وحرصاً على عدم إيذائه والإِثقال عليه {إِلَىٰ طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ} أي إِلاّ حين يدعوكم إلى طعام غير منتظرين نُضْجه {وَلَـكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَٱدْخُلُواْ} أي ولكنْ إذا دُعيتم وأُذن لكم في الدخول فادخلوا {فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَٱنْتَشِرُواْ} أي فإِذا انتهيتم من الطعام فتفرقوا إلى دوركم ولا تمكثوا {وَلاَ مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ} معطوف على {غَيْرَ نَاظِرِينَ} أي لا تدخلوا بيوته منتظرين للطعام، ولا مستأنسين لحديث بعضكم بعضاً قال أبو حيان: نهُوا أن يطيلوا الجلوسَ يستأنس بعضهم ببعض لحديثٍ يحدثه به {إِنَّ ذَٰلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي ٱلنَّبِيَّ} أي إن صنيعكم هذا يؤذي الرسول، ويضايقه ويثقل عليه، ويمنعه من قضاءِ كثيرٍ من مصالحه وأموره {فَيَسْتَحْيِي مِنكُمْ} أي فيستحيي من إخراجكم، ويمنعه حياؤه أن يأمركم بالانصراف، لخُلقه الرفيع، وقلبه الرحيم {وَٱللَّهُ لاَ يَسْتَحْيِي مِنَ ٱلْحَقِّ} أي واللهُ جل وعلا لا يترك بيان الحق، ولا يمنعه مانع من إظهار الحق وتبيانه لكم، قال القرطبي: هذا أدبٌ أدَّب الله به الثقلاء، وفي كتاب الثعلبي: حسبك من الثقلاء أن الشرع لم يحتملهم {وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فَٱسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَآءِ حِجَابٍ} أي وإِذا أردتم حاجةً من أزواجه الطاهرات فاطلبوه من وراء حاجزٍ وحجاب {ذٰلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ} أي سؤالكم إياهنَّ المتاع من وراء حجاب أزكى لقلوبكم وقلوبهن وأطهر، وأنفى للريبة وسوء الظن {وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تؤْذُواْ رَسُولَ ٱللَّهِ} أي وما ينبغي لكم ولا يليق بكم أن تؤذوا رسولكم الذي هداكم الله به في حياته {وَلاَ أَن تَنكِحُوۤاْ أَزْوَاجَهُ مِن بَعْدِهِ أَبَداً} أي ولا أن تتزوجوا زوجاته من بعد وفاته أبداً، لأنهن كالأمهات لكم، وهو كالوالد فهل يليق بكم أن تؤذوه في نفسه أو أهله؟ {إِنَّ ذٰلِكُمْ كَانَ عِندَ ٱللَّهِ عَظِيماً} أي إن إيذاءه ونكاح أزواجه من بعده أمر عظيم، وذنب كبير لا يغفره الله لكم قال أبو السعود: وفيه من تعظيمه تعالى لشأن رسوله صلى الله عليه وسلم وإِيجاب حرمته حياً وميتاً ما لا يخفى ثم قال تعالى: {إِن تُبْدُواْ شَيْئاً أَوْ تُخْفُوهُ} أي إن تظهروا أمراً من الأمور أو تخفوه في صدوركم {فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً} أي فإِن الله عالم به وسيجازيكم عليه، قال البيضاوي: وفي هذا التعميم مع البرهان على المقصود مزيد تهويلٍ ومبالغة في الوعيد، ثم لما أنزل تعالى الحجاب استثنى المحارم فقال: {لاَّ جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِيۤ آبَآئِهِنَّ وَلاَ أَبْنَآئِهِنَّ وَلاَ إِخْوَانِهِنَّ وَلاَ أَبْنَآءِ إِخْوَانِهِنَّ وَلاَ أَبْنَآءِ أَخَوَاتِهِنَّ وَلاَ نِسَآئِهِنَّ وَلاَ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ} أي لا حرج ولا إثم على النساء في ترك الحجاب أمام المحارم من الرجال قال القرطبي: لما نزلت آية الحجاب قال الآباء والأبناء لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ونحنُ أيضاً نكلمهنَّ من وراء حجاب؟ فنزلت هذه الآية، والمراد بـ {نِسَآئِهِنَّ} نساءُ المؤمنين، قال ابن عباس: لأن نساء اليهود والنصارى يصفن لأزواجهن النساء المسلمات، فلا يحل للمسلمة أن تُبدي شيئاً منها لئلا تصفها لزوجها الكافر {وَٱتَّقِينَ ٱللَّهَ} أي اتَّقين يا معشر النساء اللهَ، واخشينه في الخلوة والعلانية {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيداً} أي لا تخفى عليه خافية من أموركن، يعلم خطرات القلوب كما يعلم حركات الجوارح، قال الرازي: وهذا في غاية الحسن في هذا الموضع، لأن ما سبق إشارة إلى جواز الخلوة بهم والتكشف لهم، فختمها بأن الله شاهد عند اختلاء بعضهم ببعض، فالخلوة عنده مثل الجلوة فعليهم أن يتقوا الله، ثم بيَّن تعالى قدر الرسول العظيم فقال: {إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلاَئِكَـتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِيِّ} أي إن الله جل وعلا يرحم نبيَّه، ويعظّم شأنه، ويرفع مقامه، وملائكتُه الأبرار يدعون للنبي ويستغفرون له، ويطلبون من الله أن يمجّد عبده ورسوله ويُنيله أعلى المراتب، قال القرطبي: والصلاةُ من الله رحمتُه ورضوانه، ومن الملائكة الدعاء والاستغفار، ومن الأمة الدعاءُ والتعظيمُ لأمره وقال الصاوي: وهذه الآية فيها أعظم الدليل على أنه صلى الله عليه وسلم مهبط الرحمات، وأفضل الأولين والآخرين على الإِطلاق، إذ الصلاة من الله على نبيه رحمتُه المقرونة بالتعظيم، ومن اللهِ على غير النبي مطلقُ الرحمة كقوله: {أية : هُوَ ٱلَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلاَئِكَتُهُ}تفسير : [الأحزاب: 43] فانظر الفرق بين الصلاتين، والفضل بين المقامين، وبذلك صار منبع الرحمات، ومنبعَ التجليات {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلِّمُواْ تَسْلِيماً} أي فأنتم أيها المؤمنون أكثروا من الصلاة عليه والتسليم، فحقه عليكم عظيم، فقد كان المنقذ لكم من الضلالة إلى الهدى، والمخرج لكم من الظلمات إلى النور، فقولوا كلما ذُكر اسمه الشريف "اللهم صلّ على محمد وآله وسلم تسليماً كثيراً" عن كعب بن عُجرة قلنا يا رسول الله: قد عرفنا التسليم عليك فكيف الصلاة عليك؟ فقال: "قولوا اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم.." الحديث قال الصاوي: وحكمةُ صلاةِ الملائكةِ والمؤمنين على النبي صلى الله عليه وسلم تشريفُهم بذلك، حيث اقتدوا بالله جل وعلا في الصلاة عليه وتعظيمه، ومكافأةٌ لبعض حقوقه على الخلق، لأنه الواسطة العظمى في كل نعمةٍ وصلت لهم، وحقٌ على من وصل له نعمة من شخص أن يكافئه، ولما كان الخلق عاجزين عن مكافأته صلى الله عليه وسلم طلبوا من القادر الملك أن يكافئه، وهذا هو السر في قولهم: "اللهم صل على محمد" {إِنَّ ٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ} أي يؤذون الله بالكفر ونسبة الصاحبة والولد له، ووصفه بما لا يليق به جل وعلا كقول اليهود: {أية : يَدُ ٱللَّهِ مَغْلُولَةٌ}تفسير : [المائدة: 64] وقول النصارى {أية : ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ ٱللَّهِ}تفسير : [التوبة: 30] ويؤذون الرسول بالتكذيب برسالته، والطعن في شريعته، والاستهزاء بدعوته، قال ابن عباس: نزلت في الذين طعنوا على الرسول صلى الله عليه وسلم حين اتخذ صفية بن حيُي {لَعَنَهُمُ ٱللَّهُ فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ} أي طردهم من رحمته، وأحل عليهم سخطه وغضبه في الدنيا بالهوان والصغار، وفي الآخرة بالخلود في عذاب النار {وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً مُّهِيناً} أي وهيأ لهم عذاباً شديداً، بالغَ الغاية في الإِهانة والتحقير {وَٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا ٱكْتَسَبُواْ} أي يؤذون أهل الإِيمان بغير ما فعلوه، وبغير جنايةٍ واستحقاق للأذى {فَقَدِ ٱحْتَمَلُواْ بُهْتَاناً وَإِثْماً مُّبِيناً} أي فقد حمَّلوا أنفسهم البهتان والكذب، والزور، والذنب الواضح الجلي قال القرطبي: أطلق إيذاء الله ورسوله، وقيَّد إيذاء المؤمنين والمؤمنات، لأن إيذاء الله ورسوله لا يكون إلا بغير حق أبداً، وأما إيذاء المؤمنين والمؤمنات فمنه ومنه ولما حرَّم تعالى الإِيذاء، أمر نبيه الكريم أن يوجه النداء إلى الأمة جمعاء، للتمسك بالإِسلام وتعاليمه الرشيدة، وبالأخص في أمرٍ اجتماعي خطير وهو "الحجاب" الذي يصون للمرأة كرامتها، ويحفظ عليها عفافها، ويحميها من النظرات الجارحة، والكلمات اللاذعة، والنوايا الخبيثة لئلا تتعرض لأذى الفساق فقال {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ قُل لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَآءِ ٱلْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلاَبِيبِهِنَّ} أي قل يا محمد لزوجاتك الطاهرات - أمهات المؤمنين - وبناتك الفضليات الكريمات، وسائر نساء المؤمنين، قل لهنَّ يلبسن الجلباب الواسع، الذي يستر محاسنهن وزينتهن، ويدفع عنهم ألسنة السوء، ويميزهن عن صفاتِ نساء الجاهلية، روى الطبري: عن ابن عباس أنه قال في هذه الآية: أمر اللهُ نساء المؤمنين إِذا خرجن من بيوتهن في حاجة أن يغطين وجوههن من فوق رءوسهن بالجلابيب ويبدين عيناً واحدة، وروى ابن كثير عن محمد بن سيرين قال: سألت عبيدة السلماني عن قول الله عز وجل {يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلاَبِيبِهِنَّ} فغطّى وجهه ورأسه وأبرز عينه اليسرى {ذٰلِكَ أَدْنَىٰ أَن يُعْرَفْنَ فَلاَ يُؤْذَيْنَ} أي ذلك التستر أقرب بأن يُعْرفن بالعفة والتستر والصيانة، فلا يطمع فيهن أهل السوء والفساد، وقيل: أقرب بأن يُعرفن أنهن حرائر، ويتميزن عن الإِماء، {وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً} أي إنه تعالى غفور لما سلف منهن من تفريط، رحيم بالعباد حيث راعى مصالحهم وشئونهم تلك الجزيئات.. ثم هدَّد المولى جل وعلا كل المؤذين من جميع الأصناف بأنواع العقاب فقال: {لَّئِن لَّمْ يَنتَهِ ٱلْمُنَافِقُونَ وَٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ} أي لئن لم يترك هؤلاء المنافقون ـ الذين يُظهرون الإِيمان ويبطنون الكفر ـ نفاقهم، والزناةُ ـ الذين في قلوبهم مرض فجور - فجورهم {وَٱلْمُرْجِفُونَ فِي ٱلْمَدِينَةِ} أي الذين ينشرون الأراجيف والأكاذيب لبلبلة الأفكار، وخلخلة الصفوف، ونشر أخبار السوء {لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ} أي لنسلطنك عليهم يا محمد {ثُمَّ لاَ يُجَاوِرُونَكَ فِيهَآ إِلاَّ قَلِيلاً} أي ثم يخرجون من المدينة فلا يعودون إلى مجاروتك فيها إلا زمناً قليلاً، ريثما يتأهبون للخروج، قال الرازي: وعد الله نبيه أن يخرج أعداءه من المدينة وينفيهم على يده، إظهاراً لشوكته {مَّلْعُونِينَ} أي مبعدين عن رحمته تعالى {أَيْنَمَا ثُقِفُوۤاْ أُخِذُواْ وَقُتِّلُواْ تَقْتِيلاً} أي أينما وجدوا وأُدركوا أُخذوا على وجه الغلبة والقهر ثم قُتِّلوا لكفرهم بالله تقتيلاً {سُنَّةَ ٱللَّهِ فِي ٱلَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلُ} أي هذه سنة الله في المنافقين وعادتُه فيمن سبق منهم أن يُفعل بهم ذلك، قال القرطبي: أي سنَّ الله عز وجل فيمن أرجف بالأنبياء وأظهر نفاقه أن يُؤخذ ويُقتل {وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ ٱللَّهِ تَبْدِيلاً} أي ولن تتغير أو تتبدل سنة الله، لكونها بُنيت على أساسٍ متين، قال الصاوي: وفي الآية تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم أي فلا تحزن على وجود المنافقين يا محمد، فإِن ذلك سنة قديمة لم يخل منهم زمن من الأزمان ثم ذكر تعالى الساعة وأهوالها فقال: {يَسْأَلُكَ ٱلنَّاسُ عَنِ ٱلسَّاعَةِ} أي يسألك يا محمد المشركون على سبيل الاستهزاء والسخرية عن وقت قيام الساعة {قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ ٱللَّهِ} أي قل لهم: لست أعرف وقتها وإِنما يعلم ذلك علاّم الغيوب، فإِن الله أخفاها لحكمة ولم يُطلع عليها مَلكاً مقرباً، ولا نبياً مرسلاً {وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ ٱلسَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيباً} أي وما يُعلمك أن الساعة تكون في وقت قريب؟ قال أبو السعود: وفيه تهديدٌ للمستعجلين، وتبكيتٌ للمتعنّتين، والإِظهارُ في موضع الإِضمار للتهويل وزيادة التقرير {إِنَّ ٱللَّهَ لَعَنَ ٱلْكَافِرِينَ} أي طرد الكافرين وأبعدهم عن رحمته {وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيراً} أي وهيأ لهم ناراً شديدة مستعرة {خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً} أي مقيمين في السعير أبد الآبدين {لاَّ يَجِدُونَ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً} أي لا يجدون لهم من ينجيهم وينقذهم من عذاب الله {يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي ٱلنَّارِ} أي يوم تتقلب وجوههم من جهة إلى جهة كاللحم يُشوى بالنار {يَقُولُونَ يٰلَيْتَنَآ أَطَعْنَا ٱللَّهَ وَأَطَعْنَا ٱلرَّسُولاَ} أي يقولون متحسرين على ما فاتهم: يا ليتنا أطعنا الله ورسوله حتى لا نبتلى بهذا العذاب المهين {وَقَالُواْ رَبَّنَآ إِنَّآ أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَآءَنَا فَأَضَلُّونَا ٱلسَّبِيلاْ} أي أطعنا القادة والأشراف فينا فأضلونا طريق الهدى والإِيمان {رَبَّنَآ آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ ٱلْعَذَابِ} أي اجعل عذابهم ضعفي عذابنا، لأنهم كانوا سبب ضلالنا {وَٱلْعَنْهُمْ لَعْناً كَبِيراً} أي والعنهم أشد أنواع اللعن وأعظمه، ثم حذر تعالى من إيذاء الرسول كما آذى اليهود نبيهم فقال: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ آذَوْاْ مُوسَىٰ فَبرَّأَهُ ٱللَّهُ مِمَّا قَالُواْ} أي لا تكونوا أمثال بني إسرائيل الذين آذوا نبيهم موسى واتهموه ببرصٍ في جسمه أو أُدْرةٍ لفرط تستره وحيائه، فأظهر الله براءته وأكذبهم فيما اتهموه به، روى البخاري عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إن موسى كان رجلاً حيياً ستيراً، لا يرى من جلده شيءٌ استحياءً منه، فآذاه من آذاه من بني إسرائيل فقالوا: ما يتستر هذا التستر إلا من عيبٍ بجلده، إما برص وإما أدرة ـ انتفاخ الخصية ـ وإما آفة، وإن الله أراد أن يبرئه مما قالوا لموسى، فخلا يوماً وحده فوضع ثيابه على الحجر ثم اغتسل، فلما فرغ أقبل على ثيابه ليأخذها وإن الحجر عدا بثوبه، فأخذ موسى عصاه وطلب الحجر فجعل يقول: ثوبي حجر، ثوبي حجر، حتى مر على ملإٍ من بني إسرائيل فرأوه أحسن ما خلق الله عرياناً، وأبرأه مما يقولون"تفسير : الحديث {وَكَانَ عِندَ ٱللَّهِ وَجِيهاً} أي وكان موسى ذا وجاهة ورفعة ومكانة عند ربه، قال ابن كثير: أي له وجاهة وجاه عند ربه، لم يسأل شيئاً إلا أعطاه {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَقُولُواْ قَوْلاً سَدِيداً} أي راقبوا الله في جميع أقوالكم وأفعالكم، وقولوا قولاً مستقيماً مرضياً لله قال الطبري: أي قولاً قاصداً غير جائر، حقاً غير باطل {يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ} أي يوفقكم لصالح الأعمال ويتقبلها منكم قال ابن عباس: يتقبل حسناتكم {وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ} أي يمحو عنكم الذنوب والأوزار {وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً} أي ومن أطاع الله والرسول فقد نال غاية مطلوبة، ثم لما أرشدهم إلى مكارم الأخلاق، نبّههم على قدر التكاليف الشرعية التي كلّف الله بها البشرية فقال {إِنَّا عَرَضْنَا ٱلأَمَانَةَ عَلَى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَٱلْجِبَالِ فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا} أي عرضنا الفرائض والتكاليف الشرعية على السماواتِ والأرض والجبال الراسيات فأعرضن عن حملها وخفن من ثقلها وشدتها، والغرض تصوير عظم الأمانة وثقل حملها، قال أبو السعود: والمعنى أن تلك الأمانة في عظم الشأن بحيث لو كلفت هاتيك الأجرام العظام ـ التي هي مثل في القوة والشدة ـ وكانت ذات شعور وإِدراك على مراعاتها لأبين قبولها وأشفقن منها وقال ابن جزي: الأمانةُ هي التكاليف الشرعية من التزام الطاعات، وترك المعاصي، وقيل: هي الأمانةُ في الأموال، والصحيحُ العموم في التكاليف، وعرضُها يحتمل وجهين أحدهما: أن يكون اللهُ خلق لها إدراكاً فعرضت عليها الأمانة حقيقةً فأشفقت منها وامتنعت من حملها، والثاني: أن يكون المراد تعظيم شأن الأمانة وأنها من الثقل بحيث لو عُرضت على السماوات والأرضِ والجبال، لأبين من حملها وأشفقن منها، فهذا ضربٌ من المجاز كقولك: عرضتُ الحمل العظيم على الدابة فأبتْ أن تحمله، والمراد أنها لا تقدر على حمله {وَحَمَلَهَا ٱلإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً} أي وتحمَّلها الإِنسان إنه كان شديد الظلم لنفسه، مبالغاً في الجهل بعواقب الأمور، قال ابن الجوزي: لم يرد بقوله {أبَيْنَ} المخالفة، وإِنما أبين للخشية والمخافة، لأن العَرض كان تخييراً لا إلزاماً {لِّيُعَذِّبَ ٱللَّهُ ٱلْمُنَافِقِينَ وَٱلْمُنَافِقَاتِ وَٱلْمُشْرِكِينَ وَٱلْمُشْرِكَاتِ} قال ابن كثير: أي إنما حمَّل بني آدم الأمانة وهي التكاليف ليعذب الله المنافقين الذين يظهرون الإِيمان ويبطنون الكفر، والمشركين الذين ظاهرهم وباطنهم على الكفر {وَيَتُوبَ ٱللَّهُ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ} أي ويرحم أهل الإِيمان، ويعود عليهم بالتوبة والمغفرة والرضوان {وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً} أي واسع المغفرة للمؤمنين حيث عفا عما سلف منهم، رحيماً بهم حيث أثابهم وأكرمهم بأنواع الكرامات. البَلاَغَة: تضمنت الآيات الكريمة وجوهاً من البيان والبديع نوجزها فيما يلي: 1- الإِضافة للتشريف {لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتَ ٱلنَّبِيِّ} لأنها لما نسب للنبي تشرفت. 2- الطباق بين {ٱدْخُلُواْ ..و.. ٱنْتَشِرُواْ} وبين {تُبْدُواْ ..و.. تُخْفُوهُ} وبين {ثُقِفُوۤاْ ..و.. أُخِذُواْ}. 3- طباق السلب {فَيَسْتَحْيِي مِنكُمْ وَٱللَّهُ لاَ يَسْتَحْيِي مِنَ ٱلْحَقِّ}. 4- ذكر الخاص بعد العام {لَّئِن لَّمْ يَنتَهِ ٱلْمُنَافِقُونَ .. وَٱلْمُرْجِفُونَ} والمرجفون هم المنافقين، فعمَّم ثم خصَّص زيادة في التقبيح والتشنيع عليهم. 5- ذكر اللفظ بصيغة "فعول" و"فعيل" للمبالغة مثل {إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً} {بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً} {عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيداً} الخ. 6- الإِتيان بالمصدر مع الفعل للتأكيد {وَقُتِّلُواْ تَقْتِيلاً} {وَسَلِّمُواْ تَسْلِيماً}. 7- التحسر والتفجع بطريق التمني {يَقُولُونَ يٰلَيْتَنَآ أَطَعْنَا ٱللَّهَ وَأَطَعْنَا ٱلرَّسُولاَ}. 8- التشبيه {لاَ تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ آذَوْاْ مُوسَىٰ} ويسمى التشبيه المرسل المجمل. 9- الاستعارة التمثيلية {إِنَّا عَرَضْنَا ٱلأَمَانَةَ عَلَى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَٱلْجِبَالِ} مثَّل للأمانة في ضخامتها وعظمها وتفخيم شأنها بأنها من الثقل بحيث لو عرضت على السماوات والأرض والجبال وهي من القوة والشدة بأعلى المنازل لأبت عن حملها وأشفقت منها، وهو تمثيل رائع لتهويل شأن الأمانة. 10- المقابلة اللطيفة بين {لِّيُعَذِّبَ ٱللَّهُ ٱلْمُنَافِقِينَ وَٱلْمُنَافِقَاتِ} وبين {وَيَتُوبَ ٱللَّهُ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ} وفي ختم السورة بهذه الآية من البدائع ما يسميه علماء البديع "رد العجز على الصدر" لأن بدء السورة كان في ذم المنافقين، وختامها كان في بيان سوء عاقبة المنافقين، فحسن الكلام في البدء والختام. 11- الثناء على الرسول {إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلاَئِكَـتَهُ يُصَلُّونَ} ورد بهذه الصيغة وفيه دقائق بيانية: أ - جاء الخبر مؤكداً بـ"إنَّ" اهتماماً به. ب - وجيء بالجملة إسمية لإِفادة الدوام. ج - وكانت الجملة إسمية في صدرها "إن الله" فعلية في عجزها "يصلون" للإِشارة إلى أن هذا الثناء من الله تعالى على رسوله يتجدد وقتاً فوقتاً على الدوام، فتدبر هذا السر الدقيق. 12- مراعاة الفواصل لما له من الوقع الحسن على السمع مثل {أَعَدَّ لَهُمْ سَعِيراً .. لاَّ يَجِدُونَ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً .. وَٱلْعَنْهُمْ لَعْناً كَبِيراً} الخ وهو من المحسنات البديعية. لطيفَة: أشارت الآية الكريمة {قُل لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَآءِ ٱلْمُؤْمِنِينَ} إلى لطيفة وهي أن الدعوة لا تثمر إِلا إذا بدأ الداعي بها في نفسه وأهله، وهذا هو السر في البدء بالحجاب الشرعي بنساء الرسول وبناته. "الردُّ على من أباح كشف الوجه، وطائفة من أقوال المفسرين في وجوب سترة" 1- قال ابن كثير: أمر الله نساء المؤمنين إذا خرجن من بيوتهن لحاجة أن يغطين وجوههن من فوق رءوسهن بالجلابيب. 2- وقال ابن الجوزي: في قوله تعالى {يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلاَبِيبِهِنَّ} أي يغطين رءوسهن ووجوههن ليُعلم أنهن حرائر. 3- وقال أبو السعود: ومعنى الآية أي يغطين بها وجوههن وأبدانهن إِذا برزن لداعية من الدواعي. 4- وقال الطبري: أي لا تتشبهن بالإِماء في لباسهن إذا خرجن لحاجتهن فكشفن شعورهن ووجوههن لئلا يعرض لهن فاسق. 5- وقال في البحر: والمراد بقوله: {عَلَيْهِنَّ} أي على وجوههن، لأن الذي كان يبدو منهن في الجاهلية هو الوجه. 6- وقال االجصاص: وفي الآية دلالة على أن المرأة الشابة مأمورة بستر وجهها عن الأجانب لئلا يطمع فيها أهل الريب. فهذه جملة من أقوال أئمة التفسير في وجوب ستر وجه المرأة، والله يقول الحق ويهدي السبيل.

الصابوني

تفسير : [5] من آداب الوليمة التحليل اللفظي {يُؤْذَنَ لَكُمْ}: أي تُدْعوا إلى تناول الطعام، والأصل أن يتعدى بـ (في) تقول: أذنت لك في الدخول، ولا تقول أذنت لك إلى الدخول، ولكنّ اللفظ لما ضُمّن معنى (الدعوة) عُدّي بـ (إلى) بدل (في) ومعنى الآية: لا تدخلوا بيوت النبي إلاّ إذا دعيتم إلى تناول الطعام. قال الزمخشري: (إلا أن يُؤذن) في معنى الظرف تقديره: وقت أن يُؤذن لكم. {نَٰظِرِينَ إِنَاهُ}: أي منتظرين نضجه، قال في اللسان: وإنى الشيء: بلوغُه وإدراكه، وفي التنزيل: {غَيْرَ نَٰظِرِينَ إِنَاهُ} أي غير منتظرين نضجه وإدراكه وبلوغه، تقول: أنى يأني إذا نضِج إنىً أي نضجاً، والإنى بكسر الهمزة والقصر: النضجُ. فهو على هذا مصدر مضاف إلى الضمير. ويرى بعض المفسّرين أنه ظرف بمعنى (حين) وهو مقلوب (آن) بمعنى (حان) فعلى الأول يكون المعنى: غير منتظرين نضجه، وعلى الثاني يكون المعنى: غير منتظرين وقته أي وقت إدراكه ونضجه، وهما متقاربان. {فَٱنْتَشِرُواْ}: أي اخرجوا وتفرقوا، يقال انتشر القوم: أي تفرقوا ومنه قوله تعالى: {أية : فَإِذَا قُضِيَتِ ٱلصَّلاَةُ فَٱنتَشِرُواْ فِي ٱلأَرْضِ} تفسير : [الجمعة: 10] أي تفرقوا في الأرض لطلب الرزق والكسب. {مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ}: معنى الاستئناس: طلب الأنس بالحديث لأن السين والتاء للطلب تقول: استأنَسَ بالحديث: أي طلب الأنس والطمأنينة والسرور به. وتقول: ما بالدار أنيس، أي ليس بها أحد يؤانسك أو يسليّك، وقد كان من عادة الناس أنهم يجلسون بعد الأكل فيتحدثون طويلاً، ويأنسون بحديث بعضهم بعضاً فعلّمهم الله الأدب، وهو أن يتفرقوا بعد تناول الطعام، ولا يثقلوا على أهل البيت، لأن المكث بعده فيه نوع من الإثقال. {إِنَّ ذَٰلِكُمْ}: اسم الإشارة راجع إلى الدخول بغير إذن، والمكث عقب الطعام للاستئناس بالحديث، وقيل: هو راجع إلى الأخير خاصة، ومعنى الآية: إن انتظاركم واستئناسكم يؤذي النبي. {فَيَسْتَحْيِي مِنكُمْ}: أي يستحيي من إخراجكم من بيته، والله لا يستحيي من بيان الحق فهو على حذف مضاف. {مَتَٰعاً}: المتاع: الغرض والحاجة كالماعون وغيره، وهو في اللغة: ما يستمتع به حسياً كان كالثوب والقدر والماعون، أو معنوياً كمعرفة الأحكام الشرعية والسؤال عنها، وقد يأتي المتاع بمعنى التمتع بالشيء والانتفاع به كما قال تعالى: {أية : وَمَا ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَآ إِلاَّ مَتَاعُ ٱلْغُرُورِ}تفسير : [الحديد: 20] وفي الحديث الشريف: "حديث : الدنيا متاع، وخير متاعها المرأة الصالحة ". تفسير : {حِجَابٍ}: أي ساتر يستره عن النظر، قال في "اللسان": حجبَ الشيءَ يحجبُه أي ستره، وقد احتجب وتحجّب إذا اكتنّ من وراء حجاب، وامرأة محجوبة قد سترت بستر، والحجاب: اسم ما احتجب به، وكل ما حال بين شيئين فهو حجاب. قال تعالى: {أية : وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ} تفسير : [فصلت: 5]. ومعنى الآية: إذا سألتموهن شيئاً مما يستمتع به وينتفع فاسألوهن من وراء ستر وحجاب. {أَطْهَرُ}: أي أسلم وأنقى، أفعل تفضيل من الطهارة بمعنى النزاهة والنقاء، والمعنى: سؤالكم للنساء من وراء حجاب أكثر نقاءً وتنزيهاً لقلوبكم وقلوبهن من الهواجس والخواطر التي تتولد فيها عند اختلاط الرجال بالنساء، وأبعد عن الريبة وسوء الظنّ. المعنى الإجمالي أمر الله سبحانه عباده المؤمنين أن يتأدبوا بالآداب الإسلامية الكريمة، ويتمسكوا بما شرعه لهم من التوجيهات والإرشادات الحكيمة، التي بها صلاح دينهم ودنياهم، وخاصة مع النبي صلى الله عليه وسلم، فمقام النبوّة لا يعادله مقام، وإيذاء النبي صلى الله عليه وسلم - سواء كان بالقول أو الفعل - من أعظم الكبائر عند الله، وقد ألزمنا الله سبحانه بتلك الآداب الفاضلة، وأمرنا بالتمسك بها، حتى يتحقق المجتمع الفاضل الذي ينشده الإسلام، وقد تضمنت هذه الآيات الكريمة أمرين هامين: الأول: الأدب في أمر الطعام والاستئذان ودخول البيوت (أدب الوليمة). الثاني: الأدب في مخاطبة النساء، وعدم الاختلاط بهن أو الخلوة أدب (الحجاب الشرعي). يقول الله جل ثناؤه ما معناه: يا أيها المؤمنون لا تدخلوا بيوت النبي إلا بعد الإذن، ولا تترقبوا أوقات الطعام فتدخلوا عليه فيها، أو تنتظروا أن يحين وقت نضج الطعام فتستأذنوا عليه في الدخول، إلا إذا كنتم مدعوَّين إلى وليمة قد أعدّها لكم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومع ذلك إذا دعيتم وطعمتم فاخرجوا وتفرقوا ولا تثقلوا على الرسول الكريم بالجلوس بعد الطعام، فإن حياءه يمنعه أن يأمركم بالانصراف، أو يظهر لكم الامتعاض من جلوسكم في بيته، فهو ذو الخلق الرفيع، والقلب الرحيم، لا يصدر منه إلا ما يسرّكم، فلا يليق بكم أن تثقلوا عليه، أو تؤذوه في نفسه أو أهله، وإذا أردتم حاجةً من أزواجه الطاهرات، فاسألوهن من وراء حاجز وحجاب، لأن ذلك أزكى لقلوبكم وقلوبهن، وأنفى للريبة، وأبعد عن التهمة، وأطهر لبيت النبوة. ولا يليق بكم أيها المؤمنون أن تؤذوا رسولكم، الذي هداكم الله به وأخرجكم من الظلمات إلى النور، فهو كالوالد لكم، وأزواجه كالأمهات لكم، وهل يصح لمؤمن أن يتزوج أمه؟ فلا تؤذوه في حياته ولا بعد مماته، ولا تتزوجوا بأزواجه من بعده أبداً، فإن إيذاء الرسول، ونكاح أزواجه من بعد وفاته، ذنب عظيم عند الله لا يغفره الله لكم أبداً، وهو عند الله بالغ الذنب والعقوبة. سبب النزول تعرضت الآية الكريمة لأمرين هامين هما "آداب الدعوة" و"مشروعية الحجاب" ولكل منهما سبب نزول. أما الأول: فقد روى البخاري ومسلم في صحيحهما عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه قال: تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم فدخل بأهله فصنعت (أم سليم) أمي حَيْساً فجعلته في تَوْر وقالت يا أنس اذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقل بعثت به إليك أمي، وهي تقرئك السلام وتقول لك: إن هذا منا قليل يا رسول الله!! قال: فذهبت به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقلت له: إن أمي تقرئك السلام وتقول لك: إن هذا لك منا قليل يا رسول الله، فقال: ضعه ثم قال: اذهب فادع لي فلاناً وفلاناً، ومن لقيتَ وسمَّى رجالاً، فدعوت من سَمَّى ومن لقيتُ، قيل لأنس: عدد كَمْ كانوا؟ قال: زهاء ثلاثمائة، قال أنس: فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم يا أنس هات التور، قال فدخلوا حتى امتلأت الصُفَّة والحجرة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ليتحلق عشرة عشرة وليأكل كل إنسان مما يليه، فأكلوا حتى شبعوا، قال: فخرجت طائفة، ودخلت طائفة حتى أكلوا كلهم، فقال لي يا أنس: ارفع، فما أدري حين وضعت كان أكثر أم حين رفعت؟ وجلس منهم طوائف يتحدثون في بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو جالس وزوجُه موليَّة وجهها إلى الحائط فثقلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرج فسلم على نسائه ثم رجع فلما، رأوا رسول الله صلى الله عليه وسلم قد رجع ظنوا أنهم قد ثقلوا عليه فابتَدرُوا الباب وخرجوا كلهم، وجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أرخى الستر ودخل وأنا جالس في الحُجْرة فلم يلبث إلا يسيراً حتى خرج عليّ وأنزل الله هذه الآية: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتَ ٱلنَّبِيِّ} فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأها على الناس. ثانياً: وأما بالنسبة لمشروعية الحجاب فقد كان سبب النزول ما روي في الصحيح عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: قلت يا رسول الله إن نساءك يدخل عليهن البر والفاجر، فلو أمرت أمهات المؤمنين أن يحتجبن فنزلت آية الحجاب: {وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَٰعاً فَٱسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَآءِ حِجَابٍ} الآية. وهذه إحدى الموافقات الثلاثة التي نزل القرآن الكريم فيها موافقاً لرأي عمر رضي الله عنه. وقد روي عن عمر رضي الله عنه أنه قال: "وافقت ربي في ثلاث: قلت يا رسول الله لو اتخذت من مقام إبراهيم مصلى؟ فنزل: {أية : وَٱتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى} تفسير : [البقرة: 125] وفي الحجاب فنزلت آية الحجاب واجتمع نساء النبي صلى الله عليه وسلم في الغيرة فقلت: عسى ربه إن طلقكُنَّ أن يُبْدِلَه أزواجاً خيراً منكن فنزلت كذلك". وقد ذكرت روايات أخرى في أسباب النزول ولكنها كما قال ابن العربي كلُّها ضعيفة واهية ما عدا الذي ذكرنا. لطائف التفسير اللطيفة الأولى: قوله تعالى: {بُيُوتَ ٱلنَّبِيِّ} إضافة البيوت إلى النبي صلى الله عليه وسلم إضافة تشريف، مثل {أية : نَاقَةَ ٱللَّهِ}تفسير : [الشمس: 13] و(بيت الله) الإضافة فيها للتكريم والتشريف فلبيوت النبي صلى الله عليه وسلم من الحرمة ما ليس لغيرها من البيوت، وهذه الأحكام المذكورة هنا خاصة ببيوت النبي صلى الله عليه وسلم تكريماً له عليه السلام وتشريفاً. اللطيفة الثانية: قوله تعالى: {إِلاَّ أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَىٰ طَعَامٍ} في الكلام باء محذوفة تسمّى (باء المصاحبة) أي إلاّ بأن يؤذن لكم. وتضمين (الإذن) معنى (الدعوة) للإشعار بأنه لا ينبغي أن يدخلوا على الطعام بغير دعوة وإن وجد صريح الإذن بالدخول، حتى لا يكون الإنسان (طفيلياً) يحضر الوليمة بدون سابق دعوة. وممّا يدل على هذا التضمين قوله تعالى بعدها: {وَلَـكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَٱدْخُلُواْ} فإنها صريحة في أن المراد بالإذن (الدعوة) فتنبه لهذا السّر فإنه دقيق. اللطيفة الثالثة: قوله تعالى: {وَلَـكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَٱدْخُلُواْ فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَٱنْتَشِرُواْ} قال الإمام الرازي: "فيه لطيفة وهي أن في العادة إذا قيل لمن كان يعتاد دخول دار من غير إذن: لا تدخلها إلاّ بإذن، يتأذى وينقطع بحيث لا يدخلها أصلاً ولا بالدعاء، فقال: لا تفعلوا مثل ما يفعله المستنكفون، بل كونوا طائعين سامعين، إذا قيل لكم: لا تدخلوا فلا تدخلوا، وإذا قيل لكم ادخلوا فادخلوا". وهذا معنى لطيف. اللطيفة الرابعة: قوله تعالى: {وَلاَ مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ} فيه إشارة لطيفة إلى أن المكث بعد الطعام غير مرغوب فيه على الإطلاق، فالأمر أمر وليمة وقد انتهت، ولم يبق إلاّ أن يفرغ أهل البيت لبعض شأنهم، والبقاء بعد ذلك فيه نوع من الاثقال غير محمود. قال بعض العلماء: هذه الآية نزلت في الثقلاء، وقرأها بعضهم فقال: "هذا أدب من الله تعالى أدَّب به الثقلاء" ويروى عن عائشة وابن عباس رضي الله عنهما: "حسبُك في الثقلاء أنّ الشرع لم يحتملهم". وأنشد بعض الفضلاء: شعر : وثقيلٍ أشدّ من ثِقَل المو ت ومن شدّة العذابِ الأليم لو عصت ربَّها الجحيمُ لما كا ن سواهُ عقوبةً للجحيم تفسير : وقال آخر: شعر : ربّما يثقُل الجليس ولو كا ن خفيفاً في كِفّة الميزان ولقد قلتُ حين وتّد في البيـ ـتِ ثقيل أربى على سهلان كيف لم تحمل الأمانة أرضٌ حملت فوقها أبا سفيان؟! تفسير : اللطيفة الخامسة: قوله تعالى: {فَيَسْتَحْيِي مِنكُمْ وَٱللَّهُ لاَ يَسْتَحْيِي مِنَ ٱلْحَقِّ} الاستحياء لا يكون من الذات، وإنما يكون من الأفعال، بدليل قوله تعالى: {وَٱللَّهُ لاَ يَسْتَحْيِي مِنَ ٱلْحَقِّ} ولم يقل: والله لا يستحيي منكم والكلام فيه حذف تقديره: فيستحيي من إخراجكم أو من أمركم بالانصراف والله لا يستحيي من بيان الحق، وأطلق استحياء الله وأراد منه عدم السكوت عن بيانه، فسمّي السكوت عليه استحياءً على (طريق المشاكلة) لوقوعه بجانب استحياء الرسول على حد قول القائل: شعر : قالوا اقترحْ شيئاً نُجد لك طبخه قلتُ اطبخوا لي جُبّة وقميصاً تفسير : اللطيفة السادسة: قوله تعالى: {ذٰلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ} فيه إشارة دقيقة إلى ما بين العين والقلب من صلة وثيقة، فالعين طريق الهوى والنظرة بريد الشهوة، فإذا لم تر العين لا يشتهي القلب، وكما قال بعض الأدباء: شعر : وما الحبّ إلاّ نظرة إثر نظرةٍ تزيد نمواً إن تزدْه لَجَاجاً تفسير : فالقلب عند عدم الرؤية أطهر، وعدم الفتنة حينئذٍ أظهر. اللطيفة السابعة: قوله تعالى: {إِنَّ ذٰلِكُمْ كَانَ عِندَ ٱللَّهِ عَظِيماً} الإشارة في قوله {ذٰلِكُمْ} يعود إلى ما ذُكر من إيذائه عليه الصلاة والسلام، ونكاح أزواجه من بعده، وقد جاء التعبير بلفظ {ذٰلِكُمْ} ولم يأت بلفظ (هذا) للتهويل والتعظيم. قال أبو السعود: "وما فيه من معنى البعد للإيذان ببعد منزلته في الشرّ والفساد. وقوله: {كَانَ عِندَ ٱللَّهِ عَظِيماً} أي أمراً عظيماً، وخطباً هائلاً، لا يُقادر قدرُه، وفيه من تعظيمه تعالى لشأن رسوله صلى الله عليه وسلم، وإيجاب حرمته حيّاً وميتاً ما لا يخفى، ولذلك بالغ تعالى في الوعيد". وجوه القراءات أولاً: قرأ الجمهور (غيرَ ناظرين) بفتح راء (غيرَ) نصباً على الحال، وقرأ (ابن أبي عبلة) بالكسر صفة لطعام، قال الزمخشري وليس بالوجه لأنه جرى على غير من هوَ له، فمن حق ضمير ما هو له أن يبرز إلى اللفظ فيقال: غير ناظرين إناه أنتم، قال أبو حيان: وحذف هذا الضمير جائز عند الكوفيّين إذا لم يلبس. ثانياً: قرأ الجمهور (إناه) مفرداً، وقرأ الأعمش (إناءه) بمدّة بعد النون، وعلى الأول يكون المعنى: غير ناظرين نضجه، وعلى الثاني يكون المعنى غير ناظرين وقته أو حِينه والله أعلم. وجوه الإعراب أولاً: قوله تعالى: {إِلاَّ أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَىٰ طَعَامٍ} الآية. الاستثناء هنا استثناء مفرّغ من عموم الأحوال، أي لا تدخلوها في حال من الأحوال إلاّ حال كونكم مصحوبين بالإذن لكم، وتكون (باء المصاحبة) مقدرة في الكلام. وذهب الزمخشري: إلى عدم تقدير الباء، وإلى أن الاستثناء مفرغ من عموم الأوقات، والمعنى: لا تدخلوها في وقت من الأوقات إلاّ وقت الإذن. وقد ردّ (أبو حيان) هذا فقال: وهذا ليس بصحيح، وقد نصّوا على أنّ (أنْ) المصدرية لا تكون في معنى الظرف، تقول: أجيئك صياح الديك، وقدوم الحاج، ولا يجوز أجيئك أن يصيح الديك، ولا أن يقدم الحاج. والمسألة خلافية في خلافيات النحاة: والأشهر أنه لا يجوز، وأجاز الأخفش والكسائي ذلك في الحال، فتقول: ما ذهب القوم إلا يوم الجمعة راحلين عنا. ثانياً: قوله تعالى: {غَيْرَ نَٰظِرِينَ إِنَاهُ} الآية. غيرَ، منصوب على الحال من الواو في {تَدْخُلُواْ} وإن أُجري وصفاً لطعامٍ {غَيْرَ نَٰظِرِينَ} على القراءة الثانية وجب إبراز الضمير، فكان ينبغي أن يقال: إلى طعامٍ غير ناظرين إناه أنتم، وقد بينا ما فيه عند ذكر وجوه القراءات. ثالثاً: قوله تعالى: {وَلاَ مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ} الآية. {مُسْتَأْنِسِينَ} عطف على {نَٰظِرِينَ} و(لا) لتأكيد النفي، وجوّز بعض المفسّرين أن تكون (لا) بمعنى غير معطوفة على غير ناظرين إناه ويصبح المعنى: غير ناظرين إناه، وغير مستأنسين لحديث. ويرى البعض أن {مُسْتَأْنِسِينَ} حال من فاعل فعل محذوف دلّ عليه الكلام، أي ولا تمكثوا مستأنسين لحديث، واللام في قوله (لحديث) لام التعليل أي لأجل استماع الحديث، أو هي لام التقوية. رابعاً: قوله تعالى: {وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تؤْذُواْ رَسُولَ ٱللَّهِ} الآية. أنْ وما بعدها في تأويل مصدر اسم كان، والتقدير: وما كان لكم إيذاء رسول الله، وكذلك قوله تعالى: {وَلاَ أَن تَنكِحُوۤاْ} لأنه عطف عليه، أفاده ابن الأنباري. خامساً: قوله تعالى: {إِنَّ ذٰلِكُمْ كَانَ عِندَ ٱللَّهِ عَظِيماً} اسم الإشارة اسم (إنَّ) وجملة {كَانَ عِندَ ٱللَّهِ عَظِيماً} خبرها والله أعلم. الأحكام الشرعية الحكم الأول: هل يجوز تناول الطعام بدون دعوة؟ اتفق الفقهاء على أنه لا يجوز دخول البيوت إلا بإذن. ولا يجوز تناول طعام الإنسان إلا بإذن صريح أو ضمني، لقوله عليه السلام: "حديث : لا يحل مال أمرئ مسلم إلا عن طيب نفسه ". تفسير : وقد دلت الآية الكريمة على حرمة دخول بيوت النبي صلى الله عليه وسلم إلا بعد الإذن، وعلى حرمة (التطفل) وهو أن يحضر إلى الوليمة بدون دعوة، وفاعله يسمى بـ (الطفيلي)، والحكم عام في جميع البيوت، فلا يجوز لإنسان أن يدخل بيت أحد بدون إذنه، ولا أن يتناول الطعام بدون رضى صاحبه، وهذا أدب رفيع من الآداب الاجتماعية التي أرشد إليها الإسلام. قال ابن عباس: كان ناس يتحيَّنون طعامه عليه الصلاة والسلام، فيدخلون عليه قبل الطعام، وينتظرون إلى أن يدرك، ثمّ يأكلون ولا يخرجون، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتأذى بهم فنزلت هذه الآية. وقال ابن كثير رحمه الله: "حظر الله تعالى على المؤمنين أن يدخلوا منازل رسول الله صلى الله عليه وسلم بغير إذن، كما كانوا قبل ذلك يصنعون في بيوتهم في الجاهلية وابتداء الإسلام، حتى غار الله لهذه الأمة فأمرهم بذلك، وذلك من إكرامه تعالى لهذه الأمة، ومعنى الآية: أي لا ترقبوا الطعام إذا طبخ، حتى إذا قارب الاستواء تعرضتم للدخول، فإنّ هذا مما يكرهه الله ويذمه.. ثمّ قال: وهذا دليل على تحريم التطفل، وهو الذي تسميه العرب "الضيفن". الحكم الثاني: هل الجلوس بعد تناول طعام الوليمة حرام؟ دلّ قوله تعالى: {فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَٱنْتَشِرُواْ} على ضرورة الخروج بعد تناول الطعام، وهذا من الآداب الإسلامية التي أدّب الله بها المؤمنين، فالمكث والجلوس بعد تناول الطعام ليس بحرام، ولكنّه مخالف لآداب الإسلام، لما فيه من الإثقال على أهل المنزل سيما إذا كانت الدار ليس فيها سوى بيت واحد، اللهمَّ إلا إذا كان الجلوس بإذن صاحب الدار أو أمره، أو كان جلوساً يسيراً تعارفه الناس، لا يصل إلى حدّ الإثقال المذموم. ومع ذلك فالأفضل الخروج، ولهذا جاء التعبير بالفاء التي تفيد الترتيب والتعقيب {فَٱنْتَشِرُواْ}. فالمكث بعد الطعام غير مرغوب فيه على الإطلاق ولم يبق إلا أن يفرغ أهل البيت لبعض شأنهم، والبقاء بعد ذلك نوع من الإثقال غير محمود، يتنافى مع الأدب الرفيع، والذوق السليم. الحكم الثالث: هل الأمر بالحجاب خاص بأزواج النبي أم هو عام؟ الآيات الكريمة وردت في شأن بيوت النبي صلى الله عليه وسلم خاصة، تعظيماً لرسول الله، وتكريماً لشأنه، ولكنّ الأحكام التي فيها عامّة تعمُّ جميع المؤمنين، لأنها آداب اجتماعية، وإرشادات إلٰهية، يستوي فيها جميع الناس، فالأمر بعدم الاختلاط بالنساء، وبسؤالهن من وراء حجاب، ليس قاصراً على أزواج الرسول، ولكنه عام يشمل جميع نساء المؤمنين، فإذا كان نساء الرسول صلى الله عليه وسلم لا يجوز الاختلاط بهن، ولا النظر إليهن، مع أنهن (أمهات المؤمنين) يحرم الزواج بهن، ولا يجوز سؤالهن إلا من وراء حجاب، فلا شكَّ أن الاختلاط بغيرهن من النساء، أو التحدث إليهن بدون حجاب، يكون حراماً من باب أولى، لأن الفتنة بالنساء متحققة. ثمّ إنّ أمر الحجاب ليس خاصاً بأزواج الرسول صلى الله عليه وسلم، بل هو عام لجميع نساء المؤمنين، بدليل قوله تعالى في آخر السورة {أية : يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ قُل لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَآءِ ٱلْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلاَبِيبِهِنَّ} تفسير : [الأحزاب: 59]. فهل خرجت مؤمنة من هذا الخطاب؟ وهل أمر الحجاب خاص بنساء الرسول حتى يزعم بعض المضِلّين، أن الحجاب مفروض على نساء الرسول صلى الله عليه وسلم خاصة دون سائر النساء؟! وسنتحدث بالتفصيل إن شاء الله عن هذا الموضوع عند بحث (الحجاب الشرعي) ونبيّن تلك المزاعم الواهية التي احتج بها بعض المتحللين، ونبطلها بالحجج الدامغة، فارجع إليها هناك والله يتولاّك. الحكم الرابع: هل الطعام المقدّم للضيف على وجه التمليك أم الإباحة؟ أشارت الآية الكريمة وهي قوله تعالى: {فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَٱنْتَشِرُواْ} إلى أنّ الطعام الذي يقدّم للضيف لا يكون على وجه التمليك، وإنما هو على وجه الإباحة، فلو أراد الضيف أن يحمل معه الطعام إلى بيته لا يجوز له ذلك لأن المضيف إنما أباح له الأكل فقط دون التملك له أو أخذه أو إعطائه لأحد. قال العلامة القرطبي: "في هذه الآية دليل على أن الضيف يأكل على ملك المضيف، لا على ملك نفسه لأنه تعالى قال: {فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَٱنْتَشِرُواْ} فلم يجعل له أكثر من الأكل، ولا أضاف إليه سواه، وبقي الملك على أصله". الحكم الخامس: هل زال النكاح عن أمهات المؤمنين بموت النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال القرطبي: في تفسيره "الجامع لأحكام القرآن": اختلف العلماء في أزواج النبي صلى الله عليه وسلم بعد موته، هل بقين أزواجاً أم زال النكاح بالموت، وإذا زال النكاح بالموت فهل عليهن عدة أم لا؟ فقيل: عليهن العدة، لأنه تُوفي عنهن، والعدة عبادة. وقيل: لا عدة عليهن، لأنها مدة تربص لا ينتظر بها الإباحة. قال: والقول الثاني هو الصحيح لقوله عليه السلام: "حديث : ما تركتُ بعد نفقة عيالي"تفسير : وروي (أهلي) وهذا اسم خاص بالزوجية، فأبقى عليهن النفقة والسكنى مدة حياتهن لكونهن نساءه، وحرمن على غيره، وهذا هو معنى بقاء النكاح. وإنما جعل الموت في حقه عليه السلام بمنزلة المغيب في حق غيره، لكونهن أزواجاً له في الآخرة قطعاً، بخلاف سائر الناس، لأن الرجل لا يعلم كونه مع أهله في دار واحدة، فربما كان أحدهما في الجنة، والآخر في النار، فبهذا انقطع السبب في حق الخلق، وبقي في حق النبي صلى الله عليه وسلم وقد قال عليه السلام: "حديث : كلُّ سببٍ ونسبٍ ينقطع، إلا سببي ونسبي فإنه باق إلى يوم القيامة ". تفسير : فأما زوجاته عليه السلام اللاتي فارقهن في حياته مثل الكَلْبيّة وغيرها، فهل كان يحل لغيره نكاحهن؟ فيه خلاف، والصحيح جواز ذلك، لما روي أن الكلبية التي فارقها رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوجها (عكرمة بن أبي جهل) على ما تقدم، وقيل: إن الذي تزوجها (الأشعث بن قيس الكندي). قال القاضي أبو الطيب: الذي تزوجها (مهاجر بن أبي أمية) ولم ينكر ذلك أحد، فدلّ على أنه إجماع. ما ترشد إليه الآيات الكريمة 1- النهي عن دخول بيوت الرسول صلى الله عليه وسلم بغير إذن، وبدون سابق دعوة. 2- لا ينبغي الحضور قبل نضج الطعام، ولا المكث بعد تناول طعام الوليمة. 3- وجوب احترام الرسول صلى الله عليه وسلم وتعظيمه، وأمتثال أوامره وتقديم طاعته على كل شيء. 4- حرمة إيذاء الرسول صلى الله عليه وسلم بالأقوال أو الأفعال، والتأدب معه في جميع الأحوال. 5- حرمة نكاح أمهات المؤمنين من بعد وفاته لأنهن أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم. 6- خلق الرسول الرفيع يمنعه من أمر الناس بالخروج من منزله فينبغي عدم الإثقال عليه. 7- نساء الرسول صلى الله عليه وسلم هنّ القدوة والأسوة الحسنة لسائر النساء فينبغي مخاطبتهن من وراء حجاب. 8- في عدم الاختلاط بالنساء صفاء النفس، وسلامة القلب، ونقاء السريرة، والبعد عن مظان التهم. 9- الآداب التي أرشد إليها القرآن ينبغي التمسك بها وتطبيقها تطبيقاً كاملاً. خاتمة البحث: حكمة التشريع حرّم الله تعالى على المؤمنين دخول بيوت النبيّ صلى الله عليه وسلم بدون إذن، تكريماً لرسول الله عليه السلام وتعظيماً لشأنه، ومنع الناس من الإثقال على رسول الله صلى الله عليه وسلم سواءً بالدخول إلى بيوته دون سابق دعوة، أو المكث فيه بعد تناول طعام الوليمة لأن في ذلك إثقالاً على الرسول الكريم، وإيذاءً له، والتطفلُ والإثقال على أهل الدار ليس من أوصاف المؤمنين، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم شديد الحياء، وكان - كما تقول السيدة عائشة - أشدّ حياءً من العذراء في خدرها، ولم يكن من خلقة الكريم أن يجابه أحداً بما يكره، مهما أصابه الأذى والضرر، ولا من عادته أن يأمر الزائر بالانصراف مهما طال المكث والبقاء، لأنّ هذا لا يتفق مع خُلُق الداعية، فكيف بخلق النبوة وأوصاف سيد المرسلين!! {أية : وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ ٱلْقَلْبِ لاَنْفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ} تفسير : [آل عمران: 159] وكان بعض الناس - ممن لم تتهذب أخلاقهم بعد - يتحينون طعام النبي صلى الله عليه وسلم فيدخلون قبل أن يدرك الطعام، ويقعدون إلى أن ينضج، ثم يأكلون ولا يخرجون.. فكان الناس بحاجة إلى أن يتعلموا الآداب الرفيعة، وأن يكون عندهم (ذوق اجتماعي) وشعور رقيق، يمنعهم عن ارتكاب النقائص، وفعل ما يخل بالمروءة، لذلك أنزل الله تعالى هذه الآيات الكريمة تعليماً للأمة وإرشاداً لها إلى سلوك الطريق القويم، وقد قال إسماعيل بن أبي حكيم: "هذا أدبٌ أدّب الله به الثقلاء". وقال آخر: هذه الآية نزلت في الثقلاء، وحسبُكَ من الثقلاء أن الشرع لم يحتملهم. ولقد كان هناك من بعض المنافقين إيذاء لرسول الله صلى الله عليه وسلم بالفعل أو القول، حتى قال رجل من المنافقين حين تزوّج رسول الله صلى الله عليه وسلم أم سلمة بعد وفاة زوجها أبي سلمة: ما بال محمد يتزوج نساءنا!! والله لو قد مات لأجلنا السّهام على نسائه، يريد اقتسمناهن بالقرعة، فنزلت الآية في هذا، فحرّم الله نكاح أزواجه من بعده، وجعل لهن حكم الأمهات تطييباً لخاطره الشريف وهذا من خصائصه عليه السلام، تمييزاً لشرفه، وتنبيهاً على مرتبته، وما كان لمؤمن أن يؤذيه في نفسه أو أهله، لأنه عليه الصلاة والسلام أب للمؤمنين، وهل يليق بالإنسان أن يتزوج امرأة أبيه وهي أُمّه بنصّ القرآن الكريم!! وصدق الله: {وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تؤْذُواْ رَسُولَ ٱللَّهِ وَلاَ أَن تَنكِحُوۤاْ أَزْوَٰجَهُ مِن بَعْدِهِ أَبَداً إِنَّ ذٰلِكُمْ كَانَ عِندَ ٱللَّهِ عَظِيماً}.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {إِلَىٰ طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ} معناه إدراكُهُ وبِلوغُهُ.

الجيلاني

تفسير : ثمَّ أشار سبحانه إلى آداب المؤمنين مع النبي صلى الله عليه وسلم في استئذانهم منه، ودخولهم عليه وتناولهم الطعام عنده وبين يديه، وتكلمهم مع أزواجه صلى الله عليه وسلم، إلى غير ذلك من الأدب، فقال: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} بالله ورسوله، مقتضى إيمانكم رعاية الأدب مع رسولكم صلى الله عليه وسلم، سيما من قبل بيوته ومحارمه ومساكنه {لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتَ ٱلنَّبِيِّ} بغتةً بلا استئذانٍ منكم، بل بيوت سائر المسلمين أيضاً {إِلاَّ أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ} دعوةً {إِلَىٰ طَعَامٍ} حاضر عنده حال كونكم {غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ} أي: منتظرين لوقته {وَ} عليكم ألاَّ تدخلوا بلا دعوةٍ {لَـكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَٱدْخُلُواْ} واطعموا {فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَٱنْتَشِرُواْ} واخرجوا على الفور وتفرقوا. {وَلاَ} تتمكنوا بعد الطعام عنده {مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ} يتحدث بعضهم مع بعض، أو تسمعونه منه صلى الله عليه وسلم أو من أهل بيته، أو لمهمٍ آخر من مهماتكم {إِنَّ ذَٰلِكُمْ} أي: اللبث على أيّ وجه {كَانَ يُؤْذِي ٱلنَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي} صلى الله عليه وسلم {مِنكُمْ} أن يخرجكم حسب مقتضى حميته البشرية؛ لأنه صلى الله عليه سولم حييّ حليم، يصبر على أذاكم ولا يخرجكم عنوة {وَٱللَّهُ} المصلح لأحوال عباده، المنبه لهم مصالحهم {لاَ يَسْتَحْيِي مِنَ} إظهار كلمة {ٱلْحَقِّ} التي يجب إيصاله إلى المؤمنين؛ ليترسخ في قلوبهم ويتمرنوا عليه ويتصفوا به {وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ} أي: أزواجه صلى الله عليهم وسلم {مَتَاعاً} وحوائج {فَٱسْأَلُوهُنَّ} متسترين {مِن وَرَآءِ حِجَابٍ} بحيث لا يقع نظركم إليهن {ذٰلِكُمْ} أي: الستر والتحجب من أزواج النبي {أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ} من أمارات الإثم ومخائل المعصية وسوء الأدب {وَقُلُوبِهِنَّ} أيضاً ترغيماً للشيطان، وتطهيراً لنفوسكم من غوائله وتلبيساته. {وَ} بالجملة: اعلموا أيها المؤمنون {مَا كَانَ} أي: ما صح وجاز {لَكُمْ} في حال من الأحوال {أَن تؤْذُواْ رَسُولَ ٱللَّهِ} بشيء يكرهه ويستنزه عنه مطلقاً {وَلاَ أَن تَنكِحُوۤاْ أَزْوَاجَهُ} المدخولة عليها {مِن بَعْدِهِ أَبَداً} سواء كنَّ حرائر أم إماء {إِنَّ ذٰلِكُمْ} إي: إيذاءه صلى الله عليه وسلم ونكاح نسائه بعده {كَانَ عِندَ ٱللَّهِ} المنتقم الغيور، المقتدر على أنواع الانتقام {عَظِيماً} [الأحزاب: 53] مستجلباً لأليم العذاب وعظيم العقاب. واعلموا أيها المؤمنون {إِن تُبْدُواْ} تظهروا {شَيْئاً} حقيراً مما يتعلق بإيذائه صلى الله عليه وسلم من قِبَل أزواجه في حياته صلى الله عليه وسلم وبعد مماته {أَوْ تُخْفُوهُ} في أنفسكم غير مجاهرين به {فَإِنَّ ٱللَّهَ} المطلع على مكنونات صدوركم {كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ} ظهر على ألسنتكم أو خطر ببالكم {عَلِيماً} [الأحزاب: 54] لا يعزب عن علمه شيء من الدقائق والرقائق.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : يأمر تعالى عباده المؤمنين، بالتأدب مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، في دخول بيوته فقال: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ } أي: لا تدخلوها بغير إذن للدخول فيها، لأجل الطعام. وأيضًا لا تكونوا { نَاظِرِينَ إِنَاهُ } أي: منتظرين ومتأنين لانتظار نضجه، أو سعة صدر بعد الفراغ منه. والمعنى: أنكم لا تدخلوا بيوت النبي إلا بشرطين: الإذن لكم بالدخول، وأن يكون جلوسكم بمقدار الحاجة، ولهذا قال: { وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ } أي: قبل الطعام وبعده. ثم بين حكمة النهي وفائدته فقال: { إِنَّ ذَلِكُمْ } أي: انتظاركم الزائد على الحاجة، { كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ } أي: يتكلف منه ويشق عليه حبسكم إياه عن شئون بيته، واشتغاله فيه { فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ } أن يقول لكم: " اخرجوا " كما هو جاري العادة، أن الناس -وخصوصًا أهل الكرم منهم- يستحيون أن يخرجوا الناس من مساكنهم، { و } لكن { اللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ }. فالأمر الشرعي، ولو كان يتوهم أن في تركه أدبا وحياء، فإن الحزم كل الحزم، اتباع الأمر الشرعي، وأن يجزم أن ما خالفه، ليس من الأدب في شيء. واللّه تعالى لا يستحي أن يأمركم، بما فيه الخير لكم، والرفق لرسوله كائنًا ما كان. فهذا أدبهم في الدخول في بيوته، وأما أدبهم معه في خطاب زوجاته، فإنه، إما أن يحتاج إلى ذلك، أو لا يحتاج إليه، فإن لم يحتج إليه، فلا حاجة إليه، والأدب تركه، وإن احتيج إليه، كأن يسألن متاعًا، أو غيره من أواني البيت أو نحوها، فإنهن يسألن { مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ } أي: يكون بينكم وبينهن ستر، يستر عن النظر، لعدم الحاجة إليه. فصار النظر إليهن ممنوعًا بكل حال، وكلامهن فيه التفصيل، الذي ذكره اللّه، ثم ذكر حكمة ذلك بقوله: { ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ } لأنه أبعد عن الريبة، وكلما بعد الإنسان عن الأسباب الداعية إلى الشر، فإنه أسلم له، وأطهر لقلبه. فلهذا، من الأمور الشرعية التي بين اللّه كثيرًا من تفاصيلها، أن جميع وسائل الشر وأسبابه ومقدماته، ممنوعة، وأنه مشروع، البعد عنها، بكل طريق. ثم قال كلمة جامعة وقاعدة عامة: { وَمَا كَانَ لَكُمْ } يا معشر المؤمنين، أي: غير لائق ولا مستحسن منكم، بل هو أقبح شيء { أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ } أي: أذية قولية أو فعلية، بجميع ما يتعلق به، { وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا } هذا من جملة ما يؤذيه، فإنه صلى اللّه عليه وسلم، له مقام التعظيم، والرفعة والإكرام، وتزوج زوجاته [بعده] مخل بهذا المقام. وأيضا، فإنهن زوجاته في الدنيا والآخرة، والزوجية باقية بعد موته، فلذلك لا يحل نكاح زوجاته بعده، لأحد من أمته. { إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا } وقد امتثلت هذه الأمة، هذا الأمر، واجتنبت ما نهى اللّه عنه منه، وللّه الحمد والشكر. ثم قال تعالى: { إِنْ تُبْدُوا شَيْئًا } أي تظهروه { أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا } يعلم ما في قلوبكم، وما أظهرتموه، فيجازيكم عليه.

النسائي

تفسير : قوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتَ ٱلنَّبِيِّ إِلاَّ أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ} [53] 436 - أنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، نا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن أبي عُثمانَ، عن أنسٍ، قال: حديث : لمَّا تزوج النبيُّ صلى الله عليه وسلم زينبَ، أَهْدَتْ إليه أُم سُليمٍ حيساً في تورٍ من حجارةٍ، قال أنسٌ، قال لِي: "اذهب فادعُ من لقيت من المسلمين" فدعوتُ له من لقيتُ، فجعلوا يدخلون، فيأكلون ويخرجون، ووضع النبيُّ صلى الله عليه وسلم يدهُ في الطعامِ، فدعا فيه، وقال ما شاءَ اللهُ أن يقول، ولم أدع أحداً لقيتهُ إلا دعوتُهُ، فأكلوا حتى شبعوا، وخرجوا، وبقي طائفةٌ منهم فأطالوا عليه الحديث، فجعل النبيُّ صلى الله عليه وسلم يستَحيي أن يقول لهم شيئاً، فخرج، وتركهم في البيتِ، فأنزل اللهُ عزَّ وجلَّ {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتَ ٱلنَّبِيِّ إِلاَّ أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَىٰ طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ} . تفسير : 437 - أخبرنا محمدُ بنُ حاتمِ بن نُعيمٍ قال أخبرنا سُويدٌ قال أخبرنا عبدُ اللهِ، عن شريكٍ، عن بيان بن بشرٍ، قال: سمعتُ أنس بن مالكٍ يقولُ في هذه الآيةِ: حديث : {لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتَ ٱلنَّبِيِّ إِلاَّ أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَىٰ طَعَامٍ} قال بَنَى نبيُّ اللهِ صلى الله عليه وسلم ببعضِ نسائِهِ؛ وصنعوا طعاماً فأرسلوا فدعوا رجالاً فأكلوا ثم قام فخرج فأتي بيت عائشةَ وتبعتُهُ، فدخل فوجد في بيتها رجُلين، فلما رآهما رجع ولم يُكلِّمهُما فقاما فخرجاتفسير : ، ونزلت آيةُ الحجابِ {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتَ ٱلنَّبِيِّ إِلاَّ أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ}. 438 - أخبرنا محمدُ بنُ المُثنى، قال حدثنا خالدٌ، قال حدثنا حُميدٌ، أن أنساً، قال: [قال] عُمَرُ (رضي اللهُ عنهُ) قُلتُ: يا رسول اللهِ، يدخل عليك البرُّ والفاجرُ، فلو حجبت أُمهاتِ المؤمنين، فأنزل اللهُ (عزَّ وجلَّ) آية الحِجابِ. 439 - أخبرني زكريا بنُ يحيى، قال: حدثنا ابنُ أبي عمر، قال: حدثنا سُفيانُ، عن مِسعرٍ، عن موسى بنِ أبي كثيرٍ، عن مجاهدٍ، عن عائشةَ قالت: حديث : كُنتُ آكُلُ مع النبيِّ صلى الله عليه وسلم حيساً في قعبٍ، فمرَّ عُمرُ (رضي اللهُ عنهُ)، فدعاهُ فأكل، فأصابت أُصبُعُهُ أُصبُعي، فقال: حَسِّ، (أو أوهِ)، لو أُطاعُ فيكنَّ ما رأتكُنَّ عينٌتفسير : ، فنزل الحجابُ. 440 - أخبرنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: حدَّثنا المُعتمرُ، عن أبيهِ، قال: حدَّثنا أبو مجلزٍ، عن أنس بن مالكٍ، قال:حديث : لمَّا تزوج النبيُّ صلى الله عليه وسلم زينب بنت جحشٍ، دعا القوم فطعِموا، ثم جلسوا يتحدثون، [قال] فأخذ كأنهُ يتهيأُ للقيامِ، فلم يقوموا، فلما رأى ذلك، قام من قام [مِنَ القومِ]، وقعد ثلاثةٌ، قال وإنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم جاء ليدخل، فإذا القومُ جُلوسٌ، ثم إنهم قاموا فانطلقوا، فجئتُ فأخبرتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم أنهم قد انطلقوا، فجاء حتى دخل، قال فذهبتُ أدخلُ، فألقى الحجابَ بيني وبينهُ (صلى الله عليه وسلم) وأنزل اللهُ (عزَّ وجلَّ) {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتَ ٱلنَّبِيِّ إِلاَّ أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَىٰ طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَـكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَٱدْخُلُواْ فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَٱنْتَشِرُواْ وَلاَ مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَٰلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي ٱلنَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنكُمْ وَٱللَّهُ لاَ يَسْتَحْيِي مِنَ ٱلْحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فَٱسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَآءِ حِجَابٍ ذٰلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تؤْذُواْ رَسُولَ ٱللَّهِ وَلاَ أَن تَنكِحُوۤاْ أَزْوَاجَهُ مِن بَعْدِهِ أَبَداً إِنَّ ذٰلِكُمْ كَانَ عِندَ ٱللَّهِ عَظِيماً} . تفسير : قوله تعالى: {وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فَٱسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَآءِ حِجَابٍ} [53] 441 - أخبرنا عمرو بن عليٍّ، قال حدثنا أبو قُتيبة، قال: حدثنا عيسى بن طَهمانَ، قال سمعتُ أنس بن مالكٍ، يقولُ: {وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فَٱسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَآءِ حِجَابٍ} قال: نزلت في زينبَ بنتِ جحشٍ. 442 - أخبرنا عليُّ بنُ حُجرٍ، عن إسماعيل، قال حدثنا عبدُ اللهِ بنُ دينارٍ، عن أبي صالحٍ، عن أبي هُريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : مثلي ومثلُ الأنبياء، كمثلِ رجلٍ، بني بُنياناً، فأحسنهُ وأجملهُ، إلا موضع لبنةٍ من زاوية من زواياهُ، فجعل الناسُ يطوفون به، ويعجبون له، ويقولون له: هلاَّ وُضعت هذه اللَّبنةُ، فأنا موضعُ اللَّبنةِ، وأنا خاتمُ النَّبِيِّينَ ".

همام الصنعاني

تفسير : 2368- معمر، عن أبي عثمان البصري، عن أنس، قال: لما تزوَّج النبي صلى الله عليه وسلم زينب، أهدت إليه أم سلمة حيثاً من تور من حجارة. قال أنس، فقال لي النبي صلى الله عليه وسلم: اذهب، فَادْع من لقيت من المسلمين، قال: فَدَعَوْتُ له مَنْ لقيت، فجعلوا يدخلون ويأكلون ويخرجون، ووضع النبي صلى الله عليه وسلم يده عَلَى الطعام، فدعَا فيه، أو قال فيه ما شاء الله أن يقول، ولم أدع أحداً لقيته إلا دعوته، فأكلوا حتى شبعوا وخرجوا وبقي طائفة منهم، فأطاعوا عنده الحديث، فجعل النبي يَسْتَحي منهُمْ أن يقول لهم شيئاً، فخرج وتركهم في البيت؛ فأنزل الله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتَ ٱلنَّبِيِّ إِلاَّ أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَىٰ طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ}: [الآية: 53]. 2369- قال عبد الرزاق، قال معمر، وقال قتادة: غير مُتَحَيِّنين طعاماً، ولكن إذا دُعِيتم فادخلوا، حتى بلغ {لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ}: [الآية: 53]. 2370- حدّثنا عبد الرزاق، عن الثَّوري، عن أبي سنان، عن سعيد بن جبير في قوله تعالى: {أية : وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ}تفسير : : [الأنفال: 49 أو الطلاق: 3]، قَال التوكل جماع الإِيمان. 2371- حدّثنا عبد الرزاق، عن الثوري، عن الأعمش، عن خيثمة، قال: ما من شيء يعدونه في القرآن {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} إلا وهو في التوراة: يا أيها المساكين. 2372- حدّثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، أن رجلاً قال: لو قد قبض النبي صلى الله عليه وسلم الغد تزوجّت فلانة، يعني عائشةَ فأنزل الله تعالى: {وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تؤْذُواْ رَسُولَ ٱللَّهِ وَلاَ أَن تَنكِحُوۤاْ أَزْوَاجَهُ مِن بَعْدِهِ أَبَداً} [الآية: 53]،. [2373- حدّثنا عبد الرزاق، قال معمر، سمعت أن هذا الرجل طلحة بن عبيد الله].