Verse. 3585 (AR)

٣٣ - ٱلْأَحْزَاب

33 - Al-Ahzab (AR)

لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاۗءُ مِنْۢ بَعْدُ وَلَاۗ اَنْ تَــبَدَّلَ بِہِنَّ مِنْ اَزْوَاجٍ وَّلَوْ اَعْجَـبَكَ حُسْنُہُنَّ اِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِيْنُكَ۝۰ۭ وَكَانَ اللہُ عَلٰي كُلِّ شَيْءٍ رَّقِيْبًا۝۵۲ۧ
La yahillu laka alnnisao min baAAdu wala an tabaddala bihinna min azwajin walaw aAAjabaka husnuhunna illa ma malakat yameenuka wakana Allahu AAala kulli shayin raqeeban

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«لا تحل» بالتاء وبالياء «لك النساء من بعد» التسع اللاتي اخترنك «ولا أن تبدل» بترك إحدى التاءين في الأصل «بهن من أزواج» بأن تطلقهن أو بعضهن وتنكح بدل من طلقت «ولو أعجبك حسنهن إلا ما ملكت يمينك» من الإماء فتحل لك وقد ملك صلى الله عليه وسلم بعدهن مارية وولدت له إبراهيم ومات في حياته «وكان الله على شيءٍ رقيبا» حفيظا.

52

Tafseer

الرازي

تفسير : لما لم يوجب الله على نبيه القسم وأمره بتخييرهن فاخترن الله ورسوله ذكر لهن ما جازاهن به من تحريم غيرهن على النبـي عليه السلام ومنعه من طلاقهن بقوله: {وَلاَ أَن تَبَدَّلَ بِهِنَّ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: قوله: {لاَّ يَحِلُّ لَكَ ٱلنّسَاء مِن بَعْدُ } قال المفسرون من بعدهن والأولى أن يقال لا يحل لك النساء من بعد اختيارهن الله ورسوله ورضاهن بما يؤتيهن من الوصل والهجران والنقص والحرمان. المسألة الثانية: قوله: {وَلاَ أَن تَبَدَّلَ بِهِنَّ } يفيد حرمة طلاقهن إذ لو كان جائزاً لجاز أن يطلق الكل، وبعدهن إما أن يتزوج بغيرهن أولا يتزوج فإن لم يتزوج يدخل في زمرة العزاب والنكاح فضيلة لا يتركها النبـي، وكيف وهو يقول: « حديث : النكاح سنتي » تفسير : وإن تزوج بغيرهن يكون قد تبدل بهن وهو ممنوع من التبدل. المسألة الثالثة: من المفسرين من قال بأن الآية ليس فيها تحريم غيرهن ولا المنع من طلاقهن بل المعنى أن لا يحل لك النساء غير اللاتي ذكرنا لك من المؤمنات المهاجرات من بنات عمك وبنات عماتك وبنات خالك وبنات خالاتك، وأما غيرهن من الكتابيات فلا يحل لك التزوج بهن وقوله: {وَلاَ أَن تَبَدَّلَ بِهِنَّ } منع من شغل الجاهلية فإنهم كانوا يبادلون زوجة بزوجة فينزل أحدهم عن زوجته وبأخذ زوجة صديقه ويعطيه زوجته، وعلى التفسيرين وقع خلاف في مسألتين إحداهما: حرمة طلاق زوجاته والثانية: حرمة تزوجه بالكتابيات فمن فسر على الأول حرم الطلاق ومن فسر على الثاني حرم التزوج بالكتابيات. المسألة الرابعة: قوله: {وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ } أي حسن النساء قال الزمخشري قوله: {وَلَوْ أَعْجَبَكَ } في معنى الحال، ولا يجوز أن يكون ذو الحال قوله: {مِنْ أَزْوَاجٍ } لغاية التنكير فيه ولكون ذي الحال لا يحسن أن يكون نكرة فإذن هو النبـي عليه السلام، يعني لا يحل لك النساء ولا أن تبدل بهن من أزواج وأنت معجب بحسنهن. المسألة الخامسة: ظاهر هذا ناسخ لما كان قد ثبت له عليه السلام من أنه إذا رأى واحدة فوقعت في قلبه موقعاً كانت تحرم على الزوج ويجب عليه طلاقها، وهذه المسألة حكمية وهي أن النبـي عليه السلام وسائر الأنبياء في أول النبوة تشتد عليهم برحاء الوحي ثم يستأنسون به فينزل عليهم وهم يتحدثون مع أصحابهم لا يمنعهم من ذلك مانع، ففي أول الأمر أحل الله من وقع في قلبه تفريغاً لقلبه وتوسيعاً لصدره لئلا يكون مشغول القلب بغير الله، ثم لما استأنس بالوحي وبمن على لسانه الوحي نسخ ذلك، إما لقوته عليه السلام للجمع بين الأمرين، وإما أنه بدوام الإنزال لم يبق له مألوف من أمور الدنيا، فلم يبق له التفات إلى غير الله، فلم يبق له حاجة إلى إحلال التزوج بمن وقع بصره عليها. المسألة السادسة: اختلف العلماء في أن تحريم النساء عليه هل نسخ أم لا؟ فقال الشافعي نسخ وقد قالت عائشة ما مات النبـي إلا وأحل له النساء، وعلى هذا فالناسخ قوله تعالى: { أية : يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوٰجَكَ } تفسير : [الأحزاب: 50] إلى أن قال: {وَبَنَاتِ عَمّكَ } وقال: {وَٱمْرَأَةً مُّؤْمِنَةً } على قول من يقول لا يجوز نسخ الكتاب بخبر الواحد إذ الناسخ غير متواتر إن كان خبراً. ثم قال تعالى: {إِلاَّ مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ } لم يحرم عليه المملوكات لأن الإيذاء لا يحصل بالمملوكة، ولهذا لم يجز للرجل أن يجمع بين ضرتين في بيت لحصول التسوية بينهما وإمكان المخاصمة، ويجوز أن يجمع الزوجة وجمعاً من المملوكات لعدم التساوي بينهن ولهذا لا قسم لهن على أحد. ثم قال تعالى: {وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلّ شَىْء رَّقِيباً } أي حافظاً عالماً بكل شيء قادراً عليه، لأن الحفظ لا يحصل إلا بهما.

القرطبي

تفسير : فيه سبع مسائل: الأولى: اختلف العلماء في تأويل قوله: {لاَّ يَحِلُّ لَكَ ٱلنِّسَآءُ مِن بَعْدُ} على أقوال سبعة: الأولى: أنها منسوخة بالسُّنة، والناسخ لها حديث عائشة، قالت: ما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أحلّ له النساء. وقد تقدّم. الثاني: أنها منسوخة بآية أخرى، روى الطحاويّ عن أم سلمة قالت: لم يمت رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أحلّ الله له أن يتزوج من النساء من شاء؛ إلا ذات مَحْرم، وذلك قوله عز وجل: {تُرْجِي مَن تَشَآءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِيۤ إِلَيْكَ مَن تَشَآءُ}. قال النحاس: وهذا والله أعلم أولى ما قيل في الآية؛ وهو قول عائشة واحد في النسخ. وقد يجوز أن تكون عائشة أرادت أحلّ له ذلك بالقرآن. وهو مع هذا قول عليّ بن أبي طالب وابن عباس وعليّ بن الحسين والضحاك. وقد عارض بعض فقهاء الكوفيين فقال؛ محال أن تنسخ هذه الآية يعني: {تُرْجِي مَن تَشَآءُ مِنْهُنَّ}{لاَّ يَحِلُّ لَكَ ٱلنِّسَآءُ مِن بَعْدُ} وهي قبلها في المصحف الذي أجمع عليه المسلمون. ورجح قول من قال نسخت بالسُّنّة. قال النحاس: وهذه المعارضة لا تلزم وقائلها غالط؛ لأن القرآن بمنزلة سورة واحدة، كما صحّ عن ابن عباس: أنزل الله القرآن جملة واحدة إلى السماء الدنيا في شهر رمضان. ويبين لك أن اعتراض هذا (المعترض) لا يلزم (أن) قوله عز وجل: {أية : وَٱلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً وَصِيَّةً لأَزْوَاجِهِمْ مَّتَاعاً إِلَى ٱلْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ} تفسير : [البقرة: 240] منسوخة على قول أهل التأويل ـ لا نعلم بينهم خلافاً ـ بالآية التي قبلها {أية : وَٱلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً} تفسير : [البقرة: 234] الثالث: أنه صلى الله عليه وسلم حظر عليه أن يتزوّج على نسائه؛ لأنهن اخترن الله ورسوله والدار الآخرة؛ هذا قول الحسن وابن سيرين وأبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام. قال النحاس: وهذا القول يجوز أن يكون هكذا ثم نسخ. الرابع: أنه لما حرم عليهن أن يتزوّجن بعده حُرم عليه أن يتزوج غيرهن؛ قاله أبو أمامة بن سهل بن حُنَيف. الخامس: {لاَّ يَحِلُّ لَكَ ٱلنِّسَآءُ مِن بَعْدُ} أي من بعد الأصناف التي سُميّت؛ قاله أُبَيّ بن كعب وعكرمة وأبو رَزين، وهو اختيار محمد بن جرير. ومن قال إن الإباحة كانت له مطلقة قال هنا: «لاَ يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ» معناه لا تحل لك اليهوديات ولا النصرانيات. وهذا تأويل فيه بُعْدٌ. وروي عن مجاهد وسعيد بن جُبير وعكرمة أيضاً. وهو القول السادس. قال مجاهد: لئلا تكون كافرة أمَّا للمؤمنين. وهذا القول يبعد؛ لأنه يقدّره: من بعد المسلمات، ولم يجر للمسلمات ذكر. وكذلك قدّر «وَلاَ أَنْ تبَدَّلَ بِهِنَّ» أي ولا أن تطلق مسلمة لتستبدل بها كتابية. السابع: أن النبيّ صلى الله عليه وسلم كان له حلال أن يتزوّج من شاء ثم نسخ ذلك. قال: وكذلك كانت الأنبياء قبله صلى الله عليه وسلم؛ قاله محمد بن كعب القُرَظِي. الثانية: قوله تعالى: {وَلاَ أَن تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ} قال ابن زيد: هذا شيء كانت العرب تفعله، يقول أحدهم: خذ زوجتي وأعطني زوجتك، روى الدَّارَقُطْنِيّ عن أبي هريرة قال: حديث : كان البدل في الجاهلية أن يقول الرجل للرجل: انزل لي عن امرأتك وأنزل لك عن امرأتي وأزيدك؛ فأنزل الله عز وجل: {وَلاَ أَن تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ} قال:فدخل عُيينة بن حِصْن الفَزَارِيّ على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعنده عائشة، فدخل بغير إذن، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا عُيينة فأين الاستئذان؟» فقال: يا رسول الله، ما استأذنت على رجل من مُضَرَ منذ أدركت. قال: مَن هذه الحميراء إلى جنبك؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هذه عائشة أم المؤمنين» قال: أفلا أنزل لك عن أحسن الخلق. فقال: «يا عُيينة، إن الله قد حرّم ذلك». قال فلما خرج قالت عائشة: «يا رسول الله، مَن هذا؟ قال: «أحمق مطاعٌ وإنه على ما ترين لَسَيّدُ قومه»تفسير : . وقد أنكر الطبريّ والنحاس وغيرهما ما حكاه ابن زيد عن العرب، من أنها كانت تبادل بأزواجها. قال الطبريّ: وما فعلت العرب قط هذا، وما روي من حديث عيينة بن حِصن من أنه دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعنده عائشة... الحديث؛ فليس بتبديل، ولا أراد ذلك، وإنما احتقر عائشة لأنها كانت صبية فقال هذا القول. قلت: وما ذكرناه من حديث زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي هريرة من أن البدل كان في الجاهلية يدلّ على خلاف ما أنكر من ذلك، والله أعلم. قال المبرد: وقرىء «لاَ يَحِل» بالياء والتاء. فمن قرأ بالتاء فعلى معنى جماعة النساء، وبالياء من تحت على معنى جميع النساء. وزعم الفراء قال: اجتمعت القراء على القراءة بالياء؛ وهذا غلط، وكيف يقال: اجتمعت القراء وقد قرأ أبو عمرو بالتاء بلا اختلاف عنه! الثالثة: قوله تعالى: {وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ} قال ابن عباس: نزل ذلك بسبب أسماء بنت عُمَيس؛ أعجب رسولَ الله صلى الله عليه وسلم حين مات عنها جعفر بن أبي طالب حُسنها، فأراد أن يتزوّجها، فنزلت الآية؛ وهذا حديث ضعيف قاله ابن العربيّ. الرابعة: في هذه الآية دليل على جواز أن ينظر الرجل إلى من يريد زواجها. حديث : وقد أراد المغيرة بن شُعبة زواج امرأة، فقال له النبيّ صلى الله عليه وسلم: «انظر إليها فإنه أجدر أن يُؤْدم بينكما». وقال عليه السلام لآخر: «انظر إليها فإن في أعين الأنصار شيئاً»تفسير : أخرجه الصحيح. قال الحميديّ وأبو الفرج الجوزيّ. يعني صفراء أو زرقاء. وقيل رمصاء. الخامسة: الأمر بالنظر إلى المخطوبة إنما هو على جهة الإرشاد إلى المصلحة؛ فإنه إذا نظر إليها فلعله يرى منها ما يرغبّه في نكاحها. ومما يدلّ على أن الأمر على جهة الإرشاد ما ذكره أبو داود من حديث جابر عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : إذا خطب أحدكم المرأة فإن استطاع أن ينظر منها إلى ما يدعوه إلى نكاحها فليفعل»تفسير : . فقوله: «حديث : فإن استطاع فليفعل»تفسير : لا يقال مثله في الواجب. وبهذا قال جمهور الفقهاء مالك والشافعيّ والكوفيون وغيرهم وأهل الظاهر. وقد كره ذلك قوم لا مبالاة بقولهم؛ للأحاديث الصحيحة، وقوله تعالى: {وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ}. وقال سهل بن أبي حثمة: رأيت محمد بن مسلمة يطارد ثُبَيْتَة بنت الضحاك على إجَّار من أجاجير المدينة فقلت له: أتفعل هذا؟ فقال: نعم! قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : إذا ألقى الله في قلب أحدكم خِطْبة امرأة فلا بأس أن ينظر إليها»تفسير : . الإجّار: السطح، بلغة أهل الشام والحجاز. قال أبو عبيد: وجمع الإجار أجاجير وأجاجرة. السادسة: اختلف فيما يجوز أن ينظر منها؛ فقال مالك: ينظر إلى وجهها وكفيّها، ولا ينظر إلا بإذنها. وقال الشافعيّ وأحمد: بإذنها وبغير إذنها إذا كانت مستترة. وقال الأوزاعيّ: ينظر إليها ويجتهد وينظر مواضع اللحم منها. قال داود: ينظر إلى سائر جسدها؛ تمسكاً بظاهر اللفظ. وأصولُ الشريعة تردّ عليه في تحريم الاطلاع على العورة. والله أعلم. السابعة: قوله تعالى: {إِلاَّ مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ} اختلف العلماء في إحلال الأَمَة الكافرة للنبيّ صلى الله عليه وسلم على قولين: تحلّ لعموم قوله: {إِلاَّ مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ}؛ قاله مجاهد وسعيد بن جبير وعطاء والحكم. قالوا: قوله تعالى: {لاَّ يَحِلُّ لَكَ ٱلنِّسَآءُ مِن بَعْدُ} أي لا تحلّ لك النساء من غير المسلمات، فأما اليهوديات والنّصرانيات والمشركات فحرام عليك؛ أي لا يحلّ لك أن تتزوّج كافرة فتكون أُمًّا للمؤمنين ولو أعجبك حسنها؛ إلا ما ملكت يمينك، فإن له أن يتسرّى بها. القول الثاني: لا تحلّ؛ تنزيهاً لقدره عن مباشرة الكافرة، وقد قال الله تعالى: {أية : وَلاَ تُمْسِكُواْ بِعِصَمِ ٱلْكَوَافِرِ} تفسير : [الممتحنة: 10] فكيف به صلى الله عليه وسلم. و«ما» في قوله: {إِلاَّ مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ} في موضع رفع بدل من «النساء». ويجوز أن يكون في موضع نصب على استثناء، وفيه ضعف. ويجوز أن تكون مصدرية، والتقدير: إلا ملك يمينك، ومِلك بمعنى مملوك، وهو في موضع نصب لأنه استثناء من غير الجنس الأول.

ابن كثير

تفسير : ذكر غير واحد من العلماء كابن عباس ومجاهد والضحاك وقتادة وابن زيد وابن جرير وغيرهم، أن هذه الآية نزلت مجازاة لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم ورضاً عنهن على حسن صنيعهن في اختيارهن الله ورسوله والدار الآخرة لما خيرهن رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تقدم في الآية، فلما اخترن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان جزاؤهن أن الله تعالى قصره عليهن، وحرم عليه أن يتزوج بغيرهن، أو يستبدل بهن أزواجاً غيرهن، ولو أعجبه حسنهن، إلا الإماء والسراري، فلا حرج عليه فيهن، ثم إنه تعالى رفع عنه الحرج في ذلك، ونسخ حكم هذه الآية، وأباح له التزوج، ولكن لم يقع منه بعد ذلك تزوج؛ لتكون المنة لرسول الله صلى الله عليه وسلم عليهن. قال الإمام أحمد: حدثنا سفيان عن عمرو عن عطاء عن عائشة رضي الله عنها قالت: ما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أحل الله له النساء، ورواه أيضاً من حديث ابن جريج عن عطاء عن عبيد بن عمير عن عائشة، ورواه الترمذي والنسائي في سننيهما، وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا عبد الرحمن بن عبد الملك بن شيبة، حدثني عمر بن أبي بكر، حدثني المغيرة بن عبد الرحمن الحزامي عن أبي النضر مولى عمر بن عبيد الله عن عبد الله بن وهب بن زمعة عن أم سلمة: أنها قالت: لم يمت رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أحل الله له أن يتزوج من النساء ما شاء، إلا ذات محرم، وذلك قول الله تعالى: {تُرْجِى مَن تَشَآءُ مِنْهُنَّ} الآية، فجعلت هذه ناسخة للتي بعدها في التلاوة كآيتي عدة الوفاة في البقرة، الأولى ناسخة للتي بعدها، والله أعلم. وقال آخرون: بل معنى الآية {لاَّ يَحِلُّ لَكَ ٱلنِّسَآءُ مِن بَعْدُ} أي: من بعد ما ذكرنا لك من صفة النساء اللاتي أحللنا لك؛ من نسائك اللاتي آتيت أجورهن، وما ملكت يمينك، وبنات العم والعمات، والخال والخالات، والواهبة، وما سوى ذلك من أصناف النساء، فلا يحل لك، وهذا ما روي عن أبي بن كعب ومجاهد في رواية عنه، وعكرمة والضحاك في رواية، وأبي رزين في رواية عنه، وأبي صالح والحسن وقتادة في رواية، والسدي وغيرهم، قال ابن جرير: حدثنا يعقوب، حدثنا ابن علية عن داود بن أبي هند، حدثني محمد بن أبي موسى عن زياد عن رجل من الأنصار قال: قلت لأبي بن كعب: أرأيت لو أن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم توفين، أما كان له أن يتزوج؟ فقال: وما يمنعه من ذلك؟ قال: قلت: قول الله تعالى: {لاَّ يَحِلُّ لَكَ ٱلنِّسَآءُ مِن بَعْدُ} فقال: إنما أحل الله له ضرباً من النساء، فقال تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ إِنَّآ أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَٰجَكَ} ــــ إلى قوله تعالى ــــ {إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِىِّ} ثم قيل له: {لاَّ يَحِلُّ لَكَ ٱلنِّسَآءُ مِن بَعْدُ} ورواه عبد الله بن أحمد من طرق عن داود به. وروى الترمذي عن ابن عباس قال: نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أصناف النساء، إلا ما كان من المؤمنات المهاجرات بقوله تعالى: {لاَّ يَحِلُّ لَكَ ٱلنِّسَآءُ مِن بَعْدُ وَلاَ أَن تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلاَّ مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ} فأحل الله فتياتكم المؤمنات، وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي، وحرم كل ذات دين غير الإسلام، ثم قال: {أية : وَمَن يَكْفُرْ بِٱلإِيمَـٰنِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ} تفسير : [المائدة: 5] الآية. وقال تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ إِنَّآ أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَٰجَكَ ٱللاَّتِىۤ ءَاتَيْتَ أُجُورَهُنَّ} ــــ إلى قوله تعالى: ــــ {خَالِصَةً لَّكَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ} وحرم ما سوى ذلك من أصناف النساء، وقال مجاهد: {لاَّ يَحِلُّ لَكَ ٱلنِّسَآءُ مِن بَعْدُ} أي: من بعد ما سمي لك من مسلمة ولا يهودية ولا نصرانية ولا كافرة. وقال أبو صالح: {لاَّ يَحِلُّ لَكَ ٱلنِّسَآءُ مِن بَعْدُ} أمر أن لا يتزوج أعرابية ولا عربية، ويتزوج بعد من نساء تهامة، وما شاء من بنات العم والعمة، والخال والخالة، إن شاء ثلاثمائة. وقال عكرمة {لاَّ يَحِلُّ لَكَ ٱلنِّسَآءُ مِن بَعْدُ} أي: التي سمى الله. واختار ابن جرير رحمه الله: أن الآية عامة فيمن ذكر من أصناف النساء، وفي النساء اللواتي في عصمته، وكن تسعاً، وهذا الذي قاله جيد، ولعله مراد كثير ممن حكينا عنه من السلف، فإن كثيراً منهم روى عنه هذا وهذا، ولا منافاة، والله أعلم. ثم أورد ابن جرير على نفسه ما روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم طلق حفصة، ثم راجعها وعزم على فراق سودة حتى وهبت يومها لعائشة، ثم أجاب بأن هذا كان قبل نزول قوله تعالى: {لاَّ يَحِلُّ لَكَ ٱلنِّسَآءُ مِن بَعْدُ وَلاَ أَن تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ} الآية، وهذا الذي قاله من أن هذا كان قبل نزول الآية صحيح، ولكن لا يحتاج إلى ذلك، فإن الآية إنما دلت على أنه لا يتزوج بمن عدا اللواتي في عصمته، وأنه لا يستبدل بهن غيرهن، ولا يدل ذلك على أنه لا يطلق واحدة منهن من غير استبدال، فالله أعلم، فأما قضية سودة، ففي الصحيح عن عائشة رضي الله تبارك وتعالى عنها، وهي سبب نزول قوله تعالى: {أية : وَإِنِ ٱمْرَأَةٌ خَـٰفَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزاً أَوْ إِعْرَاضاً فَلاَ جُنَاْحَ عَلَيْهِمَآ أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحاً} تفسير : [النساء: 128] الآية. وأما قضية حفصة، فروى أبو داود والنسائي وابن ماجه وابن حبان في "صحيحه" من طرق عن يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، عن صالح بن صالح بن حيي عن سلمة بن كهيل عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس عن عمر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم طلق حفصة، ثم راجعها، وهذا إسناد قوي. وقال الحافظ أبو يعلى: حدثنا أبو كريب، حدثنا يونس بن بكير عن الأعمش عن أبي صالح عن ابن عمر قال: دخل عمر على حفصة وهي تبكي، فقال: ما يبكيك؟ لعل رسول الله صلى الله عليه وسلم طلقك، إنه قد كان طلقك مرة، ثم راجعك من أجلي، والله لئن كان طلقك مرة أخرى، لا أكلمك أبداً، ورجاله على شرط "الصحيحين". وقوله تعالى: {وَلاَ أَن تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ} فنهاه عن الزيادة عليهن إن طلق واحدة منهن، واستبدال غيرها بها، إلا ما ملكت يمينه، وقد روى الحافظ أبو بكر البزار حديثاً مناسباً ذكره ههنا، فقال: حدثنا إبراهيم بن نصر، حدثنا مالك بن إسماعيل، حدثنا عبد السلام بن حرب عن إسحاق بن عبد الله القرشي، عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي هريرة قال: كان البدل في الجاهلية أن يقول الرجل للرجل: بادلني امرأتك، وأبادلك بامرأتي، أي: تنزل لي عن امرأتك، وأنزل لك عن امرأتي، فأنزل الله: {وَلاَ أَن تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ} قال: فدخل عيينة بن حصن الفزاري على النبي صلى الله عليه وسلم وعنده عائشة، فدخل بغير إذن، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : فأين الاستئذان؟» تفسير : فقال: يارسول الله ما استأذنت على رجل من مضر منذ أدركت، ثم قال: من هذه الحميراء إلى جنبك؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : هذه عائشة أم المؤمنين» تفسير : قال: أفلا أنزل لك عن أحسن الخلق؟ قال: «حديث : يا عيينة إن الله قد حرم ذلك» تفسير : فلما أن خرج، قالت عائشة: من هذا؟ قال: «حديث : هذا أحمق مطاع، وإنه على ما ترين لسيد قومه» تفسير : ثم قال البزار: إسحاق بن عبد الله لين الحديث جداً، وإنما ذكرناه؛ لأنا لم نحفظه إلا من هذا الوجه، وبينا العلة فيه.

المحلي و السيوطي

تفسير : {لاَ يَحِلُّ } بالتاء والياء {لَكَ ٱلنّسآءُ مِن بَعْدُ } بعد التسع اللاتي اخترنك {وَلاَ أَن تَبَدَّلَ } بترك إحدى التاءين في الأصل {بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ } بأن تطلقهنّ أو بعضهنّ وتنكح بدل من طلقت {وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلاَّ مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ } من الإِماء فتحل لك، وقد ملك صلى الله عليه وسلم بعدهنّ مارية وولدت له إبراهيم ومات في حياته {وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ رَّقِيباً } حفيظاً.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {لاَّ يَحِلُّ لَكَ النِّسَآءُ مِنْ بَعْدُ} فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: لا يحل لك نساء من بعد نسائك اللاتي خيرتهن فاخترن الله ورسوله والدار الآخرة. قال ابن عباس وقتادة. وهن التسع صار مقصوراً عليهن وممنوعاً من غيرهن. الثاني: لا يحل لك النساء من بعد الذي أحللنا لك بقولنا {إِنَّآ أحْلَلْنَا لَكَ أَزَْوَاجَكَ اللاَّتِي ءَآتَيْتَ أُجُورَهُنَّ} إلى قوله {إن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ} الآية. وكانت الإباحة بعد نسائه مقصورة على بنات عمه وبنات عماته وبنات خاله وبنات خالاته المهاجرات معه،قاله أبي بن كعب. الثالث: لا يحل لك النساء من غير المسلمات كاليهوديات والنصرانيات والمشركات، ويحل ما سواهن من المسلمات، قاله مجاهد. {وَلاَ أَن تَبَدَّلَ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنَهُنَّ} فيه ثلاثة أقوايل: أحدها: ولا أن تبدل بالمسلمات مشركات، قاله مجاهد. الثاني: لا تطلق زوجاتك لتستبدل بهن من أعجبك حسنهن، قاله الضحاك. وقيل التي أعجبه حسنها أسماء بنت عميس بعد قتل جعفر بن أبي طالب عنها. الثالث: ولا أن تبدل بأزواجك زوجات غيرك فإن العرب كانوا في الجاهلية يتبادلون بأزواجهم فيعطي أحدهم زوجته لرجل ويأخذ بها منه زوجته بدلاً منها، قاله ابن زيد.

ابن عبد السلام

تفسير : {لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَآءَ مِن بَعْدُ} نسائك اللاتي خيرتهن فاخترن الله ورسوله والدار الآخرة "ع" فقصر على التسع ومنع من غيرهن أو لا يحل لك النساء بعد اللاتي حللن لك بقوله {إِنَّآ أَحْلَلْنَا لَكَ أَزوَاجَكَ} إلى قوله {أية : إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا}تفسير : [الأحزاب: 50] فقصر الإباحة على بنات الأعمام والعمات والأخوال والخالات والمهاجرات معه. قاله أُبي بن كعب، أو لا يحل لك النساء من بعد المسلمات كاليهوديات والنصرانيات والمشركات ويحل ما سواهن من المسلمات. {وَلآ أَن تَبَدَّلَ} بالمسلمات مشركات، أو ولا أن تطلق زوجاتك لتستبدل بهن من أعجبك حسنهن قيل التي أعجبه حسنها أسماء بن عميس بعد قتل جعفر بن أبي طالب، أو ولا أن تبدل بأزواجك زوجات غيرك، كانوا في الجاهلية يتبادلون بالأزواج فيعطي أحدهم زوجته لرجل ويأخذ زوجته بدلاً منها. قاله ابن زيد.

الثعالبي

تفسير : وقوله تعالى: {لاَّ يَحِلُّ لَكَ ٱلنِّسَاءُ مِن بَعْدُ} قيل كما قدمنا: إنها حظَرَتْ عليه النساءَ إلا التسْعَ وما عُطِفَ عَليهِنَّ؛ على ما تقدم لابن عباس وغيره، قال ابن عباس وقتادة؛ جَازَاهُنَّ اللّه بذلك، لما اخترنَ اللّه وَرسوله، ومن قال: بأن الإباحَةَ كانتْ له مُطْلَقَةً قَال هنا: {لاَّ يَحِلُّ لَكَ ٱلنِّسَاء} معناه: لا يحل لك اليهودياتُ ولا النصرانياتُ، ولا ينبغي أن يكنَّ أمهاتِ المؤمنين؛ ورُوِيَ هذَا عَن مجاهدَ وكذلك قَدَّرَ ولا أن تبدل اليهودياتِ والنصرانياتِ بالمسلماتِ؛ وهو قول أبي رزين وابن جبير وفيه بُعْدٌ. وقوله تعالى: {يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتَ ٱلنَّبِيِّ إِلاَّ أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَىٰ طَعَامٍ غَيْرَ نَـٰظِرِينَ إِنَـٰهُ} هذهِ الآيةُ تُضمنتُ قِصَّتَيْنِ: إحداهما: الأدبُ في أمر الطَّعَامِ والجلوسِ، والثانيةُ: أمرُ الحجَاب. قال الجمهور: سببُها أن النّبي صلى الله عليه وسلم لما تزوَّج زَيْنبَ بِنْتَ جَحْشٍ، أَوْ لَمْ عَلَيْها؛ ودَعَا النَّاسَ، فَلَمَّا طَعِمُوا، قَعَدَ نَفَرٌ فِي طَائِفَةٍ مِنَ البَيْتِ يَتَحَدَّثُونَ، فَثَقُلَ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مَكَانُهُمْ، فَخَرَجَ؛ لِيَخْرُجُوا بِخُرُوجِهِ، وَمَرَّ عَلَىٰ حِجْرِ نِسَائِهِ، ثُمَّ عَادَ فَوَجَدَهُمْ فِي مَكَانِهِمْ، وَزَيْنَبُ فِي البَيْتِ مَعَهُمْ، فَلَمَّا دَخَلَ وَرَآهُمُ، انْصَرَفَ، فَخَرَجُوا عِنْدَ ذَلِكَ، قَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ: فَأُعْلِمَ أَوْ أَعْلَمْتُهُ بِٱنْصِرَافِهمْ، فَجَاءَ، فَلَمَّا وَصَلَ الحُجْرَةَ، أَرْخَى السِّتْرَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ؛ وَدَخَلَ، وَنَزَلَتْ آيَةُ الحِجَابِ بِسَبَبِ ذَلِكَ. قال إسماعيل بن أبي حكيم: هذا أَدَّبَ اللّه به الثُّقَلاء، وَقَالَتْ عَائِشَةُ وجماعةٌ: سببُ الحِجَابِ: كلامُ عُمَر للنبي صلى الله عليه وسلم مراراً في أن يَحجُبَ نساءَه، و{نَٰظِرِينَ} معناه: مُنتَظِرينَ، و{إِنَـٰهُ}: مصدر «أنى» الشيءَ يَأْنِي أنيْ، إذا فَرَغَ وحَانَ، ولفظُ البخاري يُقَال: إناه: إدراكُه أنى يأنى إناءة، انتهى. وقوله تعالى: {وَٱللَّهُ لاَ يَسْتَحْيِ مِنَ ٱلْحَقِّ} معناه: لا يقع منه تركُ الحق، ولما كان ذلك يقعُ من البشر لِعلةِ الاسْتِحياءِ؛ نَفَى عنه تعالى العلةَ الموجِبةَ لذلكَ في البشر، وعن ثَوْبَانَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّه صلى الله عليه وسلم: «حديث : ثَلاَثٌ لاَ يحِلُّ لأَحَدٍ أَنْ يَفْعَلَهُنَّ؛ لاَ يَؤُمُّ رَجُلٌ قَوْماً؛ فَيَخُصَّ نَفْسَهُ بِالدُّعَاءِ دُونَهُمْ؛ فَإنْ فَعَلَ، فَقَدْ خَانهُمْ، وَلاَ يَنْظُرُ فِي قَعْرِ بَيْتٍ؛ قَبْلَ أنْ يَسْتَأْذِنَ؛ فَإنْ فَعَلَ، فَقَدْ خَانَ، وَلاَ يُصَلِّي وَهُوَ حَاقِنٌ حَتَّىٰ يَتَخَفَّفُ»تفسير : . رواه أبو داود واللفظ له، وابن ماجه، والترمذي، وقال الترمذي: حديثٌ حسنٌ، ورواه أبو داود أيضاً من حديث أبي هريرة، انتهى من «السلاح». وقوله تعالى: {وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَـٰعاً...} الآية، هي آية الحجَابِ، والمتَاعُ عام في جميع ما يمكن أن يُطْلَب من المَواعِينِ وَسائر المرَافِق، وباقي الآية بيِّنٌ. وقد تقدَّم في سورة النور طَرْفٌ من بَيَانِه فَأَغْنَى عن إعادته.

السيوطي

تفسير : أخرج الفريابي والدارمي وابن سعد وعبد الله بن أحمد في زوائد المسند وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والضياء في المختارة عن زياد رضي الله عنه قال‏:‏ قلت لأبي رضي الله عنه‏:‏ أرأيت لو أن ازواج النبي صلى الله عليه وسلم متن أما يحل له أن يتزوج‏؟‏ قال‏:‏ وما يمنعه من ذلك‏!‏ قلت‏:‏ قوله ‏ {‏لا يحل لك النساء من بعد‏} ‏ فقال‏:‏ إنما أحل له ضرباً من النساء، ووصف له صفة، فقال ‏{أية : ‏يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك‏}تفسير : ‏ ‏[‏الأحزاب: 50‏] إلى قوله ‏ {‏وامرأة مؤمنة‏} ‏ ثم قال ‏ {‏لا يحل لك النساء من بعد‏}‏ هذه الصفة‏. وأخرج عبد بن حميد والترمذي وحسنه وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال ‏"‏نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أصناف النساء، إلا ما كان من المؤمنات المهاجرات قال ‏{‏لا يحل لك النساء من بعد ولا أن تبدل بهن من أزواج ولو أعجبك حسنهن إلا ما ملكت يمينك‏}‏ فأحل له الفتيات المؤمنات ‏{أية : ‏وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي‏}‏ تفسير : [‏الأحزاب: 50‏]‏ وحرم كل ذات دين إلا الإِسلام وقال ‏{أية : ‏يا أيها النبي إنا أحللنا أزواجك‏}‏تفسير : ‏[‏الأحزاب: 50‏]‏ إلى قوله ‏{أية : ‏خالصة لك من دون المؤمنين‏}‏تفسير : [الأحزاب: 50] وحرم ما سوى ذلك من أصناف النساء‏"‏‏.‏ وأخرج أبو داود في ناسخه وابن جرير عن قتادة رضي الله عنه قال‏:‏ كان عكرمة رضي الله عنه يقول ‏{‏لا يحل لك النساء من بعد‏}‏ هؤلاء التي سمى الله تعالى له إلا بنات عمك، وبنات عماتك، وبنات خالك، وبنات خالاتك‏. وأخرج الفريابي وأبو داود وابن جرير عن مجاهد رضي الله عنه ‏ {‏لا يحل لك النساء من بعد‏}‏ ما بينت لك من هذه الأصناف بنات عمك، وبنات عماتك، وبنات خالك، وبنات خالاتك، وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي فأحل له من هذه الأصناف أن ينكح ما شاء‏. وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه ‏{‏لا يحل لك النساء من بعد‏} ‏ يهوديات ولا نصرانيات لا ينبغي أن يكن أمهات المؤمنين ‏{‏إلا ما ملكت يمينك‏}‏ قال‏:‏ هي اليهوديات والنصرانيات لا بأس أن يشتريها‏. وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن جبير رضي الله عنه في قوله ‏{‏لا يحل لك النساء من بعد‏}‏ قال‏:‏ يهودية ولا نصرانيه‏.‏ وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس ‏{‏لا يحل لك النساء من بعد‏}‏ قال‏:‏ ‏"‏نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتزوّج بعد نسائه الأول شيئا‏ً"‏‏. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {‏لا يحل لك النساء من بعد ولا أن تبدل بهن من أزواج‏} ‏ قال‏:‏ حبسه الله عليهن كما حبسهن عليه‏. وأخرج أبو داود في ناسخه وابن مردويه والبيهقي في سننه عن أنس رضي الله عنه قال‏:‏ لما خيرهن الله فاخترن الله ورسوله قصره عليهن فقال ‏{‏لا يحل لك النساء من بعد‏}‏ ‏. وأخرج ابن سعد عن عكرمة قال‏:‏ لما خير رسول الله صلى الله عليه وسلم أزواجه اخترن الله ورسوله، فأنزل الله ‏{‏لا يحل لك النساء من بعد‏}‏ هؤلاء التسع التي اخترنك، فقد حرم عليك تزويج غيرهن‏. وأخرج ابن سعد وابن أبي حاتم عن أم سلمة رضي الله عنها قالت‏:‏ لم يمت رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أحل الله له أن يتزوج من النساء ما شاء إلا ذات محرم، وذلك قول الله ‏{‏ترجي من تشاء منهن وتؤوي إليك من تشاء‏}‏‏.‏ وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وأبو داود في ناسخه والترمذي وصححه والنسائي وابن جرير وابن المنذر والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي من طريق عطاء عن عائشة رضي الله عنها قالت‏:‏ لم يمت رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أحل الله له أن يتزوج من النساء ما شاء إلا ذات محرم لقوله ‏{‏ترجي من تشاء منهن وتؤوي إليك من تشاء‏}‏‏. وأخرج ابن سعد عن ابن عباس، مثله‏.‏ وأخرج ابن سعد عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام في قوله ‏ {‏لا يحل لك النساء من بعد‏}‏ قال‏:‏ حبس رسول الله صلى الله عليه وسلم على نسائه، فلم يتزوج بعدهن‏. وأخرج ابن سعد عن سليمان بن يسار رضي الله عنه قال‏:‏ لما تزوّج رسول الله صلى الله عليه وسلم الكندية، وبعث في العامريات، ووهبت له أم شريك رضي الله عنها نفسها قالت أزواجه‏:‏ لئن تزوج النبي صلى الله عليه وسلم الغرائب ما له فينا من حاجة، فأنزل الله تعالى حبس النبي صلى الله عليه وسلم على أزواجه، وأحل له من بنات العم، والعمة، والخال، والخالة، ممن هاجر ما شاء، وحرم عليه ما سوى ذلك إلا ما ملكت اليمين غير المرأة المؤمنة التي وهبت نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم، وهي أم شريك‏. وأخرج سعيد بن منصور وابن سعد وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي ذر رضي الله عنه ‏ {‏لا يحل لك النساء من بعد‏} ‏ قال‏:‏ من المشركات إلا ما سبيت فملكته يمينك‏. وأخرج البزار وابن مردويه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال‏:‏ كان البدل في الجاهلية أن يقول الرجل‏:‏ تنزل لي عن امرأتك وأنزل لك من امرأتي‏؟‏ فأنزل الله ‏ {‏ولا أن تبدل بهن من أزواج ولو أعجبك حسنهن‏}‏ قال‏:‏ فدخل عيينة بن حصن الفزاري على النبي صلى الله عليه وسلم وعنده عائشة بلا اذن فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏"‏حديث : أين الاستئذان‏؟‏ قال‏:‏ يا رسول الله ما استأذنت على رجل من الأنصار منذ أدركت، ثم قال‏:‏ من هذه الحميراء إلى جنبك‏؟‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ هذه عائشة أم المؤمنين قال‏:‏ أفلا أنزل لك عن أحسن الخلق‏؟‏ قال‏:‏ يا عيينة: إن الله حرم ذلك‏.‏ فلما ضن خرج قالت عائشة رضي الله عنها‏:‏ من هذا‏؟‏ قال‏: أحمق مطاع، وأنه على ما ترين لسيد في قومه ". تفسير : وأخرج ابن المنذر عن زيد بن أسلم رضي الله عنه في قوله ‏ {‏ولا أن تبدل بهن من أزواج‏} ‏قال‏:‏ كانوا في الجاهلية يقول الرجل للرجل الآخر وله امرأة جميلة‏:‏ تبادل امرأتي بامرأتك وأزيدك إلى ما ملكت يمينك‏؟ وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عبد الله بن شداد رضي الله عنه في قوله ‏{‏ولا أن تبدل بهن من أزواج‏}‏ قال‏:‏ ذلك لو طلقهن لم يحل له أن يستبدل، وقد كان ينكح بعد ما نزلت هذه الآية ما شاء قال‏:‏ ونزلت وتحته تسع نسوة، ثم تزوج بعد أم حبيبة رضي الله عنها بنت أبي سفيان، وجويرية بنت الحارث‏. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق علي بن زيد عن الحسن رضي الله عنه في قوله ‏ {‏ولا أن تبدل بهن من أزواج‏} ‏ قال‏:‏ قصره الله على نسائه التسع اللاتي مات عنهن قال علي‏:‏ فاخبرت علي بن الحسين رضي الله عنه فقال‏:‏ لو شاء تزوج غيرهن، ولفظ عبد بن حميد فقال‏:‏ بل كان له أيضاً أن يتزوج غيرهن‏. وأخرج عبد بن حميد عن أنس بن مالك قال‏:‏ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم نزلت هذه الآية ‏ {‏ولا أن تبدل بهن من أزواج‏} ‏ قال‏:‏ كان يومئذ يتزوج ما شاء‏. وأخرج عبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه ‏ {‏وكان الله على كل شيء رقيباً‏} ‏ أي حفيظا‏ً.‏

ابو السعود

تفسير : {لاَّ يَحِلُّ لَكَ ٱلنّسَاء} بالياءِ لأنَّ تأنيثَ الجمعِ غيرُ حقيقيَ ولوجودِ الفصلِ. وقُرىء بالتاء {مِن بَعْدُ} أي من بعدِ التِّسعِ وهو في حقِّه كالأربعِ في حقِّنا. وقالَ ابنُ عبَّاسٍ وقَتَادةُ: من بعدِ هؤلاء التَّسعِ اللاتِي خيرتهنَّ فاخترنَك وقيلَ من بعد اختيارِهنَّ الله ورسولَه ورضاهنَّ بما تؤتيهنَّ من الوصلِ والهُجرانِ. {وَلاَ أَن تَبَدَّلَ} أي تتبدلَ بحذفِ إحدى التَّاءينِ {بِهِنَّ} أي بهؤلاءِ التِّسعِ {مِنْ أَزْوَاجٍ} بأنْ تُطلقَ واحدةً منهنَّ وتنكحَ مكانَها أُخرى. ومنْ مزيدةٌ لتأكيدِ الاستغراقِ أرادَ الله تعالى لهنَّ كرامةً وجزاءً على ما اخترنَ ورضينَ فقصرَ رسولَه عليهنَّ وهنَّ التِّسعُ اللاتِي تُوفَّي عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ عنهنَّ وهُنَّ: عائشةُ بنتُ أبـي بكرٍ، وحفصةُ بنتُ عمرَ، وأمُّ حبـيبةٍ بنتُ أبـي سُفيان، وسَوْدةُ بنتُ زَمْعَه، وأمُّ سلمةَ بنتُ أبـي أُميَّة، وصفَّيةُ بنتُ حُيَـى بنِ أخطبَ الخَيْبريَّةُ، وميمونةُ بنتُ الحارثِ الهلاليَّةُ، زينب بنتُ حجشٍ الأسديَّةُ، وجُويريةُ بنتُ الحارثِ المصطلِقيةُ. وقالَ عكرمةُ: المعنى لا يحلُّ لك النِّساءُ من بعدِ الاجناسِ الأربعةِ اللاتِي أحللناهنَّ لكَ بالصِّفةِ التي تقدَّم ذكرُها من الأعرابـياتِ والغرائبِ أو من الكتابـياتِ أو من الإماءِ بالنِّكاحِ ويأباهُ قولُه تعالى: {أية : وَلاَ أَن تَبَدَّلَ بِهِنَّ} تفسير : [سورة الأحزاب: الآية 52] فإنَّ معنَى إحلالِ الأجناسِ المذكورةِ إحلالُ نكاحهنَّ فلا بدَّ أنْ يكونَ معنى التبدلِ بهنَّ إحلالَ نكاحِ غيرِهنَّ بدلَ إحلالِ نكاحهنَّ وذلكَ إنَّما يُتصوَّرُ بالنَّسخِ الذي ليسَ من الوظائفِ البشريَّةِ {وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ} أي حسنُ الأزواجِ المستبدلةِ وهو حالٌ من فاعلِ تبدلَ لا من مفعولِه وهو من أزواج لتوغله في التنكيرِ قيل تقديرُه مفروضاً إعجابُك بهنَّ وقد مرَّ تحقيقُه في قولِه تعالى: { أية : وَلأَمَةٌ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مّن مُّشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ} تفسير : [سورة البقرة: الآية 221] وقيل: هي أسماءُ بنتُ عُميسٍ الخَثعميَّةُ امرأةُ جعفرِ بنِ أبـي طالبٍ أي هي ممَّن أعجبَه عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ حسنُهنَّ. واختُلف في أنَّ الآيةَ محكمةٌ أو منسوخةٌ قيل: بقولِه تعالى: {أية : تُرْجِي مَن تَشَاء مِنْهُنَّ وَتُؤْوِى إِلَيْكَ مَن تَشَاء} تفسير : [سورة الأحزاب: الآية 51] وقيل: بقولِه تعالى إنَّا أحللنَا لكَ. وترتيبُ النُّزولِ ليس على ترتيبِ المُصحفِ وقيل بالسنَّة وعن عائشةَ رضي الله عنها ما ماتَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم حتَّى أحلَّ له النِّساءُ. وقالَ أنسٌ رضي الله عنه: ماتَ عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ على التَّحريم. {إِلاَّ مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ} استثناءٌ من النِّساءِ، لأنَّه يتناولُ الأزواجَ والإماء وقيل: منقطعٌ {وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلّ شَىْء رَّقِيباً} حافظاً مُهيمناً فاحذرُوا مجاوزةَ حدودِه وتخطِّي حلالِه إلى حرامِه.

القشيري

تفسير : لمَّا اخْتَرْتَهُنَّ أثبت اللَّهُ لهن حُرْمة، فقال: {لاَّ يَحِلُّ لَكَ ٱلنِّسَآءُ مِن بَعْدُ} فكما اخترْنَكَ فلا تَخْتَرْ عليهن امرأةً أخرى تطييباً لقلوبهن، ونوعاً للمعادلة بينه وبينهن، وهذا يدل على كَرَمِه - والحِفَاظُ كَرَمٌ ودَيْن.

اسماعيل حقي

تفسير : {لا يحل لك النساء} بالياء لان تأنيث الجمع غير حقيقى ولوجود الفصل واذا جاز التذكير بغيره فى قوله وقال نسوة كان معه اجوز. والنساء والنسوان والنسوة بالكسر جموع المرأة من غير لفظها اى لا تحل واحدة من النساء مسلمة او كتابية لما تقرر ان حرف التعريف اذا دخل على الجمع يبطل الجمعية ويراد الجنس وهو كالنكرة يخص فى الاثبات ويعم فى النفى كما اذا حلف لا يتزوج النساء ولا يكلم الناس او لا يشترى العبيد فانه يحنث بالواحد لان اسم الجنس حقيقة فيه {من بعد} اى من بعد هؤلاء التسع اللاتى خيرتهن بين الدنيا والآخرة فاخترنك لانه نصاب من الازواج كما ن الاربع نصاب امتك منهن او من بعد اليوم حتى لو ماتت واحدة لم يحل له نكاح اخرى. وانما حرّم على امته الزيادة على الاربع بخلافه فانه عليه السلام فى بذرقة النبوة وعصمة الرسالة قد يقدر على اشياء لا يقدر عليها غيره وقد افترض الله عليه اشياء لم يفترضها على امته لهذا المعنى وهى قيام الليل وانه اذا عمل نافلة يجب المواظبة عليها وغير ذلك. وسرّ الاقتصار على الاربع ان المراتب اربع. مرتبة المعنى. ومرتبة الروح. ومرتبة المثال. ومرتبةالحس ولما كان الوجود الحاصل للانسان انما حصل له بالاجتماع الحاصل من مجموع الاسماء الغيبية والحقائق العلمية والارواح النووية والصور المثالية والصور العلوية والسفلية والتوليديه شرع له نكاح الاربع وتمامه فى كتب التصوف {ولا ان تبدل بهن من ازواج} تبدل بحذف احد التاءين والاصل تتبدل وبدل الشئ الخلف منه وتبدله به وابدله منه وبدله اتخذه بدلا كما فى القاموس. قال الراغب التبدل والابدال والتبديل والاستبدال جعل الشئ مكان آخر وهو اعم من العوض فان العوض هو ان يصير لك الثانى باعطاء الاول والتبديل يقال للتغيير وان لم تأت ببدله انتهى. وقوله من ازواج مفعول تبدل ومن مزيدة لتأكيد النفى تفيد استغراق جنس الازواج بالتحريم. والمعنى ولا يحل لك ان تتبدل بهؤلاء التسع ازواجا اخر بكلهن او بعضهن بان تطلق واحدة وتنكح مكانها اخرى: وبالفارسية [وحلال نيست ترا آنكه بدل كنى بديشان اززنان ديكر يعنى يكى را ازايشان طلاق دهى وبجاى او ديكرى رانكاح كنى] اراد الله لهنّ كرامة وجزاء على ما اخترن رسول الله والدار الآخرة لا الدنيا وزينتها ورضين بمراده فقصر رسوله عليهن ونهاه عن تطليقهن والاستبدال بهن {ولو اعجبك حسنهن} الواو عاطفة لمدخولها على حال محذوفة قبلها ولو فى امثال هذا الموقع لا يلاحظ لها جواب: والاعجاب [شكفتى نمودن وخوش آمدن]. قال الراغب العجب والتعجب حالة تعرض للانسان عند الجهل بسبب الشئ وقد يستعار للروق فيقال اعجبنى كذا اى راقنى والحسن كون الشئ ملائما للطبع واكثر ما يقال الحسن بفتحتين فى تعارف العامة فى المستحسن بالبصر. والمعنى ولا يحل لك ان تستبدل بهن حال كونك لو لم يعجبك حسن الازواج المستبدلة وجمالهن ولو اعجبك حسنهن اى حال عدم اعجاب حسنهن اياك وحال اعجابه اى على كل حال ولو فى هذه الحالة فان المراد استقصاء الاحوال: وبالفارسية [بشكفت آردترا خوبى ايشان]. قال ابن عباس رضى الله تعالى عنهما هى اسماء بنت عميش الخثعمية امرأة جعفر بن ابى طالب لما استشهد اراد رسول الله ان يخطبها فنهاه الله عن ذلك فتركها فتزوجها ابو بكر باذن رسول الله فهى ممن اعجبه حسنهن. وفى التكملة قيل يريد حبابة اخت الاشعث بن قيسس انتهى وفى الحديث "حديث : شارطت ربى ان لا اتزوج الا من تكون معى فى الجنة" تفسير : فاسماء اوجباته لم تكن اهلا لرسول الله فى الدنيا ولم تستأهل ان تكون معه فى مقامه فى الجنة فلذا صرفها الله عنه تعالى لا ينظر الى الصورة بل الى المعنى شعر : جون ترا دل اسير معنى بود عشق معنى زصورت اولى بود حسن معنى نمى شود سبرى عشق آن باشد از زوال برى اهل عالم همه درين كارند بحجاب صور كرفتارند تفسير : وفى الحديث "حديث : من نكح امرأة لمالها وجمالها حرم مالها وجمالها ومن نكحها لدينها رزقه الله مالها وجمالها" تفسير : {الا ما ملكت يمينك} استثناء من النساء لانه يتناول الازواج والاماء: يعنى [حلال نيست برتوزنان بس ازين نه تن كه دارى كر آنجه مالك آن شود دست تو يعنى بتصرف تودر آيد وملك توكردد] فانه حل له ان يتسرى بهن. قال ابن عباس رضى الله تعالى عنهما ملك من هؤلاء التسع مارية القبطية ام سيدنا ابراهيم رضى الله تعالى عنه. وقال مجاهد معنى الآية لا يحل لك اليهوديات ولا النصرانيات من بعد المسلمات ولا ان تبدل بالمسلمات غيرهن من اليهود والنصارى يقول لا تكون ام المؤمنين يهودية ولا نصراينة الا ملكت يمينك احل الله له ما ملكت يمينه من الكتابيات ان يتسرى بهن {وكان الله على كل شئ رقيبا} يقال رقبته حفظته والرقيب الحافظ وذلك اما لمراعاة رقبة المحفوظ واما لرفعه رقبته. والرقيب هو الذى لا يغفل ولا يذهل ولا يجوز عليه ذلك فلا يحتاج الى مذكر ولا منبه كما فى شرح الاسماء للزورقى اى حافظا مهيمنا فتحفظوا ما امركم به ولا تتخطوا ما حدلكم. وفى الآية الكريمة امور. منها ان الجمهور على انها محكمة وان رسول الله عليه السلام مات على التحريم. ومنها ان الله لما وسع عليه الامر فى باب النكاح حظيت نفسه بشرب من مشاربها موجب لانحراف مزاجها كمن اكل طعاما حلوا حارا صفراويا فيحتاج الى غذاء حامض بارد دافع للصفراء حفظا للصحة فالله تعالى من كمال عنايته فى حق حبيبة غداه بخامض {لا يحل لك النساء} الآية لاعتدال المزاج القلبى والنفسى فهو من باب تربية نفس النبى صلى الله عليه وسلم. ومنها انه تعالى لما ضيق الامر على الازواج المطهرة فى باب الصبر بما احل للنبى عليه السلام ووسع امر النكاح عليه وخيره فى الارجاء والايواء اليه كان احمض شئ فى مذاقهن وابرد شئ لمزاج قلوبهن فغذاهن بحلاوة {لا يحل لك النساء} وسكن بها برودة مزاجهن حفظا لسلامة قلوبهن وجبرا لانكسارها فهو من باب تربية نفوسهن. ومنها ان فيها ما يتعلق بمواعظ نفوس رجال الامة ونسائها ليتعظوا باحوال النبى عليه السلام واحوال نسائه ويعتبروا بها {وكان الله على كل شئ} من احوال النبى عليه السلام واحوال ازواجه واحوال امته {رقيبا} يراقب مصالحهم. ومنها ان المراد بهؤلاء التسع عائشة وحفصة وام حبيبة وسودة وام سلمة وصفية وميمونة وزينب وجويرية. اما عائشة رضى الله عنها فهى بنت ابى بكر رضى الله عنه تزوجها عليه السلام بمكة فى شوال وهى بنت سبع وبنى بها فى شوال على رأس ثمانية اشهر من الهجرة وهى بنت تسع وقبض عليه السلام عنها وهى بنت ثمانى عشرة ورأسه فى حجرها ودفن فى بيتها وماتت وقد قارفت سبعا وستين سنة فى شهر رمضان سنة ثمان وخمسين وصلى عليها ابو هريرة بالبقيع ودفنت به ليلا وذلك فى زمن ولاية مروان بن الحكم على المدينة من خلافة معاوية وكان مروان استخلف على المدينة ابا هريرة رضى الله عنه لما ذهب الى العمرة فى تلك السنة. واما حفصة رضى الله عنها فهى بنت عمر بن الخطاب رضى الله عنه وامها زينب اخت عثمان بن مظعون اخوه عليه السلام من الرضاعة تزوجها عليه السلام فى شعبان على رأس ثلاثين شهرا من الهجرة قبل احد بشهرين وكانت ولادتها قبل النبوة بخمس سنين وقريش تبنى البيت وبلغت ثلاثا وستين وماتت بالمدينة فى شعبان سنة خمس واربعين وصلى عليها مروان بن الحكم وهو امير المدينة يومئذ وحمل سريرها وحمله ايضا ابو هريرة رضى الله عنه. واما ام حبيبة رضى الله عنها واسمها رملة فهى بنت ابى سفيان بن حرب رضى الله عنه هاجرت مع زوجها عبيد الله بن جحش الى ارض الحبشة الهجرة الثانية وتنصر عبيد الله هناك وثبتت هى على الاسلام وبعث رسول الله عمرو بن امية الضمرى الى النجاشى ملك الحبشة فزوجه عليه السلام اياها واصدقها النجاشى عن رسول الله اربعمائة دينار وجهزها من عنده وارسلها فى سنة سبع. واما سودة رضى الله عنها فهى بنت زمعة العامرية وامها من بنى النجار لانها بنت اخى سلمى بن عبد المطلب. واما ام سلمة واسمها هند فهى بنت ابى امية المخزومية تزوجها عليه السلام ومعها اربع بنات ماتت فى ولاية يزيد بن معاوية وكان عمرها اربعا وثمانين سنة ودفنت بالبقيع وصلى عليها ابو هريرة رضى الله عنه. واما صفية رضى الله عنها فهى بنت حيى سيد بنى النضير من اولادها هارون عليه السلام قتل حيى مع بنى قريظة واصطفاها عليه السلام لنفسه فاعتقها فتزوجها وجعل عتقها صداقها وكانت رأت فى المنام ان القمر وقع فى حجرها فتزوجها عليه السلام وكان عمرها لم يبلغ سبع عشرة ماتت فى رمضان سنة خمسين ودفنت بالبقيع. واما ميمونة رضى الله عنها فهى بنت الحارث الهلالية تزوجها عليه السلام وهو محرم فى عمرة القضاء سنة سبع وبعد الاحلال بنى بها بسرف ماتت سنة احدى وخمسين وبلغت ثمانين سنة ودفنت بسرف الذى هو محل الدخول بها وهو ككتف موضع قرب التنعيم. واما زينب رضى الله عنها فهى بنت جحش بن رباب الاسدية وقد سبقت قصتها فى هذه السورة. واما جويرية فهى بنت الحارثة الخزاعية سبيت فى غزوة المصطلق وكانت بنت عشرين سنة ووقعت فى سهم ثابت بن قيس فكاتبها على تسع آواق فادى عليه السلام عنها ذلك وتزوجها وقيل انها كانت بملك اليمين فاعتقها عليه السلام وتزوجها توفيت بالمدينة سنة ست وخمسين وقد بلغت سبعين سنة وصلى عليها مروان بن الحكم وهو والى المدينة يومئذ. وهؤلاء التسع مات عنهن صلى الله عليه وسلم وقد نظمهن بعضهم فقال شعر : توفى رسول الله عن تسع نسوة اليهن تعزى المكرمات وتنسب فعائشة ميمونة وصفية وحفصة تتلوهن هند وزينب جويرية مع رملة ثم سودة ثلاث وست ذكرهن ليعذب تفسير : ومنها ان الآية دلت على جواز النظر الى من يريد نكاحها من النساء وعن ابى هريرة ان رجلا اراد ان يتزوج امرأة من الانصار فقاله له النبى عليه السلام "حديث : انظر اليها فان فى اعين نساء الانصار شيئا" تفسير : قال الحميدى يعنى الصغر وذلك ان النظر الى المخطوبة قبل النكاح داع للالفة والانس وامر النبى عليه السلام ام سلمة خالته من الرضاعة حين خطب امرأة ان تشم هى عوارضها اى اطراف عارضى تلك المرأة لتعرف ان رأئحتها طيبة او كريهة وعارضا الانسان صفحتا خدّيه. وبالاعذار يجوز النظر الى جميع الاعضاء حتى العورة الغليظة وهى تسعة. الاول تحمل الشهادة كما فى الزنى يعنى ان الرجل اذا زنى بامرأة يجوز النظر الى فرجهما ليشهد بانه رآه كالميل فى المكحلة. والثانى اداء الشهادة فان اداء الشهادة بدون رؤية الوجه لا يصح. والثالث حكم القاضى. والرابع الولادة للقابلة. والخامس البكارة فى العنة والرد بالعيب. والسادس والسابع الختان والخفض فالختان للولد سنة مؤكدة والخفض للنساء وهو مستحب وذلك ان فوق ثقبة البول شيئا هوموضع ختانها فان هناك جلدة رقيقة قائمة مثل عرف الديك وقطع هذه الجلدة هو ختانها وفى الحديث "حديث : الختان سنة للرجال مكرمة للنساء ويزيد لذتها ويجف رطوبتها " تفسير : والثامن ارادة الشراء. والتاسع ارادة النكاح ففى هذه الاعذار يجوز النظر وان كان بالشهوة لكن ينبغى ان لا يقصدها فان خطب الرجل امرأة ابيح له النظر اليها بالاتفاق فعند احمد ينظر الى ما يظهر غالبا كوجه ورقبة ويد وقدم وعند الثلاثة لا ينظر غير الوجه والكفين كما فى فتح الرحمن. ومنها ان من علم انه تعالى هو الرقيب على كل شئ راقبه فى كل شئ ولم يلتفت الى غيره. قال الكاشفى [وكسى كه ازسر رقيبى حق آكاه كرد اورا از مراقبه جاره نيست] شعر : جو دانستى كه حق دانا وبيناست نهان واشكار خويش كن راست تفسير : والتقرب بهذا الاسم تعلقا من جهة مراقبته تعالى والاكتفاء بعلمه بان يعلم ان الله رقيبه وشاهده فى كل حال ويعلم ان نفسه عدوله وان الشيطان عدوله وانهما ينتهزان الفرص حتى يحملانه على الغفلة والمخالفة فيأخذ منها حذره بان يلاحظ مكانها وتلبيسها ومواضع انبعاثها حتى يسد عليها المنافذ والمجارى ومن جهة التخلق ان يكون رقيبا على نفسها كما ذكر وعلى من امره الله بمراقبته من اهل وغيره. وخاصية هذا الاسم جمع الضوال والحفظ فى الاهل والمال فصاحب الضالة يكثر من قراءته فتنجمع عليه ويقرأه من خاف على الجنين فى بطن امه سبع مرات وكذلك لو اراد سفرا يضع يده على رقبة من يخاف عليه المنكر من اهل وولد يقوله سبعا فانه يأمن عليه ان شاء الله ذكره ابو العباس الفاسى فى شرح الاسماء الحسنى نسأل الله سبحانه وتعالى ان يحفظنا فى الليل والنهار والسر والجهار ويجعلنا من اهل المراقبة الى ان تخلو منا هذه الدار

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {لا يَحِلُّ لك النساءُ من بعدُ} أي: من بعد التسع، اللاتي خيرتهن فاخترنك؛ لأن التسع نِصابُ رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما أن الأربع نِصاب أمته. لَمّا اخترن اللهَ ورسولَه والدارَ الآخرة قصره الله عليهن، وقيل: هي منسوخة كما يأتي. أو: لا يحلّ لك نساء الأجانب، وإنما لك نساء قرابتك، كبنات عمك، وبنات عماتك، وبنات خالك، وبنات خالاتك، فيحل لك منهن ما شئت، ولو ثلاثمائة، أو أكثر. أو: لا يحل لك النساء من غير المسلمات، كالكتابيات والمشركات. {ولا أن تبدَّل بهنَّ من أزواجٍ} بالطلاق. والمعنى: ولا أن تستبدل بهؤلاء التسع أزواجاً، بكلهن أو بعضهن، كرامةً لهن، وجزاء على ما اخترن ورضين. فقصر رسولَه صلى الله عليه وسلم على التسع اللاتي مات عنهن. وقال أبو هريرة وابن زيد: كانت العرب في الجاهلية يتبادلون بالأزواج، يعطي امرأة هذا أياماً ويأخذ امرأته، فأنزل الله: {ولا أن تبدَّل بهن من أزواج} بأن تُعطي بعض أزواجك وتأخذ بعض أزواجهم، {إِلا ما ملكتْ يمينُك} فلا بأس أن تبادل بجاريتك. و "مِن": لتأكيد النفي؛ ليفيد استغراق جنس الأزواج بالتحريم. {ولو أَعْجَبَكَ حُسْنُهن} أي: حُسْن الأزواج المتبدلة. وقيل: هي أسماء بنت عُميْس، امرأة جعفر بن أبي طالب، فإنها ممن أعجبه حسنهنّ. وعن عائشة وأم سلمة، (ما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أَحلَّ الله له أن يتزوج من النساء ما شاء)، يعني أن الآية نُسخت إما بالسُنَّة، أو: بقوله: {إنا أحللنا لك أزواجك} وترتيب النزول ليس على ترتيب المصحف. {إِلا ما ملكت يمينُك} استثناء من النساء؛ لأنه يتناول الأزواج، وقيل: منقطع، أي: لكن ما ملكت يمينك، فيحل لك ما شئت، {وكان الله على كل شيءٍ رقيباً} حافظاً ومُطلعاً. وهو تحذير عن مجاوزة حدوده. والله تعالى أعلم. الإشارة: مَن نكح أبكار الحقائق العرفانية ودخل بأسرار العلوم اللدنية، لا يحل له أن ينكح ثيبات نساء العلوم الرسمية، ولا أن يتبدل بما عنده من المواهب الربانية، بغيرها من العلوم اللسانية، ولو أعجبك حُسنها ورونقها ـ على الفرض والتقدير ـ إذ التنزُّل إليها بطالة عند المحققين، إلا ما كنت تملكه قبل علم الحقيقة، فلا بأس أن تنزل إلى تعليمه وإفادته، إن توسعت في علم الباطن، وصرت من الأغنياء الكبار، تُنفق كيف تشاء، فلا يضرك حينئذ التنزُّل إلى علم الظاهر. وقد كان شيخ شيوخنا سيدي يوسف الفاسي رضي الله عنه عنده مجلسان: مجلس لأهل الظاهر، ومجلس لأهل الباطن. فإن كان في مجلس الظاهر، وجاء إليه أحد من الفقراء، يقول: اذهب حتى نأتي إلى مجلسكم، وإن كان في مجلس أهل الباطن، وجاء إليه أحد من أهل الظاهر، قال: اذهب حتى نأتي إليكم. وكان له هذا بعد الرسوخ في علم الحقيقة. وبالله التوفيق. ولمَّا أولم عليه الصلاة والسلام على زينب جلس قوما في بيته يتحدثون فأنزل الله تعالى في شأنهم: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ...}

الجنابذي

تفسير : {لاَّ يَحِلُّ لَكَ ٱلنِّسَآءُ مِن بَعْدُ} اى من بعد الاجناس المذكورة فى الآية السّابقة كما قيل وكما هو ظاهر الآية {وَلاَ أَن تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ} اُخر غير المذكورات فى الآية السّابقة، وقيل: انّ منعه من نكاح غيرهنّ ومن تبديلهنّ مكافاة لهنّ على اختيارهنّ الله ورسوله (ص)، وقد ورد فى اخبارٍ كثيرةٍ مضمون ما ورد عن الباقر (ع) من انّه انّما عنى به لا يحلّ لك النّساء الّتى حرّم الله عليك فى هذه الآية {أية : حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ}تفسير : [النساء:23] (الى آخرها) ولو كان الامر كما يقولون كان قد احلّ لكم ما لم يحلّ له لانّ احدكم يستبدل كلّما اراد ولكنّ الامر ليس كما يقولون من الله عزّ وجلّ احلّ لنبيّه ان ينكح من النّساء ما اراد الاّ ما حرّم فى هذه الآية فى سورة النّساء، وفى بعض الاخبار: احاديث آل محمّدٍ (ص) خلاف احاديث النّاس {وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلاَّ مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ رَّقِيباً} حتّى على عدد الازواج بالنّسبة اليك والى امّتك، والحصر فى العدد والاقتصار على اشخاص معنيّةٍ من دون الزّيادة عليهنّ ومن دون استبدالهنّ.

الهواري

تفسير : {لاَّ يَحِلُّ لَكَ النِّسَآءُ مِن بَعْدُ} وقد فسّرناه قبل هذا. {وَلاَ أَن تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ} أي: حسن النساء غير أزواجه وما أحلّ الله له مما سُمِّي في قول أبي بن كعب ومجاهد والكلبي على وجه ما قالوا، وفي قول الحسن: غير نسائه خاصة؛ هذا في أزواجه اللائي عنده خاصة، لا يتزوّج مكانهن ولا يطلقهن. قال: {إِلاَّ مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ} أي: يطأ بملك يمينه ما شاء. {وَكَانَ اللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَّقيباً} أي: حفيظاً. قوله: {يَآ أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لاَ تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلاَّ أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانتَشِرُوا} أي: تفرقوا. {وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ} بعد أن تأكلوا {إِنَّ ذِلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فِيَسْتَحْيِي مِنكُمْ وَاللهُ لاَ يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فَسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَآءِ حِجَابٍ}. ذكروا عن أنس بن مالك قال: حديث : لما تَزَوَّج رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يُولِم على أحد من نسائه ما أولم على زينب بنت جحش. قال أنس: كنت أدعو الناس على الخبز واللحم، فيأكلون حتى يشبعوا. فجاء رجلان فقعدا مع زينب في جوف البيت ينتظران، أظنه يعني الطعام. فخرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى حجرة عائشة فقال: "السلام عليكم يا أهل البيت". فقالت عائشة: السلام عليك ورحمة الله وبركاته، كيف وجدت أهلك؟ بارك الله لك فيهم. قال: فاستقرى نساءه كلهن فقلن بمقالتها. ثم جاء فوجد الرجلين في البيت، فاستحيى فرجع، فأنزل الله آية الحجاب، فقرأها عليهم فخرجا. ودخل النبي صلى الله عليه وسلم وأرخى الستر . تفسير : ذكروا عن أنس بن مالك حديث : أن عمر بن الخطاب قال: قلت: يا رسول الله، إنه يدخل عليك البَرُّ والفاجر، فلو أمرت نساءك يحتجبن. فأنزل الله آية الحجاب . تفسير : قوله: {غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ} أي: صنعته. وقال مجاهد: متحيّنين حينه. قوله: {وَاللهُ لاَ يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ} أي: أن يخبركم أن هذا يؤذي النبي. قوله: {ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ} أي: من الريبة والدنس، أن يكون لك من وراء حجاب. قال: {وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تُؤْذُوا رَسُولَ اللهِ وَلاَ أَن تَنكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِن بَعْدِهِ أَبَداً إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِندَ اللهِ عَظِيماً}. قال ناس من المنافقين: لو قد مات محمد تزوّجنا نساءه، فأنزل الله هذه الآية. وقال: {إِن تُبْدُوا شَيْئاً أَوْ تُخْفُوهُ} يعني ما قالوا: لو قد مات محمد تزوّجنا نساءه. {فَإِنَّ اللهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً}. ثم استثنى من يدخل على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم في الحجاب فقال: {لاَّ جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي ءَابَآئِهِنَّ وَلآ أَبْنَائِهِنَّ وَلآ إِخْوَانِهِنَّ وَلآ أَبْنَآءِ إِخْوَانِهِنَّ وَلآ أَبْنَآءِ أَخَوَاتِهِنَّ وَلا نِسَآئِهِنَّ} المسلمات {وَلاَ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ} وكذلك الرضاع بمنزلة الذي ذكر ممن يدخل على أزواج النبي عليه السلام في الحجاب. قال: {وَاتَّقِينَ اللهَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيداً} أي: شاهد لكل شيء وشاهد على كل شيء.

اطفيش

تفسير : {لا يحلُّ لك} لم يكن بالفوقية، لأن المراد بالنساء الحقيقة، ولا أنثى للحقيقة، وإنما الأنثى للإفراد، وأيضا الفصل يقوى التذكير وأيضا المراد لا يحل نكاح النساء، لأن الحكم لا يكون بالذات، وعبارة بعض المحققين تأنيث الجمع غير حقيق {النِّساء} هن الحرائر فى العرف، أى لا يحل لك تزوجهن {من بعد} بعد التسع اللاتى تحتك اليوم، كما قال عكرمة، أو من بعد هذا الوقت، أو من بعد نزول الآية، والمعنى واحد، حبسه الله تعالى عليهن، كما حبسهن عليه، وقيل: من بعد اختيارهن لك، إذ خيرن فذلك جزاء لهن وشكر لاختيارهن، فهذا ناسخ لما قبل ذلك من التوسعة فى تزوج النساء، وفى الطلاق وقيل: من بعد التسع، بمعنى أن نصابك من النساء تسع لا أزيد، كما أن نصاب أمتك منهن أربع لا أزيد، وذلك مذهب الجمهور. وفى الترمذى والنسائى، عن عائشة رضى الله عنها: ما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى آله حتى أحل له النساء، ولفظ النسائى: حتى أحل له أن يتزوج من النساء ما شاء، وأما لو متن فعن أبى كعب: يتزوج ولا يعارضه، ولا أن تبدل بهن من أزواج، لأن التبدل يتصور مع وجودهن، بل لو نقصن عن تسع لجاز له اتمام التسع فى قول بعض، وعن أنس: مات على التحريم، وقيل: لا يحل لك الكتابيات بعد المسلمات، ولا تكون المشركة أم المؤمنين، ومات عن عائشة، وحفصة، وأم حبيبة، وسودة وأم سلمة، وصفية، وميمونة، وزينب بنت جحش، وجويرية. {ولا أن تُبدِّل} أصله تتبدل {بهنَّ من أزاوجٍ} بأن تطلق واحدة وتتزوج أخرى بدلها، والحاصل أنه لا يجوز له أن يتزوج زائدة على التسع، ولا أن يطلق واحدة منهن، أو يفارقها بوجه ما، فلو ماتت إحداهن لم يجز له تزوج غيرها، وهكذا ما فوق الواحدة، وكذ1 لو متن جميعا لم يحل له التزوج، وذلك قوله تعالى: {لا يحل لك النساء} بعنى لا يحل لك فى الدنيا إلا هؤلاء، والتبدل عن غير عمد، وعن عمد، وحاصله الإتيان بالبدل، وقيل: التبدل بعمد واختيار، أما لو ماتت واحدة فصاعداً، أو كلهن لحل له إتمام التسع، ولا سيما إن متنَّ، ففى التبديل عمن ماتت إدخال الروع على من لم يمت، وقيل: حرم عليه التبديل، وأما الزيادة عل التسع فجائز، إلا أنه لا يحل له من غير ما ذكر له كالبدويات والغرائب، وقيل: المعنى لا تعطى رجلا زوجك فيعطيك زوجه كالجاهلية. {ولَوْ أعْجَبك حُسْنهنَّ} أى حسن النساء اللاتى نفى الله عز وجل عنهن الحل، والأزواج اللاتى نهى أن يتبدل عن أزواجه اللاتى عنده، وهن النساء اللاتى يعجبه حسنهن: أسماء بنت عميس الخثعمية، امرأة جعفر بن أبى طالب رضى الله عنه، إذ مات وأحبَّ أن يتزوجها، وربما مال قلبه صل الله عليه وسلم بالطبع الى امرأة عيينة بن حصن إذ قال: يا رسول الله إن شئت نزلت لك عن سيدة نساء العرب جمالا ونسبا، وقد رأى عنده عائشة رضى الله عنها، واستحقرها لصغر سنها، إذ كانت صبية، وقيل: لزوم هؤلاء التسع منسوخ، روى أبو داود والترمذى والنسائى وغيرهم عن عائشة: أنه صلى الله عليه وسلم لم يمت حتى أحل الله عز وجل أن يتزوج من النساء ما شاء إلا ذات محرم، والناسخ: "أية : ترجي من تشاء"تفسير : [الأحزاب: 51] إلخ أى عموماً فى الموجودات تحته، والمحدثات على أن قوله: {لا يحل لك النساء} إلخ متقدم نزولا عن ذلك متأخر تلاوة. {إلاَّ ما مَلَكت يمينُكَ} استثناء منقطع، والمستثنى منه هو قوله: النساء، لأنهن بالتزوج، وما ملكت اليمين بالتسرى، ولا يستثنى ما بالتسرى مما بالتزوج، ولو لم يكن عرف فكيف والعرف معين لذلك فى أن النساء هن الحرائر، وأيضا قوله: {ولا أن تبدل بهن من أزواج} كالنص أو نص فى أنهن للتزوج، فالقول بأن الاستثناء متصل، لأن النساء فى أصل اللغة يشمل الحرائر والإماء ضعيف {وكان الله على كلِّ شيءٍ رقيباً} مطلعاً، ومراقبة الشىء سبب للاطلاع، وملزوم له، فعبر بها عن الاطلاع، فاحذروه فإنه لا يخفى عنه ما فعلتم، ولا يفوته عقابكم.

الالوسي

تفسير : {لاَّ يَحِلُّ لَكَ ٱلنّسَاء } بالياء لأن تأنيث الجمع غير حقيقي وقد وقع بفصل أيضاً، والمراد بالنساء الجنس الشامل للواحدة ولم يؤت بمفرد لأنه لا مفرد له من لفظه والمرأة شاملة للجارية وليست بمرادة، واختصاص النساء بالحرائر بحكم العرف، وقرأ البصريان بالتاء الفوقية، وسهل وأبو حاتم يخير فيهما، وأياً ما كان فالمراد يحرم عليك نكاح النساء {مِن بَعْدِ } قيل أي من بعد التسع اللاتي في عصمتك اليوم، أخرج ابن سعد عن عكرمة قال: لما خير رسول الله صلى الله عليه وسلم أزواجه اخترنه فأنزل الله تعالى لا يحل لك النساء من بعد هؤلاء التسع اللاتي / اخترنك أي لقد حرم عليك تزويج غيرهن؛ وأخرج أبو داود في «ناسخه» وابن مردويه والبيهقي في «سننه» عن أنس قال لما خيرهن فاخترن الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم قصره عليهن فقال سبحانه: {لاَّ يَحِلُّ لَكَ ٱلنّسَاء مِن بَعْدُ } وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس أنه قال في الآية حبسه الله تعالى عليهن كما حبسهن عليه عليه الصلاة والسلام، وقدر بعضهم المضاف إليه المحذوف اختياراً أي من بعد اختيارهن الله تعالى ورسوله. وقال الإمام: هو أولى وكأن ذلك لكونه أدل على أن التحريم كان كرامة لهن وشكراً على حسن صنيعهن. وجوز أخر أن يكون التقدير من بعد اليوم وماله تحريم من عدا اللاتي اخترنه عليه الصلاة والسلام. وحكى في «البحر» عن ابن عباس وقتادة قال: لما خيرن فاخترن الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم جازاهن أن حظر عليه النساء غيرهن وتبديلهن ونسح سبحانه بذلك ما أباحه له قبل من التوسعة في جميع النساء، وحكى أيضاً عن مجاهد وابن جبير أن المعنى من بعد إباحة النساء على العموم، وقيل التقدير من بعد التسع على معنى أن هذا العدد مع قطع النظر عن خصوصية المعدود نصابه صلى الله عليه وسلم من الأزواج كما أن الأربع نصاب أمته منهن فالمعنى لا يحل لك الزيادة على التسع. {وَلاَ أَن تَبَدَّلَ } أصله تتبدل فخفف بحذف إحدى التاءين أي ولا يحل لك أن تستبدل {بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ } بأن تطلق واحدة منهن وتنكح بدلها أخرى، ففي الآية حكمان حرمة الزيادة وحرمة الاستبدال، وظاهره أنه يحل له عليه الصلاة والسلام نكاح امرأة أخرى على تقدير أن تموت واحدة من التسع، وإذا كان المراد من الآية تحريم من عدا اللاتي اخترنه عليه الصلاة والسلام أفادت الآية أنه لو ماتت واحدة منهن لم يحل له نكاح أخرى، وكلام ابن عباس السابق ظاهر في ذلك جداً، وكأن قوله تعالى: {وَلاَ أَن تَبَدَّلَ } الخ عليه لدفع توهم أن المحرم ليس إلا أن يرعهن صلى الله عليه وسلم بواحدة من الضرائر. وفي رواية أخرى عن عكرمة أن المعنى لا يحل لك النساء من بعد هؤلاء اللاتي سمى الله تعالى لك في قوله سبحانه: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوٰجَكَ }تفسير : [الأحزاب: 50] الآية فلا يحل له صلى الله عليه وسلم ما وراء الأجناس الأربعة كالأعرابيات والغرائب ويحل له منها ما شاء، وأخرج عبد بن حميد والترمذي وحسنه وغيرهما عن ابن عباس ما هو ظاهر في ذلك حيث قال في الخبر وقال تعالى: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ} تفسير : [الأحزاب: 50] إلى قوله سبحانه: {أية : خَالِصَةً لَّكَ} تفسير : [الأحزاب: 50] وحرم ما سوى ذلك من أصناف النساء، وأخرج عبد الله بن أحمد في «زوائد المسند» وابن جرير وابن المنذر والضياء في «المختارة» وغيرهم عن زياد قال: قلت لأبـي بن كعب رضي الله تعالى عنه أرأيت لو أن أزواج النبـي عليه الصلاة والسلام متن أما يحل له أن يتزوج قال: وما يمنعه من ذلك قلت: قوله تعالى: {لاَّ يَحِلُّ لَكَ ٱلنّسَاء مِن بَعْدُ } فقال: إنما أحل له ضرباً من النساء ووصف له صفة فقال سبحانه {أية : يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوٰجَكَ} تفسير : [الأحزاب: 50] إلى قوله تعالى: {أية : وَٱمْرَأَةً مُّؤْمِنَةً } تفسير : [الأحزاب: 50] الخ ثم قال تبارك وتعالى {لاَّ يَحِلُّ لَكَ ٱلنّسَاء مِن بَعْدُ} هذه الصفة، وعلى هذا القول قال الطيبـي: يكون قوله سبحانه: {وَلاَ أَن تَبَدَّلَ } الخ تأكيداً لما قبله من تحريم غير ما نص عليه من الأجناس الأربعة وكأن ضمير {بهن} للأجناس المذكورة في قوله تعالى: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوٰجَكَ }تفسير : [الأحزاب: 50] الآية والمعنى لا يحل لك أن تترك هذه الأجناس وتعدل عنها إلى أجناس غيرها. وقال شيخ الإسلام أبو السعود عليه الرحمة بعد ما حكى القول المذكور يأباه قوله تعالى: {وَلاَ أَن تَبَدَّلَ بِهِنَّ } الخ فإن معنى إحلال الأجناس المذكورة إحلال / نكاحهن فيكون التبدل بهن إحلال نكاح غيرهن بدل إحلال نكاحهن وذلك إنما يتصور بالنسخ الذي هو ليس من الوظائف البشرية انتهى فتأمل ولا تغفل، وقيل: {وَلاَ أَن تَبَدَّلَ } من البدل الذي كان في الجاهلية كان يقول الرجل للرجل بادلني بامرأتك وأبادلك بامرأتي فينزل كل واحد منهما عن امرأته للآخر، وروي نحوه عن ابن زيد وأنكر هذا القول الطبري وغيره في معنى الآية وقالوا ما فعلت العرب ذاك قط، وما روي من حديث عيينة بن حصن أنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم حين دخل عليه بغير استئذان وعنده عائشة: من هذه الحميراء؟ فقال: عائشة فقال عيينة: يا رسول الله إن شئت نزلت لك عن سيدة نساء العرب جمالاً ونسباً فليس بتبديل ولا أراد ذلك وإنما احتقر عائشة رضي الله تعالى عنها لأنها كانت إذ ذاك صبية، و(من) مزيد لتأكيد الاستغراق فيشمل النهي تبدل الكل والبعض. وقوله تعالى: {وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ } في موضع الحال فاعل {تبدل} والتقدير مفروضاً إعجابك بهن، وحاصله ولا تبدل بهن من أزواج على كل حال، وظاهر كلام بعضهم أنه لا يجوز أن يكون حالاً من مفعوله أعني أزواجاً وعلل ذلك بتوغله في التنكير. وتعقب بأنه مخالف لكلام النحاة فإنهم جوزوا الحال من النكرة إذا وقعت منفية لأنها تستغرق حينئذٍ فيزول إبهامها كما صرح به الرضي. وقيل إن التنكير مانع من الحالية هٰهنا لأن الحال تقاس بالصفة والواو مانعة من الوصفية فتمنع من الحالية ومنع لزوم القياس مع أن الزمخشري وغيره جوزوا دخول الواو على الصفة لتأكيد لصوقها، وقيل في عدم جواز ذلك إن ذا الحال إذا كان نكرة يجب تقديمها ولم تقدم هٰهنا. وتعقب بأن ذلك غير مسلم في الجملة المقرونة بالواو لكونه بصورة العاطف. واستظهر صاحب «الكشف» الجواز وذكر أن المعنى في الحالين لا يتفاوت كثير تفاوت لأنه إذا تقيد الفعل لزم تقيد متعلقاته وإنما الاختلاف في الأصالة والتبعية، وضمير {حسنهن} للأزواج والمراد بهن من يفرضن بدلاً من أزواجه اللاتي في عصمته عليه الصلاة والسلام فتسميتهن أزواجاً باعتبار ما يعرض مآلاً وهذا بناءً على أن باء البدل في (بهن) داخلة على المتروك دون المأخوذ فلو اعتبرت داخلة على المأخوذ كان الضمير للنساء لا للأزواج، وممن أعجبه صلى الله عليه وسلم حسنهن على ما قيل أسماء بنت عميس الخثعمية امرأة جعفر بن أبـي طالب بعد وفاته رضي الله تعالى عنه، وفي قوله سبحانه: {وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ } على ما نقل عن ابن عطية دليل على جواز أن ينظر الرجل إلى من يريد زواجها وفي الأخبار أدلة على ذلك وتفصيل الأقوال فيه في كتب الفروع. واختلف في أن الآية الدالة على عدم حل النساء له صلى الله عليه وسلم هل هي محكمة أم لا؟ فعن أبـي بن كعب وجماعة منهم الحسن وابن سيرين واختاره الطبري واستظهره أبو حيان أنها محكمة وعن علي كرم الله تعالى وجهه وابن عباس وأم سلمة رضي الله تعالى عنهما والضحاك عليه الرحمة أنها منسوخة وروي ذلك عن عائشة رضي الله تعالى عنها. أخرج أبو داود في «ناسخه» والترمذي وصححه والنسائي والحاكم وصححه أيضاً وابن المنذر وغيرهم عنها قالت: لم يمت رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أحل الله تعالى له أن يتزوج من النساء ما شاء إلا ذات محرم لقوله سبحانه: {أية : تُرْجِى مَن تَشَاء مِنْهُنَّ وَتُؤْوِى إِلَيْكَ مَن تَشَاء }تفسير : [الأحزاب: 51] وهذا ظاهر في أن الناسخ قوله تعالى: {تُرْجِى } الخ وهو مبني على أن المعنى تطلق من تشاء وتمسك من تشاء، ووجه النسخ به على هذا التفسير أنه يدل بعمومه على أنه أبيح له صلى الله عليه وسلم الطلاق والإمساك لكل من يريد فيدل على أن له تطليق منكوحاته ونكاح من يريد من غيرهن إذ / ليس المراد بالإمساك إمساك من سبق نكاحه فقط لعموم (من تشاء) وقوله سبحانه: {تؤوي} ليس مقيداً بمنهن كذا قال الخفاجي، وفي القلب منه شيء ولا بد على القول بأن النسخ بذلك من القول بتأخر نزوله عن نزول الآية المنسوخة إذ لا يمكن النسخ مع التقدم وهو ظاهر ولا يعكر التقدم في المصحف لأن ترتيبه ليس على حسب النزول. وقال بعضهم: إن الناسخ السنة ويغلب على الظن أنها كانت فعله عليه الصلاة والسلام. أخرج ابن أبـي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبـي حاتم عن عبد الله بن شداد أنه قال في قوله تعالى: {وَلاَ أَن تَبَدَّلَ} الخ ذلك لو طلقهن لم يحل له أن يستبدل وقد كان ينكح بعدما نزلت هذه الآية ما شاء ونزلت وتحته تسع نسوة ثم تزوج بعد أم حبيبة بنت أبـي سفيان وجويرية بنت الحرث رضي الله تعالى عنهما، والظاهر على القول بأن الآية نزلت كرامة للمختارات وتطييباً لخواطرهن وشكراً لحسن صنيعهن عدم النسخ والله تعالى أعلم. وقوله: {إِلاَّ مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ } استثناء من (النساء) متصل بناءً على أصل اللغة لتناوله عليه الحرائر والإماء ومنقطع بناءً على العرف لاختصاصه فيه بالحرائر {ولا أن تبدل بهن من أزواج} كالصريح فيه. وقال ابن عطية: إن ما إن كانت موصولة واقعة على الجنس فهو استثناء من الجنس مختار فيه الرفع على البدل من (النساء) ويجوز النصب على الاستثناء وإن كانت مصدرية فهي في موضع نصب لأنه استثناء من غير الجنس الأول انتهى، وليس بجيد لأنه قال والتقدير إلا ملك اليمين وملك بمعنى مملوك فإذا كان بمعنى مملوك لم يصح الجزم بأنه ليس من الجنس وأيضاً لا يتحتم النصب وإن فرضنا أنه من غير الجنس حقيقة بل أهل الحجاز ينصبون وبنو تميم يبدلون وأياً ما كان فالظاهر حل المملوكة له صلى الله عليه وسلم سواء كانت مما أفاء الله تعالى عليه أم لا. {وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلّ شَىْء رَّقِيباً } أي راقباً أو مراقباً والمراد كان حافظاً ومطلعاً على كل شيء فاحذروا تجاوز حدوده سبحانه وتخطي حلاله إلى حرامه عز وجل.

ابن عاشور

تفسير : موقع هذه الآية في المصحف عقب التي قبلها يدل على أنها كذلك نزلت وأن الكلام متصل بعضه ببعض ومنتظم هذا النظم البديع، على أن حذف ما أضيفت إليه {بعدُ} ينادي على أنه حذْفُ معلوم دل عليه الكلام السابق فتأخّرها في النزول عن الآيات التي قبلها وكونها متصلة بها وتتمة لها مما لا ينبغي أن يُتردد فيه، فتقدير المضاف إليه المحذوف لا يخلو: إمّا أن يؤخذ من ذكر الأصناف قبله، أي من بعد الأصناف المذكورة بقوله: {أية : إنا أحللنا لك أزواجك}تفسير : [الأحزاب: 50] الخ. وإمّا أن يكون مما يقتضيه الكلام من الزمان، أي من بعد هذا الوقت، والأول الراجح. و{بعد} يجوز أن يكون بمعنى (غير) كقوله تعالى: {أية : فمن يهديه من بعد الله}تفسير : [الجاثية: 23] وهو استعمال كثير في اللغة، وعليه فلا ناسخ لهذه الآية من القرآن ولا هي ناسخة لغيرها، ومما يؤيد هذا المعنى التعبير بلفظ الأزواج في قوله: {ولا أن تبدل بهن من أزواج} أي غيرهن، وعلى هذا المحمل حمل الآية ابن عباس فقد روى الترمذي عنه قال: «نُهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أصناف النساء إلا ما كان من المؤمنات المهاجرات» فقال: {لا يحل لك النساء من بعد ولا أن تبدل بهن من أزواج ولو أعجبك حسنهن إلا ما ملكت يمينك} فأحل الله المملوكات المؤمنات {أية : وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي}تفسير : [الأحزاب: 50]. ومثل هذا مروي عن أُبَيّ بن كعب وعكرمة والضحاك. ويجوز أن يكون {بعدُ} مراداً به الشيء المتأخر عن غيره وذلك حقيقة معنى البعدية فيَتعينُ تقدير لفظ يدل على شيء سابق. وبناء {بعدُ} على الضم يقتضي تقدير مضاف إليه محذوففٍ يدل عليه الكلام السابق على ما درج عليه ابن مالك في الخلاصة وحققه ابن هشام في «شرحه على قطر الندى»، فيجوز أن يكون التقدير: من بعدِ مَن ذكرن على الوجهين في معنى البعدية فيقدر: من غير مَن ذكرن، أو يقدر من بعدِ من ذُكرن، فتنشأ احتمالات أن يكون المراد أصناف من ذكرن أو أعداد من ذُكرن (وكن تسعاً)، أو مَن اخترتهن. ويجوز أن يقدر المضاف إليه وقتاً، أي بعد اليوم أو الساعة، أي الوقت الذي نزلت فيه الآية فيكون نسخاً لقوله: {أية : إنا أحللنا لك أزواجك}تفسير : إلى قوله: {أية : خالصة لك}تفسير : [الأحزاب: 50]. وأما ما رواه الترمذي عن عائشة أنها قالت: «ما مات رسول الله حتى أحل الله له النساء». وقال حديث حسن. (وهو مقتض أن هذه الآية منسوخة) فهو يقتضي أن ناسخها من السنة لا من القرآن لأن قولها: ما مات، يؤذن بأن ذلك كان آخر حياته فلا تكون هذه الآية التي نزلت مع سورتها قبل وفاته صلى الله عليه وسلم. بخمس سنين ناسخة للإِباحة التي عنتها عائشة ولذلك فالإِباحة إباحة تكريم لرسول الله صلى الله عليه وسلم وروى الطحاوي مثل حديث عائشة عن أمّ سلمة. و{النساء} إذا أطلق في مثل هذا المقام غلب في معنى الأزواج، أي الحرائر دون الإماء كما قال النابغة:شعر : حذارا على أن لا تُنال مقادتي ولا نِسوتي حتى يَمُتْنَ حرائرا تفسير : أي لا تحل لك الأزواج من بعد مَنْ ذُكِرْن. وقوله: {ولا أن تبدل بهن} أصله: تتبدل بتاءين حذفت إحداهما تخفيفاً، يقال: بَدَّل وتبدَّل بمعنى واحد، ومادة البدل تقتضي شيئين: يعطي أحدهما عوضاً عن أخذ الآخر، فالتبديل يتعدى إلى الشيء المأخوذ بنفسه وإلى الشيء المعطَى بالباء أو بحرف {مِن}، وتقدم عند قوله تعالى: {أية : ومن يتبدل الكفر بالإيمان فقد ضل سواء السبيل} تفسير : في سورة البقرة (108). والمعنى: أن من حصلتْ في عصمتك من الأصناف المذكورة لا يحلّ لك أن تطلقها، فكنى بالتبدل عن الطلاق لأنه لازمه في العرف الغالب لأن المرءَ لا يطلق إلا وهو يعتاض عن المطلقة امرأة أخرى، وهذه الكناية متعينة هنا لأنه لو أريد صريح التبدل لخالف آخرُ الآية أولَها وسابقتها، فإن الرسول صلى الله عليه وسلم أحلت له الزيادة على النساء اللاتي عنده إذا كانت المزيدة من الأصناف الثلاثة السابقة وحرم عليه ما عداهن، فإذا كانت المستبدَلَة إحدى نساء من الأصناف الثلاثة لم يستقم أن يحرَّم عليه استبدال واحدة منهن بعينها لأن تحريم ذلك ينافي إباحة الأصناف ولا قائل بالنسخ في الآيتين، وإذا كانت المستبدلة من غير الأصناف الثلاثة كان تحريمها عاماً في سائر الأحوال فلا محصول لتحريمها في خصوص حال إبدالها بغيرها فتمحض أن يكون الاستبدال مكنّى به عن الطلاق وملاحظاً فيه نية الاستبدال. فالمعنى: أن الرسول أبيحت له الزيادة على النساء اللاتي حصلْن في عصمته أو يحصلن من الأصناف الثلاثة ولم يبح له تعويض قديمة بحادثة. والمعنى: ولا أن تطلق امرأة منهن تريد بطلاقها أن تتبدل بها زوجاً أخرى. وضمير {بهن} عائد إلى ما أضيف إليه {بعد} المقدَّر وهن الأصناف الثلاثة. والمعنى: ولا أن تبدل بامرأة حصلت في عصمتك أو ستحصل امرأة غيرها. فالباء داخلة على المفارقة. و{مِن} مزيدة على المفعول الثاني لـــ{تبدل} لقصد إفادة العموم. والتقدير: ولا أن تبَدَّل بهن أزواجاً أُخرَ، فاختص هذا الحكم بالأزواج من الأصناف الثلاثة وبقيت السراري خارجة بقوله: {إلا ما ملكت يمينك}. وأما التي تهَب نفسَها فهي إن أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن ينكحها فقد انتظمت في سلك الأزواج، فشملها حكمهن، وإن لم يرد أن ينكحها فقد بقيت أجنبية لا تدخل في تلك الأصناف. وقرأ الجمهور {لا يحل} بياء تحتية على اعتبار التذكير لأن فاعله جمع غيرُ صحيح فيجوز فيه اعتبار الأصل. وقرأه أبو عمرو ويعقوب بفوقية على اعتبار التأنيث بتأويل الجماعة وهما وجهان في الجمع غير السالم. وجملة {ولو أعجبك حسنهن} في موضع الحال والواو واوه، وهي حال من ضمير {تبدل}. و{لو} للشرط المقطوع بانتفائه وهي للفرض والتقدير وتسمى وصلية، فتدل على انتفاء ما هو دون المشروط بالأوْلى، وقد تقدم في قوله تعالى: {أية : ولو افتدى به}تفسير : في آل عمران (91). والمعنى: لا يحلّ لك النساء من بعدُ بزيادة على نسائك وبتعويض إحداهن بجديدة في كل حالة حتى في حالة إعجاب حسنهن إياك. وفي هذا إيذان بأن الله لما أباح لرسوله الأصناف الثلاثة أراد اللطف له وأن لا يناكد رغبته إذا أعجبته امرأة لكنه حدّد له أصنافاً معينة وفيهن غناء. وقد عبرت عن هذا المعنى عائشة رضي الله عنها بعبارة شيقة، إذ قالت للنبي صلى الله عليه وسلم: ما أرى ربَّك إلا يُسارِع في هواك. وأُكدت هذه المبالغة بالتذييل من قوله: {وكان الله على كل شيء رقيباً} أي عالماً بِجَرْي كلِ شيء على نحو ما حدّده أو على خلافه، فهو يجازي على حسب ذلك. وهذا وعد للنبي صلى الله عليه وسلم بثواب عظيم على ما حدد له من هذا الحكم. والاستثناء في قوله: {إلا ما ملكت يمينك} منقطع. والمعنى: لكن ما ملكت يمينك حلالٌ في كل حال. والمقصود من هذا الاستدراك دفع توهم أن يكون المراد من لفظ {النساء} في قوله: {لا يحل لك النساء} ما يرادف لفظ الإِناث دون استعماله العرفي بمعنى الأزواج كما تقدم.

د. أسعد حومد

تفسير : {أَزْوَاجٍ} (52) - هذِهِ الآيةُ نَزَلَتْ مُكَافَأَةً لِنِسَاءِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم عَلَى حُسْنِ صَنِيعِهِنّ في اخْتِيارِهِنَّ اللهَ وَرَسُولَهُ والدَّارَ الآخِرَةَ حِينَما خَيَّرَهُنَّ الرَّسُولُ. فَلَمَّا اخْتَرْنَ الله وَرَسُولَهُ كَانَ جَزَاؤُهُنَّ أَنَّ اللهَ تَعَالى قَصَرَهُ عَلَيْهِنَّ، وَحَرَّمَ عَلَيهِ أَنْ يَتَزَوَّجَ بِغَيْرِهِنَّ، أَوْ أَنْ يَسْتَبْدِلْ بِهِنَّ أَزْوَاجاً غَيْرَهُنَّ بِأَنْ يُطلِّقَ وَاحِدَةً مِنْهُنَّ وَيَتَزَوَّجَ غَيرَها، إِلاَ مَا مَلَكَتْ يِمِينُهُ. وَقَدْ مَلَكَتْ يَمِينُهُ بَعْدَ ذَلِكَ مَارِيَّةَ القِبطِيَّةَ فَتَسَرّاهَا وَأَولَدَها إِبراهِيمَ وَمَاتَ رَضِيعاً. وَكَانَ اللهُ حَافِظاً، وَمُطَّلِعاً عَلَى كُلِّ شَيءٍ، عَلِيماً بالسِّرِّ والنَّجْوَى، فَاحْذَرُوا تَجَاوُزَ حُدُودِهِ، وَتَخَطَّيَ حَلاَلِهِ إِلى حَرَامِهِ. (وَقِيلَ إِنَّ مَعْنَى -لاَ يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ) هُوَ مِنْ بَعدِ مَا ذَكَرْنا مِنْ صِفَةِ النِّسَاءِ اللاَتِي أَحْلَلْنا لَكَ مِنْ نِسَائِكَ اللاتي آتيتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ وَبناتِ الأَعْمَامِ والعَمَّاتِ وَبَنَاتِ الأَخْوَالِ والخَالاَتِ، وَالوَاهِبَاتِ أَنْفُسَهُنَّ. أَمَّا مَا سِوَى ذلِكَ مِنْ أَصْنافِ النِّسَاءِ فَلاَ يَحِلُّ لَكَ). رَقِيباً - حَفِيظاً وَمُطَّلِعاً.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : سبق أن تناولنا تفسير هذه الآية في إطار سياق الآيات السابقة، ونلخصها هنا في أن الحق سبحانه بدأ رسوله أولاً بأن أحلَّ له في قوله: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ إِنَّآ أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ ..} تفسير : [الأحزاب: 50] ثم قيد هذا التحليل هنا، فقال: {لاَّ يَحِلُّ لَكَ ٱلنِّسَآءُ مِن بَعْدُ وَلاَ أَن تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ ..} [الأحزاب: 52]. فالحق سبحانه يأتي بالمخفَّف في أشياء، ثم يأتي بالمثقّل؛ ليعلم القوم أن الله تعالى بدأ رسوله بالعطف والرحمة والحنان، ويُبيِّن فضله عليه، كما قال له سبحانه {أية : عَفَا ٱللَّهُ عَنكَ ..} تفسير : [التوبة: 43] قبل أنْ يعاتبه بقوله: {أية : لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ ..} تفسير : [التوبة: 43]. وهذه الآية {لاَّ يَحِلُّ لَكَ ٱلنِّسَآءُ مِن بَعْدُ وَلاَ أَن تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ ..} [الأحزاب: 52] توضح أنّ ما شُرِع لرسول الله في مسألة تعدُّد الزوجات غير ما شُرِع لأمته، فرسول الله استثناه الله تعالى في المعدود لا في العدد، والفرق بين الاستثناء في العدد والاستثناء في المعدود أن العدد يُدَار في أشياء متعددة، فلو أنه أباح له عدد تسع ثم تُوفِّين لَكَان له أن يتزوج بتسع أُخَر، وإنْ ماتت واحدة منهن له أن يتزوج بواحدة بدلاً منها. لكن الاستثناء لم يكُنْ لرسول الله في العدد كأمته، إنما في المعدود، بحيث يقتصر على هؤلاء بخصوصهن، والحكمة في ذلك أن التي يفارقها زوجها من عامة نساء المؤمنين لها أنْ تتزوج بغيره، على خلاف زوجات رسول الله، فإنهن أمهات للمؤمنين، فلا يحل لهُنَّ الزواج بعد رسول الله. ثم أوضحنا أن مسألة مِلْك اليمين ليستْ سُبَّة في جبين الإسلام، إنما هي ميزة من ميزاته، فالله مَلَك الرقبة ليحميها من القتل، والمقارنة هنا ليستْ بين رق وحرية، إنما بين رق وقتل كما أوضحنا، والذي يتأمل حال المملوك أو المملوكة في ظل الإسلام لا يسعه إلا الاعتراف بحكمة الشرع في هذه المسألة. ثم يقول الحق سبحانه: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ...}.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {رَّقِيباً} معناه حَفيظٌ.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : ثم أخبر عن جبر قلوب أرباب الحجرات بتحريم المحللات بقوله تعالى: {لاَّ يَحِلُّ لَكَ ٱلنِّسَآءُ مِن بَعْدُ} [الأحزاب: 52] الإشارة فيها ما يتعلق بتربية نفس النبي صلى الله عليه وسلم وذلك أن الله تعالى وسع الأمر عليه في باب النكاح حظيت نفسه بشرب من مشاربها موجب لانحراف مزاجها كمن أكل طعاماً حلواً حاراً صفراوياً فيحتاج إلى غذاء حامض بارد دافع للصفراء حفظا للصحة، فالله تعالى من كمال عنايته في حق حبيبه غذاه بحامض. {لاَّ يَحِلُّ لَكَ ٱلنِّسَآءُ مِن بَعْدُ وَلاَ أَن تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ} [الأحزاب: 52] لأن حلاوته تزيد في الحرارة التي يتولد منها عين القلوب لتسكين الحرارة ورفع الصفراء ولاعتدال المزاج القلبي والنفسي. ومنها: ما يتعلق بتربية نفوس أزواجه، وذلك أن الله تعالى لما ضيق الأمر عليهن في باب الصبر على ما أحله للنبي صلى الله عليه وسلم وتوسع أمر النكاح عليه وخيره في الإرجاء والإيواء إليه كان أحمض في مذاقهن وأبرد شيء لمزاج قلوبهن فغذاهن بحلاوة {لاَّ يَحِلُّ لَكَ ٱلنِّسَآءُ} من العدم وسكن بها برودة مزاج قلوبهن حفظاً لسلامة قلوبهن وجبراً لانكسارها. ومنها: ما يتعلق بمواعظ نفوس رجال الأمة ونسائها ليتعظوا بأحوال النبي صلى الله عليه وسلم وأحوال أزواجه وأمته {إِلاَّ مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ رَّقِيباً} [الأحزاب: 52] يراقب مصالحهم. وبقوله: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتَ ٱلنَّبِيِّ إِلاَّ أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَىٰ طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ} [الأحزاب: 53] يشير إلى حفظ الأدب في الاستئذان ومراعاة الوقت وإيجاب الاحترام، فإذا أذن لكم فادخلوا على وجه الأدب وحفظ أحكام تلك الحضرة، وإذا انتهت حوائجكم فاخرجوا ولا يتغافلوا عنكم ولا يمنعكم حسن خلقه من حفظ الأدب، ولا يحملنكم فرط احتشامه على الإبرام عليه {فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَٱنْتَشِرُواْ وَلاَ مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ} [الأحزاب: 53] وحسن خلقه صلى الله عليه وسلم جرّهم على المباسطة الموجبة أن أنزل الله هذه الآية. وبقوله: {وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فَٱسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَآءِ حِجَابٍ ذٰلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ} [الأحزاب: 53] يشير إلى أن البشر بشر وإن كانوا من الصحابة وأن النساء نساء، وإن كن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم فلا يأمن أحد على نفسه من الرجال والنساء ولهذا شدد الأمر في الشريعة بأن لا يخلو رجل بامرأة ليس بينهما محرمية {وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تؤْذُواْ رَسُولَ ٱللَّهِ وَلاَ أَن تَنكِحُوۤاْ أَزْوَاجَهُ مِن بَعْدِهِ أَبَداً} [الأحزاب: 53] هذا يعظم أمره صلى الله عليه وسلم في قلوب المؤمنين ووقاره ليعظمونه ويوقرونه في جميع الأحوال وفي حال حياته وبعد وفاته بقدر ازدياد تعظيمه وتوقيره في القلوب يزداد نور الإيمان فيها ولكم للمريدين مع الشيوخ في رعاية هذه الآداب أسوة حسنة لأن الشيخ في قومه كالنبي في أمته {إِنَّ ذٰلِكُمْ} [الأحزاب: 53] أي: ملاحظة شيء من هذا {كَانَ عِندَ ٱللَّهِ عَظِيماً} [الأحزاب: 53] أي: ذنباً عظيماً يشير بهذه العظمة إلى عظمته صلى الله عليه وسلم عند الله وكمال عزته في تلك الحضرة {إِن تُبْدُواْ شَيْئاً} [الأحزاب: 54] من ترك الأدب وحفظ الحرمة وتعظيم شأنه صلى الله عليه وسلم: {أَوْ تُخْفُوهُ} [الأحزاب: 54] في أنفسكم {فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ} [الأحزاب: 54] تعملونه في السر والعلانية وبمقدار جزائه من الحسنة والسيئة {عَلِيماً}.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : وهذا شكر من اللّه، الذي لم يزل شكورًا، لزوجات رسوله، رضي اللّه عنهن، حيث اخترن اللّه ورسوله، والدار الآخرة، أن رحمهن، وقصر رسوله عليهن فقال: { لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ } زوجاتك الموجودات { وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ } أي: ولا تطلق بعضهن، فتأخذ بدلها. فحصل بهذا، أمنهن من الضرائر، ومن الطلاق، لأن اللّه قضى أنهن زوجاته في الدنيا والآخرة، لا يكون بينه وبينهن فرقة. { وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ } أي: حسن غيرهن، فلا يحللن لك { إِلا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ } أي: السراري، فذلك جائز لك، لأن المملوكات، في كراهة الزوجات، لسن بمنزلة الزوجات، في الإضرار للزوجات. { وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا } أي: مراقبًا للأمور، وعالمًا بما إليه تؤول، وقائمًا بتدبيرها على أكمل نظام، وأحسن إحكام.

النسائي

تفسير : قوله تعالى: {لاَّ يَحِلُّ لَكَ ٱلنِّسَآءُ مِن بَعْدُ} [52] 435 - أنا مُحَمَّدُ بنُ عبدِ اللهِ، أنا أبُو هِشَامٍ، نا وُهَيْبٌ، قال نا ابنُ جُريجٍ، عن عطاءٍ، عن عُبيدِ بنِ عُمَيْرٍ، عن عائِشَةَ، قالتْ: ما تُوُفِيَّ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم حَتَّى أحَلَّ اللهُ لَهُ أنْ يَتَزَوَّجَ [مِنَ] النِّسَاءِ مَا شَاءَ.

همام الصنعاني

تفسير : 2365- حدّثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن الحسن، في قوله تعالى: {لاَّ يَحِلُّ لَكَ ٱلنِّسَآءُ}: [الآية: 52]، من بعد هؤلاء اللاتي عندك. قال الحسن: لَمَّا خَيَّرَهُنَّ، فَاخْتَرْنَ الله ورسوله، قُصِرَ عليهن، فقال: {لاَّ يَحِلُّ لَكَ ٱلنِّسَآءُ مِن بَعْدُ}: [الآية: 52]، يقول: من بعد هؤلاء اللاتي عندك. 2366- حدّثنا عبد الرزاق، عن معمر، وقال الزهري، قُبِضَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم وما نعلمه يتزوج النساء. 2367- حدّثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن الكلبي، قال: {لاَّ يَحِلُّ لَكَ ٱلنِّسَآءُ مِن بَعْدُ} يقول: ما قَصَّ اللهُ عليك من بنات العم، وبنات الخال، وبنات وبنات.