٣٣ - ٱلْأَحْزَاب
33 - Al-Ahzab (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
51
Tafseer
الرازي
تفسير : ثم قال تعالى: {تُرْجِى مَن تَشَاء مِنْهُنَّ وَتُؤْوِى إِلَيْكَ مَن تَشَاء وَمَنِ ٱبْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكَ }. لما بين أنه أحل له ما ذكرنا من الأزواج بين أنه أحل له وجوه المعاشرة بهن حتى يجتمع كيف يشاء ولا يجب عليه القسم، وذلك لأن النبـي عليه السلام بالنسبة إلى أمته نسبة السيد المطاع والرجل وإن لم يكن نبياً فالزوجة في ملك نكاحه والنكاح عليها رق، فكيف زوجات النبـي عليه السلام بالنسبة إليه، فإذن هن كالمملوكات له ولا يجب القسم بين المملوكات، والإرجاء التأخير والإيواء الضم {وَمَنِ ٱبْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ } يعني إذا طلبت من كنت تركتها فلا جناح عليك في شيء من ذلك ومن قال بأن القسم كان واجباً مع أنه ضعيف بالنسبة إلى المفهوم من الآية قال المراد: {تُرْجِى مَن تَشَاء } أي تؤخرهن إذا شئت إذ لا يجب القسم في الأول وللزوج أن لا ينام عند أحد منهن، وإن ابتغيت ممن عزلت فلا جناح عليك فابدأ بمن شئت وتمم الدور والأول أقوى. ثم قال تعالى: {ذَلِكَ أَدْنَىٰ أَن تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلاَ يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِمَا ءاتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ }. يعني إذا لم يجب عليك القسم وأنت لا تترك القسم {تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ } لتسويتك بينهن {ولا يحزن} بخلاف ما لو وجب عليك ذلك، فليلة تكون عند إحداهن تقول ما جاءني لهوى قلبه إنما جاءني لأمر الله وإيجابه عليه {وَيَرْضَيْنَ بِمَا ءاتَيْتَهُنَّ } من الإرجاء والإيواء إذ ليس لهن عليك شيء حتى لا يرضين. ثم قال تعالى: {وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِى قلُوبِكُمْ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيماً حَلِيماً }. أي إن أضمرن خلاف ما أظهرن فالله يعلم ضمائر القلوب فإنه عليم، فإن لم يعاتبهن في الحال فلا يغتررن فإنه حليم لا يعجل.
القرطبي
تفسير : فيه إحدى عشرة مسألة: الأولى: قوله تعالى: {تُرْجِي مَن تَشَآءُ} قرىء مهموزاً وغير مهموز، وهما لغتان، يقال: أرجيت الأمر وأرجأته إذا أخرته. {وَتُؤْوِيۤ} تَضُمّ، يقال: آوى إليه (ممدودة الألف) ضمّ إليه. وأوى (مقصورة الألف) انضمّ إليه. الثانية: واختلف العلماء في تأويل هذه الآية، وأصح ما قيل فيها. التوسعة على النبيّ صلى الله عليه وسلم في ترك القَسْم، فكان لا يجب عليه القَسْم بين زوجاته. وهذا القول هو الذي يناسب ما مضى، وهو الذي ثبت معناه في الصحيح عن عائشة رضي الله عنها؛ قالت: كنت أغار على اللائي وهبن أنفُسَهُن لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأقول: أوتهب المرأة نفسها لرجل؟ فلما أنزل الله عز وجل: {تُرْجِي مَن تَشَآءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِيۤ إِلَيْكَ مَن تَشَآءُ وَمَنِ ٱبْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ} قالت: قلت والله ما أرى ربك إلا يسارع في هواك. قال ابن العربيّ: هذا الذي ثبت في الصحيح هو الذي ينبغي أن يعوّل عليه. والمعنى المراد: هو أن النبيّ صلى الله عليه وسلم كان مخيَّراً في أزواجه، إن شاء أن يَقْسِم قَسَم، وإن شاء أن يترك القَسم ترك. فخص النبيّ صلى الله عليه وسلم بأن جعل الأمر إليه فيه؛ لكنه كان يقسم من قِبل نفسه دون أن فرض ذلك عليه، تطييباً لنفوسهنّ، وصوناً لهنّ عن أقوال الغَيْرة التي تؤدي إلى ما لا ينبغي. وقيل: كان القَسْم واجباً على النبي صلى الله عليه وسلم ثم نسخ الوجوب عنه بهذا الآية. قال أبو رَزين: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد همّ بطلاق بعض نسائه فقلن له: اقسم لنا ما شئت. فكان ممن آوى عائشة وحفصة وأم سلمة وزينب، فكان قسمتهنّ من نفسه وماله سواء بينهنّ. وكان ممن أرجى سودة وجُوَيْرِية وأم حبيبة وميمونة وصفية؛ فكان يقسم لهنّ ما شاء. وقيل: المراد الواهبات. روى هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة في قوله: «تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ» قالت: هذا في الواهبات أنفسهنّ. قال الشعبيّ: هنّ الواهبات أنفسهنّ؛ تزوّج رسول الله صلى الله عليه وسلم منهنّ وترك منهنّ. وقال الزُّهْري: ما علمنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أرجأ أحداً من أزواجه، بل آواهن كلهن. وقال ابن عباس وغيره: المعنى في طلاق من شاء ممن حصل في عصمته، وإمساك من شاء. وقيل غير هذا. وعلى كلّ معنًى فالآية معناها التوسعة على رسول الله صلى الله عليه وسلم والإباحة. وما اخترناه أصح والله أعلم. الثالثة: ذهب هبة الله في الناسخ والمنسوخ إلى أن قوله: {تُرْجِي مَن تَشَآءُ} الآية، ناسخ لقوله: {أية : لاَّ يَحِلُّ لَكَ ٱلنِّسَآءُ مِن بَعْدُ}تفسير : [الأحزاب: 52] الآية. وقال: ليس في كتاب الله ناسخ تقدّم المنسوخَ سوى هذا. وكلامه يضعف من جهات. وفي «البقرة» عدّة المتوفى عنها أربعة أشهر وعشر، وهو ناسخ للحول وقد تقدّم عليه. الرابعة: قوله تعالى: {وَمَنِ ٱبْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ} «ابْتَغَيْت» طلبت؛ والابتغاء الطلب. و«عَزَلْت» أزلت؛ والعزلة الإزالة، أي إن أردت أن تؤوي إليك امرأة ممن عزلتهن من القسمة وتضمّها إليك فلا بأس عليك في ذلك. وكذلك حكم الإرجاء، فدلّ أحد الطرفين على الثاني. الخامسة: قوله تعالى: {فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكَ} أي لا ميل، يقال: جنحت السفينة أي مالت إلى الأرض. أي لا ميل عليك باللوم والتوبيخ. السادسة: قوله تعالى: {ذَلِكَ أَدْنَىٰ أَن تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ} قال قتادة وغيره: أي ذلك التخيير الذي خيّرناك في صحبتهن أدنى إلى رضاهن إذ كان من عندنا؛ لأنهن إذا علمن أن الفعل من الله قرّت أعينهن بذلك ورضين؛ لأن المرء إذا علم أنه لا حق له في شيء كان راضياً بما أوتي منه وإن قلّ. وإن علم أن له حقًّا لم يقنعه ما أوتي منه، واشتدت غَيْرته عليه وعَظُمَ حرصه فيه. فكان ما فعل الله لرسوله من تفويض الأمر إليه في أحوال أزواجه أقرب إلى رضاهن معه، وإلى استقرار أعينهن بما يسمح به لهن، دون أن تتعلق قلوبهن بأكثر منه. وقرىء: «تُقِرّ أعينَهن» بضم التاء ونصب الأعين. «وتُقَرّ أعينُهن» على البناء للمفعول. وكان عليه السلام مع هذا يشدد على نفسه في رعاية التسوية بينهن، تطييباً لقلوبهن ـ كما قدّمناه ـ ويقول: «حديث : اللهم هذه قدرتي فيما أملك فلا تلمني فيما تملك ولا أملك»تفسير : يعني قلبه؛ لإيثاره عائشة رضي الله عنها دون أن يكون يظهر ذلك في شيء من فعله. وكان في مرضه الذي توفي فيه يطاف به محمولاً على بيوت أزواجه، إلى أن استأذنهن أن يقيم في بيت عائشة. قالت عائشة:حديث : أوّل ما اشتكى رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيت ميمونة، فاستأذن أزواجه أن يمرّض في بيتها ـ يعني بيت عائشة ـ فأذِنّ له...تفسير : الحديث، خرجه الصحيح. وفي الصحيح أيضاً حديث : عن عائشة رضي الله عنها قالت: إن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليتفقد، يقول: «أين أنا اليوم أين أنا غداً» استبطاء ليوم عائشة رضي الله عنها. قالت: فلما كان يومي قبضه الله تعالى بين سَحْري ونَحْري؛ صلى الله عليه وسلم.تفسير : السابعة: على الرجل أن يعدِل بين نسائه لكل واحدة منهن يوماً وليلة؛ هذا قول عامة العلماء. وذهب بعضهم إلى وجوب ذلك في الليل دون النهار. ولا يُسقِط حقّ الزوجة مرضُها ولا حَيضُها، ويلزمه المقام عندها في يومها وليلتها. وعليه أن يعدل بينهن في مرضه كما يفعل في صحته؛ إلا أن يَعْجِز عن الحركة فيقيم حيث غلب عليه المرض، فإذا صحَّ استأنف القَسم. والإماء والحرائر والكتابيات والمسلمات في ذلك سواء. قال عبد الملك: للحُرّة ليلتان وللأمة ليلة. وأما السراري فلا قَسْم بينهن وبين الحرائر، ولا حظّ لهن فيه. الثامنة: ولا يجمع بينهن في منزل واحد إلا برضاهن، ولا يدخل لإحداهن في يوم الأخرى وليلتها لغير حاجة. واختلف في دخوله لحاجة وضرورة؛ فالأكثرون على جوازه؛ مالك وغيره. وفي كتاب ابن حبيب منعه. وروى ابن بكير عن مالك عن يحيـى بن سعيد أن معاذ بن جبل كانت له امرأتان، فإذا كان يوم هذه لم يشرب من بيت الأخرى الماء. قال ابن بكير: وحدّثنا مالك عن يحيـى بن سعيد أن معاذ بن جبل كانت له امرأتان ماتتا في الطاعون. فأسهم بينهما أيهما تدلى أوّل. التاسعة: قال مالك: ويعدل بينهن في النفقة والكسوة إذا كن معتدلات الحال، ولا يلزم ذلك في المختلفات المناصب. وأجاز مالك أن يفضل إحداهما في الكسوة على غير وجه الميل. فأما الحُبّ والبغض فخارجان عن الكسب فلا يتأتّى العدل فيهما، وهو المعنيّ بقوله صلى الله عليه وسلم في قَسْمه: «حديث : اللهم هذا فِعلي فيما أملك فلا تلمني فيما تملك ولا أملك»تفسير : . أخرجه النسائي وأبو داود عن عائشة رضي الله عنها. وفي كتاب أبي داود «يعني القلب»، وإليه الإشارة بقوله تعالى: {أية : وَلَن تَسْتَطِيعُوۤاْ أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ ٱلنِّسَآءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ} تفسير : [النساء: 129]، وقوله تعالى: {وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قلُوبِكُمْ}. وهذا هو وجه تخصيصه بالذكر هنا، تنبيهاً منه لنا على أنه يعلم ما في قلوبنا من ميل بعضنا إلى بعض مَن عندنا من النساء دون بعض، وهو العالِم بكل شيء {أية : لاَ يَخْفَىٰ عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ فِي ٱلسَّمَآءِ} تفسير : [آل عمران: 5] {أية : يَعْلَمُ ٱلسِّرَّ وَأَخْفَى}تفسير : [طه: 7] لكنه سَمَح في ذلك، إذ لا يستطيع العبد أن يصرف قلبه عن ذلك الميل، وإلى ذلك يعود قوله: {وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً}. وقد قيل في قوله: {ذَلِكَ أَدْنَىٰ أَن تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ} وهي: العاشرة: أي ذلك أقرب ألاّ يحزنّ إذا لم يجمع إحداهن مع الأخرى ويعاين الأثَرَة والميل. وروى أبو داود عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : من كانت له امرأتان فمال إلى إحداهما جاء يوم القيامة وشِقه مائل»تفسير : . {وَيَرْضَيْنَ بِمَآ آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ} توكيد للضمير، أي ويرضين كلهن. وأجاز أبو حاتم والزجاج «وَيَرْضَيْنَ بِمَا آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ» على التوكيد للمضمر الذي في «آتيتهن». والفراء لا يجيزه، لأن المعنى ليس عليه، إذ كان المعنى وترضى كل واحدة منهن، وليس المعنى بما أعطيتهن كلهن. النحاس: والذي قاله حسن. الحادية عشرة: قوله تعالى:{وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قلُوبِكُمْ} خبر عام، والإشارة إلى ما في قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم من محبة شخص دون شخص. وكذلك يدخل في المعنى أيضاً المؤمن. وفي البخاريّحديث : عن عمرو بن العاص: أن النبيّ صلى الله عليه وسلم بعثه على جيش ذات السلاسل، فأتيته فقلت: أيّ الناس أحبّ إليك؟ فقال: «عائشة» فقلت: من الرجال؟ قال: «أبوها» قلت: ثم مَن؟ قال: «عمر بن الخطاب...» فعدّ رجالاًتفسير : . وقد تقدّم القول في القلب بما فيه كفاية في أوّل «البقرة»، وفي أول هذه السورة. يروى أن لقمان الحكيم كان عبداً نجاراً قال له سيّده: اذبح شاة وائتني بأطيبها بَضْعتين، فأتاه باللسان والقلب. ثم أمره بذبح شاة أخرى فقال له: ألق أخبثها بَضْعتين، فألقى اللسان والقلب. فقال: أمرتك أن تأتيني بأطيبها بَضْعتين فأتيتني باللسان والقلب، وأمرتك أن تُلقي بأخبثها بَضْعتين فألقيت اللسان والقلب!؟ فقال: ليس شيء أطيب منهما إذا طابا، ولا أخبث منهما إذا خَبُثا.
ابن كثير
تفسير : قال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن بشر، حدثنا هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها: أنها كانت تغير من النساء اللاتي وهبن أنفسهن لرسول الله صلى الله عليه وسلم قالت: ألا تستحي المرأة أن تعرض نفسها بغير صداق؟ فأنزل الله عز وجل: {تُرْجِى مَن تَشَآءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِىۤ إِلَيْكَ مَن تَشَآءُ} الآية، قالت: إني أرى ربك يسارع لك في هواك. وقد تقدم أن البخاري رواه من حديث أبي أسامة عن هشام بن عروة، فدل هذا على أن المراد بقوله: {تُرْجِى} أي: تؤخر {مَن تَشَآءُ مِنْهُنَّ} أي: من الواهبات {وَتُؤْوِىۤ إِلَيْكَ مَن تَشَآءُ} أي: من شئت قبلتها، ومن شئت رددتها، ومن رددتها، فأنت فيها أيضاً بالخيار بعد ذلك، إن شئت عدت فيها فآويتها، ولهذا قال: {وَمَنِ ٱبْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكَ}. قال عامر الشعبي في قوله تعالى: {تُرْجِى مَن تَشَآءُ مِنْهُنَّ} الآية، كن نساء وهبن أنفسهن للنبي صلى الله عليه وسلم فدخل ببعضهن، وأرجأ بعضهن لم ينكحن بعده، منهن أم شريك. وقال آخرون: بل المراد بقوله: {تُرْجِى مَن تَشَآءُ مِنْهُنَّ} الآية، أي: من أزواجك، لا حرج عليك أن تترك القسم لهن، فتقدم من شئت، وتؤخر من شئت، وتجامع من شئت، وتترك من شئت، هكذا يروى عن ابن عباس ومجاهد والحسن وقتادة وأبي رزين وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وغيرهم، ومع هذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يقسم لهن، ولهذا ذهب طائفة من الفقهاء من الشافعية وغيرهم إلى أنه لم يكن القسم واجباً عليه صلى الله عليه وسلم واحتجوا بهذه الآية الكريمة. وقال البخاري: حدثنا حبان بن موسى، حدثنا عبد الله، هو ابن المبارك، وأخبرنا عاصم الأحول عن معاذ عن عائشة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يستأذن في اليوم المرأة منا بعد أن أنزلت هذه الآية: {تُرْجِى مَن تَشَآءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِىۤ إِلَيْكَ مَن تَشَآءُ وَمَنِ ٱبْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكَ} فقلت لها: ما كنت تقولين؟ فقالت: كنت أقول: إن كان ذلك إلي، فإني لا أريد يا رسول الله أن أوثر عليك أحداً، فهذا الحديث عنها يدل على أن المراد من ذلك عدم وجود القسم، وحديثها الأول يقتضي أن الآية نزلت في الواهبات، ومن ههنا اختار ابن جرير أن الآية عامة في الواهبات، وفي النساء اللاتي عنده؛ أنه مخير فيهن، إن شاء قسم، وإن شاء لم يقسم، وهذا الذي اختاره حسن جيد قوي، وفيه جمع بين الأحاديث، ولهذا قال تعالى: {ذَلِكَ أَدْنَىٰ أَن تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلاَ يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِمَآ ءَاتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ} أي: إذا علمن أن الله قد وضع عنك الحرج في القسم، فإن شئت قسمت، وإن شئت لم تقسم، لا جناح عليك في أي ذلك فعلت، ثم مع هذا إن تقسم لهن اختياراً منك، لا أنه على سبيل الوجوب، فرحن بذلك، واستبشرن به، وحملن جميلك في ذلك، واعترفن بمنتك عليهن في قسمتك لهن، وتسويتك بينهن، وإنصافك لهن، وعدلك فيهن. وقوله تعالى: {وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِى قلُوبِكُمْ} أي: من الميل إلى بعضهن دون بعض؛ مما لا يمكن دفعه؛ كما قال الإمام أحمد: حدثنا يزيد، حدثنا حماد بن سلمة عن أيوب عن أبي قلابة عن عبد الله بن يزيد عن عائشة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم بين نسائه فيعدل، ثم يقول: «حديث : اللهم هذا فعلي فيما أملك، فلا تلمني فيما تملك ولا أملك» تفسير : ورواه أهل السنن الأربعة من حديث حماد بن سلمة، وزاد أبو داود بعد قوله: «حديث : فلا تلمني فيما تملك ولا أملك»تفسير : : يعني: القلب. وإسناده صحيح، ورجاله كلهم ثقات، ولهذا عقب ذلك بقوله تعالى: {وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيماً} أي: بضمائر السرائر {حَلِيماً} أي: يحلم ويغفر.
المحلي و السيوطي
تفسير : {تُرْجي} بالهمزة والياء بدله: تؤخّر { مَن تَشَآءُ مِنْهُنَّ } أي أزواجك عن نوبتها {وَتُئْوِى } تضمّ {إِلَيْكَ مَن تَشَاء } منهنّ فتأتيها {وَمَنِ ٱبْتَغَيْتَ } طلبت {مِمَّنْ عَزَلْتَ } من القسمة {فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكَ } في طلبها وضمها إليك، خُيِّرَ في ذلك بعد أن كان القسم واجباً عليه {ذٰلِكَ } التخيير {أَدْنَىٰ } أقرب إلى {أَن تَقَرَ أعْيُنُهُنَّ وَلاَ يَحْزَنّ وَيَرْضَيْنَ بِمِآ ءَاتَيْتُهُنَّ} مما ذكر المخيّر فيه {كُلُّهُنَّ } تأكيد للفاعل في يرضين {وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِى قلُوبِكُمْ } من أمر النساء والميل إلى بعضهنّ، وإنما خيرناك فيهنّ تيسيراً عليك في كل ما أَردت {وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيماً } بخلقه {حَلِيماً } عن عقابهم.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {تُرْجِي مَن تَشَآءُ مِنهُنَّ وَتُئْوِي إِلَيْكَ مَن تَشَآءُ} فيه أربعة تأويلات: أحدها: تطلق من تشاء من نسائك وتمسك من تشاء منهن،قاله ابن عباس. الثاني: تترك نكاح من تشاء وتنكح من تشاء، قاله الحسن. الثالث: تعزل من شئت من أزواجك فلا تأتيها، وتأتي من شئت من أزواجك فلا تعزلها، قاله مجاهد. ويدل على أن القَسم في هذا التأويل كان ساقطاً عنه. الرابع: تؤخر من تشاء من أزواجك، وتضم إليك من تشاء منهن، قاله قتادة. وروى منصور عن ابن رزين قال: بلغ بعض نسوة النبي صلى الله عليه وسلم أنه يريد أن يخلي سبيلهن، فأتينه فقلن: لا تخل سبيلنا وأنت في حل فيما بيننا وبينك، فأرجأ منهن نسوة وآوى نسوة فكان ممن أرجأ جويرية وميمونة وأم حبيبة وصفية وسودة. وكان يقسم بينهن من نفسه وماله ما تشاء، وكان ممن آوى عائشة وحفصة وأم سلمة وزينب وكان قسمه في ماله ونفسه فيهن سواء. {وَمَنِ ابْتَغَيتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ} أي من ابتغيت فأويته إليك ممن عزلت أن تؤديه إليك. {فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكَ} فيهن وجهان: أحدهما: فلا جناح عليك في من ابتغيت، وفي من عزلت. قاله يحيى بن سلام. الثاني: فلا جناح في من عزلت أن تؤويه إليك، قاله مجاهد. {ذَلِكَ أَدْنَى أَن تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلاَ يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِمَآ ءَاتيتَهُنَّ كُلُهُنَّ} فيه أربعة أوجه: أحدها: إذا علمن أنه لا يطلقهن قرت أعينهن ولم يحزن. الثاني: إذا علمن أنه لا يتزوج عليهن قرت أعينهن ولم يحزن. قاله قتادة. الثالث: إذا علمن أن هذا من حكم الله تعالى فيهن قَرَّت أعينهن ولم يحزن. قاله قتادة. الرابع: أنهن علمن أن له ردهن إلى فراشه إذا اعتزلهن قرَّت أعينهن ولم يحزن، قاله مجاهد.
ابن عطية
تفسير : {ترجى} معناه تؤخر وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وعاصم "ترجيء" بالهمز، وقرأ عاصم في رواية حفص وحمزة والكسائي "ترجي" بغير همز وهما لغتان بمعنى، {وتؤوي} معناه تضم وتقرب وقال المبرد هو معدى رجى يرجو تقول رجى الرجل وأرجيته جعلته ذا رجاء، ومعنى هذه الآية أن الله فسح لنبيه فيما يفعله في جهة النساء، والضمير في {منهن} عائد على من تقدم ذكره من الأصناف حسب الخلاف المذكور في ذلك، وهذا الإرجاء والإيواء يحتمل معاني، منها أن معناه في القسم أن تقرب من شئت في القسمة لها من نفسك، وتؤخر عنك من شئت، وتكثر لمن شئت، وتقل لمن شئت، لا حرج عليك في ذلك، فإذا علمن هن أن هذا هو حكم الله تعالى لك وقضاؤه زالت الأنفة والتغاير عنهن ورضين وقرت أعينهن وهذا تأويل مجاهد وقتادة والضحاك. قال الفقيه الإمام القاضي: لأن سبب هذه الآيات إنما كان تغايراً وقع بين زوجات النبي صلى الله عليه وسلم عليه فشقي بذلك، ففسح الله له وأنبهن بهذه الآيات، وقال أبو رزين وابن عباس المعنى في طلاق من شاء ممن حصل في عصمته وإمساك من شاء، قال أبو زيد: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد هم بطلاق بعض نسائه فقلن له أقسم لنا ما شئت فكان ممن أرجى سودة وجويرية وصفية وأم حبيبة وميمونة وآوى إليه عائشة وأم سلمة وحفصة وزينب وقال الحسن بن أبي الحسن المعنى في تزويج من شاء من النساء وترك من شاء، وقالت فرقة المعنى في ضم من شاء من الواهبات وتأخير من شاء. قال القاضي أبو محمد: وعلى كل معنى فالآية معناها التوسعة على رسول الله صلى الله عليه وسلم والإباحة له، قالت عائشة: لما قرأ عليّ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية قلت ما أرى ربك إلا يسارع في هواك. قال الفقيه الإمام القاضي: وذهبت هبة الله في الناسخ والمنسوخ له إلى أن قوله {ترجي من تشاء} الآية ناسخ لقوله {لا يحل لك النساء من بعد} الآية، وقال ليس في كتاب الله تعالى ناسخ تقدم المنسوخ إلا هذا. قال الفقيه الإمام القاضي: وكلامه يضعف من جهات، وقوله عز وجل {ومن ابتغيت ممن عزلت فلا جناح عليك} يحتمل معاني: أحدها أن تكون {من} للتبعيض، أي من إرادته وطلبته نفسه ممن قد كنت عزلته فلا جناح عليك في رده إلى نفسك وإيوائه إليه بعد عزلته، ووجه ثان وهو أن يكون مقوياً ومؤكداً لقوله {ترجى من تشاء وتؤوي من تشاء} فيقول بعد {ومن ابتغيت ممن عزلت} فذلك سواء {فلا جناح عليك} في جمعه، وهذا كما تقول من لقيك ممن لم يلقك جميعهم لك شاكر وأنت تريد من لقيك ومن لم يلقك، وهذا المعنى يصح أن يكون في معنى القسم، ويصح أن يكون في الطلاق والإمساك وفي الواهبات، وبكل واحد قالت فرقة: وقرأ جمهور الناس "ذلك أدنى أن تقر أعينُهن" برفع "الأعين"، وقرأ ابن محيصن "أن تُقر أعينَهن" بضم التاء ونصب "الأعين"، وقوله {بما آتيتهن} أي من نفسك ومالك، وقرأ جمهور الناس "كلُّهن" بالرفع على التأكيد للضمير في {يرضين} ولم يجوز الطبري غير هذا، وقرأ جويرية بن عابد بالنصب على التأكيد في {آتيتهن}. قال الفقيه الإمام القاضي: والمعنى أنهن يسلمن لله ولحكمه وكن قبل لا يتسامحن بينهن للغيرة ولا يسلمن للنبي صلى الله عليه وسلم أنفة، نحا إلى هذا المعنى ابن زيد وقتادة، وقوله تعالى: {والله يعلم ما في قلوبكم} خبر عام، والإشارة به هنا إلى ما كان في قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم من محبة شخص دون شخص، وكذلك يدخل في المعنى أيضاً المؤمنون. وقوله {حليماً} صفة تقتضي صفحاً وتأنيساً في هذا المعنى، إذ هي خواطر وفكر لا يملكها الإنسان في الأغلب، واتفقت الروايات على أنه عليه السلام عدل بينهن في القسمة حتى مات ولم يمتثل ما أبيح له ضبطاً لنفسه وأخذاً بالفضل، غير أن سودة وهبت نوبتها لعائشة تقمناً لمسرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقوله تعالى: {لا يحل لك النساء من بعد} قيل كما قدمنا إنها خطرت عليه النساء إلا التسع اللواتي كنَّ عنده، فكأن الآية ليست متصلة بما قبلها، قال ابن عباس وقتادة لما هجرهن رسول الله صلى الله عليه وسلم شهراً، وآلى منهن ثم خرج وخيرهن فاخترن الله ورسوله، جازاهن الله بأن حظر عليه النساء غيرهن وقنعه بهن وحظر عليه تبديلهن، ونسخ بذلك ما أباحه له قبل من التوسعة في جميع النساء، وقال أبيّ بن كعب وعكرمة قوله {لا يحل لك النساء من بعد} أي من بعد الأصناف التي سميت، ومن قال إن الإباحة كانت له مطلقة قال هنا {لا يحل لك النساء} معناه لا يحل لك اليهوديات ولا النصرانيات. قال الفقيه الإمام القاضي: وهذا تأويل فيه بعد، وإن كان روي عن مجاهد، وكذلك روي أن تبدل اليهوديات والنصرانيات بالمسلمات، وهذا قول أبي رزين وسعيد بن جبير، وقال أبيّ بن كعب {من بعد} يعني لا يحل لك العمات والخالات ونحو ذلك، وأمر مع ذلك بأن لا يتبدل بأزواجه التسع منه من أن يطلق منهن ويتزوج غيرهن قاله الضحاك، وقيل بمن تزوج وحصل في عصمته أي لا يبدلها بأن يأخذ زوجة إنسان ويعطيه هو زوجته قال ابن زيد وهذا شيء كانت العرب تفعله. قال الفقيه الإمام القاضي: وهذا قول ضعيف أنكره الطبري وغيره في معنى الآية، وما فعلت العرب قط هذا، وما روي من حديث عيينة بن حصن أنه دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعنده عائشة فقال من هذه الحميراء؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هذه عائشة، فقال عيينة: يا رسول الله إن شئت نزلت لك عن سيدة العرب جمالاً ونسباً فليس بتبديل ولا أراد ذلك وإنما احتقر عائشة لأنها كانت صبية فقال هذا القول، وقرأ أبو عمرو بخلاف "لا تحل" بالتاء على معنى جماعة النساء، وقرأ الباقون "لا يحل" بالياء من تحت على معنى جميع النساء وهما حسنان لأن تأنيث لفظ النساء ليس بحقيقي، وقوله تعالى: {ولو أعجبك حسنهن}، قال ابن عباس نزل ذلك بسبب أسماء بنت عميس أعجبت رسول الله صلى الله عليه وسلم حين مات عنها جعفر بن أبي طالب وفي هذه اللفظة {أعجبك حسنهن} دليل على جواز أن ينظر الرجل إلى من يريد زواجها، وقد أراد المغيرة بن شعبة زواج امرأة فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : انظر إليها فإنه أجدر أن يؤدم بينكما" تفسير : وقال عليه السلام لآخر: "حديث : انظر إليها فإن في أعين الأنصار شيئاً"تفسير : ، قال الحميدي يعني "صغراً"، وقال سهل بن أبي حثمة رأيت محمد بن مسلمة يطارد بثينة بنت الضحاك على أجار من أجاجير المدينة فقلت له أتفعل هذا؟ فقال نعم، قال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : إذا ألقى الله في قلب أحدكم خطبة امرأة فلا بأس أن ينظر إليها" تفسير : ، وقوله تعالى: {إلا ما ملكت يمينك} {ما} في موضع رفع بدل من {النساء}، ويجوز أن تكون في موضع نصب على الاستثناء، وفي النصب ضعف، ويجوز أن تكون {ما} مصدرية والتقدير إلا ملك يمينك وملك بمعنى مملوك، وهو في موضع نصب لأنه استثناء من غير الجنس الأول، و"الرقيب" فعيل بمعنى فاعل أي راقب.
ابن عبد السلام
تفسير : {تُرْجى} تطلق {وَتُئْوِى} تمسك "ع"، أو تترك نكاح من تشاء وتنكح من تشاء "ح"، أو تعزل من شئت من أزواجك فلا تأتيها وتأتي من شئت منهن فلا تعزلها وهذا يدل على سقوط القسم عنه، أو تعزل من تشاء من أزواجك وتضم إليك من تشاء من أزواجك ولما بلغ بعضهن أنه يريد أن يخلي سبيلهن أتينه فقلن: لا تخل سبيلنا وأنت في حل مما بيننا وبينك فأرجى سودة وميمونة وجويرية وأم حبيبة وصفية وكان يقسم بينهن من نفسه وماله ما شاء وآوى عائشة وحفصة وأم سلمة وزينب فكان قسمه من ماله ونفسه فيهن سواء. {وَمَنِ ابْتَغَيْتَ} فأويته إليك {مِمَّنْ عَزَلْتَ} أن تئويه إليك {فَلآ جُنَاحَ عَلَيْكَ} فيمن ابتغيت وفيمن عزلت، أو فيمن عزلت أن تئويه إليك {ذّلِكَ أَدْنَى} إذا علمن أنه لا يطلقهن قرت أعينهن ولم يحزنّ أو إذا علمن أنه لا يتزوج عليهن قَرَّت أعينهن ولم يحزنَّ، أو إذا علمن هذا حكم الله قَرَّت أعينهن، أو إذا علمن أن له ردهن إلى فراشه إذا اعتزلهن قرت أعينهن.
الخازن
تفسير : قوله تعالى {ترجي} يعني تؤخر {من تشاء منهن وتؤوي إليك} أي تضم عليك {من تشاء} قيل هذا للقسم بينهن وذلك أن التسوية بينهن في القسم كانت واجبة عليه صلى الله عليه وسلم، فلما نزلت هذه الآية سقط عنه الوجوب وصار الاختيار إليه فيهن، وقيل نزلت هذه الآية حين غار بعض أمهات المؤمنين على النبي صلى الله عليه وسلم وطلب بعضهن زيادة النفقة فهجرهن شهراً حتى نزلت آية التخيير فأمره الله تعالى أن يخيرهن فمن اختارت الدنيا فارقها، ويمسك من اختارت الله ورسوله على أنهن أمهات المؤمنين، لا ينحكهن أبداً وعلى أنه يؤوي إليه من يشاء منهن ويرجي من يشاء فيرضين به قسم لهن أو لم يقسم أو قسم لبعضهن، دون بعض، أو فضل بعضهن في النفقة والكسوة فيكون الأمر في ذلك إليه يفعل كيف يشاء وكان ذلك من خصائصه فرضين بذلك واخترنه على هذا الشرط. واختلفوا في أنه هل أخرج أحداً منهن من القسم فقال بعضهم: لم يخرج أحداً بل كان صلى الله عليه وسلم مع ما جعل الله له من ذلك يسوي بينهن في القسم، إلا سودة فإنها رضيت بترك حقها من القسم، وجعلت يومها لعائشة وقيل: أخرج بعضهن. روي عن أبي رزين، قال: لما نزل التخيير أشفقن أن يطلقن فقلن يا نبي الله اجعل لنا من مالك ونفسك ما شئت، ودعنا على حالنا فأرجى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعضهن، وآوى إليه بعضهن فكان ممن آوى عليه عائشة وحفصة وأم سلمة وزينت، وكان يقسم بينهن سواء وأرجى منهن خمساً أم حبيبة وميمونة وسودة وجويرة وصفية، فكان يقسم لهن ما يشاء وقال ابن عباس تطلق من تشاء منهن، وتمسك من تشاء وقال الحسن: تترك نكاح من شئت وتنكح من شئت من النساء قال وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خطب امرأة لم يكن لغيره خطبتها حتى يتركها رسول الله صلى الله وعليه وسلم وقيل تقبل من تشاء من المؤمنات اللاتي يهبن أنفسهن فتؤويها إليك وتترك من تشاء فلا تقبلها (ق)عن عروة قال: كانت خولة بنت حكيم من اللاتي، وهبن أنفسهن للنبي صلى الله عليه وسلم فقالت عائشة أما تستحي المرأة أن تهب نفسها للرجل فلما نزلت ترجي من تشاء منهن قلت يا رسول الله ما أرى ربك إلا يسارع في هواك {ومن ابتغيت ممن عزلت} أي طلبت أن تؤدي إليك امرأة ممن عزلتهن عن القسمة {فلا جناح عليك} أي لا إثم عليك فأباح الله له ما ترك القسم، لهن، حتى إنه ليؤخر من يشاء منهن من نوبتها ويطأ من يشاء منهم في غير نوبتها ويرد إلى فراشه من عزل منهن، تفضيلاً له على سائر الرجال {ذلك أدنى أن تقرأ أعينهن ولا يحزن} أي ذلك التخيير الذي خبرتك في صحبتهن أقرب إلى رضاهن وأطيب لأنفسهن، وأقل لحزنهن إذا علمن أن ذلك من الله تعالى {ويرضين بما آتيتهن} أي أعطيتهن {كلهن} من تقريب وإرجاء وعزل وإيواء {والله يعلم ما في قلوبكم} أي من أمر النساء إلى بعضهن {وكان الله عليماً} أي مما في ضمائركم {حليماً} أي عنكم. قوله تعالى {لا يحل لك النساء من بعد} أي من بعد هؤلاء التسع اللاتي اخترنك وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لما خيرهن فاخترن الله ورسوله شكر الله لهن ذلك وحرم عليه النساء سواهن، ونهاه عن تطليقهن وعن الاستبدال بهن، قاله ابن عباس: واختلفوا هل أبيح له النساء بعد ذلك فروي عن عائشة أنها قالت "حديث : ما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أحل له النساء" تفسير : أخرجه الترمذي. وقال حديث حسن صحيح، وللنسائي عنها "حديث : حتى أحل له أن يتزوج من النساء ما يشاء" تفسير : وقال أنس "حديث : مات رسول الله صلى الله عليه وسلم على التحريم" تفسير : وقيل لأبي بن كعب لو مات نساء النبي صلى الله عليه وسلم أكان يحل له أن يتزوج قال: وما يمنعه من ذلك قيل له قوله تعالى {لا يحل لك النساء من بعد} قال: إنما أحل له ضرباً من النساء فقال تعالى {أية : يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك}تفسير : [الأَحزاب: 50] الآية ثم قال {لا تحل لك النساء من بعد} وقيل معنى الآية لا تحل لك اليهوديات ولا النصرانيات بعد المسلمات {ولا أن تبدل بهن من أزواج} أي بالمسلمات غيرهن من الكتابيات، لأنه لا تكون أم المؤمنين يهودية ولا نصرانية إلا ما ملكت يمينك أي من الكتابيات فتسري بهن وقيل في قوله {ولا تبدل بهن أزواج} كانت العرب في الجاهلية يتبادلون بأزواجهم، يقول الرجل للرجل انزل لي عن امرأتك وأنزل عن امرأتي فأنزل الله تعالى {ولا أن تبدل بهن من أزواج} أي تبادل بهن من أزواج أي تبادل بأزواجك غيرك بأن تعطيه زوجتك وتأخذ زوجته فحرم ذلك {إلا ما ملكت يمينك} أي لا بأس أن تبادل بجاريتك ما شئت، فأما الحرائر فلا {ولو أعجبك حسنهن} يعني ليس لك أن تطلق أحد من نسائك، وتنكح بدلها أخرى، ولو أعجبك جمالها، قال ابن عباس: يعني أسماء بنت عميس الخثعمية امرأة جعفر بن أبي طالب لما استشهد جعفر أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يخطبها فنهي عن ذلك {إلا ما ملكت يمينك} قال ابن عباس: ملك بعد هؤلاء مارية {وكان الله على كل شيء رقيباً} أي حافظاً وفي الآية دليل على جواز النظر إلى من يريد نكاحها من النساء، ويدل عليه ما روى عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إذا خطب أحدكم المرأة فان استطاع أن ينظر إلى ما يدعوه إلى نكاحها فليفعل"تفسير : أخرجه أبو داود. (م) عن أبي هريرة "أن رجلاً أراد أن يتزوج امرأة من الأنصار فقال له النبي صلى الله عليه وسلم حديث : انظر إليها فإن في أعين الأنصار شيئاً"تفسير : قال الحميدي: يعني هو الصغر عن المغيرة بن شعبة قال: حديث : خطبت امرأة فقال لي النبي صلى الله عليه وسلم هل نظرت إليها قلت: لا قال فانظر إليها فانه أحرى أن يؤدم بينكماتفسير : أخرجه الترمذي: وقال حديث حسن.
الثعالبي
تفسير : وقوله تعالى: {تُرْجِ مَن تَشَاء مِنْهُنَّ...} الآية، ترجي معناه: تُؤَخِّرُ و {تُؤْوِي} معناه: تَضُمُّ وتُقَرب، ومعنى هذه الآية: أن اللّه تعالى فَسَحَ لنبيِّه فيما يفعله في جِهَة النساء، والضميرُ في {مِنْهُنَّ} عائدٌ على مَن تَقَدَّمَ ذكرُه من الأصْنَافِ؛ حَسْبَ الخِلافِ المذكورِ في ذلك، وهذا الإرجاء والإيواء يحتمل معاني؛ منها؛ أن المعنى في القَسْمِ، أي: تُقرِّبُ مَنْ شِئْتَ فِي القسمةِ لَها مِن نَفْسِكَ وَتُؤَخِّرُ عَنْكَ مِن شِئْتَ وتُكْثِر لمن شئت وتُقِلُّ لمن شئت، لا حرجَ عليكَ في ذلك، فإذا عَلِمْنَ هنَّ أنّ هذا هو حكم اللّه لك؛ رَضِينَ وقَرَّت أعينُهن؛ وهذا تأويل مجاهد وقتادةَ والضحاك. قال * ع *: لأن سبَبَ هذهِ الآيةِ تَغَابُرٍ وَقَعَ بَيْنَ زَوْجَاتِ النبي صلى الله عليه وسلم تَأَذَّى بِهِ. وقَالَ ابن عباس: المعنَى في طَلاق مَنْ شَاء وإمْسَاك مَن شاء. وقال الحسنُ بن أبي الحسن: المعنى في تَزَوُّج من شَاء؛ وترك مَنْ شَاء. قال * ع *: وعلى كلِّ مَعْنًى فالآيةُ معناها: التَوْسِعَة على النبي صلى الله عليه وسلم والإباحة له وذهب هبة اللّه في «الناسخ والمنسوخ» له إلى أن قولَه {تُرْجِي مَن تَشَاء...} الآية، ناسخُ لقوله: {أية : لاَّ يَحِلُّ لَكَ ٱلنِّسَاء مِن بَعْدُ} تفسير : [الأحزاب:52] الآيةَ. وقوله تعالى: {وَمَنِ ٱبْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ} يحتمل معاني: أحدها؛ أن تَكونَ «من» للتبعيض، أي: من أردت؛ وطلبَتْه نفسُك ممن كنتَ قَدْ عزلتَه وأخَّرتَه؛ فلا جناح عليك في رده إلى نفسِكَ وإيوائه إليك، ووجه ثانٍ؛ وهو أن يكونَ مُقَوِّياً ومُؤكِداً لقوله: {تُرْجِي مَن تَشَاء} و {تؤوي مَن تَشَاء} فيقول بعدُ ومَن ابتغيتَ ومَنْ عَزَلْتَ فذلكَ سواءٌ؛ لا جناحَ عليك فِي ردِّه إلى نفسِكَ وإيوائه إليك. وقوله: {وَيَرْضَيْنَ بِمَا ءَاتَيْتَهُنَّ} أي مِنْ نفْسِك، ومالِك، واتفقتِ الرواياتُ على أنه ـــ عليه السلام ـــ معَ مَا جَعَلَ اللّه له من ذلكَ كان يُسَوِّي بينهن في القَسْمِ تَطْيِيباً لنفُوسِهنَّ؛ وأخْذاً بالفَضْلِ، وما خصه اللّه من الخَلق العظيم ـــ صلى اللّه عليه وعلى آله ـــ غَيْرَ أنْ سودةَ وَهَبَتْ يومَها العائشةَ تَقَمُّناً لمسَرَّةِ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم.
البقاعي
تفسير : ولما ذكر هاتين الصفتين، أتبعهما ما خففه عنه من أمرهن إكراماً له صلى الله عليه وسلم مما كان من شأنه أن يتحمل فيه ويتخرج عن فعله، فقال في موضع الاستئناف، أو الحال من معنى التخفيف في الجمل السابقة: {ترجي} بالهمز على قراءة الجماعة أي تؤخر {من تشاء منهن} أي من الواهبات فلا تقبل هبتها أو من نسائك بالطلاق أو غيره مع ما يؤنسها من أن تؤويها، وبغير همز عند حمزة والكسائي وحفص من الرجاء أي تؤخرها مع أفعال يكون بها راجية لعطفك {وتؤي} أي تضم وتقرب بقبول الهبة أو بالإبقاء في العصمة بقسم وبغير قسم بجماع وبغير جماع تخصيصاً له بذلك عن سائر الرجال {إليك من تشاء} وسيب نزول هذه الآية أنه لما نزلت آية التخيير أشفقن أن يطلقهن فقلن: يا نبي الله! اجعل لنا من مالك ونفسك ما شئت. ودعنا على حالنا، فنزلت. ولما كانت ربما مال إلى من فارقها، بين تعالى حكمها فقال: {ومن ابتغيت} أي مالت نفسك إلى طلبها {ممن عزلت} أي أوقعت عزلها بطلاق أو رد هبة {فلا جناح عليك} أي في إيوائها بعد ذلك بقبول هبتها أو بردها إلى ما كانت عليه من المنزلة عندك من قيد النكاح أو القسم. ولما كانت المفارقة من حيث هي - ولا سيما إن كان فراقها لما فهم منها من كراهية يظن بها - أنها تكره الرجعة، أخبر سبحانه أن نساءه صلى الله عليه وسلم على غير ذلك فقال: {ذلك} أي الإذن لك من الله والإيواء العظيم الرتبة، لما لك من الشرف {أدنى} أي أقرب من الإرجاء ومن عدم التصريح بالإذن في القرآن المعجز، إلى {أن تقر أعينهن} أي بما حصل لهن من عشرتك الكريمة، وهو كناية عن السرور والطمأنينة ببلوغ المراد، لأن من كان كذلك كانت عينه قارة، ومن كان مهموماً كانت عينه كثيرة التقلب لما يخشاه - هذا إن كان من القرار بمعنى السكون، ويجوز أن يكون من القر الذي هو ضد الحر، لأن المسرور تكون عينه باردة، والمهموم تكون عينه حارة، فلذلك يقال للصديق: أقر الله عينك، وللعدو: أسخن الله عينك {ولا يحزن} أي بالفراق وغيره مما يحزن من ذلك {ويرضين} لعلمهن أن ذلك من الله لما للكلام من الإعجاز {بما آتيتهن} أي من الأجور وغيرها من نفقة وقسم وإيثار وغيرها. ولما كان التأكيد أوقع في النفس وأنفى للبس، وكان هذا أمراً غريباً لبعده عن الطباع أكد فقال: {كلهن} أي ليس منهن واحدة إلا هي كذلك راغبة فيك راضية بصحبتك إن آويتها أو أرجأتها لما لك من حسن العشرة وكرم الأخلاق ومحاسن الشمائل وجميل الصحبة، وإن اخترت فراقها علمت أن هذا أمر من الله جازم، فكان ذلك أقل لحزنها فهو أقرب إلى قرار عينها بهذا الاعتبار، وزاد ذلك تأكيداً لما له من الغرابة التي لا تكاد تصدق بقوله عطفاً على نحو {فالله يعلم ما في قلوبهم}: {والله} أي بما له من الإحاطة بصفات الكمال {يعلم} أي علماً مستمراً لتعلق {ما في قلوبكم} أي أيها الخلائق كلكم، فلا بد إن علم ما في قلوب هؤلاء. ولما رغبه سبحانه في الإحسان إليهن بإدامة الصحبة بما أخبره من ودهن ذلك، لكونه صلى الله عليه وسلم شديد المحبة لإدخال السرور على القلوب، زاده ترغيبا بقوله: {وكان الله} أي أزلاً وأبداً {عليماً} أي بكل شيء ممن يطيعه ومن يعصيه {حليماً *} لا يعاجل من عصاه، يل يديم إحسانه إليه في الدنيا فيجب أن يتقي لعلمه وحلمه، فعلمه موجب للخوف منه، وحلمه مقتض للاستحياء منه، وأخذ الحليم شديد، فينبغي لعبده المحب له أن يحلم عمن يعلم تقصيره في حقه، فإنه سبحانه يأجره على ذلك بأن يحلم عنه فيما علمه منه، وأن يرفع قدره ويعلي ذكره، روى البخاري في التفسير عن معاذة عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يستأذن في يوم المرأة منا بعد أن أنزلت هذه الآية {ترجي من تشاء منهن} الآية، قلت لها: ما كنت تقولين؟ قالت: كنت أقول له: إن كان ذاك إليّ فإني لا أريد يا رسول الله أن أوثر عليك أحداً. ولما أمره بما يشق من تغير العوائد في أمر العدة، ثم بما قد يشق عليه صلى الله عليه وسلم من تخصيصه بما ذكر خشية من طعن بعض من لم يرسخ إيمانه، وختم بما يسر أزواجه، وصل به ما يزيد سرورهن من تحريم غيرهن عليه شكراً لهن على إعراضهن عن الدنيا واختيارهن الله ورسوله فقال: {لا يحل لك النساء} ولما كان تعالى شديد العناية به صلى الله عليه وسلم لوّح له في آية التحريم إلى أنه ينسخه عنه، فأثبت الجار فقال: {من بعد} أي من بعد من معك من هؤلاء التسع - كما قال ابن عباس رضي الله عنهما في رواية عنه، شكراً من الله لهن لكونهن لما نزلت آية التخيير اخترن الله ورسوله، فتكون الآية منسوخة بمت تقدم عليها في النظم وتأخر عنها في الإنزال من آية {إنا أحللنا لك أزواجك} وفي رواية أخرى من بعد {اللاتي أحللنا لك} بالصفة المتقدمة من بنات العم وما معهن، ويؤيدها ما تقدمت روايته عن أم هانئ رضي الله عنها. ولما كان ربما فهم أن المراد الحصر في عدد التسع، لا بقيد المعينات، قال: {ولا أن تبدل بهن} أي هؤلاء التسع، وأعرق في النفي بقوله: {من} أي شيئاً من {أزواج} أي بأن تطلق بعض هؤلاء المعينات وتأخذ بدلها من غيرهن بعقد النكاح بحيث لا يزيد العدد على تسع، فعلم بهذا أن الممنوع منه نكاح غيرهن مع طلاق واحدة منهن أولاً، وهو يؤيد الرواية الأولى عن ابن عباس رضي الله عنهما لأن المتبدل بها لا تكون إلا معلومة العين، والجواب عن قول أم هانئ رضي الله عنها أنه فهم منها، لا رواية عن النبي صلى الله عليه وسلم، وأما عند موت واحدة منهن فلا حرج في نكاح واحدة بدلها. ولما علم من هذا المنع من كل زوجة بأيّ صفة كانت، أكد معنى وحققه، وصرح به في قوله حالاً من فاعل "تبدل": {ولو أعجبك حسنهن} أي النساء المغايرات لمن معك، وفي هذا إباحة النظر إلى من يراد نكاحها لأن النظرة الأولى لا تكاد تثبت ما عليه المرئي من حاق الوصف؛ ولما كان لفظ النساء شاملاً للأزواج والإماء، بين أن المراد الأزواج فقط بقوله: {إلا ما ملكت يمينك} أي فيحل لك منهن ما شئت، وقد ملك رسول الله صلى الله عليه وسلم ريحانة رضي الله عنها من سبي بني قريظة، واستمرت في ملكه مدة لا يقربها حتى أسلمت، ثم ملك بعد عام الحديبية مارية رضي الله عنها أو ولده إبراهيم عليه السلام. ولما تقدم سبحانه في هذه الآيات فأمر ونهى وحد حدوداً، حذر من التهاون بشيء منها ولو بنوع تأويل فقال: {وكان الله} أي الذي لا شيء أعظم منه، وهو المحيط بجميع صفات الكمال {على كل شيء رقيباً} أي يفعل فعل المراعي لما يتوقع منه من خلل على أقرب قرب منه بحيث لا يفوت مع رعايته فائت من أمر المرعى، ولا يكون الرقيب إلا قريباً، ولا أقرب من قرب الحق سبحانه، فلا أرعى من رقبته، وهو من أشد الأسماء وعيداً.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن جرير عن ابن عباس {ترجي من تشاء} يقول: تؤخر. وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس في قوله {ترجي من تشاء منهن} قال: أمهات المؤمنين {وتؤوي} يعني نساء النبي صلى الله عليه وسلم، ويعني بالارجاء يقول: من شئت خليت سبيله منهن، ويعني بالايواء يقول: من أحببت أمسكت منهن. وقوله {ومن ابتغيت ممن عزلت فلا جناح عليك ذلك أدنى أن تقر أعينهن ولا يحزن ويرضين بما آتيتهن كلهن} يعني بذلك النساء اللاتي أحلهن الله له من بنات العمة، والخال، والخالة، وقوله {اللاتي هاجرن معك} يقول: إن مات من نسائك التي عندك أحد، أو خليت سبيلها، فقد أحللت لك مكان من مات من نسائك اللاتي كن عندك، أو خليت سبيلها، فقد أحللت لك أن تستبدل من اللاتي أحللت لك، ولا يصلح لك أن تزاد على عدة نسائك اللاتي عندك شيئاً. وأخرج ابن مردويه عن مجاهد قال: كان للنبي صلى الله عليه وسلم تسع نسوة فخشينا أن يطلقهن فقلن: يا رسول الله اقسم لنا من نفسك ومالك ما شئت، ولا تطلقنا فأنزل الله {ترجي من تشاء منهن وتؤوي إليك من تشاء} إلى آخر الآية. قال: وكان المؤويات خمسة: عائشة. وحفصة. وأم سلمة. وزينب. وأم حبيبة. والمرجآت أربعة: جويرية. وميمونة. وسودة. وصفية. وأخرج ابن مردويه عن سعيد بن المسيب عن خولة بنت حكيم قال: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوّجها فارجأها فيمن أرجا من نسائه. وأخرج ابن سعد عن محمد بن كعب القرظي قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم موسعاً عليه في قسم أزواجه، يقسم بينهن كيف شاء، وذلك قوله الله {ذلك أدنى أن تقر أعينهن} إذا علمن أن ذلك من الله. وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم موسعاً عليه في قسم أزواجه أن يقسم بينهن كيف شاء، فلذلك قال الله {ذلك أدنى أن تقر أعينهن} إذا علمن أن ذلك من الله. وأخرج عبد بن حميد عن الشعبي. أن امرأة من الأنصار وهبت نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم، وكانت فيمن ارجىء. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن الحسن قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خطب امرأة، لم يكن لرجل أن يخطبها حتى يتزوّجها أو يتركها. وأخرج أحمد والبخاري ومسلم وابن جرير عن الحسن وابن أبي حاتم وابن مردويه عن عائشة قالت: كنت أغار من اللاتي وهبن أنفسهن لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأقول: كيف تهب نفسها؟ فلما أنزل الله {ترجي من تشاء منهن وتؤوي إليك من تشاء ومن ابتغيت ممن عزلت فلا جناح عليك} قلت: ما أرى ربك الا يسارع في هواك. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن ماجة وابن جرير وابن المنذر والحاكم وصححه وابن مردويه عن عائشة رضي الله عنها أنها كانت تقول: أما تستحي المرأة أن تهب نفسها للرجل! فأنزل الله في نساء النبي صلى الله عليه وسلم {ترجي من تشاء منهن وتؤوي إليك من تشاء} فقال عائشة رضي الله عنها: أرى ربك يسارع في هواك. وأخرج ابن سعد عن عائشة رضي الله عنها قالت: لما نزلت {ترجي من تشاء منهن} قلت: إن الله يسارع لك فيما تريد. وأخرج ابن سعد وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في السنن عن الشعبي رضي الله عنه قال: كن نساء وهبن أنفسهن لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فدخل ببعضهن وارجأ بعضهن، فلم يقربن حتى توفي، ولم ينكحن بعده. منهن أم شريك فذلك قوله {ترجي من تشاء منهن وتؤوي إليك من تشاء}. وأخرج ابن سعد وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي زيد رضي الله عنه قال: همَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يطلق من نسائه، فلما رأين ذلك أتينه فقلن: لا تخل سبيلنا وأنت في حل فيما بيننا وبينك، افرض لنا من نفسك ومالك ما شئت، فأنزل الله {ترجي من تشاء منهن} نسوة. يقول: تعزل من تشاء فارجأ منهن واوى نسوة، وكان ممن أرجىء ميمونة. وجويرية. وأم حبيبة. وصفية. وسودة. وكان يقسم بينهن من نفسه وماله ما شاء، وكان ممن آوى عائشة. وحفصة. وأم سلمة. وزينب. فكانت قسمته من نفسه وماله بينهن سواء. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن شهاب رضي الله عنه في قوله {ترجي من تشاء} قال: هذا أمر جعله الله إلى نبيه صلى الله عليه وسلم في تأديبه نساءه، لكي يكون ذلك أقر لأعينهن، وأرضى في عيشتهن، ولم نعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم أرجأ منهن شيئاً، ولا عزله بعد أن خيرهن فاخترنه. وأخرج ابن سعد عن ثعلبة بن مالك رضي الله عنه قال: هم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يطلق بعض نسائه، فجعلنه في حل فنزلت {ترجي من تشاء منهن وتؤوي إليك من تشاء} . وأخرج الفريابي وابن سعد وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله {ترجي من تشاء منهن} قال: تعتزل من تشاء منهن لا تأتيه بغير طلاق {وتؤوي إليك من تشاء} قال: ترده إليك {ومن ابتغيت ممن عزلت} أن تؤويه إليك إن شئت. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما {ترجي} قال: تؤخر. وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه قال: لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يطلق، كان يعتزل. وأخرج البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن عائشة رضي الله عنها: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يستأذن في يوم المرأة منا بعد أن أنزلت هذه الآية {ترجي من تشاء منهن} فقلت لها: ما كنت تقولين؟ قالت: كنت أقول له: إن ذاك إلي فإني لا أريد أن أوثر عليك أحداً.
ابو السعود
تفسير : {تُرْجِى مَن تَشَاء مِنْهُنَّ} أيْ تُؤخِّرها وتتركُ مضاجعتَها {وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَن تَشَاء} وتضمُّ إليكَ مَن تشاءُ منهنَّ وتُضاجعها أو تطلِّق مَن تشاءُ منهنّ وتُمسك مَن تشاءُ. وقُرىء تُرجىء بالهمزةِ والمعنى واحدٌ. {وَمَنِ ٱبْتَغَيْتَ} أي طلبتَ {مِمَّنْ عَزَلْتَ} طلَّقتَ بالرَّجعةِ {فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكَ} في شيءٍ مَّما ذُكر وهذه قسمةٌ جامعةٌ لما هو الغرضُ، لأنَّه إمَّا أنْ يطلِّقَ أو يمسكَ فإذا أمسكَ ضاجعَ أو تركَ وقسمَ أو لم يقسم، وإذا طلِّق فإمَّا أنْ يخلِّيَ المعزولةَ أو يبتغيَها. ورُوي أنَّه أَرْجى منهنَّ سَوْدةَ وجُويريةَ وصفيَّةَ وميمُونةَ وأمَّ حبـيبةٍ فكانَ يقسمُ لهنَّ ما شاءَ كما شاءَ وكانتْ ممَّا آوى إليهِ عائشةُ وحفصةُ وأمُّ سلمةٍ وزينبُ. وأرجَى خمْساً وآوى أربعاً، ورُوي أنَّه كان يُسوِّي بـينهنَّ مع ما أُطلق له وخُيِّر، إلا سودَة فإنَّها وهبتْ ليلتَها لعائشةَ رضي الله عنهنَّ وقالتْ: لا تُطلِّقْني حَتَّى أُحشرَ في زُمرةِ نسائكِ {ذٰلِكَ} أي ما ذُكر من تفويضِ الأمرِ إلى مشيئتِك {أَدْنَى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلاَ يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِمِآ ءَاتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ} أي أقربُ إلى قُرَّةِ عُيونهنَّ ورضاهنَّ جميعاً لأنَّه حكمٌ كلُّهنَّ فيهِ سواءٌ ثمَّ إنْ سَوَّيتَ بـينهنَّ وجدنَ ذلكَ تفضُّلاً منكَ وإنْ رجَّحت بعضهنَّ علمنَ أنَّه بحكمِ الله فتطمئنَّ به نفوسُهنَّ وقُرىء تُقِرَّ بضمِّ التَّاءِ ونصب أعينهنَّ وتُقَرُّ على البناءِ للفعمولِ وكلهنَّ تأكيدٌ لنونِ يرضينَ. وقُرىء بالنَّصبِ على أنَّه تأكيدٌ لهنَّ {وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِى قلُوبِكُمْ} من الضَّمائرِ والخواطرِ فاجتهدُوا في إحسانِها {وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيماً} مُبالغاً في العلمِ فيعلمُ كلَّ ما تُبدونَهُ وتُخفونَهُ {حَلِيماً} لا يُعاجلُ بالعقوبةِ فلا تغترُّوا بتأخيرِها فإنَّه إمهالٌ لا إهمالٌ.
القشيري
تفسير : قوله جلّ ذكره: {تُرْجِي مَن تَشَآءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِيۤ إِلَيْكَ مَن تَشَآءُ وَمَنِ ٱبْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكَ ذَلِكَ أَدْنَىٰ أَن تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلاَ يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِمَآ آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ}. {مَن تَشَآءُ}: على ما تتعلَّق به إرادتُك، ويقع عليه اختيارُك، فلا حَرَج عليكَ ولا جُنَاح.
اسماعيل حقي
تفسير : {ترجى من تشاء منهن} قرأ نافع وحمزة والكسائى وحفص وابو جعفر ترجى بياء ساكنة والباقون ترجئ بهمزة مضمومة. والمعنى واحد اذ الياء بدل من الهمزة وذكر فى القاموس فى الهمزة ارجأ الامر اخره وترك الهمزة لغة وفى الناقص الارجاء التأخير وهو بالفارسية [وابس افكندن]. قال فى كشف الاسرار الارجاء تأخير المرأة من غير طلاق والمعنى تؤخر يا محمد من تشاء من ازواجك وتترك مضاجعتها من غير نظر الى نوبة وقسم وعدل {وتؤوى اليك من تشاء} يقال اوى الى كذا اى انضم وآواه غيره ايواء اى وتضمها اليك وتضاجعها من غير التفات الى نوبة وقسمة ايضا فالاختيار بيديك فى الصحبة بمن شئت ولو اياما زائدة على النوبة وكذا فى تركها او تطلق من تشاء منهن وتمسك من تشاء او تترك تزوج من شئت من نساء امتك وتتزوج من شئت كما فى بحر العلوم {ومن ابتغيت} اى وتؤوى اليك ايضا من ابتغيتها وطلبتها {ممن عزلت} اى طلقتها بالرجعة. والعزل الترك والتبعيد {فلا جناح} لا اثم ولا لوم ولا عتاب ولا ضيق {عليك} فى شئ مما ذكر من الامور الثلاثة كما فى كشف الاسرار [درين هرسة برتوتنكى نيست]. وقال فى الكواشى من مبتدأ بمعنى الذى او شرط نصب بقوله ابتغيب وخبر المبتدأ وجواب الشرط على التقديرين فلا جناح عليك وهذه قسمة جامعة لما هوالغرض وهو اما ان يطلق واما ان يمسك واذا امسك ضاجع او ترك وقسم او لم يقسم واذا طلق فاما ان لا يبتغى المعزولة او يبتغيها. والجمهور على ان الآية نزلت فى القسم بينهن فان التسوية فى القسم كانت واجبة عليه فلما نزلت سقط عنه وصار الاختيار اليه فيهن وكان ذلك من خصائصه عليه السلام ـ ويروى ـ ان ازواجه عليه السلام لما طلبن زيادة النفقة ولباس الزينة هجر شهرا حتى نزلت آية التخيير فاشفقن ان يطلقهن وقلن يا نبى الله افرض لنا من نفسك ومالك ما شئت ودعنا على حالنا فارجأ منهن خمسا ام حبيبة وميمونة وسودة وصفية وجويرية فكان يقسم لهن ما شاء وآوى اليه اربع عائشة وحفصة وزينب وام سلمة فكان يقسم بينهن سواء. ويروى انه عليه السلام لم يخرج احدا منهن عن القسم بل كان يسوى بينهن ما اطلق له وخير فيه الاسودة فانها رضيت بترك حقها من القسم ووهبت ليلتها لعائشة وقالت لا تطلقنى حتى احشر فى زمرة نسائك {ذلك} اى ما ذكر من تفويض الامر الى مشيئتك {ادنى ان تقر اعينهن} [نزديكتراست بآنكه روشن شود جشمهاى ايشان] فاصله من القر بالضم وهو البرد وللسرور دمعة قارة اى باردة وللحزن دمعة حارة او من القرار اى تسكن اعينهن ولا تطمح الى ما عاملتهن به. قال فى القاموس قرت عينه تقر بالكسر والفتح قرة وتضم وقرورا بردت وانقطع بكاؤها او رأت ما كانت متشوفة اليه وقر بالمكان يقر بالكسر والفتح قرارا ثبت وسكن كاستقر {ولا يحزن} [واندو هناك نشوند] {ويرضين بما آتيتهن كلهن} [وخوشنود باشند بآنجه دهى ايشانرا يعنى جون همه دانستندكه آنجه توميكنى از ارجاء وايواء وتقريب وتبعيد بفرمان خداست ملول نميشوند] قوله كلهن بالرفع تأكيد لفاعل يرضين وهو النون اى اقرب الى قرة عيونهن وقلة حزنهن ورضاهن جميعا لانه حكم كلهن فيه سواء ثم ان سويت بينهن وجدن ذلك تفضلا منك وان رجحت بعضهن علمن انه بحكم الله فتطمئن به نفوسهن ويذهب التنافس والتغاير فرضين بذلك فاخترنه على الشرط ولذا قصره الله عليهن وحرم عليه طلاقهن والتزوج بسواهن وجعلهن امهات المؤمنين كما فى تفسير الجلالين {والله} وحده {يعلم ما فى قلوبكم} من الضمائر والخواطر فاجتهدوا فى احسانها {وكان الله عليما} مبالغا فى العلم فيعلم ما تبدونه وما تخفونه {حليما} لا يعاجل بالعقوبة فلا تغتروا بتأخيرها فانه امهال لا اهمال شعر : نه كردن كشانرا بكيرد بفور نه عذر آورانرا راند بجور وكر خشم كيرد بكردار زشت جو باز آمدى ماجرا در نوشت مكن يك نفس كار بد اى بسر جه دانى دجه آيد بآخر بسر تفسير : وفى التأويلات النجمية لما انسلخت نفسه عليه السلام عن صفاتها بالكلية لم يبق له ان يقول يوم القيامة نفسى نفسى ومن هنا قال "حديث : اسلم الشيطان على يدى" تفسير : فلما اتصفت نفسه بصفات القلب وزال عنها الهوى حتى لا ينطق بالهوى اتصفت دنياه بصفات الآخرة فحل له الدنيا ما يحل لغيره فى الآخرة لانه نزع من صدره فى الدنيا غل ينزع من صدره غيره فى الآخرة كما قال {أية : ونزعنا ما فى صدورهم من غل} تفسير : وقال فى حقه {أية : ألم نشرح لك صدرك} تفسير : يعنى نزع الغل منه فقال الله تعالى له فى الدنيا {ترجى من تشاء} الخ اى على من تتعلق به ارادتك ويقع عليه اختيارك فلا حرج عليك ولا جناح كما يقول لاهل الجنة {أية : ولكم فيها ما تشتهى الانفس وتلذ الاعين} تفسير : {وكان الله عليما} فى الازل بتأسيس بنيان وجودك على قاعدة محبوبيتك ومحبيتك {حليما} فيما صدر منك فيحلم عنك ما لم يحلم عن غيرك انتهى. قيل انما يقع ظله عليه السلام على الارض لانه نور محض وليس للنور ظل. وفيه اشارة الى انه افنى الوجود الكونى الظلى وهومتجسد فى صورة البشر ليس له ظلمة المعصية وهو مغفور عن اصل. قال بعض الكبار ليس فى مقدور البشر مراقبة الله فى السر والعلن مع الانفس فان ذلك من خصائص الملأ الاعلى. واما رسول الله عليه السلام فكان له هذه المرتبة فلم يوجد الا فى واجب او مندوب او مباح فهو ذاكر الله على احيانه. وما نقل من سهوه عليه السلام فى بعض الامور فهو ليس كسهو سائر الخلق الناشئ عن رعونة الطبع وغفلته حاشاه عن ذلك بل سهوه تشريع لامته ليقتدوا به فيه كالسهو فى عدد الركعات حيث انه عليه السلام صلى الظهر ركعتين ثم سلم فقال ابو بكر رضى الله تعالى عنه صليت ركعتين فقام واضاف اليهما ركعتين وبعض سهوه عليه السلام ناشئ عن الاستغراق والانجذاب ولذلك كان يقول "حديث : كلمينى يا حميراء " تفسير : والحاصل ان حاله عليه السلام ليس كاحوال افراد امته ولذا عامل الله تعالى به ما لم يعامل بغيره اذ هو يعلم ما فى القلوب والصدور ويحيط باطراف الامور نسأل منه التوفيق لرضاه والوسيلة لعطاه وهو المفيض على كل نبى وولى والمرشد فى كل امر خفى وجلى
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جلّ جلاله لرسوله صلى الله عليه وسلم: {تُرْجي من تشاء منهن} أي: تؤخرها في القسمة، {وتُؤوي إِليك من تشاء} أي: تضمها إليك، والمعنى: تترك مضاجعة مَن تشاء منهن وتضاجع مَن تشاء، فقد خيّره الله في القسمة وعدمها. قال أبو رزين: لما نزلت آية التخيير أشفقن أن يُطلَّقن، فقلن: يا نبيَّ الله؛ اجعل لنا من مالك ونفسك ما شئت، ودَعْنا على حالنا، فكان ممن أرجى منهن: سودة، وجويرية، وصفية، وميمونة، وأم حبيبة، فكان يقيم لهن ما يشاء، وكان ممن آوى إليه عائشة، وحفصة، وأم سلمة، وزينب، فكان يقسم لهن بالسوية، لا يفضل بعضهن على بعض. فآوى أربعاً وأرجى خمساً. وقيل: إنه كان صلى الله عليه وسلم يسوّي بين الجميع في القسم، إلا سودة، فإنها وهبت ليلتها لعائشة، حين همّ بطلاقها، وقالت: لا تطلّقني حتى أُحْشَر في زمرتك وفي نسائك. والجمهور على أنه صلى الله عليه وسلم كان يعدل في القسمة بين نسائه، أخذاً منه بأفضل الأخلاق، مع أن الله خيّره. وقيل: {تُرجي من تشاء} أي: تطلق من تشاء منهن، وتُمسك من تشاء. وقيل: تترك تزوج من شئت من أمتك، وتتزوج من شئت. {ومن ابتغيتَ مِمَّنْ عزلتَ فلا جُناحَ عليك} أي: ومَن دعوت إلى فراشك، وطلبت صحبتها، ممن عزلت عن نفسك بالإرجاء، فلا ضيق في ذلك، أي: ليس إذا عزلتها من القسمة، أو من العصمة، لم يجز لك ردّها إلى نفسك، بل افعل ما شئت، فلا حرج عليك. {ذلك} التفويض إلى مشيئتك {أَدْنَى أَن تَقَرَّ أَعْيُنهنَّ ولاَ يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِمَا آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُن} أي: هو أقرب إلى قرة أعينهن، وقلة حزنهن، ورضاهن جميعاً؛ لأنه إذا علمن أنّ هذا الحكم من عند الله اطمأنت نفوسهنّ، وذهب التغاير، وحصل الرضا، وقرّت العيون. قلت: والذي يظهر أن مَن أرجاه صلى الله عليه وسلم من النساء إنما كان بوحي، ومَن ضمه كذلك؛ إذ لا يتصرف إلا بإذن من الله، فإذا عَلِمَ النساءُ أن الإرجاء والإيواء كان بوحي من الله؛ رضين بذلك، وقرّت أعينهن، وزال تغايرهن، وأما مطلق التفويض إليه فقط، فلا يقطع الغيرة في العادة، فالإشارة تعود إلى حكم الإرجاء والإيواء فتأمله. و "كلهن": تأكيد ضمير "يَرْضَيْن". {واللهُ يعلم ما في قلوبكم} من أمر النساء، والميل إلى بعضهن، أو: يعلم ما في قلوبكم من الرضا بحُكم الله والتفويض إليه، ففيه تهديد لمَن لم يرضَ منهم بما دبَّر الله، وفوّض إلى رسوله، {وكان الله عليماً} بذات الصدور، {حليماً} لا يُعاجل بالعقوبة، فهو حقيق بأن يُتقى ويُحذر. الإشارة: إذا تحقق فناء العبد وزواله، وتكملت ولايته، كان مفوضاً إليه في الأمور، يفعل ما يشاء، ويترك ما يشاء، لم يبقَ عليه تحجير، ولم يتوجه إليه عتاب؛ لأن العبد المملوك إذا تحققت محبة سيده له، كتب له عقد التحرير. وشاهده حديث: "حديث : إِذَا أحَبَّ الله عَبْداً لمْ يضُره ذَنْبٌ"تفسير : ،وحديث البخاري: "حديث : لعلَّ الله اطَّلَعَ على أهلِ بَدْرٍِ فقال: اعملوا ما شئتم، فقد غَفَرتُ لكُمْ" تفسير : .وسببه معلوم. وفي القوت عن زيد بن أرقم: إن الله عزّ وجل ليُحب العبد، حتى يبلغ من حبه أن يقول له: اصنع ما شئت، فقد غفرت لك. وقال الشيخ أبو الحسن الشاذلي رضي الله عنه: يبلغ الولي مبلغاً يُقال له: أصحبناك السلامة، وأسقطنا عنك الملامة، فاصنع ما شئت. ومصداقه من كتاب الله: قوله تعالى في حق سليمان عليه السلام: {أية : هَذَا عَطَآؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ}تفسير : [ص: 39]. وهذا وإن كان للنبي من أجل العصمة، فلَمِنْ كان من الأولياء في مقام الإمامة قسط منه، من أجل الحفظة. وقال أيضاً رضي الله عنه في بعض أدعيته: وأدرج أسمائي تحت أسمائك، وصفاتي تحت صفاتك، وأفعالي تحت أفعالك، درج السلامة، وإسقاط الملامة، وتنزُل الكرامة، وظهور الإمامة. هـ. فإذا اندرجت أسماء العبد وصفاته وأفعاله تحت أسماء الرب، وصفاته، وأفعاله، لم يبقَ للعبد وجود أصلاً، وكان الفعل كله بالله، ومن الله، وإلى الله. وهذا مقام عزيز، لا يناله إلا الأفراد من أهل الفناء في الله، والبقاء بالله، وقد غطى وصفهم بوصفه، ونعتهم بنعته، فغيَّبهم عن اسمهم ورسمهم، فهم بالله فيما يفعلون ويذرُون. والله تعالى أعلم. ثم قال تعالى: {لاَّ يَحِلُّ لَكَ ٱلنِّسَآءُ مِن بَعْدُ...}
الطوسي
تفسير : قرأ ابن كثير وابو عمرو وابن عامر وابوبكر عن عاصم {ترجئ} مهموزة. الباقون بغير همز. من همز خففها ومن ترك الهمز لين، وهما لغتان يقال: أرجئت وأرجيت. وقرأ ابو عمرو وحده {لا تحل} بالتاء. الباقون بالياء. فمن قرأ بالتاء، فلان النساء مؤنثة. ومن قرأ بالياء حمله على اللفظ لأن المعنى: لا يحل لك شيء من النساء. هذا خطاب من الله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وآله يخيره في نسائه بين أن يرجئ منهن من شاء أي تؤخر وتبعد. قال ابن عباس: خيره الله بين طلاقهن وإمساكهن. وقال قوم: معناه تترك نكاح من شئت وتنكح من شئت من نساء أمتك. وقال مجاهد: معناه تعزل من شئت من نسائك فلا تأتيها وتأتي من شئت من نسائك فلا تقسم لها، فعلى هذا يكون القسم ساقطاً عنه فكان ممن أرجى ميمونه وأم حبيبة وصفية وسودة، فكان يقسم لهن من نفسه وماله ما شاء، وكان ممن يأوي عائشة وحفصة وأم سلمة وزينب، فكان يقسم نفسه وماله بينهن بالسوية. وقال زيد بن اسلم: نزلت في اللاتي وهبن انفسهن فقال الله له تزوج من شئت منهن واترك من شئت، وهو اختيار الطبري وهو أليق بما تقدم. فالارجاء هو التأخير وهو من تبعيد وقت الشيء عن وقت غيره ومنه الارجاء في فساق أهل الصلاة، وهو تأخير حكمهم بالعقاب إلى الله {وتؤوي منهن من تشاء} فالايواء: ضم القادر غيره من الاحياء الذين من جنس ما يعقل إلى غيره أو ناحيته، تقول آويت الانسان آويه إيواء وأوى هو يأوي أوياً إذا انضم إلى مأواه. وقوله {ومن ابتغيت} يعني من طلبت {ممن عزلت} قال قتادة: كان نبي الله يقسم بين أزواجه فأحل الله تعالى له ترك ذلك. وقيل {ومن ابتغيت} اصابته ممن كنت عزلت عن ذلك من نسائك. وقال الحسن {ترجي من تشاء منهن} تذكر المرأة للتزويج ثم ترجيها فلا تتزوجها {فلا جناح عليك} أي لا جناح عليك في ابتغاء من شئت وإرجاء من عزلت وإيواء من شئت {ذلك أدنى أن تقر أعينهن ولا يحزن} أي اقرب إذا علمن أن الرخصة من قبل الله كان ذلك اقر لعينهن، وإنهن لا يطلقن وأشد لسرورهن وهو قول قتادة. وقيل {ذلك أدنى أن تقر أعينهن} إذا طمعت في ردّها إلى فراشها بعد عزلها {ويرضين بما آتيتهن كلهن} رفع {كلهنّ} على تأكيد الضمير وهو النون في {يرضين} لا يجوز غير ذلك، لان المعنى عليه. ثم قال {والله يعلم ما في قلوبكم} من الرضا والسخط والميل إلى بعض النساء دون بعض {وكان الله عليماً} بذلك {حليماً} عن ان يعاجل أحداً بالعقوبة. وقوله {لا يحل لك النساء من بعد ولا أن تبدل بهن} قال ابن عباس والحسن: بعد التسع اللاتي كن عنده واخترنه مكافأة لهن على اختيارهن الله ورسوله. وقال ابي بن كعب لا يحل لك من بعد أي حرم عليك ما عدا اللواتي ذكرن بالتحليل في {إنا أحللنا لك....} الآية. وهن ست أجناس النساء اللاتي هاجرن معك وإعطائهن مهورهن وبنات عمه وبنات عماته وبنات خاله وبنات خالاته اللاتي هاجرن معه، ومن وهبت نفسها له بجميع ما شاء من العدد، ولا يحل له غيرهن من النساء. وقال مجاهد: {لا يحل لك النساء} من أهل الكتاب ويحل لك المسلمات. وروى أن حكم هذه الآية نسخ، وأبيح له ما شاء من النساء أي أي جنس أراد، وكم أراد، فروي عن عائشة انها قالت: لم يخرج النبي محمد صلى الله عليه وآله من دار الدنيا حتى حلل الله له ما أراد من النساء، وهو مذهب اكثر الفقهاء. وهو المروي عن أصحابنا في أخبارنا. {ولا أن تبدل بهن من أزواج} قال ابن زيد: معناه أن تعطي زوجتك لغيرك وتأخذ زوجته. لان أهل الجاهلية كانوا يتبادلون الزوجات. وقيل: معناه تطلق واحدة وتتزوج أخرى بعدها {ولو أعجبك حسنهن إلا ما ملكت يمينك} استثناء الاماء أي اللاتي تملكهن من جملة ما حرم عليه من النساء {وكان الله على كل شيء رقيباً} أي عالماً حافظاً، فالرقيب الحفيظ - في قول الحسن وقتادة - قال الشاعر: شعر : لواحد الرقباء للضرباء ايديهم نواهد تفسير : ثم خاطب المؤمنين فقال {يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم} نهاهم عن دخول دور النبي بغير اذن {إلى طعام غير ناظرين إناه} أي بلوغه، وكان يداريهم، وهو نصب على الحال، يقال في الطعام: أناى يأني إذا بلغ حال النضج، قال الشاعر [الشيباني]. شعر : تمخضت المنون له بيوم اني ولكل حادثة تمام تفسير : وقال الحطيئة: شعر : وأخرت العشاء إلى سبيل او الشعري فطال بي الاناء تفسير : وقال البصريون: لا يجوز {غير ناظرين} بالجر على صفة {طعام} لان الصفة إذا جرت على غير من هي له لم يضمر الضمير، واجاز ذلك الفراء وانشد الاعشى: شعر : فقلت له هذه هاتها الينا بأدماء مقتادها تفسير : والمعنى على يدي من اقتادها، وقال الكسائي: سمعت العرب تقول: يدك باسطها، أي انت. وقال الزجاج: لو جر (غير) لقال: إلى طعام غير ناظرين إناه انتم، لا يجوز إلا ذلك. والمعنى غير منتظرين بلوغ الطعام. ثم قال {ولكن إذا دعيتم فادخلوا} والمعنى إذا دعيتم إلى طعام فادخلوا {فإذا طعمتم فانتشروا ولا مستأنسين لحديث} أي تفرقوا ولا تقيموا ولا تستأنسوا بطول الحديث، وإنما منعوا من الاستئناس من اجل طول الحديث لان الجلوس يقتضي ذلك، والاستئناس هو ضد الاستيحاش، والانس ضد الوحشة، وبين تعالى فقال "لأن ذلك" الاستئناس بطول الجلوس {كان يؤذي النبي فيستحيي منكم} أي من الحاضرين، فيسكت على مضض ومشقة {والله لا يستحيي من الحق} ثم قال {وإذا سألتموهن متاعاً} يعني إذا سألتم أزواج النبي شيئاً تحتاجون اليه {فاسألوهن من وراء حجاب} وستر {ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن} من الميل إلى الفجور. ثم قال {وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله} قال ابو عبيدة {كان} زائدة والمعنى ليس {لكم أن تؤذوا رسول الله} بطول الجلوس عنده، ومكالمة نسائه {ولا} يحل لكم ايضاً {أن تنكحوا أزواجه من بعده أبداً} لانهن صرن بمنزلة أمهاتكم في التحريم. وقال السدي: لما نزل الحجاب قال رجل من بني تيم أنحجب من بنات عمنا إن مات عرسنا بهن، فنزل قوله {ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبداً إن ذلكم} إن فعلتموه {كان عند الله عظيماً}. ثم قال لهم {إن تبدوا شيئاً} أي إن اظهرتموه من مواقعة النساء {أو تخفوه فإن الله كان بكل شيء عليماً} لا يخفى عليه شيء من أعمالكم لا ظاهرة ولا باطنة. ثم استثنى لازواج النبي محمد صلى الله عليه وآله من يجوز لها محادثتهم ومكالمتهم، فقال {لا جناح عليهن في آبائهن ولا أبنائهن ولا إخوانهن ولا أبناء إخوانهن ولا أبناء أخواتهن ولا نسائهن ولا ما ملكت أيمانهن} ولم يذكر العم والخال لانه مفهوم من الكلام، لان قرباتهم واحدة، لأنهن لا يحللن لواحد من المذكورين بعقد نكاح على وجه، فهن محرم لهن {ولا نسائهن ولا ما ملكت أيمانهن} قال قوم: من النساء والرجال. وقال آخرون من النساء خاصة. وهو الأصح. وقال مجاهد: رفع الجناح - ها هنا - في وضع الجلباب للمذكورين. وقال قتادة: في ترك الاحتجاب، ثم أمرهن بأن يتقين الله ويتركن معاصيه فقال {واتقين الله إن الله كان على كل شيء شهيداً} أي عالماً لا يخفى عليه شيء من ذلك. وقال الشعبي وعكرمة: وإنما لم يذكر العم والخال، لئلا ينعتاهن لابنائهما. وكان سبب نزول الآية لما نزل الحجاب، قوله {فاسألوهن من وراء حجاب} قال آباء النساء وابناؤهن: ونحن ايضاً مثل ذلك، فانزل الله الآية وبين أن حكم هؤلاء بخلاف حكم الاجانب.
الجنابذي
تفسير : {تُرْجِي مَن تَشَآءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِيۤ إِلَيْكَ مَن تَشَآءُ} قد مضى سبب نزول هذه الآية عند قوله تعالى: يا ايّها النّبىُّ قلا لازواجك ان كنتنّ تردن الحيٰوة الدّنيا (الآية) والمعنى تقدّم من تشاء من نسائك فى المضاجعة والايواء اليك من غير نظرٍ الى القسم فيكون الآية توسعةً عليه فى القسم بين نسائه، او المعنى تعزل من تشاء منهنّ بغير طلاقٍ وتردّ اليك من تشاء بعد عزلك تسعةً وعشرين يوماً، او المعنى تطلّق من تشاء وتمسك من تشاء، او المعنى تترك نكاح من شئت من نساء امّتك وتنكح من شئت منهنّ، وعلى اىّ تقديرٍ فالجملة جوابٌ لسؤالٍ مقدّرٍ وتوسعة له (ص) بالنّسبة الى ازواجه ونكاحه، وهل كان تخييره لنسائه بين اختيار الدّنيا واختيار الله ورسوله (ص) طلاقاً لهنّ بعد اختيارهنّ الدّنيا او كنّ محتاجاتٍ الى الطّلاق وكذلك عزله (ص) وارجاؤه لهنّ؟ فعن الباقر (ع) انّه سئل عن رجل خيّر امرأته فاختارت نفسها بانت؟- قال: لا، انّما هذا شيءٌ كان لرسول الله (ص) امر بذلك ففعل، ولو اخترن انفسهنّ لطلّقهنّ وهو قول الله تعالى: قل لازواجك ان كنتنّ (الآية) {وَمَنِ ٱبْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكَ} من دون عقدٍ جديدٍ {ذَلِكَ} التّخيير والتّوسعة عليك، او ذلك الاذن فى ترك القسم والتّسوية بينهنّ، او ذلك الاذن فى ابتغاء من عزلت، او ذلك الاذن فى نكاح الواهبات لانفسهنّ وتركك لنكاحهنّ {أَدْنَىٰ أَن تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ} اى اعين ازواجك {وَلاَ يَحْزَنَّ} بترك القسم لهنّ وترك التّسوية بينهنّ {وَيَرْضَيْنَ بِمَآ آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ} قرئ تقرّ من الثّلاثىّ المجرّد مبنيّاً للفاعل، وقرئ من باب الافعال مبنيّاً للمفعول، واعينهنّ بالرّفع فيهما، وقرئ من باب الافعال مبنيّاً للفاعل، واعينهنّ بالنّصب، وقرئ كلّهنّ بالرّفع تأكيداً لضمير يرضين، وبالنّصب تأكيداً لضمير آتيتهنّ {وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قلُوبِكُمْ} جمع ازواجه او امّته او الجميع معه (ص) فىالخطاب، او صرف الخطاب عنه الى امّته، او الى امّته وازواجه {وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيماً} عطف بمنزلة التّعليل {حَلِيماً} فلا يعاجلكم بعقوبة ما فى قلوبكم لحلمه، لا لجهله، ولا لعجزه.
الهواري
تفسير : قوله: {تُرْجِي مَن تَشَآءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَن تَشَآءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكَ} تفسير الحسن: {تُرْجِي مَن تَشَآءُ مِنْهُنَّ} أي: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يذكر المرأة للتزويج ثم يرجيها، أي: يتركها فلا يتزوّجها. قال: {وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَن تَشَآءُ} أي: يتزوَّج من يشاء. وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا ذكر امرأة ليتزوّجها لم يكن لأحد أن يعرّض بذكرها حتى يتزوّجها رسول الله أو يتركها. قوله: {وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ} يقول: ليس عليك لهن قسمة، ومن ابتغيت من نسائك للحاجة ممن عزلت ولم تُرِد منها الحاجة {فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكَ}. قال: {ذَلِكَ أَدْنَى} أي: أجدر {أَن تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ} أي: إذا علمن أنه من قبل الله {وَلاَ يَحْزَنَّ} على أن تخص واحدة منهن دون الأخرى {وَيَرْضَيْنَ بِمَآ ءَاتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ} أي: من الخاصة التي تخصّ منهن لحاجتك. وهذا تفسير الحسن. وتفسير الكلبي: {تُرْجِي مِن تَشَآءُ مِنْهُنَّ} يعني من اللائي أحلّ له، إن شاء لم يتزوّج منهن {وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَن تَشَآءُ} أي: تتزوّج منهن من تشاء، {وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكَ ذَلِكَ أَدْنَى أَن تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ} يعني نساءه اللائي عنده يومئذ، يعني التسع، {وَلاَ يَحْزَنَّ} أي: إذا عرفن أنه لا ينكح عليهن. قال: {واللهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَكَانَ اللهُ عَلِيماً حَلِيماً}.
اطفيش
تفسير : {ترجي} بالياء عند الكسائي وحمزة ونافع في رواية حفص وقرأ الباقون بالهمز أي تؤخر. {من تشاء منهن} وترك مضاجعتها او غيرها من الحقوق اللازمة لغيره. {وتؤوي} بتاء مفتوحة وهمزة على الواو ساكنة فواو مكسورة بعدها ياء في قراءة حمزة والكسائي ونافع في رواية حفص وقرأ الباقون بهمزة بعد الواو الاخيرة ومعناه تضم. {إليك من تشاء} وتضاجعها وتصنع لها ما تحب والمراد تؤخر من تشاء بالطلاق وتضم الى نفسك بالامساك من تشاء والأول هو قول مجاهد وقتادة والضحاك واختاره عياض لان سبب نزول الآية تغاير وقع بين ازواج النبي صلى الله عليه وسلم تأذى به فاذا علمن ان الله لم يوجب عليه العدل بينهن زال بعض ما بهن والثاني قول ابن عباس رضي الله عنهما. وقال الحسن بن علي: المعنى في تزوج من شاء وترك من شاء من النساء. قال عياض: وعلى كل حال فالآية توسعة للنبي صلى الله عليه وسلم واباحة له. وقيل: {لا يحل لك النساء من بعد} الآية ناسخ لقوله {ترجي من تشاء منهن وتؤوي إليك من تشاء} في تزوج من شاء وترك من شاء وقيل: بل هذه ناسخة لقوله {لا يحل لك النساء} الخ وروي عن الحسن في معنى الآية انه كان صلى الله عليه وسلم يذكر للمرأة التزوج ثم يتركها وكان اذا ذكر امرأة لتزوج لم يجز لأحد ان يعرض لها بذكر حتى يتزوجها او يتركها وروي انه ارجى سودة وجويرية وصفية وميمونة وام حبيبة وكان يقسم لهن ما شاء كما شاء من غير طلاق وآوى الى نفسه عائشة وحفصة وام سلمة وزينب واراد طلاق سودة ووهبت ليلتها لعائشة وقالت لا تطلني حتى احشر في زمرة نسائك وروي انه لما نزل التخيير خيرهن ان يطلقهن او يمسكهن على ان لا يعدل بينهن في شيء الا ان شاء فاخترن ان يمسكهن بلا عدالة واشفقن من الطلاق فقلن يا نبي الله اجعل لنا من مالك ونفسك ما شئت ودعنا على حالنا وكان صلى الله عليه وسلم مع ذلك الشرط يعدل بينهن الا سودة فوهبت سهمها لعائشة كما مر قال بعض كان العدل بينهن واجبا عليه حتى نزلت هذه الآية فنسخت الوجوب وزعم بعض ان الآية نزلت حين تغايرن وأردن زيادة النفقة واللباس وأردن الحلي وقيل ايضا في معنى الآية ترد من شئت ممن طلبن ان تتزوجهن هبة منهن وتقبل من شئت وعن الحسن تترك جماع من شئت وتجامع من شئت من نسائك وفي المواهب قال عروة بن الزبير: كانت خولة بنت حكيم من اللاتي وهبن انفسهن للنبي صلى الله عليه وسلم فقالت عائشة: اما تستحي المرأة ان تهب نفسها للرجل فلما نزلت {ترجي من تشاء منهن وتؤوي إليك من تشاء} منهن قالت عائشة: يا رسول الله ما ارى ربك لا يسارع في هواك رواه مسلم والبخاري والمراد بالهوى ما يقصده ويريده لا ميل وخولة هذه زوجة عثمان بن مضعون ولعل ذلك وقع منها قبل عثمان انتهى كلام المواهب. {ومن ابتغيت} طلبت بالرجعة. {ممن عزلت} طلقت طلاقا رجعيا. {فلا جناح عليك} في مراجعتها كذا قيل ويحتمل ان يكون المعنى ومن طلبت ان تأوي اليك بعد ما ابعدتها عن المقاسمة فلا جناح عليك في ان تأويها وتجعل لها في القسمة وتبعد الأخرى ان شئت وأجيز ان يكون مؤكدا ومقويا لقوله {ترجى من تشاء}. {ذلك} التخير والتفويض الى مشيئتك. {أدنى} اقرب الى. {أن تقر أعينهن ولا يحزن} عطف على تقر فهو في محل نصب وكذا قوله: {ويرضين} اي اقرب الى قرة اعينهن والى عدم الحزن وقلته والى رضاهن. {بما آتيتهن} من نفسك ومالك. {كلهن} لانه اذا سوى بينهن في الأرجاء والايواء والعزل والابتغاء وجدت كل واحدة انما يصيبها يصيب غيرها من الارجاء والعزل فتذهب الغيرة بذلك مع علمهن ان الله اساغ له ذلك وان عدل بينهن علمن انه تفضل منه ومع ذلك اتفقت الروايات على انه يعدل بينهن تطييبا لنفوسهن وقرأه {تقر} بضم التاء وكسر القاف ونصب عينهن فالفاعل ضميره صلى الله عليه وسلم وقرىء بالبناء للمفعول ورفع الاعين وكلهن توكيد لنون يرضين وقرأ ابن مسعود بالنصب توكيدا للمفعول في آتيتهن وعلى الأول فذلك من فضل التوكيد بمعمول الموكد. {والله يعلم ما في قلوبكم} من أمر النساء والميل الى بعضهن فاحذروا عدم العدل وهذا وعيد على كل عدم العدل وانما خيرناك يا محمد تسهيلا عليك في كل ما اردت لتفضيلنا اياك على غيرك ويحتمل عود الخطاب الى الرجال والنساء جميعا فيكون وعيدا لمن لم ترض من نساء النبي صلى الله عليه وسلم بما دبر الله وعن لم ترض من نساء الرجال الا بما فوق حقها وللرجال ان لم يعدلوا ويجوز ان يراد بما في القلوب جميع ما يكون فيه ومنه ما ذكر من عدم الرضى والعدل ويحتمل ان يكون الخطاب للرجال فقط والذي في قلوبهم عام لأمر النساء وغيره. {وكان الله عليما} بخلقه ظاهرهم وباطنهم. {حليما} لا يعجل بالعقوبة فهو حقيق ان يتقى ولما رضي نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم اكرمهن بأن حرم عليه سواهن وحرم عليه ان يطلقهن ويبدل غيرهن الا ما ملكت يمينه كما قال جل وعلا: {لا يحل} ذكر الفعل للفصل بينه وبين فاعله ولكون الفاعل اسم جمع بمعنى الجمع وهو الفريق وكذا جمع التكسير نحو (وقال نسوة) وجمع التكسير نحو وجاءت الهنود مع ان التأنيث حقيقي وذلك للتأويل بالجمع وهو الفريق وقرأ ابوعمرو ويعقوب بالفوقية المثناة. {لك النساء من بعد} بعد التسعة التي اخترنك قيل وهن التسع التي مات عليهن عائشة وحفصة وام حبيبة بنت ابي سفيان وسودة بنت زمعة وام سلمة بن ابي امية وصفية بنت حيي الخيبرية وميمونة بنت الحارث الهلالية وزينب بن جحش الاسدية وجويرية بنت الحارث المصطلقية. {ولا أن تبدل} أي تتبدل حذفت احدى التائين اي ولا ان تستبدل. {بهن من أزواج} كلهن او بعضهن من صلة ازواج لا تطلقهن او بعضهن وتنكح مكان من طلقت اخرى. {ولو أعجبك حسنهن} اي حسن الأزواج التي تريد ان تجعلهن مكان ازواجك والواو عاطفة على محذوف اي لو لم يعجبك حسنهن ولو اعجبك او للحال وصاحب الحال فاعل تبدل لا مفعوله الذي هو ازواج لتوغله في التنكير كذا قيل والمشهور ان تقديم النفي مسوغ لمجيئ الحال من النكرة ولو جرت بمن الاستغراقية وتوغلت وقد مر ان هذه الآية ناسخة للآية التي تبيح له التوسيع في التزوج مطلقا وهو قول انس وقيل هذه ايضا ناسخة لمبيحة التوسع وهي {ما كان على النبي من حرج} الخ. وهو قول الحسن وقيل هذه منسوخة بالآيتين وان نزولها متقدم عليهما وهو قول عائشة اذ قالت: ما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى احلت له النساء وفي رواية: حتى احل له ان يتزوج من النساء ما شاء. وقيل ايضا منسوخة بقوله {ترجي من تشاء} الخ. وانها متقدمة النزول متأخرة الوضع وممن قال بأن هذه الآية منسوخة ابن عباس في رواية عنه وأجاز بعض ان يكون النسخ في ذلك بالسنة وقيل لأبي بن كعب لو مات نساء النبي صلى الله عليه وسلم أكان يحل له ان يتزوج؟ قال: وما يمنعه من ذلك؟ قيل: لا يحل لك النساء من بعد؟ قال: انما أحل الله ضربا من النساء اذ قال {يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك} الآية ثم قال {لا يحل لك النساء من بعد} الخ اي لا يحل لك ان تترك من ذكر وتبدل به من ليس من بنات عمك او عمتك او خالك او خالتك المهاجرات مثل ان تكون من تلك البنات غير مهاجرة او تبدل به من لم تؤتها اجرها ولم تهب لك نفسها او وهبت ولم تقبلها او تبدل به اما بالتزويج هذا مراد كعب ويحتمل ان يريد ما قال الكلبي: ان رسول الله صلى الله عليه وسلم لما تزوج اسماء بنت النعمان الكندية وكانت من احسن البشر فقلن يتزوج علينا الغرائب ما له فينا حاجة فأحل الله له بنات عمه وعمته وخالته يعني قريش وزهرة. وقيل: معنى {لا يحل لك النساء من بعد} الخ لا تحل لك اليهوديات ولا النصرانيات ولا تبدل المسلمات بهن ولا ينبغي ان يكن امهات المؤمنين وهو قول ابن زيد وابن جبير ومجاهد وقيل: معنى التبدل المنهي عنه في الآية ما تفعله الجاهلية يقول الرجل للرجل بادلني بامرأتك وأبادلك بامرأتي فينزل كل منهما عن زوجته لصاحبه حديث : وقد طلب عيينة بن حصن ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم اذ دخل عليه وعنده عائشة من استئذان فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "اين الاستئذان يا عيينة" قال: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم ما استأذنت على رجل قط ممن مضى منذ ادركت. ثم قال: من هذه الجميلة الى جنبك؟ قال: "هذه عائشة ام المؤمنين" قال: أفلا أنزل لك عن أحسن الخلق. فقال صلى الله عليه وسلم "ان الله حرم ذلك" فلما خرج قالت عائشة: من هذا يا رسول الله قال "أحمق مطاع وانه على ما ترين لسيد قومه" تفسير : قال ابن عباس كان ممن اراد التبدل به لأعجاب حسنها اياه اسماء بنت عميس الخثعمية امرأة جعفر بن ابي طالب لما استشهد رضي الله عنه اراد رسول الله ان يخطبها فنهي عن ذلك. {إلا ما ملكت يمينك} فيجوز لك تسريه والاسثناء متصل لان النساء يشمل الأزواج والاماء وقيل منقطع لان النساء ذكرت على جهة التزوج بدليل السياق والاماء انما هن بالتسري فلا شك ان المتسرات لا تدخل في المتزوجة. وعن بعضهم: هذا استثناء من تحريم ما عدا بنات العم والعمة والخال والخالة وعدم تحليل ما عداهن من العربيات اللاتي لسن كذلك ومن غير العربيات اي الا ما ملكت يمينك من الكتابيات فلك تسريهن مع انهن لسن من بنات العم والعمة والخال والخالة. {وكان الله على كل شيء رقيبا} حافظا فلا تجاوزوا حدوده وزعم الخازن ان في الآية دليل على جواز النظر لمن يريد نكاحها من النساء وانه يدل لذلك ما روي عن جابر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إذ خطب أحدكم امرأة فان استطاع أَن ينظر الى ما يدعوه الى نكاحها فليفعل" تفسير : قال: وعن ابي هريرة حديث : أَن رجلا أَراد أَن يتزوج إِمرأة من الأَنصار فقال النبي صلى الله عليه وسلم "أُنظر اليها فإِن في أعين الأَنصار شيئا" تفسير : قال: قال الحميدي (هو الصعر). قال: عن المغيرة بن شعبة خطبت امرأة فقال لي النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : هل نظرت إِليها فانه احرى ان يدوم بينكم ". تفسير : ازواج النبي صلى الله عليه وسلم التي دخل بهن باتفاق وهن خديجة وهي اول من تزوج باتفاق وتدعى في الجاهلية الطاهرة تزوجها وهي بنت اربعين سنة وبعض اخرى وهو ابن خمس وعشرين سنة عند الاكثر او ابن احدى وعشرين او ابن ثلاثين اقوال هي على الصحيح افضل نسائه وتليها عائشة وعكس بعضهم وفاطمة ابنته افضل منهما ومن غيرهما وقيل خديجة افضل ومريم افضل من الثلاثة وغيرهن وقد قيل بنبوتها. ماتت خديجة بمكة قبل الهجرة بثلاث سنين وقيل بأربع وقيل بخمس ودفنت في الحجون وهي بنت خمس وستين ومدة مقامها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم خمس وعشرون وقيل اربع عشرون وهي التي طلبت تزوجه وسودة بنت زمعة تزوجها صلى الله عليه وسلم بمكة بعد موت خديجة قبل العقد على عائشة ولما كبرت اراد طلاقها فقالت لا تفعل وسهمي لعائشة وماتت بالمدينة في شوال سنة اربع عشرة او خمسة عشرة في خلافة عمر وعائشة ولم يتزوج بكرا غيرها ومات عنها ولها ثمان عشرة سنة اقام معها تسعا وعقد بها ولها ست ودخل ولها تسع وماتت بالمدينة ولها ست وستون عام سبعة خمسين وتقدم الكلام عليها في غير السورة. وحفصة بنت عمر بن الخطاب تزوجها صلى الله عليه وسلم بالمدينة عام ثلاثة وطلقها واحدة فأوحى اليه ان راجعها فانها صوامة قوامة وانها من ازواجك في الجنة ماتت في شعبان عام خمسة واربعين في خلافة معاوية وقيل احدى واربعين وهي بنت ستين وقيل في خلافة عثمان. وأم سلمة واسمها هند على الصحيح وقيل رملة. قال بعضهم: هي أول ضعينة دخلت المدينة مهاجرة وهي من اجمل الناس تزوجها صلى الله عليه وسلم في ليال بقين من شوال من السنة التي مات فيها ابو سلمة وماتت سنة تسع وخمسين وقيل سنة اثنين وخمسين ودفنت بالبقيع وصلى عليها ابو هريرة وقيل سعيد بن زيد ولها اربع وثمانون سنة. وأم حبيبة رملة بنت ابي سفيان بن حرب وقيل اسمها هند بعث صلى الله عليه وسلم عمرو بن امية الى النجاشي ان يخطبها له وهي اذ ذاك في الحبشة مهاجرة فخطبها فوكلت خالد بن سعيد بن العاص فزوجها واصدق النجاشي عنه اربع مائة دينار. وقيل: رجعت الى المدينة فعقد عليها ولعل ذلك في الهجرة الثانية من مكة الى الحبشة وماتت بالمدينة سنة اربع واربعين وقيل اثنين واربعين. وزينب بنت جحش تزوجها سنة خمس وقيل ثلاث وهي اول من مات من ازواجه بعده وتقدم الكلام عليها في السورة وهي زوجة زيد بن حارثة. وزينب بنت خزيمة بن الحارث الهلالية تدعى في الجاهلية ام المساكين باطعامها اياهم تزوجها صلى الله عليه وسلم سنة ثلاث ولم تلبث عنده الا شهرين او ثلاثة وقيل ثمانية اشهر فماتت في ربيع الاخير سنة اربع ودفنت بالبقيع. وميمونة بنت الحارث الهلالية تزوجها صلى الله عليه وسلم بمكة معتمرا سة سبع بعد غزوة خيبر وبني بها في سرف رجع وهو حلال وقيل تزوجها حلالا وبنى بها حلالا وماتت بسرف وهو على عشرة اميال من مكة انتهت خطبة النبي صلى الله عليه وسلم وهي على البعير فقالت: البعير وما عليه لله ولرسوله وماتت كما مر في سرف سنة احدى وخمسين. وقيل: ست وستين وقيل: ثلاث وستين وصلى عليها ابن عباس. وجويرة بنت الحارث بن ابي ضرار سبيت من غزوة المصطلق ووقعت في سهم ثابت بن قيس فكاتبت نفسها فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم اعانة فقال: "حديث : أدي عنك كتابتك وأتزوجك"تفسير : فرضيت فسمع الناس فاطلقوا ما بأيديهم من السبي واعتقوهم وقالوا لانهم اصهار رسول الله صلى الله عليه وسلم لانها وهؤلاء من بني المصطلق. وقالت عائشة: ما رأينا امرأة أعظم بركة منها اعتق بسهمها مائة من قوم بني المصطلق وقيل سباها يوم المريسع فحجبها وقسم لها وكانت بنت عشرين سنة واسمها برة وحوله صلى الله عليه وسلم جويرية تصغير جارية وماتت ولها خمس وستون في ربيع الأول سنة خمسين وقيل ست وخمسين وصفية بنت حيي بضم الحاء وفتح الياء بعدها الف بن اخطب وهي من ولد هارون بن عمران عليه السلام قال ابن عمر: رأى صلى الله عليه وسلم بعينها خضرة فقال: ما هذه؟ فقالت: كان رأسي في حجر ابن ابي الحقيق نائمة فرأيت قمرا وقع في حجري فأخبرته بذلك فلطمني وقال: تتمنين ملك يثرب وبنى بها صلى الله عليه وسلم في الصهباء وماتت في رمضان سنة خمسين ودفنت بالبقيع ويأتي في غير هذه السورة كلام فيها رضي الله عنها. وأزواجه المختلف فيهن من حيث التزوج او من حيث الدخول أو من حيث سبب الفرقة وهن ام شريك وقد تقدم الكلام عليها وخولة بنت الهذيل بن هبيرة تزوجها صلى الله عليه وسلم فهلكت قبل ان يصل اليه وعمرة بنت يزيد بن الجون الكلابية وقيل عمرة بنت يزيد الكلابية قال ابو عمرو: وهو الصحيح تزوجها وادخلت عليه فتعوذت منه فقال لها (لقد عذت بمعاذ) فطلقها وام اسامة بن زيد فمتعها بثلاثة اثواب وقيل كان ذلك في امرأة من سليم وقال ابو عبيدة: تزوج عمرة وذكرها أبوها له صلى الله عليه وسلم ووصفها وقال وازيدك انها لم تمرض قط فقال عليه السلام: "مال هذه عند الله من خير" وطلقها واسماء بنت النعمان بن الجون تزوجها باجماع وفارقها لأنه قال: تعالي فقالت: تعال انت وانت ان تجيئ. وقيل: قالت اعوذ بالله منك فقال (عذت بمعاذ وقد أعاذك الله مني) وقيل انها اجمل نسائه فخفن منها فقلن انه يجب ان تقولي اذا دنى منك اعوذ بالله منك فقال (قد عذت بمعاذ) وطلقها وكانت تسمي نفسها الشقية. وقال الجرجاني: قلن لها ان اردت ان تحضي عنده فتعوذي بالله منه فقالت ذلك فولى وجهه عنها ولعل قصة التعوذ تكررت وقيل فارقها لأن بها وضحا وقيل اسمها امية وقيل امامة ملكية بنت كعب الليثية قال بعض هي التي تعوذت منه صلى الله عليه وسلم وقيل دخل بها وماتت عنده وقيل لم يتزوجها. وفاطمة بنت الضحاك بن سفيان خيرها حين نزلت آية التخيير فاختارت الدنيا ففارقها فكانت تلفظ النفس وتقول هي الشقية اختارت الدنيا وعن بعض تزوجها سنة ثمان وعن بعض ان أباها قال: لم تصدع قط فقال صلى الله عليه وسلم "حديث : لا حاجة لي بها" تفسير : وعن قتادة وعكرمة: كانت عنده حين التخيير تسع مات عنهن. وغالية بنت ظبيان بن عمر بن عوف وكانت عنده ما شاء الله ثم طلقها وقل من ذكر وقيل طلقها حين دخلت عليه. وفتيلة بنت قيس اخت الأشعث بن قيس زوجه اياها اخوها في سنة عشر ثم انصرف الى حضرموت وحملها فقبض صلى الله عليه وسلم سنة احدى عشرة قيل قدومها عليه صلى الله عليه وسلم وقيل: تزوجها قبل وفاته بشهرين وقيل اوصى ان تخبر ان شاءت كانت من امهات المؤمنين وان شاءت الفراق فلتنكح من شاءت فاختارت الفراق فتزوجت عكرمة بن ابي جهل بحضرموت فقال ابو بكر: هممت ان احرق عليها بيتها. فقال عمر: ما هي من امهات المؤمنين ما دخل بها صلى الله عليه وسلم ولا ضرب عليها الحجاب وعن بعض قال عمر ذلك لارتدادها. وسباء بنت اسماء بن الصلت السلمية مات قبل الدخول بها وقيل طلقها قبله. وشراف بنت خليفة الكلبية اخت دحية الكلبي ماتت قبل دخوله بها صلى الله عليه وسلم. وليلى بنت الخطيم وكانت غيوراء فاستقالته فأقالها فأكلها الذئب وقيل: هي التي وهبت نفسها. امرأة من غفار تزوجها صلى الله عليه وسلم فأمرها فنزعت ثيابها فرأى بكشحها بياضا فقال (الحقني بأهلك) ولم يأخذ مما اتاها شيئا والله اعلم وخطب عدة نسوة وهن امرأة من بني مرة بن عوف بن سعد خطبها صلى الله عليه وسلم الى ابيها فقال ان بها برصا وهو كاذب فرجع فوجد البرص بها وهي ام شبيب. وامرأة قريشية يقال لها سودة ولها صبيان فقالت: أخاف ان يبكوا عند رأسك فدعى لها وتركها. وصفية بنت بشامة اصابها صلى الله عليه وسلم في سبي فخيرها فاخترات زوجها وامرأة خطبها فقالت: استأمر ابي فأذن لها ابوها فعادت الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال قد التحفت لحافا غيرك وأم هانيء اخت علي خطبها فقالت: اني امرأة ذات صبيان واعتذرت اليه فعذرها. وضباعة بنت عامر بن فرط خطبها الى ابنها سلمة ابن هاشم فقال: استأمرها فقيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم كبرت فعاد ابنها وقد اذنت له فسكت عنه ولم ينكحها. وامامة بنت عمه حمزة وذكروا انها عرضت عليه فقال: (هي ابنت اخي من الرضاعة) والحق اسقاط هذه لأنه لا يخطبها وهي كذلك وذكروا ايضا عزة بنت ابي سفيان عرضتها اختها ام حبيبة عليه صلى الله عليه وسلم فقال: "حديث : لا تحل لي لمكان اختها ام حبيبة" تفسير : ولعل من ذكر هاتين اراد بالخطبة خطابه وخطاب غيره المرأة له او عرض غيره له امرأة والله اعلم. وسراريه مارية القبطية بنت شمعون اهداها له المقوقس القبطي صاحب مصر والاسكندرية وهي ام ابراهيم ولد النبي صلى الله عليه وسلم وماتت في خلافة عمر سنة ست عشرة ودفنت بالبقيع وريحانة بنت شمعون من بين قريظة وقيل من النظير وماتت حين رجع من حجة الوداع سنة عشر ودفنت بالبقيع وقيل: اعتقها وتزوجها اخرى وهبتها له زينب بنت جحش واخرى اصابها في بعض السبي.
اطفيش
تفسير : {تُرجي} تؤخِّر {من تَشَاءُ منهنَّ} من نسائك بترك مضاجعتها أو وطئها وبالطلاق {وتؤوي} تضم {إليْك مَن تشاءُ} منهن بالمضاجعة والوطء وعدم الطلاق، وقيل الهاء النساء أمته، أى لك تزوج من شئت منهن، ولا يحل لها الامتناع، وذلك قوله: {تؤوي إليك من تشاء} ولك ترك تزوج من شئت، وذلك قوله: {ترجي} إما على معنى لا يجب عليك تزوج من تطمع فى تزوجك لقرابة أو غيرها، ولا قبول من وهبت نفسها لك، وإما على معنى البسط فى التوسعة بذكر ما ليس من شأنه أن يحق ذكره، وقيل: الهاء للواهبات له قبول من شاء. وترك من شاء، وله وطء من شاء منهن قبلهن، وترك وطء من شاء ممن قبلهن. وروى أنه هم بطلاق بعض نسائه الواهبات وغيرهن، فأتينه وقلن له: لا تطلقنا وأنت فى حل مما لنا، ويقال: أرجى ميمونة، وجويرة، وأم حبيبة، وصفية، وسودة وآوى عائشة، وحفصة، وأم سلمة، وزينب، والواهبات إنما وهبن تقربا الى الله تعالى بخدمة رسوله ونفعه، والفوز برضاه لا لغرض دنيوى، ولما نزل: {ترجي}، إلخ قالت عائشة: يا رسول الله ما أرى ربك إلا يسارع لك فى هواك، وقد قالت قبل ذلك، وبعد وقوع الهبة: أما تستحى المرأة أن تهب للرجل نفسها، وقالت: ما فى امرأة وهبت نفسها لرجل خير، وإنما قالت ذلك قبل أن تسمع أنه صلى الله عليه وسلم قبل الهبة أو أجازها، وذلك غيرة منها، وزجرها بأن التى وهبت نفسها إنما قصدت باباً من الخير، وهو أن تكون فى الجنة معى، وأما للمؤمنين. {ومَن ابْتَغَيْت} طلبت أن تراجعها {ممَّن عزَلت} طلقت، أو من تريد وصلها بعد هجرها، ومن شرطية مفعول لشرطها، أو اسم موصول شبيه باسم الشرط مبتدأ، والجواب أو الخبر فى قوله: {فلا جُناحَ} لا إثم {عليْكَ} فى شأنها أو اسم موصول معطوف على من تشاء الثانى، والمراد غير المطلقة، وقيل من الجارة لبدلية، ومن ابتغيت واقع على من يريد أن يتزوجها، والعزل الفراق بالموت أو الطلاق، أى من ابتغيت تزوجها بدلا ممن مات، أو طلقت فلا جناح عليك، ولا يخفى بعد إطلاق الموت على العزل، لأن الموت ليس فعلا منه يسمى عزلا، وكذلك يبعد أن يراد عزلت جماعها لموتها، إذ لا يتوهم بقاءها. {ذلك} التفويض فيهن، أو ذلك الإيواء وهو أولى، لأن قرة أعينهن بالذات إنما بالإيواء لأنه محبوب طبعا، ولو ضم اليه غيره بالكسب، أو ذلك العلم بأن لك الإيواء، أو بأنه لك بعد العزل {أدْنى} أقرب {أن تقرّ أعيُنهُن} أى الى أن تقر، أو من تقر بتقدير الى، أو من التى ليست للتفضيل {ولا يحْزنَّ} لعلمهن بأنهن لم تطلقهن، وبأن ذلك إباحة من الله لا جور منك ولا حيف، ويفرحن بالإيواء {ويرضَيْن بما آتيتهنَّ كلُّهنَّ} توكيد لنون يرضين، ومعنى آتيتهن أعطيتهن من المضاجعة والإيواء والمساواة، وترك ذلك، وأصل الرضا أن يكون بما فيه شدة أو نقصان، وغلب هنا على ما ليس فيه ذلك، أو المراد يرضين بما فيه ذلك، وما فيه بعض خير، ولم يتم، أو المراد بما فعلت معهن مما فيه ذلك، وعيونهن أكثر من تسع أعين أو عشر، ومع ذلك عبر بجمع القلة لأنهن تسع، وهو لجمع القلة، وأيضا ليس المراد حقيقة العينين، والذلك يفرد كما جاء: قرة عين، وقرة عينها. {والله يعْلَم ما في قُلوبكُم} الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأزواجه تغليبا للذكر على الإناث، أى ما فى قلبك من الميل الى بعضهن، وما فى قلوبكن من الرضا بما أباح الله تعالى له، وكراهته بالطبيعة، أو الخطاب لهن بالذات، وخلط معهن النبى صلى الله عليه وسلم تطييباً لنفوسهن، وتنبيهاً له صلى الله عليه وسلم على الشكر، أو الخطاب للمؤمنين، أو لهم وللنبى، صل الله عليه وسلم،ويضعف أن يكون لهن ولهم، وفى ذلك على كل حال وعيد لمن لم يرض بما فرض الله تعالى أو أباحه، وبعث على تحسين القلوب، ولا يدخل صلى الله عليه وسلم فى الوعيد، لأن المقام لذكر التيسير له صلى الله عليه وسلم. {وكان الله عليماً} غاية العلم بكل شىء {حليماً} عظيم الحلم بتأخير العقاب عمن خالفه، وتأخير العتاب، وبالصفح عما يغلب على القلب من الميل ونحوه، ومع إباحة الله تعالى له صلى الله عليه وسلم عدم العدل بينهن، دام على العدل بعد نزول التخيير حتى مات ضبطا لنفسه، وأخذاً بالأفضل. وروى أن سودة قالت له قبل وجوب إمساكهن، وهبت ليلتى لعائشة، وقالت لا تطلقنى لأحشر فى زمرة نسائك، وذكر الزهرى أنه ما أرجى منهن شيئا ولا عزله بعد ما خيرن فاخترنه، وعن عائشة رضى الله عنها: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستأذن فى يوم المرأة منا بعد أن نزل: {ترجي من تشاء} إلخ، فقيل ما كنت تقولين؟ قالت: أقول: إن كان ذلك الى فإنى لا أريد أن أوثر عليك أحداً، وهذا لا ينافى ما مر من أنه ما أرجى بعد التخيير، ولا عزل أحد الآن معنى الآية أن لا يرجى أو يعزل قهراً بنفسه، أما برضا صاحبة الحق فلا بأس بترك ليلتها مثلا لأحد، وهذا كالنص عن عائشة رضى الله عنها، أن الله تعالى أباح له أن يستأذن بعد نزول الآية، وأما قبلها فكان يفعل بلا استئذان.
الالوسي
تفسير : {تُرْجِى مَن تَشَاء مِنْهُنَّ } أي تؤخر من تشاء من نسائك وتترك مضاجعتها {وَتُؤْوِى إِلَيْكَ مَن تَشَاء } وتضم إليك من تشاء منهن وتضاجعها، وروي هذا عن قتادة. وعن ابن عباس والحسن أي تطلق من تشاء منهن وتمسك من تشاء، وقال بعضهم: الإرجاء والإيواء / لإطلاقهما يتناولان ما في التفسيرين وما ذكر فيهما فإنما هو من باب التمثيل ولا يخلو عن حسن، وفي رواية عن الحسن أن ضمير {مِنْهُنَّ } لنساء الأمة والمعنى تترك نكاح من تشاء من نساء أمتك فلا تنكح وتنكح منهن من تشاء. وقال: كان صلى الله عليه وسلم إذا خطب امرأة لم يكن لغيره أن يخطبها حتى يتركها وعن زيد بن أسلم والطبري أنه للواهبات أنفسهن أي تقبل من تشاء من المؤمنات اللاتي يهبن أنفسهن لك فتؤويها إليك وتترك من تشاء منهن فلا تقبلها، وعن الشعبـي ما يقتضيه، فقد أخرج ابن سعد والبيهقي في «السنن» وغيرهما عنه قال: كن نساء وهبن أنفسهن لرسول الله صلى الله عليه وسلم فدخل ببعضهن وأرجأ بعضهن فلم يقربن حتى توفي عليه الصلاة والسلام ولم ينكحن بعده، منهن أم شريك فذلك قوله تعالى: {تُرْجِى مَن تَشَاء مِنْهُنَّ وَتُؤْوِى إِلَيْكَ مَن تَشَاء } ويشهد لما تقدم من رجوعه إلى النساء ما أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبـي حاتم وغيرهم عن أبـي رزين قال: هم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يطلق من نسائه فلما رأين ذلك أتينه فقلن لا تخل سبيلنا وأنت في حل فيما بيننا وبينك افرض لنا من نفسك ومالك ما شئت فأنزل الله تعالى الآية فأرجأ منهن نسوة وكان ممن أرجأ ميمونة وجويرية وأم حبيبة وصفية وسودة وكان ممن آوى عائشة وحفصة وأم سلمة وزينب رضي الله تعالى عنهن أجمعين. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وأبو بكر {ترجىء} بالهمزة وهو عند الزجاج أجود والمعنى واحد. {وَمَنِ ٱبْتَغَيْتَ } أي طلبت {مِمَّنْ عَزَلْتَ } أي تجنبت وحمل هذا التجنب على ما كان بطلاق، و(من) شرطية منصوبة بما بعدها، وقوله تعالى: {فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكَ } جوابها أي من طلبتها ممن طلقت فليس عليك إثم في طلبها أو موصولة والجملة خبرها أي والتي طلبتها لا جناح عليك في طلبها والمراد نفي أن يكون عليه عليه الصلاة والسلام إثم في إرجاع المطلقة، وقيل (من) موصولة معطوفة على {مَن تَشَاء } الثاني والمراد به غير المطلقة ومعنى فلا جناح عليك فلا إثم عليك في شيء مما ذكر من الإرجاء والإيواء والابتغاء والمراد تفويض ذلك إلى مشيئته صلى الله عليه وسلم. وقال بعضهم: المراد به ما كان بترك مضاجعة بدون طلاق. والمقصود من الآية بيان أن له صلى الله عليه وسلم ترك مضاجعة من شاء من نسائه ومضاجعة من شاء منهن أي ممن لم يكن أرجأها وترك مضاجعتها والرجوع إلى مضاجعة من ترك مضاجعتها واعتزلها فمن عزل هي المرجأة، وأفاد صاحب «الكشاف» أن الآية متضمنة قسمة جامعة لما هو الفرض لأنه صلى الله عليه وسلم إما أن يطلق وأما أن يمسك وإذا أمسك ضاجع أو ترك وقسم أو لم يقسم وإذا طلق وعزل فإما أن يخلي المعزولة لا يبتيغها أو يبتغيها وانفهام الطلاق والإمساك بأقسامه بواسطة إطلاق الإرجاء والإيواء في قوله تعالى: {تُرْجِى مَن تَشَاء مِنْهُنَّ وَتُؤْوِى } وانفهام ابتغاء المعزولة من قوله سبحانه: {وَمَنِ ٱبْتَغَيْتَ } الخ ومتى فهم أن لا جناح في ابتغاء المعزولة بالطلاق وردها إلى النكاح فهم منه أن رفع النكاح في عدم ردها من طريق الأولى ولقد أجاد فيما أفاد. وجوز بعضهم أن يكون (من) مبتدأ وفي الكلام معطوف وخبر محذوفان أي ومن ابتغيت ممن عزلت ومن لم تعزل سواء، وقوله سبحانه: {فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكَ } تأكيد لذلك ولا يخفى بعده وتعسفه، وقال الحسن: معنى ـ ومن ابتغيت ـ الخ من مات من نسائك اللواتي عندك أو خليت سبيلها فلا جناح عليك في أن تستبدل عوضها من اللاتي أحللت لك فلا تزداد على عدة نسائك اللاتي عندك كذا في «البحر»، وكأنه جعل (من) للبدل كالتي في قوله تعالى: {أية : أَرَضِيتُمْ بِٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا مِنَ ٱلأَخِرَةِ} تفسير : [التوبة: 38] ومن عزلت شاملاً لمن ماتت ومن طلقت وكلاهما بعيد وثانيهما: / أبعد من أولهما بكثير ومثله اعتبار ما اعتبره من القيود وبالجملة هو قول تبعد نسبته إلى الحسن، وأبعد من ذلك نسبته إلى ترجمان القرآن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما كما في «الدر المنثور». {ذَلِكَ أَدْنَىٰ أَن تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلاَ يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِمَا ءاتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ } أي تفويض الأمر إلى مشيئتك أقرب إلى قرة عيونهن وسرورهن ورضاهن جميعاً لأنه حكم كلهن فيه سواء ثم إن سويت بينهن وجدن ذلك تفضلاً منك وإن رجحت بعضهن علمن أنه بحكم الله تعالى فتطمئن به نفوسهن، وروي هذا عن قتادة، والمراد بما آتيتهن عليه ما صنعت معهن فيتناول ترك المضاجعة والقسم، وعن ابن عباس ومجاهد أن المعنى أنهن إذا علمن أن لك ردهن إلى فراشك بعد ما اعتزلتهن قرت أعينهن ولم يحزن ويرضين بما تفعله من التسوية والتفضيل لأنهن يعلمن أنك لم تطلقهن، وظاهره جعل المشار إليه العلم بأن له صلى الله عليه وسلم الإيواء، وأظهر منه في ذلك قول الجبائي ذلك العلم منهن بأنك إذا عزلت واحدة كان لك أن تؤويها بعد ذلك أدنى لسرورهن وقرة أعينهن. وقال بعض الأجلة: كون الإشارة إلى التفويض أنسب لفظاً لأن ذلك للبعيد وكونها إلى الإيواء أنسب معنى لأن قرة عيونهن بالذات إنما هي بالإيواء فلا تغفل، والأعين جمع قلة وأريد به هٰهنا جمع الكثرة وكأن اختياره لأنه أوفق بكمية الأزواج. وقرأ ابن محيصن {تقر } من أقر وفاعله ضميره صلى الله عليه وسلم و {أَعينهن } بالنصب على المفعولية. وقرىء {تقر } مبنياً للمفعول و(أعينهن) بالرفع نائب الفاعل و {كلهن} بالرفع في جميع ذلك وهو توكيد لنون {يرضين}. وقرأ أبو أُناس جوية بن عائذ {كلهن} بالنصب تأكيداً لضميره في {ءاتيتهن} قال ابن جني: وهذه القراءة راجعة إلى معنى قراءة العامة {كلهن} بضم اللام وذلك أن رضاهن كلهن بما أوتين كلهن على انفرادهن واجتماعهن فالمعنيان إذن واحد إلا أن للرفع معنى وذلك أن فيه إصراحاً من اللفظ بأن يرضين كلهن، والإصراح في القراءة الشاذة إنما هو في إتيانهن وإن كان محصول الحال فيهما واحداً مع التأويل انتهى، وقال الطيبـي: في توكيد الفاعل دون المفعول إظهار لكمال الرضا منهن وإن لم يكن الإيتاء كاملاً سوياً، وفي توكيد المفعول إظهار أنهن مع كمال الإيتاء غير كاملات في الرضا، والأول أبلغ في المدح لأن فيه معنى التتميم وذلك أن المؤكد يرفع إيهام التجوز عن المؤكد انتهى فتأمل. {وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِى قلُوبِكُمْ } خطاب له صلى الله عليه وسلم ولأزواجه المطهرات على سبيل التغليب. والمراد بما في القلوب عام ويدخل فيه ما يكون في قلوبهن من الرضا بما دبر الله تعالى في حقهن من تفويض الأمر إليه صلى الله عليه وسلم ومقابل ذلك وما في قلبه الشريف عليه الصلاة والسلام من الميل إلى بعضهن دون بعض، والكلام بعث على الاجتهاد في تحسين ما في القلوب، ولعل اعتباره صلى الله عليه وسلم في الخطاب لتطييب قلوبهن، وفي «الكشاف» أن هذا وعيد لمن لم يرض منهن بما دبر الله تعالى من ذلك وفوض سبحانه إلى مشيئة رسوله عليه الصلاة والسلام وبعث على تواطىء قلوبهن والتصافي بينهن والتوافق على طلب رضا رسول الله صلى الله عليه وسلم وطيب نفسه الكريمة، والظاهر أنه غير قائل بدخوله صلى الله عليه وسلم في الخطاب، وحينئذٍ فإما أن يقول: إنه عام لهن ولسائر المؤمنين وإما أن يقول بأنه خاص بهن ولعله ظاهر كلامه وعليه لا يظهر وجهه التذكير، وربما يقال على الأول: إن المقام غير ظاهر في اقتضاء دخول سائر المؤمنين في الخطاب، وقال ابن عطية: الإشارة بذلك هٰهنا إلى ما في قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم من محبة شخص دون شخص ويدخل في المعنى المؤمنون. وربما يتخيل أن الخطاب لجميع المكلفين والكلام بعث على تحسين / ما في القلوب في شأن ما دبر الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم في أمر أزواجه ونفي الخواطر الرديئة بأن يظن أن ذاك هو الذي تقتضيه الحكمة وأنه دليل على كمال المحبوبية، ولا يتوهم خلافه فإن بعض الملحدين طعنوا كالنصارى في كثرة تزوجه عليه الصلاة والسلام وكونه في أمر النساء على حال لم يبح لأمته من حل جمع ما فوق الأربع وعدم التقيد بالقسم لهن مثلاً وزعموا أن في ذلك دليلاً على غلبة القوة الشهوية فيه عليه الصلاة والسلام وذلك مناف لتقديس النفس الذي هو من شأن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فجزموا والعياذ بالله تعالى بنفي نبوته وأن ما فعله صلى الله عليه وسلم لم يكن منه تعالى بل ليس ذلك إلا منه عليه الصلاة والسلام. ولا يخفى أن قائلي ذلك على كفرهم جهلة بمراتب الكمال صم عن سماع آثاره عليه الصلاة والسلام ومن سبر الأخبار علم أنه صلى الله عليه وسلم أكمل الأنبياء على الإطلاق لغاية كمال بشريته وملكيته وآثار الكمال الأول تزوج ما فوق الأربع والطواف عليهن كلهن في الليلة الواحدة وآثار الكمال الثاني أنه عليه الصلاة والسلام كثيراً ما كان يبيت ويصبح لا يأكل ولا يشرب وهو على غاية من القوة وعدم الاكتراث بترك ذلك وليس لأحد من الأنبياء عليهم السلام اجتماع هذين الكمالين حسب اجتماعهما فيه عليه الصلاة والسلام ولتكثره النساء حكمة دينية جليلة أيضاً وهي نشر أحكام شرعية لا تكاد تعلم إلا بواسطتهن مع تشييد أمر نبوته فإن النساء لا يكدن يحفظن سراً وهن أعلم الناس بخفايا أزواجهن فلو وقف نساؤه عليه الصلاة والسلام على أمر خفي منه يخل بمنصب النبوة لأظهرنه، وكيف يتصور إخفاؤه بينهن مع كثرتهن.شعر : وكل سر جاوز الاثنين شاع تفسير : وفي عدم إيجاب القسم عليه عليه الصلاة والسلام تأكيد لذلك كما لا يخفى على المنصف. {وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيماً } مبالغاً في العلم فيعلم كل ما يبدى ويخفى {حَلِيماً } مبالغاً في الحلم فلا يعجل سبحانه بمقابلة من يفعل خلاف ما يحب حسبما يقتضيه فعله من عتاب أو عقاب أو فيصفح عما يغلب على القلب من الميول ونحوها. هذا وفي «البحر» «اتفقت الروايات على أنه عليه الصلاة والسلام كان يعدل بين أزواجه المطهرات في القسمة حتى مات ولم يستعمل شيئاً مما أبيح له ضبطاً لنفسه وأخذاً فالأفضل غير ما جرى لسودة فإنها وهبت ليلتها لعائشة وقالت: لا تطلقني حتى أحشر في زمرة نسائك» وأخرج ابن أبـي حاتم عن ابن شهاب أنه قال لم يعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أرجأ منهن شيئاً ولا عزله بعد ما خيرن فاخترنه. وأخرج الشيخان وأبو داود والنسائي وغيرهم عن عائشة أن رسول الله عليه الصلاة والسلام كان يستأذن في يوم المرأة منا بعد أن أنزلت هذه الآية {تُرْجِى مَن تَشَاء مِنْهُنَّ } فقيل لها: ما كنت تقولين؟ قالت: كنت أقول له إن كان ذاك إليّ فإني لا أريد أن أوثر عليك أحداً فتأمله مع حكاية الاتفاق السابق والله تعالى الموفق.
ابن عاشور
تفسير : {تُرْجِى مَن تَشَآءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِىۤ إِلَيْكَ مَن تَشَآءُ وَمَنِ ٱبْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكَ ذَلِكَ أَدْنَىٰ أَن تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلاَ يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِمَآ ءَاتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِى قلُوبِكُمْ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيماً حَلِيماً }. استئناف بياني ناشىء عن قوله: {إنا أحللنا لك أزواجك} إلى قوله: {أية : لكيلا يكون عليك حرج}تفسير : [الأحزاب: 50] فإنه يثير في النفس تطلباً لبيان مدى هذا التحليل. والجملةُ خبر مستعمل في إنشاء تحليل الإِرجاء والإِيواء لمن يشاء النبي صلى الله عليه وسلم. والإِرجاء حقيقته: التأخير إلى وقت مستقبل. يقال: أرجأت الأمر وأرجيْته مهموزاً ومخففاً، إذا أخرته. وفعله ينصرف إلى الأحوال لا الذوات، فإذا عدي فعله إلى اسم ذات تعين انصرافه إلى وصف من الأوصاف المناسبة والتي تراد منها، فإذا قلت: أرجأت غريمي، كان المراد: أنك أخرت قضاء دينه إلى وقت يأتي. والإِيواء: حقيقته جعل الشيء آوياً، أي راجعاً إلى مكانه. يقال: آوى، إذا رجع إلى حيث فارق، وهو هنا مجاز في مطلق الاستقرار سواء كان بعد إبعاد أم بدونه، وسواء كان بعد سبق استقرار بالمكان أم لم يكن. ومقابلة الإِرجاء بالإِيواء تقتضي أن الإِرجاء مراد منه ضد الإِيواء أو أن الإِيواء ضد الإِرجاء وبذلك تنشأ احتمالات في المراد من الإِرجاء والإِيواء صريحهما وكنايتهما. فضمير {منهن} عائد إلى النساء المذكورات ممن هن في عصمته ومن أحل الله له نكاحهن غيرهن من بنات عمه وعماته وخاله وخالاته، والواهبات أنفسهن، فتلك أربعة أصناف: الصنف الأول: وهنّ اللاء في عصمة النبي عليه الصّلاة والسّلام فهن متصلن به فإرجاء هذا الصنف ينصرف إلى تأخير الاستمتاع إلى وقت مستقبل يريده، والإِيواء ضده. فيتعين أن يكون الإِرجاء منصرفاً إلى القَسْم فوسع الله على نبيه صلى الله عليه وسلم بأن أباح له أن يسقط حق بعض نسائه في المبيت معهن فصار حق المبيت حقاً له لا لهن بخلاف بقية المسلمين، وعلى هذا جرى قول مجاهد وقتادة وأبي رزين، قاله الطبري. وقد كانت إحدى نساء النبي صلى الله عليه وسلم أسقطت عنه حقها في المبيت وهي سودة بنت زمعة، وهبت يومها لعائشة فكان النبي صلى الله عليه وسلم يقسم لعائشة بيومها ويوم سودة وكان ذلك قبل نزول هذه الآية، ولما نزلت هذه الآية صار النبي عليه الصلاة والسلام مخيراً في القسم لأزواجه. وهذا قول الجمهور، قال أبو بكر بن العربي: وهو الذي ينبغي أن يعول عليه. وهذا تخيير للنبي صلى الله عليه وسلم إلا أنه لم يأخذ لنفسه به تكرماً منه على أزواجه. قال الزهري. ما علمنا أن رسول الله أرجأ أحداً من أزواجه بل آواهن كلَّهن. قال أبو بكر بن العربي: وهو المعنى المراد. وقال أبو رَزين العُقيلي: أرجأ ميمونة وسَودة وجويرية وأم حبيبة وصفية، فكان يقسم لهن ما شاء، أي دون مساواة لبقية أزواجه. وضعفه ابن العربي. وفسر الإِرجاء بمعنى التطليق، والإِيواءُ بمعنى الإِبقاء في العصمة، فيكون إذناً له بتطليق من يشاء تطليقها وإطلاق الإِرجاء على التطليق غريب. وقد ذكروا أقوالاً أخر وأخباراً في سبب النزول لم تصح أسانيدها فهي آراء لا يوثق بها. ويشمل الإِرجاء الصنف الثاني وهن ما ملكت يمينه وهو حكم أصلي إذ لا يجب للإِماء عدل في المعاشرة ولا في المبيت. ويشمل الإِرجاء الصنف الثالث وهن: بنات عمه وبنات عماته وبنات خاله وبنات خالاته، فالإِرجاء تأخير تزوج مَن يحلّ منهن، والإِيواء العقد على إحداهن، والنبي صلى الله عليه وسلم لم يتزوج واحدة بعد نزول هذه الآية، وذلك إرجاء العمل بالإِذن فيهن إلى غير أجل معين. وكذلك إرجاء الصنف الرابع اللاء وهَبْن أنفسهن، سواء كان ذلك واقعاً بعد نزول الآية أم كان بعضه بعد نزولها فإرجاؤهن عدم قبول نكاح الواهبة، عُبر عنه بالإِرجاء إبقاء على أَملها أن يقبلها في المستقبل، وإيواؤهن قبول هبتهن. قرأ نافع وحمزة والكسائي وحفص عن عاصم وأبو جعفر وخلف {ترجي} بالياء التحتية في آخره مخَّفف (تُرجىء) المهموز. وقرأه ابن كثير وابن عامر وأبو عمرو وأبو بكر عن عاصم ويعقوب {ترجىءُ} بالهمز في آخره. وقال الزجاج: الهمز أجود وأكثر. والمعنى واحد. واتفق الرواة على أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يستعمل مع أزواجه ما أبيح له أخذاً منه بأفضل الأخلاق، فكان يعدل في القسم بين نسائه، إلاّ أن سَودة وهبت يومها لعائشة طلباً لمسرّة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأما قوله: {ومن ابتغيت ممن عزلت فلا جناح عليك} فهذا لبيانِ أن هذا التخيير لا يوجب استمرار ما أخذ به من الطرفين المخيَّرِ بينهما، أي لا يكون عمله بالعزل لازمَ الدوام بمنزلة الظهار والإِيلاء، بل أَذن الله أن يرجع إلى من يعزلها منهن، فصرح هنا بأن الإِرجاء شامل للعزل. ففي الكلام جملة مقدرة دل عليها قوله: {ابتغيت} إذ هو يقتضي أنه ابتغى إبطال عزلها، فمفعول {ابتغيت} محذوف دل عليه قوله: {وتؤوي إليك من تشاء} كما هو مقتضى المقابلة بقوله: {ترجي من تشاء}، فإن العزل والإِرجاء مؤداهما واحد. والمعنى: فإن عزلْتَ بالإِرجاء إحداهن فليس العزل بواجب استمراره بل لك أن تعيدها إن ابتَغَيْتَ العود إليها، أي فليس هذا كتخيير الرجل زوجه فتختار نفسها المقتضي أنها تَبِين منه. ومتعلق الجُناح محذوف دل عليه قوله: {ابتغيت} أي ابتغيت إيواءها فلا جناح عليك من إيوائها. و{من} يجوز أن تكون شرطية وجملة {فلا جناح عليك} جواب الشرط. ويجوز أن تكون موصولة مبتدأ فإن الموصول يعامل معاملة الشرط في كلامهم بكثرة إذا قصد منه العموم فلذلك يقترن خبر الموصول العام بالفاء كثيراً كقوله تعالى: {أية : فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه}تفسير : [البقرة: 203]، وعليه فجملة {فلا جناح عليك} خبر المبتدأ اقترن بالفاء لمعاملة الموصول معاملة الشرط ومفعول {عزلت} محذوف عائد إلى {مَن} أي التي ابتغيتها ممن عزلتهن وهو من حذف العائد المنصوب. {ذَلِكَ أَدْنَىٰ أَن تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلاَ يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِمَآ ءَاتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِى قلُوبِكُمْ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيمًا حَلِيمًا}. الإِشارة إلى شيء مما تقدم وهو أقربه، فيجوز أن تكون الإشارة إلى معنى التفويض المستفاد من قوله: {ترجي من تشاء منهن وتؤوي إليك من تشاء}، ويجوز أن تكون الإشارة إلى الابتغاء المتضمن له فعل {ابتغيت} أي فلا جناح عليك في ابتغائهن بعد عزلهن ذلك أدنى لأن تقرَّ أعينهُنّ. والابتغاء: الرغبة والطلب، والمراد هنا ابتغاء معاشرة مَن عَزلَهن. فعلى الأول يكون المعنى أن في هذا التفويض جعل الحق في اختيار أحد الأمرين بيد النبي صلى الله عليه وسلم ولم يبق حقاً لهن فإذا عين لإِحداهن حالة من الحالين رضيته به لأنه يجعل الله تعالى على حكم قوله: {أية : وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن تكون لهم الخيرة من أمرهم}تفسير : [الأحزاب: 36] فقرت أعين جميعهن بما عُينت لكل واحدة لأن الذي يعلم أنه لا حق له في شيء كان راضياً بما أوتي منه، وإن علم أنّ له حقاً حسب أن ما يؤتاه أقل من حقه وبالغ في استيفائه. وهذا التفسير مروي عن قتادة وتبعه الزمخشري وابن العربي والقرطبي وابن عطية، وهذا يلائم قوله: {ويرضين} ولا يلائم قوله: {أن تقر أعينهن} لأن قرة العين إنما تكون بالأمر المحبوب، وقوله: {ولا يحزن} لأن الحزن من الأمر المكدّر ليس باختياري كما قال النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : فلا تَلمنِي فيما لا أملك».تفسير : وعلى الوجه الثاني يكون المعنى: ذلك الابتغاء بعد العزل أقرب لأن تَقَرَّ أعين اللاتي كنت عزلتَهُن. ففي هذا الوجه ترغيب للنبي صلى الله عليه وسلم في اختيار عدم عزلهن عن القسم وهو المناسب لقوله: {أن تقر أعينهن ولا يحزن} كما علمت آنفاً، ولقوله: «ويرضَيْنَ كلُّهن»، ولما فيما ذكر من الحسنات الوافرة التي يرغب النبي صلى الله عليه وسلم في تحصيلها لا محالة وهي إدخال المسرّة على المسلم وحصول الرضى بين المسلمين وهو مما يعزّز الأخوة الإسلامية المرغب فيها. ونقل قريب من هذا المعنى عن ابن عباس ومجاهد واختاره أبو علي الجبّائي وهو الأرجح لأن قرة العين لا تحصل على مضـــض ولأن الحط في الحق يوجب الكدر. ويؤيده أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأخذ إلا به ولم يحفظ عنه أنه آثر إحدى أزواجه بليلة سوى ليلة سودة التي وهبتها لعائشة، استمر ذلك إلى وفاته صلى الله عليه وسلم وقد جاء في الصحيح أنه كان في مرضه الذي توفي فيه يُطاف به كل يوم على بيوت أزواجه، وكان مبدأ شكواه في بيت ميمونة إلى أن جاءت نوبة ليلة عائشة فأذِنَّ له أزواجُه أن يمرض في بيتها رفقاً به. وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال حين قَسَم لَهُن «حديث : اللهم هذه قسمتي فيما أملك فلا تلمني فيما لا أملك»، تفسير : ولعل ذلك كان قبل نزول التفويض إليه بهذه الآية. وفي قوله: {ويرضين بما آتيتهن كلهن} إشارة إلى أن المراد الرضى الذي يتساوَيْن فيه وإلا لم يكن للتأكيد بــــ{كلهن} نكتة زائدة، فالجمع بين ضميرهن في قوله: {كلهن} يومىء إلى رضى متساوٍ بينهن. وضميرا {أعينهن ولا يحزن} عائدان إلى (مَن) في قوله: {ممن عزلت}. وذكر {ولا يحزن} بعد ذكر {أن تقر أعينهن} مع ما في قُرّة العين من تضمّن معنى انتفاء الحزن بالإيماء إلى ترغيب النبي صلى الله عليه وسلم في ابتغاء بقاء جميع نسائه في مواصلته لأن في عزل بعضهن حزناً للمعزولات وهو بالمؤمنين رؤوف لا يحب أن يُحْزِن أحداً. و{كلهن} توكيد لضمير {يَرْضَيْنَ} أو يتنازعه الضمائر كلّها. والإِيتاء: الإِعطاء وغلب على إعطاء الخير إذا لم يذكر مفعوله الثاني، أو ذكر غير معيّن كقوله: {أية : فخذ ما آتيتك وكن من الشاكرين}تفسير : [الأعراف: 144]، فإذا ذكر مفعوله الثاني فالغالب أنه ليس بسوء. ولم أره يستعمل في إعطاء السوء فلا تقول: آتاه سجناً وآتاه ضرباً، إلا في مقام التهكم أو المشاكلة، فما هنا من القبيل الأول، ولهذا يبعد تفسيره بأنهن يرضين بما أذِن الله فيه لرسوله من عزلهن وإرجائهن. وتوجيهه في «الكشاف» تكلف. والتذييل بقوله: {والله يعلم ما في قلوبكم وكان الله عليماً حليماً} كلام جامع لمعنى الترغيب والتحذير ففيه ترغيب النبي صلى الله عليه وسلم في الإِحسان بأزواجه وإمائه والمتعرضات للتزوج به، وتحذير لهن من إضمار عدم الرضى بما يلقَيْنَه من رسول الله صلى الله عليه وسلم. وفي إجراء صفتي {عليماً حليماً} على اسم الجلالة إيماء إلى ذلك، فمناسبة صفة العلم لقوله: {والله يعلم ما في قلوبكم} ظاهرة، ومناسبة صفة الحليم باعتبار أن المقصود ترغيب الرسول صلى الله عليه وسلم في أليق الأحوال بصفة الحليم لأن همه صلى الله عليه وسلم التخلق بخلق الله تعالى وقد أجرى الله عليه صفات من صفاته مثل رؤوف رحيم ومثل شاهد. وقالت عائشة رضي الله عنها: ما خُيّر رسول الله صلى الله عليه وسلم بين شيئين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثماً. ولهذا لم يأخذ رسول الله بهذا التخيير في النساء اللاتي كنّ في معاشرته، وأخذ به في الواهبات أنفسهن مع الإحسان إليهن بالقول والبذل فإن الله كتب الإحسان على كل شيء. وأخذ به في ترك التزوج من بنات عمه وعماته وخاله وخالاته لأن ذلك لا حرج فيه عليهن.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 51- تؤخر مَن تشاء منهن فى القسم، وتدنى إليك مَن تشاء، ومن طلبت ممن أخرت قسمها فلا مؤاخذة عليك، ذلك التفويض إلى مشيئتك أقرب إلى سرورهن وبُعْد الحزن عنهن، ويرضين كلهن بما آتيتهن، والله يعلم ما فى قلوبكم من السخط أو الرضا بما شرع، وكان الله عليما بما فى الصدور. حليما لا يعاجل بالعقوبة. 52- لا يحل لك النساء من بعد، ولا أن تطلقهن لتستبدل بهن من النساء من تشاء، ولو أعجبك حسنهن، ولكن الله أحل لك ما تملكه يدك من الإماء، وكان الله مطلعا على كل شئ، حافظا له. 53- يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبى إلا فى حال إذنه لكم لتناول الطعام غير منتظرين وقت إدراكه، ولكن إذا دعاكم الرسول فادخلوا، فإذا طعمتم فانصرفوا، ولا تمكثوا بعد ذلك مستأنسين لحديث بعضكم بعضا. لأن الدخول بدون إذنه وإطالة المكث بعد الطعام كان يؤذى النبى فيستحى أن يطلب إليكم الخروج، ولكن الله - تعالى - لا يمنعه من الجهر بالحق ما يمنع المخلوقين، وإذا سألتم إحدى زوجات النبى - صلى الله عليه وسلم - حاجة فاسألوهن من وراء حجاب، ذلك أعظم طهارة لقلوبكم وقلوبهن من وساوس الشيطان، وما صح لكم أن تؤذوا رسول الله ولا أن تتزوجوا نساءه من بعده أبدا. احتراما له ولهن. إن ذلكم كان عند الله ذنباً عظيما.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: ترجي من تشاء منهن: أي تؤخر من نسائك. وتؤوي إليك من تشاء: أي وتضم إليك من نسائك من تشاء فتأتيها. ومن ابتغيت: أي طلبت. ممن عزلت: أي من القسمة. فلا جناح عليك: أي لا حرج عليك في طلبها وضمها إليك خيره ربه في ذلك بعد أن كان القسم واجبا عليه. ذلك أدنى أن تقر أعينهن: أي ذلك التخيير لك في إِيواء من تشاء وترك من تشاء أقرب إلى أن تقر أعينهن ولا يحزن. ويرضين بما آتيتهن: أي مما أنت مخير فيه من القسم وتركه، والعزل والإيواء. والله يعلم ما في قلوبكم: أي من حب النساء - أيها الفحول - والميل إلى بعض دون بعض وإنما خير الله تعالى رسوله تيسيراً عليه لعظم مهامه. وكان الله عليما حليما: أي عليما بضعف خلقه حليما عليهم لا يعاجل بالعقوبة ويقبل التوبة. لا يحل لك النساء من بعد: أي لا يجوز لك أن تتزوج بعد هؤلاء التسعة اللاتي اخترنك إكراماً لهن وتخفيفاً عنك. ولا أن تبدل بهن من أزواج: أي بأن تطلق منهن وتتزوج أخرى بدل المطلقة لا. لا. ولو أعجبك حسنهن: ما ينبغي أن تطلق من هؤلاء التسع وتتزوج من أعجبك حسنها. إلا ما ملكت يمينك: أي فالأمر في ذلك واسع فلا حرج عليك في التسري بالمملوكة، وقد تسرى صلى الله عليه وسلم بمارية المهداة إليه من قبل ملك مصر وولدت له إبراهيم ومات في سن رضاعه عليه السلام. معنى الآيات: ما زال السياق الكريم في شأن التيسير على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد تقدم أنه أُحل له النساء يتزوج من شاء مما ذكر له وخصه بالواهبة نفسها يتزوجها بدون مهر ولا ولي وفي هذه الآية الكريمة [51] {تُرْجِي مَن تَشَآءُ مِنْهُنَّ} الآية وسع الله تعالى عليه بأن أذن له في أن يعتزل وطء من يشاء، وأن يرجئ من يشاء، وأن يؤوي إليه ويضم من يشاء وأن يطلب من اعتزلها إن شاء فلا حرج عليه في كل ذلك، ومع هذا فكان يقسم بَيْنَ نسائه، ويقول اللهم هذا قسمي فيما أملك فلا تلمني فيما تملك ولا أملك اللهم إلا ما كان من سودة رضي الله عنها فإنها وهبت ليلتها لعائشة رضي الله عنها. هذا ما دل عليه قوله تعالى: {تُرْجِي مَن تَشَآءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِيۤ إِلَيْكَ مَن تَشَآءُ وَمَنِ ٱبْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكَ} وقوله ذلك أدنى أي ذلك التخيير لك في شأن نسائك أقرب أن تقر أعينهن أي يفرحن بك، ولا يحزن عليك، ويرضين بما تتفضل به عليهن من إيواء ومباشرة. وقوله تعالى {وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قلُوبِكُمْ} أي أيها الناس من الرغبة في المخاطبة، وميل الرجل إلى بعض نسائه دون بعض، وإنما خيَّر الله رسوله هذا التخيير تيسيراً عليه وتخفيفاً لما له من مهام لا يطمع فيها عظماء الرجال ولو كان في القوة والتحمل كالجبال أو الجمال. وقوله تعالى {وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيماً} أي بخلقه وحاجاتهم. حليماً عليهم لا يعاجل بالعقوبة ويقبل ممن تاب التوبة. وقوله تعالى في الآية [52] {لاَّ يَحِلُّ لَكَ ٱلنِّسَآءُ مِن بَعْدُ} أي لا يحل لك يا رسولنا النساء بعد هؤلاء التسع اللائي خيرتهن فاخترن الله واخترنك وأنت رسوله واخترن الدار الآخرة فاعترافا بمقامهن قصرك الله عليهن بعد الآن فلا تطلب امرأة أُخرى ببدل أو بغير بدل، ومعنى ببدل: أن يطلق منهن واحدة أو أكثر ويتزوج بدلها. وهو معنى قوله تعالى: {وَلاَ أَن تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ} وقوله {إِلاَّ مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ} أي فلا بأس بأن تتسرى بالجارية تملكها وقد تسرى بمارية القبطية التي أهداها له المقوقس ملك مصر مع بغلة بيضاء تسمى الدُّلْدُلْ وهي أول بغلة تدخل الحجاز، وقد أنجبت مارية إبراهيم ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم وتوفى في أيام رضاعه عليه وعلى والده ألف ألف سلام. وقوله تعالى: {وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ رَّقِيباً} أي حفيظاً عليما فخافوه وراقبوه ولا تطلبوا رضا غيره برضاه فإِنه إلهكم الذي لا إله لكم سواه به حياتكم وإليه مرجعكم بعد مماتكم. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- بيان إكرام الله تعالى لرسوله بالتيسير والتسهيل عليه لكثرة مهامه. 2- ما خير الله فيه رسوله لا يصح لأحد من المسلمين اللهم إلا أن يقول الرجل للمرأة كبيرة السن أو المريضة أي فلانة إني أريد أن أتزوج أحصن نفسي وأنت كما تعلمين عاجزه فإن شئت طلقتك، وإن شئت تنازلت عن ليلتك فإن اختارت البقاء مع التنازل عن حقها في الفراش فلا بأس بذلك. 3- في تدبير الله لرسوله وزوجاته من الفوائد والمصالح ما لا يقادر قدره. 4- تقرير مبدأ (ما ترك أحد شيئاً لله إلا عوضه الله خيراً منه) تجلَّى هذا في اختيار نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم لله ورسوله والدار الآخرة. 5- وجوب مراقبة الله تعالى وعدم التفكير في الخروج عن طاعته بحال من الأحوال. [تنبيه هام] إذنُ الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم بالزواج بأكثر من أربع كان لحكم عالية، وكيف والمشرع هو الله العليم الحكيم من تلك الحكم العالية ما يلي: (1) اقتضاء التشريع الخاص بالنساء ومنه ما لا يطلع عليه إلا الزوجان تَعَدُّدَ الزوجات ليروين الأحكام الخاصة بالنساء، ولصحة الرواية وقبولها في الأمة تعدد الطرق وكثرة الرواة والروايات. (2) تطلُّب الدعوة الإِسلامية في أيامها الأولى مناصرين لها أقوياء ولا أفضل من أصهار الرجل الداعي فإنهم بحكم العرف يقفون إلى جنب صهرهم محقاً أو مبطلاً كان. (3) أن المؤمنين لا أحب إليهم من مصاهرة نبي الله ليظفروا بالدخول عليه في بيته والخلوة به وما أعزها. فأي المؤمنين من لا يرغب أن تكون أمه أو أخته أو بنته أما لكل المؤمنين إني والله لا أحب إليّ من أن أكون أنا وزوجتي وسائر أولادي خدماً في بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم. فلذا وسع الله على رسوله ليتَّسع على الأقل للأرامل وربات الشرف حتى لا يدنس شرفهن. (4) قد يحتاج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكافأة بعض من أحسن إليه ولم يجد ما يكافئه به ويراه راغباً في مصاهرته فيجيبه لذلك ومن هذا زواجه بكل من عائشة بنت الصديق وحفصة بنت الفاروق رضي الله عنهم أجمعين. (5) قد زوجه ربّه بزينب وهو كاره لذلك يتهرب منه خشية قالة الناس وما كانوا يعدونه منكراً وهو التزوج بامرأة الدعى المتبنى بعد طلاقها أو موت زوجها هذه بعض الحكم التي اقتضت الإِذن لرسول الله صلى الله عليه وسلم في التزوج أكثر من أربع مع عامل آخر مهم وهو قدرة رسول الله صلى الله عليه وسلم على العدل والكفاية الأمر الذي لن يكون لغيره ابداً.
د. أسعد حومد
تفسير : {آتَيْتَهُنَّْ} {تُؤْوِيۤ} (51) - وَلاَ جُنَاحَ عَليكَ، وَلاَ حَرَجَ، فِي أَنْ تَتْرُكَ القَسْمَ لَهُنَّ، فَتُقدَّمَ مَنْ شِئْتَ، وَتُؤَخِّرَ مَنْ شِئْتَ، وَتُضَاجِعَ مَنْ شِئْتَ، وَتَتْرُكَ مَنْ شِئْتَ، وَإِذا عَلِمْنَ أَنَّ اللهَ قًَدْ وَضَعَ عَنْ نَبِيِّهِ الحَرَجَ فِي القَسْمِ، إِن شَاءَ قَسَمَ، وَإِنْ شَاءَ لَمْ يَقْسِمْ، ثُمَّ التَزَمَ هُوَ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ بِالقَسْمِ بَيْنَهُنَّ، فَإِنَّهُنَّ يَفْرَحْنَ بِذَلِكَ وَيَسْتَبْشِرْنَ بِهِ. وَيَعْتَرِفْنَ بِمِنَّتِهِ عَلَيْهِنَّ فِي قِسْمَتِهِ وإنْصَافِهِ لهُنَّ، وَعَدْلِهِ فِيهِنَّ، وَاللهُ يَعْلَمُ مَا فِي القُلوبِ مِنَ المَيلِ إِلى بَعْضِهِنَّ دُونَ بَعْضٍ، مِمَّا لاَ يُمْكِنُ دَفْعُهُ، وَاللهُ عَلِيمٌ بالضَّمَائِرِ والسَّرَائِرِ، يَحْلُمُ وَيَعْفُو وَيَغْفِرُ. (وَمَعَ الجَوَازِ الذِي مُنِحَهُ الرَّسُولُ صلى الله عليه وسلم فِي عَدَمِ القَسْمِ بَيْنِ نِسَائِهِ فَإِنَّهُ كَانَ يَقْسِمُ لأَزْوَاجِهِ). تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ - تُؤَخِّرُ وَلا تُضَاجِعُ. تُؤْوِي إليْكَ مَنْ تَشَاءُ - تَضُمُّ إِليكَ وَتُضَاجِعُ. عَزَلْتَ - اجْتَنَبْتَ بِالإِرْجَاءِ. ابْتَغَيتَ - طَلَبْتَ. أَدْنَى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهنَّ - التَّفْويضُ إِلى مَشِيئَتِهِ أَقْرَبُ إِلى سُرُورِهِنَّ لِعلمِهِنَّ أَنهُ بِحُكْمِ اللهِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : قوله {تُرْجِي مَن تَشَآءُ مِنْهُنَّ ..} [الأحزاب: 51] أي: تؤخر مَنْ تشاء من زوجاتك عن ليلتها {وَتُؤْوِيۤ إِلَيْكَ مَن تَشَآءُ ..} [الأحزاب: 51] أي: تضم إليك، وتضاجع مَنْ تشاء منهن {وَمَنِ ٱبْتَغَيْتَ ..} [الأحزاب: 51] من طلبتَ من زوجاتك وقرَّبت {مِمَّنْ عَزَلْتَ ..} [الأحزاب: 51] أي: اجتنبتَ بالإرجاء والتأخير {فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكَ ..} [الأحزاب: 51] أي: لا إثم ولا حرج. {ذَلِكَ أَدْنَىٰ أَن تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلاَ يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِمَآ آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ ..} [الأحزاب: 51] أي: أنهُنَّ جميعاً سيفرَحْنَ، التي تضمها إليك، والتي تُرجئها وتؤخرها، وسوف يرضيْنَ بذلك؛ لأنهن يعلَمنَ أن مشيئتك في ذلك بأمر الله، فالتي ضمها رسول الله إليه تفرح بحب رسول الله ولقائه، والتي أُخِّرَتْ تفرح؛ لأن رسول الله أبقى عليها، ثم عاد إليها مرة أخرى وضمَّها إليه وقرَّبها، وهذا يدل على أن لها دوراً ومنزلة، وأيضاً حين يكون ذلك من تشريع رب محمد لمحمد، فإنه لا يعني أنه كرهها أو زهد فيها، فإنْ فعلْتَ ذلك يا محمد - مع أن فيه مشقة - فإنما فعلْتَه طاعة لأمر مَنْ؟ لأمر الله، فتأخذ ثواب الله عليه. وحين نتأمل كلمة {تَقَرَّ ..} [الأحزاب: 51] تجد أنها كعامة كلمات القرآن (كالألماس)، لكل ذرة تكوينية فيه بريق خاص وإشعاع؛ لذلك يقولون عنه: (دا بيلالي) ومع كثرة بريقه لا يطمس شعاعٌ فيه شعاعاً آخر، كذلك كلمات القرآن. (قرَّ) وردتْ كثيراً في القرآن كما في {أية : قُرَّةُ عَيْنٍ لِّي وَلَكَ ..} تفسير : [القصص: 9]. كلمة قرَّ معناها سكن، نقول: قَرَّ بالمكان أي: استقر فيه وسكن، والقرّ هو البرد، وقُرَّة العين تأتي بالمعنيين، فالعين تسكن عند شيء ما، ولا تنتقل إلى غيره إنْ كان جميلاً يأسرها فلا تفارقه، يقولون: فلان قيْد النظر. وفي المقابل يقولون: فلان عينه زائغة يعني: لا تستقر على شيء أو (عينه دشْعَة) عند إخواننا الذين ينطقون الجيم دالاً مثل (دِرْدَة) يقصدون جرجاً، والعين الجشعة بنفس المعنى، وفي المعنى السياسي يقولون: فلان له تطلُّعات يعني: كلما وصل إلى منصب نظر إلى الأعلى منه. أما القُرُّ بمعنى البرودة، فَقُرَّة العين تعني: برودتها، وهي كناية عن سرورها؛ لأن العين لا تسخُن إلا في الحزن والألم؛ لذلك ثبت أخيراً أن حبة العين (ترمومتر) دقيق لحالة الجسم كله، وميزان لصحته أو مرضه. ولأهمية العين نقول في التوكيد: جاءني فلان عينه، وسبق أن تحدثنا عن ظاهرة الاستطراق الحراري في جسم الإنسان وقلنا: إن من المعجزات في تكوين الإنسان أن الاستطراق الحراري في جسمه يتم بنظام خاص، بحيث يحتفظ كل عضو في الجسم بحرارة تناسبه، فإن كانت حرارة الجسم العامة والمثالية 37 - ومن العجيب أنها كذلك عند سكان القطب الشمالي، وهي كذلك عند سكان خط الاستواء - فإن حرارة الكبد مثلاً لا تقل عن 40 مئوية، أما العين فإذا زادت حرارتها عن عشر درجات تنفجر. إذن: فقُرَّة عَيْن زوجات النبي وسُرورهن في مشيئته، حين يُقرِّب إليه مَنْ يُقرِّب، أو يؤخر من يؤخر؛ لأن مشيئته نابعة من أمر الله له. وقوله تعالى: {وَيَرْضَيْنَ بِمَآ آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ ..} [الأحزاب: 51] أي: في أيِّ الحالات، ثم جاء قوله تعالى: {وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قلُوبِكُمْ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيماً حَلِيماً} [الأحزاب: 51] ليشير إلى أن الرضا هنا ليس هو رضا القوالب، إنما يراد رضا القلب بتنفيذ أوامر الله دون أنْ يكون في النفوس دخائل أو اعتراض. فالله سبحانه {وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيماً ..} [الأحزاب: 51] يعلم ما في القلوب {حَلِيماً} [الأحزاب: 51] لا يجازيكم على ما يعلم من قلوبكم، ولو جازاكم على قَدْر ما يعلم لأتعبكم ذلك. وتأمل حِلْم الله علينا ورحمته بنا في مسألة البدء ببسم الله، فالنبي صلى الله عليه وسلم يُعلِّمنا أن كل عمل لا يبدأ ببسم الله فهو أبتر أي: مقطوع البركة، فالإنسان حين يبدأ في الفعل لا يفعله بقدرته عليه، ولكن بتسخير مَنْ خلقه له، فحين تقول: بسم الله أفعل كذا وكذا، فإنك تفعل باسم الذي سخَّر لك هذا الشيء. لذلك يقول الحق سبحانه وتعالى: {أية : وَٱلَّذِي خَلَقَ ٱلأَزْوَاجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُمْ مِّنَ ٱلْفُلْكِ وَٱلأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ * لِتَسْتَوُواْ عَلَىٰ ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُواْ نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا ٱسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُواْ سُبْحَانَ ٱلَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَـٰذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ} تفسير : [الزخرف: 12-13]. فعليك أنْ تبدأ ببسم الله حتى إنْ كنتَ عاصياً لله، إياك أن تظنَّ أنك لسْتَ أهلاً لهذه الكلمة؛ لأن ربك حليم، ورحمن رحيم. ثم يقول الحق سبحانه: {لاَّ يَحِلُّ لَكَ ٱلنِّسَآءُ مِن بَعْدُ ...}.
مجاهد بن جبر المخزومي
تفسير : أَنا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا آدم، نا حماد بن سلمة عن هشام /61 ظ/ بن عروة عن أَبيه، عن عائشة قالت لما نزلت: {تُرْجِي مَن تَشَآءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِيۤ إِلَيْكَ مَن تَشَآءُ} [الآية: 51]. إلى آخر الآية: قالت: يا رسول الله ما أَرى بك إِلا سارع في هواك. أَنا عبد الرحمن، ثنا إِبراهيم، ثنا آدم، نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {تُرْجِي مَن تَشَآءُ مِنْهُنَّ} يقول: تعزل، بغير طلاق من أَزواجك، من تشاءُ {وَتُؤْوِيۤ إِلَيْكَ مَن تَشَآءُ} [الآية: 51]. يقول: ترد إِليك من شئت مما أَرجيت. أَنبا عبد الرحمن، ثنا إِبراهيم، نا آدم، ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {وَلاَ أَن تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ} [الآية: 52]. قال: يعني أَن تبدل بالمسلمات من غيرهن من النصارى واليهود والمشركين. أَنبا عبد الرحمن، ثنا إِبراهيم، نا آدم، ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح عن مجاهد: {غَيْرَ نَاظِرِينَ} [الآية: 53]. يعني: غير متحينين نضجه. أَنبا عبد الرحمن، ثنا إِبراهيم، نا آدم، ثنا ورقاءُ عن ابن أَبن نجيح عن مجاهد في قوله: {وَلاَ مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ} [الآية: 53]. يعني أَن تأْكلوا. أَنا عبد الرحمن، ثنا إِبراهيم، نا آدم، ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح عن مجاهد: {لاَّ جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِيۤ آبَآئِهِنَّ وَلاَ أَبْنَآئِهِنَّ} [الآية: 55]. يعني أَزواج النبي، صلى الله عليه [وسلم]، أَن يراهن آباؤهن وأَبناؤهن ومن ذكر معهم. أَنا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا آدم، ثنا أَبو جعفر الرازي، ثنا الربيع بن أَنس عن أَبي العالية: {إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلاَئِكَـتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِيِّ} [الآية: 56]. قال: صلاة الله عليه ثناؤه عليه عند الملائكة. وصلوة الملائكة عليه، الدعاءُ له. أَنبا عبد الرحمن، ثنا إِبراهيم، نا آدم، نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {وَٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ}. يقول: يقفون المؤمنين والمؤمنات {بِغَيْرِ مَا ٱكْتَسَبُواْ} [الآية: 58]. يعني: ما عملوا.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {تُرْجِي مَن تَشَآءُ مِنْهُنَّ} يعني تؤخر {وَتُؤْوِيۤ إِلَيْكَ مَن تَشَآءُ} معناه تَضمُّ.
الجيلاني
تفسير : ثمَّ لمَّا وسّعنا يا أكمل الرسل أمر نكاحك، وأبحنا لك ما لم يبح لغيرك، فلك الخيار في أزواجك {تُرْجِي} أي: تؤخر وتترك مضاجعة {مَن تَشَآءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِيۤ} أي: تلصق وتضم {إِلَيْكَ مَن تَشَآءُ} منهم بلا حرج وضيق، بل {وَمَنِ ٱبْتَغَيْتَ} وطلبت نكاحها {مِمَّنْ عَزَلْتَ} وطلقت تطليقاً ثلاثاً أو أقل {فَلاَ جُنَاحَ} ولا إثم {عَلَيْكَ} أن تعيد إلى نكاحها بلا تحليل وتزويج للغير؛ إذ من جملة خواصك: تحريم مدخولتك على الغير مطلقاً {ذَلِكَ} أي: تفويض أمورهن إليك {أَدْنَىٰ} وأقرب {أَن تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ} إذ نسبتك إليهن حينئذٍ على السواء، بلا ميل منكر وترجيح. {وَ} المناسب لهن أن {لاَ يَحْزَنَّ} بعد التفويض، بل {وَ} لهن أن {يَرْضَيْنَ بِمَآ آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ} إذ لا تتفاوت نسبتك إليهن أصلاً؛ لأنك مجبول على العدل القويم والصراط المستقيم، سيما بين أزواجك المنتسبين إليك كلهن بنسبة واحدة {وَٱللَّهُ} المطلع لضمائر عباده {يَعْلَمُ مَا} يجري {فِي قلُوبِكُمْ} وضمائركم أيها المؤمنون من الميل إلى بعض النساء دون بعض، ونبينا صلى الله عليه وسلم منزه عن هذا الميل وأمثاله {وَكَانَ ٱللَّهُ} المراقب لأحوالكم {عَلِيماً} بما جرى عنه في صدوركم من الميل إلى الهوى {حَلِيماً} [الأحزاب: 51] ينتقم عليه ولكن لا يعجل. ثمَّ لمَّا خيَّر سبحانه حبيبه صلى الله عليهم في أمر نسائه، وفوض أمورهن كلها إليه صلى الله عليه وسلم، ورضين كلهن بحكمه بلا إباء ومنع، أراد سبحانه أنه يمنع وينهي حبيبه صلى الله عليه وسلم عن تطليقهن وتبديلهن والزيادة عليهم بعدما بلغن التسعة، فقال: {لاَّ يَحِلُّ لَكَ} يا أكمل الرسل {ٱلنِّسَآءُ} أي: تزويجهن {مِن بَعْدُ} أي: بعد أن يتفقن أولئك التسعة على حكمك وأمرك، وفوَّضن أمورهن إليكم {وَلاَ} لا يحل لك أيضاً {أَن تَبَدَّلَ بِهِنَّ} أي: تطلق بعضهن وتبدل بدلهن {مِنْ أَزْوَاجٍ} أخر من الأجنبيات {وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ} أي: حسن الأجنبيات، لا يحل لك تزوجهن كما حل لك فيما مضى {إِلاَّ مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ} من الإماء، فلا حرج عليك بدخولها {وَكَانَ ٱللَّهُ} المطلع على مقادير أفعال عباده {عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ} مما جرى في ملكه وملكوته {رَّقِيباً} [الأحزاب: 52] يراقبه ويحافظه إلى أن يكمل، ثمَّ يمنع عنه على مقتضى حكمته البالغة.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : وهذا أيضًا من توسعة اللّه على رسوله ورحمته به، أن أباح له ترك القسم بين زوجاته، على وجه الوجوب، وأنه إن فعل ذلك، فهو تبرع منه، ومع ذلك، فقد كان صلى اللّه عليه وسلم يجتهد في القسم بينهن في كل شيء، ويقول: "حديث : اللهم هذا قسمي فيما أملك، فلا تلمني فيما لا أملك " . تفسير : فقال هنا: { تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ } [أي: تؤخر من أردت من زوجاتك فلا تؤويها إليك، ولا تبيت عندها] { وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ } أي: تضمها وتبيت عندها. { و } مع ذلك لا يتعين هذا الأمر { مَنِ ابْتَغَيْتَ } أي: أن تؤويها { فَلا جُنَاحَ عَلَيْكَ } والمعنى أن الخيرة بيدك في ذلك كله [وقال كثير من المفسرين: إن هذا خاص بالواهبات، له أن يرجي من يشاء، ويؤوي من يشاء، أي: إن شاء قبل من وهبت نفسها له، وإن شاء لم يقبلها، واللّه أعلم]. ثم بين الحكمة في ذلك فقال: { ذَلِكَ } أي: التوسعة عليك، وكون الأمر راجعًا إليك وبيدك، وكون ما جاء منك إليهن تبرعًا منك { أَدْنَى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِمَا آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ } لعلمهن أنك لم تترك واجبًا، ولم تفرط في حق لازم. { وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ } أي: ما يعرض لها عند أداء الحقوق الواجبة والمستحبة، وعند المزاحمة في الحقوق، فلذلك شرع لك التوسعة يا رسول اللّه، لتطمئن قلوب زوجاتك. { وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَلِيمًا } أي: واسع العلم، كثير الحلم. ومن علمه، أن شرع لكم ما هو أصلح لأموركم، وأكثر لأجوركم. ومن حلمه، أن لم يعاقبكم بما صدر منكم، وما أصرت عليه قلوبكم من الشر.
النسائي
تفسير : قوله تعالى: {تُرْجِي مَن تَشَآءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِيۤ إِلَيْكَ مَن تَشَآءُ} [51] 434 - أنا محمَّدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ المُباركِ، نا أبُو أُسامةَ، عن هِشامِ بن عُروةَ، عن أبيهِ، عن عائِشةَ، قالتْ: كُنْتُ: أغارُ عَلَيَ اللاَّتِي وَهَبْنَ أنْفُسَهُنَّ للنبيِّ صلى الله عليه وسلم، فأقولُ: أوَ تهبُ المرأةُ نفسها، فأنزلَ اللهُ تعالى {تُرْجِي مَن تَشَآءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِيۤ إِلَيْكَ مَن تَشَآءُ} قُلتُ: وَاللهِ ما أرَى رَبَّكَ إلاَّ يُسارِعُ لَكَ في هَوَاكَ.
همام الصنعاني
تفسير : 2351- حدّثنا عبد الزراق، عن معمر، عن الزُّهري، في قوله: {تُرْجِي مَن تَشَآءُ مِنْهُنَّ}: [الآية: 51]، قال: كانَ ذلك حين أنْزَل الله أن يخيِّرَهُنَّ، قال الزّهري: وما علمنا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم أرْجَى مِنْهُنَّ أحَداً، ولقد آواهُنَّ كلهن حتى مات. 2352- قال معمر، وقال قتادة: جعله الله في حل أن يَدَعْ من يشاء مِنْهُنَّ، وَيُؤوي إليه من يشاء بغير قسم، وكان رَسُولُ الله يقسم. 2353- حدّثنا عبد الزراق، قال معمر، وأخْبَرني من سمع الحسن، يقول: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خطب امرأة، فليس لأحد أنْ يخطبها، حَتَّى يتزوجها رَسُولُ الله صلى الله عليه ونسلم أو يدعها، ففي ذلك أُنْزِلت: {تُرْجِي مَن تَشَآءُ مِنْهُنَّ ...}: [الآية: 51]. 2361- حدّثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن منصور، عن أبي رزين، في قوله: {تُرْجِي مَن تَشَآءُ مِنْهُنَّ}: [الآية: 51]، قال: المرجئات: ميمونة، وسودة، وصفية، وجويرية، وأم حبيبة، وكانت عائشة وحفصة، وأم سلمة، وزينت، سواء في قسم النبي صلى الله عليه وسلم، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يساوي بينهنّ في القسم. 2362- حدّثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن أيوب، عن أبي قلابة، قال: كان النبي يقسم بين نسائه، فَيَعْدِل، ثم يقول: "حديث : اللهم هَذضا فيما أطيق وأملك لا تلمني فيما تملك ولا أملك ". تفسير : 2363- عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن أيوب، أنّ عائشة قالت للنبي صلى الله عليه وسلم: فلا تخبر أزواجك أني اخترك فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : يا عشائة، إنما بُعِثْتُ مُبَلِّغاً، ولم أُبْعَثْ مُتَعَنِّتاً ". تفسير : 2364- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة في قوله تعالى: {ذَلِكَ أَدْنَىٰ أَن تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ}: [الآية: 51]، قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم موسَّعاً عليه في قسم أزواجه أن يقسم بينهن كيف شاء، فذلك قوله تعالى: {ذَلِكَ أَدْنَىٰ أَن تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ}: [الآية: 51]، إذا عَلِمْنَ أنَّ ذلك من الله.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):