Verse. 3583 (AR)

٣٣ - ٱلْأَحْزَاب

33 - Al-Ahzab (AR)

يٰۗاَيُّہَا النَّبِيُّ اِنَّاۗ اَحْلَلْنَا لَكَ اَزْوَاجَكَ الّٰتِيْۗ اٰتَيْتَ اُجُوْرَہُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِيْنُكَ مِمَّاۗ اَفَاۗءَ اللہُ عَلَيْكَ وَبَنٰتِ عَمِّكَ وَبَنٰتِ عَمّٰتِكَ وَبَنٰتِ خَالِكَ وَبَنٰتِ خٰلٰتِكَ الّٰتِيْ ہَاجَرْنَ مَعَكَ۝۰ۡوَامْرَاَۃً ￁مِنَۃً اِنْ وَّہَبَتْ نَفْسَہَا لِلنَّبِيِّ اِنْ اَرَادَ النَّبِيُّ اَنْ يَّسْتَنْكِحَہَا۝۰ ۤ خَالِصَۃً لَّكَ مِنْ دُوْنِ الْمُؤْمِنِيْنَ۝۰ۭ قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْہِمْ فِيْۗ اَزْوَاجِہِمْ وَمَا مَلَكَتْ اَيْمَانُہُمْ لِكَيْلَا يَكُوْنَ عَلَيْكَ حَرَجٌ۝۰ۭ وَكَانَ اللہُ غَفُوْرًا رَّحِيْمًا۝۵۰
Ya ayyuha alnnabiyyu inna ahlalna laka azwajaka allatee atayta ojoorahunna wama malakat yameenuka mimma afaa Allahu AAalayka wabanati AAammika wabanati AAammatika wabanati khalika wabanati khalatika allatee hajarna maAAaka waimraatan muminatan in wahabat nafsaha lilnnabiyyi in arada alnnabiyyu an yastankihaha khalisatan laka min dooni almumineena qad AAalimna ma faradna AAalayhim fee azwajihim wama malakat aymanuhum likayla yakoona AAalayka harajun wakana Allahu ghafooran raheeman

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك اللاتي آتيت أجورهن» مهورهن «وما ملكت يمينك مما أفاء الله عليك» من الكفار بالسبي كصفية وجويرية «وبنات عمك وبنات عماتك وبنات خالك وبنات خالاتك اللاتي هاجرن معك» بخلاف من لم يهاجرن «وامرأةً مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي إن أراد النبي أن يستنكحها» يطلب نكاحها بغير صداق «خالصة لك من دون المؤمنين» النكاح بلفظ الهبة من غير صداق «قد علمنا ما فرضنا عليهم» أي المؤمنين «في أزواجهم» من الأحكام بأن لا يزيدوا على أربع نسوة ولا يتزوجوا إلا بوليٍّ وشهود ومهر «و» في «ما ملكت أيمانهم» من الإماء بشراء وغيره بأن تكون الأمة ممن تحل لمالكها كالكتابية بخلاف المجوسية والوثنية وأن تستبرأ قبل الوطء «لكيلا» متعلق بما قبل ذلك «يكون عليك حرج» ضيق في النكاح «وكان الله غفورا» فيما يَعسر التحرز عنه «رحيما» بالتوسعة في ذلك.

50

Tafseer

الرازي

تفسير : ذكر للنبـي عليه السلام ما هو الأولى فإن الزوجة التي أوتيت مهرها أطيب قلباً من التي لم تؤت، والمملوكة التي سباها الرجل بنفسه أطهر من التي اشتراها الرجل لأنها لا يدري كيف حالها، ومن هاجرت من أقارب النبـي عليه السلام معه أشرف ممن لم تهاجر، ومن الناس من قال بأن النبـي عليه الصلاة والسلام كان يجب عليه إعطاء المهر أولاً، وذلك لأن المرأة لها الامتناع إلى أن تأخذ مهرها والنبـي عليه السلام ما كان يستوفي ما لا يجب له، والوطء قبل إيتاء الصداق غير مستحق وإن كان حلالا لنا وكيف والنبـي عليه السلام إذا طلب شيئاً حرم الامتناع عن المطلوب والظاهر أن الطالب في المرة الأولى، إنما يكون هو الرجل لحياء المرأة فلو طلب النبـي عليه السلام من المرأة التمكين قبل المهر للزم أن يجب وأن لا يجب وهذا محال ولا كذلك أحدنا، وقال ويؤكد هذا قوله تعالى: {وَٱمْرَأَةً مُّؤْمِنَةً إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِىّ } يعني حينئذ لا يبقى لها صداق فتصير كالمستوفية مهرها، وقوله تعالى: {إِنْ أَرَادَ ٱلنَّبِىُّ أَن يَسْتَنكِحَهَا } إشارة إلى أن هبتها نفسها لا بد معها من قبول وقوله تعالى: {خَالِصَةً لَّكَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ } قال الشافعي رضي الله عنه معناه إباحة الوطء بالهبة وحصول التزوج بلفظها من خواصك، وقال أبو حنيفة تلك المرأة صارت خالصة لك زوجة ومن أمهات المؤمنين لا تحل لغيرك أبداً، والترجيح يمكن أن يقال بأن على هذا فالتخصيص بالواهبة لا فائدة فيه فإن أزواجه كلهن خالصات له وعلى ما ذكرنا يتبين للتخصيص فائدة وقوله: {قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِى أَزْوٰجِهِـمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُهُمْ } معناه أن ما ذكرنا فرضك وحكمك مع نسائك وأما حكم أمتك فعندنا علمه ونبينه لهم وإنما ذكر هذا لئلا يحمل واحد من المؤمنين نفسه على ما كان للنبـي عليه الصلاة والسلام فإن له في النكاح خصائص ليست لغيره وكذلك في السراري. وقوله تعالى: {لِكَيْلاَ يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ } أي تكون في فسحة من الأمر فلا يبقى لك شغل قلب فينزل الروح الأمين بالآيات على قلبك الفارغ وتبلغ رسالات ربك بجدك واجتهادك، وقوله تعالى: {وَكَانَ ٱللَّهُ غفوراً رَّحِيماً } يغفر الذنوب جميعاً ويرحم العبيد.

القرطبي

تفسير : فيه تسع عشرة مسألة: الأولى: روى السّدّي عن أبي صالح عن أم هانىء بنت أبي طالب قالت: خطبني رسول الله صلى الله عليه وسلم فاعتذرت إليه فعذرني؛ ثم أنزل الله تعالى: {إِنَّآ أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ ٱللاَّتِيۤ آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالاَتِكَ ٱللاَّتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ} قالت: فلم أكن أحل له؛ لأني لم أهاجر، كنت من الطُّلقاء. خرّجه أبو عيسى وقال: هذا حديث حسن لا نعرفه إلا من هذا الوجه. قال ابن العربيّ: وهو ضعيف جداً، ولم يأتِ هذا الحديث من طريق صحيح يُحتجّ بها. الثانية: لما خير رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءه فاخترنه، حَرُم عليه التزوّج بغيرهن والاستبدال بهنّ، مكافأة لهن على فعلهن. والدليل على ذلك قوله تعالى: {لاَّ يَحِلُّ لَكَ ٱلنِّسَآءُ مِن بَعْدُ} الآية. وهل كان يحلّ له أن يطلق واحدة منهن بعد ذلك؟ فقيل: لا يحل له ذلك جزاءً لهن على اختيارهن له. وقيل: كان يَحِلّ له ذلك كغيره من الناس ولكن لا يتزوّج بدلها. ثم نسخ هذا التحريم فأباح له أن يتزوّج بمن شاء عليهن من النساء، والدليل عليه قوله تعالى: {إِنَّآ أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ} والإحلال يقتضي تقدّم حَظْر. وزوجاته اللاتي في حياته لم يكنّ محرمات عليه، وإنما كان حرم عليه التزويج بالأجنبيات فانصرف الإحلال إليهن، ولأنه قال في سياق الآية {وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ} الآية. ومعلوم أنه لم يكن تحته أحد من بنات عمه ولا من بنات عماته ولا من بنات خاله ولا من بنات خالاته، فثبت أنه أحلّ له التزويج بهذا ابتداء. وهذه الآية وإن كانت مقدمة في التلاوة فهي متأخرة النزول على الآية المنسوخة بها، كآيتي الوفاة في «البقرة». وقد اختلف الناس في تأويل قوله تعالى: {إِنَّآ أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ} فقيل: المراد بها أن الله تعالى أحلّ له أن يتزوّج كل امرأة يؤتيها مهرها، قاله ابن زيد والضحاك. فعلى هذا تكون الآية مبيحة جميع النساء حاشا ذوات المحارم. وقيل: المراد أحلَلْنا لك أزواجك، أي الكائنات عندك، لأنهن قد اخترنك على الدنيا والآخرة، قاله الجمهور من العلماء. وهو الظاهر، لأن قوله: {آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ} ماضٍ، ولا يكون الفعل الماضي بمعنى الاستقبال إلا بشروط. ويجيء الأمر على هذا التأويل ضيّقاً على النبيّ صلى الله عليه وسلم. ويؤيد هذا التأويل ما قاله ابن عباس: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتزوج في أيّ الناس شاء، وكان يشقّ ذلك على نسائه، فلما نزلت هذه الآية وحرم عليه بها النساء إلا مَن سُمِّيَ، سُرّ نساؤه بذلك. قلت: والقول الأوّل أصح لما ذكرناه. ويدلّ أيضاً على صحته ما خرّجه الترمذيّ عن عطاء قال: قالت عائشة رضي الله عنها: ما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أحلّ الله تعالى له النساء. قال: هذا حديث حسن صحيح. الثالثة: قوله تعالى: {وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ} أحلّ الله تعالى السراري لنبيّه صلى الله عليه وسلم ولأمّته مطلقاً، وأحل الأزواج لنبيّه عليه الصلاة والسلام مطلقاً، وأحلّه للخلق بعدَدٍ. وقوله: {مِمَّآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَيْكَ} أي ردّه عليك من الكفار. والغنيمة قد تسمى فيئاً؛ أي مما أفاء الله عليك من النساء بالمأخوذ على وجه القهر والغلبة. الرابعة: قوله تعالى: {وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ} أي أحللنا لك ذلك زائداً من الأزواج اللاتي آتيت أجورهن وما ملكت يمينك، على قول الجمهور؛ لأنه لو أراد أحللنا لك كل امرأة تزوجتَ وآتيت أجرها، لما قال بعد ذلك: «وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ» لأن ذلك داخل فيما تقدّم. قلت: وهذا لا يلزم، وإنما خصّ هؤلاء بالذكر تشريفاً؛ كما قال تعالى: {أية : فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ} تفسير : [الرحمن: 68]. والله أعلم. الخامسة: قوله تعالى: {ٱللاَّتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ} فيه قولان: الأوّل: لا يحلّ لك من قرابتك كبنات عمك العباس وغيره من أولاد عبد المطلب، وبنات أولاد بنات عبد المطلب، وبنات الخال من ولد بنات عبد مناف بن زُهْرة إلا من أسلم؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده والمهاجِر من هجر ما نهى الله تعالى عنه»تفسير : . الثاني: لا يحلّ لك منهن إلا من هاجر إلى المدينة؛ لقوله تعالى: {أية : وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يُهَاجِرُواْ مَا لَكُمْ مِّن وَلاَيَتِهِم مِّن شَيْءٍ حَتَّىٰ يُهَاجِرُواْ} تفسير : [الأنفال: 72] ومن لم يهاجر لم يَكْمُل، ومَن لم يكمل لم يصلح للنبيّ صلى الله عليه وسلم الذي كَمُل وشَرُف وعَظُم، صلى الله عليه وسلم. السادسة: قوله تعالى: {مَعَكَ} المَعِيّة هنا الاشتراك في الهجرة لا في الصحبة فيها؛ فمن هاجر حلّ له، كان في صحبته إذ هاجر أو لم يكن. يقال: دخل فلان معي وخرج معي؛ أي كان عمله كعملي وإن لم يقترن فيه عَمَلُكما. ولو قلت: خرجنا معاً لاقتضى ذلك المعنيين جميعاً: الاشتراك في الفعل، والاقتران (فيه). السابعة: ذكر الله تبارك وتعالى العمّ فَرْداً والعمّات جمعاً. وكذلك قال: «خَالِكَ»، «وَخَالاَتِكَ» والحكمة في ذلك: أن العمّ والخال في الإطلاق اسم جنس كالشاعر والراجز؛ وليس كذلك العمة والخالة. وهذا عُرْف لغويّ، فجاء الكلام عليه بغاية البيان لرفع الإشكال، وهذا دقيق فتأملوه؛ قاله ابن العربي. الثامنة: قوله تعالى: {وَٱمْرَأَةً مُّؤْمِنَةً} عطف على «أَحْلَلْنَا». المعنى وأحللنا لك امرأة تَهَب نفسها من غير صداق. وقد اختلف في هذا المعنى؛ فروي عن ابن عباس أنه قال؛ لم تكن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأة إلا بعقد نكاح أو مِلك يمين. فأما الهبة فلم يكن عنده منهن أحد. وقال قوم: كانت عنده موهوبة. قلت: والذي في الصحيحين يقوّي هذا القول ويَعْضُدُه؛ روى مسلم عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: كنت أغار على اللاتي وَهَبْنَ أنفسهن لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأقول: أما تستحيي امرأة تَهَب نفسها لرجل! حتى أنزل الله تعالى: {تُرْجِي مَن تَشَآءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِيۤ إِلَيْكَ مَن تَشَآءُ} فقلت: والله ما أرى رَبَّكَ إلا يسارع في هواك. وروى البخاريّ عن عائشة أنها قالت: كانت خَوْلة بنت حكيم من اللائي وهبن أنفسهنّ لرسول الله صلى الله عليه وسلم. فدلّ هذا على أنهن كنّ غير واحدة. والله تعالى أعلم. الزَّمَخْشَرِيّ: وقيل الموهبات أربع: ميمونة بنت الحارث، وزينب بنت خزيمة أم المساكين الأنصارية، وأم شريك بنت جابر، وخَوْلة بنت حكيم. قلت: وفي بعض هذا اختلاف. قال قتادة: هي ميمونة بنت الحارث. وقال الشعبيّ: هي زينب بنت خزيمة أم المساكين امرأة من الأنصار. وقال عليّ بن الحسين والضحاك ومقاتل: هي أم شريك بنت جابر الأسدية. وقال عروة ابن الزبير: أم حكيم بنت الأوقص السلمية. التاسعة: وقد اختلف في اسم الواهبة نفسها؛ فقيل هي أم شريك الأنصارية، اسمها غُزِيّة. وقيل غُزَيلة. وقيل ليلى بنت حكيم. وقيل: هي ميمونة بنت الحارث حين خطبها النبيّ صلى الله عليه وسلم، فجاءها الخاطب وهي على بعيرها فقالت: البعير وما عليه لرسول الله صلى الله عليه وسلم. وقيل: هي أم شريك العامرية، وكانت عند أبي العكر الأزدي. وقيل: عند الطُّفيل بن الحارث فولدت له شريكاً. وقيل: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوّجها؛ ولم يثبت ذلك. والله تعالى أعلم؛ ذكره أبو عمر بن عبد البر. وقال الشعبيّ وعروة: هي زينب بنت خزيمة أم المساكين. والله تعالى أعلم. العاشرة: قرأ جمهور الناس «إِنْ وَهَبَتْ» بكسر الألف، وهذا يقتضي استئناف الأمر؛ أي إن وقع فهو حلال له. وقد روي عن ابن عباس ومجاهد أنهما قالا: لم يكن عند النبيّ صلى الله عليه وسلم امرأة موهوبة؛ وقد دللنا على خلافه. وروى الأئمة من طريق سهل وغيره في الصحاح: أن امرأة قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم: جئت أهب لك نفسي، فسكت حتى قام رجل فقال: زوجْنيها إن لم يكن لك بها حاجة. فلو كانت هذه الهبة غير جائزة لما سكت رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأنه لا يقرّ على الباطل إذا سمعه؛ غير أنه يحتمل أن يكون سكوته منتظراً بياناً؛ فنزلت الآية بالتحليل والتخيير، فاختار تركها وزوّجها من غيره. ويحتمل أن يكون سكت ناظراً في ذلك حتى قام الرجل لها طالباً. وقرأ الحسن البصريّ وأُبَيّ بن كعب والشعبيّ «أنْ» بفتح الألف. وقرأ الأعمش «وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً وَهَبَتْ». قال النحاس: وكسر «إنْ» أجمع للمعاني؛ لأنه قيل إنهن نساء. وإذا فتح كان المعنى على واحدة بعينها؛ لأن الفتح على البدل من امرأة، أو بمعنى لأن. الحادية عشرة: قوله تعالى: {مُّؤْمِنَةً} يدلّ على أن الكافرة لا تحلّ له. قال إمام الحرمين: وقد اختلف في تحريم الحرّة الكافرة عليه. قال ابن العربيّ: والصحيح عندي تحريمها عليه. وبهذا يتميز علينا؛ فإنه ما كان من جانب الفضائل والكرامة فحظه فيه أكثر، وما كان من جانب النقائص فجانبه عنها أطهر؛ فجوّز لنا نكاح الحرائر الكتابيات، وقصر هو صلى الله عليه وسلم لجلالته على المؤمنات. وإذا كان لا يحلّ له من لم تهاجر لنقصان فضل الهجرة فأحْرَى ألاّ تحل له الكافرة الكتابية لنقصان الكفر. الثانية عشرة: قوله تعالى: {إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا} دليل على أن النكاح عقد معاوضة على صفات مخصوصة، قد تقدمت في «النساء» وغيرها. وقال الزجاج: معنى: «إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيّ» حلّت. وقرأ الحسن: «أن وهبت» بفتح الهمزة. و«أن» في موضع نصب. قال الزجاج: أي لأن. وقال غيره: «أن وهبت» بدل اشتمال من «امرأة». الثالثة عشرة: قوله تعالى: {إِنْ أَرَادَ ٱلنَّبِيُّ أَن يَسْتَنكِحَهَا} أي إذا وهبت المرأة نفسها وقبلها النبيّ صلى الله عليه وسلم حلت له، وإن لم يقبلها لم يلزم ذلك. كما إذا وهبت لرجل شيئاً فلا يجب عليه القبول؛ بَيْد أن من مكارم أخلاق نبيّنا أن يقبل من الواهب هبته. ويرى الأكارم أن ردّها هُجْنة في العادة، ووصمة على الواهب وأَذِيّة لقلبه؛ فبيّن الله ذلك في حق رسوله صلى الله عليه وسلم وجعله قرآنا يتلى؛ ليرفع عنه الحرج، ويبطل بُطْل الناس في عادتهم وقولهم. الرابعة عشرة: قوله تعالى: {خَالِصَةً لَّكَ} أي هبة النساء أنفسهن خالصة ومزية لا تجوز؛ فلا يجوز أن تَهَب المرأة نفسها لرجل. ووجه الخاصيّة أنها لو طلبت فرض المهر قبل الدخول لم يكن لها ذلك. فأما فيما بيننا فللمفوّضة طلب المهر قبل الدخول، ومهر المثل بعد الدخول. الخامسة عشرة: أجمع العلماء على أن هبة المرأة نفسها غير جائز، وأن هذا اللفظ من الهبة لا يتم عليه نكاح؛ إلا ما روي عن أبي حنيفة وصاحبيه فإنهم قالوا: إذا وهبت فأشهد هو على نفسه بمهر فذلك جائز. قال ابن عطية: فليس في قولهم إلا تجويز العبارة ولفظة الهبة، وإلا فالأفعال التي اشترطوها هي أفعال النكاح بعينه، وقد تقدمت هذه المسألة في «القصص» مستوفاة. والحمد لله. السادسة عشرة: خصّ الله تعالى رسوله في أحكام الشريعة بمعان لم يشاركه فيها أحد ـ في باب الفرض والتحريم والتحليل ـ مزيّةً على الأمة وهبت له، ومرتبة خصّ بها؛ ففرِضت عليه أشياء ما فرضت على غيره، وحَرُمت عليه أفعال لم تحرم عليهم، وحللت له أشياء لم تحلل لهم؛ منها متفَق عليه ومختلف فيه. فأما ما فُرض عليه فتسعة: الأوّل: التهجد بالليل؛ يقال: إن قيام الليل كان واجِباً عليه إلى أن مات؛ لقوله تعالى: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلْمُزَّمِّلُ قُمِ ٱلْلَّيْلَ}تفسير : [المزمل: 1 ـ 2] الآية. والمنصوص أنه كان واجباً عليه ثم نسخ بقوله تعالى: {أية : وَمِنَ ٱلْلَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ}تفسير : [الإسراء: 79] وسيأتي. الثاني: الضُّحَا. الثالث: الأَضْحى. الرابع: الوتر؛ وهو يدخل في قسم التهجُّد. الخامس: السواك. السادس: قضاء دين من مات معسِرا. السابع: مشاورة ذوي الأحلام في غير الشرائع. الثامن: تخيير النساء. التاسع: إذا عمل عملاً أثبته. زاد غيره: وكان يجب عليه إذا رأى منكراً أنكره وأظهره، لأن إقراره لغيره على ذلك يدلّ على جوازه، ذكره صاحب البيان. وأما ما حرم عليه فجملته عشرة: الأوّل: تحريم الزكاة عليه وعلى آله. الثاني: صدقة التطوّع عليه، وفي آله تفصيل باختلاف. الثالث: خائنة الأعين، وهو أن يظهر خلاف ما يضمر، أو ينخدع عما يجب. وقد ذمّ بعضَ الكفار عند إذنه ثم ألان له القول عند دخوله. الرابع: حَرّم الله عليه إذا لبس لأْمته أن يخلعها عنه أو يحكم الله بينه وبين محاربه. الخامس: الأكل متّكئاً. السادس: أكل الأطعمة الكريهة الرائحة. السابع: التبدّل بأزواجه؛ وسيأتي. الثامن: نكاح امرأة تكره صحبته. التاسع: نكاح الحرّة الكتابية. العاشر: نكاح الأمة. وحرّم الله عليه أشياء لم يحرمها على غيره تنزيهاً له وتطهيراً. فحرّم الله عليه الكتابة وقول الشعر وتعليمه؛ تأكيداً لحجته وبياناً لمعجزته؛ قال الله تعالى: {أية : وَمَا كُنتَ تَتْلُواْ مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلاَ تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ}تفسير : [العنكبوت: 48]. وذكر النقاش أن النبيّ صلى الله عليه وسلم ما مات حتى كتب؛ والأوّل هو المشهور. وحرم عليه أن يمدّ عينيه إلى ما متّع به الناس؛ قال الله تعالى: {أية : لاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِّنْهُمْ}تفسير : [الحجر: 88] الآية. وأما ما أحِلّ له صلى الله عليه وسلم فجملته ستة عشر: الأوّل: صَفِيّ المغنم. الثاني: الاستبداد بخمس الخمس أو الخمس. الثالث: الوصال. الرابع: الزيادة على أربع نسوة. الخامس: النكاح بلفظ الهبة. السادس: النكاح بغير ولِيّ. السابع: النكاح بغير صداق. الثامن: نكاحه في حالة الإحرام. التاسع: سقوط القَسْم بين الأزواج عنه؛ وسيأتي. العاشر: إذا وقع بصره على امرأة وجب على زوجها طلاقها؛ وحلّ له نكاحها. قال ابن العربي: هكذا قال إمام الحرمين، وقد مضى ما للعلماء في قصة زيد من هذا المعنى. الحادي عشر: أنه أعتق صفيّة وجعل عتقها صداقها. الثاني عشر: دخوله مكة بغير إحرام، وفي حقنا فيه اختلاف. الثالث عشر: القتال بمكة. الرابع عشر: أنه لا يورث. وإنما ذكر هذا في قسم التحليل لأن الرجل إذا قارب الموت بالمرض زال عنه أكثر ملكه، ولم يبق له إلا الثلث خالصاً، وبقي ملك رسول الله صلى الله عليه وسلم، على ما تقرّر بيانه في آية المواريث، وسورة «مريم» بيانه أيضاً. الخامس عشر: بقاء زوجيّته من بعد الموت. السادس عشر: إذا طلّق امرأة تبقى حرمته عليها فلا تُنكح. وهذه الأقسام الثلاثة تقدّم معظمها مفصلاً في مواضعها. وسيأتي إن شاء الله تعالى. وأبيح له عليه الصلاة والسلام أخذ الطعام والشراب من الجائع والعطشان، وإن كان من هو معه يخاف على نفسه الهلاك، لقوله تعالى: {ٱلنَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِٱلْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ}. وعلى كل أحد من المسلمين أن يَقِيَ النبي صلى الله عليه وسلم بنفسه. وأبيح له أن يحمي لِنفسه. وأكرمه الله بتحليل الغنائم. وجعلت الأرض له ولأمته مسجداً وطهوراً. وكان من الأنبياء (مَن) لا تصح صلاتهم إلا في المساجد. ونُصِر بالرُّعْب؛ فكان يخافه العدوّ من مسيرة شهر. وبُعث إلى كافة الخلق، وقد كان مَن قبله من الأنبياء يُبعث الواحد إلى بعض الناس دون بعض. وجُعلت معجزاته كمعجزات الأنبياء قبله وزيادة. وكانت معجزة موسى عليه السلام العصا وانفجارَ الماء من الصخرة. وقد انشق القمر للنبي صلى الله عليه وسلم، وخرج الماء من بين أصابعه صلى الله عليه وسلم. وكانت معجزة عيسى صلى الله عليه وسلم إحياء الموتى وإبراء الأكْمَه والأبرص. وقد سبّح الحصى في يد النبي صلى الله عليه وسلم، وحنّ الجِذع إليه؛ وهذا أبلغ. وفضّله الله عليهم بأن جعل القرآن معجزة له، وجعل معجزته فيه باقية إلى يوم القيامة، ولهذا جُعلت نبوَّته مؤبّدة لا تُنسخ إلى يوم القيامة. السابعة عشرة: قوله تعالى: {أَن يَسْتَنكِحَهَا} أي ينكحها، يقال: نَكَح واستنكح؛ مثل عَجِب واستعجب، وعجِل واستعجل. ويجوز أن يَردِ الاستنكاح بمعنى طلب النكاح، أو طلب الوطء. و«خَالِصَةً» نصب على الحال، قاله الزجاج. وقيل: حال من ضمير متصل بفعل مضمر دلّ عليه المضمر، تقديره: أحللنا لك أزواجك، وأحللنا لك امرأة مؤمنة أحللناها خالصة، بلفظ الهبة وبغير صداق وبغير ولِيّ. الثامنة عشرة: قوله تعالى: {مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ} فائدته أن الكفار وإن كانوا مخاطبين بفروع الشريعة عندنا فليس لهم في ذلك دخول، لأن تصريف الأحكام إنما يكون فيهم على تقدير الإسلام. قوله تعالى: {قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِيۤ أَزْوَاجِهِـمْ} أي ما أوجبنا على المؤمنين، وهو ألا يتزوّجوا إلا أربع نسوة بمهر وبيّنة ووَلِيّ. قال معناه أُبَيّ بن كعب وقتادة وغيرهما. التاسعة عشرة: قوله تعالى: {لِكَيْلاَ يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ} أي ضيق في أمر أنت فيه محتاج إلى السّعة، أي بيّنا هذا البيان وشرحنا هذا الشرح «لِكَيْلاَ يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ» فـ«ـلكيلا» متعلق بقوله: {إِنَّآ أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ} أي فلا يضيق قلبك حتى يظهر منك أنك قد أثمت عند ربّك في شيء. ثم آنس تعالى جميع المؤمنين بغفرانه ورحمته فقال تعالى: {وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً }.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى مخاطباً نبيه صلى الله عليه وسلم بأنه قد أحل له من النساء أزواجه اللاتي أعطاهن مهورهن، وهي الأجور ههنا، كما قاله مجاهد وغير واحد. وقد كان مهره لنسائه اثنتي عشرة أوقية ونشّاً وهو نصف أوقية، فالجميع خمسمائة درهم، إلا أم حبيبة بنت أبي سفيان؛ فإنه أمهرها عنه النجاشي رحمه الله تعالى أربعمائة دينار، وإلا صفية بنت حيــــي؛ فإنه اصطفاها من سبي خيبر، ثم أعتقها، وجعل عتقها صداقها، كذلك جويرية بنت الحارث المصطلقية، أدى عنها كتابتها إلى ثابت ابن قيس بن شماس، وتزوجها ــــ رضي الله عنهن أجمعين ــــ. وقوله تعالى: {آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَيْكَ} أي: وأباح لك التسري مما أخذت من المغانم، وقد ملك صفية وجويرية، فأعتقهما وتزوجهما، وملك ريحانة بنت شمعون النضرية ومارية القبطية أم ابنه إبراهيم عليهما السلام، وكانتا من السراري رضي الله عنهما. وقوله تعالى: {وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالاَتِكَ} الآية، هذا عدل وسط بين الإفراط والتفريط، فإن النصارى لا يتزوجون المرأة، إلا إذا كان الرجل بينه وبينها سبعة أجداد فصاعداً، واليهود يتزوج أحدهم بنت أخيه وبنت أخته، فجاءت هذه الشريعة الكاملة الطاهرة بهدم إفراط النصارى، فأباح بنت العم والعمة، وبنت الخال والخالة، وتحريم ما فرطت فيه اليهود من إباحة بنت الأخ والأخت، وهذا شنيع فظيع، وإنما قال: {وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالاَتِكَ} فوحد لفظ الذكر لشرفه، وجمع الإناث لنقصهن؛ كقوله: {أية : عَنِ ٱلْيَمِينِ وَٱلْشَّمَآئِلِ} تفسير : [النحل: 48] {أية : يُخْرِجُهُم مِّنَ ٱلظُّلُمَـٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ} تفسير : [البقرة: 297] {أية : وَجَعَلَ ٱلظُّلُمَـٰتِ وَٱلنُّورَ} تفسير : [الأنعام: 1] وله نظائر كثيرة. وقوله تعالى: {ٱللاَّتِى هَـٰجَرْنَ مَعَكَ} قال ابن أبي حاتم رحمه الله: حدثنا محمد بن عمار بن الحارث الرازي، حدثنا عبيد الله بن موسى، حدثنا إسرائيل عن السدي عن أبي صالح عن أم هانىء قالت: خطبني رسول الله صلى الله عليه وسلم فاعتذرت إليه، فعذرني، ثم أنزل الله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ إِنَّآ أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ ٱللاَّتِيۤ آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالاَتِكَ ٱللاَّتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ} قالت: فلم أكن أحل له، ولم أكن ممن هاجر معه، كنت من الطلقاء. ورواه ابن جرير عن أبي كريب عن عبيد الله بن موسى به، ثم رواه ابن أبي حاتم من حديث إسماعيل بن أبي خالد عن أبي صالح عنها بنحوه، ورواه الترمذي في جامعه. وهكذا قال أبو رزين وقتادة: إن المراد من هاجر معه إلى المدينة. وفي رواية عن قتادة: {ٱللاَّتِى هَـٰجَرْنَ مَعَكَ} أي: أسلمن، وقال الضحاك: قرأ ابن مسعود {وَٱمْرَأَةً مُّؤْمِنَةً إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ ٱلنَّبِيُّ أَن يَسْتَنكِحَهَا خَالِصَةً لَّكَ} الآية، أي: ويحل لك أيها النبي المرأة المؤمنة إن وهبت نفسها لك أن تتزوجها بغير مهر، إن شئت ذلك. وهذه الآية توالى فيها شرطان؛ كقوله تعالى إخباراً عن نوح عليه السلام أنه قال لقومه: {أية : وَلاَ يَنفَعُكُمْ نُصْحِىۤ إِنْ أَرَدْتُّ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ إِن كَانَ ٱللَّهُ يُرِيدُ أَن يُغْوِيَكُمْ} تفسير : [هود: 34] وكقول موسى عليه السلام: {أية : يٰقَوْمِ إِن كُنتُمْ ءَامَنْتُمْ بِٱللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوۤاْ إِن كُنْتُم مُّسْلِمِينَ} تفسير : [يونس: 84] وقال ههنا: {وَٱمْرَأَةً مُّؤْمِنَةً إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ} الآية. وقد قال الإمام أحمد: حدثنا إسحاق، أخبرنا مالك عن أبي حازم عن سهل بن سعد الساعدي: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جاءته امرأة فقالت: يا رسول الله إني قد وهبت نفسي لك، فقامت قياماً طويلاً، فقام رجل فقال: يا رسول الله زوجنيها إن لم يكن لك بها حاجة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : هل عندك من شيء تصدقها إياه؟» تفسير : فقال: ما عندي إلا إزاري هذا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : إن أعطيتها إزارك، جلست لا إزار لك، فالتمس شيئاً» تفسير : فقال: لا أجد شيئاً، فقال: «حديث : التمس، ولو خاتماً من حديد» تفسير : فالتمس فلم يجد شيئاً، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : هل معك من القرآن شيء؟» تفسير : قال: نعم سورة كذا، وسورة كذا ــــ لسور يسميها ــــ فقال له النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : زوجتكها بما معك من القرآن» تفسير : أخرجاه من حديث مالك. وقال الإمام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا مرحوم، سمعت ثابتاً يقول: كنت مع أنس جالساً، وعنده ابنة له، فقال أنس: جاءت امرأة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا نبي الله هل لك فِيَّ حاجة؟ فقالت ابنته: ما كان أقل حياءها فقال: «حديث : هي خير منك، رغبت في النبي، فعرضت عليه نفسها» تفسير : انفرد بإخراجه البخاري من حديث مرحوم بن عبد العزيز عن ثابت البناني عن أنس به. وقال أحمد أيضاً: حدثنا عبد الله بن بكر، حدثنا سنان بن ربيعة عن الحضرمي عن أنس بن مالك: أن امرأة أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله ابنة لي كذا وكذا ــــ فذكرت من حسنها وجمالها ــــ فآثرتك بها، فقال: «حديث : قد قبلتها» تفسير : فلم تزل تمدحها حتى ذكرت أنها لم تصدع، ولم تشك شيئاً قط، فقال: «حديث : لا حاجة لي في ابتنك» تفسير : لم يخرجوه. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا منصور بن أبي مزاحم، حدثنا ابن أبي الوضاح، يعني: محمد بن مسلم، عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: التي وهبت نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم خولة بنت حكيم. وقال ابن وهب عن سعيد بن عبد الرحمن وابن أبي الزناد عن هشام بن عروة عن أبيه: أن خولة بنت حكيم بن الأوقص من بني سليم كانت من اللاتي وهبن أنفسهن لرسول الله صلى الله عليه وسلم وفي رواية له عن سعيد بن عبد الرحمن عن هشام عن أبيه: كنا نتحدث أن خولة بنت حكيم كانت وهبت نفسها لرسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت امرأة صالحة. فيحتمل أن أم سليم هي خولة بنت حكيم، أو هي امرأة أخرى. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن إسماعيل الأحمسي، حدثنا وكيع، حدثنا موسى بن عبيدة عن محمد بن كعب وعمربن الحكم وعبد الله بن عبيدة، قالوا: تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث عشرة امرأة، ستاً من قريش: خديجة وعائشة وحفصة وأم حبيبة وسودة وأم سلمة، وثلاثاً من بني عامر بن صعصعة، وامرأتين من بني هلال بن عامر: ميمونة بنت الحارث، وهي التي وهبت نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم وزينب أم المساكين، وامرأة من بني بكر بن كلاب من القرظيات، وهي التي اختارت الدنيا، وامرأة من بني الجون، وهي التي استعاذت منه، وزينب بنت جحش الأسدية، والسبيتين صفية بنت حيي بن أخطب، وجويرية بنت الحارث بن عمرو بن المصطلق الخزاعية. وقال سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن ابن عباس: {وَٱمْرَأَةً مُّؤْمِنَةً إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ} قال: هي ميمونة بنت الحارث، فيه انقطاع، هذا مرسل، والمشهور أن زينب التي كانت تدعى أم المساكين هي زينب بنت خزيمة الأنصارية، وقد ماتت عند النبي صلى الله عليه وسلم في حياته، فالله أعلم. والغرض من هذا أن اللاتي وهبن أنفسهن للنبي صلى الله عليه وسلم كثير، كما قال البخاري: حدثنا زكريا بن يحيى، حدثنا أبو أسامة قال: حدثنا هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: كنت أغار من اللاتي وهبن أنفسهن للنبي صلى الله عليه وسلم وأقول: أتهب المرأة نفسها؟ فلما أنزل الله تعالى: {تُرْجِى مَن تَشَآءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِىۤ إِلَيْكَ مَن تَشَآءُ وَمَنِ ٱبْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكَ} قلت: ما أرى ربك إلا يسارع في هواك. وقد قال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا محمد بن منصور الجعفي، حدثنا يونس بن بكير عن عنبسة بن الأزهر عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس قال: لم يكن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأة وهبت نفسها له. ووراه ابن جرير عن أبي كريب عن يونس بن بكير، أي: أنه لم يقبل واحدة ممن وهبت نفسها له وإن كان ذلك مباحاً له ومخصوصاً به؛ لأنه مردود إلى مشيئته؛ كما قال الله تعالى: {إِنْ أَرَادَ ٱلنَّبِىُّ أَن يَسْتَنكِحَهَا} أي: إن اختار ذلك. وقوله تعالى: {خَالِصَةً لَّكَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ} قال عكرمة: أي لا تحل الموهوبة لغيرك، ولو أن امرأة وهبت نفسها لرجل، لم تحل له حتى يعطيها شيئاً، وكذا قال مجاهد والشعبي وغيرهما، أي: إنها إذا فوضت المرأة نفسها إلى رجل، فإنه متى دخل بها، وجب عليه لها مهر مثلها، كما حكم به رسول الله صلى الله عليه وسلم في بروع بنت واشق، لما فوضت، فحكم لها رسول الله صلى الله عليه وسلم بصداق مثلها لما توفي عنها زوجها، والموت والدخول سواء في تقرير المهر، وثبوت مهر المثل في المفوضة لغير النبي صلى الله عليه وسلم فأما هو عليه الصلاة والسلام، فإنه لا يجب عليه للمفوضة شيء، ولو دخل بها، لأن له أن يتزوج بغير صداق ولا ولي، ولا شهود، كما في قصة زينب بنت جحش رضي الله عنها، ولهذا قال قتادة في قوله: {خَالِصَةً لَّكَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ} يقول: ليس لا مرأة تهب نفسها لرجل بغير ولي ولا مهر إلا للنبي صلى الله عليه وسلم وقوله تعالى: {قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِىۤ أَزْوَٰجِهِـمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُهُمْ} قال أبي بن كعب ومجاهد والحسن وقتادة وابن جرير في قوله: {قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِىۤ أَزْوَٰجِهِـمْ} أي: من حصرهم في أربع نسوة حرائر، وما شاؤوا من الإماء، واشتراط الولي والمهر والشهود عليهم، وهم الأمة، وقد رخصنا لك في ذلك، فلم نوجب عليك شيئاً منه {لِكَيْلاَ يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً}.

المحلي و السيوطي

تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ إِنَّآ أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوٰجَكَ ٱلَّٰتِى ءَاتَيْتَ أُجُورَهُنَّ} مهورهنّ {وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَيْكَ } من الكفار بالسبي كصفية وجويرية {وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّٰتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَٰلٰتِكَ ٱلَّٰتِىهَٰجَرْنَ مَعَكَ } بخلاف من لم يهاجرن {وَٱمْرَأَةً مُّؤْمِنَةً إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِىِّ إِنْ أَرَادَ ٱلنَّبِىُّ أَن يَسْتَنكِحَهَا } يطلب نكاحها بغير صداق {خَالِصَةً لَّكَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ } النكاح بلفظ الهبة من غير صداق {قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ } أي المؤمنين {فِى أَزْوٰجِهِمْ } من الأحكام بأن لا يزيدوا على أربع نسوة ولا يتزوّجُوا إلا بوليٍّ وشهود ومهر {وَ} في { مَا مَلَكَتْ أَيْمَٰنُهُمْ } من الإِماءِ بشراء وغيره بأن تكون الأمَة ممن تحلُّ لمالكها، كالكتابية بخلاف المجوسية والوثنيّة، وأن تستبرأ قبل الوطء {لِّكَيْلاَ } متعلق بما قبل ذلك {يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ } ضيق في النكاح {وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً } فيما يعسر التحرُّز عنه {رَّحِيماً } بالتوسعة في ذلك.

الماوردي

تفسير : قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إنَّآ أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللاَّتِي ءَاتَيْتَ أُجُورَهُنَّ} يعني صداقهن وفيه ثلاثة أقاويل: أحدها: أحل له لهذه الآية أزواجه الأول اللاتي كن معه قبل نزول هذه الآية قاله مجاهد. وأما إحلال غيرهن فلا لقوله{لاَّ يَحِلُّ لَكَ النِّسَآءُ مِنْ بَعُدْ}. الثاني: أنه أحل له بهذه الآية سائر النساء ونسخ به قوله {لاَّ يَحِلُّ لَكَ النِّسَآءُ مِنْ بَعْدُ}. الثالث: أنه أحل بها من سماه فيها من النساء دون من لم يسمعه من قوله. {وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ} يعني الإماء. {مِمَّا أَفَّآءَ اللَّهُ عَلَيْكَ} يعني من الغنيمة فكان من الإماء مارية أم ابنه إبراهيم. ومما أفاء الله عليه صفية وجويرية أعتقهما وتزوج بهما. {وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وبَنَاتِ خَالاَتِكَ} قاله أُبي بن كعب ثم قال: {اللاَّتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ} فيه قولان: أحدهما: يعني المسلمات. الثاني: المهاجرات إلى المدينة. روى أبو صالح عن أم هانىء قالت: نزلت هذه الآية وأراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يتزوجني فنهي عني لأني لم أهاجر واختلف في الهجرة على قولين: أحدهما: أنها شرط في إحلال النساء لرسول الله صلى الله عليه وسلم من غريبة وقريبة حتى لا يجوز أن ينكح إلا بمهاجرة. الثاني: أنها شرط في إحلال بنات عمه عماته المذكورات في الآية. وليست شرطاً في إحلال الأجنبيات. {وامْرَأَةً مُّؤْمِنَةً إن وَهَبْتَ نَفْسَهَا للِنَّبِيِّ} اختلف أهل التأويل هل كان عند النبي صلى لله عليه وسلم امرأة وهبت نفسها على قولين: أحدهما: لم تكن عنده امرأة وهبت نفسها له، وهو قول ابن عباس ومجاهد وتأويل من قرأ إن وهبت بالكسر محمول على المستقبل. الثاني: أنه كانت عنده امرأة وهبت نفسها، وهو قول الجمهور وتأويل من قرأ بالفتح أنه في امرأة بعينها متى وهبت نفسها حل له أن ينكحها،ومن قرأ بالكسر أنه في كل امرأة وهبت نفسها أنه يحل له أن ينحكها. واختلف في التي وهبت نفسها له على أربعة أقاويل: أحدها: أنها أم شريك بنت جابر بن ضباب، وكانت امرأة صالحة، قاله عروة بن الزبير. الثاني: أنها خولة بنت حكيم، وهذا قول عائشة رضي الله عنها. الثالث: أنها ميمونة بنت الحارث،قاله ابن عباس. الرابع: أنا زينب بنت خزيمة أم المساكين امرأة من الأنصار. قاله الشعبي. {إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَن يَسْتَنكِحَهَا خَالِصَةً لَّكَ مِن دُونَِ الْمُؤْمِنِينَ} فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: أنها خالصة له إذا وهبت له نفسها أن ينكحها بغير أمر ولي ولا مهر. وليس ذلك لأحد من المؤمنين، قاله قتادة. الثاني: أنها خالصة له إذا وهبت له نفسها أن لا يلزمه لها صداق وليس ذلك لغيره من المؤمنين،قاله أنس بن مالك وسعيد بن المسيب. الثالث: أنها خالصة له أن يملك عقد نكاحها بلفظ الهبة وليس ذلك لغيره من المؤمنين، قاله الشافعي. قوله عز وجل: {قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِم فِي أَزْوَاجِهِمْ} فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: فرضنا ألا تتزوج امرأة إلا بولي وشاهدين. الثاني: فرضنا ألا يتجاوز الرجل أربع نسوة، وهذا قول مجاهد. الثالث: فرضنا عليهم لهن النفقة عليهن والقسم بينهن. قاله بعض الفقهاء. {وَمَا مَلَكَتُ أَيْمَانُهُمْ} يعني أن يحللن له من غير عدد محصور ولا قسم مستحق {لِكَيلاَ يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ} فيه وجهان: أحدهما: أنه راجع إلى قوله: {إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ}؛ قال ابن عيسى. الثاني: إلى قوله: {وَامْرَأةً مُّؤْمِنَةً إن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ} ويشبه أن يكون قول يحيى بن سلام.

ابن عطية

تفسير : قرأ الجمهور "اللاتي" بالتاء من فوق، وقرأ الأعمش "اللايي" بياءين من تحت، وذهب ابن زيد والضحاك في تفسير قوله {إنا أحللنا لك أزواجك اللاتي آتيت أجورهن} إلى أن المعنى أن لله تعالى أحل له أن يتزوج كل امرأة يؤتيها مهرها وأباح له تعالى كل النساء بهذا الوجه وأباح له ملك اليمين وبنات العم والعمة والخال والخالة ممن هاجر معه، وخصص هؤلاء بالذكر تشريفاً وتنبيهاً منهن إذ قد تناولهن على تأويل ابن زيد قوله تعالى: {أزواجك التي آتيت أجورهن}، وأباح له الواهبات خاصة له فهو على تأويل ابن زيد إباحة مطلقة في جميع النساء حاشى ذوات المحارم، لا سيما على ما ذكر الضحاك أن في مصحف ابن مسعود "وبنات خالاتك واللاتي هاجرن معك"، ثم قال بعد هذه {أية : ترجي من تشاء منهن} تفسير : [الأحزاب: 51] أي من هذه الأصناف كلها، ثم تجري الضمائر بعد ذلك على العموم إلى قوله تعالى: {ولا أن تبدل بهن} [الأحزاب: 52] فيجيء هذا الضمير مقطوعاً من الأول عائداً على أزواجه التسع فقط على الخلاف في ذلك، وتأول غير ابن زيد قوله {أحللنا لك أزواجك اللاتي آتيت أجورهن} أن الإشارة إلى عائشة وحفصة ومن في عصمته ممن تزوجها بمهر، وأن ملك اليمين بعد حلال له، وأن الله تعالى أباح له مع المذكورات بنات عمه وعماته وخاله وخالاته ممن هاجر معه والواهبات خاصة له، فيجيء الأمر على هذا التأويل أضيق على النبي صلى الله عليه وسلم، ويؤيد هذا التأويل ما قاله ابن عباس كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتزوج في أي الناس شاء وكان ذلك يشق على نسائه، فلما نزلت هذه الآية وحرم عليه بها النساء إلا من سمى سر نساؤه بذلك. قال الفقيه الإمام القاضي: لأن ملك اليمين إنما يفعله في النادر من الأمر وبنات العم والعمات والخال والخالات يسير، ومن يمكن أن يتزوج منهن محصور عند نسائه، لا سيما وقد قيد ذلك شرط الهجرة معه والواهبة أيضاً من النساء قليل، فلذلك سر أزواج النبي صلى الله عليه وسلم بانحصار الأمر، ثم يجيء قوله تعالى: {أية : ترجي من تشاء منهن} تفسير : [الأحزاب: 51] إشارة إلى من تقدم ذكره، ثم يجيء قوله {أية : ولا أن تبدل بهن من أزواج} تفسير : [الأحزاب: 52] إشارة إلى أزواجه اللاتي تقدم النص عليهن بالتحليل فيأتي الكلام متسقاً مطرداً أكثر من اطراده على التأويل الأول، و"الأجور" المهور، وقوله {مما أفاء الله عليك} أي رده إليك في الغنائم، يريد وعلى أمتك لأنه فيء عليه، و"ملك اليمين" أصله الفيء من الغنائم أو ما تناسل ممن سبي والشراء من الحربيين كالسباء، ومباح السباءة هو من الحربيين، ولا يجوز سبي من له عهد ولا تملكه، ويسمى سبي الخبثة، وقوله تعالى: {وبنات عمك} الآية، يريد قرابته، وروي عن أم هاني بنت أبي طالب أنها قالت: خطبني رسول الله صلى الله عليه وسلم فاعتذرت إليه فعذرني ثم نزلت هذه الآية، فحرمني عليه لأني لم أهاجر معه وإنما كنت من الطلقاء، وقرأ جمهور الناس "إن وهبت" بكسر الألف وهذا يقتضي استئناف الأمور، إن وقع فهو حلال له، على أنه قد روي عن ابن عباس أنه قال لم تكن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأة إلا بعقد نكاح أو ملك يمين. فأما بالهبة فلم يكن عنده منهن أحد، وقرأ الحسن البصري وأبيّ بن كعب والثقفي والشعبي، "أن وهبت" بفتح الألف فهي إشارة إلى ما وقع من الهبات قبل نزول الآيات. قال الفقيه الإمام القاضي: وكسر الألف يجري مع تأويل ابن زيد الذي قدمناه، وفتح الألف يجري مع التأويل الآخر، ومن قرأ بفتح الألف قال الإشارة إلى من وهب نفسه من النساء للنبي صلى الله عليه وسلم على الجملة، قال ابن عباس فيما حكى الطبري هي ميمونة بنت الحارث، وقال علي بن الحسين هي أم شريك، وقال عروة والشعبي هي زينب بنت خزيمة أم المساكين، وقال أيضاً عروة بن الزبير خولة بنت حكيم بن الأوقص السلمي ممن وهبت نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم، وفي مصحف عبد الله بن مسعود "وامرأة مؤمنة وهبت" دون "إن"، وقوله تعالى: {خالصة لك} أي هبة النساء أنفسهن خالصة ومزية لا يجوز أن تهب المرأة نفسها لرجل، وأجمع الناس على أن ذلك لا يجوز، وأن هذا اللفظ من الهبة لا يتم عليه نكاح إلا ما روي عن أبي حنيفة ومحمد بن الحسن وأبي يوسف أنهم قالوا: إذا وهبت فأشهد هو على نفسه بمهر فذلك جائز. قال الفقيه الإمام القاضي: فليس في قولهم إلا تجويز العبارة ولفظة الهبة، وإلا فالأفعال التي اشترطها هي أفعال النكاح بعينه. قال الفقيه الإمام القاضي: ويظهر من لفظ أبيّ بن كعب أن معنى قوله {خالصة لك} يراد به جميع هذه الإباحة لأن المؤمنين قصروا على مثنى وثلاث ورباع، وقوله تعالى: {قد علمنا ما فرضنا عليهم في أزواجهم} يريد الولي والشاهدين والمهر والاقتصار على أربع قاله قتادة ومجاهد، وقال أبيّ بن كعب هو مثنى وثلاث ورباع، وقوله تعالى {لكي لا} أي بينا هذا البيان وشرحنا هذا الشرح {لكي لا يكون عليك حرج} ويظن بك أنك قد أثمت عند ربك في شيء، ثم أنس تعالى الجميع من المؤمنين بغفرانه ورحمته.

ابن عبد السلام

تفسير : {أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ} اللاتي تزوجتهن قبل هذه الآية ولا يحل غيرهن لقوله { أية : لاَّ يَحِلُّ لَكَ ٱلنِّسَآءُ}تفسير : الآية: [الأحزاب: 52]. أو أحل له بهذه الآية سائر النساء قالته عائشة رضي الله تعالى عنها وينسخ بها قوله {أية : لاَّ يَحِلُّ لَكَ ٱلنِّسَآءُ مِن بَعْدُ}تفسير : الآية: [الأحزاب: 52] إذ أحل له فيها من سماه من النساء دون من لم يُسمَّ {مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ} فكان من الإماء مارية {مِمَّآ أَفَآءَ اللَّهُ عَلَيْكَ} من الغنيمةَ صفية وجويرية أعتقهما وتزوجهما وبنات عمه وعماته وبنات خاله وخالاته. قاله أُبي بن كعب {هَاجَرْنَ} أسلمن، أو هاجرن إلى المدينة قالت أم هانىء نزلت هذه الآية فأراد الرسول صلى الله عليه وسلم أن يتزوجني فَنُهي عني لأني لم أهاجر وهذه الهجرة شرط في نكاحه لبنات عمه وعماته المذكورات في الآية خاصة بهن، أو شرط في نكاح القريبات والأجنبيات فلا يجوز له أن ينكح غير مهاجرة. {وَهَبَتْ نَفْسَهَا} لم يكن عنده امرأة وهبته نفسها "ع" وهو تأويل من كسر "إِنْ"، أو كانت عنده على قول الجمهور، وهو تأويل من فتحها، أو من فتح أراد امرأة يعينها من وهبت نفسها حل له نكاحها ومن كسر أراد كل امرأة تهب نفسها فإنه يحل نكاحها. والواهبة التي كانت عنده. أم شريك بنت جابر بن ضباب، أو خولة بن حكم أو ميمونة بنت الحارث "ع"، أو زينب بنت خزيمة أم المساكين امرأة الأنصار {خَالِصَةً لَّكَ} تزوج الواهبة بغير ولي ولا مهر ولا يلزمك لها صداق، أو يصح نكاحك لها بلفظ الهبة {مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ} من ولي وشاهدين وصداق، أو أن لا يجاوزوا الأربع، أو النفقة والقسمة. {وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ} أي حللناهن من غير عدد محصور ولا قسم مستحق. {لِكَيْلا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ} متعلق بقوله {أَحْلَلْنَا لَكَ}، أو بقوله {وَامْرَأَةً مُّؤْمِنَةَ إِن وَهَبَتْ}.

النسفي

تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوٰجَكَ ٱللاَّتِى ءاتَيْتَ أُجُورَهُنَّ } مهورهن إذ المهر أجر على البضع ولهذا قال الكرخي: إن النكاح بلفظ الإجارة جائز. وقلنا: التأييد من شرط النكاح والتأقيت من شرط الإجارة وبينهما منافاة. وإيتاؤها إعطاؤها عاجلاً أو فرضها وتسميتها في العقد {وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاء ٱللَّهُ عَلَيْكَ } وهي صفية وجويرية فأعتقهما وتزوجهما {وَبَنَاتِ عَمّكَ وَبَنَاتِ عَمَّـٰتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَـٰلٰـتِكَ ٱللاَّتِى هَـٰجَرْنَ مَعَكَ } ومع ليس للقران بل لوجودها فحسب كقوله {أية : وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَـٰنَ }تفسير : [النمل: 44] وعن أم هانيء بنت أبي طالب: خطبني رسول الله صلى الله عليه وسلم فاعتذرت فعذرني فأنزل الله هذه الآية، فلم أحل له لأني لم أهاجر معه {وَٱمْرَأَةً مُّؤْمِنَةً إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِىّ } وأحللنا لك من وقع لها أن تهب لك نفسها نولا تطلب مهراً من النساء المؤمنات إن اتفق ذلك ولذا نكرها. قال ابن عباس: هو بيان حكم في المستقبل ولم يكن عنده أحد منهن بالهبة. وقيل: الواهبة نفسها ميمونة بنت الحرث أو زينب بنت خزيمة أو أم شريك بنت جابر أو خولة بنت حكيم. وقرأ الحسن «أن» بالفتح على التعليل بتقدير حذف اللام. وقرأ ابن مسعود رضي الله عنه بغير «إن» {إِنْ أَرَادَ ٱلنَّبِىُّ أَن يَسْتَنكِحَهَا } استنكاحها طلب نكاحها والرغبة فيه. وقيل: نكح واستنكح بمعنى، والشرط الثاني تقييد للشرط الأول شرط في الإحلال هبتها نفسها وفي الهبة إرادة استنكاح رسول الله صلى الله عليه وسلم كأنه قال: أحللناها لك إن وهبت لك نفسها وأنت تريد أن تستنكحها لأن إرادته هي قبول الهبة وما به تتم، وفيه دليل جواز النكاح بلفظ الهبة لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمته سواء في الأحكام إلا فيما خصه الدليل {خَالِصَةٌ } بلا مهر حال من الضمير في {وَهَبَتْ } أو مصدر مؤكد أي خلص لك إحلال ما أحللنا لك خالصة بمعنى خلوصاً والفاعلة في المصادر غير عزيز كالعافية والكاذبة {لَّكَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ } بل يجب المهر لغيرك وإن لم يسمه أو نفاه. عدل عن الخطاب إلى الغيبة في قوله {إِنْ أَرَادَ ٱلنَّبِىُّ } ثم رجع إلى الخطاب ليؤذن أن الاختصاص تكرمة له لأجل النبوة وتكريره أي تكرير النبي تفخيم له. {قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِى أَزْوٰجِهِـمْ } أي ما أوجبنا من المهور على أمتك في زوجاتهم أو ما أوجبنا عليهم في أزواجهم من الحقوق {وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُهُمْ } بالشراء وغيره من وجوه الملك. وقوله {لِكَيْلاَ يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ } ضيق متصل بـ {خَالِصَةً لَّكَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ } وقوله {قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِى أَزْوٰجِهِـمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُهُمْ } جملة اعتراضية {وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً } بالتوسعة على عباده. {تُرْجِى } بلا همز: مدني وحمزة وعلي وخلف وحفص، وبهمز غيرهم: تؤخر {مَن تَشَاء مِنْهُمْ وَتُؤْوِى إِلَيْكَ مَن تَشَاء } تضم بمعنى تترك مضاجعة من تشاء منهن وتضاجع من تشاء، أو تطلق من تشاء وتمسك من تشاء، أو لا تقسم لأيتهن شئت وتقسم لمن شئت، أو تترك تزوج من شئت من نساء أمتك وتتزوّج من شئت، وهذه قسمة جامعة لما هو الغرض لأنه إما أن يطلق وإما أن يمسك، فإذا أمسك ضاجع أو ترك وقسم أولم يقسم، وإذا طلق وعزل فإما أن يخلي المعزولة لا يبتغيها أو يبتغيها. ورُوي أنه أرجى منهن جويرية وسودة وصفية وميمونة وأم حبيبة وكان يقسم لهن ما شاء كما شاء، وكانت ممن آوى إليه عائشة وحفصة وأم سلمة وزينب، أرجى خمساً وآوى أربعاً، وروي أنه كان يسوي مع ما أطلق له وخير فيه إلا سودة فإنها وهبت ليلتها لعائشة وقالت: لا تطلقني حتى أحشر في زمرة نسائك {وَمَنِ ٱبْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكَ } أي ومن دعوت إلى فراشك وطلبت صحبتها ممن عزلت عن نفسك بالإرجاء فلا ضيق عليك في ذلك أي ليس إذا عزلتها لم يجز لك ردها إلى نفسك. و«من» رفع بالابتداء وخبره {فَلاَ جُنَاحَ } {ذٰلِكَ } التفويض إلى مشيئتك {أَدْنَىٰ أَن تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلاَ يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِمَا ءاتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ } أي أقرب إلى قرة عيونهن وقلة حزنهن ورضاهن جميعاً لأنهن إذا علمن أن هذا التفويض من عند الله اطمأنت نفوسهن وذهب التغاير وحصل الرضا وقرت العيون. {كُلُّهُنَّ } بالرفع تأكيد لنون {يرضين} وقرىء {وَيَرْضَيْنَ كُلُّهُنَّ بِمَا ءاتَيْتَهُنَّ } على التقديم، وقرىء شاذاً «كلهن» بالنصب تأكيداً لهن في {ءاتَيْتَهُنَّ } {وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِى قلُوبِكُمْ } فيه وعيد لمن لم ترض منهن بما دبر الله من ذلك وفوض إلى مشيئة رسوله {وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيماً } بذات الصدور {حَلِيماً } لا يعاجل بالعقوبة فهو حقيق بأن يتقي ويحذر. {لاَّ يَحِلُّ لَكَ ٱلنّسَاء } بالتاء: أبو عمرو ويعقوب، وغيرهما بالتذكير لأن تأنيث الجمع غير حقيقي وإذا جاز بغير فصل فمع الفصل أجوز {مِن بَعْدِ } من بعد التسع لأن التسع نصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأزواج كما أن الأربع نصاب أمته {وَلاَ أَن تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ } الطلاق. والمعنى أن تستبدل بهؤلاء التسع أزواجاً أخر بكلهن أو بعضهن كرامة لهن وجزاء على ما اخترن ورضين فقصر رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهن وهن التسع التي مات عنهن: عائشة، حفصة، أم حبيبة، سودة أم سلمة، صفية، ميمونة، زينب بنت جحش، جويرية. و«من» في {مِنْ أَزْوَاجٍ } التأكيد النفي وفائدته استغراق جنس الأزواج بالتحريم {وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ } في موضع الحال من الفاعل وهو الضمير في {تبَدَّلُ } أي تتبدل لا من المفعول الذي هو من أزواج لتوغله في التنكير، وتقديره مفروضاً إعجابك بهن. وقيل: هي أسماء بنت عميس امرأة جعفر بن أبي طالب فإنها ممن أعجبه حسنهن. وعن عائشة وأم سلمة: ما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أحل له أن يتزوج من النساء ما شاء يعني أن الآية نسخت، ونسخها إما بالسنة أو بقوله {إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوٰجَكَ } وترتيب النزول ليس على ترتيب المصحف {إِلاَّ مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ } استثنى ممن حرم عليه الإماء ومحل «ما» رفع بدل من {ٱلنّسَاء } {وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلّ شَىْءٍ رَّقِيباً } حافظاً وهو تحذير عن مجاوزة حدوده. {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتَ ٱلنَّبِىّ إِلاَّ أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَىٰ طَعَامٍ غَيْرَ نَـٰظِرِينَ إِنَـٰهُ } {أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ } في موضع الحال أي لا تدخلوا إلا مأذوناً لكم، أو في معنى الظرف تقديره إلا وقت أن يؤذن لكم، {غَيْرَ نَـٰظِرِينَ } حال من {لاَ تَدْخُلُواْ } وقع الاستثناء على الحال والوقت معاً كأنه قيل: لا تدخلوا بيوت النبي إلا وقت الإذن ولا تدخلوها إلا غير ناظرين أي غير منتظرين. وهؤلاء قوم كانوا يتحينون طعام رسول الله صلى الله عليه وسلم فيدخلون ويقعدون منتظرين لإدراكه، ومعناه لا تدخلوا يا أيها المتحينون للطعام إلا أن يؤذن لكم إلى طعام غير ناظرين إناه، وإنى الطعام إدراكه يقال أَنى الطعام أني كقولك قلاه قلي. وقيل: إناه وقته أي غير ناظرين وقت الطعام وساعة أكله. ورُوي أن النبي صلى الله عليه وسلم أولم على زينب بتمر وسويق وشاة وأمر أنساً أن يدعو بالناس فترادفوا أفواجاً يأكل فوج ويخرج ثم يدخل فوج إلى أن قال يا رسول الله دعوت حتى ما أجد أحداً أدعوه فقال «ارفعوا طعامكم»، وتفرق الناس وبقيء ثلاثة نفر يتحدثون فأطالوا فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم ليخرجوا فطاف رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحجرات وسلم عليهن ودعون له ورجع، فإذا الثلاثة جلوس يتحدثون وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم شديد الحياء فتولى، فلما رأوه متولياً خرجوا فرجع ونزلت {وَلَـكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَٱدْخُلُواْ فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَٱنْتَشِرُواْ } فتفرقوا {وَلاَ مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ } هو مجرور معطوف على {نَـٰظِرِينَ } أو منصوب أي ولا تدخولها مستأنسين نهوا عن أن يطيلوا الجلوس يستأنس بعضهم ببعض لأجل حديث يحدث به {إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِى ٱلنَّبِىّ فَيَسْتَحْيِى مّنكُمْ } من إخراجكم {وَٱللَّهُ لاَ يَسْتَحْىِ مِنَ ٱلْحَقّ } يعني أن إخراجكم حق ما ينبغي أن يستحيا منه. ولما كان الحياء مما يمنع الحيّي من بعض الأفعال قيل لا يستحيي من الحق أي لا يمتنع منه ولا يتركه ترك الحيي منكم، هذا أدبٌ أدّب اللّه به الثقلاء. وعن عائشة رضي الله عنها: حسبك في الثقلاء أن الله تعالى لم يحتملهم وقال {فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَٱنْتَشِرُواْ }. {وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ } الضمير لنساء رسول الله صلى الله عليه وسلم لدلالة بيوت النبي لأن فيها نساءه {مَّتَـٰعًا } عارية أو حاجة {فَسْئَلُوهُنَّ} المتاع {مِن وَرَاء حِجَابٍ ذٰلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ} من خواطر الشيطان وعوارض الفتن، وكانت النساء قبل نزول هذه الآية يبرزن للرجال وكان عمر رضي الله عنه يجب ضرب الحجاب عليهن ويود أن ينزل فيه وقال: يا رسول الله يدخل عليك البر والفاجر، فلو أمرت أمهات المؤمنين بالحجاب فنزلت. وذكر أن بعضهم قال: أننهى أن نكلم بنات عمنا إلا من وراء حجاب لئن مات محمد لأتزوّجن فلانة فنزل {وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تؤْذُواْ رَسُولَ ٱللَّهِ وَلاَ أَن تَنكِحُواْ أَزْوَاجَهُ مِن بَعْدِهِ أَبَداً } أي وما صح لكم إيذاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا نكاح أزواجه من بعد موته {إِنَّ ذٰلِكُمْ كَانَ عِندَ ٱللَّهِ عَظِيماً } أي ذنباً عظيماً.

الثعالبي

تفسير : وقوله تعالى: {يَٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوٰجَكَ...} الآية، ذهب ابن زيد والضحاكُ في تفسير هذه الآية إلى: أن اللّه تعالى أحل لنبيه أن يتزوجَ كل امرأة يؤتيها مَهْرَها، وأباح له كلَّ النساء بهذا الوجه، وإنما خَصَّصَ هؤلاءِ بالذكر تشريفا لهن فالآيةُ على هذا التأويلِ فيها إباحةٌ مُطلقةُ في جميع النساء، حاشى ذوات المحارم المذكور حُكْمُهُنَّ: في غير هذه الآية. ثم قال بعد هذا {تُرْجِي مَن تَشَآءُ مِنْهُنَّ} أي: من هذه الأصناف كلها، ثم تجرى الضمائرُ بعد ذلك على العُموم إلى قوله تعالى: {أية : وَلاَ أَن تَبَدَّلَ بِهِنَّ} تفسير : [الأحزاب:52] فيجيءُ هذا الضميرُ مقطوعاً من الأول عائداً على أزواجه التسعِ فقط؛ على الخلاف في ذلك وتَأَوَّيل غير ابن زَيْدٍ في قوله: {أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوٰجَكَ} مَنْ فِي عِصْمَتِهِ ممن تَزَوَّجَها بِمَهْرٍ؛ وَأَنَّ مِلْكَ اليمينِ بَعْدُ حلالٌ؛ وأن اللّهَ أباحَ له مع المذكُوراتِ بَنَاتِ عَمِّهِ وعماتِه، وخاله، وخالاته، ممن هاجرَ معَه، والواهباتِ خَاصَّةً، فيجيءُ الأمرُ على هذا التأويل أَضْيَقَ عَلى النبي صلى الله عليه وسلم، ويؤيدُ هذَا التأويلَ ما قَالَه ابنُ عباس: كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَتَزَوَّجُ في أَيِّ النِّسَاءِ شَاءَ، وَكَانَ ذَلِكَ يَشُقُّ عَلَىٰ نِسَائِهِ، فلما نَزلَتْ هذه الآيةُ، وحُرِّم عَلَيْهِ بِهَا النِّسَاءُ؛ إلاَّ مَنْ سُمِّيَ سُرَّ نِسَاؤه بذلك. وقوله سبحانه: {وَٱمْرَأَةً مُّؤْمِنَةً إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ...} الآية، قال السُّهَيْلِيُّ: ذكرَ البخاريُّ عَن عائشَة ـــ رضي اللّه عنها ـــ أنَّها قَالَتْ: كَانَتْ خَوْلَةُ بنتُ حَكِيمٍ مِن اللاتي وَهَبْنَ أنفسَهن؛ لِرَسُولِ اللّهِ صلى الله عليه وسلم، فدَلَّ عَلىٰ أنهن كُنْ غَيْرَ واحدة، انتهى: وقوله: {خَالِصَةً لَّكَ} أي: هبة النساء أنفسهن خاصةٌ بك دونَ أمَّتِكَ. قال: * ع *: ويظهرُ من لفظِ أُبَيِّ بن كَعْبِ أن معنى قوله: «خالصة لك» يُرَادُ بهِ جميعُ هذهِ الإبَاحَة؛ لأن المؤمنين لم يُبَحْ لهم الزيادةُ على أربعٍ. وقوله تعالى: {قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوٰجِهِـمْ} يريدُ هو كونَ النكاح بالولي والشاهدين، والمهر، والاقتصارَ على أربع؛ قاله قتادة ومجاهد. وقوله: {لّكَيْ لاَ} أي: بَيِّناً هذا البيان. {لِكَيْ لاَ يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ} ويظن بك أنك قد أثمتَ عند ربّك.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن سعد وابن راهويه وعبد بن حميد والترمذي وحسنه وابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي عن أم هانئ بنت أبي طالب رضي الله عنها قالت‏:‏ خطبني رسول الله صلى الله عليه وسلم فاعتذرت إليه فعذرني، فأنزل الله ‏ {‏يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك‏} ‏ إلى قوله {‏هاجرن معك‏}‏ قالت‏:‏ فلم أكن أحل له لأني لم أهاجر معه، كنت من الطلقاء‏. وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه من وجه آخر عن أم هانىء رضي الله عنها قالت نزلت فيَّ هذه الآية ‏{‏وبنات عماتك اللاتي هاجرن معك‏} ‏ فأراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يتزوجني، فنهى عني إذ لم أهاجر‏.‏ وأخرج ابن سعد عن أبي صالح مولى أم هانىء قال‏:‏ حديث : خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم أم هانىء بنت أبي طالب فقالت‏:‏ يا رسول الله إني مؤتمة، وبني صغار، فلما أدرك بنوها عرضت عليه نفسها فقال‏: الآن فلا‏.‏ إن الله تعالى أنزل عليَّ ‏{‏يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك‏}‏ إلى ‏{‏هاجرن معك‏} ولم تكن من المهاجرات ‏. تفسير : وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله ‏ {‏يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك‏} إلى قوله ‏{‏خالصة لك من دون المؤمنين‏}‏ قال‏:‏ فحرم الله عليه سوى ذلك من النساء، وكان قبل ذلك ينكح في أي النساء شاء، لم يحرم ذلك عليه، وكان نساؤه يجدن من ذلك وجداً شديداً أن ينكح في أي النساء أحب، فلما أنزل الله عليه‏.‏ إني قد حرمت عليك من النساء سوى ما قصصت عليك أعجب ذلك نساءه‏.‏ وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله ‏{إنا أحللنا لك أزواجك} ‏ قال‏:‏ هن أزواجه الأول اللاتي كن قبل أن تنزل هذه الآية في قوله ‏ {‏اللاتي آتيت أجورهن‏} ‏ قال‏:‏ صدقاتهن ‏{‏وما ملكت يمينك‏} ‏ قال‏:‏ هي الاماء التي أفاء الله عليه‏. وأخرج ابن المنذر عن الشعبي رضي الله عنه في الآية قال‏:‏ رخص له في بنات عمه، وبنات عماته، وبنات خاله، وبنات خالاته اللاتي هاجرن معه، أن يتزوّج منهن، ولا يتزوج من غيرهن، ورخص له في امرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم‏. وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله ‏{‏إن وهبت نفسها للنبي‏} ‏ قال‏:‏ بغير صداق أحل له ذلك، ولم يكن ذلك أحل له إلا ‏ {‏خالصة لك من دون المؤمنين‏} ‏ قال‏:‏ خاصة للنبي صلى الله عليه وسلم‏. وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردوية والبيهقي في السنن عن عائشة رضي الله عنها قالت‏:‏ التي وهبت نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم‏، خولة بنت حكيم‏.‏ وأخرج عبد الرزاق وابن سعد وابن أبي شيبة وعبد بن حميد والبخاري وابن جرير وابن المنذر والبيهقي وابن أبي حاتم وابن مردويه عن عروة رضي الله عنه‏:‏ أن خولة بنت حكيم بن الأقوص كانت من اللاتي وهبن أنفسهن لرسول الله صلى الله عليه وسلم‏. وأخرج ابن سعد عن عكرمة رضي الله عنه في قوله ‏{‏وامرأة مؤمنة‏.‏‏.‏‏.‏‏} ‏ قال‏:‏ نزلت في أم شريك الدوسية‏. وأخرج ابن سعد عن منير بن عبدالله الدوسي‏؛‏ أن أم شريك غزية بنت جابر بن حكيم الدوسية عرضت نفسها على النبي صلى الله عليه وسلم وكانت جميلة فقبلها، فقالت عائشة رضي الله عنها‏:‏ ما في امرأة حين وهبت نفسها لرجل خير قالت أم شريك رضي الله عنها‏:‏ فأنا تلك فسماها الله تعالى ‏ {‏مؤمنة‏}‏ فقال ‏{‏وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي‏} ‏ فلما نزلت هذه الآية قالت عائشة رضي الله عنها‏:‏ إن الله يسارع لك في هواك‏. وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي حاتم عن محمد بن كعب وعمر بن الحكم وعبدالله بن عبيدة قالوا‏:‏ تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث عشرة امرأة‏:‏ ست من قريش خديجة‏.‏ وعائشة‏.‏ وحفصة‏.‏ وأم حبيبة‏.‏ وسودة‏.‏ وأم سلمة، وثلاث من بني عامر بن صعصعة، وامرأتين من بني هلال‏.‏ ميمونة بنت الحرث، وهي التي وهبت نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم‏.‏ وزينب أم المساكين، وهي التي اختارت الدنيا‏.‏ وامرأة من بني الحارث، وهي التي استعاذت منه‏.‏ وزينب بنت جحش الأسدية‏.‏ والسبيتين صفية بنت حيي‏.‏ وجويرية بنت الحارث الخزاعية‏.‏ وأخرج ابن سعد وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والطبراني عن علي بن الحسين رضي الله عنه في قوله ‏{‏وامرأة مؤمنة‏} هي أم شريك الأزدية التي وهبت نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم‏.‏ وأخرج ابن سعد عن ابن أبي عون‏:‏ ان ليلى بنت الحطيم وهبت نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم، ووهبن نساء أنفسهن، فلم نسمع أن النبي صلى الله عليه وسلم قبل منهن أحداً‏. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير عن الشعبي‏:‏ إنها امرأة من الأنصار وهبت نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم، وهي ممن أرجا‏. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه والبيهقي في السنن عن ابن عباس رضي الله عنهما قال‏:‏ لم يكن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأة وهبت نفسها له‏. وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر والبيهقي عن سعيد بن المسيب رضي الله عنه قال‏:‏ لا تحل الهبة لأحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم‏. وأخرج عبد الرزاق وابن سعد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الزهري وإبراهيم النخعي رضي الله عنهما في قوله ‏{‏خالصة لك من دون المؤمنين‏} ‏ قالا‏:‏ لا تحل الهبة لأحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم‏. وأخرج ابن أبي شيبة عن طاوس رضي الله عنه قال‏:‏ لا يحل لأحد أن يهب ابنته بغير مهر إلا للنبي صلى الله عليه وسلم‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة عن مكحول والزهري قالا‏:‏ لم تحل الموهوبة لأحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏ وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن ابن شهاب رضي الله عنه قال‏:‏ لا يحل لرجل أن يهب ابنته بغير صداق، قد جعل الله ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم خاصة دون المؤمنين‏. وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد عن عطاء رضي الله عنه في امرأة وهبت نفسها لرجل قال‏:‏ لا يصلح إلا بالصداق، لم يكن ذلك إلا للنبي صلى الله عليه وسلم‏. وأخرج البخاري وابن مردويه عن أنس رضي الله عنه قال‏:‏ "حديث : جاءت امرأة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت‏:‏ يا نبي الله هل لك في حاجة‏؟‏ فقالت ابنة أنس‏:‏ ما كان أقل حياءها فقال "هي خير منك رغبت في النبي صلى الله عليه وسلم، فعرضت نفسها عليه"‏ ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عن عروة رضي الله عنه قال‏:‏ كنا نتحدث أن أم شريك رضي الله عنهما كانت ممن وهبت نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم، وكانت امرأة صالحة‏. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما ‏{‏وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي‏}‏ قال‏:‏ هي ميمونة بنت الحرث‏. وأخرج عبد الرزاق وابن سعد وعبد بن حميد وابن المنذر عن عكرمة رضي الله عنه قال‏:‏ وهبت ميمونة بنت الحرث نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم‏.‏ وأخرج مالك وعبد الرزاق وأحمد والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن المنذر وابن مردويه عن سهل بن سعد الساعدي‏:‏ حديث : ان امرأة جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فوهبت نفسها له، فصمت فقال رجل‏:‏ يا رسول الله زوجنيها إن لم يكن لك بها حاجة قال ‏"‏ما عندك تعطيها‏؟‏ قال‏:‏ ما عندي إلا ازاري قال‏: ان أعطيتها ازارك جلست لا ازار لك، فالتمس شيئاً قال‏:‏ ما أجد شيئاً فقال‏: قد زوّجناكها بما معك من القرآن"‏ ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله ‏{إن وهبت نفسها للنبي‏} ‏ قال‏:‏ فعلت ولم يفعل‏. وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن عكرمة رضي الله عنه في قوله {‏خالصة لك من دون المؤمنين‏} ‏ قال‏:‏ لا تحل الموهوبة لغيرك، ولو ان امرأة وهبت نفسها لرجل لم تحل له حتى يعطيها شيئاً‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله {‏خالصة لك من دون المؤمنين‏}‏ يقول‏:‏ ليس لامرأة أن تهب نفسها لرجل بغير ولي، ولا مهر، إلا للنبي صلى الله عليه وسلم كانت خاصة له صلى الله عليه وسلم من دون الناس، يزعمون أنها نزلت في ميمونة بنت الحارث؛‏ هي التي وهبت نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم‏. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله ‏{‏قد علمنا ما فرضنا عليهم‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ قال‏:‏ فرض الله أن لا تنكح امرأة إلا بولي، وصداق، وشهداء، ولا ينكح الرجل إلا أربعا‏ً. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله ‏ {‏قد علمنا ما فرضنا عليهم في أزواجهم‏}‏ قال‏:‏ لا يجاوز الرجل أربع نسوة‏. وأخرج ابن مردويه عن ابن عمر رضي الله عنهما في قوله ‏ {‏قد علمنا ما فرضنا عليهم في أزواجهم‏}‏ قال‏:‏ فرض عليهم أنه لا نكاح إلا بولي وشاهدين‏.‏ وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله ‏{‏قد علمنا ما فرضنا عليهم في أزواجهم‏} ‏ قال‏:‏ فرض عليهم أن لا نكاح إلا بولي، وشاهدين، ومهر‏. وأخرج ابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه في قوله ‏ {‏لكيلا يكون عليك حرج‏} ‏ قال‏:‏ جعله الله تعالى في حل من ذلك، وكان نبي الله صلى الله عليه وسلم يقسم‏. وأخرج ابن أبي شيبة عن الشعبي أنه قيل له‏:‏ ان أبا موسى نهى حين فتح تستر أن لا توطأ الحبالى، ولا يشارك المشركون في أولادهم، فإن الماء يزيد في الولد أشيء قاله برأيه، أو شيء رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم‏؟‏ فقال‏:‏ نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أوطاس أن توطأ حامل حتى تضع، أو حائل حتى تستبرأ‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والطبراني عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ‏"حديث : ‏ليس منا من وطىء حبلى ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة والدارقطني وأبو داود وابن منيع والبغوي والباوردي وابن قانع والبيهقي والضياء عن أبي مورق مولى نجيب قال‏:‏ غزونا مع رويفع بن ثابت الأنصاري نحو المغرب، ففتحنا قرية يقال لها‏:‏ جربة‏.‏ فقام فينا خطيباً فقال‏:‏ إني لا أقول لكم إلا ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم، قام فينا يوم خيبر قال ‏"‏حديث : من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يسقين ماءه زرع غيره‏ ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة عن الحسن رضي الله عنه قال‏:‏ لما فتح تستر أصاب أبو موسى سبايا، فكتب إليه عمر رضي الله عنه‏:‏ أن لا يقع أحد على امرأة حبلى حتى تضع، ولا تشاركوا المشركين في أولادهم، فإن الماء تمام الولد‏. وأخرج ابن أبي شيبة عن علي رضي الله عنه قال ‏"‏نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن توطأ الحامل حتى تضع، والحائل حتى تستبرأ بحيضة‏"‏‏. وأخرج ابن أبي شيبة عن طاوس ‏"حديث : ‏أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر منادياً في غزوة غزاها‏: لا يطأ الرجل حاملاً حتى تضع، ولا حائلاً حتى تحيض ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي أمامة رضي الله عنه‏ "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى يوم خيبر أن لا توطأ الحبالى حتى يضعن‏"‏‏.

ابو السعود

تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوٰجَكَ ٱللاَّتِى ءاتَيْتَ أُجُورَهُنّ} أي مهورهِنَّ فإنَّها أجورُ الأبضاعِ، وإيتاؤها إمَّا إعطاؤُها معجَّلةً أو تسميتُها في العقدِ، وأيّاً ما كانَ فتقيـيدُ الإحلالِ له عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ به ليسَ لتوقفِ الحلِّ عليه ضرورةَ أنَّه يصحُّ العقدُ بلا تسميةٍ ويجبُ مهرُ المثلِ أو المتعةُ على تقديرَيْ الدُّخولِ وعدمِه بل لإيثارِ الأفضلِ والأولى له عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ كتقيـيدِ إحلالِ المملوكةِ بكونِها مسْبـيةً في قولِه تعالى {وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاء ٱللَّهُ عَلَيْكَ} فإنَّ المُشتراةَ لا يتحققُ بدءُ أمرِها وما جَرى عليها، وكتقيـيد القرائبِ بكونهنَّ مهاجراتٍ معه في قولِه تعالى: {وَبَنَاتِ عَمّكَ وَبَنَاتِ عَمَّـٰتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَـٰلٰـتِكَ ٱللاَّتِى هَـٰجَرْنَ مَعَكَ} ويحتملُ تقيـيدَ الحلِّ بذلكَ في حقِّه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ خاصَّة "ويعضدُه قولُ أمِّ هانىءٍ بنتِ أبـي طالبٍ خطبني رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فاعتذرتُ إليه فعذرَني" ثم أنزلَ الله هذه الآيةَ فلم أحِلَّ له لأنِّي لم أُهاجر معه كنتُ من الطُّلقاءِ {وَٱمْرَأَةً مُّؤْمِنَةً} بالنَّصبِ عطفاً على مفعولِ أحللنَا إذْ ليسَ معناهُ إنشاءَ الإحلالِ النَّاجزِ بل إعلامَ مطلقِ الاحلالِ المنتظمِ لما سبقَ ولحقَ. وقرىء بالرَّفعِ على أنَّه مبتدأٌ خبرُه محذوفٌ أي أحللناهَا لكَ أيضاً {إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِىّ} أي مَّلكتْه بُضعَها بأيِّ عبارةٍ كانتْ بلا مهٍر إنْ اتفقَ ذلك كما يُنبىء عنه تنكيرُها لكنْ لا مطلقاً بل عندَ إرادتِه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ استنكاحَها كما نطقَ به قولُه عزَّ وجلَّ {إِنْ أَرَادَ ٱلنَّبِىُّ أَن يَسْتَنكِحَهَا} أي أنْ يتملَّكَ بُضعَها كذلكَ أي بلا مهرٍ فإنَّ ذلكَ جارٍ منه عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مَجرى القبولِ وحيثُ لم يكنُ هذا نصَّاً في كونِ تمليِكها بلفظِ الهبةِ لَم يصلُحْ أنّ يكونَ مَنَاطاً للخلافِ في انعقادِ النِّكاحِ بلفظِ الهبةِ إيحاباً أو سلباً واختُلف في اتفاقِ هذا العقدِ فعنِ ابن عبَّاسٍ رضي الله عنُهما لم يكُن عندَه عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أحدٌ منهنَّ بالهبةِ وقيل: الموهوبات أربعٌ: ميمونةُ بنتُ الحارثِ وزينب بنتُ خُزيمةَ الأنصاريَّة وأمُّ شريكِ بنتُ جابر وخَوْلةُ بنتُ حكيم. وإبرادُه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ في الموضعينِ بعُنوان النُّبوةِ بطريقِ الالتفاتِ للتكرمةِ والإيذانِ بأنَّها المناطُ لثبوتِ الحُكمِ فيختصُّ به عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ حسب اختصاصها به كما بنطقُ به قولُه تعالى: {خَالِصَةً لَّكَ} أي خلصَ لك إحلالُها خالصةً أي خُلوصاً فإنَّ الفاعلةَ في المصادرِ غيرُ عزيزٍ كالعافيةِ والكاذبةِ أو خلصَ لك إحلالُ ما أحللنَا لكَ من المذكُوراتِ على القُيودِ المذكورةِ خالصةً. ومَعنى قولِه تعالى {مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ} على الأولِ أنَّ الإحلالَ المذكورَ في المادَّةِ المعهُودةِ غيرُ متحقِّقٍ في حقَّهم، وإنَّما المتحقِّقُ هناك الإحلالُ بمهرِ المثلِ وعلى النَّاني أنَّ إحلالَ الجميعِ على القُيودِ المذكورةِ غير متحقِّقٍ في حقِّهم، بل المتحقِّقُ فيه إحلالُ البعضِ المعدودِ على الوجهِ المعهودِ وقُرىء خالصةٌ بالرَّفعِ على أنَّه خبرُ مبتدأ محذوفٍ أي ذلك خلوصٌ لك وخصوصٌ أو هيَ أيْ تلك المرأةُ أو الهبةُ خالصةٌ لك لا تتجاوزُ المؤمنينَ حيثُ لاتحلُّ لهم بغيرِ مهرٍ ولا تصحُّ الهبةُ بل يجبُ مهر المثلِ. وقولُه تعالى: {قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ} أي على المؤمنين {فِى أَزْوٰجِهِـمْ} أي في حقِّهنَّ اعتراضٌ مقررٌ لما قبلَه من خلوصِ الإحلالِ المذكورِ لرسولِ الله صلى الله عليه وسلم وعدم تجاوزِه للمؤمنينَ ببـيانِ أنَّه قد فُرض عليهم منْ شرائطِ العقدِ وحقوقِه ما لم يُفرضْ عليه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ تكرمةً له وتوسعةً عليهِ أي قد علمنَا ما ينبغِي أنْ يُفرض عليهم في حقِّ أزواجِهم {وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُهُمْ} وعلى أيِّ حدَ وأيِّ صفةٍ يحقُّ أن يُفرضَ عليهم ففرضنا ما فرضنا على ذلك الوجه وخصصناك ببعضِ الخصائصِ {لِكَيْلاَ يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ} أي ضيقٌ، واللامُ متعلقةٌ بخالصةٍ باعتبار ما فيها من معَنى ثبوتِ الإحلالِ وحصوله له عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لا باعتبارِ اختصاصه به عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ لأنَّ مدارَ انتفاءِ الحرجِ هو الأوَّلُ لا الثَّانِي الذي هُو عبارةٌ عن عدمُ ثبوتِه لغيرِه {وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً} لما يعسرُ التَّحرزُ عنه {رَّحِيماً} ولذلكَ وسَّع الأمرَ في مواقعِ الحَرَجِ.

السلمي

تفسير : قوله عز وعلا: {قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِيۤ أَزْوَاجِهِـمْ} [ألاية: 50]. قال مالك بن أنس رحمة الله عليه: فرضنا عليهم أن لا نكاح إلا بولى. قال بعضهم: هو استعمال الأدب فيهم وحسن الخلق معهم وحملهم على طاعة الله فإن النبى صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : خيركم خيركم لأهله والله يعلم ما فى قلوبكم ". تفسير : قال أبو عثمان: من علم أن الله يعلم ما فى قلبه وخاطره ولم يصلح قلبه وباطنه لربه كما يصلح ظاهره للقاء الناس فإن ذلك لقلة معرفته لربه لأن الله يقول: {يَعْلَمُ مَا فِي قلُوبِكُمْ} [الآية: 51].

القشيري

تفسير : وسَّعْنَا الأمرَ عليكَ في باب النكاح بكم شِئْتَ؛ فإنك مأمونٌ من عيب عدم التسوية بينهن وعدم مراعاة حقوقهن، ومن الحَيْفِ عليهن. والتَّوْسِعةُ في بابِ النكاحَ تَدُلُّ على الفضيلة كالحُرِّ والعبد.

اسماعيل حقي

تفسير : {يا ايها النبى انا احللنا لك} [الاحلال: حلال كردن] واصل الحل حل العقدة ومنه استعير قولهم حل الشئ حلالا كما فى المفردات: والمعنى بالفارسية بدرستى كه ما حلال كرده ايم براى تو] {ازواجك} نساءك {اللاتى آتيت اجورهن} الاجر يقال فيما كان عن عقد وما يجرى مجرى العقد وهو ما يعود من ثواب العمل دنيويا كان او اخرويا وهو ههنا كناية عن المهر اى مهورهن لان المهر اجرعلى البضع اى المباشرة وايتاؤها اما اعطاؤها معجلة او تسميتها فى العقد واياما كان فتقييد الاحلال له عليه السلام بالايتاء ليس لتوقف الحل عليه ضرورة انه يصح العقد بلا تسمية ويجب مهر المثل او المتعة على تقديرى الدخول وعدمه بل لآيتاء الافضل له {وما ملكت يمينك} [وحلال ساخته ايم برتو آنجه مالك شده است دست راست تو يعنى مملوكات ترا] {مما افاء الله عليك} [الافاءة: مال كسى غنيمت دادن] وقيل للغنيمة التى لا يلحق فيها مشقة فيئ تشبيها بالفيئ الذى هو الظل تنبيها على ان اشرف اعراض الدنيا يجرى مجرى ظل زائل. قال الفقهاء كل ما يحل اخذه من اموال الكفار فهو فيئ فالفيئ اسم لكل فائدة تفيئ الى الامير اى تعود وترجع من اهل الحرب والشرك فالغنيمة هى ما نيل من اهل الشرك عنوة والحرب قائمة فيئ والجزية فيئ ومال اهل الصلح فيئ والخراج فيئ لان ذلك كله مما افاء الله على المسلمين من المشركين وحقيقة افاء الله عليك فيئا لك اى غنيمة وتقييد حلال المملوكة بكونها مسبية لاختيار الاولى له عليه السلام فان المشتراة لا يتحقق بدء امرها وما جرى عليها هكذا قالوا وهو لا يتناول مثل مارية القبطية ونحوها فان مارية ليست سبية بل اهداها له عليه السلام سلطان مصر الملقب بالمقوقس. وقد قال فى انسان العيون ان سراريه عليه السلام اربع مارية القبطية ام سيدنا ابراهيم رضى الله عنه وريحانة وجارية وهبتها له عليه السلام زينب بنت جحش واخرى واسمها زليخا القرظية انتهى وكون ريحانة بنت يزيد من بنى النضير سرية اضبط على ما قاله العراقى وزوجة اثبت عند اهل العلم على ما قاله الحافظ الدمياطى. واما صفية بنت حيى الهارونية من غنائم خيبر. وجويرية بنت الحارث بن ابى صوار الخزاعية المصطلقية وان كانتا من المسبيات لكنه عليه السلام اعتقهما فتزوجهما فهما من الازواج لا من السرايا على ما بين فى كتب السير فالوجه ان المعنى مما افاء الله اى اعاده عليك بمعنى صيره لك ورده لك بأى جهة كانت هدية او سبية. واستفتى من المولى ابى السعود صاحب التفسير هل فى تصرف الجوارى المشتراة من الغزاة بلا نكاح نوع كراهية اذ فى القسمة الشرعية بينهم شبهة فافتى بانه ليس فى هذا الزمان قسمة شرعية وقع التنفيل الكلى فى سنة تسعمائة وثمان واربعين فاذا اعطى ما يقال له بالفارسية [بنج يك] لا يبقى شبهة والنفل ما ينفله الغازى اى يعطاه زائدا على سهمه وهو ان يقول الامام او الامير من قتل قتيلا فله سلبه او قال للسرية ما اصبتم فهو لكم او ربعه او خمسه وعلى الامام الوفاء به {وبنات عمك وبنات عماتك} البنت والابنة مؤنث ابن والعم اخ الاب والعمة اخته. والمعنى واحللنا لك نساء قريش من اولاد عبد المطلب. واعمامه عليه السلام اثنا عشر وهم الحارث وابو طالب والزبير وعبد الكعبة وحمزة والمقوم بفتح الواو وكسرها مشددة وجحل بتقديم الجيم على الحاء واسمه المغيرة والجحل السقاء الضخم وقيل بتقديم الحاء المفتوحة على الجيم وهو فى الاصل الخلخال والعباس وضرار وابو لهب وقثم والغيداق واسمه مصعب او نوفل وسمى بالغيداق لكثرة جوده ولم يسلم من اعمامه الذين ادركوا البعثة الاحمزة والعباس. وبنات اعمامه عليه السلام صباغة بنت الزبير بن عبد المطلب وكانت تحت المقدام وام الحكم بنت الزبير وكانت تحت النضر بن الحارث وام هانئ بنت ابى طالب واسمها فاخته وجمانة بنت ابى طالب وام حبيبة وآمنة وصفية بنات العباس بن عبد المطلب واروى بنت الحارث بن عبد المطلب. وعماته عليه السلام ست وهن ام حكيم واسمها البيضاء وعاتكة وبرة واروى واميمة وصفية ولم تسلم من عماته اللاتى ادركن البعثة من غير خلاف الا صفية ام الزبير بن العوام اسلمت وهاجرت وماتت فى خلافة عمر رضى الله عنه. واختلف فى اسلام عاتكه واروى ولم يتزوج رسول الله من بنات اعمامه دينا واما بنات عماته دينا فكانت عنده منهن زينب بنت جحش بن رباب لان امها اميمة بنت عبد المطلب كما فى التكملة {وبنات خالك وبنات خالاتك} الخال اخ الام والخالة اختها والمراد نساء بنى زهرة يعنى اولاد عبد مناف بن زهرة لا اخوة امه ولا اخواتها لان آمنة بنت وهب ام رسول الله لم يكن لها اخ فاذا لم يكن له عليه السلام خال ولا خالة فالمراد بذلك الخال والخالة عشيرة امه لان بنى زهرة يقولون نحن اخوال النبى عليه السلام لان امه منهم ولهذاحديث : قال عليه السلام لسعد بن ابى وقاص رضى الله تعالى عنه "هذا خالى" تفسير : وانما افرد العم والخال وجمع العمات والخالات فى الاية وان كان معنى الكل الجمع لان لفظ العم والخال لما كان يعطى المفرد معنى الجنس استغنى فيه عن لفظ الجمع تخفيفا للفظ ولفظ العمة والخالة وان كان يعطى مفرد معنى الجنس ففيه الهاء وهى تؤذن بالتحديد والافراد فوجب الجمع لذلك ألا ترى ان المصدر اذا كان بغير هاء لم يجمع واذا حدد بالهاء جمع هكذا ذكره الشيخ ابو على رضى الله عنه كذا فى التكملة {اللاتى هاجرن معك} صفة للبنات والمهاجرة فى الاصل مفارقة الغير ومتاركته استعملت فى الخروج من دار الكفر الى دار الايمان والمعنى خرجن معك من مكة الى المدينة وفارقن اوطانهن والمراد بالمعية المتابعة له عليه السلام فى المهاجرة سواء وقعت قبله او بعده او معه وتقييد القرائب بكونها مهاجرات معه للتنبيه على الاليق له عليه السلام فالهجرة وصفهن لا بطريق التعليل كقوله تعالى {أية : وربائبكم اللاتى فى حجوركم} تفسير : ويحتمل تقييد الحل بذلك فى حقه عليه السلام خاصة وان من هاجر معه منهن يحل له نكاحها ومن لم تهاجر لم تحل ويعضده قول ام هانىء بنت ابى طالب خطبنى رسول الله قاعتذرت اليه فعذرنى ثم انزل الله هذه الآية فلم احل له لانى لم اهاجر معه كنت من الطلقاء وهم الذين اسلموا بعد الفتح اطلقهم رسول الله حين اخذهم ولفائدة التقييد بالهجرة اعاد هنا ذكر بنات العم والعمات والخال والخالات وان كن داخلات تحت عموم قوله تعالى عند ذكر المحرمات من النساء {أية : واحل لكم ما وراء ذلكم} تفسير : واول بعضهم الهجرة فى هذه الآية على الاسلام اى اسلمن معك فدل ذلك على انه لا يحل له نكاح غير المسلمة {وامرأة مؤمنة} بالنصب عطف على مفعول احللنا اذ ليس معناه انشاء الاحلال الناجز بل اعلام مطلق الاحلال المنتظم لما سبق ولحق. والمعنى واحللنا لك ايضا اى اعلمناك حل امرأة مؤمنة أية امرأة كانت من النساء المؤمنات فانه لا تحل له المشركة وان وهبت نفسها. قال فى كشف الاسرار اخلتفوا فى انه هل كان يحل للنبى عليه السلام نكاح اليهودية والنصرانية بالمهر فذهب جماعة الى انه كان لا يحل له ذلك لقوله {وامرأة مؤمنة} {ان وهبت} تلك المرأة المؤمنة {نفسها للنبى} اى لك والالتفات للايذان بان هذا الحكم مخصوص به لشرف نبوته. والهبة ان تجعل ملكك لغيرك بغير عوض والحرة ولا تقبل الهبة ولا البيع ولا الشراء اذ ليست بمملوكة فمعناه ان ملكته بعضها بلا مهر بأى عبارة كانت من الهبة والصدقة والتمليك والبيع والشراء والنكاح والتزويج ومعنى الشرط ان اتفق ذلك اى وجد اتفاقا {ان اراد النبى ان يستنكحها} شرط للشرط الاول فى استيجاب الحل فان هبتها نفسها منه لا توجب له حلها الا بارداته نكاحها فانها جارية مجرى القبول والاستنكاح طلب النكاح والرغبة فيه والمعنى اراد النبى ان يتملك بعضها كذلك اى بلا مهر ابتداء وانتهاء {خالصة لك} مصدر كالكاذبة اى خلص لك احلال المرأة المؤمنة خالصة اى خلوصا او حال من ضمير وهبت اى حال كون تلك الواهبة خالصة لك {من دون المؤمنين} فان الاحلال للمؤمنين انما يتحقق بالمهر او بمهر المثل ان لم يسم عند العقد ولا يتحقق بلا مهر اصلا {قد علمنا ما فرضنا عليهم} اى اوجبنا على المؤمنين {فى ازواجهم} فى حقهن {و} فى حق {ما ملكت ايمانهم} من الاحكام {لكيلا يكون عليك حرج} متعلق بخالصة ولام كى دخلت على كى للتوكيد اى لئلا يكون عليك ضيق فى امر النكاح فقوله قد علمنا الخ اعتراض بين قوله لكيلا يكون عليك حرج وبين متعلقه وهو خالصة لك من دون المؤمنين مقرر لما قبله من خلوص الاحلال المذكور لرسول الله وعدم تجاوزه للمؤمنين ببيان انه قد فرض عليهم من شرائط العقد وحقوقه ما لم يفرض عليه صلى الله عليه وسلم تكرمة له وتوسعة عليه اى قد علمنا ما ينبغى ان يفرض عليهم فى حق ازواجهم ومملوكاتهم وعلى أى حد وعلى أى صفة يحق ان يفرض عليهم ففرضنا ما فرضنا على ذلك الوجه وخصصناك ببعض الخصائص كالنكاح بلا مهر وولى وشهود ونحوها وفسروا المفروض فى حق الازواج بالمهر والولى والشهود والنفقة ووجوب القسم والاقتصار على الحرائر الاربع وفى حق المملوكات بكونهن ملكا طيبا بان تكون من اهل الحرب لا ملكا خبيثا بان تكون من اهل العهد وفى الحديث "حديث : الصلاة وما ملكت ايمانكم" تفسير : اىاحفظوا الصلوات الخمس والمماليك بحسن القيام بما يحتاجون اليه من الطعام والكسوة وغيرها وبغير تكليف ما لا يطيقون من العمل وترك التعذيب قرنه عليه السلام بامر الصلاة اشارة الى ان حقوق المماليك واجبة على السادات وجوب الصلوات شعر : جوانمرد وخو شخوى وبخشنده باش جو حق برتو باشد تو بر خلق باش حق بنده هركز فرامش مكن بدستت اكر نوشد وكركهن جوخشم آيدت بركناه كسى تأمل كنش در عقوبت بسى كه سهلست لعل بدخشان شكست شكسته نشايد دكرباره بست تفسير : {وكان الله غفورا} اى فيما يعسر التحرز عنه {رحيما} منعما على عباده بالتوسعة فى مظانّ الحرج ونحوه. واختلف فى انه هل كان عنده عليه السلام امرأة وهبت نفسها منه اولا. فعن ابن عباس رضى الله تعالى عنهما ما كانت عنده امرأة الا بعقد نكاح او ملك يمين. وقال آخرون بل كان عنده موهوبة نفسها. واختلفوا فيها فقال قتادة هى ميمونة بنت الحارث الهلالية خالة عبد الله بن عباس رضى الله عنه حين خطبها النبى عليه السلام فجاءها الخاطب وهى على بعيرها فقالت البعير وما عليه لرسول الله وقال الشعبى هى زينب بنت خزيمة الانصارية. يقول الفقير ذهب الاكثر الى تلقبيها بام المساكين والملقبة به ليست زينب هذه فى المشهور وان كانت تدعى به فى الجاهلية بل زينب بنت جحش التى كانت تعمل بيدها وتتصدق على الفقراء والمساكين فسميت به لسخاوتها ويدل عليه قوله عليه السلام خطابا لازواجه "حديث : اسرعكن لحاقا بى اطولكن يدا" تفسير : اى اول من يموت منكن بعد موتى من كانت اسخى وهى زينب بنت جحش بالاتفاق ماتت فى خلافة عمر رضى الله تعالى عنه كما سبق. واما زينب بنت خزيمة فانها ماتت فى حياته عليه السلام كما قال الكاشفى [اكر واهبه زينب بوده باشد كه اشهر ست وواقع است در رمضان المبارك سال سوم ازهجرت وهشت ماه در حرم محترم آن حضرت بود ودر ربيع الآخر درسال جهارم وفات كرد]. وقال على بن الحسين والضحاك ومقاتل هى ام شريك كزبير بنت جابر من بنى اسد واسمها غزية فالاكثرون على انه لم يقبلها وقيل بل قبلها ثم طلقها قبل ان يدخل بها. وقال ابن عباس رضى الله تعالى عنهما وقع فى قلب ام شريك الاسلام وهى بمكة فاسلمت ثم جعلت تدخل على نساء قريس سرا فتدعوهن للاسلام وترغبهن فيه حتى ظهر امرها لاهل مكة فاخذوها وقالوا لولا قومك لفعلنا بك ما فعلنا ولكنا نسيرك اليهم قالت فحملونى على بعير ليس تحتى شئ ثم تركونى ثلاثا لا يطعموننى ولا يسقوننى وكانوا اذا نزلوا منزلا او قفونى فى الشمس واستظلوا فبينما هم قد نزلوا منزلا واوقفونى فى الشمس اذا انا بابرد شئ على صدرى فتناولته فاذا هو دلو من ماء فشربت منه قليلا ثم نزع منى ورفع ثم عاد فتناولته فشربت منه ثم رفع ثم عاد مرارا ثم رفع مرارا فشربت منه حتى رويت ثم افضت سائره على جسدى وثيابى فلما استيقظوا اذاهم باثر الماء على ثيابى فقالوا انحللت فاخذت سقاءنا فشربت منه فقلت لا والله ولكنه كان من الامر كذا وكذا فقالوا ان كنت صادقة لدينك خير من ديننا فلما نظروا الى اسقيتهم وجدوها كما تركوها فاسلموا عند ذلك واقبلت الى النبى عليه السلام فوهبت نفسها له بغير مهر فقبلها ودخل عليها. وفى ذلك ان من صدق فى حسن الاعتماد على الله وقطع طمعه عما سواه جاءته الفتوحات من الغيب شعر : هركه باشد اعتمادش بر خدا آمد از غيب خدايش صد غذا تفسير : وقال عروة بن الزبير هى اى الواهبة نفسها خولة بنت حكيم من بنى سليم وكانت من المهاجرات الاول فارجأها فتزوجها عثمان بن مظعون رضى الله عنه قالت عائشة رضى الله عنها كانت خولة بنت حكيم من اللاتى وهبن انفسهن لرسول الله فدل انهن كن غير واحدة. وجملة من خطبه عليه السلام من النساء ثلاثون امرأة منهن من لم يعقد عليه وهذا القسم منه من دخل به ومنه من لم يدخل به ومنهن من عقد عليه وهذا القسم ايضا منه من دخل به ومنه من لم يدخل به. وفى لفظ جملة من دخل عليه ثلاث وعشرون امرأة والذى دخل به منهن اثنتا عشرة. وقال ابو الليث فى البستان جميع ما تزوج من النساء اربع عشرة نسوة خديجة ثم سودة ثم عائشة ثم حفصة ثم ام سلمة ثم ام حبيبة ثم جويرية ثم صفية ثم زينب ثم ميمونة ثم زينب بنت خزيمة ثم امرأة من بنى هلال وهى التى وهبت نفسها للنبى عليه السلام ثم امرأة من كندة وهى التى استعاذت منه فطلقها ثم امرأة من بنى كليب. قال فى انسان العيون لا يخفى ان ازواجه عليه السلام المدخول بهن اثنتا عشرة امرأة خديجة ثم سودة ثم عائشة ثم حفصة ثم زينب بنت خزيمة ثم ام سلمة ثم زينب بنت جحش ثم جويرية ثم ريحانة ثم ام حبيبة ثم صفية ثم ميمونة على هذا الترتيب فى التزوج. ومن جملة التى لم يدخل بهن عليه السلام التى ماتت من الفرح لما علمت انه عليه السلام تزوج بها غراء اخت دحية الكلبى. ومن جملتهن سودة القريشية التى خطبها عليه السلام فاعتذرت ببنيها وكانوا خمسة او ستة فقال لها خيرا. ومن جملتهن التى تعوذت منه عليه السلام وهى اسماء بنت معاذ الكندية قلن لها ان اردت ان تحظى عنده فتعوذى بالله منه فلما دخل عليها رسول الله قالت اعوذ بالله منك ظننت ان هذا القول كان من الادب فقال عليه السلام (عذت بمعاذ عظيم الحقى باهلك) ومتعها ثلاثة اثواب. ومن جملتهن التى اختارت الدنيا حين نزلت آية التخيير وهى فاطمة بنت الضحك وكانت تقول انا الشقية اخترت الدنيا. ومن جملتهن قتيلة على صيغة التصغير زوجه اياها اخوها وهى بحضرموت ومات عليه السلام قبل قدومها عليه واوصى بان تخير فان شاءت ضرب عليها الحجاب وكانت من امهات المؤمنين وان شاءت الفراق فتنكح من شاءت فاختارت الفراق فتزوجها عكرمة بن ابى جهل بحضرموت. وفى الحديث "حديث : ما تزوجت شيئا من نسائى ولازوجت شيئا من بناتى الا بوحى جاءنى جبريل عليه السلام من ربى عز وجل "

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {يَا أَيُّها النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللاَّتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ} مهورهن؛ إذ المهر أجر البضع، ولذا قال الكرخي ـ من الحنفية ـ: إن النكاح بلفظ الإجارة جائز، والجواب أن التأبيد من شرط النكاح، والتأقيت من شرط الإجارة، وبينهما منافاة، وإيتاؤها: إعطاؤها عاجلاً، أو فرضها في المفوض، وتسميته في المسمى. والمراد بالأزواج المحلَّلة له ـ عليه الصلاة والسلام ـ: نساؤه اللاتي في عصمته حينئذ، كعائشة وغيرها، وكان قد أعطاهن مهورهن، أو: جميع النساء اللاتي يريدُ أن يتزوجهن، فأباح له جميع النساء. وهذا أوسع. {و} أحللنا لك {ما ملكت يمينُك} من السّراري {مما أفاءَ الله عليك} من الغنائم، وهي صفية، أعتقها وتزوجها. {وبناتِ عمِّك وبناتِ عماتِك وبناتِ خَالِك وبنات خَالاتِك} يعني قرابتك، التي من جهة أبيك، ومن جهة أمك. وكان له ـ عليه الصلاة والسلام ـ أعمام وعمات، إخوة لأبيه، ولم يكن لأمه صلى الله عليه وسلم أخ ولا أخت، فإنما يعني بخاله وخالته: عشيرة أمه، وهم بنو زهرة، ولذلك كانوا يقولون: نحن أخوال رسول الله صلى الله عليه وسلم. فإذا قلنا: المراد بقوله: {أحللنا لك أزواجك} مَن كان في عصمته، فهذا عطف عليهن، وإباحة لأن يتزوج قرابته، زيادة على مَن كان في عصمته، وإذا قلنا: المراد: جميع النساء، فهذا تحديد لهن، على وجه التشريف، بعد دخولهن في العموم. وقوله: {اللاتي هاجَرْنَ معك} قيد في حلّية قرابته ـ عليه الصلاة والسلام ـ. قالت أم هانىء: خطبني رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، فاعتذرتُ إليه، فعَذَرَني، فأنزل الله هذه الآية، فلم أَحِلَ له؛ لأني لم أُهاجر معه، كنت من الطُلَقَاءِ. و "مع" هنا: ليست للاقتران، بل لوجود الهجرة فقط، كقوله: {أية : وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ} تفسير : [النمل: 44]. {و} أحللنا لك {امرأةً مؤمنةً إِن وهبت نفسَها للنبي} من غير مَهر ولا عقد، فهو منصوب بفعل يُفسره ما قبله، أو: عطف على ما سبقه، ولا يدفعه أن "التي" للاستقبال؛ لأن المعنى بالإحلال: الإعلام بالحِلّ، أي: أعلمناك حِلّ امرأة مؤمنة وهبت لك نفسها، ولا تطلب مهراً إن اتفق، ولذلك نكّرها. واختلف في اتفاق ذلك، والقائل به ذكر أربعاً: ميمونة بنت الحارث، حين جاءها الخاطب، قالت: البعير وما عليه لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فتزوجها. وزينب بنت خزيمة الأنصارية، أم المساكين، وتوفيت في حياته صلى الله عليه وسلم، وأم شريك بنت جابر الأسدية، وقيل: أم شريك العامرية، قيل: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوجها، ولم يثبت ذلك. ذكره ابن عبد البر. وخولة بنت حكيم السُلَمية. ذكر البخاري عن عائشة أنها قالت: كانت خولة بنت حكيم من اللائي وهبن أنفسهن. قال أبو نعيم: تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يدخل بها. قال السهيلي: فدلّ أنهن كن غير واحدة. والله أعلم. هـ. وقال ابن عباس: هو بيان حكم في المستقبل، ولم يكن عنده أحد منهن بالهبة، فانظره. وقرأ الحسن بفتح "أن"، على حذف لام التعليل. وقرأ ابن مسعود رضي الله عنه بغير "إن" أي: وأحللنا لك امرأة مؤمنة وهبت نفسها للنبي إن أراد النبي أن يستنكحها، أي: طلب نكاحها والرغبة فيها. وقيل: نكح واستنكح بمعنى واحد. والشرط الثاني تقييد للأول، كأنه قال: أحللنا لك امرأة إن وهبت نفسها، وأنت تريد أن تستنكحها، وإرادته هي: قبول الهبة. جعلنا ذلك {خالصةً لك من دون المؤمنين} بل يجب عليهم المهر، تسمية أو فرضاً. وفيه إيذان بأنه مما خصّ به ـ عليه الصلاة والسلام ـ لشرف نبوته، وتقرير لاستحقاقه الكرامة. قال ابن جزي: وانظر كيف رجع من الغيبة إلى الخطاب؛ ليخص المخاطب وحده. وقيل: إن "خالصة" يرجع إلى كل ما تقدم من النساء المباحات له صلى الله عليه وسلم؛ لأن سائر المؤمنين قصّروا على أربع نسوة، وأبيح له ـ عليه الصلاة والسلام ـ أكثر من ذلك. ومذهب مالك: أن النكاح بلفظ الهبة لا ينعقد، خلافاً لأبي حنيفة. هـ. قلت: إن قرنه ذكر الصداق جاز، كما في المختصر. و (خالصة): مصدر مؤكد، أي: خلُص إحلالها، أو: إحلال ما أحللنا لك على القيود المذكورة خلوصاً لك. أو: حال من الضمير في (وهبت)، أو: صفة لمصدر محذوف، أي: هبة خالصة لك. {قد عَلِمْنَا ما فرضنا عليهم في أزواجهم} أي: ما أوجبنا من المهور على أمتك في زوجاتهم، أو: ما أوجبنا عليهم في أزواجهم من الحقوق، كالنفقة وحسن المعاشرة، أو: ما فرضنا عليهم من الاقتصار على الأربع، أو: ما أوجبنا عليهم من الإشهاد والولي، {وما ملكت أيمانُهم} بالشراء وغيره من وجوه الملك، فقد علمنا ما فرضنا عليهم من الإنفاق والرفق، وألا يكلفوهن ما لا طاقة لهن به، مع حلية الوطء، ولو تعددن. وإنما وسَّعنا عليك في أمر النساء {لِكَيْلاَ يكونَ عليك حرجٌ} ضيق، وهو راجع لقوله: {خالصة لك من دون المؤمنين} والجملة من قوله: {قد علمنا ما فرضنا...} الخ: اعتراضية؛ للدلالة على أن الفرق بينه وبين المؤمنين في نحو ذلك ليس لمجرد التوسيع عليه، بل لمعان تقتضي التوسيع عليه والتضييق عليهم تارة، والعكس أخرى، كنكاح الكتابية والأَمة، فتحرمان عليه صلى الله عليه وسلم دون أُمته. {وكان الله غفوراً رحيماً} بالتوسعة على عباده، أو: غفوراً لما يُعسر التجرُّد عنه، رحيماً بالتوسعة في مظان الحرج. الإشارة: قد وسَّع الله على خواصه في باب النكاح، وأمدّهم في ذلك بالقوة، وأعطاهم من الباءة ما لم يُعط غيرهم، تشريفاً وترغيباً في هذا الأمر، لإبقاء النسل الطيب، ولِما فيه من التوسعة في المعرفة، وحسن الخلق، وتعلم السياسة، فدلّ ذلك أن كثرة النساء لا يُنافي الزهد، ولا يقدح في كمال المعرفة، بل يزيد فيها. قال الإمام ابن منصور المقدسي، في شرح منازل السائرين ـ في باب الزهد ـ: ومتعلق الزهد ستة أشياء، لا يستحق العبد اسم الزهد حتى يزهد فيها، وهي: المال، والرئاسة، والناس، والنفس، وكل ما دون الله. وليس المراد رفضها عن الملِك، فقد كان داود وسليمان ـ عليهما السلام ـ من أزهد أهل زمانهما، ولهما من المُلك والنساء والمِلك ما لهما. وكان نبينا صلى الله عليه وسلم أزهد البشر على الإطلاق، وله تسع نسوة، وكان عليّ بن أبي طالب كرّم الله وجهه، وعبد الرحمن بن عوف، والزبير، وعثمان ـ رضوان الله عليهم ـ من الزهّاد، مع ما لهم من الأموال ـ أي: والنساء ـ فكان لعليّ رضي الله عنه أربع حرائر، وسبعة عشر سرية، ولعبد الرحمن بن عوف والزبير أربع أربع، ولعثمان كذلك. وتزوج المغيرة بن شعبة تسعاً وتسعين امرأة. ثم قال: وكان الحسن بن عليّ رضي الله عنهما من الزهّاد، مع أنه كان من أكثر الأمة محبة للنساء ونكاحهن. ثم قال: ومن أحسن ما قيل في الزهد كلام الحسن وغيره، قال: ليس الزهد في الدنيا بتحريم الحلال، ولا بإضاعة المال، وإنما الزهد أن تكون بما في يد الله أوثق منك بما في يدك، وأن تكون في ثواب المصيبة إذا أُصبت بها أرغب منك فيها لو لم تُصبك. انتهى المقصود منه. ثم وسع على نبيه في القسمة فقال: {تُرْجِي مَن تَشَآءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِيۤ إِلَيْكَ...}

الجنابذي

تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ إِنَّآ أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ ٱللاَّتِيۤ آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ} اى مهورهنّ فانّ المهر اجرٌ للبضع {وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالاَتِكَ} افرد العمّ والخال دون العمّة والخالة لارادة الجنس من الخال والعمّ وتوهّم الافراد من العمّة والخالة لو افردتا لوجود التّاء الّتى توهم الافراد {ٱللاَّتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ} القيود الثّلاثة ليست قيوداً للاحلال لما سيأتى من الاخبار انّ الله تعالى احلّ له ما شاء من النّساء وانّما ذكر القيود تشريفاً له (ص) فى الاوّلين وتشريفاً للنّساء فى الاخير، وقيل: انّها قيود للاحلال، ونقل عليه خبر من طريق العامّة وانّما ذكر احلال الازواج مع انّهنّ كن محلّلاتٍ له وكنّ فى بيوته رفعاً لما قال بعض وتوهّم بعض من انّه (ص) حرّم على امّته ازيد من اربع ونكح هو ازيد من اربع ولا ينبغى ان يكون كذلك، والدّليل عليه قوله قد علمنا ما فرضنا عليهم فى ازواجهم معترضة بين بيان احلال ازواجه {وَٱمْرَأَةً مُّؤْمِنَةً إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ} التفت من الخطاب الى الغيبة اشعاراً بانّ هذا الحكم لشرافة النّبوّة {إِنْ أَرَادَ ٱلنَّبِيُّ أَن يَسْتَنكِحَهَا خَالِصَةً لَّكَ} تأكيدٌ لما استفيد من اختصاص هذا الحكم بحيثيّة النّبوّة، وخالصةً مصدرٌ لمحذوفٍ اى خلص هذا الحكم خلوصاً لك، او اسم فاعل والتّاء للمبالغة وحال عن محذوفٍ اى قلنا هذا الحكم خالصةً، او حكمنا هذا الحكم خالصةً، او التّاء للتّأنيث والتّقدير ذكرنا هذه الهبة خالصةً لك، وغير ما ذكر من وجوه اعرابها ضعيفٌ جدّاً {مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ} الظّرف حال من الضّمير المجرور فى لك، عن الباقر (ع): جاءت امرأة من الانصار الى رسول الله (ص) فدخلت عليه فى منزل حفصة والمرأة متلبّسة متمشّطة فقالت: يا رسول الله (ص) انّ المرأة لا تخطب الزّوج وانا امرأة أيّم لا زوج لى منذ دهرٍ ولا ولد فهل لك من حاجة؟ فان يك فقد وهبت نفسى لك ان قبلتنى، فقال لها رسول الله (ص) خيراً ودعا لها، ثمّ قال: يا اخت الانصار جزاكم الله عن رسول الله خيراً فقد نصرنى رجالكم ورغبت فىّ نساؤكم، فقالت لها: حفصة ما اقلّ حياءك واجرأك وانهمك للرّجال.،! فقال لها رسول الله (ص): كفّى عنها يا حفصة، فانّها خير منك رغبت فى رسول الله فلمتها؟! وعيّبتها؟! ثمّ قال للمرأة انصرفى رحمك الله، فقد اوجب الله لك الجنّة لرغبتك فىّ وتعرّضك لمحبّتى وسرورى، وسيأتيك امرى ان شاء الله، فأنزل الله عزّوجلّ وامرأة مؤمنة (الآية) قال فأحلّ الله عزّ وجلّ هبة المرأة نفسها لرسول الله (ص) ولا يحلّ ذلك لغيره وقد ذكر انّ هذا الحكم من خصائصه (ص) وليس لغيره ان ينكح بهبة المرأة نفسها من دون مهرٍ، وقيل: انّ الرّسول (ص) لم يكن عنده امرأة وهبت نفسها له، وقيل: بل كانت عنده ميمونة بنت الحارث بالهبة، وقيل: هى زينب بنت خزيمة المكنّاة بامّ المساكين، وقيل: كانت امرأة من بنى اسدٍ يقال لها امّ شريكٍ، وقيل: كانت خولة بنت حكيمٍ، وعن الصّادق (ع) انّه قال: تزوّج رسول الله (ص) بخمس عشرة امرأة ودخل بثلاث عشرة منهنّ، وقبض عن تسعٍ فامّا اللّتان لم يدخل بهما فعمرة والشّنباء، وامّا الثّلاث عشرة الّلاتى دخل بهنّ فأولهنّ خديجة بنت خويلد ثمّ سودة بنت زمعة ثمّ امّ سلمة واسمها هند بنت ابى اميّة، ثمّ امّ عبدالله عائشة بنت ابى بكر، ثمّ حفصة بنت عمر، ثمّ زينب بنت خزيمة بن الحارث امّ المساكين، ثمّ زينب بنت جحشٍ، ثمّ امّ حبيبة رملة بنت ابى سفيان، ثمّ ميمونة بنت الحارث، ثمّ زينب بنت عميس، ثمّ جويرية بنت الحارث، ثمّ صفيّة بنت حىّ بن اخطب، والّتى وهبت نفسها للنّبىّ خولة بنت حكيم السّلمى وكان له (ص) سريّتان يقسم لهما مع ازواجه مارية القبطيّة وريحانة الخندقيّة، والتّسع اللّواتى قبض عنهنّ عائشة، وحفصة، وامّ سلمة، وزينب بنت جحش، وميمونة بنت الحارث، وامّ حبيبة بنت ابى سفيان، وصفيّة وجويرية وسودة، وافضلهنّ خديجة بنت خويلد، ثمّ امّ سلمة، ثمّ ميمونة {قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِيۤ} حقّ {أَزْوَاجِهِـمْ} من العدد والقسم {وَمَا مَلَكَتْ} اى فى حقّ ما ملكت {أَيْمَانُهُمْ} من الاماء من التّوسعة عليهنّ فى المعيشة وعدم التّضييق عليهنّ فى الخدمة والاقتصار على المملوكة ان لم يطيقوا الحرّة والاقتصار على حرّةٍ واحدةٍ ان خافوا عدم العدالة وهذه الجملة معترضة وجوابٌ لسؤالٍ مقدّرٍ كأنّه قيل: لم احلّت للرّسول (ص) ازيد من الاربع ولم يحلّ لامّته ازيد منها؟ بل لم يحلّ لهم اكثر من واحدة ان خافوا ان لا يعدلوا؟- فقال: قد علمنا سبب ذلك فيه وفيهم وليس هذا الحكم فيه وفيهم من غير سببٍ واستحقاقٍ والجاهلون للاسباب يلومونه على ما فرض الله عليه {لِكَيْلاَ يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ} متعلّق باحلّ او بخالصة لك او بعامل امرأة مؤمنة يعنى انّك خرجت من التّقييد وصرت مطلقاً ولا ينبغى ان يكون عليك حرجٌ فيما اردت {وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً} فيغفر ما يلزمك من تعدّد الازواج من تكدّر قلبك بالكثرات وتعدّد الازواج، او يغفر لمن يلومك فى تعدّد الازواج من جهله بسببه {رَّحِيماً} يرحمك فيحفظك ممّا يشينك فى الدّنيا من تعدّد الازواج، او يرحمك فى الآخرة بالتّوسعة عليك فى مقامك، او يرحمهم فيحفظهم ممّا يخرجهم من الايمان فى ملامتك، او يرحمهم فى الآخرة.

الأعقم

تفسير : {يا أيها النبي انا أحللنا لك أزواجك اللاتي آتيت أجورهن} قيل: لما بذلت الموهوبة نفسها للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قالت عائشة: ما بال النساء يبذلن أنفسهن بلا مهر؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية {أجورهن} مهورهن لأن المهر أجراً على البضع، وايتاؤها إما اعطاؤها عاجلاً وإما فرضها وتسميتها في العقد {وما ملكت يمينك مما أفاء الله عليك} أي أحللنا ما ملكت يمينك وهو على وجهين: السري وأن يعتقن ويتزوجهن كصفيَّة بنت حيي وجويرية بنت الحارث أعتقهما {وبنات عمك وبنات عماتك} وهم أولاد عبد المطلب {وبنات خالك وبنات خالاتك} أولادهم من بني زهرة، وليس الإِباحة مقصورة عليهم بل هو عام في جميع المؤمنين {اللاتي هاجرن معك} فشرط الاباحة الهجرة {وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي} قيل: لما وهبت نفسها للنبي قالت عائشة: ما بال النساء يبذلن أنفسهن بلا مهر فنزلت: {يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك} الآية، فقالت عائشة: يا رسول الله إني أرى ربك يسارع إلى هواك، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): "حديث : وإنك وإن أطعت الله يسارع في هواك" تفسير : فاختلفوا في هذه الإمرأة الواهبة نفسها من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) هل كانت عنده أم لا؟ فقيل: لم تكن عنده امرأة بالهبة عن ابن عباس، وقيل: الموهوبات أربع: ميمونة بنت الحارث، زينب بنت خزيمة أم المساكين الأنصارية، وأم شريك، وخولة، وقيل: زينب بنت جحش {إن أراد النبي أن يستنكحها خالصة لك من دون المؤمنين} أي لا يجوز لهم ذلك والله أعلم {قد علمنا ما فرضنا عليهم} على المؤمنين {في أزواجهم}، قيل: أراد العدد فإذا تزوج أربع لا يجاوزها، وقيل: المهر، وقيل: المهر والعدد {وما ملكت أيمانهم} يعني الاماء {لكيلا يكون عليك حرج} ضيق واثم، يعني بيّنا لك قيل: هو ما أباح من نكاح أربع وما شاء من البراري، وقيل: ما متصل بخالصة لك من دون المؤمنين {وكان الله غفوراً رحيماً} لذنوب التائبين رحيماً بهم {ترجي من تشاء منهن وتؤوي إليك من تشاء} الآية، قيل: طلبت بعض أمهات المؤمنين زيادة في النفقة وغضب رسول الله فهجرهن شهراً ونزل التخيير فأشفقن أن يطلقن فقلن: يا رسول الله افرض لنا من نفسك ومالك ما شئت ودعنا على حالنا فنزلت، وقيل: أن عائشة عيّرت الموهوبة نفسها فنزلت هذه الآية: {ترجي من تشاء} وقرئ بالهمز وبغير همز {وتُؤوي} تَضم بمعنى تترك مضاجعة من تشاء، أو تطلق من تشاء وتمسك من تشاء، أو لا تقسم لأيتهن شئت وتقسم لمن شئت، وروي أنه أرجى منهن سودة وجويرية وصفية وميمونة، وروي أم حبيبة، وكان يقسم لهن ما شاء كما شاء، وروي أنه كان يسوي بينهن مع ما أطلق له وخيّر فيه إلاَّ سودة فانها وهبت ليلتها لعائشة وقالت: لا تطلقني حتى أحشر في زمرة نسائك {ومن ابتغيت ممن عزلت} يعني طلبت اصابتها فيمن كنت عزلت عنها من نسائك {فلا جناح عليك} وأباح له ترك القسم فيهن حتى يؤخر من يشاء عن وقت نوبتها، وأن يعزل من يشاء وله أن يرد المعزولة، فضله الله تعالى بذلك على جميع الخلق {ذلك أدنى أن تقرّ أعينهن} أي أطيب لنفوسهن وأقل لحزنهن {ويرضين بما آتيتهن كلهن} من التسوية والتفضيل، وذلك أنهن علمن أن هذا من عند الله وبأمره فطابت أنفسهن وقرت أعينهن {والله يعلم ما في قلوبكم} فيه وعيدٌ لمن لم ترض منهن لما دبر الله من ذلك {لا يحل لك النساء من بعد} أي من بعد التسع اللاتي كن عنده واخترنه {ولا أن تبدل بهن من أزواج} يعني التسع اللاتي اخترتهن {ولو أعجبك حسنهن} من غير التسع، وقيل: من غير ما أحل لك {إلا ما ملكت يمينك} يعني إلا ما استثنى مما حرم عليه {وكان الله على كل شيء رقيباً} أي حفيظاً.

الهواري

تفسير : قوله: {يَآ أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّآ أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللاَّتِي ءَاتَيْتَ أُجُورَهُنَّ} أي: صداقهن {وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّآ أَفَآءَ اللهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ} أي: وأحللنا لك بنات عمك {وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالاَتِكَ اللاَّتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ}... إلى قوله: {لاَّ يَحِلُّ لَكَ النِّسَآءُ مِن بَعْدُ} أي: من بعد هؤلاء اللاتي ذكر من أزواجه ومن بنات عمه وبنات عماته وبنات خاله وبنات خالاته وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي، فيما ذكر أبي بن كعب. وذكر [علي بن زيد] عن الحسن قال: {لاَّ يَحِلُّ لَكَ النِّسَآءُ مِن بَعْدُ} يعني من بعد أزواجه التسع [{وَلآ أَن تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ} قال: قصره الله على أزواجه اللاتي مات عنهن، فأخبرتُ به علي بن الحسن فقال: لو شاء لتزوج عليهن]. وقال علي بن زيد: قد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم [جريراً] أن يخطب عليه [جميلة] بنت فلان بعد التسع. وقال مجاهد: {لاَّ يَحِلُّ لَكَ النِّسَآءُ مِن بَعْدُ} أي: لا نصرانيات ولا يهوديات، ولا كوافر. قوله: {وَامْرَأَةً مُّؤْمِنَةً إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَن يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَّكَ} يقوله للنبي صلى الله عليه وسلم: {مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ} مقرأ العامة على (إِن) وهبت نفسها للنبي، كانت امرأة واحدة، و (أَن) مفتوحة لما قد كان. وبعضهم يقرأها {إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ} يقولون: إنما ذلك في المستقبل على تلك الوجوه من قول أبيّ بن كعب، وقول الحسن وقول مجاهد. قوله: {خَالِصَةً لَّكَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ} أي: لا تكون الهبة بغير صداق إلا للنبي صلى الله عليه وسلم. ذكروا عن سعيد بن المسيّب أنه سئل عن رجل وهبت نفسَها له امرأةٌ فقال: الهبة لا تكون إلا للنبي صلى الله عليه وسلم، ولكن لو كان سمّى سوطاً لكان صداقاً. وفي تفسير الحسن أن النبي صلى الله عليه وسلم قد تطوّع على تلك المرأة التي وهبت نفسَها له فأعطاها الصداق، ثم نزل أمر التي وهبت نفسها للنبي عليه السلام في تفسير الحسن قبل أن ينزل {مَّا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللهُ لَهُ} وهي بعدها في التأليف. وفي تفسير الكلبي في قوله: {لاَّ يَحِلُّ لَكَ النِّسَآءُ مِن بَعْدُ وَلاَ أَن تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ} أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما تزوّج أسماء بنت النعمان الكندية، وكانت من أحسن البشر، قال نساء النبي: لئن تزوج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم الغرائب ما له فينا حاجة، فحبس الله نبيه على أزواجه اللائي عنده، وأحل له من بنات العم والعمة والخال والخالة ما شاء. قال بعضهم: وهذا موافق لتفسير أبي بن كعب. قوله تعالى: {قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ} يعني الأربع. يقول: يتزوج أربعاً إن شاء. {وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ} أي: ويطأ بملك يمينه كم شاء. وقال بعضهم: {قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ} أي: لا نكاح إلا بولي وشاهدين عدلين وصداق معلوم. قال: وقال بعضهم في قوله: (أية : وَءَاتُوا النِّسَآءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً) تفسير : [النساء: 4] أي: فريضة. فإن تزوّج الرجل امرأة ولم يسمّ لها صداقاً، أو وهبها له الولي فرضيت، أو كانت بكراً فزوّجها أبوها، فإن ذلك جائز عليها، ولها ما اتفقوا عليه من الصداق، فإن اختلفوا فلها صداق مثلها، والنكاح ثابت. قوله: {لِكَيْلاَ يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ} رجع إلى قصة النبي عليه السلام. {وَكَانَ اللهُ غَفُوراً رَّحِيماً}.

اطفيش

تفسير : {يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك اللاتي آتيت} أي اتيتهن. {أجورهن} أي مهورهن لأن النساء أجيرات بمهورهن على فروجهن وانما قيل الاحلال الايتاء تعجيلا وندبا الى انهاء مهورهن اليهن وايثارا للافضل لا لكونها لا تحل الا ان اعطيت مهرها فانها تحل بدونه لنا على الصحيح وتأخذ صداق المثل وقيل العقر ولا سيما رسول الله صلى الله عليه وسلم فانه لا صداق عليه. {وما ملكت يمينك مما أفاء الله عليك} من الكفار بالسبي كصفية وجويرية وما ملكت يمينه من غير مما أفاء الله عليه منهم كذلك ولكن خص التي أفاء الله عليه بسيفه لأنها اطيب ولانها بدء امرها ان يتسراها وقد ملك مارية بالهبة وتسراها فولدت له ابراهيم. {وبنات عمك وبنات عماتك} قيل اراد نساء قريش. {وبنات خالك وبنات خالاتك} قيل يعني نساء بني زهرة وقيل المراد بنات اخ الأب وبنات اخته وبنات اخت الأم وبنات اختها وحكم على غيرهن ممن يحل تزوجه بحكمهن وخصت هؤلاء بالذكر تشريفا لهن على هذا القول. {اللاتي هاجرن معك} او لم يهاجرن ولكن خص المهاجرات معه لفضلهن ويحتمل ان الله سبحانه حرم عليه صلى الله عليه وسلم وحده من لم تهاجر معه ويدل له ما ذكرت ام هاني بنت ابي طالب اني خطبني رسول الله صلى الله عليه وسلم فاعتذرت اليه فعذرني ثم انزل الله هذه الآية فلم احل له لأني لم أهاجر معه كنت من الطلقاء اي من الذين اسروا وطلقوا وقيل كان شرط حل التزوج الهجرة في حق النبي صلى الله عليه وسلم وغيره ثم نسخ. {وامرأة} على ما قبل ويقدر له العامل اي وأحللنا لك امرأة. {مؤمنة} بمجرد الهبة لا صداق ولا ولي. {إن وهبت} هي أو أبوها لكن اشترط بعض الهبة لأب ان تكون المرأة بكرا. {نفسها للنبي} ولا اشكال في قوله احللنا لك امرأة مؤمنة ان وهبت نفسها للنبي من حيث ان الشرطية الدالة على الاستقبال حتى يدفعه القاضي بان المعنى بالاحلال والاعلام بالحل وانما نكر امرأة للتقليل اي ان اتفق ان امرأة وهبت لك نفسها فقد احللناها لك بمجرد هبته وعلى كلام القاضي يقال فقد اعلمناك حلها وقرأ الحسن بفتح همزة ان على ان مصدرية تقدر قبلها لام التعليل اي لان وهبت او بجعل المصدر من الفعل بعدها ظرف زمان من نيابة المصدر عن اسم الزمان اي وقت هبتها نفسها لك واذا حلت له في الوقت وقبل الهبة استمر الحل الى ان يحدث مانع وقرأ ابن مسعود باسقاط ان على ان جملة وهبت نعت لامرأة او حال منها ولو وهبت كتابية للنبي صلى الله عليه وسلم نفسها لم تحل له خلافا لبعض واختلف اصحابنا في انعقاد النكاح لنا بقول المرأة مع حضور الولي واجازته وهبت لك نفسي ويقول الولي وهبتها لك فقيل ينعقد وقيل لا بل يقول انكحتكها او زوجتكها وعيله الاكثر وابن المسيب والزهري ومجاهد وعطا ومالك والشافعي وقال النخعي والكوفيون بالأول واشترط بعضهم في انعقاد النكاح للنبي بالهبة ان لا تقتصر على لفظ الهبة بل تذكر معه لفظ التزويج والتمليك ونحوه كغيره وتقتصر على لفظ التزويج ونحوه بدون ذكر الهبة وصاحب هذا القول حمل الهبة في الآية على معنى انها ارادة التزوج به بلا مهر. وعن ابن عباس رضي الله عنه ومجاهد لم تكن امرأة عنده صلى الله عليه وسلم بالهبة. وقيل تزوج بالهبة ميمونة بنت الحارث وزينب بنت خزيمة ام المساكين الانصارية الهلالية وام شريك بنت جابر بن عوف من بني اسد وقيل من بني عامر بن لؤي وهي قريشية واسمها غزية وقيل بنت داود بن عوف وطلقها بعد الدخول وقيل قبله وقيل ام شريك عرية الانصارية من بني النجار وقيل ام شريك غزية بنت جابر الدوسية وخولة بنت حكيم وعن عائشة كانت خولة بنت حكيم من التي وهبن انفسهن لرسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك من عائشة دليل على انه كانت عنده بالهبة غير واحدة وهو ايضا مروي عن عروة بن الزبير وذلك خلاف قول الشعبي انه كانت عنده بذلك زينب بنت خزيمة وخلاف قول قتادة كانت عنده ميمونة بنت الحارث فقط وخلاف قول علي بن الحسين والضحاك ومقاتل كانت عنده ام شريك فقط وخلاف قول عروة بن الزبير كانت عنده خولة المذكورة وهي من بني سليم اللهم الا ان يقال يحتمل كلامها ان يكون معناه وهبن انفسهن سواء قبل منهن كما قيل عن خولة او لم يقبل ورد نكاحهن او تزوجهن بصداق فافهم ولا تتوهم وفي الصفوة ان الاكثر على ان الواهبة نفسها ام شريك غرية بنت جابر الدوسية فلم يقبلها ولم تتزوج حتى ماتت. {إن أراد النبي أن يستنكحها} السين والتاء هنا للعد اي ان اراد ان يعدها من جملة منكوحاته او للتصيير اي ان اراد تصيرها منهن والمراد ان قبل الهبة وان لم يقبل فلا تحل له وهذا فائدة الشرط كذا ظهر لي والحمد لله ورايت جار الله ذكره وفي قوله {إن وهبت نفسها للنبي} التفات من الخطاب للغيبة واما {إن أراد النبي} الخ فتبع له وقيل السين والتاء هنا للطلب على الأصل اي ان يطلب نكاحها من غير صداق. {خالصة} من المصادر الآتية على صيغة اسم الفاعل كالعاقبة والعاقية فيما قيل ومعناه خلوصا وهو مصدر مؤكد لاحللنا او هو وصفت حال من ضمير وهبت او من هاء في يستنكحها او نعت لمصدر محذوف اي هبة خالصة قيل او نعت للمرأة وقرىء بالرفع اي ذلك خلوصا لك او تلك المرأة خالصة. {لك من دون المؤمنين} التفت من الغيبة الى الخطاب وانما التفت هنالك من الخطاب للغيبة وهنا منها اليه ايذانا بأن الهبة مخصوصة به صلى الله عليه وسلم لشرف نبوته ولذا اعيد لفظ النبي بالاسم الظاهر فدل على انها تكرمة لاجل نبوته وتقريرا لاستحقاقه الكرامة لنبوته واستدل ابوحنيفة بالآية على جواز عقد النكاح بلفظ الهبة من الولي مثلا يحضره الشهود كما عقد للنبي صلى الله عليه وسلم بلفظ الهبة منها بلا ولي وشهود لانه صلى الله عليه وسلم سواء في الأحكام هو وأمته الا ما خصه الدليل وأجازه الكرخي ايضا بلفظ الاجازة لقوله عز وجل {أتيت أجورهن}. وقال ابو بكر الرازي: لا يصح لأن الاجارة عقد مؤقت وعقد النكاح مؤبد فهما متنافيان. وقال الشافعي: خص رسول الله صلى الله عليه وسلم بمعنى الهبة ولفظها جميعا لان اللفظ تابع للمعنى والمدعي للاشتراك في اللفظ يحتاج الى دليل وقيل يريد ربنا سبحانه بقوله {خالصة لك من دون المؤمنين} جميع هذه الاباحة لأن المؤمنين لم يبح لهم الزيادة على الأربع. {قد علمنا ما فرضنا عليهم} اي ما أوجبنا على المؤمنين. {في أزواجهم} من انهم لا يزيدون على اربع ولا يتزوجون الا بولي وصداق وشهود واذا اختلفت المرأة والزوج في الصداق كم هو ولا بينة فصداق المثل وقيل ما يقول الزوج قيل ويحلف وقيل لا بد ايضا من الشهود للنبي صلى الله عليه وسلم ومما فرض على المؤمنين دون النبي صلى الله عليه وسلم العدل. {وما ملكت أيمانهم} من انه يحل لهم تسري ما ملكوا بشراء او هبة او ارث او غير ذلك بلا عدد بشرط استبراء وقيل لا ان جاءته من طفل لا يمكن جماعه او من امرأة وليس الاشهاد شرط بصحة التسري. {لكيلا يكون عليك حرج} تضييق في النكاح متعلق بأحللنا وقيل بخالصة وما بينه وبين متعلقه معترض وانما وسع على المؤمنين في الايماء فقط بالتسري وانما اعترض بذلك قيل للدلالة على ان الفرق بينه وبين المؤمنين في نحو ذلك لا بمجرد قصد التوسيع عليه بل لمعان تقتضي التوسيع عليه والتضييق عليهم تارة وبالعكس اخرى. {وكان الله غفورا رحيما} غفورا لما يعسر التحرز عنه رحيما بالتوسعة في ذلك.

اطفيش

تفسير : {يا أيُّها النبي إنَّا أحْللنا لَك أزواجك اللاتي آتيتَ أجُورهنَّ} مهورهن كعائشة وحفصة وسودة، لأن المهر كالأجرة على الوطء وسائر الاستمتاع، وليس تعجيل المهور أو نقدها شرطا فى الاحلال، بل اختيار لما هو أفضل له، فله الوطء قبل الإعطاء، ولا ينافى هذا ما شهر أنه حل له التزوج بلا صداق، لأن المراد جوازه بلا صداق فيما أجازه الله تعالى، كزينب التى زوجه الله بها، وكاللاتى وهبن له أنفسهن كما يأتى بعد إن شاء الله تعالى، وقد قيل: ذكر المهور وإتياءها بناء على الواقع لا شرط، ولو تزوجهن بلا مهر لجاز، وأخذ بعض من الآية أنه لا يجوز له صلى الله عليه وسلم التزوج إلا بصداق منقود حاضر، مات صلى الله عليه وسلم عن تسع نسوة، وجميع ما تزوج أربع عشرة: خديجة بنت خويلد، وهى ثيب له، وهو بكر لها، ثم سودة بنت زمعة، ثم عائشة بمكة، ثم حفصة، ثم أم سلمة بنت أبى أمية، وأم حبيبة بنت أبى سفيان فى المدينة والست من قريش، وجويرة من بنى المصطلق، وصفية بنت حيى بن أخطب الإسرائلية، وزينب بنت جحش امرأة زيد بن حارثة أم المساكين، وكانت تأويهم، وهى أول من ماتت بعده من نسائه، وميمونة بنت الحارث الأسلمية، خالة ابن عباس، وزينب بنت خزيمة، وامرأة من بنى هلال وهبت نفسها للنبى صلى الله عليه وسلم، وامرأة من كندة وهى التى استعاذت منه فطلقها، وامرأة من كلب، وهذا اختصار والبسط فى محله. {ومَا مَلَكت يَمينُكَ} من الإماء كجويرة وريحانة وزليخاء {ممَّا أفاء الله عَليْك} رده إليك من السبى، يختار من شاء منهن، ويتسراها بعد إسلامها، أو المراد ما يشمل الإهداء كمارية بنت شمعون رضى الله عنها أهداها إليه ملك الاسكندرية ومصر القبطى جريج بن مينا، وهدايا أهل الحرب للإمام لها حكم السبى، ووهبت له صلى الله عليه وسلم زينب بنت جحش أمة وتسراها، مع أنه لم يشاهد سبيها، ولعله اكتفى بتحقيق عبوديتها، أو بإقرارها، أو كانت مما أفاه الله عليه، تملكتها زينب، ثم وهبتها له، وكذا أخت مارية شيرين بالشين المعجمة أو المهملة، أهداها اليه الملك المذكور المقوقس مع مارية، ولو أسلمت قبل مارية لتسراها لرغبته فيها، والله أعلم، ولما تأخَّر اسلامها أعطاها رجلا. {وبناتِ عمِّك وبناتِ عمَّاتك وبناتِ خالِكَ وبنات خالاتك اللاتي هاجَرْن مَعَك} لأنهن أفضل من غيرهن للنسب والهجرة، ومعنى المعية أنهن هاجرن كما هاجر، وليس المراد أنهن هاجرن معه فى وقت واحد، واختلف فيمن آمن ولم يهاجر، وقد قدر على الهجرة إلا من عذره صلى الله عليه وسلم، فقيل: مشرك فلا تحل من لم تهاجر مع القدرة، ويدل لذلك أنه خطب أم هانئ فاعتذرت فعذرها، قال: فنزل {يا أيها النبي} الى قوله تعالى: {هاجرن معك} فلم أى أحل له، لأنى لم أهاجر، وقول الصحابية حجة، وبحث بأنها لم تسنده، رواية، ولعله مفهومها من الآية والحال، ويتقوى ما ذكرت بما روى أنها بعد ما اعتذرت رجعت اليه فقال: أما الآن فلا، لأنك لم تهاجرى، والله تعالى أنزل إلىَّ {يا أيها النبي} إلى {هاجرن معك}. ويبعد ما قيل من أنه لعله لم يرد الحرمة، بل أراد الأفضل، وقيل: منافق، وقيل: الهجرة شرط عليه صلى الله عليه وسلم فى قراباته المذكورة فقط، وقيل: نسخ تحريم من لم تهاجر، وقيل: معنى هاجرن أسلمن، والمراد ببنات عمه وبنات عماته بنات القريشيين، وبنات القريشات، فانه يقال للقريشيين أعمامه ولو بعدوا، للقريشات عماته ولو بعدن، والمراد ببنى خاله وبنات خالاته بنات بنى زهرة ذكورهم إناثهم، وشاع فى العرف وكثر فى الاستعمال إطلاق الأعمام والعمات على أقارب الشخص من جهة أبيه ذكور وإناث، قربوا أو بعدوا، والأخوال والخالات على أقاربه من جهة أمه كذلك، ودخل على ست من القريشيات: عائشة، وحفصة، وسودة، وخديجة وأم حبيبة بنت أبى سفيان وأم سلمة، ولم أقف على أنه تزوج امرأة من أخواله بنى زهرة، والآية للجواز لا لوقوع تزوجه منهم. وأفرد العم والخال، وجمع العمة والخالة قيل: لأن العم والخال بوزن والخال، وجمع العمة والخالة، قيل: لأن العم والخال بوزن المصدر المصدر كالنصر والفرح، وأصل الخال خول بفتح الخاء والواو، بخلاف العمة والخالة، فإنهما ولو كانا بوزن المصدر، لكن المصدر أصل تائه أن لا تلزم، ومن شأنها أن تدل على الوحدة أو الهيئة، ولا يتبدل المعنى بحذفها إلا الوحدة والهيئة، وقيل: لم يجمعا ليعما بالإضافة، والتاء تدل على الوحدة، والعموم ممتنع معها ظاهراً، ولو جاز حقيقة، وجمع العم فى سورة النور على الأصل، وقيل أعمامه العباس وحمزة، وهما أخواه من الرضاع، ولا تحل له بناتهما، وأبو طالب بنته أم هانىء لم تهاجر، وهو قول لا يتجه، وقيل: أفرد العم لأن العم بمنزلة الأب، وهو لا يتعدد، ويقال للعم أب، ومنه: "أية : وإذ قال إبراهيم لأبية آزر" تفسير : [الأنعام: 74] ومنه تسمية إسماعيل أباً مع إسحاق، وإنما هو عم، وجمع العمة على الأصل وإلا فهى كالأم، والأم لا تتعدد. وأفرد الخال ليكون على وفقه العم، وجمع الخالة مع أنها كالأم لتكون على وفق العمات، وقيل: أفرد الذكر لقلة الذكور، والنساء أكثر كما فى الأثر، وقيل: بين العم والعمات، والخال والخالات نوع من الجناس، وأيضاً أعمامه اثنا عشر، وعماته ست، ولو قيل: أعمامك لتوهم أنهم أقل من اثنى عشر، لأنه جمع قلة، وجمع القلة عشرة أو تسعة، ولو قيل: عمتك لم تتحقق الإشارة الى قلتهن، وقيل: خالك وخالاتك ليوافق ما قبل: جرى عرف اللغة على افراد العم والخال وجمع العمة والخالة، ولم تر العم مضافا اليه ابن أو ابنة بالافراد أو بنون أو بنات بالجمع إلا مفرد كقوله: شعر : إن بنى عمك فيهم رماح تفسير : وقوله: شعر : فتى ليس لابن العم كالذئب إن رأى لصاحبه يوماً دما فهو آكله تفسير : وقوله: شعر : قالت بنات العم يا سلمى وإن تفسير : وقوله: شعر : يا بنت عمى لا تلومى واهجعى تفسير : وهذا مختل ببقاء عدم بيان الخالة والخالات، وباحتياج هذا العرف اللغوى الى بيان علته، فلعل إفراد العم والخال الرجوع الى أصل واحد، مع ما بين الذكور من العمومة والخؤولة من التناصر والتعاضد بجعل المتعدد كالواحد، ويقوى ذلك إضافة الفرع كالبنين والبنات الى ذلك، والبنون والبنات لمتعددين فى حكم البنين والبنات لواحد، وذكر بعض المحققين أن فى الانتقال من الافراد الى الجمع فى جانبى العمومة والخؤولة، إشارة الى ما فى النكاح من انتقال كل الزوجين من حال الانفراد الى حال الاجتماع بالآخر، ويقال لما كان المفرد أصلا، والمذكر أصلا، أتى بالمذكرين مفردين على حدة وبالمؤنثين مجموعين على حدة، فاجتمع فى الأولين أصلان، وفى الأخيرين فرعان، مع مراعاة الكفاءة فى النكاح. وإنما يعرف الانتساب الى النبى صلى الله عليه وسلم بمعرفة آبائه: محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصى بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤى بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن الياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان، وعنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا ترفعوني فوق عدنان" تفسير : وأقول رفعه الى ما لم يتحقق أنه أبوه نقض لمعرفته وعن ابن مسعود: كذب النسابون، قال الله تعالى: "أية : وقرونا بين ذلك كثيراً" تفسير : [الفرقان: 38] وقال: "أية : والَّذين من بعدهم لا يعلمهم إلا الله" تفسير : [إبراهيم: 9] ويقال عدنان بن أد بن أدد بن اليسع بن الهميسع ابن نبت بن سلامان بن محل بن قيدار بن اسماعيل بن ابراهيم بن آزر ابن تارخ بن ناخور بن أسرع بن أرغو بن فالغ بن أرفخشد ابن سام ابن نوح بن لامك بن متوشلخ بن أخنوخ وهوادريس بن برد بن مهلاليل ابن أنوش بن شيث بن آدم بكسر شينه وأسكن يائه بعدها ثاء مثلثة. {وامرأةً مؤمنةً} عطف على أزاوجك ولا يشكل على ذلك تقييد الامرأة المؤمنة، لأنه قيد لها خاصة، كما تقول أكرم الزيدين وعمرا إن جاء، تقول أكرم الزيدين مطلقا جاء عمرو أو لم يجىء، واكرم عمراً إن لم يجىء {إنْ وهَبتْ نَفْسها للنَّبي} مقتضى الظاهر إن وهبت نفسها لك، لكن قال للنبى ليدل على أن شرف النبوة أباح كفاية الهبة، كأنها أمة وهبها مالكها، وزاد له تشريفا بأن لا يلزمه قبولها، فإن شاء ردها، وبأنه يقبلها بلامهر،وذلك فى قوله: {إن وهبت} وفي قوله: {إن أراد النَّبى انْ يسْتَنكحَها} يملكها بلا مهر، ويلحقها بأزواجه، والاستفعال بمعنى الفعل، أى أن ينكحها، والإرادة بمعنى القبول أو للطلب، والإرادة على ظاهرها، وجوابه أغنى عنه وهبت نفسها للنبى، فالإرادة شرط لصحة الهبة، فان لم تكن تعطلت الهبة، وكانت كالعدم. ويجوز تقدير الجواب أى إن أراد النبى أن يستنحكها نكحها، وإذا اجتمع شرطان فالثانى قيد للأول، ولا يلزم تقدمه خارجا على الأول نحو: أكرم زيدا إن جاء إن سلم فى حضوره فالتسليم قيد فى مجيئه، والآية كهذا المثال، ويجوز تقدمه خارجاً نحو أكرم زيدا إن جاء إن كن قد أرضى والديه فى المجىء، وهذه الامرأة الواهبة ميمونة بنت الحارث امرأة من بنى هلال، خطبها صلى الله عليه وسلم ووصلتها الهبة التى أباح الله تعالى، فوهبت له نفسها وهى فوق بعير فقالت: البعير وما عليه لله ولرسوله، فبنى بها على عشرة أميال من مكة: وقيل أم شريك بنت جابر بن حكيم الدوسية، عليه الجمهور، ولم يقبلها فلم تتزوج حتى ماتت رضى الله عنها، وقال منير بن عبد الله الدوسى: قبلها، وقيل زينب بنت خزيمة الأنصارية أم المساكين، كانت تطعمهم فى الجاهلية وبعدها، وبقيت عنده صلى الله عليه وسلم ثلاث سنين، وماتت. وعن عائشة: خولة بنت حكيم،ولم يقبلها وتزوجها عثمان بن مظعون، وقيل ليلى بنت الحطيم، ولا مانع من أن يكن كلهن وهبن أنفسهن ففى البخارى ومسلم، عن عروة بن الزبير: كانت خولة بنت حكيم من اللاتى وهبن أنفسهن للنبى صلى الله عليه وسلم، ودل هذا على تعدد الواهبة، والجمهور على وقوع الهبة، وقبول بعض، وزعم بعض أنه لم تقع، وبعض أنه لم يقع القبول. {خالصةً لك من دُون المُؤمنينَ} حال من امرأة، أو نعت أو حال من ضمير وهبت، أو نعت لمصدر محذوف، أى هبة خالصة، أو هو مصدر بوزن اسم الفاعل، فهو مفعول مطلق، أى خلصت لك خلوصا لا يجوز لغيرك النكاح بلا مهر، ولا بلفظ الهبة، وأجازه بعض بلفظ الهبة إذا قصد معنى التزويج وفهم وذكر أن الأصل عدم الخصوصية، وانتفاء الصداق عنه صلى الله عليه وسلم من لفظ الهبة {قَد عَلمنا ما فرضْنا عَليْهم في أزواجِهِم وما مَلكت أيمانُهم} إنه الحكمة فيرضيه المؤمن من الاقتصار على أربع، ووجوب العدل بينهن، ولا تجب العدالة عليك، ولك ولهم ما تزوج أدعاءهم، وما تسروه إذا فارقوهن، ووجوب المهر، وعدم جواز الهبة لهم. {لَكيْلا يكُونَ عليْك حرجٌ} فعلنا ذلك وأنزلناه، لكيلا يكون عليك ضيق بقول الناس إنه فعل ما لا يجوز من كثرة الأزواج والتزوج بالهبة، وبلا صداق، أو لكيلا يكون عليك ضيق فى دينك، وفى ذلك رد على النصارى واليهود القائلين: لو كان نبياً لم يفعل ما لا يجوز لأمته، ولو كان نبياً لم يكن له غرض فى كثرة الزوجات، واتباع ما يشتهى، ووجه الرد أن الله عز وجل أباح له ذلك، كما أباح لداود وسليمان كثرة الأزواج، وقد أقام له دلائل النبوة والرسالة، فلا يقدح فيه عاقل بشىء بعد ذلك. {وكان الله غفُوراً} عظيم المغفرة أو كثيرها أو عظيمها وكثيرها، على القول بجواز استعمال الكلمة فى معنيين، وهما هنا للكم والكيف، ولك جمعهما بكامل الغفران، والله سبحانه يغفر الذنوب {رحيماً} يبيح ما يعسر التحرز عنه.

الالوسي

تفسير : { يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوٰجَكَ ٱللاَّتِى ءاتَيْتَ أُجُورَهُنَّ } أي مهورهن كما قال مجاهد، وغيره وأطلق الأجر على المهر لأنه أجر على الاستمتاع بالبضع وغيره مما يجوز به الاستمتاع وتقييد الإحلال له بإعطائها معجلة كما يفهم من معنى {ءاتَيْتَ } ظاهراً ليس لتوقف الحل عليه بل لإيثار الأفضل له صلى الله عليه وسلم فإن في التعجيل براءة الذمة وطيب النفس ولذا كان سنة السلف لا يعرف منهم غيره. وقال الإمام: من الناس من قال بأن النبـي عليه الصلاة والسلام كان يجب عليه إعطاء المهر أولاً وذلك لأن المرأة لها الامتناع من تسليم نفسها إلى أن تأخذ المهر والنبـي صلى الله عليه وسلم ما كان يستوفي ما لا يجب له والوطء قبل إيتاء الصداق غير مستحق وإن كان حلالاً [لنا] وكيف والنبـي عليه الصلاة والسلام إذا طلب شيئاً حرم الامتناع فلو طلب التمكين قبل إيتاء المهر لزم أن يجب وأن لا يجب وهو محال ولا كذلك أحدنا اهـ، وفيه بحث لا يخفى، وحمل الإيتاء على الإعطاء وما في حكمه كالتسمية في العقد، وجعل التقييد لإيثار الأفضل أيضاً فإن التسمية أولى من تركها وإن جاز العقد بدونها ولزم مهر المثل خلاف الظاهر. واستدل أبو الحسن الكرخي من أصحابنا بقوله تعالى: {إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوٰجَكَ ٱللاَّتِى ءاتَيْتَ أُجُورَهُنَّ} على أن النكاح ينعقد بلفظ الإجارة كما ينعقد بلفظ التزويج ويكون لفظ الإجارة مجازاً عنه لأن الثابت بكل منهما ملك منفعة فوجد المشترك، ورد بأنه لا يلزم من تسمية المهر أجراً صحة النكاح بلفظ الإجارة وما ذكر من التجوز ليس بشيء لأن الإجارة ليست سبباً لملك المنفعة حتى يتجوز بها عنه قاله في «الهداية»، وقال بعضهم: إن الإجارة لا تنعقد إلا مؤقتة والنكاح يشترط فيه نفيه فيتضادان فلا يستعار أحدهما للآخر. وتعقب بأنه إن كان المتضادان هما العرضين اللذين لا يجتمعان في محل واحد لزمكم مثله في البيع من كونه لا يجامع النكاح مع جواز العقد به عند الأصحاب، على أن التحقيق أن التوقيت ليس مفهوم لفظ الإجارة ولا جزءاً منه بل شرط لاعتباره فيكون خارجاً عنه فهو مجرد تمليك المنافع بعوض غير أنه إذا وقع مجرداً لا يعتبر شرعاً على مثال الصلاة فإنها الأقوال والأفعال المعروفة ولو وجدت من غير طهارة لا تعتبر، ولا يقال: إن الطهارة جزء مفهوم الصلاة. هذا ومثل تقييد إحلال الأزواج بما ذكر على ما قيل تقييد إحلال المملوكة بكونها ممن باشر سبيها وشاهده في قوله تعالى: {وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاء ٱللَّهُ عَلَيْكَ } فإن المشتراة لا يتحقق بدء أمرها وما جرى عليها جواز كون السبـي ليس في محله، ولذا نكح بعض المتورعين الجواري بعقد بعد الشراء مع القول بعدم صحة العقد على الإماء. واستشكل ذلك بمارية بنت شمعون القبطية رضي الله تعالى عنها فإنها لم تكن مسبية بل أهداها له صلى الله عليه وسلم أمير القبط جريج بن مينا صاحب الاسكندرية ومصر. وأجيب بأن هذا غير وارد لأن هدايا أهل الحرب للإمام لها حكم الفيء، وقد يقال: إنه يستشكل بسرية له صلى الله عليه وسلم أخرى وهي جارية وهبتها له عليه الصلاة والسلام زينب بنت جحش رضي الله تعالى عنها وكان هجرها عليه الصلاة والسلام في شأن صفية بنت حيـي ذا الحجة والمحرم وصفر فلما كان شهر ربيع الأول الذي قبض فيه رضي الله تعالى عنها ودخل عليها فقالت ما أدري ما أجزيك فوهبتها له وقد عدوها من سراريه صلى الله عليه وسلم / والجواب المذكور لا يتسنى فيها، ولعل الجواب عن ذلك أنه عليه الصلاة والسلام تسراها بياناً للجواز ولا يبعد أنه كان متحققاً بدء أمرها وما جرى عليها بحيث كأنه باشر سبيها وشاهده، ويحتمل أنها كانت مما أفاء الله تعالى عليه عليه الصلاة والسلام فملكتها زينب بعض أسباب الملك ثم وهبتها له صلى الله عليه وسلم. ومع ذلك قد أطلق عليه الصلاة والسلام حل المملوكة بعد ولم يقيد بحسب الظاهر بكونها مما أفاء الله عليه في قوله تعالى: {أية : لاَّ يَحِلُّ لَكَ ٱلنّسَاء مِن بَعْدُ وَلاَ أَن تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلاَّ مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ }تفسير : [الأحزاب: 52]. ثم إن هبة هذه الجارية كانت شهر وفاته صلى الله عليه وسلم والآية نزلت قبل لأنها نزلت أما سنة الأحزاب وهي السنة الخامسة من الهجرة وإما بُعَيْد الفتح وهو السنة الثامنة منها وعلى هذا يكون ما وقع من أمر مارية متقدماً على نزول الآية لأنها أهديت له صلى الله عليه وسلم السنة السابعة من الهجرة فإنه عليه الصلاة والسلام فيها أرسل رسله إلى الملوك ومنهم حاطب بن أبـي بلتعة اللخمي أرسله إلى المقوقس أمير القبط المتقدم ذكره فقدم منه بمارية وبأختها شيرين وبأخ أو بابن عم لها خصي يقال له مابور وببغلة تسمى دلدلا وبحمار يسمى يعفورا أو عفيرا وبألف مثقال ذهباً وبغير ذلك فتدبر. ومثل ما ذكر على ما قيل تقييد القرائب بكونها مهاجرات معه صلى الله عليه وسلم في قوله سبحانه: {وَبَنَاتِ عَمّكَ وَبَنَاتِ عَمَّـٰتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَـٰلٰـتِكَ ٱللاَّتِى هَـٰجَرْنَ مَعَكَ } فهن أفضل من غيرهن، والمعية للتشريك في الهجرة لا للمقارنة في الزمان كـ: {أية : وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ} تفسير : [النمل: 44]، قال أبو حيان: يقال دخل فلان معي وخرج معي أي كان عمله كعملي وإن لم يقترنا في الزمان، ولو قلت: خرجنا معاً اقتضى المعنيين الاشتراك في الفعل والاقتران في الزمان وهو كلام حسن، وحكى الماوردي قولاً بأن الهجرة شرط في إحلال الأزواج على الإطلاق وهو ضعيف جداً. وقولاً آخر بأنها شرط في إحلال قراباته عليه الصلاة والسلام المذكورات واستدل له بما أخرجه بن سعد وعبد بن حميد والترمذي وحسنه وابن جرير وابن أبـي حاتم والطبراني والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي عن أم هانىء فاخته بنت أبـي طالب قالت: «خطبني رسول الله صلى الله عليه وسلم فاعتذرت إليه فعذرني فأنزل الله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوٰجَكَ } إلى قوله سبحانه: {هَـٰجَرْنَ مَعَكَ } قالت فلم أكن أحل له لأني لم أهاجر معه كنت من الطلقاء». وأجيب بأن عدم الحل لفقد الهجرة إنما فهم من قول أم هانىء فلعلها إنما قالت ذلك حسب فهمها إياه من الآية وهو لا ينتهض حجة علينا إلاإذا جاءت به رواية عن النبـي صلى الله عليه وسلم، لا يقال: إنه أخرج ابن سعد عن أبـي صالح مولى أم هانىء قال: «خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم أم هانىء بنت أبـي طالب فقالت: يا رسول الله إني مؤتمة وبني صغار فلما أدرك بنوها عرضت نفسها عليه عليه الصلاة والسلام فقال: أما الآن فلا إن الله تعالى أنزل عليَّ {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوٰجَكَ} ـ إلى ـ {ٱللاَّتِى هَـٰجَرْنَ مَعَكَ} ولم تكن من المهاجرات وهو يدل على أنه نفسه صلى الله عليه وسلم فهم الحرمة وإلا لتزوجها لأنا نقول بعد تسليم صحة الخبر: لا نسلم أنه صلى الله عليه وسلم فهم الحرمة وعدم التزوج يجوز أن يكون لكونه خلاف الأفضل، ويدل خبر أم هانىء على أن هذه الآية نزلت بعد الفتح فلا تغفل. وادعى بعضهم أن تحريم نكاح غير المهاجرة عليه صلى الله عليه وسلم كان أولاً ثم نسخ، وعن قتادة أن معنى {هَـٰجَرْنَ مَعَكَ } أسلمن معك، قيل: وعلى هذا لا يحرم عليه عليه الصلاة والسلام إلا الكافرات وهو في غاية البعد كما لا يخفى. والظاهر أن المراد بأزواجك اللاتي آتيت مهورهن / نساؤه صلى الله عليه وسلم اللاتي كن في عصمته وقد آتاهن مهورهن كعائشة وحفصة وسودة وبما ملكت يمينك مما أفاء الله عليك نحو ريحانة بناء على ما قاله محمد ابن إسحاق أنه صلى الله عليه وسلم لما فتح قريظة اصطفاها لنفسه فكانت عنده حتى توفيت عنده وهي في ملكه ووافقه في ذلك غيره أخرج الواقدي بسنده إلى أيوب بن بشير قال إنه عليه الصلاة والسلام أرسل بها إلى بيت سلمى بنت قيس أم المنذر فكانت عندها حتى حاضت حيضة ثم طهرت من حيضها فجاءت أم المنذر فأخبرته صلى الله عليه وسلم فجاءها في منزل أم المنذر فقال لها: إن أحببت أن أعتقك وأتزوجك فعلت وإن أحببت أن تكوني في ملكي أطأك بالملك فعلت فقالت: يا رسول الله أحب أن أخف عليك وأن أكون في ملكك فكانت في ملك رسول الله صلى الله عليه وسلم يطؤها حتى ماتت. وذهب بعضهم إلى أنه عليه الصلاة والسلام أعتقها وتزوجها، وأخرج ذلك الواقدي أيضاً عن ابن أبـي ذئب عن الزهري ثم قال: وهذا الحديث أثبت عندنا: وروي عنها أنها قالت: لما سبيت بنو قريظة عرض السبـي على رسول الله صلى الله عليه وسلم فكنت فيمن عرض عليه فأمر بـي فعزلت وكان له صفي كل غنيمة فلما عزلت خار الله تعالى لي فأرسل بـي إلى منزل أم المنذر بنت قيس أياماً حتى قتل الأسرى وفرق السبـي فدخل عليَّ صلى الله عليه وسلم فتجنبت منه حياء فدعاني فأجلسني بين يديه فقال: إن اخترت الله ورسوله اختارك رسول الله صلى الله عليه وسلم لنفسه فقلت: إني أختار الله تعالى ورسوله فلما أسلمت أعتقني رسول الله صلى الله عليه وسلم وتزوجني وأصدقني اثنتي عشرة أوقية ذهباً كما كان يصدق نساءه وأعرس بـي في بيت أم النذر وكان يقسم لي كما يقسم لنسائه وضرب عليَّ الحجاب، ولم يذكر ابن الأثير غير القول بإعتاقها وتزوجها. ومنهم من ذهب إلى أنها أسلمت فأعتقها عليه الصلاة والسلام فلحقت بأهلها وكانت تحتجب عندهم وتقول: لا يراني أحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وحكى لحوقها بأهلها عن الزهري. وادعى بعضهم بقاءها حية بعده عليه الصلاة والسلام وأنها توفيت سنة ست عشرة أيام خلافة عمر رضي الله تعالى عنه. وذكر ابن كمال في تفسيره لبيان الموصول صفية وجويرية والمذكور في أكثر المعتبرات في أمرهما أن صفية لما جمع سبـي خيبر أخذها دحية وقد قال له صلى الله عليه وسلم: اذهب فخذ جارية ثم أخبر عليه الصلاة والسلام أنها لا تصلح إلا له لكونها بنت سيد قومه فقال لدحية: خذ غيرها وأخذها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأعتقها وتزوجها وكان صداقها نفسها، وأن جويرية في غزوة بني المصطلق وقعت في سهم ثابت بن قيس بن شماس الأنصاري فكاتبته على نفسها ثم جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله أنا جويرية بنت الحرث وكان من أمري ما لا يخفى عليك ووقعت في سهم ثابت بن قيس وإني كاتبت نفسي فجئت أسألك في كتابتي فقال عليه الصلاة والسلام فهل لك إلى ما هو خير؟ قالت وما هو يا رسول الله؟ قال: أؤدي عنك كتابتك وأتزوجك قالت: قد فعلت، وقال ابن هشام ويقال اشتراها صلى الله عليه وسلم من ثابت وأعتقها وتزوجها وأصدقها أربعمائة درهم. ولا يخفى عليك أنه إذا كان المراد إحلال ما ملكت يمينه صلى الله عليه وسلم حين الملك من حيث إنه ملك له وإن لم يحصل وطء بالفعل يدخل جميع ما ملكه عليه الصلاة والسلام من الجواري حين الملك ولا يضر الإعتاق والتزوج بعد ذلك وحل الوطء بسبب النكاح لا الملك وإن كان المراد إحلال ذلك مع وقوع الوطء بالفعل ووصف الملك قائم لا يصح بيان الموصول إلا بمملوكة وطئها عليه الصلاة والسلام وهي ملكه كريحانة في قول وجارية أصابها في بعض السبـي وعدوها من سراريه صلى الله عليه وسلم ولم يذكر المعظم اسمها وعد الجلبـي من سراريه عليه الصلاة والسلام جارية سماها زليخة القرظية فلعلها هي / التي لم تسم وكمارية القبطية والجارية التي وهبتها له عليه الصلاة والسلام زينب، وقد سمعت الكلام فيهما آنفاً. والمراد ببنات عمه وبنات عماته بنات القرشيين وبنات القرشيات فإنه يقال للقرشيين قربوا أو بعدوا أعمامه صلى الله عليه وسلم وللقرشيات قربن أو بعدن عماته عليه الصلاة والسلام، والمراد ببنات خاله وبنات خالاته بنات بني زهرة ذكورهم وإناثهم وإلى هذا ذهب الطبرسي في «مجمع البيان» ولم يذكر غيره، وإطلاق الأعمام والعمات على أقارب الشخص من جهة أبيه ذكوراً وإناثاً قربوا أو بعدوا والأخوال والخالات على أقاربه من جهة أمه كذلك شائع في العرف كثير في الاستعمال. واللاتي نكحهن ودخل بهن صلى الله عليه وسلم من القرشيات ست وكان نكاحه بعضهن قبل نزول الآية بيقين ونكاحه بعضهن الآخر محتمل للقبلية والبعدية كما لا يخفى على من راجع كتب السير وسمع ما قيل في وقت نزول الآية، ولم نقف على أنه عليه الصلاة والسلام نكح أحداً من الزهريات أصلاً فالمراد بإحلال نكاح أولئك مجرد جوازه وهو لا يستدعي الوقوع، وإذا حمل العم على أخي الأب والعمة على أخته والخال على أخي الأم والخالة على أختها اقتضى ظاهر الآية أن يكون له صلى الله عليه وسلم عم وعمة وخال وخالة كذلك وأن يكون لهم بنات وذلك مشهور في شأن العم والعمة وبناتهما فقد ذكر معظم أهل السير عدة أعمام له صلى الله عليه وسلم وعدة بنات لهم كالعباس ومن بناته أم حبيبة تزوجها أسود المخزومي وكان قد خطبها رسول الله صلى الله عليه وسلم على ما قيل فوجد أباها أخاه من الرضاعة كان قد أرضعتهما ثويبة مولاة أبـي لهب، وكأبـي طالب ومن بناته أم هانىء وقد سمعت ما قيل في شأنها وجمانة كانت إحدى المبايعات له صلى الله عليه وسلم وكانت تحت أبـي سفيان بن الحرث عمها، وكأبـي لهب ومن بناته خالدة تزوجها عثمان بن أبـي العاص الثقفي وولدت له، ودرة أسلمت وهاجرت وكانت تحت الحرث بن نوفل ثم تحت دحية الكلبـي، وعزة تزوجها أوفى بن أمية، وكالزبير ومن بناته ضباعة زوجة المقداد بن الأسود وأم الحكم ويقال أنها أخته عليه الصلاة والسلام من الرضاعة وكان يزورها بالمدينة وكحمزة ومن بناته أمامة لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم من عمرة القضاء أتى بها من مكة وزوجها سلمة بن أم سلمة ومقتضى قول القسطلاني أن حمزة أخوه صلى الله عليه وسلم من الرضاعة أرضعتهما ثويبة بلبن ابنها مسروح أنها لا تحل له عليه الصلاة والسلام بل ذكر هو أيضاً أنها عرضت عليه فقال هي ابنة أخي من الرضاعة وكالحرث ومن بناته أروى زوجة أبـي وداعة وكالمقوم ومن بناته من اسمها أروى أيضاً زوجة ابن عمها أبـي سفيان بن الحرث وذكروا أيضاً له صلى الله عليه وسلم عدة عمات وعدة بنات لهن، منهن أميمة ومن بناتها زينب أم المؤمنين وهي التي نزل فيها قوله تعالى: {أية : فَلَمَّا قَضَىٰ زَيْدٌ مّنْهَا وَطَراً زَوَّجْنَـٰكَهَا } تفسير : [الأحزاب: 37] وأم حبيبة وكانت زوجة عبد الرحمن بن عوف، وحمنة وكانت عند مصعب بن عمير ثم عند طلحة أحد العشرة، ومنهن البيضاء ومن بناتها أروى أم عثمان رضي الله تعالى عنه، وأم طلحة بنتا كريز بن ربيعة؛ ومنهن عاتكة ومن بناتها قريبة بنت زاد الراكب أبـي أمية بن المغيرة، ومنهن صفية ومن بناتها صفية بنت الحرث بن حارثة وأم حبيبة بنت العوام بن خويلد. وأما الخال والخالة فلم يشتهر ذكرهما، نعم ذكر في «الإصابة» «حديث : فريعة بنت وهب الزهرية رفعها النبـي صلى الله عليه وسلم وقال: من أراد أن ينظر إلى خالة رسول الله صلى الله عليه وسلم فلينظر إلى هذه»تفسير : ، وفيها أيضاً فاختة بنت عمرو والزهرية خالة النبـي صلى الله عليه وسلم. أخرج الطبراني من طريق عبد الرحمن بن عثمان الوقاصي عن ابن المنكدر عن جابر سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم / يقول: وهبت خالتي فاختة بنت عمرو وغلاماً وأمرتها أن لا تجعله جازراً ولا صائغاً ولا حجاماً، والوقاصي ضعيف. وقال: في صفية بنت عبد المطلب هي شقيقة حمزة أمهما هالة خالة رسول الله صلى الله عليه وسلم أي هالة بنت وهب كما في «المواهب» ولم نقف لهذه الخالة على بنت غير صفية عمته عليه الصلاة والسلام، وكذا لم نقف على بنات لمن ذكرنا قبلها، ووقفنا على خال واحد له عليه الصلاة والسلام وهو عبد يغوث بن وهب ولم نقف على بنت له وإنما وقفنا على ابنين أحدهما الأرقم وله ابن يسمى عبد الله وهو صحابـي كتب لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولصاحبيه وكان على بيت المال في خلافة عمر رضي الله تعالى عنه وكان أثيراً عنده حتى أن حفصة روت عنه أنه قال لها: لولا أن ينكر عليَّ قومك لاستخلفت عبد الله بن الأرقم، وقيل: هو ابن عبد يغوث والأرقم هو عبد يغوث، والبخاري على ما قلنا وقد أسلم يوم الفتح، وقال بعضهم فيه: خال رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن الناس من ذكر لعبد الله هذا أخاً سماه عبد الرحمن بن الأرقم وأثبت له الصحبة وفي ذلك مقال، وثانيهما: الأسود وأطلق عليه النبـي عليه الصلاة والسلام اسم الخال، فقد روي أنه كان أحد المستهزئين به صلى الله عليه وسلم فقصد جبريل عليه السلام إهلاكه فقال صلى الله عليه وسلم: يا جبريل خالي فقال: دعه عنك، وله ابن هو عبد الرحمن وبنت هي خالدة وكانت من المهاجرات الصالحات وقد أطلق عليها أيضاً الخالة. أخرج المستغفري من طريق أبـي عمير الجرمي عن معمر عن الزهري عن عبيد الله مرسلاً قال: حديث : دخل النبـي صلى الله عليه وسلم منزله فرأى عند عائشة امرأة فقال: من هذه يا عائشة قالت: هذه إحدى خالاتك فقال: إن خالاتي بهذه البلدة لغرائب فقالت: هذه خالدة بنت الأسود بن عبد يغوث فقال: سبحان الذي يخرج الحي من الميت قرأها مثقلةتفسير : . وأخرج موسى بن إبراهيم عن أبيه عن أبـي سلمة عن عائشة موصولاً نحوه، وفي هذا الخبر وما قبله إطلاق الخال والخالة على قرابة الأم وإن لم يكن الخال أخاها والخالة أختها، وبذلك يتأيد ما ذكرناه سابقاً فاحفظ ذاك والله تعالى يتول هداك، وإياك أن تظن الأمر فرضياً أو أن الخطاب وإن كان خاصاً في الظاهر عام في الحقيقة فيكفي وجود بنات خال وبنات خالات لغيره عليه الصلاة والسلام كما يظن ذلك من يشهد العم بجهله ويصدق الخال بقلة عقله. هذا وقد كثر السؤال عن حكمة أفراد العم والخال وجمع العمة والخالة حتى إن السبكي على ما قيل صنف جزأ فيه سماه «[بذل] الهمة في إفراد العم وجمع العمة». قال الخفاجي: وقد رأيت لهم فيه كلمات ضعيفة كقول الرازي إن العم والخال على زنة المصدر ولذا لم يجمعا بخلاف العمة والخالة، وقيل لم يجمعا ليعما إذا أضيفا، والعمة والخالة لا يعمان لتاء الوحدة وهي إن لم تمنع العموم حقيقة تأباه ظاهراً، ولا يأبى ذلك قوله تعالى: في سورة النور [61]: {أية : بُيُوتِ أَعْمَـٰمِكُمْ أَو بُيُوتِ عَمَّـٰتِكُمْ } تفسير : [النور: 61] لأنه على الأصل، ثم قال: وأحسن منه ما قيل إن أعمامه صلى الله عليه وسلم العباس وحمزة رضي الله تعالى عنهما أخواه من الرضاع لا تحل له بناتهما، وأبو طالب ابنته أم هانىء لم تكن مهاجرة اهـ، وما ادعى ضعفه فهو كما قال وما زعم أنه أحسن منه إن كان كما نقلناه بهذا المقدار خالياً عن إسقاط شيء حسبما وجدناه في نسختنا فهو مما لا حسن فيه فضلاً عن كونه أحسن، وإن كان له تتمة فالنظر فيه بعد الاطلاع عليها إليك وأظنه على العلات ليس بشيء. / وقال بعض الأجلة المعاصرين من العلماء المحققين لا زال سعيد زمانه سابقاً بالفضل على أقرانه: يحتمل أن يكون إفراد العم لأنه بمنزلة الأب بل قد يطلق عليه الأب ومنه في قول: {أية : وَإِذْ قَالَ إِبْرٰهِيمُ لأَِبِيهِ ءازَرَ }تفسير : [الأنعام: 74] والأب لا يكون إلا واحداً فكان الإفراد أنسب بمن ينزل منزلته ويكون جمع العمة على الأصل وإفراد الخال ليكون على وفق العلم وجمع الخالة وإن كانت بمنزلة الأم لتكون على وفق العمات، ويحتمل أن يكون إفراد المذكر وجمع المؤنث لقلة الذكور وكثرة الإناث، وقد ورد في الآثار ما يدل على أن النساء أكثر من الرجال. وقال آخر من أولئك الأجلة لا زالت مدارس العلم تزهو به وتشكر فضله: إن ذلك لما فيه من الحسن اللفظي فإن بين العم والعمات والخال والخالات نوعاً من الجناس ولأن أعمامه عليه الصلاة والسلام كانوا على ما ذكره صاحب «ذخائر العقبـى» اثني عشر عماً وعماته كن ستاً فلو قيل أعمامك لتوهم أنهم أقل من اثني عشر لأنه جمع قلة وغاية ما يصدق هو عليه تسعة أو عشرة على قول ولو قيل: عمتك لم تتحقق الإشارة إلى قلتهن فلذا أفرد العم وجمعت العمة وقيل: خالك وخالاتك ليوافق ما قيل: وأنا أقول: الذي يغلب على ظني في ذلك ما حكاه أبو حيان عن القاضي أبـي بكر بن العربـي من أن ما ذكر عرف لغوي على معنى أنه جرى عرف اللغويين في مثل ذلك على إفراد العم والخال وجمع العمة والخالة، ونحن قد تتبعنا كثيراً من أشعار العرب فلم نر العم مضافاً إليه ابن أو بنت بالإفراد أو الجمع إلا مفرداً نحو قوله:شعر : جاء شقيق عارضاً رمحه إن بني عمك فيهم رماحتفسير : وقوله:شعر : فتى ليس لابن العم كالذئب إن رأى بصاحبه يوماً دماً فهو آكله تفسير : وقوله:شعر : قالت بنات العم يا سلمى وإن كان فقيراً معدماً قالت وإنتفسير : وقوله:شعر : يا بنت عما لا تلومي واهجعي فليس يخلو عنك يوماً مضجعي تفسير : إلى ما لا يحصى كثرة، وأما اطراد إفراد الخال وجمع العمة والخالة إذا أضيف إليها ما ذكر فلست على ثقة من أمره، فإذا كان الأمر في المذكورات كالأمر في العم فليس فوق هذا الجواب جواب، والظن بالقاضي أنه لم يحكم بما حكم إلا عن بينة مع أني لا أطلق القول بعدم قبول حكم القاضي بعلمه ولا أفتى به، نعم لهذا القاضي حكم مشهور في أمر الحسين رضي الله تعالى عنه ولعن من رضي بقتله لا يرتضيه إلا يزيد زاد الله عز وجل عليه عذابه الشديد، وعلى تقدير كون الأمر في العم ومن معه كما قال يحتمل أن يكون الداعي لإفراد العم والخال الرجوع إلى أصل واحد مع ما بين الذكور من جهة العمومة والخؤلة في حق الشخص المدلى بهما من التناصر والتساعد فلذلك ترى الشخص يهرع لدفع بليته إلى ذكور عمومته وخؤلته، وذلك التعاضد يجعل المتعدد في حكم الواحد، ويقوى هذا الاعتبار هنالك إضافة الفرع كالبنين والبنات إلى ذلك، ولعل في الإفراد مع جمع المضاف المذكور إشارة إلى أن البنين والبنات وإن كانوا بنين وبنات لمتعددين في نفس الأمر إلا أنهم في حكم البنين والبنات لواحد وأن كل واحد من الأعمام والأخوال لمزيد شفقته على أبناء وبنات كل كأنه أب لأبناء وبنات كل، وهذا الذي ذكرناه لا يوجد في العمات والخالات. ولا يرد عليه جمع العم والخال في آية النور كما لا يخفى على من له أدنى نور يهتدى به إذا أشكلت الأمور. ويمكن أن يقال في الحكمة هٰهنا خاصة: أنه لما كان المفرد / أصلاً والمجموع فرعه والمذكر أصلاً والمؤنث فرعه أتى بالعم والخال المذكرين مفردين وبالعمة والخالة المؤنثين مجموعين فاجتمع في الأولين أصلان وفي الأخيرين فرعان بحكم شبيه الشيء منجذب إليه وإن الطيور على أشباهها تقع، وما ألطف هذا الاجتماع في منصة مقام النكاح لما فيه من الإشارة إلى الكفاءة وأن المناسب ضم الجنس إلى جنسه كما يقتضيه بعض الآيات وهو لعمري ألطف من جمع المذكر وإفراد المؤنث ليجتمع في كل أصل وفرع فيوافق ما في النكاح من اجتماع ذكر هو أصل وأنثى هي فرع لخلوه عن الإشارة إلى ذلك الضم المناسب المستحسن عند كل ذي رأي صائب على أن في جمع أصلين في العم موافقة لما في النكاح من جمع الزوجين الذين هما أصلان لما يتولد منهما وإذا اعتبر جمعهما في الخال الذي قرابته من جهة الأم التي لا تعتبر في النسب وافق الجملة ما في النكاح من اجتماع أصل وفرع فلا يفوت ذلك بالكلية على ما في النظم الجليل. وأيضاً في الانتقال من الإفراد إلى الجمع في جانبـي العمومة والخؤولة إشارة إلى ما في النكاح من انتقال كل من الزوج والزوجة من حال الإنفراد إلى حال الاجتماع فلله تعالى در التنزيل، هذا ما عندي وهو زهرة ربيع لا تتحمل الفرك ومع هذا قسه إلى ما سمعت عن ساداتنا المعاصرين واختر لنفسك ما يحلو والله تعالى أعلم بأسرار كتابه. {وَٱمْرَأَةً مُّؤْمِنَةً } بالنصب عطفاً على مفعول {أحللنا} عند جمع وليس معنى {أَحْلَلْنَا } إنشاء الإحلال الناجز ولا الإخبار عن إحلال ماض بل إعلام بمطلق الإحلال المنتظم لما سبق ولحق فلا يعكر على ذلك الشرط وهذا كما تقول أبحت لك أن تكلم فلاناً إن سلم عليك، ولما فيه من البحث قال بعضهم: إنه نصب بفعل يفسره ما قبل أي ويحل لك امرأة أو وأحللنا لك امرأة وهو مستقبل لمكان الشرط. وقرأ أبو حيوة بالرفع على أنه مبتدأ والخبر محذوف أي وامرأة مؤمنة أحللناها لك أيضاً. {إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِىّ } أي ملكته المتعة بها بأي عبارة كانت بلا مهر. وقرأ أبـي والحسن والشعبـي وعيسى وسلام {أَن وَهَبَتْ } بفتح الهمزة أي لأن وهبت وقيل: أي وقت أن وهبت أو مدة أن وهبت فتكون أن وما بعدها في تأويل مصدر منصوب على الظرفية؛ وأكثر النحاة لا يجيزونه في غير المصدر الصريح كآتيك خفوق النجم وغير ما المصدرية، وجوز أن يكون المصدر بدلاً من {امرأة} وقرأ زيد بن علي رضي الله تعالى عنهما {إِذْ وَهَبَتْ} وإذ ظرف لما مضى وقيل: هي مثلها في قوله تعالى: {أية : وَلَن يَنفَعَكُمُ ٱلْيَوْمَ إِذ ظَّلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِى ٱلْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ }تفسير : [الزخرف: 39]. {إِنْ أَرَادَ ٱلنَّبِىُّ أَن يَسْتَنكِحَهَا } أي يتملك المتعة بها بأي عبارة كانت بلا مهر وهذا شرط للشرط الأول في استيجاب الحل فهبتها نفسها منه صلى الله عليه وسلم لا يوجب له حلها إلا بإرادته نكاحها وهذه الإرادة جارية مجرى قبول الهبة، وقال ابن كمال: الإرادة المذكورة عبارة عن القبول ولا وجه لحملها على الحقيقة لأن قوله تعالى: {يَسْتَنكِحَهَا } يغني عن الإرادة بمعناه الوضعي وهو يشير إلى أن السين للطلب، وكلام بعض الأجلة على هذا حيث قال: إرادة طلب النكاح كناية عن القبول. وقيل: استفعل هنا بمعنى فعل فالاستنكاح بمعنى النكاح لئلا يتوهم التكرار وفيه نظر. واستظهر صاحب هذا القيل حمل الإرادة على الإرادة المتقدمة على الهبة بناءً على أن التركيب يقتضي تقدم هذا الشرط فقد قالوا: إذا اجتمع شرطان فالثاني شرط في الأول متأخر في اللفظ متقدم في الوقوع وهو بمنزلة الحال، ومن هنا قال / الفقهاء: لو قال: إن ركبت إن أكلت فأنت طالق لا تطلق ما لم يتقدم الأكل على الركوب ليتحقق تقييد الحالية. واستشكل السمين هذه القاعدة بما هنا بناءً على أنهم جعلوا ذلك الشرط بمنزلة القبول لاقتضاء الواقع ذلك، ثم ذكر أنه عرضه على علماء عصره فلم يجدوا مخلصاً منه إلا بأن هذه القاعدة ليست بكلية بل مخصوصة بما لم تقم قرينة على تأخر الثاني كما في نحو إن تزوجتك إن طلقتك فعبدي حرفان الطلاق لا يتقدم التزوج وما نحن فيه من هذا القبيل ثم قال: فمن جعل الشرط الثاني هنا مقدماً لم يصب ورأيت في الفن السابع من «الأشباه والنظائر» النحوية للجلال السيوطي عليه الرحمة كلاماً لابن هشام ذكر فيه أن جعل الآية كالمثال ونظمهما في سلك مسألة اعتراض الشرط على الشرط هو ما ذهب إليه جماعة منهم ابن مالك، وذهب هو إلى أن المثال من مسألة الاعتراض المذكور دون الآية واحتج عليه بما احتج، ثم ذكر الخلاف في صحة تركيب ما وقع فيه الاعتراض كالمثال وأن الجمهور على جوازه وهو الصحيح وأن المجيزين اختلفوا في تحقيق ما يقع به مضمون الجواب الواقع بعد الشرطين على ثلاثة مذاهب، أحدها: أنه إنما يقع بمجموع أمرين، أحدهما: حصول كل من الشرطين، والآخر: كون الشرط الثاني واقعاً قبل وقوع الأول ففي المثال لا يقع الطلاق إلا بوقوع الركوب والأكل من تقدم وقوع الأكل على الركوب، وذكر أن هذا مذهب الجمهور وثانيها: أنه يقع بحصول الشرطين مطلقاً وذكر أنه حكاه له بعض العلماء عن إمام الحرمين وأنه رآه محكياً عن غيره بعد. وثالثها: أنه يقع بوقوع الشرطين على الترتيب فإنما تطلق في المثال إذا ركبت أولاً ثم أكلت وأبطل كلاً من المذهبين الأخيرين وذكر في توجيه التركيب على المذهب الأول مذهبين. الأول: مذهب الجمهور أن الجواب المذكور للشرط الأول وجواب الثاني محذوف لدلالة الأول وجوابه عليه ولإغناء ذلك عنه وقيامه مقامه لزم في وقوع المعلق على ذلك أن يكون الثاني واقعاً قبل الأول ضرورة أن الجواب لا بد من تأخره عن الشرط فكذا الأمر في القائم مقام الشرط، والثاني: مذهب ابن مالك أن الجواب المذكور للأول والثاني لا جواب له لا مذكور ولا مقدر لأنه مقيد للأول تقييده بحال واقعة موقعه فالمعنى في المثال إن ركبت آكلة فأنت طالق، وفيه أنه خارج عن القياس وأنه لا يطرد في إن قمت إن قعدت فأنت طالق وأن الشرط بعيد عن مذهب الحال لمكان الاستقبال. وبالجملة قد أطال الكلام في هذه المسألة وهي مسألة شهيرة ذكرها الأصوليون وغيرهم وفيما ذكرنا فيها اكتفاء بأقل اللازم هٰهنا فتأمل. وأكثر العلماء على وقوع الهبة واختلفوا في تعيين الواهبة فعن ابن عباس وقتادة وعكرمة: هي ميمونة بنت الحرث الهلالية؛ وفي المواهب يقال: إن ميمونة وهبت نفسها للنبـي صلى الله عليه وسلم وذلك أن خطبته عليه الصلاة والسلام انتهت إليها وهي على بعيرها فقالت: البعير وما عليه لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم وكان ذلك سنة سبع بعد غزوة خيبر وبنى عليها عليه الصلاة والسلام بسرف على عشرة أميال من مكة، وعليه تكون إرادة النكاح سابقة على الهبة فيضعف به قول السمين. وعن علي بن الحسين رضي الله تعالى عنهما والضحاك ومقاتل هي أم شريك غزية بنت جابر بن حكيم الدوسية، قال في «الصفوة»: والأكثرون على أنها هي التي وهبت نفسها للنبـي صلى الله عليه وسلم فلم يقبلها فلم تتزوج حتى ماتت. وفي «الدر المنثور» عن منير بن عبد الله الدوسي أنه عليه الصلاة والسلام قبلها، وعن عروة والشعبـي هي زينب بنت خزيمة من الأنصار كانت تدعى في الجاهلية أم المساكين لإطعامها إياهم وكان ذلك في سنة ثلاث ولم / تلبث عنده صلى الله عليه وسلم إلا قليلاً حتى توفيت رضي الله تعالى عنها. وأخرج ابن أبـي حاتم وابن مردويه والبيهقي في «السنن» عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: التي وهبت نفسها للنبـي صلى الله عليه وسلم خولة بنت حكيم وقد أرجأها عليه الصلاة والسلام فتزوجها عثمان بن مظعون بإذنه صلى الله عليه وسلم وقال بعضهم: يجوز تعدد الواهبات فقد أخرج الشيخان وغيرهما عن عروة بن الزبير قال: كانت خولة بنت حكيم من اللاتي وهبن أنفسهن للنبـي صلى الله عليه وسلم فقالت عائشة: أما تستحي المرأة أن تهب نفسها للرجل فلما نزلت: {أية : تُرْجِى مَن تَشَاء مِنْهُنَّ } تفسير : [الأحزاب: 51] قالت عائشة: يا رسول الله ما أرى ربك إلا يسارع لك في هواك فقوله: من اللاتي وهبن أنفسهن صريح في تعددهن، وأنكر بعضهم وقوع الهبة وقيل: إن قوله تعالى: {إِن وَهَبَتْ } يشير إلى عدم وقوعها وأنها أمر مفروض وكذا تنكير {ٱمْرَأَةُ} فالمراد الإعلام بالإحلال في هذه الصورة إن اتفقت وأنكر بعضهم القبول. أخرج ابن سعد عن ابن أبـي عون أن ليلى بنت الحطيم وهبت نفسها للنبـي صلى الله عليه وسلم ووهبن نساء أنفسهن فلم نسمع أن النبـي صلى الله عليه وسلم قبل منهن أحداً. وما أخرجه ابن جرير وابن أبـي حاتم والطبراني وابن مردويه والبيهقي في «السنن» عن ابن عباس قال: لم يكن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأة وهبت نفسها له يحتمل نفي القبول ويحتمل نفي الهبة، وإيراده صلى الله عليه وسلم في الموضعين بعنوان النبوة بطريق الالتفات للتكرمة والإيذان بأنها المناط لثبوت الحكم فيختص به عليه الصلاة والسلام حسب اختصاصها به كما ينطق به قوله تعالى: {خَالِصَةً لَّكَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ } ويتضمن ذلك الإشارة إلى أن هبة من تهب لم تكن حرصاً على الرجال وقضاء الوطر بل على الفوز بشرف خدمته صلى الله عليه وسلم والنزول في معدن الفضل، وبذلك يعلم أن قول عائشة: ما في امرأة وهبت نفسها لرجل خير وكذا اعتراضها السابق صادر من شدة غيرتها رضي الله تعالى عنها على رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا بدع فالمحب غيور وقد قال بعض المحبين:شعر : أغار إذا آنست في الحي أنة حذاراً وخوفاً أن تكون لحبه تفسير : ونصب {خَالِصَةٌ } على أنه مصدر مؤكد للجملة قبله، وفاعلة في المصادر على ما قال الزمخشري غير عزيز كالعافية والكاذبة، وادعى أبو حيان عزتها، والكثير على تعلق ذلك بإحلال الواهبة أي خلص لك إحلالها خالصة أي خلوصاً، وقال الزجاج: هو حال من {امرأة} لتخصصها بالوصف أي أحللناها خالصة لك لا تحل لأحد غيرك في الدنيا والآخرة. وقال أبو البقاء: هو حال من ضمير {وَهَبَتْ } أو صفة لمصدر محذوف أي هبة خالصة. وقرىء بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف أي ذاك خلوص لك وخصوص أو هي أي تلك المرأة أو الهبة خالصة لك لا تتجاوز المؤمنين. واستدل الشافعية رضي الله تعالى عنهم به على أن النكاح لا ينعقد بلفظ الهبة لأن اللفظ تابع للمعنى وقد خص عليه الصلاة والسلام بالمعنى فيختص باللفظ، وقال بعض أجلة أصحابنا في ذلك: إن المراد بالهبة في الآية تمليك المتعة بلا عوض بأي لفظ كان لا تمليكها بلفظ وهبت نفسي فحيث لم يكن ذلك نصاً في التمليك بهذا اللفظ لم يصلح لأن يكون مناطاً للخلاف في انعقاد النكاح بلفظ الهبة إيجاباً وسلباً، ومعنى خلوص الإحلال المذكور له صلى الله عليه وسلم من دون المؤمنين كونه متحققاً في حقه غير متحقق في حقهم إذ لا بد في / الإحلال لهم من مهر المثل. وظاهر كلام العلامة ابن الهمام اعتبار لفظ الهبة حيث قال في «الفتح»: قد ورد النكاح بلفظ الهبة وساق الآية ثم قال: والأصل عدم الخصوصية حتى يقوم دليلها، وقوله تعالى: {خَالِصَةً لَّكَ } يرجع إلى عدم المهر بقرينة إعقابه بالتعليل بنفي الحرج فإن الحرج ليس في ترك لفظ إلى غيره خصوصاً بالنسبة إلى أفصح العرب بل في لزوم المال، وبقرينة وقوعه في مقابلة المؤتى أجورهن فصار الحاصل أحللنا لك الأزواج المؤتى مهورهن والتي وهبت نفسها لك فلم تأخذ مهراً خالصة هذه الخصلة لك من دون المؤمنين أما هم فقد علمنا ما فرضنا عليهم في أزواجهم الخ من المهر وغيره. وأبدى صدر الشريعة جواز كونه متعلقاً بأحللنا قيداً في إحلال أزواجه له صلى الله عليه وسلم لإفادة عدم حلهن لغيره صلى الله عليه وسلم انتهى، وجوز بعضهم كونه قيداً في إحلال الإماء أيضاً لإفادة عدم حل إمائه كأزواجه لأحد بعده عليه الصلاة والسلام، وبعض آخر كونه قيداً لإحلال جميع ما تقدم على القيود المذكورة أي خلص إحلال ما أحللنا لك من المذكورات على القيود المذكورة خلوصها من دون المؤمنين فإن إحلال الجميع على القيود المذكورة غير متحقق في حقهم بل المتحقق فيه إحلال بعض المعدود على الوجه المعهود، واختاره الزمخشري. وأياً ما كان فقوله تعالى: {قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِى أَزْوٰجِهِـمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُهُمْ} اعتراض بين المتعلق والمتعلق، والأول: على جميع الأوجه قوله سبحانه: {لِكَيْلاَ يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ } والثاني: على الوجه الأخير وهو تعلق {خالصة} بجميع ما سلف من الإحلالات الأربع قوله تعالى: {خَالِصَةٌ } وهو مؤكد معنى اختصاصه عليه الصلاة والسلام بما اختص به بأن كلاً من الاختصاص عن علم وأن هذه الحظوة مما يليق بمنصب الرسالة فحسب فالمعنى أن الله تعالى قد علم ما ينبغي من حيث الحكمة فرضه على المؤمنين في حق الأزواج والإماء وعلى أي حد وصفة ينبغي أن يفرض عليهم ففرضه واختصك سبحانه بالتنزيه واختيار ما هو أولى وأفضل في دنياك حيث أحل جل شأنه لك أجناس المنكوحات وزاد لك الواهبة نفسها من غير عوض لئلا يكون عليك ضيق في دينك، وهو على الوجه الأول الذي ذكرناه وهو تعلق {خالصة} بالواهبة خاصة قوله عز وجل: {إِنَّا أَحْلَلْنَا } وهو الذي استظهره أبو حيان وأمر الاعتراض عليه في حاله، وبعضهم يجعل المتعلق {خالصة} على سائر الأوجه والتعلق به باعتبار ما فيه من معنى ثبوت الإحلال وحصوله له صلى الله عليه وسلم لا باعتبار اختصاصه به عليه الصلاة والسلام لأن مدار انتفاء الحرج هو الأول لا الثاني الذي هو عبارة عن عدم ثبوته لغيره صلى الله عليه وسلم. وقال ابن عطية: إن {لّكَيْلاَ } الخ متعلق بمحذوف أي بينا هذا البيان وشرحنا هذا الشرح لئلا يكون عليك حرج ويظن بك أنك قد أثمت عند ربك عز وجل فلا اعتراض على هذا، ولا يخلو عن اعتراض فتدبر ولا تغفل. {وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً } أي كثير المغفرة فيغفر ما يشاء مما يعسر التحرز عنه وغيره {رَّحِيماً } أي وافر الرحمة، ومن رحمته سبحانه أن وسع الأمر في مواقع الحرج.

ابن عاشور

تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ إِنَّآ أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَٰجَكَ ٱللاَّتِىۤ ءَاتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّـٰتِكَ وَبَنَاتِ وبنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالاَتِكَ اللاَّتِى هَاجَرْنَ مَعَكَ وامْرَأَةً مُّؤمِنَةً إن وَهَبَتْ نَفْسَهَا للنَّبِىِّ إنْ أَرَادَ النَّبِىُّ أن يَسْتَنكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِن دُونِ المُؤمِنِينَ}. نداء رابع خوطب به النبي صلى الله عليه وسلم في شأن خاص به هو بيان ما أحلّ له من الزوجات والسراري وما يزيد عليه وما لا يزيد مما بعضه تقرير لتشريع له سابق وبعضه تشريع له للمستقبل، ومما بعضه يتساوى فيه النبي عليه الصلاة والسلام مع الأمة وبعضه خاص به أكرمه الله بخصوصيته مما هو توسعة عليه، أو مما روعي في تخصيصه به علوّ درجته. ولعل المناسبة لورودها عقب الآيات التي قبلها أنه لما خاض المنافقون في تزوّج النبي صلى الله عليه وسلم زينب بنتِ جحش وقالوا: تزوج من كانت حليلة متبنّاه، أراد الله أن يجمع في هذه الآية مَن يحل للنبي تزوجهن حتى لا يقع الناس في تردد ولا يفتنهم المرجفون. ولعل ما حدث من استنكار بعض النساء أن تهدي المرأة نفسها لرجل كان من مناسبات اشتمالها على قوله: {وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي} الآية، ولذلك جمعت الآية تقرير ما هو مشروع وتشريع ما لم يكن مشروعاً لتكون جامعة للأحوال، وذلك أوعب وأقطع للتردد والاحتمال. فأما تقرير ما هو مشروع فذلك من قوله تعالى: {إنا أحللنا لك أزواجك التي آتيت أجورهن} إلى قوله: {وبنات خالاتك}، وأما تشريع ما لم يكن مشروعاً فذلك من قوله: {اللاتي هاجرن معك} إلى قوله: {أية : ولا أن تبدل بهن من أزواج}تفسير : [الأحزاب: 52]. فقوله تعالى: {إنا أحللنا لك أزواجك} خبر مُراد به التشريع. ودخول حرف (إنّ) عليه لا ينافي إرادة التشريع إذ موقع (إنَّ) هنا مجرد الاهتمام، والاهتمام يناسب كلاّ من قصد الإِخبار وقصدِ الإِنشاء، ولذلك عُطفت على مفعول {أحللنا} معطوفات قيدت بأوصاف لم يكن شرعها معلوماً من قبل وذلك في قوله: {وبنات عمك} وما عطف عليه باعتبار تقييدهن بوصف {اللاتي هاجرن معك}، وفي قوله: {وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها} باعتبار تقييدها بوصف الإِيمان وتقييدها بـــ«إن وهبت نفسها للنبي وأراد النبي أن يستنكحها». هذا تفسير الآية على ما درج عليه المفسرون على اختلاف قليل بين أقوالهم. وعندي: أن الآية امتنان وتذكير بنعمة على النبي صلى الله عليه وسلم وتؤخذ من الامتنان الإِباحة ويؤخذ من ظاهر قوله: {أية : لا يحل لك النساء من بعد} تفسير : [الأحزاب: 52] الاقتصار على اللاتي في عصمته منهن وقت نزول الآية، ولتكون هذه الآية تمهيداً لقوله تعالى: {لا يحل لك النساء من بعد} الخ. وسيجيء ما لنا في معنى قوله: {من بعدُ} وما لنا في موضع قوله {إن أراد النبي أن يستنكحها}. ومعنى {أحللنا لك} الإِباحة له، ولذلك جاءت مقابلته بقوله عقب تعداد المحلّلات له {لا يحل لك النساء من بعد}. وإضافة أزواج إلى ضمير النبي صلى الله عليه وسلم تفيد أنّهن الأزواج اللاتي في عصمته، فيكون الكلام إخباراً لتقرير تشريع سابق ومسوقاً مساق الامتنان، ثم هو تمهيد لما سيتلوه من التشريع الخاص بالنبي صلى الله عليه وسلم من قوله: {اللاتي هاجرن معك} إلى قوله: {أية : لا يحل لك النساء من بعد ولا أن تبدل بهن من أزواج} تفسير : [الأحزاب: 52]. وهذا هو الوجه عندي في تفسير هذه الآية. وحكى ابن الفرس عن الضحاك وابن زيد أن المعنى بقوله: {أزواجك اللاتي آتيت أجورهن} أن الله أحلّ له أن يتزوج كل امرأة يُصدقها مهرها فأباح له كل النساء، وهذا بعيد عن مقتضى إضافة أزواج إلى ضميره. وعن التعبير بــــ{آتيت أجورهن} بصيغة المضيّ. واختلف أهل التأويل في محمل هذا الوجه مع قوله تعالى في آخر الآية: {لا يحل لك النساء من بعد} فقال قوم: هذه ناسخة لقوله: {لا يحل لك النساء من بعد} ولو تقدمت عليها في التلاوة. وقال آخرون: هي منسوخة بقوله: {لا يحل لك النساء من بعد}. و{اللاتي آتيت أجورهن} صفة لــــ{أزواجك}، أي وهن النسوة اللاتي تزوجتهن على حكم النكاح الذي يعم الأمة، فالماضي في قوله: {آتيت أجورهن} مستعمل في حقيقته. وهؤلاء فيهن من هن من قراباته وهن القرشيات منهن: عائشة، وحفصة، وسودة، وأم سلمة، وأم حبيبة، وفيهن من لسن كذلك وهنّ: جويرية من بني المصطلق، وميمونة بنت الحارث من بني هلال، وزينب أم المساكين من بني هلال، وكانت يومئذٍ متوفاة، وصفية بنت حيي الإِسرائيلية. وعطف على هؤلاء نسوة أخر وهنّ ثلاثة أصناف: «الصنف الأول»: ما ملكت يمينه مما أفاء الله عليه، أي مما أعطاه الله من الفيء، وهو ما ناله المسلمون من العدوّ بغير قتال ولكن تركَه العدو، أو مما أعطي للنبي صلى الله عليه وسلم مثل مارية القبطية أمّ ابنه إبراهيم فقد أفاءها الله عليه إذ وهبها إليه المقوقس صاحب مصر، وإنما وهبها إليه هدية لمكان نبوءته فكانت بمنزلة الفيء لأنها ما لوحظ فيها إلا قصد المسالمة من جهة الجوار، إذ لم تكن له مع الرسول صلى الله عليه وسلم سابق صحبة ولا معرفة، والمعروف أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يتسرّ غير مارية القبطية. وقيل: إنه تسرى جارية أخرى وهبتها له زوجه زينبُ ابنة جحش ولم يثبت. وقيل أيضاً: إنه تسرى ريحانَة من سبي قريظة اصطفاها لنفسه ولا تشملها هذه الآية لأنها ليست من الفيء ولكن من المغنم إلا أن يراد بــــ{مما أفاء الله عليك} المعنى الأعم للفيء وهو ما يشمل الغنيمة. وهذا الحكم يشركه فيه كثير من الأمة من كل من أعطاه أميره شيئاً من الفيء، كما قال تعالى: {أية : ما أفاء اللَّه على رسوله من أهل القرى فللَّه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل}تفسير : [الحشر: 7] فمن أعطاه الأمير من هؤلاء الأصناف أمة من الفيء حلّت له. وقوله: {مما أفاء الله عليك} وصف لما ملكت يمينك وهو هنا وصف كاشف لأن المراد به مارية القبطية، أو هي وريحانة إن ثبت أنّه تسراها. «الصنف الثاني»: نساء من قريب قرابته صلى الله عليه وسلم من جهة أبيه أو من جهة أمه مؤمنات مهاجرات. وأغنى قوله: {هاجرن معك} عن وصف الإِيمان لأن الهجرة لا تكون إلا بعد الإِيمان، فأباح الله للنبي عليه الصلاة والسلام أن يتزوج من يشاء من نساء هذا الصنف بعقد النكاح المعروف، فليس له أن يتزوج في المستقبل امرأة من غير هذا الصنف المشروط بشرط القرابة بالعمومة أو الخؤولة وشرط الهجرة. وعندي: أن الوصفين ببنات عمه وعمّاته وبناتِ خاله وخالاته، وبأنهن هاجَرْن معه غير مقصود بهما الاحتراز عمن لسن كذلك ولكنه وصف كاشف مسوق للتنويه بشأنهن. وخص هؤلاء النسوة من عموم المنع تكريماً لشأن القرابة والهجرة التي هي بمنزلة القرابة لقوله تعالى: {أية : والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا}تفسير : [الأنفال: 72]. وحكم الهجرة انقضى بفتح مكة. وهذا الحكم يتجاذبه الخصوصية للرسول صلى الله عليه وسلم والتعميم لأمته، فالمرأة التي تستوفي هذا الوصف يجوز للرسول عليه الصلاة والسلام ولأمته الذين تكون لهم قرابة بالمرأة كهذه القرابة تزوجُ أمثالها، والمرأة التي لم تستوف هذا الوصف لا يجوز للرسول عليه الصلاة والسلام تزوجها، وهو الذي درج عليه الجمهور، ويؤيده خبر روي عن أمّ هاني بنت أبي طالب. وقال أبو يوسف: يجوز لرجال أمته نكاح أمثالها. وباعتبار عدم تقييد نساء الرسول صلى الله عليه وسلم بعدد يكون هذا الإطلاق خاصاً به دون أمته إذ لا يجوز لغيره تزوج أكثر من أربع. وبنات عمّ النبي صلى الله عليه وسلم هن بنات إخوة أبيه مثل: بنات العباس وبنات أبي طالب وبنات أبي لهب. وأما بنات حمزة فإنهن بنات أخ من الرضاعة لا يحللن له، وبناتُ عماته هن بنات عبد المطلب مثل زينب بنت جحش التي هي بنت أميمة بنت عبد المطلب. وبناتُ خاله هنّ بنات عبد مناف بن زُهرة وهن أخوال النبي صلى الله عليه وسلم عبد يغوث بن وهب أخو آمنة، ولم يذكروا أن له بنات، كما أني لم أقف على ذكر خالة لرسول الله فيما رأيت من كتب الأنساب والسير. وقد ذكر في «الإصابة» فريعة بنتَ وهب وذكروا هالة بنت وهب الزهرية إلا أنها لكونها زوجةَ عبد المطلب وابنتها صفية عمة رسول الله فقد دخلت من قبل في بنات عمه. وإنما أُفرد لفظ (عم) وجُمع لفظ (عمات) لأن العم في استعمال كلام العرب يطلق على أخي الأب ويطلق على أخي الجد وأخي جد الأب وهكذا فهم يقولون: هؤلاء بنو عم أو بنات عم، إذا كانوا لعم واحد أو لعدة أعمام، ويفهم المراد من القرائن. قال الراجز أنشده الأخفش:شعر : ما بَرئتْ من ريبة وذمّ في حربنا إلا بناتُ العمّ تفسير : وقال رؤبة بن العجاج:شعر : قالت بنات العم يا سلمى وإنْ كان فقيراً مُعدماً قالت وإنْ تفسير : فأما لفظ (العمة) فإنه لا يراد به الجنس في كلامهم، فإذا قالوا: هؤلاء بنو عمةٍ، أرادوا أنهم بنو عمةٍ معيّنة، فجيء في الآية: {عماتك} جمعاً لئلا يفهم منه بنات عمة معينة. وكذلك القول في إفراد لفظ (الخال) من قوله: {بنات خالك} وجمع الخالة في قوله: {وبنات خالاتك}. وقال قوم: المراد ببنات العم وبنات العمات: نساء قريش، والمراد ببنات الخال: النساء الزهريات، وهو اختلاف نظري محض لا ينبني عليه عمل لأن النبي قد عُرفت أزواجه. وقوله: {اللاتي هاجرن معك} صفة عائدة إلى {بنات عمك وبنات عماتك وبنات خالك وبنات خالاتك} كشأن الصفة الواردة بعد مفردات، وهو شرط تشريع لم يكن مشروطاً من قبل. والمعية في قوله: {اللاتي هاجرن معك} معية المقارنة في الوصف المأخوذ من فعل {هاجرن} فليس يلزم أن يكنَّ قد خرجْنَ مصاحبات له في طريقه إلى الهجرة. «الصنف الثالث»: امرأة تَهب نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم أي تجعل نفسها هبة له دون مهر، وكذلك كان النساء قبل الإسلام يفعلن مع عظماء العرب، فأباح الله للنبي أن يتخذها زوجة له بدون مهر إذا شاء النبي صلى الله عليه وسلم ذلك، فهذا حقيقة لفظ {وهبت}، فالمراد من الهبة: تزويج نفسها بدون عوض، أي بدون مهر، وليست هذه من الهبة التي تستعمل في صيغ النكاح إذا قارنها ذكر صداق لأن ذلك اللفظ مجاز في النكاح بقرينة ذكر الصداق ويصح عقد النكاح به عندنا وعند الحنفية خلافاً للشافعي. فقوله: {وامرأة} عطف على {أزواجك}. والتقدير: وأحللنا لك امرأة مؤمنة. والتنكير في {امرأة} للنوعية: والمعنى: ونُعلمك أنا أحللنا لك امرأة مؤمنة بقيد أن تهب نفسها لك وأن تريد أن تتزوجها فقوله: {للنبي} في الموضعين إظهار في مقام الإِضمار. والمعنى: إن وهبتْ نفسها لك وأردتَ أن تنكحها. وهذا تخصيص من عموم قوله: {وبنات عمك وبنات عماتك وبنات خالك وبنات خالاتك اللاتي هاجرن معك} فإذا وهبت امرأة نفسها للنبيء صلى الله عليه وسلم وأراد نكاحها جاز له ذلك بدون ذينك الشرطين ولأجل هذا وصفت {امرأة} بــــ{مؤمنة} ليعلم عدم اشتراط ما عدا الإيمان. وقد عُدّت زينب بنت خُزيمة الهلالية وكانت تدعى في الجاهلية أمَّ المساكين في اللاتي وهبن أنفسهن، ولم تلبث عنده زينب هذه إلا قليلاً فتوفيت وكان تزوجها سنة ثلاث من الهجرة فليست مما شملته الآية. ولم يثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوج غيرها ممن وهبت نفسها إليه وهن: أم شريك بنت جابر الدوسية واسمها عزية، وخولة بنت حكيم عرضت على رسول الله صلى الله عليه وسلم نفسها فقالت عائشة: أما تستحيي المرأة أن تهب نفسها للرجل، وامرأة أخرى عرضت نفسها على النبي صلى الله عليه وسلم. روى ثابت البناني عن أنس قال: «جاءت امرأة إلى رسول الله فعرضت عليه نفسها فقالت: يا رسول الله ألك حاجة بي؟ فقالت ابنةُ أنس ــــ وهي تسمع إلى رواية أبيها ــــ: ما أقل حياءها وَاسَوأتاه واسوأتاه. فقال أنس: هي خير منك رغبت في النبي فعرضت عليه نفسها». وعن سهل بن سعد أن امرأة عرضت نفسها على النبي صلى الله عليه وسلم فلم يجبها. فقال رجل: «يا رسول الله زوجنيها، إلى أن قال له، ملّكناكها بما معك من القرآن» فهذا الصنف حكمه خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم وذلك أنه نكاح مخالف لسنة النكاح لأنه بدون مهر وبدون ولي. وقد ورد أن النسوة اللاتي وهبن أنفسهن للنبيء صلى الله عليه وسلم أربع هن: ميمونة بنت الحارث، وزينب بنت خزيمة الأنصارية الملقبة أمّ المساكين، وأم شريك بنت جابر الأسدية أو العامرية، وخولة بنت حكيم بنت الأوقص السَلَمية. فأما الأوليان فتزوجهما النبي صلى الله عليه وسلم وهما من أمهات المؤمنين والأخريان لم يتزوجهما. ومعنى {وهبت نفسها للنبي} أنها ملّكته نفسها تمليكاً شبيهاً بملك اليمين ولهذا عطفت على {ما ملكت يمينك}، وأردفت بقوله: {خالصة لك من دون المؤمنين} أي خاصة لك أن تتخذها زوجة بتلك الهبة، أي دون مهر وليس لبقية المؤمنين ذلك. ولهذا لما وقع في حديث سهل بن سعد المتقدمحديث : أن امرأة وهبت نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم وعلم الرجل الحاضر أن النبي عليه الصلاة والسلام لا حاجة له بها سأل النبي عليه الصلاة والسلام أن يُزوجه إياها علماً منه بأن تلك الهبة لا مهر معها ولم يكن للرجل ما يصدقها إياه، وقد علم النبي صلى الله عليه وسلم منه ذلك فقال له ما عندك؟ قال: ما عندي شيء. قال: اذهب فالتمس ولو خاتماً من حديد فذهب ثم رجع فقال: لا والله ولا خاتَماً من حديد، ولكن هذا إزاري فلها نصفه. قال سهل: ولم يكن له رداء، فقال النبي: «وما تصنع بإزارك إن لبستَه لم يكن عليها منه شيء وإن لبستْه لم يكن عليك منه شيء ــــ ثم قال له ــــ ماذا معك من القرآن؟ فقال: معي سورة كذا وسورة كذا لسُور يُعدّدها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم ملكناكها بما معك من القرآن»تفسير : . وفي قوله: {إن وهبت نفسها للنبي} إظهار في مقام الإضمار لأن مقتضى الظاهر أن يقال: إن وهبت نفسها لك. والغرض من هذا الإِظهار ما في لفظ {النبي} من تزكية فعل المرأة التي تهب نفسها بأنها راغبة لكرامة النبوءة. وقوله: {إن أراد النبي أن يستنكحها} جملة معترضة بين جملة {إن وهبت} وبين {خالصة} وليس مسوقاً للتقييد إذ لا حاجة إلى ذكر إرادته نكاحها فإن هذا معلوم من معنى الإِباحة، وإنما جيء بهذا الشرط لدفع توهم أن يكون قبوله هبتها نفسها له واجباً عليه كما كان عرف أهل الجاهلية. وجوابه محذوف دل عليه ما قبله، والتقدير: إن أراد أن يستنكحها فهي حلال له، فهذا شرط مستقل وليس شرطاً في الشرط الذي قبله. والعدول عن الإِضمار في قوله: {إن أراد النبي} بأن يقال: إن أراد أن يستنكحها لما في إظهار لفظ {النبي} من التفخيم والتكريم. وفائدة الاحتراز بهذا الشرط الثاني إبطال عادة العرب في الجاهلية وهي أنهم كانوا إذا وهبت المرأة نفسها للرجل تعين عليه نكاحها ولم يجز له ردُّها، فأبطل الله هذا الالتزام بتخيير النبي عليه الصلاة والسلام في قبول هِبة المرأة نفسها له وعدمه، وليرفع التعيير عن المرأة الواهبة بأن الرد مأذون به. والسين والتاء في {يستنكحها} ليستا للطلب بل هما لتأكيد الفعل كقول النابغة:شعر : وهم قتلوا الطائي بالحجر عنوةً أبا جابر فاستنكحوا أم جابر تفسير : أي بنو حُنّ قتلوا أبا جابر الطائي فصارت أم جابر المزوجة بأبي جابر زوجة بني حُنّ، أي زوجة رجل منهم. وهي مثل السين والتاء في قوله تعالى: {أية : فاستجاب لهم ربهم}تفسير : [آل عمران: 195]. فتبيَّن من جعل جملة {إن أراد النبي أن يستنكحها} معترضة أن هذه الآية لا يصح التمثيل بها لمسألة اعتراض الشرط على الشرط كما وقع في رسالة الشيخ تقي الدين السبكي المجعولة لاعتراض الشرط على الشرط، وتبعه السيوطي في الفن السابع من كتاب «الأشباه والنظائر النحوية»، ويلوح من كلام صاحب «الكشاف» استشعار عدم صلاحية الآية لاعتبار الشرط في الشرط فأخذ يتكلف لتصوير ذلك. وانتصب {خالصة} على الحال من {امرأة}، أي خالصة لك تلك المرأة، أي هذا الصنف من النساء، والخلوص معنيٌّ به عدم المشاركة، أي مشاركةِ بقية الأمة في هذا الحكم إذ مادة الخلوص تجمع معاني التجرّد عن المخالطة. فقوله: {من دون المؤمنين} لبيان حال من ضمير الخطاب في قوله: {لك} ما في الخلوص من الإجمال في نسبته. وقد دل وصف {امرأة} بأنها {مؤمنة} أن المرأة غير المؤمنة لا تحل للنبي عليه الصلاة والسلام بهبة نفسها. ودل ذلك بدلالة لحن الخطاب أنه لا يحلّ للنبي صلى الله عليه وسلم تزوج الكتابيات بَلْهَ المشركات، وحكى إمام الحرمين في ذلك خلافاً. قال ابن العربي: والصحيح عندي تحريمها عليه. وبهذا يتميز علينا؛ فإن ما كان من جانب الفضائل والكرامة فحظه فيه أكثر وإذا كان لا تحل له من لم تُهاجر لنقصانها فضلَ الهجرة فأحرى أن لا تحلّ له الكتابية الحرة. {قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِىۤ أَزْوَٰجِهِـمْ وَمَا مَلَكَتْ أيْمَانُهُمْ}. جملة معترضة بين جملة {من دون المؤمنين} وبين قوله: {لكيلا يكون عليك حرج} أو هي حال سببي من المؤمنين، أي حال كونهم قد علمنا ما نَفرض عليهم. والمعنى: أن المؤمنين مستمر ما شُرع لهم من قبلُ في أحكام الأزواج وما ملكتْ أيمانهم، فلا يَشملهم ما عُيّن لك من الأحكام الخاصة المشروعة فيما تقدم آنفاً، أي قد علمنا أن ما فرضناه عليهم في ذلك هو الَّلائق بحال عموم الأمة دون ما فرضناه لك خاصة. و{ما فرضنا عليهم} موصول وصلته، وتعدية {فرضنا} بحرف (على) المقتضي للتكليف والإِيجاب للإِشارة إلى أن من شرائع أزواجهم وما ملكَتْ أيمانهم ما يَوَدُّون أن يخفف عنهم مثل عدد الزوجات وإيجاب المهور والنفقات، فإذا سمعوا ما خص به النبي صلى الله عليه وسلم من التوسعة في تلك الأحكام وَدّوا أن يلحقوا به في ذلك، فسجل الله عليهم أنهم باقون على ما سبق شرعه لهم في ذلك، والإخبار بأن الله قد علم ذلك كناية عن بقاء تلك الأحكام لأن معناه أنّا لم نغفل عن ذلك، أي لم نبطله بل عن علم خصصنا نبيئنا بما خصصناه به في ذلك الشأن، فلا يشمل ما أحللناه له بقيةَ المؤمنين. وظرفية {في} مجازية لأن المظروف هو الأحكام الشرعية لا ذَوات الأزواج وذواتُ ما ملكته الأيمان. {لِكَيْلاَ يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً}. تعليل لما شرعه الله تعالى في حق نبيئه صلى الله عليه وسلم في الآيات السابقة من التوسعة بالازدياد من عدد الأزواج وتزوج الواهبات أنفسهن دون مهر، وجَعل قبول هبتها موكولاً لإِرادته، وبما أبقى له من مساواته أمته فيما عدا ذلك من الإباحة فلم يضيّق عليه، وهذا تعليم وامتنان. والحرج: الضيق، والمراد هنا أدنى الحرج، وهو ما في التكليف من بعض الحرج الذي لا تخلو عنه التكاليف، وأما الحرج القوي فمنفي عنه وعن أمته. ومراتب الحرج متفاوتة، ومناط ما يُنفى عن الأمة منها وما لا ينفى، وتقديراتُ أحوال انتفاء بعضها للضرورة هو ميزان التكليف الشرعي فالله أعلم بمراتبها وأعلم بمقدار تحرج عباده وذلك مبين في مسائل العزيمة والرخصة من علم الأصول، وقد حرر ملاّكه شهاب الدين القرافي في الفرق الرابع عشر من كتابه «أنواء البروق». وقد أشبعنا القول في تحقيق ذلك في كتابنا المسمى «مقاصد الشريعة الإسلامية». واعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم سلك في الأخذ بهذه التوسعات التي رفع الله بها قدره مسلك الكُمّل من عباده وهو أكملهم فلم ينتفع لنفسه بشيء منها فكان عبداً شكوراً كما قال في حديث استغفاره ربه في اليوم استغفاراً كثيراً. والتذييل بجملة {وكان الله غفوراً رحيماً} تذييل لما شرعه من الأحكام للنبي صلى الله عليه وسلم لا للجملة المعترضة، أي أن ما أردناه من نفي الحرج عنك هو من متعلقات صفتي الغفران والرحمة اللتين هما من تعلقات الإِرادة والعلم فهما ناشئتان عن صفات الذات، فلذلك جعل اتصاف الله بهما أمراً متمكّناً بما دلّ عليه فعل {كان} المشير إلى السابقية والرسوخ كما علمته في مواضع كثيرة.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: آتيت أجورهن: أي أعطيت مهورهن. مما أفاء الله عليك: أي مما يسبى كصفية وجويرية. اللاتي هاجرن معك: أي بخلاف من لم تهاجر وبقيت في دار الكفر. وهبت نفسها للنبي: أي وأراد النبي أن يتزوجها. بغير صداق. خالصة لك من دون المؤمنين: أي بدون صداق. قد علمنا ما فرضنا عليهم: أي على المؤمنين. في أزواجهم: أي من الأحكام كأن لا يزيدوا على أربع، وأن لا يتزوجوا إلا بولي ومهر وشهود. وما ملكت أيمانهم: أي بشراء ونحوه وأن تكون المملوكة كتابية، وأن تستبرأ قبل الوطء. لكيلا يكون عليك حرج: أي ضيق في النكاح. معنى الآية الكريمة: هذا النداء الكريم لرسول ربّ العالمين يحمل لرسول الله صلى الله عليه وسلم إجازة ربانية تخفف عنه أتعابه التي يعانيها صلى الله عليه وسلم لقد علم الله ما يعاني رسوله وما يعالج من أمور الدين والدنيا فمنَّ عليه بالتخفيف ورفع الحرج فقال ممتناً عليه {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ إِنَّآ أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ ٱللاَّتِيۤ آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ} أي مهورهن وأحللنا لك {وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَيْكَ} من سبايا الجهاد كصفية بنت حبيب وجويرية بنت الحارث، {وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالاَتِكَ ٱللاَّتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ} من مكة إلى المدينة. أما اللاتي لم تهاجر فلا تَحِلّ لك، وامرأة مؤمنة أي وأحللنا لك امرأة مؤمنة لا كافرة إن وهبت نفسها للنبي بدون مهر وأراد النبي أن يستنكحها حال كون هذه الواهبة خالصة لك دون المؤمنين فالمؤمن لو وهبت له امرأة نفسها بدون مهر لم تحل له بل لا بد من المهر والولي والشهود. وقوله تعالى {قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ} أي على المؤمنين في أزواجهم من أحكام كأن لا يزيد الرجل على أربع، وأن لا يتزوج إلا بولي ومهر وشهود، والمملوكة لا بد أن تكون كتابية أو مسلمة، وأن لا يطأها قبل الاستبراء بحيضة قد علمنا كل هذا وأحللنا لك ما أحللنا خصوصية لك دون المؤمنين وذلك تخفيفاً عليك لكيلا يكون عليك حرج أي ضيق ومشقة وكان الله غفوراً لك ولمن تاب من المؤمنين رحيماً بك وبالمؤمنين. هداية الآية: من هداية الآية: 1- بيان إكرام الله تعالى لنبيه في التخفيف عليه رحمة به فاباح له أكثر من أربع، وقصر المؤمنين على أربع أباح له الواهبة نفسها أن يتزوجها بغير مهر ولا ولي ولم يبح ذلك للمؤمنين فلا بد من مهر وولي وشهود. 2- تقرير أحكام النكاح للمؤمنين وأنه لم يطرأ عليها نسخ بتخفيف ولا بتشديد. 3- بيان سعة رحمة الله ومغفرته لعباده المؤمنين.

القطان

تفسير : آتيتَ أجورهن: اعطيت مهورهن. وما ملكت يمينُك: من الإماء التي جاءتك من المغانم. خالصةً لك: خاصة بك. حرج: ضيق، مشقة. ترجِي: تؤخر، تبعد. تؤوي اليك: تسكن معك. ومن ابتغيتَ ممن عزلتَ: ومن طلبتَ ممن ابعدتَ من نسائك. ذلك أدنى ان تقر اعينهن: ذلك أقرب ان تسر نفوسهن. في هذه الآياتِ الكريمة يبيّن الله لرسوله الكريمِ ما يحِلّ له من النساء، وما في ذلك من خصوصية لشخصِه الكريم ولأهل بيته. يا أيها النبي: إنا أبحنا لك أزواجَك اللاّتي اعطيتَهن مهورَهن، وأحللنا لكم ما ملكتْ يدُك من الجواري، ويجوز لك ان تتزوج من بناتِ عمك، وبناتِ عماتك، وبناتِ خالك وبناتِ خالاتك اللاتي هاجرْن معك. ويجوز لك ان تتزوّج امرأةً مؤمنة ان وهبتْ نفسَها لك بلا مهر. وهذه الإباحةُ خالصة لك من دون المؤمنين، أما غيْرك من المؤمنين إن وهبْت امرأةٌ نفسها له فيجوز أن يتزوّجها بمهر المِثْل. {قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِيۤ أَزْوَاجِهِـمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ} من شروط العقد الشرعي. لقد أحلَلنا لك ذلك لِكَيلا يكونَ عليك حَرَجٌ في نِكاح من تريدُ من الأصنافِ التي ذُكرتْ {وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً}. {تُرْجِي مَن تَشَآءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِيۤ إِلَيْكَ مَن تَشَآءُ}... الآية. يخّير الله الرسول الكريم في هذه الآية بأن يدنيَ إليه من يشاءُ من نسائه ويؤخّر منهنّ من يشاء. وإذا اراد ان يطلب واحدةً كان أبعدَها فله الخيارُ في ذلك دون حَرَجٍ او تضييق عليه. وكلُّ ذلك حتى يكنَّ مسروراتٍ قريراتِ الأعين، ولا يحزنّ بل يرضين بما قَسَم بينهن، ويعلمن أن هذا كلَّه بأمرِ الله وترخيصِه لرسوله الكريم. روى ابن جرير عن ابي رزين قال: لما نزلت آية التخيير السابقةُ خاف نساء النبي ان يطلّقهن فقلن: يا رسول الله، لنا من مالك ومن نفسِك ما شئت، ودعنا كما نحنُ، فنزلت هذه الآية، فأرجأ رسول الله خمساً من نسائه وهن: ام حبيبة، وميمونة، وصفية، وجويرية، وسودة، فكان لا يقسم بينهن ما شاء، يعني لم يجعل دورا في المبيت عندَهن منتظَما. وآوى اليه أربع نساء هن: عائشة، وحفصة، وزينب، وأم سلمة، وكان يقسِم بينَهن على السواء، لكل واحدة ليلة. {وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قلُوبِكُمْ} من الميل الى بعضِهن دون بعض مما لا يمكن دفعُه، {وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيماً حَلِيماً}. ثم ختم هذا الموضع بآيةِ كريمة فيها حكمان: ان لا يتزوج عليه الصلاة والسلام غيرَ نسائه التسعَ الموجودات في عصمته، وان لا يستبدل بهن غيرَهن فقال: {لاَّ يَحِلُّ لَكَ ٱلنِّسَآءُ مِن بَعْدُ وَلاَ أَن تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلاَّ مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ رَّقِيباً}. لا يحِل لك النساء بعد هؤلاء التسع اللاتي في عصمتك، ولا أن تستبدلَ بهن ازواجاً غيرهن، مهما كانت الواحدةُ بارعةً في الحسَب والجمال، الا ما ملكتْ يمينك من الجواري، وكان الله على كل شيء مطّلعا. قراءات: قرأ ابن كثير وابوعمرو وابو بكر عن عاصم: ترجىء بالهمزة، والباقون: ترجي بدون همزة. وقرأ ابو عمرو وحده: لا تحل لك النساء بالتاء. والباقون: لا يحل لك النساء بالياء.

د. أسعد حومد

تفسير : {يٰأَيُّهَا} {أَزْوَاجَكَ} {ٱللاَّتِيۤ} {آتَيْتَ} {عَمَّاتِكَ} {خَالاَتِكَ} {ٱللاَّتِي} {أَزْوَاجِهِـمْ} {أَيْمَانُهُمْ} (50) - يَقُولُ اللهُ تَعَالى لِلرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم: إِنَّهُ أَحَلَّ لَهُ مِنَ النِّسَاءِ أَزْوَاجَهُ اللاتِي أَعْطَاهُنَّ مُهُورَهُنَّ (وَهِيَ المُعَبَّرُ عَنْهَا بِالأُجُورِ هُنَا)، وَأَبَاحَ لَهُ التَّسَرِّي بِالنِّساء اللاتِي يَأْخُذُهُنَّ مِنَ المَغَانِمِ (وَقَدْ مَلَكَ صَفِيَّةَ بِنْتَ حُيَيِّ بْنِ أَخْطَبَ وَجُوَيْريَةَ مِنْ بَنِي المُصْطَلقِ فَأعْتَقَهُما وَتَزَوَّجَهُما)، وَأَبَاحَ لَهُ الزَّوَاجَ من بَنَاتِ عَمِّهِ، وَبَنَاتِ عَمَاتِهِ، وَبَناتِ خَالِهِ، وَبَناتِ خَالاَتِهِ، وَبِذَلِكَ جَاءَ الشَّرْعُ الإِسْلاَمِيُّ مُعْتَدِلاً بَيْنَ إفراطِ النَّصَارَى فِي التَّشَدُّدِ، وَتَفْرِيطِ اليَهُودِ فِي التَّسَاهُلِ، فَقَدْ كَانَ النَّصَارى لاَ يَتَزَوَّجُونَ المَرْأَةَ إِلاَّ إِذا كَانَ بَيْنَهُمْ سَبْعَةُ أَجْدَادٍ فَصَاعِداً. وَكَانَ اليَهُودُ يَتَزَوَّجُونَ بَنَاتِ الأَخِ وَبَنَاتِ الأُخْتِ. وَقَدْ خَصَّ اللهُ تَعَالى مِنْ بَيْنِ بَنَاتِ الأَعْمَامِ وَالعَمَّاتِ وَبَنَاتِ الأَخْوَالِ، والخَالاَتِ، الّلوَاتِي أَبَاحَ لِلرَّسُولِ الزَّوَاجَ مِنْهُنَّ، اللاَتي هَاجَرْنَ مَعَهُ، فَاسْتَثْنَى بِذَلِكَ اللوَاتِي لَمْ يُهَاجِرْنَ. كَمَا أَحَلَّ اللهُ لِرَسُولِهِ التَمَتُّعَ بِالمَرأَةِ المُؤْمِنَةِ التِي تَهَبُ نَفْسَها لَهُ، فَلَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا بِلاَ مَهْرٍ إِنْ أرادَ ذَلِكَ (وَفِي هذِهِ الآيةِ إِبَاحَةٌ خَاصَّةٌ بالرَّسُولِ مِنَ دُونِ المُؤْمِنينَ، فَلَوْ وَهَبَتِ امْرأةٌ نَفْسَها لِرَجُلٍ لَوَجَبَ عَلَيهِ مَهْرُ مِثْلِها). وَلكِنَّ الرَّسُولَ لَمْ يَتَزَوَّجْ وَاحِدَةً مِمَّنْ وَهَبْنَ أَنْفُسَهُنَّ لَهُ. وَقَد أَحَلَّ اللهُ ذَلِكَ لِرَسُولِهِ لِكَيلاَ يَكُونَ عَلَيهِ حَرَجٌ، وَتَضْيِيقٌ، فِي نِكَاحِ مَنْ نَكَحَ مِنَ الأَصْنَافِ السَّالِفَةِ. وَقَدْ كَانَ اللهُ غَفُوراً لِرَسُولِهِ وَلأَهْلِ الإِيمَانِ بِهِ، وَرَحيماً بِهِمْ. آتَيتَ أُجُورَهُنَّ - أَعْطَيْتَهُنَّ مُهُورَهُنَّ. أَفاءَ اللهُ علَيكَ - رَجَّعَهُ اللهُ إِليكَ مِنَ الغَنَائِمِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : الحق - تبارك وتعالى - لم يخاطب نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم باسمه العَلم أبداً، كما خاطب غيره من الأنبياء فقال: يا نوح، يا عيسى، يا موسى، يا إبراهيم .. إلخ، أما رسول الله، فناداه ربه بقوله {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ ..} [الأحزاب: 50] و {أية : يٰأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ ..} تفسير : [المائدة: 41]. ونداء الشخص باسمه العَلَم دليلٌ على أنه ليستْ له صفة مميزة، فإنْ ملك صفة مميزة نُودِي بها تقول: يا شجاع، يا شاعر .. إلخ، الآن الجميع يشتركون في العَلَمية. إذن: فنداء النبي صلى الله عليه وسلم بيأيها النبي، ويأيها الرسول تكريم له صلى الله عليه وسلم. وقوله تعالى: {إِنَّآ أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ ..} [الأحزاب: 50] ما معنى {أَحْلَلْنَا ..} [الأحزاب: 50] هنا ما دام الحديث عن أزواجه صلى الله عليه وسلم؟ قالوا: معناها أنها كانت في منطقة مُحرَّمة ثم أحلَّها الله له أي: جعلها حلالاً، وهذا المعنى يتضح بقوله تعالى بعدها {ٱللاَّتِيۤ آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ ..} [الأحزاب: 50] كأن رسول الله أخذ بالحِلِّ أولاً، بدليل أنه آتى الأجر والمهر. ولقد كان للعلماء وَقْفة عند تسمية المهر أجراً، قالوا: كيف يُسمِّي المهر أجراً، ومعنى الأجر في اللغة: جُعْلٌ على منفعة موقوتة يؤديها المُستأجَر للمُستأجِر، أما النكاح فليس موقوتاً، إنما من شروطه نية التأبيد والدوام؟ وللجواب على هذه المسألة نقول: لا يصح أنْ تُؤخَذ الآيات، منفصلة بعضها عن بعض، إنما ينبغي أنْ نجمع الآيات الواردة في نفس الموضوع جَنْباً إلى جنب؛ ليأتي فهمها تاماً متكاملاً. فالحق سبحانه يقول في موضع آخر مخاطباً نبيه صلى الله عليه وسلم في شأن زوجاته: {أية : تُرْجِي مَن تَشَآءُ مِنْهُنَّ ..} تفسير : [الأحزاب: 51] أي: تؤخر استمتاعك بها {أية : وَتُؤْوِيۤ إِلَيْكَ مَن تَشَآءُ ..} تفسير : [الأحزاب: 51] أي: تضمُّها إليك. إذن: ما دام لك أن ترجيء أزواجاً منهن وتمنعهن من القسمة، ثم تضم غيرهن، فكأن المنفعة هنا موقوتة، فناسب ذلك أن يُسمَّى المهر أجراً. والحق سبحانه يعطي نبيه صلى الله عليه وسلم في كل مراحل سيرته أزكى المواقف وأطهرها وأنبلها، فقوله تعالى: {ٱللاَّتِيۤ آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ ..} [الأحزاب: 50] دليل على أنه صلى الله عليه وسلم ما انتفع بهن إلا بعد أنْ أدَّى مهرهن، في حين أن للإنسان أنْ يسمى المهر، ويدخل بزوجته دون أن يدفع من المهر شيئاً، ويكون المهر كله أو بعضه مُؤخَّراً، لكن تأخير المهر يعطي للمرأة حق أنْ تمتنع عن مضاجعته، فإنْ سمحَتْ له فهو تفضُّل منها. إذن: فرسول الله اختار أكمل شيء. رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء ليبُيِّن للناس ما نُزِّل إليهم، وجعله ربه أُسْوة سلوكية في الأمور التي يعزُّ على الناس أن يستقبلوها، فنفَّذها رسول الله في نفسه أولاً كما قلنا في مسألة التبني. كذلك في مسألة تعدد الزوجات، فرسول الله أُرسِل والتعدد موجود عند العرب وموجود حتى عند الأنبياء السابقين، لكن أراد الله أنْ يحدد هذا التعدد تحديداً يمتص الزائد من النساء، ولا يجعله مباحاً في كل عدد، فأمر رسوله أن يقول لأمته: مَنْ كان عنده أكثر من أربع فليمسك معه أربعاً، ويفارق ما زاد عنهن، في حين كان عنده صلى الله عليه وسلم تسع زوجات. فلو أن الحكم شمله، فأمسك أربعاً، وسَرَّح خمساً لأصابهُنَّ ضرر كبير، ولصِرْنَ مُعلَّقات؛ لأنهن زوجات رسول الله وأمهات المؤمنين، وليس لأحد أن يتزوج إحداهن بعد رسول الله. إذن: الحكم يختلف مع رسول الله، والعدد بالنسبة له أن يقتصر على هؤلاء التسعة بذواتهن، بحيث لو ماتت إحداهن أو طُلِّقت فليس له أنْ يتزوَّج بغيرها؛ لأن الله خاطبه بقوله: {أية : لاَّ يَحِلُّ لَكَ ٱلنِّسَآءُ مِن بَعْدُ وَلاَ أَن تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ ..} تفسير : [الأحزاب: 52]. وقد بيَّنا للمستشرقين الذين خاضوا في هذه المسألة أن رسول الله لم يُسْتثْن في العدد، إنما استُثني في المعدود، حيث وقف عند هؤلاء التسع بذواتهن، وليس له أنْ يتزوج بأخرى، أما غيره من أمته فلن أنْ يتزوج ضِعْف أو أضعاف هذا العدد، شريطة ألاَّ يزيد عن أربع في وقت واحد. وكلمة {أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ ..} [الأحزاب: 50] جاءت قبل {أية : لاَّ يَحِلُّ لَكَ ٱلنِّسَآءُ مِن بَعْدُ ..} تفسير : [الأحزاب: 52] وقد ورد عن السيدة عائشة أنها قالت: ما مات رسول الله حتى أبيح له أنْ يتزوج ما شاء، فكيف ذلك؟ قالوا: لأن الله تعالى أراد أنْ يعطي لرسوله تميُّز الوفاء لأزواجه، فمع أن الله أباح له أنْ يتزوج بغيرهن، إلا أنه صلى الله عليه وسلم لم يفعل وفاءً لهُنَّ، والرسول صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك لأنه كان إذا حُيي بتحية يُحييّ بأحسن منها أو يردُّها بمثلها، وقد رأى صلى الله عليه وسلم من أزواجه سابقة خير حين خيرَّهُنَّ فاخترْته وفضَّلْن العيش معه على زينة الدنيا ومتعها، فكأنه يردُّ لهم هذه التحية بأحسن منها. ومجيء {أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ ..} [الأحزاب: 50] قبل {أية : لاَّ يَحِلُّ لَكَ ٱلنِّسَآءُ مِن بَعْدُ ..} تفسير : [الأحزاب: 52] دليل على تكريم الرسول ومعاملته معاملة خاصة، فالله قد أحل له قبل أنْ يُحرِّم عليه، ومثال هذا التكريم قوله تعالى: {أية : عَفَا ٱللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ ..} تفسير : [التوبة: 43] فسبُق العتاب بالعفو. ونلحظ في قوله تعالى: {إِنَّآ أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ ..} [الأحزاب: 50] أن الأزواج جاءت بصيغة المذكَّر ولم يقل زوجاتك؛ لأن الزوج يُطلق على الرجل وعلى المرأة، والزوج في اللغة هو الواحد المفرد ومعه غيره من جنسه، وليس الزوج يعني الاثنين كما يعتقد البعض، ومثلها كلمة (توأم) فهي تعني الواحد الذي معه غيره، فكل منهما يسمَّى توأماً، ومن ذلك قوله تعالى: {أية : ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مَّنَ ٱلضَّأْنِ ٱثْنَيْنِ وَمِنَ ٱلْمَعْزِ ٱثْنَيْنِ ..} تفسير : [الأنعام: 143]. ثم يقول تعالى: {وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَيْكَ ..} [الأحزاب: 50] نعرف أن ملْك اليمين يُقصَد به المرأة المملوكة، وجاء قوله تعالى: {مِمَّآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَيْكَ ..} [الأحزاب: 50] احتياط، فمِلْك اليمين بالنسبة لرسول الله جاء من طريق شرعي، جاء من الفيء والمراد أسرى الحروب. وقد باشر صلى الله عليه وسلم عملية السَّبْي بنفسه؛ لأن من الإماء حرائر أُخِذْنَ عُنْوة أو سُرِقْنَ، ومنهم من بيعتْ في سوق الرقيق على أنها أَمَة، وهذا ما رأيناه فعلاً في قصة سيدنا زيد بن حارثة، إذن: فقوله تعالى: {مِمَّآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَيْكَ ..} [الأحزاب: 50] أي: أنك ملكتها، وأنت واثق تمام الثقة أنها أمَة وَفَيءٌ أحله الله لك. {وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالاَتِكَ ٱللاَّتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ وَٱمْرَأَةً مُّؤْمِنَةً إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ ٱلنَّبِيُّ أَن يَسْتَنكِحَهَا خَالِصَةً لَّكَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ ..} [الأحزاب: 50]. وكذلك أحلَّ الله لنبيه أنْ يتزوّج من بنات عمه، أو بنات عماته، أو بنات خاله، أو بنات خالاته، والعمومة: أقاربه من جهة أبيه، والخئولة أقاربه من جهة أمة، ونلاحظ أن رسول الله لم يتزوج لا من بنات عمه، ولا من بنات عماته، ولا من بنات خاله، ولا من بنات خالاته. والمعنى أن الله تعالى أحلَّ له أنْ يتزوَّج من هؤلاء ما وُجد؛ لأن قرابته سيكونون مأمونين عليه، ومعينين له على أمره. وحين تتأمل هذه الآية نجد أن العم والخال جاءت مفردة، في حين جاءت العمات والخالات جمعاً، لماذا؟ قالوا: لأن العم والخال اسم جنس، واسم الجنس يُطلَق على المفرد وعلى الجمع، بدليل أنك تجد اسم الجنس في القرآن يُستثنى منه الجمع، كما في {أية : وَٱلْعَصْرِ* إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَفِى خُسْرٍ * إِلاَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْاْ بِٱلْحَقِّ وَتَوَاصَوْاْ بِٱلصَّبْرِ} تفسير : [العصر: 1-3]. فالإنسان اسم جنس مفرد، واستثنى منه الذين آمنوا وهي جمع، أما العمَّات والخالات فليستْ اسم جنس؛ لذلك جاءتْ بصيغة الجمع المؤنث. وأيضاً، لأن العم صِنْو الأب، فعلى فرض أنهم أعمام كثيرون، فهم في منزلة الأب، واقرأ في ذلك قوله تعالى: {أية : أَمْ كُنتُمْ شُهَدَآءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ ٱلْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُواْ نَعْبُدُ إِلَـٰهَكَ وَإِلَـٰهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ ..} تفسير : [البقرة: 133] فدخل العَمُّ في مُجْمل الآباء. وكذلك سَمَّى العمَّ أباً في قوله تعالى: {أية : وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ آزَرَ ..} تفسير : [الأنعام: 74] ومعلوم أنه كان عمه. وفي موضع آخر، جاءت عم بصيغة الجمع، وهو قوله تعالى: {أية : لَّيْسَ عَلَى ٱلأَعْمَىٰ حَرَجٌ وَلاَ عَلَى ٱلأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلاَ عَلَى ٱلْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلاَ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ أَن تَأْكُلُواْ مِن بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَآئِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالاَتِكُمْ ..} تفسير : [النور: 61]. فجاءت العم والخال هنا بصيغة الجمع، لماذا؟ قالوا: لأن الحديث هنا عن البيوت التي يُبَاح لك أنْ تأكل منها، وجاءت (بيوت) بصيغة الجمع، والعم له بيت واحد، فما دام قال بيوت فلا بُدَّ أنْ تأتي (أعمامكم) و (أخوالكم) بصيغة الجمع. ثم يقول تعالى: {وَٱمْرَأَةً مُّؤْمِنَةً إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ ..} [الأحزاب: 50] الوَهْب: انتقال ملكية بلا مقابل، نقول: فلان وهبك كذا يعني: أعطاه لك بلا مقابل، ليس بيعاً وليس بدلاً مثلاً. لذلك لما نزلت هذه الآية قالت السيدة عائشة: أتعجبُ لامرأة تبتذل نفسها، وتعطي نفسها لرجل هكذا مجاناً بلا مقابل، فنزل النص {وَٱمْرَأَةً مُّؤْمِنَةً إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ ..} [الأحزاب: 50] عندها قالت السيدة عائشة لسيدنا رسول الله: يا رسول الله، أرى الله يسارع إلى هواك، فقال لها صلى الله عليه وسلم: "حديث : وأنت يا عائشة، لو اتقيتِ اللهَ لسارع في هواك ". تفسير : والمعنى: أن الله يسارع في هواي، لأنني سارعتُ في هواه، طلب مني فأدَّيْتُ؛ لذلك يُلبي لي ما أريد من قبل أنْ أطلب منه. وقال {وَٱمْرَأَةً مُّؤْمِنَةً ..} [الأحزاب: 50] لأن الهبة هنا خاصة بالمؤمنة، فإنْ كانت كتابية لا يصح أن تهبَ نفسها للنبي، لكن أتحل له المرأة بمجرد أن تهب نفسها له؟ قالوا: لا، إنما لا بُدَّ من القبول، فإنْ قالت المرأة لرسول الله: أنا وهبتُ نفسي لك لا بُدَّ أنْ يقبل هو هذه الهبة؛ لذلك علَّق على هذه المسألة بقوله {إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ ٱلنَّبِيُّ أَن يَسْتَنكِحَهَا ..} [الأحزاب: 50] لأن المسألة مبنية على إيجاب وقبول. وللعلماء كلام في هذه المسألة، فبعضهم قال: لم يأخذ رسول الله امرأة بهبة أبداً، وقال آخرون: بل عنده أربع موهوبات هُنَّ: ميمونة بنت الحارث الهلالية، وزينب بنت خزيمة أم المساكين، وأم شريك بنت جابر، وخولة بنت حكيم. وليس في هذا التعارض (فزورة)، فمن السهل أنْ نجمع بين هذين القوليْن؛ لأن الله تعالى قال: {وَٱمْرَأَةً مُّؤْمِنَةً إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ ٱلنَّبِيُّ أَن يَسْتَنكِحَهَا ..} [الأحزاب: 50] فربما وهبَتْ نفسها للنبي، لكنه لم يُرِد، أو وهبتْ نفسها للنبي، فأراد أنْ يكرمها، وأنْ يجعل لها مهراً ويتزوجها. وكلمة {يَسْتَنكِحَهَا ..} [الأحزاب: 50] مثل ينكحها، فهما بمعنىً واحد، مثل: عَجِل واستعجل. ومعنى {خَالِصَةً لَّكَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ ..} [الأحزاب: 50] أن الله تعالى خَصَّ رسوله بأشياء ميَّزة بها؛ لأن مهمته صلى الله عليه وسلم ليستْ مع نفسه هو، إنما مهمته مع الناس جميعاً، وليس للناس المعاصرين له فحسب، إنما جميع الناس حتى قيام الساعة. إذن: فمشغولياته صلى الله عليه وسلم كثيرة كبيرة، كما قال سبحانه: {أية : إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً} تفسير : [المزمل: 5]. لذلك أراد الحق سبحانه ألاَّ يشغله شيء عن مهمته هذه، وأراد أنْ يتوفر رسول الله لأداء هذه المهمة التي هو بصددها، بحيث إذا ما عشق عملية البلاغ عن الله واندمج فيها ومعها تموت في نفسه كلُّ الأهواء، ولا يبقى إلا انشغاله بمهمة الدعوة. بدليل أن الوحي في أوله كان يجهد سيدنا رسول الله، وكان جبينه يتفصَّد عرقاً، ويذهب إلى أهله فربما يقول: زَمِّلوني زمِّلوني، ودثِّروني دثِّروني، ثم شاء الله تعالى أنْ يرفع عنه هذه المعاناة، وأنْ يريحه مما أنقض ظهره وأتعبه، ففتر الوحي فترة عن رسول الله حتى استراحتْ أعصابه، وهدأتْ طاقته، وبقيت معه حلاوة ما أوحي إليه هذه الحلاوة التي جعلتْ سيدنا رسول الله يتشوَّق للوحي من جديد، وشوقك إلى الشيء يُنسِيك التعب في سبيله. وفي ذلك يقول تعالى: {أية : وَٱلضُّحَىٰ * وَٱللَّيْلِ إِذَا سَجَىٰ * مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَىٰ * وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ ٱلأُولَىٰ * وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ} تفسير : [الضحى: 1-5]. وعجيبٌ أن يقول المشركون عند انقطاع الوحي: إن ربَّ محمد قلاه، ففي الجفوة عرفوا أن لمحمد رباً يجفوه، أما حين الخلوة والجَلْوة قالوا: مُفْترٍ وكذَّاب وشاعر .. إلخ. ومعنى {أية : وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ ٱلأُولَىٰ} تفسير : [الضحى: 4] يعني: ستكون عودة الوحي خيراً لك من بدايته؛ لأنه جاءك أولاً فوق طاقتك فأجهدك، أما في الأخرى فسوف تستدعيه أنت بنفسك وتنتظره على شوق إليه، فطاقتك هذه المرأة مستعدة لاستقباله، قادرة على تحمُّله دون تعب أو إجهاد. إذن: فالحق سبحانه جعل لرسوله ما يُيسِّر له أمر الاندماج في المستقبل، لذلك لما عاوده الوحي لم يتفصَّد جبينه عرقاً، ولا أُجهد كالمرة الأولى، لأن طاقة الشوق عنده وطاقة الحب تغلبتا على هذا التعب وهذا الاجتهاد. ثم يقول سبحانه: {قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِيۤ أَزْوَاجِهِـمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ ..} [الأحزاب: 50] أي: من العدد الذي حُدِّد بأربعة، ومن المهر الذي سُمِّي ساعة العقد، والمراد أن لكلٍّ حكمه وقانونه، فلكَ يا محمد حكم يناسبك، ولأمتك حكم. وبمناسبة ما نحن بصدده من الحديث عن أحكام الزواج والتعدد يجدر بنا أن نشير إلى الضجة التي يثيرها أعداء الإسلام بسبب مسألة "تعدد الزوجات"، مع أن التعدد في مصر لم يصل إلى حَدِّ الظاهرة، وليس وباءً كما يُصوِّره البعض. فالذين أحصوا هذه المسألة وجدوا أن الذين عدَّدوا بزوجتين ثلاثة بالمائة، والذين عددوا بثلاث واحد في الألف، والذين عدَّدوا بأربع نصف في الألف، فلماذا إذن إثارة الناس ضد ما شرع الله، ثم ألم يمتصّ التعدد فائضاً من النساء؟ وتأتي الزوجة تشتكي: بعد أنْ عِشْتُ معه كذا وكذا، وخدمته كذا وكذا يتزوج عليَّ؟ فأقول لها: أضَرَّك أنتِ؟ تقول: نعم، أقول: لكنه نفع أخرى، فواحدة بواحدة، ولماذا ننظر إلى المتزوجة، ونغفل التي لم تتزوج، أليس من حقِّها هي الأخرى أن تتزوج؟ ثم إن المرأة التي قبلَتْ أن تكون الثانية ما قبلت إلا لأنها لم تستطع أنْ تكون الأولى، وكذلك الثالثة ما قبلتْ، إلا لأنها لم تستطع أن تكون الثانية .. إلخ ثم نقول لهؤلاء: أألزمك ربك أنْ تعدد؟ هذه مسألة أباحها الشارع لحكمة، ولم يلزمك بها، فإنْ كان التعدد لا يعجبك فاكتفِ بواحدة. والذين أثاروا الضجة في تعدُّد الزوجات أثاروا أكثر منها في مسألة مِلْك اليمين في الإسلام، وراحوا يتهمون الإسلام والمسلمين: كيف يجمَع الرجل فوق زوجاته كذا وكذا من مِلْك اليمين؟ ومعلوم أن مِلْك اليمين كان موجوداً قبل الإسلام، وظل موجوداً حتى دعا القانون الدولي العام إلى منع ظاهرة العبودية، ودعا إلى تحرير العبيد، فسرَّح الناس ما عندهم من العبيد، وكان منهم مَنْ يشتري العبيد من أصحابهم ثم يُطلِق سراحهم. ومن هؤلاء العبيد مَنْ كان يعود إلى صاحبه وسيده مرة أخرى يريد العيش في كنفه وفي عبوديته مرة أخرى؛ لأنه ارتاح في ظل هذه العبودية، وعاش في حمايتها، وكان بعضهم يفخر بعبوديته ولا يسترها فيقول: أنا عتيق آل فلان. والمنصف يجد أن مِلْك اليمين في الإسلام ليست سُبَّة فيه، إنما مفخرة للإسلام؛ لأن مِلْك اليمين وسيلته في الإسلام واحدة، هي الحرب المشروعة، فالإسلام ما جاء لينشىء رِقاً، إنما جاء لينشىء عتقاً. الإسلام جاء والرق موجود، وكان العبيد يُباعون مع الأرض التي يعملون بها، ولا سبيل للحرية غير إرادة السيد في عِتْق عبده، في حين كانت منابع الرقِّ كثيرة متعددة، فكان المدين الذي لا يقدر على سداد دَيْنه يبيع نفسه أو ولده لسداد هذا الدين، وكان اللصوص وقُطَّاع الطرق يسرقون الأحرار، ويبيعونهم في سوق العبيد ... إلخ. فلما جاء الإسلام حرَّم كل هذه الوسائل ومنعها، ولم يُبْقِ إلا منبعاً واحداً هو السَّبْي في حرب مشروعة، وحتى في الحرب ليس من الضروري أن ينتج عنها رِقٌّ؛ لأن هناك تبادلَ أسري، ومعاملة بالمثل، وهذا التبادل يتم على أقدار الناس، فالقائد أو الفيلسوف أو العالم الكبير لا يُفتدى بواحد من العامة، إنما بعدد يناسب قدره ومكانته، واقرأ في ذلك قوله تعالى: {أية : فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَآءً حَتَّىٰ تَضَعَ ٱلْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ..} تفسير : [محمد: 4]. لأن الحرب ما شُرِعَتْ في الإسلام ليُرغم الناسُ على الدين، لكن ليُحمى اختيارهم للدين، بدليل أن البلاد التي دخلها الفتح الإسلامي بقي فيها كثير من الناس على كفرهم، ثم ألزمهم دفع الجزية مقابل الزكاة التي يدفعها المسلم، ومقابل الخدمات التي تؤديها إليه الدولة. ثم تأمل كيف يعامل الإسلام الأسرى، وعلى المجتمع الظالم الذي ينتقد الإسلام في هذه الجزئية أن يعلم أن الذي أَسرْتَه في المعركة قد قدرْتَ عليه، وتمكَّنْتَ منه، وإنْ شئت قتلتَهُ، فحين يتدخَّل الشرع هنا ويجعل الأسير مِلْكاً لك، فإنما يقصد من ذلك حَقْن دمه أولاً، ثم الانتفاع به ثانية، إما بالمال حين يدفع أهله فديته، وإما بأنْ يخدمك بنفسه. إذن: المقارنة هنا ليستْ بين رِقٍّ وحرية كما يظن البعض، إنما هي بين رِقٍّ وقتل. إذن: مشروعية الرق في أسرى الحرب إنما جاءتْ لتحقِنَ دم المأسور، وتعطي الفرصة للانتفاع به، فإذا لم يتم الفداء ولا تبادل أسرى وظَلَّ أسيرك بيدك، فاعلم أن له أحكاماً لا يصح تجاوزها، فهو شريكك في الإنسانية المخلوقة لله تعالى، وما أباح الله لك أنْ تأسره، وأن تملكه إلا لكي تَحْقِنَ دمه، لا أن تُذِلَّهُ. واقرأ قول النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : إخوانكم خَولَكُم، جعلهم الله تحت أيديكم، فمَنْ كان أخوه عنده فليُطْعمه مما يطعم، وليُلبِسْه مما يلبس، ولا يُكلِّفه ما لا يطيق، فإن كَلَّفه فَلْيُعِنه ". تفسير : فأيُّ إكرام للأسير بعد هذا، بعد أنْ حقن دمه أولاً، ثم كرَّمه بأنْ جعله أخاً لك، واحترم آدميته بالمعاملة الطيبة، ثم فتح له عدة منافذ تؤدي إلى عِتْقه وحريته، فإنْ كان للرقِّ في الإسلام باب واحد، فللحرية عدة أبواب، منها العتق في الكفارات وهي في تكفير الذنوب التي بين العبد وربه. فإذا لم تكُنْ هناك ذنوب فقد رغَّبَنا الشرع في عِتْق الرقاب لاجتياز العقبة كما في قوله تعالى: {أية : فَلاَ ٱقتَحَمَ ٱلْعَقَبَةَ * وَمَآ أَدْرَاكَ مَا ٱلْعَقَبَةُ * فَكُّ رَقَبَةٍ} تفسير : [البلد: 11-13]. هذا إنْ كان الأسير رجلاً، فإنْ كان امرأة، ففيها نفس التفصيل السابق، وتُعامَل نفس المعاملة الطيبة يزيد على ذلك أن للأَمَة - وهي في بيت سيدها - وضعا خاصاً، فهي ترى سيدتها تتمتع بزوجها، وترى البنت تتزوج، فيأخذها زوجها إلى بيت الزوجية، إلى آخر مثل هذه الأمور، وهي تقف موقف المتفرج، وربما أخذتها الغيرة من مثل هذه المسائل، فيكرمها الله حين يُحِلّها لسيدها، فيكون لها ما لسيدتها الحرة، فإذا ما أنجبتْ لسيدها ولداً صارت حُرَّة به، وهذا منفذ آخر من منافذ القضاء على الرق. وقوله تعالى: {لِكَيْلاَ يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ ..} [الأحزاب: 50] هذه هي الهبة الخالصة للنبي صلى الله عليه وسلم دون أمته، كأن الله يقول لنبيه: لا نريد أنْ نُحمِّلك ضيقاً في أيِّ شيء لتفرغ أنت لمهمتك الصعبة. {وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً} [الأحزاب: 50]. ثم يقول الحق سبحانه: {تُرْجِي مَن تَشَآءُ مِنْهُنَّ ...}.

الصابوني

تفسير : [4] أحكام زواج النبي صلى الله عليه وسلم التحليل اللفظي {أَحْلَلْنَا}: الإحلال معناه الإباحة، يقال: أحللت له الشيء: أي جعلته له حلالاً، وكل شيء أباحه الله فهو حلال، وما حرّمه فهو حرام. قال في "لسان العرب": والحِلّ والحلال والحليل: نقيض الحرام. وأحلّه الله وحلّله. وقوله تعالى في النَّسيء: {أية : يُحِلُّونَهُ عَاماً وَيُحَرِّمُونَهُ عَاماً} تفسير : [التوبة: 37] وهذا لك حلّ أي حلال. وقال ابن عباس عن ماء زمزم: هي حِلّ وبلّ أي حلال محلّل. {أُجُورَهُنَّ}: مهورهنّ، والمراد في الآية: الأزواج اللواتي تزوجهنّ عليه السلام بصداق، وسمّي المهر أجراً لأنه مقابل الاستمتاع بالمرأة في الظاهر. وأمّا في الحقيقة فهو بذل وعطيّة، لإظهار (خطر المحل) وشرفه، كما قال تعالى: {أية : وَآتُواْ ٱلنِّسَآءَ صَدُقَٰتِهِنَّ نِحْلَةً} تفسير : [النساء: 4] أي هبة وعطيّةً عن طيب نفس. فالمهر تكريم للمرأة، وإيناس لها، وتطييب لخاطرها. وليس هو مقابل المنفعة أو الاستمتاع كما نبّه عليه الفقهاء. {مَلَكَتْ يَمِينُكَ}: يعني الجواري والإماء، لأنهنّ يُتملكْن عن طريق الحرب والجهاد، بالجهد والتضحية، وبذل النفس والمال في سبيل الله، ولذلك أُطلق عليهن (ملك اليمين). {أَفَآءَ ٱللَّهُ}: أي ممّا غنمته منهنّ، وممَّا ردّه الله عليك من الكفار، كصفية وجويرية، فإنه عليه السلام أعتقهما وتزوجهما. وأصل الفيء: الرجوع، وسمّي هذا المال فيئاً لأنه رجع إلى المسلمين من أموال الكفار بدون قتال، فكأنه كان في الأصل للمسلمين فرجع إليهم بدون حرب ولا قتال. {هَاجَرْنَ مَعَكَ}: المراد بالهجرة هي هجرته عليه السلام إلى المدينة المنورة، والمعية هنا (معك) يراد بها الاشتراك في الهجرة، لا في الصحبة، فمن هاجرت حلّت له سواءً هاجرت في صحبته أو لم تهاجر في صحبته. قال أبو حيان: تقول: دخل فلان معي، وخرج معي. أي كان عمله كعملي وإن لم يقترنا في الزمان. وإن قلت: فرجعنا معاً اقتضى المعنيان الاشتراك في الفعل. والاشتراك في الزمان. {يَسْتَنكِحَهَا}: الاستنكاح طلب النكاح، لأن السين والتاء للطلب، مثل استنصر طلب النصرة، واستعجل طلب العجلة، والمراد من قوله: (إن أراد النبي) أي إن رغب النبي في نكاحها، فالإرادة هنا بمعنى الرغبة في النكاح. {خَالِصَةً}: أي خاصة لك لا يشاركك فيها أحد، يقال: هذا الشيء خالصة لك: أي خالص لك خاصة. قال ابن كثير في قوله تعالى: {خَالِصَةً لَّكَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ} أي لا تحل الموهوبة لغيرك. ولو أن امرأة وهبت نفسها لرجل، لم تحلّ له حتى يعطيها شيئاً. وكذا قال مجاهد والشعبي. {مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ}: أي ما أوجبنا على المؤمنين من نفقة، ومهر، وشهود في العقد، وعدم تجاوز أربع من النساء. وما أبحنا لهم من ملك اليمين مع الأربع الحرائر من غير عدد محصور. {حَرَجٌ}: أي ضيق ومشقة، ومعنى قوله تعالى: {لِكَيْلاَ يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ} أي لكيلا يكون عليك ضيق في دينك. حيث اختصصناك بما هو أولى وأفضل، وأحللنا لك أجناس المنكوحات توسعة لك، وتيسيراً عليك، لتتفرغ لشئون الدعوة والرسالة. {تُرْجِي}: قال في "لسان العرب": أرجأ الأمر: أخّره، وتركُ الهمزة لغة، يقال: أرجأتُ الأمر وأرجيتُه إذا أخرتَه، والإرجاء: التأخير ومنه سمّيت المرجئة، وهم صنف من المسلمين يقولون: الإيمان قول بلا عمل، فهم يرون أنهم لو لم يصلّوا ويصوموا لنجّاهم إيمانهم. قال ابن عباس في معنى الآية: تطلّق من تشاء من نسائك، وتمسك من تشاء منهن، لا حرج عليك. وقال مجاهد والضحاك: المعنى تَقْسم لمن شئت، وتؤخر عنك من شئت. وتقلّل لمن شئت، وتكثر لمن شئت، لا حرج عليك في ذلك، فإذا علمن أنّ هذا حكم الله وقضاؤه زالت الإحنة والغيرة عنهن، ورضين وقرّت أعينهنّ. {وَتُؤْوِيۤ}: أي تضمّ، يقال أوى وآوى بمعنى واحد قال تعالى: {أية : آوَىۤ إِلَيْهِ أَخَاهُ}تفسير : [يوسف: 69] أي ضمّه إليه وأنزله معه. وفي حديث البيعة أنه قال للأنصار "حديث : أبايعكم على أن تُؤووني وتنصروني" تفسير : أي تضموني إليكم وتحوطوني بينكم كذا في "اللسان". وقال ابن قتيبة: يقال: آويت فلاناً إليّ بمدّ الألف: إذا ضممتَه إليك، وأويت إلى بني فلان، بقصر الألف: إذا لجأت إليهم. قال ابن الجوزي: (وأكثر العلماء على أن هذه الآية نزلت مبيحة لرسول الله صلى الله عليه وسلم مصاحَبة نسائه كيف شاء، من غير إيجاب القسمة عليه والتسوية بينهنّ، غير أنه كان يسوّي بينهن). {تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ}: أي تطيب نفوسهن بتلك القسمة ومعنى الآية: ذلك التخيير الذي خيّرناك في صحبتهن، أقرب إلى رضاهنّ وانتفاء حزنهنّ، لأنهنّ إذا علمن أنّ هذا أمر من الله كان ذلك أطيب لأنفسهن، فلا يشعرن بالحزن والألم. قال أبو السعود: {ذَلِكَ أَدْنَىٰ أَن تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ} أي أقرب إلى قرّة عيونهن، ورضاهنّ جميعاً، لأنه حكم كلهنّ فيه سواء، ثمّ إن سوّيت بينهن وجدن ذلك تفضلاً منك، وإن رجّحت بعضهن علمن أنه بحكم الله فتطمئن به نفوسهن). {عَلِيماً حَلِيماً}: أي مبالغاً في العلم فيعلم كل ما تبدونه وتخفونه، حليماً لا يعاجل بالعقوبة فلا تغتروا بتأخيرها، فإنه تعالى يمهل ولا يهمل. المعنى الإجمالي أحلّ الله تعالى لنبيّه صلى الله عليه وسلم صنوفاً من النساء، صنفاً يدفع له المهر (المهورات) وصنفاً يتمتع به بملك اليمين (المملوكات)، وصنفاً من أقاربه من نساء قريش، ونساء بني زُهرة (المهاجرات)، وصنفاً رابعاً ينكحه بدون مهر (الواهبات) أنفسهنّ... وقد خص الباري جلّ وعلا رسوله الكريم في أحكام الشريعة بخصائص لم يشاركه فيها أحد، وذلك توسعة عليه، وتيسيراً له في نشر الرسالة وتبليغ الدعوة، فتزوجه صلى الله عليه وسلم بأكثر من أربع، واختصاصه بنكاح الواهبات أنفسهن بدون مهر، وعدم وجوب القَسْم عليه بين الأزواج، كل ذلك خاص به صلوات الله عليه تشريفاً له وتكريماً، وإظهاراً لمقامه السامي عند الله تعالى. روى مسلم في "صحيحه" عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (كنتُ أغار على اللاتي وهبن أنفسهن لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأقول: أما تستحي امرأة أن تهب نفسها لرجل!! حتى أنزل الله تعالى {تُرْجِي مَن تَشَآءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِيۤ إِلَيْكَ مَن تَشَآءُ} فقلت: ما أرى ربك إلاّ يسارع في هواك). ومعنى الآيات الكريمة: يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك اللاتي أعطيتهن مهورهن، وأحللنا لك ما ملكت يدك من السبي في الحرب. وأحللنا لك قريباتك من بنات عمك وبنات عماتك، وبنات خالك وبنات خالاتك، اللاتي هاجرن معك، وأحللنا لك النساء المؤمنات الصالحات، اللواتي وهبن أنفسهنّ، حباً في الله وفي رسوله، ورغبة في التقرب لك. إن أردت أن تتزوّج من شئت منهن، بدون مهر خالصة لك من دون المؤمنين، قد علمنا ما فرضنا على المؤمنين في زوجاتهم ورفيقاتهم من شرائط العقد، ووجوب المهر في غير المملوكات، وأمّا أنت فقد خصصناك بخصائص تيسيراً لك، لكيلا يكون عليك ضيق أو حرج، ولك - أيها الرسول - أن تترك من زوجاتك من تشاء، وتضم إليك من تشاء، وتقسم لمن تشاء منهن، وأن تراجع بعد الطلاق من تريد، ذلك أقرب أن ترتاح قلوبهن لعلمهنّ أنه بأمر الله وترخيصه لك، فيرضَيْن بكل ما تفعل، ويقبَلْن به عن طيب نفس، وكان الله عليماً بما انطوت عليه القلوب، حليماً لا يعاجل بالعقوبة لمن خالف أمره وعصاه. سبب النزول لما نزلت آية التخيير {أية : يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ قُل لأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً} تفسير : [الأحزاب: 28]. أشفق نساء النبيّ صلى الله عليه وسلم أن يطلقهنّ فقلن: يا نبيّ الله اجعل لنا من مالك ونفسك ما شئت، ودعنا في عصمتك فنزلت هذه الآية {تُرْجِي مَن تَشَآءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِيۤ إِلَيْكَ مَن تَشَآءُ} الآية. لطائف التفسير اللطيفة الأولى: الإحلال معناه الإباحة والحلّ، وإسناده إلى الله جل جلاله {أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَٰجَكَ} دال على أن التحليل والتحريم خاص به سبحانه والتشريع لله وحده والرسول صلى الله عليه وسلم مبلّغ عن الله ولا يملك أحد سلطة التشريع {أية : إِنِ ٱلْحُكْمُ إِلاَّ للَّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ إِيَّاهُ} تفسير : [يوسف: 40]. اللطيفة الثانية: في وصفه تعالى النساء بقوله: {ٱللاَّتِيۤ آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ} تنبيه على أن الله عز وجلّ اختار لنبيّه صلى الله عليه وسلم الأفضل والأكمل، فإنّ إيتاء المهر أولى وأفضل من تأخيره، والتعجيل كان سنّة السلف لا يعرف منهم غيره، وقد شكا بعض الصحابة عدم القدرة على التزوج، فقال له عليه السلام: (فأين درعك الحطمية؟). وليس تأخير بعض المهر وتقسيمه إلى (معجّل ومؤجّل) إلا شيء استحدثه العرف، واقتضاه التغالي بالمهور، أو الحذر على مستقبل الفتاة من الطلاق بعد أن فسد حال الناس. فذكرُ الأجور ليس للقيد أو الشرط وإنما هو لبيان الأفضل. اللطيفة الثالثة: تخصيص ما ملكت يمينه في قوله تعالى: {مِمَّآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَيْكَ} للإشارة إلى أنها أحلّ وأطيب مما تشتري من الجلب. فما سُبي من دار الحرب قيل فيه (سبي طيبة)، وما كان عن طريق العهد قيل (سبي خبيثة) والله تعالى لا يرغب لنبيّه إلا في الطيّب، دون الخبيث. أفاده أبو حيان في "البحر المحيط". اللطيفة الرابعة: ذُكرَ العم والخال مفرداً، وجُمعَ العمات والخالات في قوله تعالى: {وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّٰتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَٰلَٰتِكَ} قال ابن العربي: والحكمة في ذلك أن العم، والخال في الإطلاق (اسم جنس) كالشاعر، والراجز، وليس كذلك في العمة والخالة، وقد جاء الكلام عليه بغاية البيان، على العرف الذي جرى عليه العرب كما قيل: (قالت بنات العم يا سلمى). وكقولهم: (إنّ بني عمك فيهم رماح) وهذا دقيق فتأملوه. اللطيفة الخامسة: العدول عن الخطاب إلى الغيبة في قوله تعالى: (إن أراد النبيّ) ثمّ الرجوع إلى الخطاب في قوله (خالصة لك) وذكره صلى الله عليه وسلم في الموضعين بعنوان (النبوّة) للدّلالة على أنّ الاختصاص كان من الله تعالى تكرمةً له لأجل النبوَّة، والتكريرُ للتفخيم من شأنه صلى الله عليه وسلم، وبيان استحقاقه الكرامة لنبوته. قال الزجّاج: وإنما قال: (إن وهبتْ نفسها للنبيّ) ولم يقل: لك، لأنه لو قال: "لك" جاز أن يتوهّم أن ذلك يجوز لغير رسول الله صلى الله عليه وسلم كما جاز في بنات العم وبنات العمات. وجوه القراءات أولاً: قوله تعالى: {وَٱمْرَأَةً مُّؤْمِنَةً إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ} قرأ الجمهور (وامرأةً) بالنصب عطفاً على مفعول (أحلَلْنا) و(إنْ وهبت) بكسر الهمزة شرطية، وقرأ أبو حيْوة (وامرأةٌ مؤمنةٌ) بالرفع على الابتداء، والخبر محذوف أي أحللناها لك. وقرأ الحسن (أنْ وهبت) بفتح الهمزة وتقديره: لأن وهبت نفسها للنبيّ. ثانياً: قرأ نافع وحمزة والكسائي (تُرجي) بغير همز، وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر (تُرْجئ) مهموزاً والمعنى واحد. ثالثاً: قرأ ابن محيصن، والجوْني (أنْ تُقِرّ) بضم التاء وكسر القاف (أعينَهُن) بنصب النون، وقرأ الجمهور (أنْ تَقَرّ أعينُهنّ) فالأولى من (أقرّ) الرباعي، والثانية من (قرّ) الثلاثي فتنبه. رابعاً: قوله تعالى: {لاَّ يَحِلُّ لَكَ ٱلنِّسَآءُ} قرأ الجمهور (يحلّ) بالياء، وقرأ أبو عمرو (تَحلّ) بالتاء. قال ابن الجوزي: والتأنيث ليس بحقيقي، إنما هو تأنيث الجمع، فالقراءتان حسنتان. وجوه الإعراب أولاً: قوله تعالى: {ٱللاَّتِيۤ آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ} اللاتي: اسم موصول للمؤنث في محل نصب صفة لقوله (أزواجك) و(أجورهنّ) مفعول ثانٍ لآتيت لأنها بمعنى أعطيت، والمفعول الأول محذوف تقديره: آتيتهُنّ. ثانياً: قوله تعالى: {وَٱمْرَأَةً مُّؤْمِنَةً} في نصب (امرأةً) وجهان: أحدهما: أن يكون منصوباً بالعطف على قوله (أزواجَك) والعامل فيه (أحللنا). والثاني: أن يكون منصوباً بتقدير فعل، وتقديره: ونُحلّ لك امرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي، وليس معطوفاً على المنصوب بـ (أحللنا) لأن الشرط والجزاء لا يصح في الماضي، ألا ترى أنك لو قلت: إن قُمتَ غداً قُمتُ أمسِ، كنت مخطئاً. قال أبو البركات بن الأنباري: وهذا الوجه أوجه الوجهين. ثالثاً: قوله تعالى: {إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ ٱلنَّبِيُّ أَن يَسْتَنكِحَهَا} هنا شرطان، والثاني في معنى الحال، والمعنى: أحللناها لك إن وهبت لك نفسها وأنت تريد أن تنكحها، وإذا اجتمع شرطان فالثاني شرط في الأول متأخر في اللفظ، متقدّم في الوقوع ما لم تدلّ قرينة على الترتيب، أفاده أبو حيان. رابعاً: قوله تعالى: {وَيَرْضَيْنَ بِمَآ آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ} كلُّهُنَّ: مرفوع لأنه توكيد لنون النسوة في (يرضين) وليس توكيداً للضمير في (آتيتهنّ) ومعنى الآية: ويرضين كلّهنّ بما آتيتهن. الأحكام الشرعية الحكم الأول: هل يجوز النكاح بلفظ الإجارة أو الهبة؟ لا خلاف بين الفقهاء على أن عقد النكاح ينعقد باللفظ الصريح. وهو لفظ (النكاح أو الزواج) وبكل لفظ مشتق من هذه الصيغة، إذا لم يقصد به الوعد لقوله تعالى: {أية : فَٱنكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ} تفسير : [النساء: 25] ولقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه" تفسير : . فصيغة النكاح والتزويج وردت في الكتاب والسنة. وهي من الصيغ الصريحة في النكاح. وقد اتفق الفقهاء أيضاً على أنّ ألفاظ (الإباحة، والإحلال، والإعارة، والرهن والتمتع) لا يجوز بها عقد النكاح. ومثلها لفظ (الإجارة) فلا يجوز به عقد النكاح عند جمهور الفقهاء. وقال أبو الحسن الكرخي: يجوز بلفظ الإجارة لقوله تعالى: {ٱللاَّتِيۤ آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ} وحجته أن الله عز وجل سمّى المهر أجراً. والأجر يجب بعقد يتحقق بلفظ الإجارة، فيصح به النكاح. الرد على الكرخي: والجواب: أنّ معنى (الإجارة) يتنافى مع عقد النكاح. إذ النكاح مبني على التأبيد. والتوقيتُ يبطله. وعقد الإجارة مبنيٌ على التوقيت. حتى لو أطلق كان مؤقتاً ويتجدّد ساعة فساعة. فكيف يصح جعل ما هو موضوع على التوقيت دالاً على ما يبطله التوقيت؟ ومن جهة ثانية فإن الإجارة عقد على المنافع بعوض، والمهر ليس مقابل العوض. بل هو عطية أوجبها الله تعالى إظهاراً لخطر المحل. ولذلك يصحّ النكاح مع عدم ذكر المهر. ويجب مهر المثل بالدخول. ولا يصح النكاح بلفظ الإجازة حتى لا يلتبس الأمر بعقد المتعة الباطل. ولهذا لم يوافق أحد من فقهاء الحنفية الكرخيَّ فيما ذهب إليه. أما النكاح بلفظ الهبة فقد أجازه الحنفية. ومنعه جمهور الفقهاء. أدلة الحنفية: استدل الحنفية على جواز عقد النكاح بلفظ الهبة بما يلي: أ - قوله تعالى: {إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ ٱلنَّبِيُّ أَن يَسْتَنكِحَهَا} ووجه الاستدلال أنّ الله عز وجل سمّى العقد بلفظ الهبة نكاحاً فقال: (أن يستنكحها) فدلّ على جواز النكاح بلفظ الهبة، وإذا جاز هذا للنبي صلى الله عليه وسلم فقد جاز لنا أيضاً لأننا أمرنا باتباعه والإقتداء به. ب - وقالوا أيضاً: إن النبي صلى الله عليه وسلم وأمتَّه في عقد النكاح بلفظ (الهبة) سواء. وخصوصيتُه التي أشارت إليها الآية الكريمة {خَالِصَةً لَّكَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ} إنما هي في جواز النكاح بدون مهر بدليل قوله تعالى في آخر الآية {لِكَيْلاَ يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ} وذلك يشير إلى أنّ الخصوصية دفعت حرجاً، والحرجُ إنما يكون في إلزام المهر؛ لأنه يلزمه مشقة السعي في تحصيل المال، وهو عليه السلام مشغول بشؤون الرسالة، وليس ثمة حرج أن يكون العقد بلفظ النكاح أو التزويج فتكون الخصوصية له عليه السلام في النكاح بدون مهر. جـ - وقالوا: مما يؤيد هذا ما روي عن عائشة أنها كانت تعيّر النساء اللاتي وهبن أنفسهنّ للنبي صلى الله عليه وسلم وتقول: (ألا تستحيي أن تعرض نفسها بغير صداق)!! فلما نزل قوله تعالى: {تُرْجِي مَن تَشَآءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِيۤ إِلَيْكَ مَن تَشَآءُ...} [إلى قوله] {فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْك} قالت: ما أرى ربك إلا يسارع في هواك. وقد تقدّم الحديث. د - واستدلوا بحديث سهل بن سعد "حديث : أن امرأة جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول الله: جئت لأهب نفسي لك.. وفيه (فقام رجل من الصحابة فقال يا رسول الله: إن لم تكن لك بها حاجة فزوِّجْنيها، وذكر الحديث إلى قوله: إذهب فقد مَلّكتكها بما معك من القرآن ". تفسير : ففي هذا الحديث أنه عقد له النكاح بلفظ التمليك. والهبة من ألفاظ التمليك. فوجب أن يجوز بها عقد النكاح. فكلُّ ما كان من ألفاظ (الإباحة) لم ينعقد به عقد النكاح قياساً على المتعة، وكلُّ ما كان من ألفاظ (التمليك) ينعقد به عقد النكاح قياساً على سائر عقود التمليكات. حجة الجمهور: واستدل الجمهور (المالكية والشافعية والحنابلة) على عدم جواز النكاح بلفظ الهبة بما يأتي: أ - أنّ الله تعالى خصّ رسوله بهذه الخصوصية، وهي جواز النكاح بلفظ الهبة بدون مهر فقال جل ثناؤه: {وَٱمْرَأَةً مُّؤْمِنَةً إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ ٱلنَّبِيُّ أَن يَسْتَنكِحَهَا خَالِصَةً لَّكَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ}. فقوله تعالى: {إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ} وقوله {خَالِصَةً لَّكَ} دليل على أنّ إحلال المرأة عن طريق الهبة إنما كان خاصاً بالنبي صلى الله عليه وسلم بدليل قوله تعالى {مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ} فالخصوصية له عليه السلام كانت بالهبة (لفظاً ومعنى) لأنّ اللفظ تابع للمعنى. ب - وقالوا: ما كان من خصوصياته عليه السلام، فلا يجوز أن يشاركه فيها أحد. والآية دلت على أن هذا خاص بالرسول صلى الله عليه وسلم أي أن النكاح بدون مهر، وبلفظ الهبة معاً، من خصائصه عليه السلام، فمن أين لكم الخصوصية في المعنى دون اللفظ؟ ومن أين لكم أنه يجوز عقد النكاح لغير النبي صلى الله عليه وسلم بلفظ الهبة مع إيجاب المهر؟ جـ - وأما استدلال الحنفية بحديث (سهل بن سعد) أن النبي عليه السلام زوّج الصحابي بلفظ التمليك بقوله: "حديث : اذهب فقد ملّكتُكها بما معك من القرآن"تفسير : فليس فيه ما يدل لهم، فقد جاء في بعض الروايات "اذهب فقد زوّجتُكها" وليس كل ما يدل على التمليك ينعقد به النكاح. فلفظ الإجارة يدل على التمليك ومع ذلك لا ينعقد به النكاح باتفاق. الترجيح: أقول: أدلة الحنفية كما بسطها الإمام (الجصاص) وإن كانت قوّية، إلاّ أنّ النصّ ورد بالخصوصية للرسول عليه السلام في (نكاح الهبة) والظاهر أنّ المراد منه (اللفظ والمعنى)، وحمله على المعنى دون اللفظ يحتاج إلى دليل. وصيَغُ النكاح لا يجري فيها القياس، فما ذهب إليه الجمهور هو الأرجح كما قال الإمام مالك رحمه الله: إنّ الهبة لا تحل لأحد بعد النبي صلى الله عليه وسلم إن كانت هبة نكاح، والله أعلم. الحكم الثاني: هل الهجرة شرط في النكاح؟ ظاهر الآية الكريمة يدل على أنّ من لم تهاجر معه من النساء لا يحلّ له نكاحها لقوله تعالى: {ٱللاَّتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ} الآية وإلى هذا الظاهر ذهب بعض العلماء، قال القاضي أبو يعلى: وهذا يدل على أن من لم تهاجر معه من النساء لم يحلّ له نكاحها، قالت أم هانئ بنت أبي طالب: خطبني رسول الله صلى الله عليه وسلم فاعتذرت إليه فعذرني، ثم نزلت هذه الآية {إِنَّآ أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَٰجَكَ...} إلى قولك {ٱللاَّتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ} قالت: فلم أكن لأحلّ له، لأني لم أهاجر معه، كنتُ من الطّلقاء. وجمهور المفسرين على أن الهجرة ليست بقيد ولا شرط، وإنما هي لبيان الأفضل. كما في قوله تعالى: {ٱللاَّتِيۤ آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ} فالآية ذكرت الأصناف التي يباح للرسول صلى الله عليه وسلم أن يتزوج منها، وبيّن ما هو أفضل له وأكمل، فكما أنّ ذكر (الأجور) ليس للقيد وإنما هو لبيان الأفضل فكذا هنا. قال أبو حيّان: (والتخصيص باللاتي هاجرن معك، لأنّ من هاجر معه من قرابته غير المحارم أفضل من غير المهاجرات، وقيل: شرط الهجرة في التحليل منسوخ). وحكى الماوردي في ذلك قولين: أحدهما: أن الهجرة شرط في إحلال النساء له على الإطلاق. والثاني: أنه شرط في إحلال قراباته المذكورات في الآية دون الأجنبيات. الترجيح: والصحيح ما ذهب إليه جمهور المفسّرين أن تقييد القريبات بكونهنّ مهاجرات لبيان الأكمل والأفضل. الحكم الثالث: هل كان عند النبي امرأة موهوبة؟ ذهب أكثر العلماء إلى أن الهبة وقعت من كثير من النساء، وقد وردت روايات كثيرة منها القوي ومنها الضعيف في أسماء الواهبات أنفسهنّ، منهنّ (أم شريك) و(خولة بنت حكيم) و(ليلى بنت الخطيم) ولكن لم يكن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم منهنّ أحد، وقيل (ميمونة بنت الحارث) و(زينب بنت خزيمة) كذلك من الواهبات أنفسهنّ والصحيح هو الأول. قال أبو بكر ابن العربي: (وروي عن ابن عباس ومجاهد أنهما قالا: لم يكن عند النبي صلى الله عليه وسلم امرأة موهوبة). قال ابن كثير: "اللاتي وهبن أنفسهن للنبي صلى الله عليه وسلم كثير، كما قال البخاري عن عائشة رضي الله عنها قالت: كنت أغار من اللاتي وهبن أنفسهنّ للنبي صلى الله عليه وسلم وأقول: أتهب المرأة نفسها؟ فلمّا أنزل الله تعالى: {تُرْجِي مَن تَشَآءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِيۤ إِلَيْكَ مَن تَشَآءُ وَمَنِ ٱبْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلاَ جُنَاحَ} قلت: ما أرى ربك إلاّ يسارع في هواك". الحكم الرابع: هل كان القسم واجباً على رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ يرى بعض العلماء أن القسم كان واجباً على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنه كان يقسم بينهن بالعدل ويقول: "حديث : اللهمّ هذا قسمي فيما أملك، فلا تؤاخذني فيما لا أملك" تفسير : يريد بقوله (ما لا أملك) ميل القلب نحو بعض نسائه كعائشة رضي الله عنها. واستدلوا بأنّ القسم كان واجباً عليه بأنه عليه السلام كان يستأذن بعض نسائه فيقول: أتأذنّ لي أن أبيت عند فلانة، وقد ورد في ذلك أحاديث صحيحة. وذهب أكثر العلماء على أن هذه الآية الكريمة نزلت مبيحة لرسول الله صلى الله عليه وسلم معاشرة من شاء من نسائه دون أن يكون القسم عليه واجباً، ومع ذلك فقد كان يعدل بينهنّ ويسوّي في القسمة. قال الجصاص: "وهذه الآية تدل على أن القسم بينهن لم يكن واجباً على النبي صلى الله عليه وسلم وأنه كان مخيراً في القسم لمن يشاء، وترك من شاء منهن". وقال ابن كثير: "وذهب طائفة من العلماء من الشافعية وغيرهم، إلى أنه لم يكن القسم واجباً عليه صلى الله عليه وسلم، واحتجوا بهذه الآية الكريمة، وقال البخاري عن معاذ عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم يستأذننا في يوم المرأة منا، بعد أن نزلت هذه الآية {تُرْجِي مَن تَشَآءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِيۤ إِلَيْكَ مَن تَشَآءُ وَمَنِ ٱبْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكَ} فقلت لها: ما كنت تقولين؟ قالت كنت أقول: إن كان ذلك إليّ فإني لا أريد يا رسول الله أن أوثر عليك أحداً". والصحيح أن القسم لم يكن واجباً عليه وهو اختيار الجمهور. شبهة والردُّ عليها لقد درج أعداء الإسلام منذ القديم، على التشكيك في نبي الإسلام، والطعن في رسالته والنيل من كرامته، ينتحلون الأكاذيب والأباطيل، ليشككوا المؤمنين في دينهم، ويبعدوا الناس عن الإيمان برسالته صلى الله عليه وسلم، ولا عجب أن نسمع مثل هذا البهتان والافتراء والتضليل في حق الأنبياء والمرسلين، فتلك سنة الله في خلقه، ولن تجد لسنة الله تبديلاً. وصدق الله حيث يقول: {أية : وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً مِّنَ ٱلْمُجْرِمِينَ وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ هَادِياً وَنَصِيراً} تفسير : [الفرقان: 31] وقبل أن نتحدث عن "أمهات المؤمنين الطاهرات"، وحكمة الزواج بهن نحب أن نردّ على شبهة سقيمة، طالما أثارها كثير من الأعداء، من الصليبيين، الحاقدين، والغربيّين المتعصبين. ردّدوها كثيراً ليفسدوا بها العقائد، ويطمسوا بها الحقائق. ولينالوا من صاحب الرسالة العظمى محمد بن عبد الله، صلوات الله وسلامه عليه. إنهم يقولون: "لقد كان محمد رجلاً شهوانياً، يسير وراء شهواته وملذاته، ويمشي مع هواه، لم يكتف بزوجةٍ واحدة أو بأربع، كما أوجب على أتباعه، بل عدّد الزوجات فتزوّج عشر نسوةٍ أو يزيد، سيراً مع الشهوة، وميلاً مع الهوى! كما يقولون أيضاً: فرقٌ كبير وعظيم، بين "عيسى" وبين "محمد"، فرقٌ بين من يغالب هواه، ويجاهد نفسه كعيسى بن مريم، وبين من يسير مع هواه، ويجري وراء شهواته كمحمد {أية : كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِن يَقُولُونَ إِلاَّ كَذِباً} تفسير : [الكهف: 5]. حقاً إنهم لحاقدون كاذبون، فما كان "محمد" عليه الصلاة والسلام، رجلاً شهوانياً، إنما كان نبياً إنسانياً، تزوّج كما يتزوّج البشر، ليكون قدوة لهم في سلوك الطريق السويّ، وليس هو إلٰهاً، ولا ابن إلٰه - كما يعتقد النصارى في نبيّهم - إنما هو بشر مثلهم، فضّله الله عليهم بالوحي، والرسالة {أية : قُلْ إِنَّمَآ أَنَاْ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ أَنَّمَآ إِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ...} تفسير : [الكهف: 110]. ولم يكن صلوات الله وسلامه عليه بدعاً من الرسل، حتى يخالف سنتهم، أو ينقض طريقتهم، فالرسل الكرام قد حكى القرآن الكريم عنهم بقول الله جلّ وعلا: {أية : وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِّن قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجاً وَذُرِّيَّةً...} تفسير : [الرعد: 38]. فعلام إذاً يثيرون هذه الزوابع الهوج في حقّ خاتم النبيين عليه الصلاة والسلام؟ ولكن كما يقول القائل: شعر : قد تنكر العين ضوء الشمس من رَمَد وينكر الفم طعم الماء من سقم تفسير : وصدق الله حيث يقول: {أية : فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى ٱلأَبْصَارُ وَلَـٰكِن تَعْمَىٰ ٱلْقُلُوبُ ٱلَّتِي فِي ٱلصُّدُورِ} تفسير : [الحج: 46]. "ردُّ الشبهة" هناك نقطتان جوهريتان، تدفعان الشبهة عن النبي الكريم، وتلقمان الحجر لكل مفتر أثيم، يجب ألاّ نغفل عنهما، وأن نضعهما نَصْبَ أعيننا حين نتحدث عن أمهات المؤمنين، وعن حكمة تعدّد زوجاته الطاهرات، رضوان الله عليهن أجمعين. هاتان النقطتان هما: أولاً: لم يعدّد الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم زوجاته إلا بعد بلوغه سنَّ الشيخوخة أي بعد أن جاوز من العمر الخمسين. ثانياً: جميع زوجاته الطاهرات ثيبات (أرامل) ما عدا السيدة عائشة رضي الله عنها فهي بكر، وهي الوحيدة من بين نسائه التي تزوجها صلى الله عليه وسلم وهي في حالة الصبا والبكارة. ومن هاتين النقطتين ندرك - بكل بساطة - تفاهة هذه التهمة، وبطلان ذلك الادعاء، الذي ألصقه به المستشرقون الحاقدون. فلو كان المراد من الزواج الجريَ وراء الشهوة، أو السيرَ مع الهوى، أو مجردَ الاستمتاع بالنساء، لتزوّج في سنّ (الشباب) لا في سنّ (الشيخوخة) ولتزوج (الأبكار الشابات)، لا (الأرامل المسنّات)، وهو القائل لجابر بن عبد الله حين جاءه وعلى وجهه أثر التطيب والنعمة: "هل تزوجت؟ قال: نعم، قال: بكراً أم ثيباً؟ قال: بل ثيباً، فقال له صلوات الله عليه: فهلاَّ بكراً تلاعبها وتلاعبك، وتضاحكها وتضاحكك"؟ فالرسول الكريم أشار عليه بتزوج البكر، وهو عليه السلام يعرف طريق الاستمتاع وسبيل الشهوة، فهل يعقل أن يتزوج الأرامل ويترك الأبكار. ويتزوج في سن الشيخوخة، ويترك سنّ الصّبا، إذا كان غرضه الاستمتاع والشهوة؟! إن الصحابة رضوان الله عليهم كانوا يفدون رسول الله صلى الله عليه وسلم بمهجهم وأرواحهم، ولو أنه طلب الزواج لما تأخر أحد منهم عن تزويجه بمن شاء من الفتيات الأبكار الجميلات، فلماذا لم يعدّد الزوجات في مقتبل العمر، وريعان الشباب، ولماذا ترك الزواج بالأبكار، وتزوّج الثيبات؟ إنّ هذا - بلا شك - يدفع كل تقوّل وافتراء، ويدحض كل شبهة وبهتان. ويردّ على كل أفّاك أثيم، يريد أن ينال من قدسية الرسول، أو يشوّه سمعته فما كان زواج الرسول بقصد (الهوى) أو (الشهوة) وإنما كان لحكم جليلة، وغايات نبيلة، وأهداف سامية، سوف يقر الأعداء بنبلها وجلالها، إذا ما تركوا التعصب الأعمى، وحكّموا منطق العقل والوجدان. وسوف يجدون في هذا الزواج (المثل الأعلى) في الإنسان الفاضل الكريم، والرسول النبي الرحيم، الذي يضحّي براحته في سبيل مصلحة غيره، وفي سبيل مصلحة الدعوة والإسلام. حكمة تعدد زوجات الرسول صلى الله عليه وسلم إن الحكمة من "تعدّد زوجات الرسول" كثيرة ومتشعبة، ويمكننا أن نجملها فيما يلي. أولاً: الحكمة التعليمية. ثانياً: الحكمة التشريعية. ثالثاً: الحكمة الاجتماعية. رابعاً: الحكمة السياسة. ولنتحدث باختصار عن كلٍ من هذه الحِكَم الأربع، ثم نعقبها بالحديث عن أمهات المؤمنين الطاهرات، وحكمة الزواج بكل واحدة منهن استقلالاً فنقول ومن الله نستمد العون. أولاً: الحكمة التعليمية: لقد كانت الغاية الأساسية من تعدد زوجات الرسول صلى الله عليه وسلم هي تخريج بضع معلمات للنساء، يعلمنهن الأحكام الشرعية، فالنساء نصيف المجتمع، وقد فُرِضَ عليهن من التكاليف ما فرض على الرجال. وقد كان الكثيرات منهن يستحيين من سؤال النبي صلى الله عليه وسلم عن بعض الأمور الشرعية وخاصة المتعلقة بهن، كأحكام الحيض، والنفاس، والجنابة، والأمور الزوجية، وغيرها من الأحكام، وقد كانت المرأة تغالب حياءها حينما تريد أن تسأل الرسول الكريم عن بعض هذه المسائل. كما كان من خلق الرسول صلى الله عليه وسلم الحياء الكامل، وكان - كما تروي كتب السنّة - أشدّ حياءً من العذراء في خدرها، فما كان عليه الصلاة والسلام يستطيع أن يجيب عن كل سؤالٍ يعرض عليه من جهة النساء بالصراحة الكاملة، بل كان يكنّي في بعض الأحيان، ولربما لم تفهم المرأة عن طريق (الكناية) مراده عليه السلام. تروي السيدة عائشة رضي الله عنها أن امرأة من الأنصار، سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن غسلها من المحيض، فعلّمها صلى الله عليه وسلم كيف تغتسل، ثمّ قال لها: خذي فرصة ممسّكةً (أي قطعة من القطن بها أثر الطيب) فتطهّري بها، قالت: كيف أتطهر بها؟ قال: تطهّري بها، قالت: كيف يا رسول الله أتطهر بها؟ فقال لها: سبحان الله تطهّري بها!. قالت السيدة عائشة: فاجتذبتها من يدها، فقلت: ضعيها في مكان كذا وكذا، وتتبعي بها أثر الدم، وصرحت لها بالمكان الذي تضعها فيه. فكان صلوات الله عليه يستحيي من مثل هذا التصريح، وهكذا كان القليل أيضاً من النساء من تستطيع أن تتغلّب على نفسها، وعلى حيائها، فتجاهر النبي صلى الله عليه وسلم بالسؤال عمّا يقع لها. نأخذ مثلاً لذلك حديث (أم سلمة) المرويّ في "الصحيحين" وفيه تقول: (جاءت أم سُلَيْم (زوج أبي طلحة) إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت له: يا رسول الله إن الله لا يستحيي من الحق، هل على المرأة من غُسْل إذا هي احتلمت؟ فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: نعم إذا رأت الماء. فقالت أم سلمة: لقد فضحتِ النساء، ويحك أوتحتلم المرأة؟ فأجابها النبي الكريم بقوله: إذاً فبم يشبهها الولد؟). مراده عليه السلام أن الجنين يتولد من ماء الرجل، وماءِ المرأة، ولهذا يأتي له شبه بأمه، وهذا كما قال الله تعالى: {أية : إِنَّا خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً} تفسير : [الإنسان: 2]. قال ابن كثير رحمه الله: "أمشاج: أي أخلاط. والمشج والمشيج الشيء المختلط بعضه في بعض، قال ابن عباس: يعني ماءَ الرجل، وماء المرأة، إذا اجتمعا واختلطا...". وهكذا مِثْلُ هذه الأسئلة المحرجة، كان يتولى الجواب عنها فيما بعد زوجاتُه الطاهرات. ولهذا تقول السيدة عائشة رضي الله عنها: "رحم الله نساء الأنصار، ما منعهن الحياء أن يتفقهن في الدين". وكانت المرأة منهن تأتي إلى السيدة عائشة في الظلام لتسألها عن بعض أمور الدين، وعن أحكام الحيض والنفاس والجنابة وغيرها من الأحكام، فكان نساء الرسول خيرَ معلّمات وموجهات لهن، وعن طريقهن تفقّه النساء في دين الله. ثمّ إنه من المعلوم أنّ السنّة المطهّرة ليست قاصرة على قول النبي صلى الله عليه وسلم فحسب، بل هي تشمل قوله. وفعله، وتقريره، وكل هذا من التشريع الذي يجب على الأمة اتباعه، فمن ينقل لنا أخبارَه وأفعالَه عليه السلام في المنزل غيرُ هؤلاء النسوة اللواتي أكرمهن الله فكنّ أمهات للمؤمنين، وزوجاتٍ لرسوله الكريم في الدنيا والآخرة؟! لا شك أن لزوجاته الطاهرات رضوان الله عليهن أكبر الفضل في نقل جميع أحواله وأطواره، وأفعاله المنزلية عليه أفضل الصلاة والتسليم. ولقد أصبح من هؤلاء الزوجات معلّمات ومحدثات نقلن هديه عليه السلام. واشتهرن بقوة الحفظ والنبوغ والذكاء. ثانياً: الحكمة التشريعية. ونتحدث الآن عن (الحكمة التشريعية) التي هي جزء من حكمة تعدد زوجات الرسول صلى الله عليه وسلم. وهذه الحكمة ظاهرة تدرك بكل بساطة، وهي أنها كانت من أجل إبطال بعض العادات الجاهلية المستنكرة، ونضرب لذلك مثلاً (بدعة التبني) التي كان يفعلها العرب قبل الإسلام، فقد كانت ديناً متوارثاً عندهم، يتبنّى أحدهم ولداً ليس من صلبه، ويجعله في حكم الولد الصلبي، ويتخذه ابناً حقيقياً له حكم الأبناء من النسب، في جميع الأحوال: في الميراث، والطلاق، والزواج، ومحرمات المصاهرة، ومحرمات النكاح، إلى غير ما هنالك مما تعارفوا عليه وكان ديناً تقليدياً متبعاً في الجاهلية. كان الواحد منهم يتبنَّى ولد غيره فيقول له: "أنت ابني، أرثك وترثني" وما كان الإسلام ليقرّهم على باطل، ولا ليتركهم يتخبّطون في ظلمات الجهالة، فمهّد لذلك بأن ألهم رسوله عليه السلام أن يتبنّى أحد الأبناء - وكان ذلك قبل البعثة النبوية - فتبنّى عليه السلام (زيد بن حارثة) على عادة العرب قبل الإسلام. وفي سبب تبنّيه قصة من أروع القصص، وحكمة من أروع الحِكَم ذكرها المفسّرون وأهل السير، لا يمكننا الآن ذكرُها لعدم اتساع المجال: وهكذا تبنَّى النبي الكريم (زيد بن حارثة) وأصبح الناس يدعونه بعد ذلك اليوم (زيد بن محمد). روى البخاري ومسلم: عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنه قال: إنّ زيد بن حارثة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كنّا ندعوه إلاّ زيد بن محمد، حتى نزل القرآن {أية : ٱدْعُوهُمْ لآبَآئِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ ٱللَّهِ} تفسير : [الأحزاب: 5] فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أنت زيد بن حارثة بن شراحيل". وقد زوّجه عليه السلام بابنة عمته (زينب بنت جحش الأسدية) وقد عاشت معه مدةً من الزمن، ولكنها لم تطل فقد ساءت العلاقات بينهما، فكانت تغلظ له القول، وترى أنها أشرفُ منه، لأنه كان عبداً مملوكاً قبل أن يتبناه الرسول، وهي ذات حسبٍ ونسب. ولحكمة: يريدها الله تعالى طلّق زيد زينب، فأمر الله رسوله أن يتزوجها ليبطل (بدعة التبني) ويقيم أسس الإسلام، ويأتي على الجاهلية من قواعدها. ولكنه عليه السلام كان يخشى من ألسنة المنافقين والفجّار، أن يتكلموا فيه ويقولوا: تزوّج محمد امرأة ابنه، فكان يتباطأ حتى نزل العتاب الشديد لرسول الله عليه السلام، وفي قوله جلّ وعلا: {أية : وَتَخْشَى ٱلنَّاسَ وَٱللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَىٰ زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَراً زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لاَ يَكُونَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِيۤ أَزْوَاجِ أَدْعِيَآئِهِمْ إِذَا قَضَوْاْ مِنْهُنَّ وَطَراً وَكَانَ أَمْرُ ٱللَّهِ مَفْعُولاً} تفسير : [الأحزاب: 37]. وهكذا انتهى حكم التبني، وبطلت تلك العادات التي كانت متبعة في الجاهلية. وكانت ديناً تقليدياً لا محيد عنه، ونزل قوله تعالى مؤكداً هذا التشريع الإلٰهي الجديد: {أية : مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَآ أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَـٰكِن رَّسُولَ ٱللَّهِ وَخَاتَمَ ٱلنَّبِيِّينَ وَكَانَ ٱللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً} تفسير : [الأحزاب: 40]. وقد كان هذا الزواج بأمرٍ من الله تعالى، ولم يكن بدافع الهوى والشهوة كما يقول بعض الأفّاكين المرجفين من أعداء الله، وكان لغرضٍ نبيل، وغاية شريفة هي إبطال عادات الجاهلية، وقد صرّح الله عز وجل بغرض هذا الزواج بقوله: {أية : لِكَيْ لاَ يَكُونَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِيۤ أَزْوَاجِ أَدْعِيَآئِهِمْ إِذَا قَضَوْاْ مِنْهُنَّ وَطَراً...} تفسير : [الأحزاب: 37]. وقد تولى الله عزّ وجل تزويج نبيه الكريم بزينب، امرأة ولده من التبني ولهذا كانت تفخر على نساء النبي بهذا الزواج الذي قضى به رب العزّة من فوق سبع سماواته. روى البخاري: بسنده أن (زينب) رضي الله عنها كانت تفخر على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وتقول: زوجكُنّ أهاليكن، وزوّجني الله من فوق سبع سمٰوات. وهكذا كان هذا الزواج للتشريع، وكان بأمر الحكيم العليم، فسبحان من دقت حكمته أن تحيط بها العقول والأفهام وصدق الله: {أية : وَمَآ أُوتِيتُم مِّنَ ٱلْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً} تفسير : [الإسراء: 85]. ثالثاً: الحكمة الاجتماعية: أما الحكمة الثالثة فهي (الحكمة الاجتماعية) وهذه تظهر بوضوح في تزوج النبي صلى الله عليه وسلم بابنة الصّديق الأكبر (أبي بكر) رضي الله عنه وزيره الأول، ثمّ بابنة وزيره الثاني الفاروق (عمر) رضي الله عنه وأرضاه، ثمّ باتصاله عليه السلام بقريش اتصال مصاهرة ونسب. وتزوجه العديد منهن، ممّا ربط بين هذه البطون والقبائل برباط وثيق، وجعل القلوب تلتف حوله، وتلتقي حول دعوته في إيمان، وإكبار، وإجلال. لقد تزوّج النبي صلوات الله عليه بالسيدة (عائشة) بنتِ أحبّ الناس إليه، وأعظمهم قدراً لديه، ألا وهو أبو بكر الصدّيق، الذي كان أسبق الناس إلى الإسلام، وقدّم نفسه وروحه وماله، في سبيل نصرة دين الله، والذود عن رسوله، وتحمّل ضروب الأذى في سبيل الإسلام، حتى قال عليه السلام - كما في الترمذي - مُشيداً بفضل أبي بكر: "حديث : ما لأحد عندنا يدٌ إلاّ وقد كافيناه بها، ما خلا أبا بكر، فإنّ له عندنا يداً يكافيه الله تعالى بها يوم القيامة، وما نفعني مال أحدٍ قط ما نفعني مال أبي بكر. وما عرضت الإسلام على أحدٍ إلاّ كانت له كبوة (أي تردد وتلكؤ) إلا أبا بكر فإنه لم يتلعثم، ولو كنتُ متخذاً خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً، ألا وإنّ صاحبكم خليل الله تعالى ". تفسير : فلم يجد الرسول صلى الله عليه وسلم مكافأة لأبي بكر في الدنيا، أعظم من أن يُقرَّ عينه بهذا الزواج بابنته، ويصبح بينهما (مصاهرة) وقرابة، تزيد في صداقتهما وترابطهما الوثيق. كما تزوج صلوات الله عليه بالسيدة (حفصة بنت عمر) فكان ذلك قرّة عين لأبيها عمر على إسلامه، وصدقه، وإخلاصه، وتفانيه في سبيل هذا الدين، وعمر هو بطل الإسلام، الذي أعزّ الله به الإسلام والمسلمين، ورفع به منار الدين، فكان اتصاله عليه السلام به عن طريق المصاهرة، خيْرَ مكافأة له على ما قدّم في سبيل الإسلام، وقد ساوى صلى الله عليه وسلم بينه وبين وزيره الأول أبي بكر في تشريفه بهذه المصاهرة، فكان زواجه بابنتيهما أعظم شرفٍ لهما، بل أعظم مكافأة ومنّة، ولم يكن بالإمكان أن يكافئهما في هذه الحياة بشرف أعلى من هذا الشرف، فما أجلّ سياسته؟ وما أعظم وفاءه للأوفياء المخلصين!. كما يقابُل ذلكَ اكرامَه لعثمان وعلي رضي الله عنهما بتزويجهما ببناته، وهؤلاء الأربعة هم أعظم أصحابه، وخلفاؤه من بعده في نشر ملته، وإقامة دعوته، فما أجلّها من حكمة، وما أكرمها من نظرة؟ رابعاً: الحكمة السياسية: لقد تزوج النبي صلى الله عليه وسلم ببعض النسوة، من أجل تأليف القلوب عليه، وجمع القبائل حوله، فمن المعلوم أنّ الإنسان إذا تزوج من قبيلة، أو عشيرة، يصبح بينه وبينهم قرابة و(مصاهرة) وذلك بطبيعته يدعوهم إلى نصرته وحمايته، ولنضرب بعض الأمثلة على ذلك لتتضّح لنا الحكمة، التي هدف إليها الرسول الكريم من وراء هذا الزواج. أولاً: تزوّج صلوات الله عليه بالسيدة (جويرية بنت الحارث) سيّد بني المصطلق، وكانت قد أُسِرت مع قومها وعشيرتها، ثمّ بعد أن وقعت تحت الأسر أرادت أن تفتدي نفسها، فجاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تستعينه بشيء من المال، فعرض عليها الرسول الكريم أن يدفع عنها الفداء وأن يتزوج بها فقبلت ذلك فتزوجها، فقال المسلمون: أصهار رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت أيدينا؟ (أي أنهم في الأسر) فأعتقوا جميع الأسرى الذين كانوا تحت أيديهم، فلما رأى بنو المصطلق هذا النبل والسمو، وهذه الشهامة والمروءة أسلموا جميعاً، ودخلوا في دين الله، وأصبحوا من المؤمنين. فكان زواجه صلى الله عليه وسلم بها بركة عليها وعلى قومها وعشيرتها، لأنه كان سبباً لإسلامهم وعتقهم، وكانت (جويرية) أيمن امرأة على قومها. أخرج البخاري في "صحيحه": عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: "حديث : أصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءَ بني المصطلق، فأخرج الخُمُس منه ثمّ قسمه بين الناس، فأعطى الفرس سهمين، والرجل سهماً، فوقعت (جويرية بنت الحارث) في سهم ثابت بن قيس، فجاءت إلى الرسول فقالت: يا رسول الله أنا جويرية بنت الحارث سيّدِ قومه، وقد أصابني من الأمر ما قد علمتَ، وقد كاتبني ثابت على تسع أواق، فأعنّي على فَكَاكي، فقال عليه السلام: أو خير من ذلك؟ فقالت: ما هو؟ فقال: أوْدي عنك كتابَتَك وأتزوجُك. فقالت: نعم يا رسول الله، فقال رسول الله قد فعلت ". تفسير : وخرج الخبر إلى الناس فقالوا: أصهار رسول الله يُسْترقّون؟ فأعتقوا ما كان في أيديهم من سبي بني المصطلق، فبلغ عتقُهم مائةً بيت، بتزوجه عليه السلام بنتَ سيدِ قومه. ثانياً: - وكذلك تزوجه صلى الله عليه وسلم بالسيدة (صفية بنت حُيّي بن أخطب) التي أسرت بعد قتل زوجها في (غزوة خيبر) ووقعت في سهم بعض المسلمين فقال أهل الرأي والمشورة: هذه سيّدة بني قريظة، لا تصلح إلاّ لرسول الله صلى الله عليه وسلم فعرضوا الأمر على الرسول الكريم، فدعاها وخيّرها بين أمرين: أ - إمّا أن يعتقها ويتزوجها عليه السلام فتكون زوجة له. ب - وأمّا أن يُطْلِقَ سراحها فتلحق بأهلها. فاختارت أن يعتقها وتكون زوجة له، وذلك لما رأته من جلالة قدره، وعظمته وحسن معاملته، وقد أسلمت وأسلم بإسلامها عدد من الناس، روي أن (صفية) رضي الله عنها لما دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم قال لها: لم يزل أبوك من أشدّ اليهود لي عداوة حتى قتله الله، فقالت يا رسول الله: إن الله يقول في كتابه: {أية : وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ} تفسير : [الأنعام: 164]. فقال لها الرسول الكريم: اختاري، فإن اخترَت الإسلام أمسكتك لنفسي، وإن اخترت اليهودية فعسى أن أعتقك فتلحقي بقومك، فقالت يا رسول الله: لقد هويتُ الإسلام، وصدقتُ بك قبل أن تدعوني إلى رَحْلك، ومالي في اليهودية أرَب، ومالي فيها والد ولا أخ، وخيّرتني الكفرَ والإسلامَ، فاللَّهُ ورسولُه أحبّ إليّ من العَتْق، وأن أرجع إلى قومي، فأمسكها رسول الله صلى الله عليه وسلم لنفسه. ثالثاً: وكذلك تزوجه عليه الصلاة والسلام بالسيدة أم حبيبة (رملة بنت أبي سفيان) الذي كان في ذلك الحين حامل لواء الشرك، وألدّ الأعداء لرسول الله صلى الله عليه وسلم وقد أسلمت ابنته في مكة، ثمّ هاجرت مع زوجها إلى الحبشة فراراَ بدينها، وهناك مات زوجها فبقيت وحيدة فريدة، لا معين لها ولا أنيس، فلما علم الرسول الكريم بأمرها أرسل إلى (النجاشي) ملكِ الحبشة ليزوجه أيّاها، فأبلغها النجاشي ذلك فسُرّت سروراً لا يعرف مقداره إلا الله سبحانه، لأنها لو رجعت إلى أبيها أو أهلها لأجبروها على الكفر والردَّة، أو عذبّوها عذاباً شديداً، وقد أصدقها عنه أربعمائة دينار مع هدايا نفيسه، ولما عادت إلى المدينة المنورة تزوجها النبي المصطفى عليه الصلاة والسلام. ولما بلغ (أبا سفيان) الخبرُ أقرَ ذلك الزواج وقال: "هو الفحل لا يُقدع أنفُه" فافتخر بالرسول ولم ينكر كفاءته له، إلى أن هداه الله تعالى للإسلام. ومن هنا تظهر لنا الحكمة الجليلة في تزوجه عليه السلام بابنة أبي سفيان فقد كان هذا الزواج سبباً لتخفيف الأذى عنه وعن أصحابه المسلمين، سيّما بعد أن أصبح بينهما نسب وقرابة، مع أن أبا سفيان كان وقت ذاك من ألدّ بني أمية خصومة لرسول الله، ومن أشدّهم عداء له وللمسلمين، فكان تزوجه بابنته سبباً لتأليف قلبه وقلب قومه وعشيرته، كما أنه صلى الله عليه وسلم اختارها لنفسه تكريماً لها على إيمانها لأنها خرجت من ديارها فارة بدينها، فما أكرمها من سياسة، وما أجلها من حكمة؟؟ أمهات المؤمنين الطاهرات بعد أن تحدثنا عن حكمة تعدد زوجات الرسول صلى الله عليه وسلم نتحدث الآن عن (أمهات المؤمنين) الطاهرات رضوان الله تعالى عليهن. فقد اختارهنّ الله لحبيبه المصطفى صلى الله عليه وسلم وأكرمهن بهذا الشرف العظيم، شرف الانتساب إلى سيِّد المرسلين، واختارهن من صفوة النساء، وجعلهنَّ أمهات المؤمنين، في وجوب الاحترام والتعظيم، وفي حرمة الزواج بهن حتى بعد وفاته عليه السلام تكريماً لرسوله فقال وهو أصدق القائلين: {أية : ٱلنَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِٱلْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ...} تفسير : [الأحزاب: 6]. وقال تعالى: {أية : وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تؤْذُواْ رَسُولَ ٱللَّهِ وَلاَ أَن تَنكِحُوۤاْ أَزْوَاجَهُ مِن بَعْدِهِ أَبَداً إِنَّ ذٰلِكُمْ كَانَ عِندَ ٱللَّهِ عَظِيماً} تفسير : [الأحزاب: 53]. قال العلامة القرطبي: في تفسيره (الجامع لأحكام القرآن) ما نصه: "شرّف الله تعالى أزواج نبيه صلى الله عليه وسلم، بأن جعلهن أمهات للمؤمنين، أي في وجوب التعظيم، والمبرّة، والإجلال، وحرمة النكاح على الرجال، فكان ذلك تكريماً لرسوله، وتشريفاً لهن". أسماء أمهات المؤمنين وأمهات المؤمنين اللواتي تزوجهن الرسول الكريم هنَّ كالآتي: أولاً: السيدة خديجة بنت خويلد رضي الله عنها. ثانياً: السيدة سودة بنت زمعة رضي الله عنها. ثالثاً: السيدة عائشة بنت أبي بكر الصّديق رضي الله عنها. رابعاً: السيدة حفصة بنت عمر رضي الله عنها. خامساً: السيدة زينب بنت جحش الأسدية رضي الله عنها. سادساً: السيدة زينب بنت خزيمة رضي الله عنها. سابعاً: السيدة أم سلمة (هند بنت أبي أمية المخزومية) رضي الله عنها. ثامناً: السيدة أم حبيبة (رملة بنت أبي سفيان) رضي الله عنها. تاسعاً: السيدة ميمونة بنت الحارث الهلالية رضي الله عنها. عاشراً: السيدة جويرية بنت الحارث رضي الله عنها. وأخيراً: السيدة صفية بنت حُيّي بن أخطب رضي الله عنها. 1 - السيدة خديجة بنت خويلد رضي الله عنها هي أول أزواجه عليه السلام. تزوجها الرسول الكريم قبل البعثة وهو ابن خمس وعشرين سنة، وهي ثيِّب (أرملة) بنت أربعين سنة، وقد كانت عند (أبي هالة) ابن زرارة أولاً، ثمّ خلف عليها بعد أبي هالة (عتيق بن عائذ) ثم خلف عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم كما في "الإصابة". وقد اختارها صلوات الله عليه لسداد رأيها، ووفرة ذكائها، وكان زواجه بها زواجاً حكيماً موفقاً، لأنه كان زواج العقل للعقل، ولم يكن فارق السن بينهما بالأمر الذي يقف عقبة في طريق الزواج، لأنه لم يكن الغرض منه قضاءَ (الوطر والشهوة) وإنما كان هدفاً إنسانياً سامياً، فمحمد رسول الله قد هيأه الله لحمل الرسالة، وتحمل أعباء الدعوة، وقد يسّر الله تعالى له هذه المرأة التقيّة النقيّة، العاقلة الذكية، لتعينه على المضي في تبليغ الدعوة، ونشر الرسالة، وهي أول من آمن به من النساء. ومما يشهد لقوة عقلها، وسداد رأيها، أن الرسول عليه السلام حين جاءه جبريل وهو في غار حراء رجع إلى زوجه يرجف فؤاده، فدخل عليها وهو يقول: "حديث : زَمِّلوني زَمِّلوني"تفسير : ، حتى ذهب عنه الروع، فحدّث خديجة بالخبر وقال لها: لقد خشيتُ على نفسي، فقالت له: (أبشر، كلا والله ما يخزيك الله أبداً، إنك لتصل الرحم، وتصدُق الحديث، وتحمل الكلّ، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق). والحديث في "الصحيحين". قضى الرسول مع خديجة زهرة شبابه، فلم يتزوج عليها، ولا أحبّ أحداً مثل حبه لها، وكانت السيدة عائشة تغار منها مع أنها لم تجتمع معها ولم ترها، حتى تجرأت مرة عليه عند ذكره صلى الله عليه وسلم لها فقالت: "وهل كانت إلا عجوزاً في غابر الأزمان، قد أبدلك الله خيراً منها؟ تعني نفسها" فغضب صلى الله عليه وسلم من هذه الكلمة وقال لها:"حديث : لا والله ما أبدلني الله خيراً منها، لقد آمنت بي إذ كفر الناس، وصدقتني إذ كذّبني الناس، وواستني بمالها إذ حرمني الناس، ورزقني الله منها الولد دون غيرها من النساء"تفسير : قالت: "فلم اذكرها بسوءٍ بعده أبداً". وروى الشيخان عنها أنها قالت: "ما غرْتُ على أحدٍ من نساء النبي صلى الله عليه وسلم ما غرتُ على خديجة، وما رأيتها قطَ، ولكن النبي يكثر ذكرها وربما ذبح الشاة ثم يبعثها في صدائق خديجة، وربما قلت له: كأن لم يكن في الدنيا امرأة إلا خديجة فيقول: "حديث : إنها كانت وكانت، وكان لي منها ولد ". تفسير : عاشت مع الرسول خمساً وعشرين سنة، خمس عشرة قبل البعثة، وعشراً بعدها، ولم يتزوج الرسول الكريم امرأة عليها، ورُزِق منها جميع أولاده ما عدا إبراهيم. وحين انتقلت إلى رحمة الله راضية مرضية كان الرسول صلى الله عليه وسلم قد بلغ الخمسين من العمر، وليس عنده سواها، فلم يعدّد زوجاته إلا بعد وفاتها، لبعض تلك الحكم التي ذكرناها، رضي الله تعالى عنها وأرضاها. 2 - السيدة سودة بنت زمعة رضي الله عنها تزوجها عليه السلام بعد وفاة خديجة. وهي أرملة (السكران بن عمرو الأنصاري)، والحكمة في اختيارها مع أنها أكبر سناً من رسول الله، أنها كانت من المؤمنات المهاجرات، توفي عنها زوجها بعد الرجوع من هجرة الحبشة الثانية، فأصبحت فريدة وحيدة، لا معيل لها ولا معين، ولو عادت إلى أهلها - بعد وفاة زوجها - لأكرهوها على الشرك، أو عذّبوها عذاباً نكراً ليفتنوها عن الإسلام، فاختار صلى الله عليه وسلم كفالتها فتزوجها، وهذا هو منتهى الإحسان والتكريم لها على صدق إيمانها وإخلاصها لله ولرسوله. ولو كان غرض الرسول الشهوة - كما زعم المستشرقون الأفاكون - لاستعاض عنها - وهي الأرملة المسنَّة التي بلغت من العمر الخامسة والخمسين - بالنواهد الأبكار، ولكنه عليه السلام كان المثل الأعلى في الشهامة، والنجدة، والمروءة، ولم يكن غرضه إلا حمايتها ورعايتها، لتبقى تحت كفالته عليه أفضل الصلاة والتسليم. 3 - السيدة عائشة بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنها تزوجها عليه السلام وكانت بكراً، وهي البكر الوحيدة من بين نسائه الطاهرات فلم يتزوج بكراً غيرها، وكانت عائشة أذكى أمهات المؤمنين وأحفظهن، بل كانت أعلم من أكثر الرجال، فقد كان كثير من كبار علماء الصحابة، يسألونها عن بعض الأحكام التي تشكل عليهم فتحلُّها لهم. روي عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أنه قال: (ما أشكل علينا أصحابَ رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث قطُّ، فسألنا عائشة إلاّ وجدنا عندها منه علماً). وقال أبو الضحى عن مسروق: (رأيت مشيخة أصحاب رسول الله يسألونها عن الفرائض). وقال عروة بن الزبير: (ما رأيتُ امرأة أعلم بطب، ولا فقه، ولا شعر من عائشة). ولا عجب فهذه كتب الحديث تشهد بعلمها الغزير، وعقلها الكبير، فلم يَرْو في الصحيح أحد من الرجال أكثر مما روي عنها إلا شخصان هما: أبو هريرة، وعبد الله بن عمر رضي الله عنهما. وكان عليه السلام يحب عائشة أكثر من بقية نسائه وكان يعدل بينهن في القسمة ويقول: اللهم هذا قَسْمي فيما أملك، فلا تؤاخذني فيما لا أملك. ولما نزلت آية التخيير بدأ بعائشة فقال لها: إني ذاكر لك أمراً فلا تَعْجلي حتى تستأمري أبويك، قالت: وقد علم أن أبويّ لم يكونا يأمراني بفراقه فقرأ عليها: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ قُل لأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا وَزِينَتَهَا} تفسير : [الأحزاب: 28] الآية، فقالت: أوفي هذا استأمر أبوي!! فإني أريد الله ورسوله والدار الآخرة. ولقد كانت مصاهرة الرسول للصّديق أبي بكر، أعظم منّة ومكافأة له في هذه الحياة الدنيا، كما كان خير وسيلة لنشر سنته المطهّرة، وفضائله الزوجية، وأحكام شريعته، ولا سيما ما يتعلق منها بالنساء كما بينا عند ذكر الحكمة التعليمية. 4 - السيدة حفصة بنت عمر بن الخطاب رضي الله عنها تزوجها النبي صلى الله عليه وسلم وهي أرملة، وكان زوجها (خنيس بن حذافَة) الأنصاري قد استشهد في غزوة بدر، بعد أن أبلى بلاءً حسناً، فقد كان من الشجعان الأبطال، الذين سجّل لهم التاريخ أنصع الصفحات في البطولة والرجولة، والجهاد. وقد عرضها أبوها (عمر) رضي الله عنه على عثمان بعد وفاة زوجته (رقية) بنت الرسول، ثمّ تزوجها الرسول صلى الله عليه وسلم فكان ذلك أعظم إكرام ومنّة وإحسان لأبيها عمر بن الخطاب. أخرج الإمام البخاري عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: أنّ عمر حين تأيمت حفصة من (خنيس بن حذافة) - وكان شهد بدراً وتوفي بالمدينة - لقي عثمان فقال: إن شئت أنكحتك حفصة؟ قال: سأنظر في أمري، فلبث ليالي، فقال: قد بدا لي لا أتزوج، قال عمر: فقلت لأبي بكر إن شئتَ أنكحتك حفصة، فصمتَ، فكنت عليه أوجد مني على عثمان، فلبث ليالي ثم خطبها النبي صلى الله عليه وسلم فأنكحتها إياه. فلقيني أبو بكر فقال: لعلك وجدت عليّ حين عرضتَ عليّ حفصة، فلم أرجع إليك شيئاً؟ قلت: نعم، قال: إنه لم يمنعني أن أرجع إليك إلاّ أني علمت أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكرها. فلم أكن لأفشي سرّه، ولو تركها لقبلتها". أقول: هذه لعَمْرُ الحق هي الشهامة الحقة، بل هذه هي الرجولة الصادقة، تظهر في فعل الفاروق عمر رضي الله عنه وأرضاه فهو يريد أن يصون عرضه، فلا يرى في نفسه غضاضة أن يعرض ابنته على الكفء الصالح، لأنّ الزواج خير وسيلة للمجتمع الفاضل، فأين نحن اليوم من جهل المسلمين بأحكام الإسلام وجماله الناصع؟ يتركون بناتهم عوانس حتى يأتي الخاطب، ذو المال الكثير، والثراء الوفير؟! 5 - السيدة زينب بنت خزيمة رضي الله عنها تزوجها عليه السلام بعد حفصة بنت عمر، وهي أرملة البطل المقدام شهيد الإسلام (عبيدة بن الحارث) بن عبد المطلب رضي الله عنه وأرضاه، الذي استشهد في أول المبارزة في غزوة بدر، وقد كانت حين استشهاد زوجها تقوم بواجبها في إسعاف الجرحى، وتضميد جراحهم، لم يشغلها استشهاد زوجها عن القيام بواجبها، حتى كتب الله النصر للمؤمنين في أول معركة خاضوها مع المشركين. ولما علم الرسول صلى الله عليه وسلم بصبرها وثباتها وجهادها وأنه لم يعد هناك من يعولها خطبها لنفسه وآواها، وجبر خاطرها بعد أن انقطع عنها الناصر والمعين. يقول فضيلة الشيخ (محمد محمود الصواف) في رسالته القيمة "زوجات النبي الطاهرات" بعد أن ذكر قصة استشهاد زوجها وما فيها من سموّ وعظمة: (وكانت قد بلغت الستين من عمرها حينما تزوج بها النبي صلى الله عليه وسلم، ولم تعمّر عند النبي الكريم سوى عامين، ثم توفاها الله إليه راضية مرضية. فما رأي الخراصين بهذا الزواج الشريف، وغايته النبيلة؟ وهل يجدون فيه شيئاً مما يأفك الأفّاكون؟ أيجدون فيه أثراً للهوى والشهوة؟ أم هو النبل، والعفاف، والعظمة والرحمة، والفضل، والإحسان، من رسول الإنسانية الأكبر، الذي جاء رحمة للعالمين. فليتق الله المستشرقون المغرضون، وليؤدوا أمانة العلم ولا يخونوها في سبيل غايات خبيثة استشرقوا ودرسوا العلوم الإسلامية خاصة للدس، والكيد، والنيل من سيد الأنسانية محمد عليه السلام). 6 - السيدة زينب بنت جحش رضي الله عنها تزوجها عليه السلام وهي ثيب وهي ابنة عمته، وكان قد تزوجها (زيد بن حارثة) ثمّ طلّقها فتزوجها الرسول صلى الله عليه وسلم لحكمة لا تعلوها حكمة في زواج أحدٍ من أزواجه، وهي إبطال (بدعة التبني) كما مرّ معنا عند ذكر الحكمة التشريعية. وهنا يحلو لبعض المغرضين، الحاقدين على الإسلام وعلى نبي الإسلام، من المستشرقين الماكرين، وأذنابهم المارقين، أن يتخذوا من قصة تزوج الرسول الكريم بزينب منفذاً للطعن في النبي الطاهر الزكيّ، ويلِّفقوا الشبه والأباطيل، بسبب بعض الروايات الإسرائيلية، التي ذكرت في بعض كتب التفسير. فقد زعموا - وبئسما زعموا - أن النبي عليه الصلاة والسلام مرّ ببيت زيد وهو غائب، فرأى زينب فأحبّها ووقعت في قلبه، فقال: سبحان مقلّب القلوب، فسمعت زينب ذلك فلما جاء زوجها أخبرته بما سمعت من الرسول، فعلم أنها وقعت في نفسه، فأتى الرسول يريد طلاقها فقال له: أمْسك عليك أهلك وفي قلبه غير ذلك. فطلّقها زيد من أجل أن يتزوج بها الرسول. يقول ابن العربي رحمه الله في تفسيره (أحكام القرآن) رداً على هذه الدعوى الأثيمة: فأمّا قولهم إن النبي صلى الله عليه وسلم رآها فوقعت في قلبه فباطل، فإنه كان معها في كل وقت وموضع، ولم يكن حينئذٍ حجاب، فكيف تنشأ معه وينشأ معها، ويلحظها في كل ساعة، ولا تقع في قلبه إلا إذا كان لها زوج، قد وهبته نفسها، فكيف يتجدّد له هوى لم يكن، حاشا لذلك القلب المطهّر من هذه العلاقة الفاسدة، وقد قال الله له: {أية : وَلاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِّنْهُمْ زَهْرَةَ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ} تفسير : [طه: 131] وقد تعقَّب - عليه رحمة الله - تلك الروايات الإسرائيلية وبيّن أنها كلها ساقطة الأسانيد. إن نظرة بسيطة إلى تاريخ (زينب) وظروفها في زواج (زيد) تجعلنا نؤمن بأنّ سوء العشرة التي كانت بين زيد وزينب إنما جاءت من اختلافهما اختلافاً بيناً في الحالة الاجتماعية، فزينب شريفة، وزيد كان بالأمس عبداً وقد أراد الله امتحانها بزواج زيد لتحطيم مبدأ (العصبيَّة القبليَّة) والشرف الجاهلي، وجعل الإسلام الشرف في (الدين والتقوى) فحين عرض الرسول على (زينب) الزواج من (زيد) امتنعت واستنكفت اعتزازاً بنسبها وشرفها فنزل قوله تعالى: {أية : وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ ٱلْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً مُّبِيناً} تفسير : [الأحزاب: 36]. فخضعت زينب لأمر الرسول، وأسلمت لزيد جسدها دون روحها فكان من وراء ذلك الألم والضيق. ومحمد صلى الله عليه وسلم كان يعرف زينب من الصغر، لأنها ابنة عمته فمن كان يمنعها منه؟ وكيف يقدّم إنسان امرأة لشخص وهي (بكر) حتى إذا تزوجها وصارت (ثيباً) رغب فيها؟! حقاً إنهم قوم لا يعقلون، فهم يهرفون بما لا يعرفون، ويقولون على الرسول كذباً وزوراً، وبهتاناً وضلالاً، ثم انظر إليهم وهم يقولون: إنّ الذي أخفاه محمد هو حبه لزينب ولهذا عوتب، فهل يعقل مثل هذا البهتان؟ وهل يعاتب الشخص لأنه لم يجاهر بحبه لامرأة جاره؟ {أية : سُبْحَانَكَ هَـٰذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ}تفسير : [النور: 16]. ثمّ إن الآية صريحة كلّ الصراحة، وواضحة كل الوضوح، في هذا الشأن، فقد ذكرت الآية الكريمة أنّ الله سيظهر ما أخفاه الرسول: {أية : وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا ٱللَّهُ مُبْدِيهِ}تفسير : [الأحزاب: 37] فماذا أظهر الله تعالى؟ هل أظهر حبّ الرسول أو عشقه لزينب؟ كلا ثم كلا، إنما الذي أظهره هو رغبته عليه السلام في تنفيذ أمر الله بالزواج بها لإبطال (حكم التبني)، ولكنه كان يخشى من ألسنة المنافقين أن يقولوا: تزوج محمد حليلة ابنه، ولهذا صرّح الباري جلّ وعلا بهذا الذي أخفاه الرسول: {أية : فَلَمَّا قَضَىٰ زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَراً زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لاَ يَكُونَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِيۤ أَزْوَاجِ أَدْعِيَآئِهِمْ...} تفسير : [الأحزاب: 37]. وهكذا تبطل مزاعم المفترين أمام الحجج الدامغة، والبراهين الساطعة، التي تدل على عصمة سيِّد المرسلين، وعلى نزاهته وطهارته مما ألصقه به الدسّاسون المغرضون. 7 - السيدة هند أم سلمة المخزومية رضي الله عنها تزوج الرسول الكريم بأم سلمة وهي أرملة (عبد الله بن عبد الأسد) وكان زوجها من السابقين الأولين إلى الإسلام، وهاجر إلى الحبشة، وكانت زوجته معه خرجت فراراً بدينها، وولدت له (سلمة) في أثناء ذلك، واستشهد زوجها في غزوة أحد، فبقيت هي وأيتامها الأربعة بلا كفيل ولا معيل، فلم ير عليه السلام عزاءً ولا كافلاً لها ولأولادها غير أن يتزوج بها. ولما خطبها لنفسه اعتذرت إليه، وقالت: "إني مسنّة، وإني أم أيتام، وإني شديدة الغيرة". فأجابها عليه السلام وأرسل لها يقول: أما الأيتام فأضمهم إليّ، وأدعو الله أن يذهب عن قلبك الغيرة، ولم يعبأ بالسنّ، فتزوجها عليه السلام بعد موافقتها، وقام على تربية أيتامها، ووسعهم قلبه الكبير، حتى أصبحوا لا يشعرون بفقد الأب، إذ عوّضهم أباً أرحم من أبيهم صلوات الله وسلامه عليه. وقد اجتمع لأم المؤمنين النسب الشريف، والبيت الكريم، والسبق إلى الإسلام، على أنّ لها فضيلة أخرى هي (جودة الرأي) ويكفينا دليلاً على ذلك استشارة النبي صلى الله عليه وسلم لها في أهم ما حزَنه وأهمّه من أمر المسلمين، وما أشارت به عليه، وذلك في (صلح الحديبية) فقد تأثر المسلمون بالغ التأثر من ذلك الصلح مع المشركين، على ترك الحرب عشر سنين بالشروط التي قدَّموها، ورأوا في ذلك هضماً لحقوقهم، مع أنهم كانوا في أوج عظمتهم، وكان من أثر هذا الاستياء، أنهم تباطئوا عن تنفيذ أمر الرسول حين أمرهم بالحلق أو التقصير لأجل العودة إلى المدينة المنورة، فلم يمتثل أمره أحد، فدخل الرسول على زوجه (أم سلمة) وقال لها هلك الناس، أمرتُهم فلم يمتثلوا فهوّنت عليه الأمر، وأشارت عليه بأن يخرج إليهم ويحلق رأسه أمامهم، وجزمت بأنهم لا يتردّدون حينذاك عن الاقتداء به. لأنهم يعلمون أنه صار أمراً مبرماً لا مرد له، وكذلك كان، فما أن خرج الرسول وأمر الحلاق بحلق رأسه، حتى تسابقوا إلى الاقتداء به صلوات الله عليه فحلقوا وتحلّلوا وكان ذلك بإشارة أم المؤمنين أم سلمة رضي الله عنها وأرضاها. 8 - السيدة أم حبيبة رملة بنت أبي سفيان رضي الله عنها وفي سنة سبع من الهجرة تزوج الرسول الكريم بالسيدة (أم حبيبة) رضي الله عنها وهي أرملة (عبيد الله بن جحش) مات زوجها بأرض الحبشة، فزَّوجها النجاشي للنبي صلى الله عليه وسلم وأمهرها عنه أربعة آلاف درهم، وبعث بها إليه مع شرحبيل بن حسنة، وقد تقدمت الحكمة من تزوج الرسول الكريم بها فيما سبق. 9 - 10 - السيدة جويرية بنت الحارث والسيدة صفية بنت حيي رضي الله عنهما وتزوج الرسول الكريم بالسيدة (جويرية بنت الحارث بن ضرار) سيَّد بني المصطلق، وهي أرملة (مُسَافع بن صفوان) الذي قتل يوم المريسيع، وترك هذه المرأة فوقعت في الأسر بيد المسلمين، وكان زوجها من ألدّ أعداء الإسلام وأكثرهم خصومة للرسول، وقد تقدم معنا الحكمة من تزوج الرسول الكريم بها، كما تقدم الحديث عن (صفية بنت حُيّي بن أخطب) عند الكلام على الحكمة السياسية. 11 - السيدة ميمونة بنت الحارث الهلالية رضي الله عنها كان اسمها برّه فسمّاها عليه السلام (ميمونة) وهي آخر أزواجه صلوات الله عليه، وقد قالت فيها عائشة: أما إنها كانت من أتقانا لله وأوصلنا للرحم، وهي أرملة (أبي رهم بن عبد العزى) وقد ورد أن العباس رضي الله عنه هو الذي رغّبه فيها، ولا يخفى ما في زواجه بها من البر وحسن الصلة وإكرام عشيرتها الذين آزروا الرسول ونصروه. خاتمة البحث: وبعد: فهذه لمحة عن أمهات المؤمنين، زوجات الرسول الطاهرات، اللواتي أكرمهن الله بصحبة رسوله، وجعلهن أمهات للمؤمنين، وخاطبهن بقوله جل وعلا: {أية : يٰنِسَآءَ ٱلنَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ ٱلنِّسَآءِ إِنِ ٱتَّقَيْتُنَّ فَلاَ تَخْضَعْنَ بِٱلْقَوْلِ فَيَطْمَعَ ٱلَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَّعْرُوفاً} تفسير : [الأحزاب: 32] وقد كان زواج الرسول بهنَّ لحكم كثيرة، راعى فيها الرسول مصلحة الدين والتشريع، وقصد تأليف القلوب، فجذب إليه كبار القبائل، وكرام العشائر. وجميع زوجات الرسول (أرامل) ما عدا السيدة عائشة، وقد عدّد الرسول زوجاته بعد الهجرة في السنة التي بدأت فيها الحروب بين المسلمين والمشركين، وكثر فيها القتل والقتال، وهي من السنة الثانية للهجرة إلى السنة الثامنة التي تمّ فيها النصر للمسلمين، وفي كل زواج ظهر لنا الدليل الساطع على نبل الرسول، وشهامته، وسموّ غرضه، وجميل إحسانه، خلافاً لما يقوله الأفّاكون الدسّاسون فلو كان للهوى سلطان على قلب النبي لتزوج في حال الشباب، ولتزوج الأبكار، ولكنه الحقد الأسود الذي ملأ قلوب أولئك المستشرقين الغربيين فأعماها عن رؤية ضياء الحق الساطع، وصدق الله: {أية : بَلْ نَقْذِفُ بِٱلْحَقِّ عَلَى ٱلْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ ٱلْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ} تفسير : [الأنبياء: 18].

الجيلاني

تفسير : ثمَّ أشار سبحانه إلى تعداد ما أحل لحبيبه صلى الله عليه وسلم من الأزواج، فقال منادياً له تبجيلاً وتعظيماً: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ} المفضل المكرم من لدنا على سائر الأنبياء والرسل بالعنايات العليَّة والكرامات السنيَّة {إِنَّآ} من مقام عظيم جودنا {أَحْلَلْنَا} وأبحنا {لَكَ} في شرعك ودينك {أَزْوَاجَكَ ٱللاَّتِيۤ آتَيْتَ} وأعطيت {أُجُورَهُنَّ} أي: مهورهن معجلاً {وَ} أبحنا لك أيضاً {مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ} من الإماء المردودة إليك {مِمَّآ أَفَآءَ ٱللَّهُ} المنعم المفضل {عَلَيْكَ} ورده سبحانه من خيار المسببات وصفيات المغنم إليك، وصفية - رضي الله عنها - منهن {وَ} أحللنا لك أيضاً في دينك {بَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالاَتِكَ ٱللاَّتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ} من مكة حباً لك، وطلباً لمرضاة ربك، وما أبحنا لك ممن لم تهاجر معك. {وَ} أبحنا لك أيضا خاصة {ٱمْرَأَةً مُّؤْمِنَةً} قيّد بها؛ لأن الكافرة لا تليق بفراشه صلى الله عليه وسلم {إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ} تبرعاً بلا جعلٍ ومهرٍ، فعليه الخيار {إِنْ أَرَادَ ٱلنَّبِيُّ أَن يَسْتَنكِحَهَا} أي: يطلب أن يدخل عليها ويقبلها للفراش أحللناها {خَالِصَةً} خاصة {لَّكَ} يا أكمل الرسل؛ تكريماً لك وتعظيماً لشأنك {مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ} أي: لم نبحها لغيرك من أمتك، بل هي من جملة الأمور التي اختصصت بها، كالتزوج فوق الأربعة وغيرها، وإنما نخص أمثال هذا لك يا أكمل الرسل ولم نعممها من أمتك؛ لأنَّا من وفور حكتنا {قَدْ عَلِمْنَا} بعلمنا الحضوري من ظواهر أحوال المؤمنين وبواطنهم استعدادهم على {مَا فَرَضْنَا} وقدرنا {عَلَيْهِمْ} حتماً {فِيۤ} حقوق {أَزْوَاجِهِـمْ} من المهر والولي والشهود، وجميع متمما النكاح ومكملاته. {وَ} علمنا أيضاً منهم سبب ما قدرنا عليهم في حق {مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ} من المسببات الزائدة، ألاَّ يدخلوا عليهن إلا أن يُتملكوا بوجه آخر، لكن أنزلنا عندك يا أكمل الرسل بعض ما أوحينا عليهم، وخصصناك بها دونهم {لِكَيْلاَ يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ} ضيق في تحميلها، مع أنا نعلم من ظواهرك وبواطنك أنك لا تهمل شيئاً من حقوق الله ولا حقوق عباده، ولا يقع منك ظلم على أحدٍ من خلق الله؛ لذلك لم نضيق عليك أمر النكاح وضيقنا على المؤمنين{وَكَانَ ٱللَّهُ} المراقب لأحوال عباده، المصلح لمفاسدهم {غَفُوراً} يستر ويعفو عنهم بعضه ما يعسر عليهم التحرز في رعاية حقوق المؤمنين والمؤمنات {رَّحِيماً} [الأحزاب: 50] يرحمهم ويعين عليهم في حفظها ورعايتها.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : وبقوله: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ إِنَّآ أَحْلَلْنَا لَكَ} [الأحزاب: 50] تمام الآيات إلى قوله: {وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيماً حَلِيماً} [الأحزاب: 51] يشير إلى أن إعزاز النبي صلى الله عليه وسلم وإجلاله وإظهار كمال قوته بالتوسعة في باب النكاح بكم شاء وبمن شاء وكيف شاء ورفع الحرج عنه فيما اقتضت نفسه وهواه وهذا يدل على أن نفسه تنورت بنور قلبه وقلبه منور بنور روحه أن نفسه هي الطمأنينة التي بجذبة {أية : ٱرْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً * فَٱدْخُلِي فِي عِبَادِي} تفسير : [الفجر: 28-29] غاصت في بحر الملكوت الأعلى بإشارة {أية : وَٱدْخُلِي جَنَّتِي}تفسير : [الفجر: 30] عبرت إلى عالم الملكوت ودخلت في عالم الجبروت فما أبقت لها صفة من صفاتها إلا خرجت عن طبيعتها وتخلقت بأخلاق ربها. كما أخبر الله تعالى عنها بقوله: {أية : وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ} تفسير : [القلم: 4] هو الله تبارك وتعالى وأنه على خلقه وأنه صلى الله عليه وسلم لما انسلخت نفسه عن صفاتها بالكلية لم يبق له أن يقول يوم القيامة نفسي نفسي ومن هنا قال عليه السلام: "حديث : أسلم شيطاني على يدي"تفسير : فلما اتصفت نفسه بصفات القلب وزال عنها الهوى لا ينطق بالهوى اتفقت دنياه بصفات الآخرة فحل له في الدنيا ما يحل لغيره في الآخرة من الجنة لأنه نزع من صدره الدنيا على ما ينزع من صور غيره في الآخرة، كما قال: {أية : وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ}تفسير : [الأعراف: 43] وقال في حقه: {أية : أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ}تفسير : [الشرح: 1] يعني: بنزع الغل عنه فقال الله عز وجل له في الدنيا {تُرْجِي مَن تَشَآءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِيۤ إِلَيْكَ مَن تَشَآءُ} [الأحزاب: 51] أي: غل يتعلق به إرادتك ويقع عليه اختيارك فلا حرج عليك ولا جناح كما يقول لأهل الجنة: لكم فيها ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين {وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيماً} في الأزل بتأسيس بنيان وجودك على قاعدة محبوبيتك ومحبتك {حَلِيماً} فيما يصدر عنك ما لم يحلم من غيرك.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : يقول تعالى، ممتنًا على رسوله بإحلاله له ما أحل مما يشترك فيه، هو والمؤمنون، وما ينفرد به، ويختص: { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ } أي: أعطيتهن مهورهن، من الزوجات، وهذا من الأمور المشتركة بينه وبين المؤمنين، [فإن المؤمنين] كذلك يباح لهم ما آتوهن أجورهن، من الأزواج. { و } كذلك أحللنا لك { مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ } أي: الإماء التي ملكت { مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ } من غنيمة الكفار من عبيدهم، والأحرار من لهن زوج منهم، ومن لا زوج لهن، وهذا أيضا مشترك. وكذلك من المشترك، قوله { وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالاتِكَ } شمل العم والعمة، والخال والخالة، القريبين والبعيدين، وهذا حصر المحللات. يؤخذ من مفهومه، أن ما عداهن من الأقارب، غير محلل، كما تقدم في سورة النساء، فإنه لا يباح من الأقارب من النساء، غير هؤلاء الأربع، وما عداهن من الفروع مطلقًا، والأصول مطلقًا، وفروع الأب والأم، وإن نزلوا، وفروع من فوقهم لصلبه، فإنه لا يباح. وقوله { اللاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ } قيد لحل هؤلاء للرسول، كما هو الصواب من القولين، في تفسير هذه الآية، وأما غيره عليه الصلاة والسلام، فقد علم أن هذا قيد لغير الصحة. { و } أحللنا لك { امْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ } بمجرد هبتها نفسها. { إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا } أي: هذا تحت الإرادة والرغبة، { خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ } يعني: إباحة الموهبة وأما المؤمنون، فلا يحل لهم أن يتزوجوا امرأة، بمجرد هبتها نفسها لهم. { قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ } أي: قد علمنا ما على المؤمنين، وما يحل لهم، وما لا يحل، من الزوجات وملك اليمين. وقد علمناهم بذلك، وبينا فرائضه. فما في هذه الآية، مما يخالف ذلك، فإنه خاص لك، لكون اللّه جعله خطابًا للرسول وحده بقوله: { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ } إلى آخر الآية. وقوله: { خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ } وأبحنا لك يا أيها النبي ما لم نبح لهم، ووسعنا لك ما لم نوسع على غيرك، { لِكَيْلا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ } وهذا من زيادة اعتناء اللّه تعالى برسوله صلى اللّه عليه وسلم. { وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا } أي: لم يزل متصفًا بالمغفرة والرحمة، وينزل على عباده من مغفرته ورحمته، وجوده وإحسانه، ما اقتضته حكمته، ووجدت منهم أسبابه.

النسائي

تفسير : قوله تعالى: {وَٱمْرَأَةً مُّؤْمِنَةً إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ} [50] 432 - أنا محمَّدُ بنُ عبدِ اللهِ بن يزيدَ، نا سفيانُ، نا أبُو حازمٍ، عن سهلِ بنِ سعدٍ، قال: حديث : أنا في القومِ، إذ قالتِ امرأةٌ: إنِّي قد وهبتُ لكَ نفسي يا رسول اللهِ، فَرَ فِيَّ رَأْيَكَ يا رسولَ اللهِ، فقام رجلٌ، فقال: زَوِّجْنِيهَا، قال: "اذْهَبْ فاطلُبْ ولو خَاتماً من حديدٍ" فذهب، ولم يجيء بشيءٍ، ولا بخاتمٍ من حديدٍ، فقال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "مَعَكَ مِنْ سُورِ القُرْآنِ شيءٌ؟" قال نعم، قال: فَزَوَّجَهُ بما معهُ مِن/ سُورِ القُرآنِ . تفسير : 433 - أنا عمرو بنُ عليٍّ، نا مرحومٌ العطَّارُ، نا ثابتٌ، عن أنسٍ، حديث : أنَّ امرأةً أتتِ النبيَّ صلى الله عليه وسلم تعرِضُ نفسها، فقال: "ليس لي في النِّساءِ حاجةٌ، فقالت ابنةٌ لأنسٍ: ما كان أصلبَ وَجْهَهَا، قال أنسٌ: كانت خيراً مِنْكِ؛ رغبت في رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَعَرضَتْ نفسها عليهِ .

همام الصنعاني

تفسير : 2359- حدّثنا عبد الرزاق، عن مَعْمر، عن الزّهري، في قوله تعالى: {وَٱمْرَأَةً مُّؤْمِنَةً إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ}: [الآية: 50]، قال: إن ميمونة وهبت نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم فقبلها [بغير صداق]، ووهبت سَوْدة يومها لعائشة. قال الزهري: إنَّ الهبة كانت للنبي صلى الله عليه وسلم خَاصَّةً، وَلاَ يحل لأحدٍ أن تهب له امرأة نفسََهَا بغير صَدَاقٍ. 2360- حدّثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ}: [الآية: 50]، قال: ما فرض الله (عليهنَّ) ألاّ ينكحن إلا بوليّ، (وشهيدي عدلٍ) وصداق، ولا ينكح الرجل أكثر من أربعة.