٣٣ - ٱلْأَحْزَاب
33 - Al-Ahzab (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
49
Tafseer
الرازي
تفسير : وجه تعلق الآية بما قبلها هو أن الله تعالى في هذه السورة ذكر مكارم الأخلاق وأدب نبيه على ما ذكرناه، لكن الله تعالى أمر عباده المؤمنين بما أمر به نبيه المرسل فكلما ذكر للنبـي مكرمة وعلمه أدباً ذكر للمؤمنين ما يناسبه، فكما بدأ الله في تأديب النبـي عليه الصلاة والسلام بذكر ما يتعلق بجانب الله بقوله: { أية : يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِىّ ٱتَّقِ ٱللَّهَ } تفسير : [الأحزاب: 1] وثنى بما يتعلق بجانب من تحت يده من أزواجه بقوله بعد: { أية : يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ قُل لأَزْوٰجِكَ } تفسير : [الأحزاب: 28] وثلث بما يتعلق بجانب العامة بقوله: { أية : يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ إِنَّا أَرْسَلْنَـٰكَ شَاهِداً } تفسير : [الأحزاب: 45] كذلك بدأ في إرشاد المؤمنين بما يتعلق بجانب الله فقال: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ ٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً } تفسير : [الأحزاب: 41] ثم ثنى بما يتعلق بجانب من تحت أيديهم بقوله: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ إِذَا نَكَحْتُمُ ٱلْمُؤْمِنَـٰتِ } ثم كما ثلث في تأديب النبـي بجانب الأمة ثلث في حق المؤمنين بما يتعلق بجانب نبيهم، فقال بعد هذا: { أية : يأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتَ ٱلنَّبِىّ } تفسير : [الأحزاب: 53] وبقوله: { أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ } تفسير : [الأحزاب: 56] وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: إذا كان الأمر على ما ذكرت من أن هذا إرشاد إلى ما يتعلق بجانب من هو من خواص المرء فلم خص المطلقات اللاتي طلقن قبل المسيس بالذكر؟ فنقول هذا إرشاد إلى أعلى درجات المكرمات ليعلم منها ما دونها وبيانه هو أن المرأة إذا طلقت قبل المسيس لم يحصل بينهما تأكد العهد، ولهذا قال الله تعالى في حق الممسوسة { أية : وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَىٰ بَعْضُكُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنكُم مّيثَـٰقاً غَلِيظاً } تفسير : [النساء: 21] وإذا أمر الله بالتمتع والإحسان مع من لا مودة بينه وبينها فما ظنك بمن حصلت المودة بالنسبة إليها بالإفضاء أو حصل تأكدها بحصول الولد بينهما والقرآن في الحجم صغير ولكن لو استنبطت معانيه لا تفي بها الأقلام ولا تكفي لها الأوراق، وهذا مثل قوله تعالى: { أية : فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفّ } تفسير : [الإسراء: 23] لو قال لا تضربهما أو لا تشتمهما ظن أنه حرام لمعنى مختص بالضرب أو الشتم، أما إذا قال لا تقل لهما أف علم منه معان كثيرة وكذلك ههنا لما أمر بالإحسان مع من لا مودة معها علم منه الإحسان مع الممسوسة ومن لم تطلق بعد ومن ولدت عنده منه. وقوله: {إِذَا نَكَحْتُمُ ٱلْمُؤْمِنَـٰتِ } التخصيص بالذكر إرشاد إلى أن المؤمن ينبغي أن ينكح المؤمنة فإنها أشد تحصيناً لدينه، وقوله: {ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ } يمكن التمسك به في أن تعليق الطلاق بالنكاح، لا يصح لأن التطليق حينئذ لا يكون إلا بعد النكاح والله تعالى ذكره بكلمة ثم، وهي للتراخي وقوله: {فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ } بين أن العدة حق الزوج فيها غالب وإن كان لا يسقط بإسقاطه لما فيه من حق الله تعالى، وقوله: {تَعْتَدُّونَهَا } أي تستوفون أنتم عددها {فَمَتّعُوهُنَّ } قيل بأنه مختص بالمفوضة التي لم يسم لها إذا طلقت قبل المسيس وجب لها المتعة، وقيل بأنه عام وعلى هذا فهو أمر وجوب أو أمر ندب اختلف العلماء فيه، فمنهم من قال للوجوب فيجب مع نصف المهر المتعة أيضاً، ومنهم من قال للاستحباب فيستحب أن يمتعها مع الصداق بشيء، وقوله تعالى: {وَسَرّحُوهُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً } الجمال في التسريح أن لا يطالبها بما آتاها.
القرطبي
تفسير : فيه سبع مسائل: الأولى: قوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِذَا نَكَحْتُمُ ٱلْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ} لما جرت قصة زيد وتطليقه زينب، وكانت مدخولاً بها، وخطبها النبيّ صلى الله عليه وسلم بعد انقضاء عدّتها ـ كما بيّناه ـ خاطب الله المؤمنين بحكم الزوجة تطلق قبل البناء، وبيّن ذلك الحكم للأمة؛ فالمطلّقة إذا لم تكن ممسوسةً لا عدّة عليها بنص الكتاب وإجماع الأمّة على ذلك. فإن دخل بها فعليها العدّة إجماعاً. الثانية: النكاح حقيقة في الوطء، وتسمية العقد نكاحاً لملابسته له من حيث إنه طريق إليه. ونظيره تسميتهم الخمر إثماً لأنه سبب في اقتراف الإثم. ولم يرد لفظ النكاح في كتاب الله إلا في معنى العقد، لأنه في معنى الوطء، وهو من آداب القرآن، الكناية عنه بلفظ: الملامسة والمماسّة والقُربان والتغشّي والإتيان. الثالثة: استدل بعض العلماء بقوله تعالى: {ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ} وبمهلة «ثُمَّ» على أن الطلاق لا يكون إلا بعد نكاح، وأن من طلّق المرأة قبل نكاحها وإن عَيّنها، فإن ذلك لا يلزمه. وقال هذا نَيِّفٌ على ثلاثين مِن صاحبٍ وتابِع وإمامٍ. سَمّى البخاريّ منهم اثنين وعشرين. وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : لا طلاق قبل نكاح»تفسير : ومعناه: أن الطلاق لا يقع حتى يحصل النكاح. قال حبيب بن أبي ثابت: سئل علي بن الحسين رضي الله عنهما عن رجل قال لامرأة: إن تزوجتك فأنت طالق؟ فقال: ليس بشيء؛ ذكر الله عز وجل النكاح قبل الطلاق. وقالت طائفة من أهل العلم: إن طلاق المعيّنة الشخص أو القبيلة أو البلد لازم قبل النكاح؛ منهم مالك وجميع أصحابه، وجمع عظيم من علماء الأمة. وقد مضى في «براءة» الكلام فيها ودليل الفريقين. والحمد لله. فإذا قال: كل امرأة أتزوّجها (طالق) وكل عبد أشتريه حرّ؛ لم يلزمه شيء. وإن قال: كلّ امرأة أتزوّجها إلى عشرين سنة، أو إن تزوّجت من بلد فلان أو من بني فلان فهي طالق، لزمه الطلاق ما لم يخف العَنَت على نفسه في طول السنين، أو يكون عمره في الغالب لا يبلغ ذلك، فله أن يتزوّج. وإنما لم يلزمه الطلاق إذا عمّم لأنه ضّيق على نفسه المناكح، فلو منعناه ألاّ يتزوّج لحرِج وخيف عليه العنت. وقد قال بعض أصحابنا: إنه إن وجد ما يتسرر به لم ينكِح؛ وليس بشيء، وذلك أن الضرورات والأعذار ترفع الأحكام، فيصير هذا من حيث الضرورة كمن لم يحلف، قاله ابن خُوَيْزِمَنْدَاد. الرابعة: استدلّ داود ـ ومن قال بقوله ـ إن المطلقة الرجعية إذا راجعها زوجها قبل أن تنقضي عدّتها ثم فارقها قبل أن يَمَسها، أنه ليس عليها أن تتم عدّتها ولا عدّةً مستقبلة؛ لأنها مطلقة قبل الدخول بها. وقال عطاء بن أبي رباح وفرقة: تمضي في عدّتها من طلاقها الأوّل ـ وهو أحد قولي الشافعي ـ؛ لأن طلاقه لها إذا لم يمسها في حكم من طلقها في عدّتها قبل أن يراجعها. ومن طلّق امرأته في كل طُهر مرّة بنت ولم تستأنف. وقال مالك: إذا فارقها قبل أن يمسها إنها لا تبني على ما مضى من عدّتها، وإنها تنشىء من يوم طلقها عدّة مستقبلة. وقد ظلم زوجها نفسه وأخطأ إن كان ارتجعها ولا حاجة له بها. وعلى هذا أكثر أهل العلم؛ لأنها في حكم الزوجات المدخول بهن في النفقة والسكنى وغير ذلك؛ ولذلك تستأنف العدّة من يوم طلقت، وهو قول جمهور فقهاء البصرة والكوفة ومكة والمدينة والشام. وقال الثوريّ: أجمع الفقهاء عندنا على ذلك. الخامسة: فلو كانت بائنة غير مبتوتة فتزوّجها في العدّة ثم طلّقها قبل الدخول فقد اختلفوا في ذلك أيضاً، فقال مالك والشافعيّ وزفر وعثمان البَتِّي: لها نصف الصداق وتتم بقية العدّة الأولى. وهو قول الحسن وعطاء وعكرمة وابن شهاب. وقال أبو حنيفة وأبو يوسف والثَّوريّ والأوزاعيّ: لها مهر كامل للنكاح الثاني وعدّة مستقبلة. جعلوها في حكم المدخول بها لاعتدادها من مائه. وقال داود: لها نصف الصداق، وليس عليها بقية العدّة الأولى ولا عدّة مستقبلة. والأولى ما قاله مالك والشافعيّ، والله أعلم. السادسة: هذه الآية مخصصة لقوله تعالى: {أية : وَٱلْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوۤءٍ} تفسير : [البقرة: 228]، ولقوله: {أية : وَٱللاَّئِي يَئِسْنَ مِنَ ٱلْمَحِيضِ مِن نِّسَآئِكُمْ إِنِ ٱرْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاَثَةُ أَشْهُرٍ} تفسير : [الطلاق: 4]. وقد مضى في «البقرة»، ومضى فيها الكلام في المُتعة، فأغنى عن الإعادة هنا. {وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً } فيه وجهان: أحدهما: أنه دفع المتعة بحسب المَيْسرة والعُسْرة، قاله ابن عباس. الثاني: أنه طلاقها طاهراً من غير جماع؛ قاله قتادة. وقيل: فسرحوهنّ بعد الطلاق إلى أهلهنّ، فلا يجتمع الرجل والمطلّقة في موضع واحد. السابعة: قوله تعالى: {فَمَتِّعُوهُنَّ} قال سعيد: هي منسوخة بالآية التي في البقرة، وهي قوله: {أية : وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ}تفسير : [البقرة: 237] أي فلم يذكر المتعة. وقد مضى الكلام في هذا في «البقرة» مسوفى. وقوله: {وَسَرِّحُوهُنَّ} طلّقوهنّ. والتسريح كناية عن الطلاق عند أبي حنيفة، لأنه يستعمل في غيره فيحتاج إلى النية. وعند الشافعي صريح. وقد مضى في «البقرة» القول فيه فلا معنى للإعادة. {جَمِيلاً} سُنّة، غير بِدْعة.
ابن كثير
تفسير : هذه الآية الكريمة فيها أحكام كثيرة منها إطلاق النكاح على العقد وحده، وليس في القرآن آية أصرح في ذلك منها، وقد اختلفوا في النكاح: هل هو حقيقة في العقد وحده، أو في الوطء، أو فيهما؟ على ثلاثة أقوال، واستعمال القرآن إنما هو في العقد والوطء بعده، إلا في هذه الآية، فإنه استعمل في العقد وحده؛ لقوله تبارك وتعالى: {إِذَا نَكَحْتُمُ ٱلْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ} وفيها دلالة لإباحة طلاق المرأة قبل الدخول بها. وقوله تعالى: {ٱلْمُؤْمِنَـٰتِ} خرج مخرج الغالب، إذ لا فرق في الحكم بين المؤمنة والكتابية في ذلك بالاتفاق، وقد استدل ابن عباس رضي الله عنهما وسعيد بن المسيب والحسن البصري وعلي بن الحسين زين العابدين وجماعة من السلف بهذه الآية على أن الطلاق لا يقع إلا إذا تقدمه نكاح؛ لأن الله تعالى قال: {إِذَا نَكَحْتُمُ ٱلْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ} فعقب النكاح بالطلاق، فدل على أنه لا يصح ولا يقع قبله، وهذا مذهب الشافعي وأحمد بن حنبل وطائفة كثيرة من السلف والخلف رحمهم الله تعالى، وذهب مالك وأبو حنيفة رحمهما الله تعالى إلى صحة الطلاق قبل النكاح فيما إذا قال: إن تزوجت فلانة فهي طالق، فعندهما متى تزوجها، طلقت منه، واختلفا فيما إذا قال: كل امرأة أتزوجها، فهي طالق، فقال مالك: لا تطلق حتى يعين المرأة. وقال أبو حنيفة رحمه الله: كل امرأة يتزوجها بعد هذا الكلام تطلق منه، فأما الجمهور، فاحتجوا على عدم وقوع الطلاق بهذه الآية. قال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن منصور المروزي، حدثنا النضر بن شميل، حدثنا يونس، يعني: ابن أبي إسحاق، قال: سمعت آدم مولى خالد عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: إذا قال: كل امرأة أتزوجها، فهي طالق، قال: ليس بشيء من أجل أن الله تعالى يقول: {إِذَا نَكَحْتُمُ ٱلْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ} الآية. وحدثنا محمد بن إسماعيل الأحمسي، حدثنا وكيع عن مطر عن الحسن بن مسلم بن يناق عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: إنما قال الله عز وجل: {إِذَا نَكَحْتُمُ ٱلْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ} ألا ترى أن الطلاق بعد النكاح، وهكذا روى محمد بن إسحاق عن داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال الله تعالى: {إِذَا نَكَحْتُمُ ٱلْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ} فلا طلاق قبل النكاح. وقد ورد الحديث بذلك عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : لا طلاق لابن آدم فيما لا يملك» تفسير : رواه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه. وقال الترمذي: هذا حديث حسن، وهو أحسن شيء روي في هذا الباب، وهكذا روى ابن ماجه عن علي والمسور بن مخرمة رضي الله عنهما، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : لا طلاق قبل نكاحٍ».تفسير : وقوله عز وجل: {فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا} هذا أمر مجمع عليه بين العلماء، أن المرأة إذا طلقت قبل الدخول بها، لا عدة عليها، فتذهب فتتزوج في فورها من شاءت، ولا يستثنى من هذا إلا المتوفى عنها زوجها، فإنها تعتد منه أربعة أشهر وعشراً، وإن لم يكن دخل بها، بالإجماع أيضاً. وقوله تعالى: {فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً} المتعة ههنا أعم من أن تكون نصف الصداق المسمى، أو المتعة الخاصة إن لم يكن قد سمي لها. قال الله تعالى: {أية : وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ} تفسير : [البقرة: 237] وقال عز وجل: {أية : لاَّ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَآءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُواْ لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى ٱلْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى ٱلْمُقْتِرِ قَدْرُهُ مَتَـٰعاً بِٱلْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى ٱلْمُحْسِنِينَ} تفسير : [البقرة: 236] وفي "صحيح البخاري": عن سهل بن سعد وأبي أسيد رضي الله عنهما قالا: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوج أميمة بنت شراحيل، فلما أن دخلت عليه صلى الله عليه وسلم بسط يده إليها، فكأنها كرهت ذلك، فأمر أبا أسيد أن يجهزها ويكسوها ثوبين رازقيين، قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله عنهما: إن كان سمى لها صداقاً، فليس لها إلا النصف، وإن لم يكن سمى لها صداقاً، أمتعها على قدر عسره ويسره، وهو السراح الجميل.
المحلي و السيوطي
تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا نَكَحْتُمُ ٱلْمُؤْمِنَٰتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ } وفي قراءة «تمَاسُّوهنّ» أي تجامعوهنّ {فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا } تحصونها بالأقراء وغيرها {فَمَتِّعُوهُنَّ } أعطوهن ما يستمتعن به، أي إن لم يسمّ لهن أصدقة وإلا فلهنّ نصف المسمى فقط، قاله ابن عباس، وعليه الشافعي {وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً } خلوا سبيلهنّ من غير إضرار.
الشوكاني
تفسير : لما ذكر سبحانه قصة زيد، وطلاقه لزينب، وكان قد دخل بها، وخطبها النبيّ صلى الله عليه وسلم بعد انقضاء عدتها كما تقدّم، خاطب المؤمنين مبيناً لهم حكم الزوجة إذا طلقها زوجها قبل الدخول فقال: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا نَكَحْتُمُ ٱلْمُؤْمِنَـٰتِ } أي عقدتم بهنّ عقد النكاح، ولم يرد لفظ النكاح في كتاب الله إلاّ في معنى العقد كما قاله صاحب الكشاف والقرطبي وغيرهما. وقد اختلف في لفظ النكاح هل هو حقيقة في الوطء، أو في العقد، أو فيهما على طريقة الاشتراك؟ وكلام صاحب الكشاف في هذا الموضع يشعر بأنه حقيقة في الوطء، فإنه قال: النكاح الوطء، وتسمية العقد نكاحاً لملابسته له من حيث أنه طريق إليه، ونظيره تسمية الخمر إثماً؛ لأنها سبب في اقتراف الإثم. ومعنى {مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ }: من قبل أن تجامعوهنّ، فكنى عن ذلك بلفظ المس {فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا } وهذا مجمع عليه كما حكى ذلك القرطبي وابن كثير، ومعنى {تعتدّونها}: تستوفون عددها، من عددت الدراهم، فأنا أعتدّها. وإسناد ذلك إلى الرجال للدلالة على أن العدّة حق لهم كما يفيده {فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ } قرأ الجمهور: {تعتدّونها} بتشديد الدال، وقرأ ابن كثير في رواية عنه وأهل مكة بتخفيفها. وفي هذه القراءة وجهان: أحدهما: أن تكون بمعنى الأولى، مأخوذة من الاعتداد، أي تستوفون عددها، ولكنهم تركوا التضعيف لقصد التخفيف. قال الرازي: ولو كان من الاعتداء الذي هو الظلم لضعف؛ لأن الاعتداء يتعدّى بعلى. وقيل: يجوز أن يكون من الاعتداء بحذف حرف الجرّ، أي تعتدّون عليها، أي على العدّة مجازاً، ومثله قوله:شعر : تحنّ فتبدي ما بها من صبابة وأخفى الذي لولا الأسى لقضاني تفسير : أي لقضى عليّ. والوجه الثاني: أن يكون المعنى: تعتدون فيها، والمراد بالاعتداء هذا هو ما في قوله: {أية : وَلاَ تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لّتَعْتَدُواْ } تفسير : [البقرة: 231] فيكون معنى الآية على القراءة الآخرة: فما لكم عليهنّ من عدّة تعتدّون عليهنّ فيها بالمضارة. وقد أنكر ابن عطية صحة هذه القراءة عن ابن كثير وقال: إن البزيّ غلط عليه، وهذه الآية مخصصة لعموم قوله تعالى: {أية : وَٱلْمُطَلَّقَـٰتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَـٰثَةَ قُرُوء } تفسير : [البقرة: 228] وبقوله: {أية : وَٱللاَّئِي يَئِسْنَ مِنَ ٱلْمَحِيضِ مِن نّسَائِكُمْ إِنِ ٱرْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَـٰثَةُ أَشْهُرٍ } تفسير : [الطلاق: 4]. والمتعة المذكورة هنا قد تقدّم الكلام فيها في البقرة وقال سعيد بن جبير: هذه المتعة المذكورة هنا منسوخة بالآية التي في البقرة، وهي قوله: {أية : وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ } تفسير : [البقرة: 237]. وقيل: المتعة هنا هي أعمّ من أن تكون نصف الصداق، أو المتعة خاصة إن لم يكن قد سمي لها، فمع التسمية للصداق تستحق نصف المسمى عملاً بقوله: {أية : فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ } تفسير : [البقرة: 237] ومع عدم التسمية تستحق المتعة عملاً بهذه الآية، ويؤيد ذلك قوله تعالى: {أية : لاَّ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ ٱلنّسَاء مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُواْ لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتّعُوهُنَّ عَلَى ٱلْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى ٱلْمُقْتِرِ قَدْرُهُ}تفسير : [البقرة: 236] وهذا الجمع لا بدّ منه، وهو مقدّم على الترجيح وعلى دعوى النسخ، وتخصص من هذه الآية المتوفى عنها زوجها، فإنه إذا مات بعد العقد عليها وقبل الدخول بها كان الموت كالدخول فتعتدّ أربعة أشهر وعشراً. قال ابن كثير: بالإجماع، فيكون المخصص هو الإجماع. وقد استدلّ بهذه الآية القائلون بأنه لا طلاق قبل النكاح، وهم الجمهور، وذهب مالك وأبو حنيفة إلى صحة الطلاق قبل النكاح إذا قال: إن تزوّجت فلانة فهي طالق، فتطلق إذا تزوّجها. ووجه الاستدلال بالآية لما قاله الجمهور أنه قال: {إِذَا نَكَحْتُمُ ٱلْمُؤْمِنَـٰتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ } فعقب الطلاق بالنكاح بلفظ ثم المشعرة بالترتيب والمهلة. {وَسَرّحُوهُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً } أي أخرجوهنّ من منازلكم؛ إذ ليس لكم عليهنّ عدّة. والسراح الجميل الذي لا ضرار فيه، وقيل السراح الجميل أن لا يطالبها بما كان قد أعطاها، وقيل: السراح الجميل هنا كناية عن الطلاق، وهو بعيد لأنه قد تقدّم ذكر الطلاق ورتب عليه التمتيع وعطف عليه السراح الجميل، فلا بدّ أن يراد به معنى غير الطلاق. {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوٰجَكَ ٱللاَّتِي ءَاتَيْتَ أُجُورَهُنّ} ذكر سبحانه في هذه الآية أنواع الأنكحة التي أحلها لرسوله، وبدأ بأزواجه اللاتي قد أعطاهنّ أجورهنّ، أي مهورهنّ، فإن المهور أجور الأبضاع، وإيتاؤها: إما تسليمها معجلة أو تسميتها في العقد. واختلف في معنى قوله: {أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوٰجَكَ } فقال ابن زيد، والضحاك: إن الله أحلّ له أن يتزوّج كل امرأة يؤتيها مهرها، فتكون الآية مبيحة لجميع النساء ما عدا ذوات المحارم. وقال الجمهور: المراد أحللنا لك أزواجك الكائنات عندك؛ لأنهنّ قد اخترنك على الدنيا وزينتها، وهذا هو الظاهر؛ لأن قوله: {أحللنا}، و{آتيت} ماضيان، وتقييد الإحلال بإيتاء الأجور ليس لتوقف الحلّ عليه، لأنه يصح العقد بلا تسمية، ويجب مهر المثل مع الوطء، والمتعة مع عدمه، فكأنه لقصد الإرشاد إلى ما هو أفضل {وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاء ٱللَّهُ عَلَيْكَ } أي: السراري اللاتي دخلن في ملكه بالغنيمة. ومعنى {مِمَّا أَفَاء ٱللَّهُ عَلَيْكَ } مما ردّه الله عليك من الكفار بالغنيمة لنسائهم المأخوذات على وجه القهر والغلبة، وليس المراد بهذا القيد إخراج ما ملكه بغير الغنيمة، فإنها تحلّ له السرية المشتراة، والموهوبة، ونحوهما، ولكنه إشارة إلى ما هو أفضل كالقيد الأوّل المصرّح بإيتاء الأجور، وهكذا قيد المهاجرة في قوله: {وَبَنَاتِ عَمّكَ وَبَنَاتِ عَمَّـٰتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَـٰلٰـتِكَ ٱللاَّتِي هَـٰجَرْنَ مَعَكَ } فإنه للإشارة إلى ما هو أفضل، وللإيذان بشرف الهجرة، وشرف من هاجر، والمراد بالمعية هنا الاشتراك في الهجرة لا في الصحبة فيها. وقيل: إن هذا القيد: أعني المهاجرة معتبر، وأنها لا تحلّ له من لم تهاجر من هؤلاء كما في قوله: {أية : وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَلَمْ يُهَاجِرُواْ مَا لَكُمْ مِّن وَلاَيَتِهِم مِّن شَيْءٍ حَتَّىٰ يُهَاجِرُوا} تفسير : [الأنفال: 72] ويؤيد هذا حديث أم هانىء، وسيأتي آخر البحث هذا إن شاء الله تعالى. ووجه إفراد العم والخال وجمع العمة والخالة ما ذكره القرطبي أن العم والخال في الإطلاق اسم جنس كالشاعر والراجز، وليس كذلك العمة والخالة. قال: وهذا عرف لغوي، فجاء الكلام عليه بغاية البيان. وحكاه عن ابن العربي. وقال ابن كثير: إنه وحّد لفظ الذكر لشرفه، وجمع الأنثى كقوله: {أية : عَنِ ٱلْيَمِينِ وَٱلْشَّمَآئِلِ } تفسير : [النحل: 48] وقوله: {أية : يُخْرِجُهُم مّنَ ٱلظُّلُمَـٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ } تفسير : [البقرة: 257] {أية : وَجَعَلَ ٱلظُّلُمَـٰتِ وَٱلنُّورَ } تفسير : [الأنعام: 1] وله نظائر كثيرة انتهى. وقال النيسابوري: وإنما لم يجمع العم والخال اكتفاء بجنسيتهما مع أن لجمع البنات دلالة على ذلك لامتناع اجتماع أختين تحت واحد، ولم يحسن هذا الاختصار في العمة والخالة لإمكان سبق الوهم إلى أن التاء فيهما للوحدة انتهى. وكل وجه من هذه الوجوه يحتمل المناقشة بالنقض والمعارضة، وأحسنها تعليل جمع العمة والخالة بسبق الوهم إلى أن التاء للوحدة، وليس في العم والخال ما يسبق الوهم إليه بأنه أريد به الوحدة إلاّ مجرّد صيغة الإفراد، وهي لا تقتضي ذلك بعد إضافتها لما تقرّر من عموم أسماء الأجناس المضافة، على أن هذا الوجه الأحسن لا يصفو عن شوب المناقشة. {وَٱمْرَأَةً مُّؤْمِنَةً إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيّ } هو معطوف على مفعول {أحللنا}، أي وأحللنا لك امرأة مصدقة بالتوحيد إن وهبت نفسها منك بغير صداق. وأما من لم تكن مؤمنة، فلا تحلّ لك بمجرّد هبتها نفسها لك، ولكن ليس ذلك بواجب عليك بحيث يلزمك قبول ذلك، بل مقيداً بإرادتك، ولهذا قال: {إِنْ أَرَادَ ٱلنَّبِيُّ أَن يَسْتَنكِحَهَا } أي يصيرها منكوحة له ويتملك بضعها بتلك الهبة بلا مهر. وقد قيل: إنه لم ينكح النبيّ صلى الله عليه وسلم من الواهبات أنفسهن أحداً ولم يكن عنده منهنّ شيء. وقيل: كان عنده منهنّ خولة بنت حكيم كما في صحيح البخاري عن عائشة. وقال قتادة: هي ميمونة بنت الحارث. وقال الشعبي: هي: زينب بنت خزيمة الأنصارية أمّ المساكين. وقال عليّ بن الحسين والضحاك ومقاتل: هي أمّ شريك بنت جابر الأسدية. وقال عروة بن الزبير: هي أمّ حكيم بنت الأوقص السلمية. ثم بين سبحانه أن هذا النوع من النكاح خاص برسول الله صلى الله عليه وسلم لا يحلّ لغيره من أمته، فقال: {خَالِصَةً لَّكَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ } أي هذا الإحلال الخالص هو خاص بك من دون غيرك من المؤمنين. ولفظ {خالصة} إما حال من {امرأة}، قاله الزجاج. أو مصدر مؤكد كوعد الله، أي خالص لك خلوصاً. قرأ الجمهور: {وامرأة} بالنصب. وقرأ أبو حيوة بالرفع على الابتداء. وقرأ الجمهور: {إن وهبت} بكسر إن. وقرأ أبيّ والحسن وعيسى بن عمر بفتحها على أنه بدل من امرأة بدل اشتمال. أو على حذف لام العلة، أي لأن وهبت. وقرأ الجمهور: {خالصة} بالنصب، وقرىء بالرفع على أنها صفة لـ {امرأة} على قراءة من قرأ "امرأة" بالرفع. وقد أجمع العلماء على أن هذا خاص بالنبيّ صلى الله عليه وسلم، وأنه لا يجوز لغيره ولا ينعقد النكاح بهبة المرأة نفسها إلاّ ما روي عن أبي حنيفة، وصاحبيه أنه يصحّ النكاح إذا وهبت، وأشهد هو على نفسه بمهر. وأما بدون مهر فلا خلاف في أن ذلك خاص بالنبيّ صلى الله عليه وسلم، ولهذا قال: {قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوٰجِهِـمْ } أي ما فرضه الله سبحانه على المؤمنين في حقّ أزواجهم من شرائط العقد وحقوقه، فإن ذلك حق عليهم مفروض لا يحلّ لهم الإخلال به، ولا الاقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم فيما خصه الله به توسعة عليه وتكريماً له، فلا يتزوّجوا إلاّ أربعاً بمهر وبينة ووليّ {وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُهُمْ } أي: وعلمنا ما فرضنا عليهم فيما ملكت أيمانهم من كونهنّ ممن يجوز سبيه وحربه، لا من كان لا يجوز سبيه أو كان له عهد من المسلمين {لِكَيْلاَ يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ }. قال المفسرون: هذا يرجع إلى أوّل الآية، أي أحللنا لك أزواجك وما ملكت يمينك والموهوبة لكيلا يكون عليك حرج، فتكون اللام متعلقة بـ {أحللنا}. وقيل: هي متعلقة بـ {خالصة}، والأوّل أولى والحرج: الضيق، أي وسعنا عليك في التحليل لك لئلا يضيق صدرك، فتظن أنك قد أثمت في بعض المنكوحات {وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً } يغفر الذنوب ويرحم العباد، ولذلك وسع الأمر، ولم يضيقه. {تُرْجِى مَن تَشَاء مِنْهُنَّ } قرىء: «ترجىء» مهموزاً وغير مهموز، وهما لغتان، والإرجاء: التأخير، يقال: أرجأت الأمر وأرجيته: إذا أخرته {وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَن تَشَاء } أي تضم إليك، يقال: آواه إليه بالمد: ضمه إليه، وأوى مقصوراً، أي ضم إليه، والمعنى: أن الله وسع على رسوله وجعل الخيار إليه في نسائه، فيؤخر من شاء منهنّ ويؤخر نوبتها ويتركها ولا يأتيها من غير طلاق، ويضم إليه من شاء منهنّ ويضاجعها ويبيت عندها، وقد كان القسم واجباً عليه حتى نزلت هذه الآية، فارتفع الوجوب وصار الخيار إليه، وكان ممن أوى إليه: عائشة وحفصة وأمّ سلمة وزينب، وممن أرجأه: سودة وجويرية وأم حبيبة وميمونة وصفية، فكان صلى الله عليه وسلم يسوّي بين من آواه في القسم، وكان يقسم لمن أرجأه ما شاء. هذا قول جمهور المفسرين في معنى الآية، وهو الذي دلت عليه الأدلة الثابتة في الصحيح وغيره. وقيل: هذه الآية في الواهبات أنفسهنّ، لا في غيرهنّ من الزوجات. قاله الشعبي وغيره. وقيل: معنى الآية في الطلاق، أي تطلق من تشاء منهنّ وتمسك من تشاء. وقال الحسن: إن المعنى: تنكح من شئت من نساء أمتك وتترك نكاح من شئت منهنّ. وقد قيل: إن هذه الآية ناسخة لقوله: {لاَّ يَحِلُّ لَكَ ٱلنّسَاء مِن بَعْدُ } وسيأتي بيان ذلك. {وَمَنِ ٱبْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكَ } الابتغاء: الطلب، والعزل: الإزالة، والمعنى: أنه إن أراد أن يؤوي إليه امرأة ممن قد عزلهنّ من القسمة ويضمها إليه فلا حرج عليه في ذلك. والحاصل أن الله سبحانه فوّض الأمر إلى رسوله يصنع في زوجاته ما شاء من تقديم وتأخير، وعزل وإمساك، وضمّ من أرجأ، وإرجاء من ضمّ إليه، وما شاء في أمرهنّ فعل توسعة عليه ونفياً للحرج عنه. وأصل الجناح: الميل، يقال: جنحت السفينة: إذا مالت. والمعنى: لا ميل عليك بلوم ولا عتب فيما فعلت، والإشارة بقوله: {ذٰلِكَ } إلى ما تقدّم من التفويض إلى مشيئته، وهو مبتدأ وخبره: {أَن تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ } أي ذلك التفويض الذي فوّضناك أقرب إلى رضاهنّ؛ لأنه حكم الله سبحانه. قال قتادة: أي: ذلك التخيير الذي خيرناك في صحبتهنّ أدنى إلى رضاهنّ إذ كان من عندنا، لأنهنّ إذا علمن أنه من الله قرّت أعينهنّ. قرأ الجمهور: {تقرّ} على البناء للفاعل مسنداً إلى {أعينهنّ}، وقرأ ابن محيصن: «تقرّ» بضم التاء من أقرر، وفاعله ضمير المخاطب، ونصب أعينهنّ على المفعولية، وقرىء على البناء للمفعول. وقد تقدّم بيان معنى قرّة العين في سورة مريم، ومعنى {وَلاَ يَحْزَنّ}: لا يحصل معهنّ حزن بتأثيرك بعضهنّ دون بعض {وَيَرْضَيْنَ بِمَا ءَاتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ } أي يرضين جميعاً بما أعطيتهنّ من تقريب وإرجاء وعزل وإيواء. قرأ الجمهور: {كلهنّ} بالرفع تأكيداً لفاعل {يرضين}. وقرأ أبو إياس بالنصب تأكيداً لضمير المفعول في {آتيتهنّ}، {وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِى قلُوبِكُمْ } من كل ما تضمرونه، ومن ذلك ما تضمرونه من أمور النساء {وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيماً } بكل شيء لا تخفى عليه خافية {حَلِيماً } لا يعاجل العصاة بالعقوبة. {لاَّ يَحِلُّ لَكَ ٱلنّسَاء مِن بَعْدُ } قرأ الجمهور: {لاَّ يَحِلُّ } بالتحتية للفصل بين الفعل وفاعله المؤنث، وقرأ ابن كثير بالفوقية. وقد اختلف أهل العلم في تفسير هذه الآية على أقوال: الأوّل: أنها محكمة، وأنه حرّم على رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتزوّج على نسائه؛ مكافأة لهنّ بما فعلن من اختيار الله ورسوله والدار الآخرة، لما خيرهنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بأمر الله له بذلك، وهذا قول ابن عباس ومجاهد والضحاك وقتادة والحسن وابن سيرين، وأبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام وابن زيد وابن جرير. وقال أبو أمامة بن سهل بن حنيف: لما حرّم الله عليهنّ أن يتزوجن من بعده حرّم عليه أن يتزوّج غيرهن. وقال أبيّ بن كعب وعكرمة وأبو رزين: إن المعنى: لا يحل لك النساء من بعد الأصناف التي سماها الله. قال القرطبي: وهو اختيار ابن جرير. وقيل: لا يحلّ لك اليهوديات ولا النصرانيات لأنهنّ لا يصح أن يتصفن بأنهنّ أمهات المؤمنين. وهذا القول فيه بُعْد؛ لأنه يكون التقدير: لا يحلّ لك النساء من بعد المسلمات، ولم يجر للمسلمات ذكر. وقيل: هذه الآية منسوخة بالسنة وبقوله سبحانه: {تُرْجِي مَن تَشَاء مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَن تَشَاء } وبهذا قالت عائشة وأم سلمة وعلي بن أبي طالب وعلي بن الحسين وغيرهم، وهذا هو الراجح، وسيأتي في آخر البحث ما يدل عليه من الأدلة. {وَلاَ أَن تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ } أي تتبدل، فحذفت إحدى التاءين، أي: ليس لك أن تطلق واحدة منهنّ أو أكثر وتتزوّج بدل من طلقت منهنّ، و«من» في قوله: {مِنْ أَزْوَاجٍ } مزيدة للتأكيد. وقال ابن زيد: هذا شيء كانت العرب تفعله. يقول: خذ زوجتي وأعطني زوجتك، وقد أنكر النحاس وابن جرير ما ذكره ابن زيد. قال ابن جرير: ما فعلت العرب هذا قط. ويدفع هذا الإنكار منهما ما أخرجه الدارقطني عن أبي هريرة قال: كان البدل في الجاهلية أن يقول الرجل للرجل: تنزل لي عن امرأتك وأنزل لك عن امرأتي، فأنزل الله عزّ وجلّ: {وَلاَ أَن تَبَدَّلَ بِهِنَّ } وأخرجه أيضاً عنه البزار وابن مردويه، وجملة: {وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ } في محل نصب على الحال من فاعل {تبدّل}، والمعنى أنه لا يحل التبدّل بأزواجك ولو أعجبك حسن غيرهنّ ممن أردت أن تجعلها بدلاً من إحداهنّ، وهذا التبدّل أيضاً من جملة ما نسخه الله في حق رسوله على القول الراجح. وقوله: {إِلاَّ مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ } استثناء من النساء لأنه يتناول الحرائر والإماء. وقد اختلف العلماء في تحليل الأمة الكافرة. القول الأوّل: أنها تحلّ للنبيّ صلى الله عليه وسلم لعموم هذه الآية، وبه قال مجاهد وسعيد بن جبير وعطاء والحكم. القول الثاني: أنها لا تحلّ له تنزيهاً لقدره عن مباشرة الكافرة. ويترجح القول الأوّل بعموم هذه الآية، وتعليل المنع بالتنزّه ضعيف فلا تنزّه عما أحله الله سبحانه، فإن ما أحله فهو طيب لا خبيث باعتبار ما يتعلق بأمور النكاح، لا باعتبار غير ذلك، فالمشركون نجس بنص القرآن. ويمكن ترجيح القول الثاني بقوله سبحانه: {أية : وَلاَ تُمْسِكُواْ بِعِصَمِ ٱلْكَوَافِرِ } تفسير : [الممتحنة: 10] فإنه نهي عام {وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلّ شَيْء رَّقِيباً } أي مراقباً حافظاً مهيمناً لا يخفى عليه شيء ولا يفوته شيء. وقد أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {إِذَا نَكَحْتُمُ ٱلْمُؤْمِنَـٰتِ } قال: هذا في الرجل يتزوّج المرأة ثم يطلقها من قبل أن يمسها، فإذا طلقها واحدة بانت منه ولا عدّة عليها، تتزوّج من شاءت، ثم قال: {فَمَتّعُوهُنَّ وَسَرّحُوهُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً } يقول: إن كان سمى لها صداقاً، فليس لها إلاّ النصف، وإن لم يكن سمى لها صداقاً متعها على قدر عسره ويسره، وهو السراح الجميل. وأخرج ابن مردويه عن ابن عمر قال: {إِذَا نَكَحْتُمُ ٱلْمُؤْمِنَـٰتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ } منسوخة نسختها التي في البقرة: {أية : فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ } تفسير : [البقرة: 237]. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن سعيد بن المسيب نحوه. وأخرج عبد بن حميد عن الحسن وأبي العالية قالا: ليست بمنسوخة، لها نصف الصداق ولها المتاع. وأخرج عبد الرزاق عن ابن جريج قال: بلغ ابن عباس أن ابن مسعود يقول: إن طلق ما لم ينكح فهو جائز، فقال ابن عباس: أخطأ في هذا، إن الله يقول: {إِذَا نَكَحْتُمُ ٱلْمُؤْمِنَـٰتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ } ولم يقل: إذا طلقتم المؤمنات ثم نكحتموهنّ. وأخرج ابن أبي حاتم، والحاكم وصححه عن ابن عباس: أنه تلا هذه الآية، وقال: لا يكون طلاق حتى يكون نكاح. وقد وردت أحاديث منها أنه «حديث : لا طلاق إلاّ بعد نكاح»تفسير : وهي معروفة. وأخرج ابن سعد وابن راهويه وعبد بن حميد، والترمذي وحسنه، وابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني، والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي عن أم هانىء بنت أبي طالب. قالت: خطبني رسول الله صلى الله عليه وسلم فاعتذرت إليه، فعذرني، فأنزل الله {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوٰجَكَ } إلى قوله: {هَـٰجَرْنَ مَعَكَ } قالت: فلم أكن أحلّ له لأني لم أهاجر معه، كنت من الطلقاء. وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه من وجه آخر عنها قالت: نزلت فيّ هذه الآية: {وَبَنَاتِ عَمّكَ وَبَنَاتِ عَمَّـٰتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالاَتِكَ ٱللاَّتِي هَـٰجَرْنَ مَعَكَ } أراد النبيّ أن يتزوّجني فنهي عني إذ لم أهاجر. وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس في قوله: {إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوٰجَكَ } إلى قوله: {خَالِصَةً لَّكَ } قال: فحرّم الله عليه سوى ذلك من النساء، وكان قبل ذلك ينكح في أيّ النساء شاء لم يحرم ذلك عليه، وكان نساؤه يجدن من ذلك وجداً شديداً أن ينكح في أيّ النساء أحبّ، فلما أنزل إني حرّمت عليك من النساء سوى ما قصصت عليك أعجب ذلك نساءه. وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه، والبيهقي في السنن عن عائشة قالت: التي وهبت نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم خولة بنت حكيم. وأخرج عبد الرزاق وابن سعد وابن أبي شيبة وعبد بن حميد والبخاري وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي وابن مردويه عن عروة، أن خولة بنت حكيم كانت من اللاتي وهبن أنفسهنّ لرسول الله صلى الله عليه وسلم. وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي حاتم عن محمد بن كعب وعمر بن الحكم وعبد الله بن عبيدة قالوا: تزوّج رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث عشرة امرأة: ست من قريش: خديجة وعائشة وحفصة وأم حبيبة وسودة وأم سلمة، وثلاث من بني عامر بن صعصعة، وامرأتين من بني هلال ابن عامر: ميمونة بنت الحارث، وهي التي وهبت نفسها للنبيّ صلى الله عليه وسلم، وزينب أم المساكين، والعامرية وهي التي اختارت الدنيا، وامرأة من بني الجون وهي التي استعاذت منه، وزينب بنت جحش الأسدية، والسبيتين: صفية بنت حيي، وجويرية بنت الحارث الخزاعية. وأخرج البخاري وابن مردويه عن أنس قال: جاءت امرأة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا نبيّ الله هل لك بي حاجة؟ فقالت ابنة أنس: ما كان أقلّ حياءها، فقال: هي خير منك رغبت في النبي صلى الله عليه وسلم، فعرضت نفسها عليه. وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن سهل بن سعد الساعدي، أن امرأة جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فوهبت نفسها له فصمت. الحديث بطوله. وأخرج ابن مردويه عن ابن عمر في قوله: {قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوٰجِهِـمْ } قال: فرض الله عليهم أنه لا نكاح إلاّ بوليّ وشاهدين. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس مثله وزاد: ومهر. وأخرج ابن أبي شيبة عن عليّ قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن توطأ الحامل حتى تضع، والحائل حتى تستبرأ بحيضة. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس: {تُرْجِي مَن تَشَاء مِنْهُنَّ } قال: تؤخر. وأخرج ابن جرير وابن مردويه عنه في قوله: {تُرْجِي مَن تَشَاء مِنْهُنَّ } يقول: من شئت خليت سبيله منهنّ، ومن أحببت أمسكت منهنّ. وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن عائشة قالت: كنت أغار من اللاتي وهبن أنفسهنّ لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأقول: تهب المرأة نفسها! فلما أنزل الله {تُرْجِي مَن تَشَاء مِنْهُنَّ } الآية قلت: ما أرى ربك إلاّ يسارع في هواك. وأخرج ابن سعد وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي رزين قال: همّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يطلق من نسائه، فلما رأين ذلك أتينه، فقلن: لا تخلّ سبيلنا، وأنت في حلّ فيما بيننا وبينك، افرض لنا من نفسك ومالك ما شئت، فأنزل الله: {تُرْجِي مَن تَشَاء مِنْهُنَّ } يقول: تعزل من تشاء، فأرجأ منهن نسوة وآوى نسوة، وكان ممن أرجى ميمونة وجويرية وأم حبيبة وصفية وسودة، وكان يقسم بينهن من نفسه وماله ما شاء، وكان ممن أوى عائشة وحفصة وأم سلمة وزينب، فكانت قسمته من نفسه وماله بينهنّ سواء. وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن عائشة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يستأذن في يوم المرأة منا بعد أن أنزلت هذه الآية: {تُرْجِي مَن تَشَاء مِنْهُنَّ } فقلت لها: ما كنت تقولين؟ قالت: كنت أقول: إن كان ذلك إليّ فإني لا أريد أن أوثر عليك أحداً. وأخرج الروياني والدارمي وابن سعد، وعبد الله بن أحمد في زوائد المسند، وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه، والضياء في المختارة عن زياد، رجل من الأنصار قال: قلت لأبي بن كعب: أرأيت لو أن أزواج النبيّ صلى الله عليه وسلم متن أما كان يحلّ له أن يتزوّج؟ قال: وما يمنعه من ذلك؟ قلت: قوله {لاَّ يَحِلُّ لَكَ ٱلنّسَاء مِن بَعْدُ } قال: إنما أحلّ له ضرباً من النساء، ووصف له صفة، فقال: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوٰجَكَ } إلى قوله: {وَٱمْرَأَةً مُّؤْمِنَةً } ثم قال: لا يحلّ لك النساء من بعد هذه الصفة. وأخرج عبد بن حميد والترمذي وحسنه، وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه عن ابن عباس قال: نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أصناف النساء إلاّ ما كان من المؤمنات المهاجرات قال: {لاَّ يَحِلُّ لَكَ ٱلنّسَاء مِن بَعْدُ وَلاَ أَن تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلاَّ مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ } فأحلّ له الفتيات المؤمنات {وَٱمْرَأَةً مُّؤْمِنَةً إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيّ } وحرّم كل ذات دين غير الإسلام، وقال: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوٰجَكَ } إلى قوله: {خَالِصَةً لَّكَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ } وحرّم ما سوى ذلك من أصناف النساء. وأخرج ابن مردويه عنه قال: نهي النبيّ صلى الله عليه وسلم أن يتزوّج بعد نسائه الأول شيئاً. وأخرج ابن مردويه عنه أيضاً في الآية قال: حبسه الله عليهن كما حبسهن عليه. وأخرج أبو داود في ناسخه، وابن مردويه، والبيهقي في سننه عن أنس قال: لما خيرهنّ فاخترن الله ورسوله قصره عليهن، فقال: {لاَّ يَحِلُّ لَكَ ٱلنّسَاء مِن بَعْدُ }. وأخرج ابن سعد وابن أبي حاتم عن أم سلمة قالت: لم يمت رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أحلّ الله له أن يتزوّج من النساء ما شاء إلاّ ذات محرم، وذلك قول الله: {تُرْجِي مَن تَشَاء مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَن تَشَاء }. وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وابن سعد وأحمد وعبد بن حميد، وأبو داود في ناسخه، والترمذي وصححه، والنسائي وابن جرير وابن المنذر، والحاكم وصححه، وابن مردويه والبيهقي من طريق عطاء عن عائشة قالت: لم يمت رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أحلّ الله له أن يتزوّج من النساء ما شاء إلاّ ذات محرم لقوله: {تُرْجِي مَن تَشَاء مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَن تَشَاء }. وأخرج ابن سعد عن ابن عباس مثله. وأخرج سعيد بن منصور وابن سعد وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي رزين {لاَّ يَحِلُّ لَكَ ٱلنّسَاء مِن بَعْدُ } قال: من المشركات إلاّ ما سبيت فملكت يمينك. وأخرج البزار وابن مردويه عن أبي هريرة قال: كان البدل في الجاهلية أن يقول الرجل للرجل: بادلني امرأتك وأبادلك امرأتي أي تنزل لي عن امرأتك، وأنزل لك عن امرأتي، فأنزل الله {وَلاَ أَن تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ } قال: فدخل عيينة بن حصن الفزاري إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم وعنده عائشة، فدخل بغير إذن، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : أين الاستئذان؟» تفسير : قال: يا رسول الله، ما استأذنت على رجل من الأنصار منذ أدركت، ثم قال: من هذه الحميراء إلى جنبك؟ فقال رسول الله: حديث : هذه عائشة أم المؤمنين» تفسير : ، قال: أفلا أنزل لك عن أحسن خلق الله؟ قال: حديث : يا عيينة، إن الله حرّم ذلك» تفسير : ، فلما أن خرج قالت عائشة: من هذا؟ قال: حديث : أحمق مطاع، وإنه على ما ترين لسيد قومه».
الماوردي
تفسير : قوله تعالى: {إذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ...} الآية. أجمع أهل العلم أن الطلاق إن كان قبل المسيس والخلوة فلا عدة فيه وليس للمطلقة من المهر إلا نصفه إن كان لها مهر سُمِّي ولا رجعة للمطلق ولكنه كأحد الخطاب إن كان طلاقه دون الثلاث. وإن كان ثلاثاً حرمت عليه ولا تحل له حتى تنكح زوجاً غيره. وقال عطاء وجابر بن زيد إذا طلق البكر ثلاثاً [فهي] طلقة واحدة وهو خلاف قول الجمهور. وإن كان الطلاق بعد الخلوة وقبل المسيس ففي وجوب العدة وكمال المهر وثبوت الرجعة قولان: أحدهما: وهو قول أبي حنيفة أن العدة قد وجبت والمهر قد كمل والرجعة قد ثبتت وأقام الخلوة مقام المسيس إلا أن يكونا في الخلوة مُحرمين أو صائمين أو أحدهما. والقول الثاني: وهو مذهب الشافعي وهو المعول عليه من أقاويله إنه لا عدة ولا رجعة ولا تستحق من المهر إلا نصفه. {.. فَمَتِّعُوهُنَّ وسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً} معنى فمتعوهن أي متعة الطلاق بدلاً من الصداق لأن المطلقة قبل الدخول إذا كان لها صداق مسمى فليس لها متعة وإن لم يكن لها صداق مسمى فلها بدل نصف المسمى متعة تقول مقام المسمى تختلف باختلاف الإعسار والإيسار وقدرها حماد بنصف مهر المثل وقال أبو عبد الله الزيدي أعلاها خادم وأوسطها ثوب وأقلها ما له ثمن. فأما المدخول بها ففي استحقاقها المتعة من الصداق قولان: أحدهما ليس لها مع استكمال الصداق متعة. الثاني: لها المتعة بالطلاق ولها الصداق بالنكاح. وفي قوله: {وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً} وجهان: أحدهما: أنه دفع المتعة حسب الميسرة والعسرة، قاله ابن عباس. الثاني: أنه طلاقها طاهراً من غير جماع، قاله قتادة.
ابن عبد السلام
تفسير : {فَمَتِّعُوهُنَّ} متعة الطلاق إذا لم تُسموا لهن صداقاً فتقوم المتعة مقام نصف المسمى وقدرها نصف مهر المثل، أو أعلاها خادم وأوسطها ثوب وأقلها ماله ثمن {سَرَاحاً جَمِيلاً} تدفع المتعة بحسب اليسار والإعسار، أو طلاقها طاهراً من غير جماع قاله قتادة، قلت: هذه غفلة منه لأن الآية فيمن لم يدخل بهن.
ابن عادل
تفسير : قوله: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِذَا نَكَحْتُمُ ٱلْمُؤْمِنَاتِ...} الآية وجه تعلق الآية بما قبلها هو أن الله تعالى في هذه السورة مكارم الأخلاق وأدب نبيه على ما تقدم والله تعالى أمر عباده المؤمنين بما أمر به نبيه فكلما ذكر لنبيّه مكرمةٌ، وعلَّمَه أدباً ذكر للمؤمنين ما يناسبه، ولما بدأ الله تعالى في تأديب النبي - عليه الصلاة والسلام - ذكر ما يتعلق بجانب الله تعالى بقوله: {أية : يۤا أَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ ٱتَّقِ ٱللَّهَ}تفسير : [الأحزاب: 1] وثنى بما يتعلق بجانب من هو تحت يده من أزواجه بقوله: بعده {أية : يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ قُل لأَزْوَاجِكَ}تفسير : [الأحزاب: 28، 59] وثلث بما يتعلق بجانب العامة بقوله: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ إِنَّآ أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً}تفسير : [الأحزاب: 45] كذلك بدأ في إرشاد المؤمنين بما يتعلق بجانب الله فقال: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً}تفسير : [الأحزاب: 41] ثم ثنى بما يتعلق بجانب من تحت أيديهم بقوله: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِذَا نَكَحْتُمُ ٱلْمُؤْمِنَاتِ} ثم كما ثلث في تأديب النبي بجانب الأمة ثَلَّث في حق المؤمنين بما يتعلق بهم فقال بعد هذا: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتَ ٱلنَّبِيِّ}تفسير : [الأحزاب: 53] وبقوله: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ}تفسير : [الأحزاب: 56] فإن قيل: إذا كان هذا إرشاداً إلى ما يتعلق بجانب من هو خواص المرء فلم خص المطلقات اللاتي طلقن قبل المسيس؟. فالجواب: هذا إرشاد إلى أعلى درجات المكرمات ليعلم منها ما دونها، وبيانه أن المرأة إذا طلقت قبل المسيس لم يحصل بينهما تأكد العهد، ولهذا قال تعالى في حق المَمْسُوسَة: {أية : وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَىٰ بَعْضُكُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقاً غَلِيظاً}تفسير : [النساء: 21] فإذا أمر الله (تعالى) بالتمتع والإحسان مع من لا مودة بينه وبينها فما ظنك بمن حصلت المودة بالنسبة إليها بالإفضاء أو حصل تأكدها بحصول الولد بينهما، وهذا كقوله تعالى: {أية : فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا}تفسير : [الإسراء: 23] لو قال: لا تضربهما ولا تشتمهما ظن أنه حرام لمعنى مختص بالضرب أو الشتم، فأما إذ قال: "لا تقل لهما أف" علم من معانٍ كثيرةٍ فكذلك ههنا لما أمرنا بالإحِسان مع من لا مودة معها علم منه الإِحسان مع الممسوسة ومن لم تطلق بعدُ ومن ولدت عنده منه. قوله: "ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ" إن قيل: ما الفائدة بالإتيان "بثُمَّ" وحكم من طلقت على الفور بعد العقد كذلك؟ فالجواب: أنه جرى على الغالب. وقال الزمخشري: نفى التوهم عمن عسى يتوهم تفاوت الحكم بين أن يطلقها قريبة العهد بالنكاح وبين أن يبعُدَ عهدها بالنكاح وتتراخى بها المرأة في حُبَالَة الزوج ثم طلّقها. قال أبو حيان: واستعمل "عسى" صلة لمن وهو لا يجوز. "قال شهاب الدين" يخرج قوله على ما خرج عليه قول الآخَر: شعر : 4097 - وَإِني لَرَامٍ نَظْرَةً قِبَلَ الَّتِي لَعَلِّي - وَإِنْ شَطَّتْ نَوَاهَا - أَزُورُهَا تفسير : وهو إضمار القول، وفي هذه الآية دليل على أن تعليق الطلاق قبل النكاح لا يصح، لأن الله تعالى رتب الطلاق على النكاح بكلمة "ثم" وهي للتراخي حتى (و) لو قال لأجنبية: إِذَا نَكَحْتُكَ فَأَنْتِ طَالِقٌ، أو كل امرأة أتزوجها فهي طالق فنكح، لا يقع الطلاق، وهو قول عَلِيٍّ، وابنِ مسعود، وجابر، ومعاذٍ، وعائشةَ. وبه قال سعيد بن أبي المسيب، وعُرْوَةُ، وشُرَيْحٌ، وسعيد بنُ جبير، والقاسمُ، وطاوسٌ والحسنُ، وعكرمةُ، وعطاءُ بن يَسَارِ، والشّعبيُّ، وقتادةُ، وأكثر أهل العلم. وبه قال الشافعيُّ، وأحمدُ. وروي عن ابن مسعود أنه قال: يقع الطلاق وهو قول إبراهيم النَّخَعِيِّ وأصحابِ الرأي، وقال ربيعةُ ومالكٌ والأوزاعِيُّ: إن عين امرأةً يقع، وإن عم فلا يقع، وروى عكرمة عن ابن عباس قال: كذبوا على ابن مسعود إن كان قالها فزلة من عالم في الرجل يقول: إن تزوجت فلانة فهي طالق، يقول الله تعالى: {إِذَا نَكَحْتُمُ ٱلْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ} ولم يقل: "إِذَا طَلَقْتُمُوهنَّ ثُمَّ نَكَحْتُمُوهُنَّ" وروى عطاء عن جابر قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "حديث : لاَ طَلاَقَ قَبْلَ النِّكَاحِ ". تفسير : قوله: {مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ} تجامعوهن {فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا} أي تحصونها وتستوفونها بالأقراء والأشهر، "فتعتدونها" صفة "لعدة" وتعتدونها تفتعلونها إما من العَدَد، وإما من الاعْتِدَادِ أي تحتسبونها أو تستوفون عددها من قولك: عَدَّ الدَّرَاهِمَ فَاعْتَدَّهَا أي استوفى عددها، نحو: كِلْتُهُ فَاكْتَالَهُ، ووَزنتهُ فاتَّزَنَهُ، وقرأ ابن كثير - في رواية - وأهل مكة بتخفيف الدال وفيها وجهان: أحدهما: أنها من الاعتداد وإنما كرهوا تضعيفه فخفَّفوه؛ قاله الرازي، قال: ولو كان من الاعتداء الذي هو الظلم لضعف، لأن الاعتداء يتعدى "بعلى". قيل: ويجوز أن يكون من الاعتداء وحذف حرف الجر أي تَعْتَدُونَ عَلَيْهَا أي على العدة مجازاً، ثم تعتدونها كقوله: شعر : 4098 - تَحِنُّ فَتُبْدِي مَا بِهَا مِنْ صَبَابِةٍ وَأُخْفِي الَّذِي لَوْلاَ الأَسَى لَقَضَانِي تفسير : أي لقَضَى عَلَيَّ، وقال الزمخشري: وقرىء تَعْتَدُونَهَا مخففاً أي تعتدون فيها كقوله: شعر : 4099 - ويَوْم شَهِدْنَاهُ سُلَيْمَى وَعَامراً قَلِيل سِوَى الطَّعْنِ النَّهَال نَوَافِلُهْ تفسير : وقيل: معنى تعتدونها أي تعتدون عليهن فيها، وقد أنكر ابن عطية القراءة عن ابن كثير وقال: غلط ابن أبي بزة عنه، وليس كما قال. والثاني: أنها من العدوان (والاعتداء) وقد تقدم شرحه، واعتراض أبي الفضل عليه بأنه كان ينبغي أن يتعدى "بعلى" وتقدم جوابه، وقرأ الحسن "تعْتدونها" - بسكون العين وتشديد الدال - وهو جمع بين ساكنين على (غير) حديهما. فصل دلت هذه الآية على أن العدة حق الزوج فيها غالب وإن كان لا يَسْقُطُ بإسقاطه؛ لما فيه من حق الله تعالى. ثم قال: "فَمَتِّعُوهُنَّ" أي أعطُوهُنَّ ما يستمتعن به قال ابن عباس: هذا إذا لم يكن سمى لها صداقاً فلها المتعة، وإن كان فرض لها صداقاً فلها نصف الصداق ولا متعة لها، وقال قتادة: هذه الآية منسوخة بقوله: {أية : فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ}تفسير : [البقرة: 237]، قيل: إنه عام وعلى هذا فهل هو أمر وجوب أو أمر استحباب؟ فقيل: للوجوب فتجب المتعة مع نصف المهر، وقيل: للاستحباب فيستحب أن يمتعها مع الصداق بشيء، ثم قال: {وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً} أي خلوا سبيلهن بالمعروف من غير ضرار، وقيل: السراح الجميل: أن لا يطالبها بما آتاها. قوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ إِنَّآ أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ ٱللاَّتِيۤ آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ} أي مهورهن {وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ} وقوله: {مِمَّآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَيْكَ} رد عليك من الكفار بأن تَسْبِي فتملك، وهذا بيان لما ملكت، وليس هذا قيداً بل لو ملكت يمينه بالشراء كان الحكم كذا، وإِنَّما خرج مَخْرَج الغالب. واعلم أنه ذكر للنبي - عليه الصلاة والسلام - ما هو أولى فإن الزوجة التي أُوتِيَتْ مهرها أطيب قلباً من التي لم تؤت والمملوكة التي سَبَاها الرجل بنفسه أطهر من التي اشتراها الرجل لأنه لا يدري كيف حالها، ومن هاجرت من أقارب النبي - صلى الله عليه وسلم - معه أشرف ممن لم تهاجِر، وقال بعضهم: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - ما كان يستوفي ما لا يجب له والوطء قبل إيتاء الصداق غير مستحق وإن كان حالاً لنا وكيف والنبي عليه الصلاة والسلام إذا طلب شيئاً حرم الامتناع على المطلوب؟ والظاهر أن الطالب في المرة الأولى إنما هو الرجل لحياء المرأة فلو طلب النبي - صلى الله عليه وسلم - من المرأة التمكين قبل المهر للزم أن يجب وأن لا يجب وهو محال ولا كذلك أحدنا ويؤكد هذا قوله: {وَٱمْرَأَةً مُّؤْمِنَةً إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ} يعني حينئذ لا يبقى لها صداق فتصير كالمستوفية مهرها. واعلم أن اللاتي يملكت يمينه مثل صفية، وجُوَيْريَة، ومَارِيَة {وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ} يعني نساء قريش {وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالاَتِكَ} يعني نساء بني زُهْرَة {ٱللاَّتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ} إلى المدينة فمن لم تهاجر معه منهم لم يجز له نكاحها، روى أبو صالح عن أم هانىء أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما فتح مكة خطبني فأنزل الله هذه الآية فلم أحل له لأني لم أكن من المهاجرات وكنت من المطلقات، ثم نسخ شرط الهجرة في التحليل. قوله "وامرْأَةً" العامة على النصب وفيه وجهان: أحدهما: أنها عطف على مفعول "أَحْلَلْنا" أي وأحْلَلْنَا لك امرأة ً موصوفة بهذين الشرطين، قال أبو البقاء وقد رد هذا قوم، وقالوا: "أَحْلَلْنا" ماضٍ، و "إنْ وَهَبَتْ" - وهو صفة للمرأة - مستقبل، "فأحللنا" في موضع جوابه، وجواب الشرط لا يكون ماضياً في المعنى، قال: وهذا ليس بصحيح لأم معنى الإحلال ههنا الإعلام بالحل إذا وقع الفعل على ذلك كما تقول: "أَبَحْتُ لَكَ أَنْ تُكَلِّمَ فُلاَناً إِنْ سَلَّمَ عَلَيْكَ". والثاني: انه ينتصب بمقدر تقديره: "ويُحِلُّ لك امرأةً". قوله: "إنْ وَهَبَتْ، إِنْ أَرَادَ" هذا من اعتراض الشرط على الشرط، والثاني هو قيد في الأول ولذلك نعربه حالاً، لأن الحال قيد، ولهذا اشترط الفقهاء أن يتقدم الثاني على الأول في الوجود. فلو قال: إن أَكَلْتُ إنْ رَكِبْتُ فأنتِ طالقٌ، فلا بد أن يتقدم الركوب على الأكل، وهذا له تحقق الحالية والتقييد كما ذكرنا، إذ لو لم يتقدم لخلا جزء من الأكل غير مقيد بركوب فلهذا اشترطنا تقدم الثاني وقد مضى تحقيق هذا وأنه يشترط أن لا تكون ثَمَّ قرينة تمنع من تقدم الثاني على الأول كقوله: "إنْ تَزَوَّجْتُك إِنْ طَلَّقْتُكِ فعَبْدِي حُرٌّ" (لأنه) لا يتصور هنا تقديمُ الطلاق على التَّزويج. قال شهاب الدين: وقد عرض لي إشكال على ما قاله الفقهاء بهذه الآية وذلك أن الشرط الثاني هنا لا يمكن تقدمه في الوجود بالنسبة إلى الحكم الخاص بالنبي - صلى الله عليه وسلم - لا أنه لا يمكن عقلاً، وذلك ان المفسرين فسروا قوله تعالوا: "إنْ أَرَادَ" بمعنى قبل الهِبَة لأن بالقبول منه عليه (الصلاة و) السلام يتم نكاحه وهذا لا يتصور تقدمه على الهبة إذ القبول متأخر، وأيضاً فإن القصة كانت على ما ذكرته من تأخر إرادته من هِبَتها وهو مذكور في التفسير، وأبو حيان لما جاء إلى ههنا جعل الشرط الثاني متقدماً على الأول على القاعدة العامة، ولم يسشكل شيئاً مما ذكرته، وقد عرضت هذا الإِشكال على جماعة من أعيان زماننا فاعترفوا به ولم يظهر عن جواب إلا ما قدمته من أنه ثم قرينة مانعة من ذلك كما مثلته آنفاً، وقرأ أبو حيوة "وامْرَأَةٌ" بالرفع على الابتداء، والخبر مقدر، أي أَحْلَلْنَا لَكَ أَيْضاً. وفي قوله: {إِنْ أَرَادَ ٱلنَّبِيُّ} التفات من الخطاب إلى الغيبة بلفظ الظاهر تنبيهاً على أن سبب ذلك النبوة، ثم رجع إلى الخطاب فقال: "خَالِصَةً لَكَ"، وقرأ أبي والحسن وعيسى "أَنْ" بالفتح، وفيه وجهان: أحدها: أنه بدل من "امرأة" بدل اشتمال قاله أبو البقاء، كأنه قيل: وأحْلَلْنَا لك هِبَةَ المَرْأَةِ نَفْسَهَا لَكَ. والثاني: أنها على حذف لام العلة (أي) لأَنْ وَهَبَتْ, وزيد بن علي:إِذْ وَهَبَتْ" وفيه معنى العِلِّيِّةِ. قوله: "خالصة" العامة على النصب وفيه أوجه: أحدها: أنه منصوب على الحال من فاعل "وَهَبَتْ" أي حال كونها خالصةً لك دُونَ غَيْرِكَ. الثاني: أنها حال من "امرأة" لأنها وصفت فتخصصت، وهو بمعنى الأول، وإليه ذهب الزجاج. الثالث: أنها نعت مصدر مقدر أي هبة خالصة فنصبها "بوَهَبَتْ". الرابع: أنها مصدر مؤكد "كوَعْدَ اللَّهِ"، قال الزمخشري: والفاعل والفاعلة في المصادر غير عزيزين كالخَارجِ والقَاعِدِ، والكاذِبَةِ والعَافِيَةِ يريد بالخارج ما في قول الفرزدق: شعر : 4100 -........................... وَلاَ خَارِجاً مِنْ فِيَّ زُورُ كَلاَمِ تفسير : وبالقاعد ما في قولهم: "أَقَاعِداً وَقَدْ سَارَ الرَّكْبُ"، وبالكاذبة ما في قوله تعالى: {أية : لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ}تفسير : [الواقعة: 2]، وقد أنكر أبو حيان عليه قوله: "غير عزيزين" وقال: بل هما عزيزان، وما ورد متأول، وقرىء: "خَالِصَةٌ" بالرفع، فإن كانت "خالصة" حالاً قدر المبتدأ "هي" أي المرأة الواهبة، وإن كانت مصدراً قدر فتلك الحالة خالصة، و "لك" على البيان أي أعني لك نحو: "سَقْياً لَكَ". فصل المعنى: أحللنا لك امرأة مؤمنة وهبت نفسها لك بغير صداق، فأما غير المؤمنة فلا تَحِلُّ له إذا وهبت نفسها منه، واختلفوا في أنه هل كان يحِل للنبي - صلى الله عليه وسلم - نكاح اليهودية والنصرانية، فذهب أكثرهم إلى أنه كان لا يحل له ذلك لقوله: "وامرأة مؤمنة" وأول بعضهم الهجرة في قوله: "هَاجَرْنَ مَعَكَ" يعني على الإسلام أي أسلمن معك، فيدل ذلك على أنه لا يحل نكاح غير المسلمة. وكان نكاح ينعقد في حقه بمعنى الهبة من غير ولي ولا شهود ولا مَهْرٍ، وكان ذلك من خصائصه عليه (الصلاة و) السلام - لقوله تعالى: {خَالِصَةً لَّكَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ} كالزيادة على الأدب ووجوب تخيير النساء من خصائص لا مشاركة لأحد معه، واختلفوا في انعقاد النكاح بلفظ الهبة في حق الأمة، فقال سعيد بن المسيب والزهري ومجاهد وعطاء: لا ينعقد إلا بلفظ النكاح أو التزويج، وبه قال ربيعة ومالك والشافعي، ومعنى الآية أنّ إباحة الوطء بالهبة وحصول التزويج بلفظها من خواصه عليه السلام. وقال النخعيُّ وأبو حنيفةَ وأهلُ الكوفة ينعقد بلفظ الهبة والتمليك وأن معنى الآية أن تلك المرأة صارت خالصة لك زوجةً من أمهات المؤمنين ولا تحل لغيرك أبداً بالتزويج وأجيب بأن هذا التخصيص بالواهبة لا فائدة فيه فإن أزواجه كلهن خالصات له، وما ذكرناه (يتبين) للتخصيص فائدة. فصل اختلفوا في التي وهبت نفسها لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - هل كانت عنده امرأة منهن فقال عبد الله بن عباس ومجاهد: لم يكن عند النبي - صلى الله عليه وسلم - امرأة وهبت نفسها منه ولم يكن عنده امرأة إلا بعقد نكاح أو ملك يمين، وقوله "وَهَبَتْ نَفْسَهَا" على طريق الشرط والجزاء، وقيل: بل كانت موهوبة واختلفوا فيها، فقال الشعبي: هي زينب بنت خزيمة الهلالية يقال لها: أم المساكين، وقال قتادة: هي ميمونة بنت الحارث، وقال علي بن الحسين والضحاك ومقاتل: أمّ شريك بنت جابر من بني أسد، وقال عروة بن الزبير: هي خولة بنت حكيم من بني سُلَيْم. قوله: {قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا} أوجبنا على المؤمنين "فِي أَزواجِهِمْ" من الأحكام أن لا يتزوجوا أكثر من أربع ولا يتزوجوا إلا بولي وشهود ومهر {وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ} أي ما أوجبنا من الأحكام في ملك اليمين، وإنما ذكر هذا لئلا يحمل واحدٌ من المؤمنين نفسه على ما كان النبي عليه السلام فإن له في النكاح خصائصَ ليست لغيره، وكذلك في السَّرَارِي. قوله: "لِكَيْلاَ" يتعلق "بخالصة" وما بينهما اعتراض و "مِنْ دُونِ" متعلق "بخالصة" كما تقول: خَلَص مِنْ كَذَا. فصل قال المفسرون: هذا يرجع إلى أول الآية أي أحللنا لك أزواجَك وما ملكت يمينك والموهبة {لِكَيْلاَ يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ} {وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً} يغفر الذنوب جميعاً ويرحم العبيد. قوله: "تُرْجِي" أي تؤخر {مَن تَشَآءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِيۤ إِلَيْكَ} أي تضم إِلَيْكَ "مَنْ تَشَاءُ" واختلف المفسرون في معنى الآية فأشهر الأقاويل أنه في القسم بينهن وذلك أن التسوية بينهن في القسم كان واجباً عليه، فلما نزلت هذه الآية سقط عنه وصار الاختيار إليه فيهن. قال أبو رزين وابنُ زيد نزلت هذه الآية حين غار بعض أمهات المؤمنين على النبي - صلى الله عليه وسلم - وطلب بعضهن زيادة النفقة وهجرهن النبي - صلى الله علي وسلم - شهراً حتى نزلت آية التخيير فأمره الله - عز وجل - أن يُخَيرَهُن بين الدنيا والآخرة وأن يخلي سبيل من اختارت الدنيا، ويمسك من اختارت الله ورسوله والدار الأخرة على أنهن أمهات المؤمنين فلا يُنكحن أبداً وعلى أنه يؤوي إليه من يشاء منهن ويرجي من يشاء فيرضين به قَسَم لهن أو لم يقسم أو قسم لبعض دون بعض أوفضل بعضهن على بعض في النفقة والقسمة فيكون الأمر في ذلك إليه يفعل كيف يشاء وكان ذلك من خصائص فرضين بذلك واخترنه على هذا الشرط وذلك لأن النبي عليه الصلاة والسلام بالنسبة إلى أمته نسبة السّيد المطاع والرجل وإن لم يكن نبياً فالزوجة في ملك نكاحه والنكاح عليها فكيف زوجات النبي بالنسبة إليه فإذن هن كالمملوكات له ولا يجب القسم بين المملوكات. والإرجاء التأخير والإيواء الضم، واختلفوا في أنه هل أخرج أحداً منهن عن القسم فقيل: لم يخرج أحداً بل كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مع ما جعل الله من ذلك يسوي بينهن في القسم إلا سَوْدَةَ فإنها رَضِيَتْ بترك حقها من القَسْم وجعلت نوبتها لعائشةَ، وقيل: أَخْرَجَ بعضهن، روى جرير عن منصور عن أبي رَزِين قال: لما نزلت آية التخيير أَشفَقْنَ أَنْ يُطَلِّقَهُنَّ، فقلن يا رسول الله: اجعل لنا من نفسك ومالك ما شئتَ ودَعْنَا على حالنا فنزلت هذه الآية فأرجأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعضهن وآوى إليه بعضهن فكان ممن آوى عائشةُ وحفصةُ وزينبُ وأمُّ سلمة وكان يقسم بينهن سواءً، وأرجأ منهن خمساً: أمَّ حبيبة، وميمونَة، وسودةَ، وصفيةَ، وجُورَيْرِية فكان يقسِمُ لهن ما شاء. وقال مجاهد: ترجى من تشاء منهن يعني تعزل من تشاء منهنّ بغير طلاق وترد إليك من تشاء بعد العزل بلا تجديد عقد، وقال ابن عباس: تطلق من تشاء منهن وتُمْسك من تشاء وقال الحسن: تترك نكاح من شئت وتنكح من شئت من تشاء من أمتك وقال: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا خَطب امرأة لم يكن لغيره خِطْبَتُهَا حتى يتركها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقيل: تَقْبَلُ من تشاء من المؤمنات اللاتي يهبن أنفسهن لك فتؤويها إليك وتَتْرُكُ من تشاء فلا تقبلها، روى هشامٌ عن أبيه قال: كانت خَوْلَةٌ بنتُ حَكِيم من اللاتي وهبن أنفسهن للنبي - صلى الله عليه وسلم - فقالت عائشة: أما تستحي المرأة انت تَهَب نفسها للرجل فلما نزلت {تُرْجِي مَن تَشَآءُ مِنْهُنَّ} قالت: يا رسول الله. ما أرى ربُّكَ إلاّ يُسارع في هَوَاكَ. قوله: "وَمَن ابْتَغَيْتَ" يجوز في "من" وجهان: أحدهما: أنها شرطية في محل نصب بما بعدها وقوله: {فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكَ} جوابها، والمعنى من طلبتها من النسوة اللاتي عزلتهن فليس عَليك في ذلك جناح. والثاني: أن تكون مبتدأة، والعائد محذوف وعلى هذا فيجوز في "مَنْ" أن تكون "موصولة" وأنْ تكون شرطية، و {فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكَ} خبر، أو جواب أي التي ابتغيتها. ولا بد حينئذ من ضمير راجع إلى اسم الشرط من الجواب أي في ابتغائها وطلبها، وقيل: في الكلام حذف معطوف تقديره: ومن ابتغيتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ وممن لم تعزل سواء، لا جناح عليك كما تقول: "مَنْ لَقِيَكَ ممَّن لَمْ يَلْقكَ جميعُهم لَكَ شَاكرٌ" يريد من لقيك ومن لم يلقك وهذا فيه إِلغاز. قوله: "ذَلِكَ" أي التفويض إلى مشيئتك {أَدْنَىٰ أَن تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ} أي أقرب إلى قرة أعينهن، والعامة "تَقَرَّ" مبنياً للفاعل مسنداً "لأعينهن" وابن مُحِيْصِن "تُقرّ" من "أقر" - رباعياً - وفاعله ضمير المخاطب (و) "أَعْيُنَهُنَّ" نصب على المفعول به وقرىء "تُقَرّ" مبنياً للمفعول (و) "أَعْيُنُهُنَّ" رفع لقيامه مقام الفاعل وتقدم معنى "قرة العين" في مريم. قوله: "كُلُّهن" العامة على رفعه توكيداً لفاعل "يَرْضِيْنَ"، وأبو إياس بالنصب توكيداً لمفعول "آتَيْتَهُنَّ". فصل قال المفسرونَ لا جناح عليك لا إثم عليك، أباحَ له ترك القَسْم لهن حتى إنه ليُرجِي من يشاء في نوبتها وَيَطَأ من يشاء منهن في غير نوبتها ويرد إلى فراشه من عزلها تفضيلاً له على سائر الرجال {ذَلِكَ أَدْنَىٰ أَن تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلاَ يَحْزَنَّ} أي ذلك التخيير الذي خيرتك في صحبتهن أقرب إلى رضاهن، وأطيب لأنفسهن وأقل لحزنهن إذا علمن أن ذلك من الله عز وجل، {وَيَرْضَيْنَ بِمَآ آتَيْتَهُنَّ} أعطيتهن من تقريب وإرجاء وعزل وإيواء {وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قلُوبِكُمْ} من أمر النساء والميل إلى بعضهن {وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيماً حَلِيماً} أي إن أضمرت خلاف ما أظهرت فالله يعلم ضمائر القلوب فإنه عليم وإن لم يعاقبْهن في الحال فلا يغتررن فإنه حليم لا يعجل. قوله: {لاَّ يَحِلُّ لَكَ ٱلنِّسَآءُ} قرأ أبو عمرو "لا تَحِلُّ" بالتأنيث اعتباراً باللفظ والباقون بالياء لأنه جنس والمفصل أيضاً، وقوله "مِنْ بَعْدُ" أي من (بعد) اللائي نصصنا لك على إحْلاَلَهِنَّ كما تقدم، وقيل: من بعد إباحة النساء المسلمات دون الكِتَابِيَّات. فصل قال المفسرون: من بعد أي من بعدهن: قال ابن الخطيب: والأولى أن يقال لا تحل لك النساء من بعد اختيارهن الله ورسوله ورضاهن بما تؤتيهن من الوصل والهجران، وقال ابن عباس وقتادة: من بعد هؤلاء التسعة خيرتهن فاخترنَك، وذلك ان النبي - صلى الله عليه وسلم - لما خيرهن فاخْترن الله ورسوله شكر الله لهن، وحُرِّمَ عليه النساء سواهن ونهاه عن تطليقهن وعن الاستبدال بهن، واختلفوا في أنه هل أبيح له النساء من بعد، قالت عائشة: ما مات رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى أحل له النساء. وقال أنس: مات على التحريم، وقال عكرمة: معنى الآية لا تحل لك النساء إلا اللاتي أحللنَا لك أزواجَك، الآية ثم قال: لا تحل لك النساء من بعد اللاتي أحللنا لك بالصفة التي تقدم ذكرها. وقيل لأبي بن كعب: لو مات نساء النبي - صلى الله عيله وسلم - كان يحل له أن يتزوج، قال: (و) ما يمنعه من ذلك؟ قيل: قوله عز وجل: {لاَّ يَحِلُّ لَكَ ٱلنِّسَآءُ مِن بَعْدُ} قال: إنما أحَلَّ اللَّهُ ضَرْباً من النساء فقال: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ إِنَّآ أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ} قال: {لاَّ يَحِلُّ لَكَ ٱلنِّسَآءُ مِن بَعْدُ} (و) قال أبو صالح: أمر أن لا يتزوج أعرابية ولا غريبة ويتزوج من نساء قومه من بنات العم والعمة والخال والخالة إن شاء ثلاثمائة. وقال مجاهد: معناه لا تحل لك اليَهُودِيَّاتُ بعد المسلمات {وَلاَ أَنْ تَبَدَّلَ} بالمسلمات غيرهن من اليهود والنصارى يقول: لا تكون أم المؤمنين يهودية ولا نصرانية {إِلاَّ مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ} أحلَّ له ما ملكت يمينه من الكتابيات أن يَتَسرى بهنَّ؛ وروي عن الضحاك معنى {وَلاَ أَن تَبَدَّلَ بِهِنَّ} ولا أن تبدل بأزواجك اللاتي هن في حبالك أزواجاً غيرهن بأن تطلق فتنكح غيرهن فحرم عليه طلاق النساء اللواتي كن عنده وجعلهن أمهات المؤمنين وحرمهن على غيره حين اخترنه، فأما نكاح غيرهن فلم يمنع عنه. وقال ابن زيد في قوله: {وَلاَ أَن تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ} كانت العرب في الجاهلية يتبادلونَ بأزواجهم يقول الرجل: بادِلْنِي بامرأتك وأبادِلك بأمْرأتي، تنزل لي عن امرأتك وانزل لك عن امرأتي، فأنزل الله - عز وجل - {وَلاَ أَن تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ} يعني تبادل بأزواجك غيرك بأن تعطيه زوجتك وتأخذ زوجته {إِلاَّ مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ} لا بأس أن تبادل بجاريتك ما شئت، فأما الحَرَائِرُ فلا، روى عطاء بن يَسَارِ عن أبي هُرَيْرَةَ قال: حديث : دخل عُيَيْنَةُ بن حصن على النبي - صلى الله عليه وسلم - بغير إذن وعنده عائشة فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - يا عيينة أين الاستئذانُ؟ قال يا رسول الله: ما استأذنت على رجل من مضر منذ أدركت، ثم قال: مَنْ هذه الحميراء التي جنبك؟ فقال: هذه عائشة أم المؤمنين فقال عيينة: أفلا أنزل لك عن أحسن الخلق؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إن الله قد حرم ذلك فلما خرج قالت عائشة: من هذا يا رسول الله؟ قال: هذا أحمق مُطَاع وإنه على ما تَرَيْن لسيدُ قومهتفسير : . قوله: "وَلَوْ أَعْجَبَكَ" كقوله: "أَعْطُوا السَّائِلَ وَلَوْ على فَرَسٍ" أي في كل حال ولو على هذه الحال المنافية قال الزمخشري: قوله "حسنهن" في معنى الحال. فصل معنى {وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ} أي ليس لك أن تطلق أحداً من نسائك وتنكح بدلها أخرى ولو أعجبك جمالها. قال ابن عباس يعني أسماء بنت عميْس الخَثْعَمِيَّة امرأة جعفر بن أبي طالب فلما استشهد جعفر أراد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يَخْطِبَها فنهي عن ذلك. وقال بعض المفسرين ظاهر هذا ناسخ لما كان قد ثبت له عليه (الصلاة و) السلام من أنه إذا رأى واحدة فوقعت في قلبه مَوْقِعاً كانت تحرم على الزوج ويجب عليه طلاقها. وهذه مسألة حكمية وهي أن النبي عليه (الصلاة و) السلام وسائر الأنبياء في أول النبوة يشتد عليهم برحاء الوحي ثم يستأنسون به فينزل عليهم وهم متحدِّثون مع أصحابهم لا يمنعهم من ذلك مانع، ففي أول الأمر أحل الله من وقع في قلبه تفريغاً لقلبه، وتوسعاً لصدره لئلا يكون مشغول القلب بغير الله، ثم لما استأنس بالوحي نسخ ذلك إما لقوله عليه (الصلاة و) السلام الجمع بين الأمرين، وإما لأنه بدوام الإنزال لم يبق له مألوفٌ من أمور الدنيا فلم يبق له التفات إلى غير الله فلم يبق له حاجة إلى إخلاء المتزوّج بمن وقع بصره عليه. قوله: {إِلاَّ مَا مَلَكَتْ} فيه أوجه: أحدها: أنه مستثنى من النساء فيجوز فيه وجهان: النصب على أصل الاستثناء والرفع على البدل وهو المختار، والثالث: أنه مستثنى من "أزواج" قاله أبو البقاء، فيجوز أن يكون في موضع نصب على أصل الاستثناء، وأن يكون في موضع جر بدلاً مِن "هُنَّ" (على) اللفظ، وأن يكون في موضع نصب بدلاً مِن "هُنَّ" على المحل، وقال ابن عطية إن كانت (ما) مصدرية فهي في موضع نصب لأنه من غير الجنس وليس بجيد؛ لأنه قال بعد ذلك والتقدير: إلا ملك اليمين، و "ملك" بمعنى مملوك انتهى. وإذا كان بمعنى مملوك صار من الجنس وإذا صار من الجنس لم يكن منقطعاً على أنه على تقدير انقطاعه لا يتحتم نصبه، بل يجوز عند تميم الرفْعُ بدلاً والنصب على الأصل كالمتصل بشرط صحة توجه العامل إليه كما تقدم تحقيقه، وهذا يمكن توجه العامل إليه، ولكن اللغة المشهورة لغةُ الحِجَاز وهو لزوم النصب في المنقطع مطلقاً، كما ذكره أبو محمد آنفاً. فصل قال ابن عباس ملك بعد هؤلاء مَارِيَة، و {وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ رَّقِيباً} حافظاً عالماً بكل شيء قادراً عليه، وفي الآية دليل على جواز النظر إلى من يريد نكاحها من النساء، روي عن جابر قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "حديث : إِذَا خَطبَ أَحَدُكُمْ المَرْأَةَ فَإِنْ اسْتَطَاعَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى مَا يَدْعُوهُ إِلَى نِكَاحِها فَلْيَفْعَلْ ".
السيوطي
تفسير : أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {إذا نكحتم المؤمنات...} الآية. قال: هذا في الرجل. يتزوج المرأة ثم يطلقها من قبل أن يمسها، فإذا طلقها واحدة بانت منه لا عدة عليها تتزوج من شاءت، ثم قال {فمتعوهن وسرحوهن سراحاً جميلاً} يقول: ان كان سمي لها صداقاً فليس لها إلا النصف، وإن لم يكن سمي لها صداقاً متعها على قدر عسره ويسره، وهو السراح الجميل. وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه قال: التي نكحت ولم يَبْنِ بها، ولم يفرض لها فليس لها صداق، وليس عليها عدة. وأخرج ابن مردويه عن ابن عمر رضي الله عنهما في قوله {إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن...} قال: هي منسوخة نسختها الآية التي في البقرة {أية : فنصف ما فرضتم}تفسير : [البقرة: 237]. وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن المسيب رضي الله عنه {يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات} إلى قوله {فمتعوهن} قال: هي منسوخة. نسختها الآية التي في البقرة {أية : وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم}تفسير : [البقرة: 237] فصار لها نصف الصداق، ولا متاع لها. وأخرج عبد بن حميد عن الحسن رضي الله عنه عن أبي العالية رضي الله عنه قالا: ليست بمنسوخة، لها نصف الصداق، ولها المتاع. وأخرج عبد بن حميد عن الحسن رضي الله عنه قال: لكل مطلقة متاع. دخل أو لم يدخل بها، فرض لها أو لم يفرض لها. وأخرج عبد بن حميد عن حسين بن ثابت رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى علي بن حسين فسأله عن رجل قال: ان تزوجت فلانة فهي طالق قال: ليس بشيء. بدأ الله بالنكاح قبل الطلاق فقال {يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن}. وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن جبير رضي الله عنه قال: سئل ابن عباس رضي الله عنهما عن رجل يقول: ان تزوجت فلانة فهي طالق. قال: ليس بشيء. إنما الطلاق لمن يملك. قال ابن مسعود رضي الله عنه: كان يقول: إذا وقت وقتاً فهو كما قال. قال: رحم الله أبا عبد الرحمن لو كان كما قال: لقال الله {يا أيها الذين آمنوا إذا طلقتم النساء ثم نكحتموهن} ولكن إنما قال {إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن} . وأخرج عبد الرزاق في المصنف عن ابن جريج رضي الله عنه قال: بلغ ابن عباس رضي الله عنهما: أن ابن مسعود يقول: إن طلق ما لم ينكح فهو جائز فقال ابن عباس رضي الله عنهما: أخطأ في هذا. إن الله تعالى يقول {إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن} ولم يقل {إذا طلقتم المؤمنات ثم نكحتموهن}. وأخرج ابن أبي حاتم والحاكم وصححه من طريق طاوس عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه تلا {يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن} قال: فلا يكون طلاق حتى يكون نكاح. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: إذا قال كل امرأة أتزوجها فهي طالق، أو إن تزوجت فلانة فهي طالق فليس لشيء، إنما الطلاق لمن يملك من أجل أن الله يقول {إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن} . وأخرج البيهقي في السنن من طريق عكرمة رضي الله عنه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ما قالها ابن مسعود، وإن يكن قالها فزلة من عالم في الرجل يقول: إن تزوجت فلانة فهي طالق. قال الله تعالى {يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات} ولم يقل {إذا طلقتم المؤمنات ثم نكحتموهن}. وأخرج الحاكم وابن مردويه عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : لا طلاق إلا بعد نكاح، ولا عتق إلا بعد ملك ". تفسير : وأخرج عبد الرزاق وأبو داود والنسائي وابن مردويه عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم"حديث : لا طلاق فيما لا تملك، ولا بيع فيما لا تملك، ولا وفاء نذر فيما لا تملك، ولا نذر إلا فيما ابتغى وجه الله تعالى، ومن حلف على معصية فلا يمين له، ومن حلف على قطيعة رحم فلا يمين له ". تفسير : وأخرج ابن مردويه عن جابر بن عبدالله رضي الله عنهما أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول"حديث : لا طلاق فيما لا تملك، ولا عتق فيما لا تملك ". تفسير : وأخرج ابن ماجة وابن مردوية عن المسور بن مخرمة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : لا طلاق قبل نكاح، ولا عتق قبل ملك ".
القشيري
تفسير : إذا آثرتُمْ فراقَهُنَّ فَمَتُعوهن ليكونَ لهن عنكم تذكرة في أيام الفرقة في أوائلها إلى أَنْ تتوطَّنَ نفوسُهن على الفرقة. {وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً}: لا تذكروهن بعد الفراق إلا بخير، ولا تستردوا منهن شيئاً تخلَّفتُم به معهن، فلا تجمعوا عليهن الفراقَ بالحال والأضرارَ من جهة المال.
اسماعيل حقي
تفسير : {يا ايها الذين آمنوا اذا نكحتم}. قال فى بحر العلوم اصل النكاح الوطئ ثم قيل للعقد نكاح مجازا تسمية للسبب باسم المسبب فان العقد سبب الوطئ المباح وعليه قوله تعالى {أية : الزانى لا ينكح الا زانية} تفسير : اى لا يتزوج ونظيره تسمية النبات غيثا فى قوله رعينا الغيث لانه سبب للنبات والخمر اثما لانها سبب لاكتساب الاثم. وقال الامام الراغب فى المفردات اصل النكاح للعقد ثم استعير للجماع ومحال ان يكون فى الاصل للجماع ثم استعير للعقد لان اسماء الجماع كلها كنايات لاستقباحهم ذكره كاستقباح تعاطيه ومحال ان يستعير من لا يقصد فحشا اسم ما يستفظعونه لما يستحسنونه انتهى. وفى القاموس النكاح الوطئ والعقد والمعنى اذا تزوجتم {المؤمنات} وعقدتم عليهن وخص المؤمنات مع ان هذا الحكم الذى فى الآية يستوى فيه المؤمنات والكتابيات تنبيها على ان من شأن المؤمن ان لا ينكح الا مؤمنة تخيرا لنطفته ويجتنب عن مجانبة الفواسق فما بال الكوافر فالتى فى سورة المائدة تعليم ما هو جائز غير محرم من نكاح المحصنات من الذين اوتوا الكتاب وهذه فيها تعليم ما هو اولى بالمؤمنين من نكاح المؤمنات وقد قيل الجنس يميل الى الجنس: وفى المثنوى شعر : جنس سوى جنس صد بره برد بر خيالش بندهارا بر درد آن يكى را صحبت اخيار خار لا جرم شد بلهوى فجار جار تفسير : {ثم طلقتموهن} اصل الطلاق التخلية من وثاق يقال اطلقت الناقة من عقالها وطلقها وهى طالق وطلق بلا قيد ومنه استعير طلقت المرأة نحو خليتها فهى طالق اى مخلاة عن حبالة النكاح {من قبل ان تمسوهن} اى تجامعوهن فان لمس اى اللمس كناية عن الوطئ وفائدة ثم ازاحة ما عسى يتوهم ان تراخى الطلاق ريثما تمكن الاصابة يؤثر فى العدة كما يؤثر فى النسب فلا تفاوت فى الحكم بين ان يطلقها وهى قريبة العهد من النكاح وبين ان يطلقها وهى بعيدة منه. قالوا فيه دليل على ان الطلاق قبل النكاح غير واقع لان الله تعالى رتب الطلاق على النكاح كما قال بعضهم انما النكاح عقدة والطلاق يحلها فكيف تحل عقدة لم تعقد فلو قال متى تزوجت فلانه او كل امرأة اتزوجها فهى طالق لم يقع عليه طلاق اذا تزوج عند الشافعى واحمد وقال ابو حنيفة يقع مطلقا لانه تطليق عند وجود الشرط الا اذا زوجها فضولى فانها لم تطلق كما فى المحيط وقال مالك ان عين امرأة بعينها او من قبيلة او من بلد فتزوجها وقع الطلاق وان عمم فقال كل امرأة اتزوجها من الناس كلهم لم يلزمه شئ ثم ان حكم الخلوة التى يمكن معها المساس فى حكم المساس عند ابى حنيفة واصحابه والخلوة الصحيحة غلق الرجل الباب على منكوحته بلا مانع وطئ من الطرفين وهو ثلاثة. حسى كمرض يمنع الوطأ ورتق وهو انسداد موضع الجماع بحيث لا يستطاع. وشرعى كصوم رمضان دون صوم التطوع والقضاء والنذور والكفارة فى الصحيح لعدم وجوب الكفارة بالافساد وكاحرام فرض او نفل فان الجماع مع الاحرام يفسد النسك ويوجب دما مع القضاء. وطبعى كالحيض والنفاس اذا الطباع السليمة تنفر منها فاذا خلابها فى محل خال عن غيرهما حتى عن الاعمى والنائم بحيث امنا من اطلاع غيرهما عليهما بلا اذنهما لزمه تمام المهر لانه فى حكم الوطئ ولو كان خصيا وهو مقطوع الانثيين او عنينا وهو الذى لا يقدر على الجماع وكذا لو كان مجبوبا وهو مقطوع الذكر خلافا لهما وفرض الصلاة مانع كفرض الصوم للوعيد على تركها والعدة تجب بالخلوة ولو مع المانع احتياطا لتوهم شغل الماء ولانها حق الشرع والولد. واعلم ان الحيض والنفاس والرتق من الاعذار المخصوصة بالمرأة واما المرض والاحرام والصوم فتعتبر فى كل من الرجل والمرأة وتعد مانعا بالنسبة الى كليهما كما فى تفسير ابى الليث. ومعنى الاية بالفارسية [بس جون طلاق دهيدزنانرا قبل از دخول يابيش ازخلوت صحيحة] {فما لكم عليهن} [بس نيست شمارا برين مطلقات] {من عدة} ايام ينتظرن فيها وعدة المرأة هى الايام التى بناقضائها تحل للزوج {تعتدونها} محله الجر على انه صفة عدة اى تستوفون عددها او تعدونها وتحصونها بالاقراء ان كانت من ذوات الحيض او بالاشهر ان كانت آيسة. وفى الاسناد الى الرجال دلالة على ان العدة حقهم كما اشعر به فما لكم. فدلت الآية على انه لا عدة على غير المدخول بها لبراءة رحمها من نطفة الغير فان شاءت تزوجت من يومها وكذا اذا تيقن بفراغ رحم الامة من ماء البائع لم يستبرئ عند ابى يوسف وقالا اذا ملك جارية ولو كانت بكرا او مشرية ممن لا يطأ اصلا مثل المرأة والصبى والعنين والمجبوب او شرعا كالمحرم رضاعا او مصاهرة او نحو ذلك حرم عليه وطؤها ودواعيه كالقبلة والمعانقة والنظر الى فرجها بشهوة او غيرها حتى يستبرئ بحيضة او يطلب براءة رحمها من الحمل كذا فى شرح القهستانى {فمتعوهن} اى فاعطوهن المتعة وهى درع وخمار وملحفة كما سبقت فى هذه السورة وهو محمول على ايجاب المتعة ان لم يسم لها مهر عند العقد وعلى استحبابها ان سمى ذلك فانه ان سمى المهر عنده وطلق قبل الدخول فالواجب نصفه دون المتعة كما قال تعالى {وان طلقتموهن من قبل ان تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم} اى فالواجب عليكم نصف ما سميتم لهن من مهر {وسرحوهن} قد سبق معنى التسريح فى هذه السورة والمراد هنا اخرجوهن من منازلكم اذ ليس لكم عليهن من عدة {سراحا جميلا} اى من غير ضرار ولا منع حق. وفى كشف الاسرار معنى الجميل ان لا يكون الطلاق جور الغضب او طاعة لغيره وان لا يكون ثلاثا بتا او لمنع صداق انتهى. ولا يجوز تفسير التسريح بالطلاق السنى لانه انما يتسنى فى المدخول بها والضمير لغير المدخول بها. وفى التأويلات النجمية وفى الآية اشارة الى كرم الاخلاق يعنى اذا نكحتم المؤمنات ومالت قلوبهن اليكم ثم آثرتم الفراق قبل الوصال فكسرتم قلوبهن فما لكم عيهن من عدة تعتدونها فمتعوهن ليكون لهن عليكم تذكرة فى ايام الفرقة واوائلها الى ان تتوطن نفوسهن على الفرقة وسرحوهن سراحا جميلا بان لا تذكروهن بعد الفراق الا بخير ولا تستردوا منهن شيئا تفضلتم به معهن فلا تجمعوا عليها الفراق بالحال والاضرار من جهة المال انتهى. وينبغى للمؤمن ان لا يؤذى احد بغير حق ولو كلبا او خنزيرا ولا يظلم ولو بشق تمرة ولو وقع شئ من الاذى والجور يجب الاستحلال والارضاء ورأينا كثيرا من الناس فى هذا الزمان يطلقون ضرارا ويقعون فى الاثم مرارا يخالعون على المال بعد الخصومات كأنهم غافلون عما بعد الممات: قال المولى الجامى شعر : هزار كونه خصومت كنى بخلق جهان زبسكه درهوس سيم وآرزوى زرى تراست دوست زروسيم وخصم صاحب اوست كه كيرى از كفش آنرا بظلم وحيله كرى نه مقتضاى خرد باشد ونتيجه عقل كه دوست را بكذارى وخصم را ببرى
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {يا أيها الذين آمنوا إِذا نكحتُم المؤمناتِ} أي: تزوجتموهن. والنكاح في الأصل: الوطء، من: تناكحت الأشجار: إذا التصق بعضها ببعض. وتسمية العقد نكاحاً مجاز؛ لملابسته له، من حيث إنه طريق إليه، كتسمية الخمر إثماً؛ لأنها سببه، ولم يَرد لفظ النكاح في كتاب الله إلا في معنى العقد؛ لأنه لو استعمل في الوطء لكان تصريحاً به، ومن آداب القرآن الكناية عنه بلفظ الملامسة، والمماسة، والقربان، والتغشي، والإتيان، تعليماً للأدب والحياء. وفي تخصيص المؤمنات، مع أن الكتابيات تُساوي المؤمنات في هذا الحُكُم، إشارة إلى أن الأولَى للمؤمن أن ينكح المؤمنة، تخييراً للنطفة. والمعنى: إذا تزوجتم النساء {ثم طلقتموهن مِن قَبْلِ أن تمسوهن} تجامعوهن. والخلوة الصحيحة كالمسّ، {فما لكم عليهن من عِدَّةٍ تعتدُّونها} أي: تستوفون عددها، وتَعُدونها عليهن، من: عددته الدراهم فاعتدها، كقوله: كِلته الطعام فاكتاله. والإسناد إلى الرجال للدلالة على أن العِدَّة تجب على النساء لحق الأزواج، كما يشعر به، {فما لكم} والإتيان بـ "ثم" إزاحة ما عسى أن يتوهم أن تراخي الطلاق ربما يمكن الإصابة فتجب العدة. {فمَتّعوهُنّ} بشيء من المال، وهذا في المفوض لها قبل الفرض، وأما المفروض لها، أو المسمى صداقها، فتأخذ نصف مَهرها، ولا متعة لها على المشهور. {وسَرِّحوهن سَرَاحاً جميلاً} أي: لا تمسكوهنّ ضراراً، وأخرجوهن من بيوتكم؛ إذ لا عدة لكم عليهن. قال القشيري: (سراحاً جميلاً) لا تذكروهن بعد الفراق إلا بخير، ولا تستردوا منهن شيئاً، ولا تجمعوا عليهن سوء الحال والإضرار من جهة المال. هـ. الإشارة: أيها المريدون؛ إذا طلقتم نفوسكم، وغبتم عنها بخمرةٍ قوية، من قَبل أن تمسوهن بمجاهدة ولا مخالفة، فمتعوها بالشهود، وسرحوا فكرتها في ذات المعبود، سَراحاً جميلاً، لا حجر فيه ولا حصر، فمن رزقه الله الغيبة عن نفسه، حتى غاب عن حظوظها وهواها، فقد كفاه الله قتالها، فيدخل الحضرة بلا مشقة ولا تعب، لكنه نادر، وعلى تقدير وجوده يكون ناقص التربية؛ لأنه يكون كمن طُويت له الطُرق للحج، فلا يعرفها كما يعرفها مَن سافر فيها، وكابد مشقتها، وعرف منازلها ومياهها، ووعرها وسهلها، ومخوفها ومأمونها، وكلهم أولياء لله تعالى، لكن طريق التربية أن يكون المريد سلك الطريقة، وقاس شدائد نفسه، وعالجها ليُعالج غيره بما يُعالج نفسه، على يد شيخ عارف بالطريق. وبالله التوفيق. ثم وسَّع على نبيه في باب النكاح فقال تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ إِنَّآ أَحْلَلْنَا...}
الطوسي
تفسير : قرأ حمزة والكسائي {تماسوهن} بألف. الباقون بلا الف. وقد مضى تفسيره في البقرة. خاطب الله نبيه بأنه إذا نكح واحد من من المؤمنين المصدقين بوحدانيته المقرين بنبوة نبيه مؤمنة نكاحاً صحيحاً، ثم طلقها قبل ان يمسها بمعنى قبل ان يدخل بها بأنه لا عدة عليها منه، ويجوز لها أن تتزوج بغيره في الحال. وأمرهم أن يمتعوها ويسرحوها سراحاً جميلاً، إلى بيت أهلها. وهذه المتعة واجبة إن كان لم يسم لها مهراً وإن كان سمى لها مهراً لزمه نصف المهر، ويستحب المتعة مع ذلك، وفيه خلاف. وقال ابن عباس: إن كان سمى لها صداقاً فليس لها إلا نصف المهر، وإن لم يكن سمى لها صداقاً متعها على قدر عسره او يسره وهو السراح الجميل. وهذا مثل قولنا سواء. وحكي عن ابن عباس أن هذه الآية نسخت بايجاب المهر المذكور في البقرة ومثله روي عن سعيد بن المسيب والصحيح الأول. ثم خاطب النبي صلى الله عليه وآله فقال {يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك اللاتي آتيت أجورهن} يعني مهورهن، لأن النكاح لا ينفك من المهر واحللنا لك ما ملكت من الاماء أن تجمع منهن ما شئت {مما افاء الله عليك} من الغنائم والانفال {وبنات عمك} أي واحللنا لك بنات عمك {وبنات عماتك وبنات خالك وبنات خالاتك اللاتي هاجرن معك} أن تعقد عليهن وتعطيهن مهورهن. ثم قال {وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي} فالقراء كلهم على كسر (ان) على انه شرط، وقرأ الحسن بفتحها على انه بمعنى احللنا لك لان وهبت، والمعنى واحد، لانه بمنزلة قولك سرني إن ملكت وسرني أن ملكت أي سرني ما ملكت {إن أراد النبي} واحللنا لك المرأة إذا وهبت نفسها لك إن أردتها ورغبت فيها. فروي عن ابن عباس انه لا تحل امرأة بغير مهر وإن وهبت نفسها إلا للنبي صلى الله عليه وآله خاصة. وقال ابن عباس: لم يكن عند النبي امرأة وهبت نفسها له، وفي رواية أخرى عن ابن عباس انه كانت عنده ميمونة بنت الحارث بلا مهر وكانت وهبت نفسها للنبي. وروي عن علي بن الحسين عليه السلام أنها امرأة من بني اسد يقال لها أم شريك. وقال الشعبي: هي امرأة من الانصار. وقيل زينب بنت خزيمة من الانصار. وعندنا أن النكاح بلفظ الهبة لا يصح وإنما كان ذلك للنبي صلى الله عليه وآله خاصة. وقال قوم: يصح غير انه يلزم المهر إذا دخل بها، وإنما جاز بلا مهر للنبي صلى الله عليه وآله خاصة غير انه يبين حجة ما قلناه. قوله {إن أراد النبي أن يستنكحها خالصة لك من دون المؤمنين} فبين أن هذا الضرب من النكاح خاص له دون غيره من المؤمنين. وقوله {قد علمنا ما فرضنا عليهم} يعني على المؤمنين {في أزواجهم} قال قتادة: معناه أي لا نكاح الا بولي وشاهدين وصداق وألا يتجاوز الأربع. وقال مجاهد: ما فرضنا عليهم ألا يتزوجوا اكثر من أربع. وقال قوم {ما فرضنا عليهم في أزواجهم} من النفقة والقسمة وغير ذلك. وعندنا أن الشاهدين ليسا من شرط صحة انعقاد العقد، ولا الولي إذا كانت المرأة بالغة رشيدة، لانها ولية نفسها. والمعنى على مذهبنا إنا قد علمنا ما فرضنا على الأزواج من مهرهن ونفقتهن وغير ذلك ومن الحقوق مع {ما ملكت أيمانهم} (ما) في موضع جر لانها عطف على (في) وتقديره: في أزواجهم وفي ما ملكت أيمانهم {لكيلا يكون عليك حرج} إذا تزوجت المرأة بغير مهر إذا وهبت لك نفسها وأردتها. ثم قال {وكان الله غفوراً رحيماً} أي ساتراً للذنب على المسيئين رحيماً بهم ومنعماً عليهم.
اطفيش
تفسير : {يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم} تزوجتم. {المؤمنات} ومثلهن الكتابيات. ولم يذكرهن تنبيها على ان الاولى بالمؤمنين والمؤمنات. {ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن} ان تجامعوهن بذكوركم في اي موضع من اجسادهن ومثل الجماع مس الفرج باليد فيما قال غير واحد من الفقهاء وفائدة (ثم) رفع توهم ان تراخي الطلاق عن وقت العقد يوجب العدة وقرأ حمزة والكسائي {من قبل أن تماسوهن} بضم التاء وبألف بعد الميم. {فما لكم عليهن من عدة تعتدونها} تستوفون عددها وهذا دليل على ان العدة حق للزوج على المرأة توسيعا له في مراجعة ممسوسته ما لم تتم العدة وهذه التي طلق قبل الدخول بها تتزوج من حينها ان شاءت وان شاء زوجها تزوجها بنكاح جديد وان راجعها ودخل عليها حرمت عليه واذا خلا بها ولم يمسها وصدقته في ذلك فلا عدة وتأخذ نصف الصداق كالتي لم يدخل بها. وقال ابو حنيفة: الخلوة توجب العدة والصداق الكامل ولو اقرت بعدم المسيس وان لم تقر وجاء عندنا ايضا وان طلقها ثلاث قبل الدخول بها فطلاق واحد فرق الطلاق او جمع وقال النخعي ثلاث ويجب الصداق والعدة بمس الذكر في جميع البدن وبمس اليد في الفرج وقيل لا يمس اليد وكذا الخلف في النظر الى ما بطن منه وانما تجب العدة في من لم تمس لعدم الماء الذي يخاف به ان تكون حبلى واما من قال كل امرأة نكحتها فيه طالق او ان تزوجت امرأة فهي طالق واذا تزوجت امرأة فهي طالق أو عينّ في ذلك فاذا تزوجها لم تطلق عند علي وابن عباس وجابر ومعاذ وعائشة وسعيد بن المسيب وعروة وشريح وسعيد بن جبير والقاسم وطاووس والحسن وعكرمة وعطاء وسليمان بن يسار ومجاهد والشعبي وقتادة والشافعي والجمهور واستدلوا بقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا طلاق فيما لا تملك ولا عتق فيما لا تملك ". تفسير : وعن جابر بن عبدالله عنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا طلاق قبل النكاح"تفسير : وعن ابن عباس: جعل الله الطلاق قبل النكاح. وقال النخعي واصحاب الرأي: انها تطلق وقال مالك والأوزاعي: ان عيّن طلقت والا فلا ولا حجة عليهم في الحديثين لانهما فيمن لا تملك مثل ان تطلق امرأة رجل او امرأة غير متزوجة تزوجتها بعد ذلك ام لا. وروي عن ابن مسعود انها تطلق مطلقا فعن عكرمة عن ابن عباس: انهم كذبوا على ابن مسعود وان كان قالها فزلة من عالم وقرأ ابن كثير بتخفيف الدال من اعتداء اي تعتدونها اي تعتدون فيها وحذف الجار انشد ابن هشام: شعر : * ويوما شهدناه سليما وعامرا * تفسير : أي شهدنا فيه وطبق ذلك في المعنى ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا. {فمتعوهن} سواء كان الصداق ام لا وقيل هذا التمتيع مستحب لا واجب وقال ابن عباس والشافعي: تجب لها المتعة ان لم يجعل لها صداقا والا فانما لها نصف الصداق ولا متعة ويوافقه قول قتادة ان الآية منسوخة بقوله جل وعلا {أية : فنصف ما فرضتم} تفسير : والواضح ان لكل مطلقة متعة ولا متعة للمفتدية والمخالعة والملاعنة والتي حرمت لشيء واوجب ابو حنيفة المتعة لمن طلقت قبل المس فقط وأجاز بعضهم كون الأمر في الآية مستعملا في المطالبة بالمتعة سواء كانت واجبة وهي واجبة للتي لم يفرض لها او غير واجبة بل سنة وهي سنة للتي فرض لها هذا كلام البعض وتمتيع المرأة اعطاءها ما تستمتع به. {وسرحوهن} خلوا سبيلهن بأن تطلقوهن. {سراحا جميلا} لا ضرر فيه ولا يفسر السراح الجميل. بتطليقهن في اول الطهر بعد الغسل من دون جماع وهو طلاق السنة لأن طلاق السنة انما هو في المدخول بها والضمير في الآية لغير المدخول بها وهي يجوز طلاقها في كل وقت كالحامل واذا لم يكن جماع فمات احدهما من غير طلاق فالأكثر على ان للمرأة الصداق كاملا ان كان الميت الرجل ولورثتها ان كانت الميتة ويجب الميراث باتفاق.
اطفيش
تفسير : {يا أيُّها الَّذين آمنُوا إذا نكحْتُم المؤمنات} أو الكتابيات، واقتصرت الآية على المؤمنات، لأنهن أليق بالنكاح، وأشرف، أى إذا تزوجتموهن، وهكذا النكاح فى الشرع التزوج، وهو العقد، والنكاح هو حقيقة لغوية فى العقد، وقيل: فى الوطء، وقيل مشترك بينهما اشتراكا معنويا، فان فى كل من العقد والوطء الضم، وقيل: لفظيا، وأصله الجمع والضم، وحقيقة شرعية فى العقد، ولم يجىء فى القرآن إلا بمعنى العقد، وأما قوله تعالى: "أية : حتى تنكح زوجا غيره" تفسير : [البقرة: 230] فقيل: بمعنى العقد، وبينت السنة أنه لا بد معه من الوطء، وقيل: هو بمعنى الوطء ومن كلام فيه. {ثم طلَّقْتموهنَّ} ثم للترتيب الذكرى، فيشمل الطلاق ولو عقب العقد، وإن شئت فللترتيب الرتبى، فان الطلاق مناف للتزوج، لأنه للوصلة والحب، والأنس والألفة والنفع، والطلاق عكس ذلك، وقطع للنسل، قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : أبغض الحلال إلى الله الطلاق" تفسير : رواه ابن ماجه، وأبو داود، عن عبد الله بن عمرو فى رواية لأبى داود: "ما أحل الله شيئا أبغض اليه من الطلاق" وهو مكروه، بل قيل: ممنوع، وإن وقع صح إلا لداع، فلا كراهة مثل أن تكرهه مطلقاً، أو لعدم قدرته على الوطء، وإن ادعت مسا ونفاه حلف ما مس، وأعطى نصف الصداق، ولا تتزوج إلا بعد العدة، وإن ادعت انتفاء، وادعى الثبوت، أو اتفقا على النفى، فلها النصف ولا تتزوج إلا بعد العدة، وعلى ذلك يفسر قوله تعالى: {من قَبْل أن تمسُّوهنَّ} كناية عن الوطء، ونزل بعض نظر فرجها، وعدم غيوب الحشفة منزلة المس، وشهر فى الفروع أنه إذا أمكن المس، حكم به فى شأن الصداق. {فما لكُم عليهنَّ من عدَّة تعْتدُّونها} مطاوع عد، اى تستوفونها موجودة تامة، أو بمعنى الثلاثى، والآية نص فى أن العدة حق للرجل، بمعنى أنه لا تفوته رجعتها إن أرادها، وبقاء حرمته عليها، وإذا لم تكن رجعة فبقاء هذه الحرمة، وإذا رضيا معاً أن تعتد فى غير بيته جاز، وإن مسها وطلقها وراجعها، أو تزوجها بدل الرجعة، أو تزوجها فى عدة البائن الذى تصح فيه الرجعة، وطلقها قبل المس من الرجعة أو النكاح الثانى، أتمت العدة الأولى عند بعض، وقيل: تستأنف من الثانى، والظاهر بناءها على ما مضى فى مسألة الرجعة والاستئناف فى مسألة التزوج الثانى، ولها نصف الصداق الثانى إن لم يمسها فيه. {فمتِّعوهنَّ} أعطوهن شيئاً يتمتعن به، وذلك مقيد بعد الفرض، فإن المفروض لها نصف ما فرض، دليل آية البقرة، والذى يتمتعن به قميص وخمار وملحفه، وهى ما تستر به رأسها وقدميها وما بينهما، وعلى الموسع قدره فى تجويد ذلك، وعلى المقتر قدره فى الرداء، فالمتوسط بين ذلك وذلك أدنى ما تخرج به إذا خرجت، وينبغى أن يعتبر العرف، وحال الزوج فى المال، وقالوا: هى أقل من نصف صداق المثل، ولا تنقص عن خمسة دراهم، والامر للوجوب، واستحب بعضهم المتعة ولو للمفروض لها، والممسوسة، التى لم يفرض لها زيادة على صداق المثل، وذكروا عن الحسن: أن لكل مطلقة متعة دخل بها أو لم يدخل، فرض لها أو لم يفرض، الفاء عاطفة على الجواب عطف إنشاء على إخبار هو فى معنى الطلب، فان معنى "مالكم عليهن" إلخ لا تطالبوهن بعدة، أو فى جواب شرط مقدر إذا عرفتم ذلك أو إذا كان الأمر ذلك فمتعوهن. {وسَرِّحوهنَّ} أخرجوهن من منازلكم، لأنهن لسن بأزواج لكم. ولا محارم تستريحوا من فتنة الانكشاف والسماع، وأصل التسريح إرعاء الإبل السرح، وهو شجر مخصوص له ثمار، ثم استعمل للرعى مطقا، ثم لكل إرسال {سراحاً} تسريحاً {جَميلاً} بكلام طيب، وبلا منع من واجب، قيل: ولا مطالبة بحق عليها ونحو ذلك مما يجب عليه، أو يستحب وفيه استعمال الأمر فى الوجوب وغيره، قلت: الأولى حمله على أداء الواجب لها، وعلى عدم منع ما وجب لها، وعلى الكلام الطيب، وعدم تعييرها وتنقيصها الى الناس.
الالوسي
تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ إِذَا نَكَحْتُمُ ٱلْمُؤْمِنَـٰتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا } عود إلى ذكر النساء، والنكاح هنا العقد بالاتفاق واختلفوا في مفهومه لغة فقيل هو مشترك بين الوطء والعقد اشتراكاً لفظياً، وقيل: حقيقة في العقد مجاز في الوطء، وقيل: بقلبه وقيل هو مشترك بينهما اشتراكاً معنوياً وهو من أفراد المشكل وحقيقته الضم والجمع كما في قوله:شعر : ضممت إلى صدري معطر صدرها كما نكحت أم الغلام صبيها تفسير : ونقل المبرد ذلك عن البصريين وغلام ثعلب الشيخ أبو عمر الزاهد عن الكوفيين، ثم المتبادر من لفظ الضم / تعلقه بالأجسام لا الأقوال لأنها أعراض يتلاشى الأول منها قبل وجود الثاني فلا يصادف الثاني ما ينضم إليه وهذا يقتضي كونه مجازاً في العقد، وإن اعتبر الضم أعم من ضم الجسم إلى الجسم والقول إلى القول جاز أن يكون النكاح حقيقة في كل من الوطء والعقد وجاز أن يكون مجازاً على التفصيل المعروف في استعمال العام في كل فرد من أفراده. واختار الراغب القول الثاني من الأقوال السابقة وبالغ في عدم قبول الثالث: فقال هو حقيقة في العقد ثم استعير للجماع ومحال أن يكون في الأصل للجماع ثم استعير للعقد لأن أسماء الجماع كلها كنايات لاستقباحهم ذكره كاستقباح تعاطيه ومحال أن يستعير من لا يقصد فحشاً اسم ما يستفظعونه لما يستحسنه. واختار الزمخشري الثالث فقال: «النكاح الوطء وتسمية العقد نكاحاً لملابسته له من حيث أنه طريق له ونظيره تسمية الخمر إثماً لأنها سبب في اقتراف الإثم، ولم يرد لفظ النكاح في كتاب الله تعالى إلا في معنى العقد لأنه في حق الوطء من باب التصريح به ومن آداب القرآن الكناية عنه بلفظ الملامسة والمماسسة والقربان والتغشي والإتيان»، وأراد على ما قيل إنه في العقد حقيقة شرعية منسي فيه المعنى اللغوي، وبحث في قوله لم يرد لفظ النكاح في كتاب الله تعالى إلا في معنى العقد بأنه في قوله تعالى: {أية : حَتَّىٰ تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ }تفسير : [البقرة: 230] بمعنى الوطء وهذا ما عليه الجمهور وخالف في ذلك ابن المسيب، وتمام الكلام في موضعه. والمس في الأصل معروف وكنى به هنا عن الجماع، والعدة هي الشيء المعدود وعدة المرأة المراد بها الأيام التي بانقضائها يحل لها التزوج أي يا أيها الذين آمنوا إذا عقدتم على المؤمنات وتزوجتموهن ثم طلقتموهن من قبل أن تجامعوهن فما لكم عليهن من عدة بأيام يتربصن فيها بأنفسهن تستوفون عددها على أن تعتدون مطاوع عد يقال عد الدراهم فاعتدها أي استوفى عددها نحو قولك كلته فاكتلته ووزنته فاتزنته أو تعدونها على أن افتعل بمعنى فعل. وإسناد الفعل إلى الرجال للدلالة على أن العدة حق الأزواج كما أشعر به قوله تعالى: {فَمَا لَكُمْ } واعترض بأن المذكور في كتب الفروع «كالهداية» وغيرها أنها حق الشرع ولذا لا تسقط لو اسقطها الزوج ولا يحل لها الخروج ولو أذن لها وتتداخل العدتان ولا تداخل في حق العبد وحق الولد أيضاً ولذا قال صلى الله عليه وسلم «حديث : لا يحل لامرىء مؤمن بالله واليوم الآخر أن يسقي ماءه زرع غيره»تفسير : وفرعوا على ذلك أنهما لا يصدقان في إبطالها باتفاقهما على عدم الوطء. وأجيب بأنه ليس المراد أنها صرف حقهم بل إن نفعها وفائدتها عائدة عليهم لأنها لصيانة مياههم والأنساب الراجعة إليهم فلا ينافي أن يكون للشرع والولد حق فيها يمنع إسقاطها ولو فرض أنها صرف حقهم يجوز أن يقال: إن عدم سقوطها بإسقاطهم لا ينافي ذلك إلا إذا ثبت أن كل حق للعبد إذا أسقطه العبد سقط وليس كذلك فإن بعض حقوق العبد لا تسقط بإسقاطه كالإرث وحق الرجوع الهبة وخيار الرؤية، ثم إن في الاستدلال بالحديث على أنها حق الولد تأملاً كما لا يخفى. وتخصيص المؤمنات من عموم الحكم للكتابيات للتنبيه على أن المؤمن شأنه أن يتخير لنطفته ولا ينكح إلا مؤمنة، وحاصله أنه لبيان الأحرى والأليق بعد ما فصل في البقرة نكاح الكتابيات، وفائدة المجيء بثم مع أن الحكم ثابت لمن تزوج امرأة وطلقها على الفور كثبوته لمن تزوجها وطلقها بعد مدة مديدة إزاحة ما عسى يتوهم أن تراخى الطلاق له دخل في إيجاب العدة لاحتمال الملاقاة والجماع سراً كما أن له دخلاً في النسب، ويمكن أن تكون الإشارة إلى التراخي الرتبـي فإن الطلاق وإن كان مباحاً لا كراهة فيه على ما قيل لقوله تعالى: {أية : لاَّ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ ٱلنّسَاء مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ }تفسير : [البقرة: 236] غير محبوب كالنكاح من حيث أنه يؤدي إلى قطع الوصلة وحل قيد العصمة المؤدي لقلة التناسل الذي به تكثر الأمة ولهذا ورد / كما أخرج أبو داود وابن ماجه والحاكم والطبراني وابن عدي عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما مرفوعاً «حديث : أبغض الحلال إلى الله الطلاق»تفسير : ورواه البيهقي مرسلاً بدون ابن عمر بل قال العلامة ابن الهمام: «الأصح حظره وكراهته إلا لحاجة لما فيه من كفران نعمة النكاح وللأخبار الدالة على ذلك، ويحمل لفظ المباح في الخبر المذكور على ما أبيح في بعض الأوقات أعني أوقات تحقق الحاجة المبيحة وهو ظاهر في رواية لأبـي داود «ما أحل الله شيئاً أبغض إليه من الطلاق»، والفعل لا عموم له في الأزمان والحاجة المبيحة الكبر والريبة مثلاً وعدوا من المبيح عدم اشتهائها بحيث يعجز أو يتضرر بإكراهه نفسه على جماعها مع عدم رضاها بإقامتها في عصمته من غير وطء أو قسم. وأما ما روي عن الحسن السبط رضي الله تعالى عنه وكان قبل له في كثرة تزوجه وطلاقه فقال: أحب الغناء فقد قال تعالى: {أية : وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ ٱللَّهُ كُلاًّ مّن سَعَتِهِ }تفسير : [النساء: 130] فهو رأي منه إن كان على ظاهره، وكل ما نقل عن طلاق الصحابة رضي الله تعالى عنهم فمحمله وجود الحاجة». وظاهر الآية يقتضي عدم وجوب العدة بمجرد الخلوة لأنه سبحانه نفى فيها وجوب العدة إذا طلقت قبل الجماع والخلوة ليست جماعاً وهي عندنا إذا كانت صحيحة على الوجه المبين في كتب الفروع كالجماع في وجوب العدة فتجب فيه العدة احتياطاً لتوهم الشغل نظراً إلى التمكن الحقيقي بل قالوا هو مثله في جميع أحكامه سوى عشرة نظمها أفضل من عاصرناه من الفقهاء الشيخ محمد الأمين الشامي الشهير بابن عابدين بقوله:شعر : وخلوته كالوطء في غير عشرة مطالبة بالوطء إحصان تحليل وفيء وارث رجعة فقد عنة وتحريم بنت عقد بكر وتغسيل تفسير : وظاهر قولهم بوجوب العدة فيها أنها واجبها قضاء وديانة. وفي «الفتح» قال العتابـي: تكلم مشايخنا في العدة الواجبة بالخلوة الصحيحة أنها واجبة ظاهراً أو حقيقة فقيل: لو تزوجت وهي متيقنة بعدم الدخول حل لها ديانة لا قضاء اهـ، ولم يتعقبه بشيء وذكره سعدي جلبـي في «حواشي البيضاوي» وقال: ينبغي أن يكون التعويل على هذا القول. وتعقب ذلك الشهاب الخفاجي بأنه وإن نقله فقهاؤنا فقد صرحوا بأنه لا يعول عليه ونحن لم نر هذا التصريح فليتتبع، ثم لا يخفى أن عدم وجوب العدة في الطلاق بعد الخلوة مما يعد منطوقاً صريحاً في الآية إذا فسر المس بالجماع وليس من باب المفهوم حتى يقال: إنا لا نقول به كما يتوهم فلا بد لإثبات وجوب العدة في ذلك من دليل. ومن الناس من حمل المس فيها على الخلوة إطلاقاً لاسم المسبب على السبب إذ المس مسبب عن الخلوة عادة، واعترض بأنه لم يشتهر المس بمعنى الخلوة ولا قرينة في الكلام على إرادته منه، وأيضاً يلزم عليه أنه لو طلقا وقد وطئها بحضرة الناس عدم وجوب العدة لأنه قد طلقها قبل الخلوة. وأجيب عن هذا بأن وجوب العدة في ذلك بالاجماع، وبأن العدة إذا وجبت في الطلاق بمجرد الخلوة كانت واجبة فيه بالجماع من باب أولى وكيف لا تجب به ووجوبها بالخلوة لاحتمال وقوعه فيها لا لذاتها، وقيل: إن المس لما لم يرد ظاهره وإلا لزمت العدة فيما لو طلقها بعد أن مسها بيده في غير خلوة مع أنها لا تلزم في ذلك بلا خلاف علم أنه كنى به عن معنى آخر من لوازم الاتصال فهو الجماع وما في معناه من الخلوة الصحيحة، وفيه نظر لأن عدم صحة إرادة ظاهرة لا يوجب إرادة ما يعم الجماع والخلوة لم لا يجوز إرادة الجماع ويرجحها شهرة الكناية / بذلك ونحوه عن الجماع، وإطلاقه عليه إما من إطلاق اسم السبب على المسبب أو من إطلاق اسم المطلق على أخص بخصوصه وهو الأوجه على ما ذكره العلامة ابن الهمام، وبالجملة القول بأن ظاهر الآية يقتضي عدم وجوب العدة بمجرد الخلوة قول متين وحق مبين فتأمل. وفي «البحر» لأبـي حيان الظاهر أن المطلقة إذا راجعها زوجها قبل أن تنقضي عدتها ثم فارقها قبل أن يمسها لا تتم عدتها من الطلقة الأولى لأنها مطلقة قبل الدخول بها وبه قال داود. وقال عطاء وجماعة: تمضي في عدتها عن طلاقها الأول وهو أحد قولي الشافعي، وقال مالك: لا تبني على العدة من الطلاق الأول وتستأنف العدة من يوم طلقها الطلاق الثاني وهو قول جمهور فقهاء الأمصار، والظاهر أيضاً أنها لو كانت بائناً غير مبتوتة فتزوجها في العدة ثم طلقها قبل الدخول فكالرجعية في قول داود ليس عليها عدة لابقية عدة الطلاق الأول ولا استئناف عدة للثاني ولها نصف المهر؛ وقال الحسن: وعطاء وعكرمة وابن شهاب ومالك والشافعي وعثمان البتي وزفر: لها نصف الصداق وتتم بقية العدة الأولى، وقال الثوري والأوزاعي وأبو حنيفة وأبو يوسف: لها مهر كامل للنكاح الثاني وعدة مستقبلة جعلوها في حكم المدخول بها لاعتدادها من مائه اهـ. وفيه أيضاً «الظاهر أن الطلاق لا يكون إلا بعد العقد فلا يصح طلاق من لم يعقد عليها وهو قول الجمهور من الصحابة والتابعين. وقالت طائفة كثيرة منهم مالك يصح ذلك» وعنى بطلاق من لم يعقد عليها قول الرجل كل امرأة أتزوجها فهي طالق أو إن تزوجت فلانة فهي طالق. وقد أخرج جماعة عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه سئل عن ذلك فقال: هو ليس بشيء فقيل له: إن ابن مسعود كان يقول إن طلق ما لم ينكح فهو جائز فقال: أخطأ في هذا وتلا الآية. وفي بعض الروايات أنه قال: رحم الله تعالى أبا عبد الرحمن لو كان كما قال لقال الله تعالى: يا أيها الذين آمنوا إذا طلقتم المؤمنات ثم نكحتموهن ولكن إنما قال: {إِذَا نَكَحْتُمُ ٱلْمُؤْمِنَـٰتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ}. وفي «الدر المنثور» عدة أحاديث مرفوعة ناطقة بأن لا طلاق قبل نكاح، والمذكور في فروعنا أن ذلك من باب التعليل وشرطه الملك أو الإضافة إليه فإذا قال: إن نكحت امرأة فهي طالق أو إن نكحتك فأنت طالق وكل امرأة أنكحها فهي طالق يقع الطلاق إذا نكح لأن ذلك تعليق وفيه إضافة إلى الملك ويكفي معنى الشرط إلا في المعينة باسم ونسب كما إذا قال: فلانة بنت فلان التي أتزوجها فهي طالق أو بإشارة في الحاضرة كما لو قال: هذه المرأة التي أتزوجها طالق فإنها لا تطلق في الصورتين لتعريفها فلغا الوصف بالتي أتزوجها فصار كأنه قال: فلانة بنت فلان أو هذه المرأة طالق وهي أجنبية ولم توجد الإضافة إلى الملك فلا يقع الطلاق إذا تزوجها فتدبر. وقرىء {تماسوهن} بضم التاء وألف بعد الميم، وعن ابن كثير وغيره من أهل مكة {تَعْتَدُّونَهَا } بتخفيف الدال ونقلها عن ابن كثير ابن خالويه وأبو الفضل الرازي في «اللوامح» عنه وعن أهل مكة، وقال ابن عطية: روى ابن أبـي بزة عن ابن كثير أنه قرأ بتخفيف الدال من العدوان كأنه قال: فما لكم عدة تلزمونها عدواناً وظلماً لهن، والقراءة الأولى أشهر عنه وتخفيف الدال وهم من ابن أبـي بزة اهـ، وليس بوهم إذ قد نقله عنه جماعة غيره، وخرج ذلك على أن {تَعْتَدُّونَهَا } من الاعتداء بمعنى الظلم كما في قوله تعالى: {أية : وَلاَ تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لّتَعْتَدُواْ} تفسير : [البقرة: 231] والمراد تعتدون فيها كقوله:شعر : ويوماً شهدناه سليماً وعامراً قليل سوى طعن الدراك نوافله تفسير : / أي شهدنا فيه فحذف حرف الجر ووصل الفعل بالضمير، وقال أبو حيان: إن الاعتداء يتعدى بعلى فالمراد تعتدون عليهن فيها، ونظيره في حذف على قوله:شعر : تحن فتبدي ما بها من صبابة وأخفي الذي لولا الأسى لقضاني تفسير : فإنه أراد لقضى على، وجوز أن يكون ذلك على إبدال أحد الدالين بالتاء، وقيل عليه: إنه تخريج غير صحيح لأن عد يعد من باب نصر كما في كتب اللغة فلا وجه لفتح التاء لو كانت مبدلة من الدال فالظاهر حمله على حذف إحدى الدالين تخفيفاً، وقرأ الحسن بإسكان العين كغيره وتشديد الدال جمعاً بين الساكنين. {فَمَتّعُوهُنَّ } أي فأعطوهن المتعة وهي في المشهور درع أي قميص وخمار وهو ما تعطي به المرأة رأسها وملحفة وهي ما تلتحف به من قرنها إلى قدمها ولعلها ما يقال له إزار اليوم، وهذا على ما في «البدائع» أدنى ما تكسى به المرأة وتتستر عند الخروج. ويفهم من كلام فخر الإسلام والفاضل البرجندي أنه يعتبر عرف كل بلدة فيما تكسي به المرأة عند الخروج، والمفتى به الأشبه بالفقه قول الخصاف إنها تعتبر بحالهما فإن كانا غنيين فلها الأعلى من الثياب أو فقيرين فالأدنى أو مختلفين فالوسط، وتجب لمطلقة قبل الوطء والخلوة عند معتبرها لم يسم لها في النكاح تسمية صحيحة من كل وجه مهر ولا تزيد على نصف مهر المثل ولا تنقص عن خمسة دراهم فإن ساوت النصف فهي الواجبة وأن كان النصف أقل منها فالواجب الأقل إلا أن ينقص عن خمسة دراهم فيكمل لها الخمسة، وفي «البدائع» لو دفع لها قيمة المتعة أجبرت على القبول، فمعنى الآية على ما سمعت وكان الأمر للوجوب فمتعوهن إن لم يكن مفروضاً لهن في النكاح وروي هذا عن ابن عباس، وأما المفروض لها فيه إذا طلقت قبل المس فالواجب لها نصف المفروض لا غير. وأما المتعة فهي على ما في «المبسوط» و«المحيط» وغيرهما من المعتبرات مستحبة، وعلى ما في بعض «نسخ القدوري» ومشى عليه صاحب «الدرر» غير مستحبة أيضاً والأرجح أنها مستحبة، وفي قول الشافعي القديم أنها واجبة كما في صورة عدم الفرض، وجوز أن تبقى الآية على ظاهرها ويكون المراد ذكر حكم المطلقة قبل المس سواء فرض لها في النكاح أم لم يفرض ويراد بالمتعة العطاء مطلقاً فيعم نصف المفروض والمتعة المعروفة في الفقة ويكون الأمر للوجوب أيضاً أو يراد بالمتعة معناها المعروف ويحمل الأمر على ما يشمل الوجوب والندب. وادعى سعيد بن المسيب كما أخرج عبد بن حميد أن الآية منسوخة بآية البقرة {أية : وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ } تفسير : [البقرة: 237] قال: فصار لها نصف الصداق ولا متاع لها، وأنكر الحسن وأبو العالية النسخ وقالا لها نصف الصداق ولها المتاع. وجاء في رواية أخرى أخرجها عبد بن حميد عن الحسن أيضاً أن لكل مطلقة متاعاً دخل بها أم لم يدخل بها فرض لها أو لم يفرض، وظاهره دعوى الوجوب في الكل وهو خلاف ما عندنا، وقد علمت الحكم في صورتين وهو في الصورتين الباقيتين الاستحباب؛ وأما دعوى النسخ فلايخفى ما فيها، والظاهر أن الفاء لتفريع ما بعدها على ما قبلها، وقيل: فصيحة أي إذا كان كما ذكر فمتعوهن. {وَسَرّحُوهُنَّ } أي أخرجوهن من منازلكم إذ ليس لكم عليهن عدة وأصل التسريح أن ترعى الإبل السرح وهو شجر له ثمرة ثم جعل لكل إرسال في الرعي ثم لكل إرسال وإخراج {سَرَاحاً جَمِيلاً } مشتملاً على كلام طيب عارياً عن أذى ومنع واجب، وقيل: السراح الجميل أن لا يطالبوهن بما آتوهن، وقال الجبائي هو الطلاق السني، وليس بشيء لأن ذاك لعطفه على / التمتيع الواقع بعد الفاء مرتب على الطلاق فيلزم ترتب الطلاق السني على الطلاق والضمير لغير المدخول بهن فلا يمكن أن يكون ذلك طلاقاً مرتباً على الطلاق الأول لأن غير المدخول بهن لا يتصور فيها لحوق طلاق بعد طلاق آخر مع أنها إذا طلقت بانت.
سيد قطب
تفسير : هذا الشوط من السورة يتضمن في أوله حكماً عاماً من أحكام القرآن التشريعية في تنظيم شؤون الأسرة. ذلك حكم المطلقات قبل الدخول. يجيء بعده أحكام خاصة لتنظيم حياة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ حياته الزوجية الخاصة مع نسائه وعلاقات نسائه كذلك ببقية الرجال، وعلاقة المسلمين ببيت الرسول. وكرامة الرسول وبيته على الله وعلى ملائكته والملأ الأعلى.. وينتهي بحكم عام يشترك فيه نساء النبي وبناته ونساء المؤمنين، يأمرهن فيه بإرخاء جلابيبهن عند الخروج لقضاء الحاجة حتى يتميزن بهذا الزي السابغ ويعرفن، فلا يتعرض لهن ذوو السيرة السيئة من المنافقين والمرجفين والفساق الذين كانوا يتعرضون للنساء في المدينة! ويختم بتهديد هؤلاء المنافقين والمرجفين بالإجلاء عن المدينة ما لم ينتهوا عن إيذاء المؤمنات وإشاعة الفساد.. وهذه التشريعات والتوجيهات طرف من إعادة تنظيم الجماعة المسلمة على أساس التصور الإسلامي. فأما ما يختص بحياة الرسول الشخصية، فقد شاء الله أن يجعل حياة هذا البيت صفحة معروضة للأجيال، فضمنها هذا القرآن الباقي، المتلو في كل زمان ومكان؛ وهي في الوقت ذاته آية تكريم الله ـ سبحانه ـ لهذا البيت، الذي يتولى بذاته العلية أمره، ويعرضه للبشرية كافة في قرآنه الخالد على الزمان.. {يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن، فما لكم عليهن من عدة تعتدونها، فمتعوهن وسرحوهن سراحاً جميلاً}.. ولقد سبق في سورة البقرة بيان حكم المطلقات قبل الدخول في قوله تعالى: {أية : لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة، ومتعوهن على الموسع قدره، وعلى المقتر قدره، متاعاً بالمعروف حقاً على المحسنين. وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم إلا أن يعفون أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح. وأن تعفوا أقرب للتقوى، ولا تنسوا الفضل بينكم إن الله بما تعملون بصير }.. تفسير : فالمطلقة قبل الدخول إن كان قد فرض لها مهر، فلها نصف ذلك المهر المسمى. وإن لم يذكر لها مهر فلها متاع يتبع قدرة المطلق سعة وضيقاً.. وقد زاد هنا في آية الأحزاب بيان حكم العدة لهذه المطلقة وهو ما لم يذكر في آيتي البقرة. فقرر أن لا عدة عليها. إذ أنه لم يكن دخول بها. والعدة إنما هي استبراء للرحم من الحمل، وتأكد من أنها خالية من آثار الزواج السابق، كي لا تختلط الأنساب، ولا ينسب إلى رجل ما ليس منه، ويسلب رجل ما هو منه في رحم المطلقة. فأما في حالة عدم الدخول فالرحم بريئة، ولا عدة إذن ولا انتظار: {فما لكم عليهن من عدة تعتدونها}.. {فمتعوهن} إن كان هناك مهر مسمى فبنصف هذا المهر، وإن لم يكن فمتاع مطلق يتبع حالة الزوج المالية. {وسرحوهن سراحاً جميلاً}.. لا عضل فيه ولا أذى. ولا تعنت ولا رغبة في تعويقهن عن استئناف حياة أخرى جديدة. وهذا حكم عام جاء في سياق السورة في صدد تنظيم الحياة العامة للجماعة المسلمة. بعد ذلك يبين الله لرسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ما يحل له من النساء، وما في ذلك من خصوصية لشخصه ولأهل بيته، بعدما نزلت آية سورة النساء التي تجعل الحد الأقصى للأزواج أربعاً: {أية : فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع }.. تفسير : وكان في عصمة النبي في هذا الوقت تسع نساء، تزوج بكل منهن لمعنى خاص. عائشة وحفصة ابنتا صاحبيه أبي بكر وعمر. وأم حبيبة بنت أبي سفيان، وأم سلمة، وسودة بنت زمعة، وزينب بنت خزيمة من المهاجرات اللواتي فقدن أزواجهن وأراد النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ تكريمهن، ولم يكن ذوات جمال ولا شباب، إنما كان معنى التكريم لهن خالصاً في هذا الزواج. وزينب بنت جحش وقد علمنا قصة زواجها، وقد كان هناك تعويض لها كذلك عن طلاقها من زيد الذي زوجها رسول الله منه فلم تفلح الزيجة لأمر قضاه الله تعالى، وعرفناه في قصتها. ثم جويرية بنت الحارث من بني المصطلق، وصفية بنت حيي بن أخطب. وكانتا من السبي فأعتقهما رسول الله وتزوج بهما الواحدة تلو الأخرى، توثيقاً لعلاقته بالقبائل، وتكريماً لهما، وقد أسلمتا بعدما نزل بأهلهما من الشدة. وكن قد أصبحن "أمهات المؤمنين" ونلن شرف القرب من رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ واخترن الله ورسوله والدار الآخرة بعد نزول آيتي التخيير. فكان صعباً على نفوسهن أن يفارقهن رسول الله بعد تحديد عدد النساء. وقد نظر الله إليهن، فاستثنى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ من ذلك القيد، وأحل له استبقاء نسائه جميعاً في عصمته، وجعلهن كلهن حلاً له، ثم نزل القرآن بعد ذلك بألا يزيد عليهن أحداً، ولا يستبدل بواحدة منهن أخرى. فإنما هذه الميزة لهؤلاء اللواتي ارتبطن به وحدهن، كي لا يحرمن شرف النسبة إليه، بعدما اخترن الله ورسوله والدار الآخرة.. وحول هذه المبادئ تدور هذه الآيات: {يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك اللاتي آتيت أجورهن، وما ملكت يمينك مما أفاء الله عليك، وبنات عمك وبنات عماتك، وبنات خالك وبنات خالاتك اللاتي هاجرن معك، وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي إن أراد النبي أن يستنكحها، خالصة لك من دون المؤمنين، قد علمنا ما فرضنا عليهم في أزواجهم وما ملكت أيمانهم، لكي لا يكون عليك حرج، وكان الله غفوراً رحيماً. ترجي من تشاء منهن وتؤوي إليك من تشاء، ومن ابتغيت ممن عزلت فلا جناح عليك. ذلك أدنى أن تقر أعينهن ولا يحزن ويرضين بما آتيتهن كلهن، والله يعلم ما في قلوبكم وكان الله عليماً حليماً. لا يحل لك النساء من بعد، ولا أن تبدل بهن من أزواج ولو أعجبك حسنهن ـ إلا ما ملكت يمينك ـ وكان الله على كل شيء رقيباً}.. ففي الآية يحل الله للنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنواع النساء المذكورات فيها ـ ولو كن فوق الأربع ـ مما هو محرم على غيره. وهذه الأنواع هي: الأزواج اللواتي أمهرهن. وما ملكت يمينه إطلاقاً من الفيء، وبنات عمه وبنات عماته وبنات خاله وبنات خالاته ممن هاجرن معه دون غيرهن ممن لم يهاجرن ـ إكراماً للمهاجرات ـ وأيما امرأة وهبت نفسها للنبي بلا مهر ولا ولي. إن أراد النبي نكاحها (وقد تضاربت الروايات حول ما إذا كان النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قد تزوج واحدة من هذا الصنف من النساء أم لم يتزوج، والأرجح أنه زوّج اللواتي عرضن أنفسهن عليه من رجال آخرين) وقد جعل الله هذه خصوصية للنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بما أنه ولي المؤمنين والمؤمنات جميعاً. فأما الآخرون فهم خاضعون لما بينه الله وفرضه عليهم في أزواجهم وما ملكت أيمانهم. ذلك كي لا يكون على النبي حرج في استبقاء أزواجه وفي الاستجابة للظروف الخاصة المحيطة بشخصه. ثم ترك الخيار له ـ صلى الله عليه وسلم ـ في أن يضم إلى عصمته من شاء ممن يعرضن أنفسهن عليه، أو يؤجل ذلك. ومن أرجأهن فله أن يعود إليهن حين يشاء.. وله أن يباشر من نسائه من يريد ويرجئ من يريد. ثم يعود.. {ذلك أدنى أن تقر أعينهن ولا يحزن ويرضين بما آتيتهن كلهن}.. فهي مراعاة الظروف الخاصة المحيطة بشخص الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ والرغبات الموجهة إليه، والحرص على شرف الاتصال به، مما يعلمه الله ويدبره بعلمه وحلمه. {والله يعلم ما في قلوبكم وكان الله عليماً حليماً}. ثم أنزل الله تحريم من عدا نسائه اللواتي في عصمته فعلاً، لا من ناحية العدد، ولكن هن بذواتهن لا يستبدل بهن غيرهن؛ ولم يعرف أن رسول الله قد زاد عليهن قبل التحريم: {لا يحل لك النساء من بعد، ولا أن تبدل بهن من أزواج ـ ولو أعجبك حسنهن} لا يستثني من ذلك ـ {إلا ما ملكت يمينك}.. فله منهن ما يشاء.. {وكان الله على كل شيء رقيباً}.. والأمر موكول إلى هذه الرقابة واستقرارها في القلوب. وقد روت عائشة ـ رضي الله عنها ـ أن هذا التحريم قد ألغي قبل وفاة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وتركت له حرية الزواج. ولكنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ لم يتزوج كذلك غيرهن بعد هذه الإباحة. فكن هن أمهات المؤمنين.. بعد ذلك ينظم القرآن علاقة المسلمين ببيوت النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وبنسائه ـ أمهات المؤمنين ـ في حياته وبعد وفاته كذلك. ويواجه حالة كانت واقعة، إذ كان بعض المنافقين والذين في قلوبهم مرض يؤذون النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في بيوته وفي نسائه، فيحذرهم تحذيراً شديداً، ويريهم شناعة جرمهم عند الله وبشاعته. ويهددهم بعلم الله لما يخفون في صدورهم من كيد وشر: {يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم إلى طعام ـ غير ناظرين إناه ـ ولكن إذا دعيتم فادخلوا، فإذا طعمتم فانتشروا. ولا مستأنسين لحديث. إن ذلكم كان يؤذي النبي فيستحيي منكم والله لا يستحيي من الحق. وإذا سألتموهن متاعاً فاسألوهن من وراء حجاب. ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن. وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله، ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبداً. إن ذلكم كان عند الله عظيماً. إن تبدوا شيئاً أو تخفوه فإن الله كان بكل شيء عليماً}.. روى البخاري ـ بإسناده ـ عن أنس بن مالك قال: "حديث : بنى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بزينب بنت جحش بخبز ولحم. فأرسلت على الطعام داعياً. فيجيء قوم فيأكلون ويخرجون. ثم يجيء قوم فيأكلون ويخرجون. فدعوت حتى ما أجد أحداً أدعوه. فقلت: يا رسول الله ما أجد أحداً أدعوه. قال: "ارفعوا طعامكم". وبقي ثلاث رهط يتحدثون في البيت. فخرج رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فانطلق إلى حجرة عائشة ـ رضي الله عنها ـ فقال: "السلام عليكم ـ أهل البيت ـ ورحمة الله وبركاته". قالت: وعليك السلام ورحمة الله. كيف وجدت أهلك يا رسول الله؟ بارك الله لك. فتقرى حجر نسائه، كلهن يقول لهن كما يقول لعائشة، ويقلن كما قالت عائشة. ثم رجع النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فإذا ثلاثة رهط في البيت يتحدثون. وكان النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ شديد الحياء. فخرج منطلقاً نحو حجرة عائشة. فما أدري أخبرته أم أخبر أن القوم خرجوا. فرجع حتى إذا وضع رجله في أسكفة الباب داخله والأخرى خارجه. أرخى الستر بيني وبينه، وأنزلت آية الحجاب ". تفسير : والآية تتضمن آداباً لم تكن تعرفها الجاهلية في دخول البيوت، حتى بيت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقد كان الناس يدخلون البيوت بلا إذن من أصحابها ـ كما جاء في شرح آيات سورة النور الخاصة بالاستئذان ـ وربما كان هذا الحال أظهر في بيوت النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بعد أن أصبحت هذه البيوت مهبط العلم والحكمة. وكان بعضهم يدخل وحين يرى طعاماً يوقد عليه يجلس في انتظار نضج هذا الطعام ليأكل بدون دعوة إلى الطعام! وكان بعضهم يجلس بعد الطعام ـ سواء كان قد دعي إليه أو هجم هو عليه دون دعوة ـ ويأخذ في الحديث والسمر غير شاعر بما يسببه هذا من إزعاج للنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأهله. وفي رواية أن أولئك الثلاثة الرهط الذين كانوا يسمرون كانوا يفعلون هذا وعروس النبي ـ زينب بنت جحش ـ جالسة وجهها إلى الحائط! والنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يستحيي أن ينبههم إلى ثقلة مقامهم عنده حياء منه، ورغبة في ألا يواجه زواره بما يخجلهم! حتى تولى الله ـ سبحانه ـ عنه الجهر بالحق ـ {والله لا يستحيي من الحق}. ومما يذكر أن عمر ـ رضي الله عنه ـ بحساسيته المرهفة كان يقترح على النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ الحجاب؛ وكان يتمناه على ربه. حتى نزل القرآن الكريم مصدقاً لاقتراحه مجيباً لحساسيته! من رواية للبخاري ـ بإسناده ـ عن أنس بن مالك. قال: قال عمر بن الخطاب: يا رسول الله. يدخل عليك البر والفاجر. فلو أمرت أمهات المؤمنين بالحجاب. فأنزل الله آية الحجاب.. وجاءت هذه الآية تعلم الناس ألا يدخلوا بيوت النبي بغير إذن. فإذا دعوا إلى الطعام دخلوا. فأما إذا لم يدعوا فلا يدخلون يرتقبون نضجه! ثم إذا طعموا خرجوا، ولم يبقوا بعد الطعام للسمر والأخذ بأطراف الحديث.. وما أحوج المسلمين اليوم إلى هذا الأدب الذي يجافيه الكثيرون. فإن المدعوين إلى الطعام يتخلفون بعده، بل إنهم ليتخلفون على المائدة، ويطول بهم الحديث؛ وأهل البيت ـ الذين يحتفظون ببقية من أمر الإسلام بالاحتجاب ـ متأذون محتبسون، والأضياف ماضون في حديثهم وفي سمرهم لا يشعرون! وفي الأدب الإسلامي غناء وكفاء لكل حالة، لو كنا نأخذ بهذا الأدب الإلهي القويم. ثم تقرر الآية الحجاب بين نساء النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ والرجال: {وإذا سألتموهن متاعاً فاسألوهن من وراء حجاب}.. وتقرر أن هذا الحجاب أطهر لقلوب الجميع: {ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن}.. فلا يقل أحد غير ما قال الله. لا يقل أحد إن الاختلاط، وإزالة الحجب، والترخص في الحديث واللقاء والجلوس والمشاركة بين الجنسين أطهر للقلوب، وأعف للضمائر، وأعون على تصريف الغريزة المكبوتة، وعلى إشعار الجنسين بالأدب وترقيق المشاعر والسلوك.. إلى آخر ما يقوله نفر من خلق الله الضعاف المهازيل الجهال المحجوبين. لا يقل أحد شيئاً من هذا والله يقول: {وإذا سألتموهن متاعاً فاسألوهن من وراء حجاب ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن}.. يقول هذا عن نساء النبي الطاهرات. أمهات المؤمنين. وعن رجال الصدر الأول من صحابة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ممن لا تتطاول إليهن وإليهم الأعناق! وحين يقول الله قولاً. ويقول خلق من خلقه قولاً. فالقول لله ـ سبحانه ـ وكل قول آخر هراء، لا يردده إلا من يجرؤ على القول بأن العبيد الفانين أعلم بالنفس البشرية من الخالق الباقي الذي خلق هؤلاء العبيد! والواقع العملي الملموس يهتف بصدق الله، وكذب المدعين غير ما يقوله الله. والتجارب المعروضة اليوم في العالم مصدقة لما نقول. وهي في البلاد التي بلغ الاختلاط الحر فيها أقصاه أظهر في هذا وأقطع من كل دليل. (وأمريكا أول هذه البلاد التي آتى الاختلاط فيها أبشع الثمار). وقد ذكرت الآية أن مجيئهم للطعام منتظرين نضجه من غير دعوة؛ وبقاءهم بعد الطعام مستأنسين للحديث.. كان يؤذي النبي فيستحيي منهم. وفي ختامها تقرر أنه ما يكون للمسلمين أن يؤذوا رسول الله. وكذلك ما يكون لهم أن يتزوجوا أزواجه من بعده؛ وهن بمنزلة أمهاتهم. ومكانهن الخاص من رسول الله يحرم أن ينكحهن أحد من بعده، احتفاظاً بحرمة هذا البيت وجلاله وتفرده: {وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله، ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبداً}.. وقد ورد أن بعض المنافقين قال: إنه ينتظر أن يتزوج من عائشة! {إن ذلكم كان عند الله عظيماً}.. وما أهول ما يكون عند الله عظيماً! ولا يقف السياق عند هذا الإنذار الهائل، بل يستطرد إلى تهديد آخر هائل: {إن تبدوا شيئاً أو تخفوه، فإن الله كان بكل شيء عليماً}.. وإذن فالله هو الذي يتولى الأمر. وهو عالم بما يبدو وما يخفى، مطلع على كل تفكير وكل تدبير. والأمر عنده عظيم. ومن شاء فليتعرض. فإنما يتعرض لبأس الله الساحق الهائل العظيم. وبعد الإنذار والتهديد يعود السياق إلى استثناء بعض المحارم الذين لا حرج على نساء النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في أن يظهرن عليهم: {لا جناح عليهن في آبائهن، ولا أبنائهن، ولا إخوانهن، ولا أبناء إخوانهن ولا أبناء أخواتهن، ولا نسائهن، ولا ما ملكت أيْمَانهن. واتقين الله. إن الله كان على كل شيء شهيداً}.. وهؤلاء المحارم هم الذين أبيح لنساء المسلمين عامة أن يظهرن عليهم.. ولم أستطع أن أتحقق أي الآيات كان أسبق في النزول؛ الآية الخاصة بنساء النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ هنا، أم الآية العامة لنساء المسلمين جميعاً في سورة النور. والأرجح أن الأمر كان خاصاً بنساء النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ثم عمم. فذلك هو الأقرب إلى طبيعة التكليف. ولا يفوتنا أن نلحظ هذا التوجيه إلى تقوى الله، والإشارة إلى اطلاعه على كل شيء: {واتقين الله، إن الله كان على كل شيء شهيداً}. فالإيحاء بالتقوى ومراقبة الله يطرد في مثل هذه المواضع، لأن التقوى هي الضمان الأول والأخير، وهي الرقيب اليقظ الساهر على القلوب. ويستمر السياق في تحذير الذين يؤذون النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في نفسه أو في أهله؛ وفي تفظيع الفعلة التي يقدمون عليها.. وذلك على طريقين: الطريق الأول تمجيد رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وبيان مكانته عند ربه وفي الملأ الأعلى. والطريق الثانية تقرر أن إيذاءه إيذاء لله ـ سبحانه ـ وجزاؤه عند الله الطرد من رحمته في الدنيا والآخرة، والعذاب الذي يناسب الفعلة الشنيعة: {إن الله وملائكته يصلون على النبي. يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليماً. إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة وأعد لهم عذاباً مهيناً}.. وصلاة الله على النبي ذكره بالثناء في الملأ الأعلى؛ وصلاة ملائكته دعاؤهم له عند الله سبحانه وتعالى.. ويا لها من مرتبة سنية حيث تردد جنبات الوجود ثناء الله على نبيه؛ ويشرق به الكون كله وتتجاوب به أرجاؤه. ويثبت في كيان الوجود ذلك الثناء الأزلي القديم الأبدي الباقي. وما من نعمة ولا تكريم بعد هذه النعمة وهذا التكريم. وأين تذهب صلاة البشر وتسليمهم بعد صلاة الله العلي وتسليمه، وصلاة الملائكة في الملأ الأعلى وتسليمهم؛ إنما يشاء الله تشريف المؤمنين بأن يقرن صلاتهم إلى صلاته وتسليمهم إلى تسليمه؛ وأن يصلهم عن هذا الطريق بالأفق العلوي الكريم الأزلي القديم. وفي ظل هذا التمجيد الإلهي يبدو إيذاء الناس للنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بشعاً شنيعاً ملعوناً قبيحاً: {إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة، وأعد لهم عذاباً مهيناً}.. ويزيده بشاعة وشناعة أنه إيذاء لله من عبيده ومخاليقه. وهم لا يبلغون أن يؤذوا الله. إنما هذا التعبير يصور الحساسية بإيذاء رسوله، وكأنما هو إيذاء لذاته جل وعلا. فما أفظع! وما أبشع! وما أشنع! ويستطرد كذلك إلى إيذاء المؤمنين والمؤمنات عامة. إيذاؤهم كذباً وبهتاناً، بنسبة ما ليس فيهم إليهم من النقائص والعيوب: {والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا، فقد احتملوا بهتاناً وإثماً مبيناً}.. وهذا التشديد يشي بأنه كان في المدينة يؤمذاك فريق يتولى هذا الكيد للمؤمنين والمؤمنات، بنشر قالة السوء عنهم، وتدبير المؤامرات لهم، وإشاعة التهم ضدهم. وهو عام في كل زمان وفي كل مكان. والمؤمنون والمؤمنات عرضة لمثل هذا الكيد في كل بيئة من الأشرار المنحرفين، والمنافقين، والذين في قلوبهم مرض. والله يتولى عنهم الرد على ذلك الكيد، ويصم أعداءهم بالإثم والبهتان. وهو أصدق القائلين. ثم أمر الله نبيه ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن يأمر نساءه وبناته ونساء المؤمنين عامة ـ إذا خرجن لحاجتهن أن يغطين أجسامهن ورؤوسهن وجيوبهن ـ وهي فتحة الصدر من الثوب ـ بجلباب كاسٍ فيميزهن هذا الزي، ويجعلهن في مأمن من معابثة الفساق. فإن معرفتهن وحشمتهن معاً تلقيان الخجل والتحرج في نفوس الذين كانوا يتتبعون النساء لمعابثتهن: {يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن. ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين. وكان الله غفوراً رحيماً}.. قال السدي في هذه الآية: كان ناس من فساق أهل المدينة يخرجون بالليل حين يختلط الظلام إلى طريق المدينة فيعرضون للنساء. وكانت مساكن أهل المدينة ضيقة، فإذا كان الليل خرج النساء إلى الطريق يقضين حاجتهن. فكان أولئك الفساق يبتغون ذلك منهن. فإذا رأوا المرأة عليها جلباب. قالوا: هذه حرة. فكفوا عنها. وإذا رأوا المرأة ليس عليها جلباب قالوا: هذه أمة فوثبوا عليها.. وقال مجاهد: يتجلببن فيعلم أنهن حرائر، فلا يتعرض لهن فاسق بأذى ولا ريبة. وقوله تعالى: {وكان الله غفوراً رحيماً} أي لما سلف في أيام الجاهلية حيث لم يكن عندهن علم بذلك. ومن ذلك نرى الجهد المستمر في تطهير البيئة العربية، والتوجيه المطرد لإزالة كل أسباب الفتنة والفوضى، وحصرها في أضيق نطاق، ريثما تسيطر التقاليد الإسلامية على الجماعة كلها وتحكمها. وفي النهاية يأتي تهديد المنافقين ومرضى القلوب والمرجفين الذين ينشرون الشائعات المزلزلة في صفوف الجماعة المسلمة.. تهديدهم القوي الحاسم، بأنهم إذا لم يرتدعوا عما يأتونه من هذا كله، وينتهوا عن إيذاء المؤمنين والمؤمنات، والجماعة المسلمة كلها، أن يسلط الله عليهم نبيه، كما سلطه على اليهود من قبل، فيطهر منهم جو المدينة، ويطاردهم من الأرض؛ ويبيح دمهم فحيثما وجدوا أخذوا وقتلوا. كما جرت سنة الله فيمن قبلهم من اليهود على يد النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وغير اليهود من المفسدين في الأرض في القرون الخالية: {لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة لنغرينك بهم، ثم لا يجاورونك فيها إلا قليلاً؛ ملعونين، أينما ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلا. سنة الله في الذين خلوا من قبل. ولن تجد لسنة الله تبديلاً}.. ومن هذا التهديد الحاسم ندرك مدى قوة المسلمين في المدينة بعد بني قريظة، ومدى سيطرة الدولة الإسلامية عليها. وانزواء المنافقين إلا فيما يدبرونه من كيد خفي، لا يقدرون على الظهور؛ إلا وهم مهددون خائفون.
ابن عاشور
تفسير : جاءت هذه الآية تشريعاً لحكم المطلقات قبل البناء بهن أن لا تلزمهن عِدَّة بمناسبة حدوث طلاق زيد بن حارثة زوجه زينب بنت جحش لتكون الآية مخصصة لآيات العدة من سورة البقرة، فإن الأحزاب نزلت بعد البقرة، وليخصص بها أيضاً آية العِدّة في سورة الطلاق النازلة بعدها لئلاَّ يظنّ ظانّ أن العدة من آثار العقد على المرأة سواء دخل بها الزوج أم لم يدخل. قال ابن العربي: وأجمع علماء الأمة على أن لا عدّة على المرأة إذا لم يدخل بها زوجها لهذه الآية. والنكاح: هو العقد بين الرجل والمرأة لتكون زوجاً بواسطة وليها. وهو حقيقة في العقد لأن أصل النكاح حقيقة هو الضمّ والإِلصاق فشبه عقد الزواج بالالتصاق والضم بما فيه من اعتبار انضمام الرجل والمرأة فصارا كشيئين متّصلَيْن. وهذا كما سمي كلاهما زوجاً، ولا يعرف في كلام العرب إطلاق النكاح على غير معنى العقد دون معنى الوطء ولذلك يقولون: نكحت المرأة فُلاناً، أي تزوجته، كما يقولون: نكح فلان امرأة. وزعم كثير من مدوِّني اللغة أن النكاح حقيقة في إدخال شيء في آخر. فأخذوا منه أنه حقيقة في الوطء، ودرج على ذلك الأزهري والجوهري والزمخشري، وهو بعيد، وعلى ما بنوه أخطأ المتنبي في استعماله إذ قال:شعر : أنكحتُ صم حصاها خُفّ يعملة تَغَشْمَرت بي إليكَ السهل والجبلا تفسير : ولا حجة في كلامه، ولذلك تأوله أبو العلاء المعرّي في معجز أحمد بأنه أراد جمعت بين صم الحصى وخف اليعملة. وتعليق الحكم في العِدَّة بالمؤمنات جرى على الغالب لأن نساء المؤمنين يومئذٍ لم يكنَّ إلا مؤمنات وليس فيهن كتابيات فينسحب هذا الحكم على الكتابية كما شملها حكم الاعتداد إذا وقع مسيسها بطرق القياس. والمس والمسيس: كناية عن الوطء، كما سمي ملامسة في قوله: {أية : أو لامستم النساء}تفسير : [النساء: 43]. والعِدّة بكسر العين: هي في الأصل اسم هيئة من العَدّ بفتح العين وهو الحساب فأطلقت العِدّة على الشيء المعدود، يقال: جاء عِدة رجال، وقال تعالى: {أية : فعدة من أيام أخر} تفسير : البقرة (184). وغلب إطلاق هذا اللفظ في لسان الشرع على المدة المحددة لانتظار المرأة زواجاً ثانياً، لأن انتظارها مدة معدودة الأزمان إما بالتعيين وإما بما يحدث فيها من طهر أو وضع حمل فصار اسمَ جنس ولذلك دخلت عليه {مِن} التي تدخل على النكرة المنفية لإِفادة العموم، أي فما لكم عليهن من جنس العدة. والخطاب في {لكم} للأزواج الذين نكحوا المؤمنات. وجعلت العدة لهم، أي لأجلهم لأن المقصد منها راجع إلى نفع الأزواج بحفظ أنسابهم ولأنهم يملكون مراجعة الأزواج ما دُمْن في مدة العدّة كما أشار إليه قوله تعالى: {أية : لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمراً}تفسير : [الطلاق: 1]. وقوله: {أية : وبعولتهن أحق بردهن في ذلك إن أرادوا إصلاحاً}تفسير : [البقرة: 228]. ومع ذلك هي حق أوجبه الشرع، فلو رام الزوج إسقاط العِدّة عن المطلقة لم يكن له ذلك لأن ما تتضمنه العِدّة من حفظ النسب مقصد من أصول مقاصد التشريع فلا يسقط بالإِسقاط. ومعنى: {تعتدونها} تَعُدّونها عليهن، أي تعدُّون أيّامها عليهن، كما يقال: اعتدت المرأة، إذا قضت أيام عِدّتها. فصيغة الافتعال ليست للمطاوعة ولكنها بمعنى الفعل مثل: اضطُرّ إلى كذا. ومحاولة حمل صيغة المطاوعة على معروف معناها تكلف. ويشبه هذا مَن راجع المعتدة في مدة عِدّتها ثم طلقها قبل أن يمَسَّها فإن المراجعة تشبه النكاح وليست عينه إذ لا تفتقر إلى إيجاب وقبول. وقد اختلف الفقهاء في اعتدادها من ذلك الطلاق، فقال مالك والشافعي في أحد قوليه وجمهور الفقهاء: إنها تنشىء عِدة مستقبَلة من يومَ طلقها بعد المراجعة ولا تبني على عِدّتها التي كانت فيها لأن الزوج نقض تلك العدة بالمراجعة. ولعل مالكاً نظر إلى أن المسيس بعد المراجعة قد يخفى أمره بخلاف البناء بالزوجة في النكاح فلعله إنما أوجب استئناف العِدة لهذه التهمة احتياطاً للأنساب. وقال عطاء بن أبي رباح والشافعي في أحد قوليه وسعيد بن المسيب وإبراهيم النخعي والحسن وأبو قلابة وقتادة والزهري: تبني على عدتها الأولى التي راجعها فيها لأن طلاقه بعد المراجعة ودون أن يمسها بمنزلة إرداف طلاق ثان على المرأة وهي في عدتها فإن الطلاق المردف لا اعتداد له بخصوصه. ونسب القرطبي إلى داود الظاهري أنه قال: المطلقة الرجعية إذا راجعها زوجها قبل أن تنقضي عِدّتها ثم فارقها قبل أن يمسها إنه ليس عليها أن تتمّ عدتها ولا عدةً مستقبلة لأنها مطلقة قبل الدخول بها ا هــــ. وهو غريب، وكلام ابن حزم في «المحلَّى» صريح في أنها تبتدىء العِدة فلعله من قول ابن حزم وليس مذهب داود، وكيف لو راجعها بعد يوم أو يومين من تطليقها فبماذا تعرف براءة رحمها. وفاء التفريع في قوله: {فمتعوهن} لأن حكم التمتيع مقرّر من سورة البقرة (236) في قوله: {أية : ومتعوهن على الموسع قدره وعلى المقتر قدره} تفسير : الخ. والمتعة: عطية يعطيها الزوج للمرأة إذا طلقها. وقد تقدم قوله تعالى: {أية : لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة ومتعوهن على الموسع قدره وعلى المقتر قدره متاعاً بالمعروف حقاً على المحسنين}تفسير : [البقرة: 236] فلذلك جيء بالأمر بالتمتيع مفرعاً على الطلاق قبل المسيس. وقد جعل الله التمتيع جبراً لخاطر المرأة المنكسرِ بالطلاق وتقدم في سورة البقرة أن المتعة حق للمطلقة سواء سمي لها صداق أم لم يسم بحكم آية سورة الأحزاب لأن الله أمر بالتمتيع للمطلقة قبل البناء مطلقاً فكان عمومها في الأحوال كعمومها في الذوات، وليست آية البقرة بمعارضة لهذه الآية إذ ليس فيها تقييد بشرط يَقتضي تخصيص المتعة بالتي لم يسم لها صداق لأنها نازلةٌ في رفع الحرج عن الطلاق قبل البناء وقبل تسمية الصداق، ثم أمرتْ بالمتعة لِتَينِك المطلقتين فالجمع بين الآيتين ممكن. والسراح الجميل: هو الخلي عن الأذى والإِضرار ومنع الحقوق.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: يا أيها الذين آمنوا: أي يا من صدقوا بالله ورسوله وكتابه وشرعه. إذا نكحتم المؤمنات: أي إذا عقدتم عليهن ولم تبنوا بهن. من قبل أن تمسوهن: أي من قبل الخلوة بهن ووطئهن. فما لكم عليهن من عدة: أي ليس لكم مطالبتهن بالعدة إذ العدة على المدخول بها. فمتعوهن: أي أعطوهن شيئاً من المال يتمتعن به جَبْراً لخاطرهن. وسرِّحوهن سراحا جميلا: أي اتركوهن يذهبن إلى أهليهن من غير إضرارٍ بهن. معنى الآية الكريمة: ينادي الله تعالى عباده المؤمنين المسلمين فيقول لهم معلماً مشرعاً لهم: {إِذَا نَكَحْتُمُ ٱلْمُؤْمِنَاتِ} أي عقدتم عليهن، {ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ} أي من قبل الدخول عليهن الذي يتم بالخلوة في الفراش، {فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ} تعتدونها عليهن لا بالاقراء ولا بالشهور إذْ العدة لمعرفة ما في الرحم وغير المدخول بها معلومة أن رحمها خالية، فإن سميتم لهنّ مهراً فلهن نصف المُسمَّى والمتعة على سبيل الاستحباب، وإن لم تسموا لهن مهراً فليس لهن غير المتعة وهي هنا واجبة لهن بحسب يسار المُطلِّق وإعْساره وقوله: {وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً} أي خلوا سبيلهن يذهبن إلى ذويهن من غير إضرار بهن ولا أذى تلحقونه بهن. هداية الآية الكريمة: من هداية الآية الكريمة: 1- جواز الطلاق قبل البناء. 2- ليس على المطلقة قبل الدخول بها عدة بل لها أن تتزوج ساعة ما تطلق. 3- المطلقة قبل البناء إن سمى لها صداق فلها نصفه، وإن لم يسم لها صداق فلها المتعة واجبة يقدرها القاضي بحسب سعة المطلق وضيقه. 4- حرمة أذية المطلقة بأي أذى، ووجوب تخلية سبيلها تذهب حيث شاءت. 5- مشروعية المتعة لكل مطلقة.
د. أسعد حومد
تفسير : {يٰأَيُّهَا} {آمَنُوۤاْ} {ٱلْمُؤْمِنَاتِ} (49) - النِّكَاحُ هُنا هُوَ العَقْدُ. وَيَقُولُ تَعَالى يَا أَيُّها المُؤْمِنُونَ إِذا عَقَدْتُمْ عُقْدَةَ النِّكَاحِ عَلَى النِّسَاءِ المُؤْمِنَاتِ، ثُمَّ طَلَّقْتُموهُنَّ قَبلَ الدُّخُولِ بِهِنَّ، فلا عِدَّةَ لَكُمْ عَلَيِهِنَّ (وَهذا مُجْمَعٌ عَلَيهِ بَيْنَ الأَئِمَّةِ)، وَلِكنْ عَلَى الزَّوجِ أَنْ يُمَتِّعَ المَرْأََةَ مَتَاعاً حَسَناً بِحَسَبِ حَالِهِ (عَلَى المُعْسِرِ قَدَرُهُ وَعَلى المُوسِرِ قَدَرُهُ) وَأَنْ يُخْرِجَها مِنْ بَيتِهِ إِخْراجاً كَرِيماً لاَئِقاً (سَراحاً جَميلاً) فَيُهَيِّئ لَها المَركَبَ، والزَّادَ، وَيُحْسِن مُعَامَلَتَها لِتَقَرَّ عَيْنُها، وَيُسَرَّ بِذَلِكَ أَهْلُها، وَلِيَكُونَ فِي ذَلِكَ بَعْضُ السَّلوَى عَمَّا لَحِقَ بِها مِنْ أَذًى بِالطَّلاِقِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : تتحدث الآية عن مسألة اجتماعية تخصُّ حفظ النوع، وحفظ النوع الإنساني لا يتأتَّى إلا بالزواج، وهو وسيلة التكاثر، وأولى مراحل الزواج مرحلة الخِطْبة، وكثيرون لا يفهمون معنى الخِطْبة وحدودها لكل من الرجل والمرأة، فالخِطبة مجرد أنْ يذهب طالب البنت إلى وليِّها ليقول له: أإذا تقدمتُ لطلب يد ابنتك أكون أهلاً للقبول؟ فيقول وليُّها: مرحباً بك، هذه تسمى خِطْبة، وربما لا يتقدم، فإنْ تقدَّم لها، له أنْ يراها مرة واحدة بين محارمها؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال للشاب الذي أراد الخطبة: "حديث : انظر إليها، فإنه أحْرَى أنْ يُؤدَم بينكما ". تفسير : وعجيب أنْ يخلط الناس بين الخِطْبة والعقد، فيعطون الخِطْبة صفة العقد، فإذا قيل الوليُّ الخاطبَ اتفق معه على المهر أو الشبكة وعلى كلِّ تفاصيل الزواج، وأباح له أنْ يجلس مع ابنته، وأنْ يتحدث معها، وربما يختلي بها، ويا ليتهم جعلوها عقداً، فأخرجوا أنفسهم من هذا الحرج. فالخطبة إنْ عدل عنها الخاطب ما عليهم إلا أنْ يذهب إلى وليِّ البنت فيقول له: لقد طلبتُ منك يد ابنتك وأنا في حِلٍّ من هذا الأمر، أما العقد فلا يُفسخ قبل الدخول إلا بالطلاق، إذن: لا تجعلوها صورة خطبة وموضوعية عقد. والحق سبحانه وتعالى يُبيِّن لنا في هذه الآية الكريمة ما يتعلَّق بأحكام الطلاق إنْ وقع قبل الدخول بالزوجة: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِذَا نَكَحْتُمُ ٱلْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا ..} [الأحزاب: 49]. فالنكاح هنا مقصود به العقد فقط، وإلا لو قصد به المعنى الآخر لما قال {مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ ..} [الأحزاب: 49] والمسُّ كناية عن الجماع، وهو عملية دائماً يسترها القرآن بألفاظ لا تدل عليه حقيقة. والحكم هنا {فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا ..} [الأحزاب: 49] فليس للزوج على زوجته عِدَّة إنْ طلَّقها قبل أنْ يدخل بها؛ لأن العِدَّة إنما كانت لحكمة: فالعدة في حالة الطلاق الرجعي تعطي للزوج فرصة أنْ يراجع زوجته، وأنْ يعيدها بنفسه إلى عصمته، والعِدَّة تكون لاستبراء الرحم والتأكد من خُلوِّه من الحمل، وقد تكون العِدَّة، لا لهذا ولا لذاك، ولكن لأنه تُوفِّي عنها. فالعِدَّة قبل الدخول لها حكم، وبعد الدخول لها حكم آخر، وهذا الفرق يتضح كذلك في مسألة المهر، فقبل الدخول للزوجة نصف مهرها، كما قال سبحانه: {أية : فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ ..} تفسير : [البقرة: 237] وقال هنا: {فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً} [الأحزاب: 49] فإنْ سُمِّي المهر بين الطرفين فلها نصفه، وإنْ لم يُسَمَّ فلها نصف مهر المثْل. أما العِدَّة بعد الدخول ففيها تفصيل، بحيث تختلف من حالة لأخرى بما يناسب الحالة التي تشرع فيها العِدَّة، والعِدَّة كما قلنا: تدل على أنها شيء معدود، فإنْ كانت المرأة من ذوات الحيض، فهي ثلاث حيضات، ليتأكد خلالها استبراء الرحم، لكن الرحم يستبرىء من مرة واحدة، فلماذا جعلها الله ثلاث حيضات؟ قالوا: الهدف من ذلك إعطاء الزوج فرصة، فقد يراجع نفسه وتهدأ نفسه، فيراجع زوجته في هذه المدة، فالشرع هنا يراعي بناء الأسرة، أَلاَ ترى أن الحق سبحانه شرع التقاء الزوج بزوجته بكلمة: زوِّجني وزوَّجتك، أما في حالة الطلاق والفراق بين الزوجين، فجعله على ثلاث مراحل؛ لأن الله تعالى يريد ألاَّ يجعل للغضب العابر سبيلاً لنقْضِ كلمة الله في الزواج. وأذكر أنهم كانوا يسألوننا سؤالاً وكأنه لغز: أو يعتدُّ الرجل؟ أو: أو ليس للمرأة عِدَّةٌ عند الرجل؟ قالوا: نعم، يعتدُّ الرجل في حالة واحدة وهي: إذا تزوج امرأة ثم طلقها، وأراد أن يتزوج بأختها، فعليه أن يمضي العدة ليحلَّ له الزواج بأختها. أما عِدَّة التي انقطع عنها الحيض فثلاثة أشهر، وعدة الحامل أنْ تضع حملَها، أما عدة المتوفَّي عنها زوجها فأربعة أشهر وعشرة أيام، لكن ما الحكم إذا اجتمع للمرأة الحملُ مع وفاة الزوج، فكيف تعتدُّ؟ قالوا: تعتدُّ في هذه الحالة بأبعد الأجلين: الحمل، أو الأربعة أشهر وعشرة أيام. ولك أنْ تسأل: لماذا كانت عِدَّة المطلَّقة ثلاثة أشهر، وعِدَّة المتوفَّي عنها زوجها أربعة أشهر وعشرة أيام؟ قالوا: لأن هناك فَرْقاً بين الطلاق والوفاة بالنسبة لعلاقة الزوج بزوجته، سببه أن الذي خلق الذكر والأنثى جعل هناك كلمة تجمعهما، هذه الكلمة هي: زوِّجني وزوَّجتُك شريطة أنْ تكون علانية على رءوس الأشهاد، ولا تستهنْ بهذه الكلمة، فأنت لا تعلم ما الذي تصنعه هذه الكلمة في ذرات التكوين الإنساني، ولكنك تعرفها بآثارها. وقلنا: هَبْ أنك تعرضتَ لشاب تعوَّد معاكسة ابنتك مثلاً، ماذا تصنع أنت؟ لا شكَّ أنك ستثور، ويفور دمك، وتأخذك الغَيْرة، وربما تعرضْتَ له بالإيذاء، أما إنْ جاء من الباب، وطلب يدها منك ترحب به وتسعد ويفرح الجميع، فما الذي حدث؟ وما الفرق بين الموقفين؟ فالذي أهاجك أنه تلصَّص عليها من غير إذن خالقها، لذلك يقول صلى الله عليه وسلم: "حديث : اتقوا الله في النساء، فإنكم أخذتموهن بأمان الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله ". حديث : ويقول رسول الله لرجل كان مشهوراً بالغيرة على بناته، وقد جاء يدعو رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى زواج إحدى بناته، فضحك رسول الله وقال: "جدع الحلال أنف الغيرة" . تفسير : فالعقد الذي يجمع الزوجين على كلمة الله يجعل الله به بين الزوجين سِيَالاً حلالاً عند كل منهما، ويلتقي هذان السيالان في الحلال وتحت مظلة الشرع الذي جمعهما. وعادة ما يصاحب الطلاق بُغْضٌ من الطرفين، أو كُرْه من أحدهما للآخر؛ لذلك تكون العِدَّة بينهما ثلاثة أشهر أو وَضْع الحمل؛ لأن الكراهية التي حدثتْ بينهما تميت خلايا الالتقاء بين الأنسجة، وتُسرِع بانتهاء ما بينهما من سِيال وتطْمسه. أما في حالة موت الزوج، فقد قطع النكاح قدرياً من الله، فعادة ما تكون الزوجة مُحبَّة لزوجها، حزينة على فَقْده، وتأتي فاجعة الموت، فتزيدها حُباً له، وفي هذه الحالة ليس من السهل أنْ ينتهي السيَّال بينهما؛ لذلك يشاء الخالق سبحانه أنْ يطيل أمد العِدَّة إلى أنْ ينتهي هذا السِّيال الذي جمعهما، فلا يدخل على سيال الرجل سيال جديد، فيحدث صراع بين السيالين؛ لذلك كانت عِدَّة المتوفي عنها زوجها أطول من عدة المطلقة. وقوله تعالى: {ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ ..} [الأحزاب: 49] يعني: أن الطلاق قبل المسِّ والدخول كان موجوداً كما هو موجود الآن، ونحن نرى الطرفين أو أحدهما يتعجَّل العقد، رغم أنه غير مُستعد لنفقات الزواج، إنما يتعجله لمصلحة تعود عليه من هذا الارتباط. وقد ذكر لنا التاريخ أن كثيراً من الأسر، خاصة الأسر العربية الأصيلة كانت تفعل ذلك، لكنهم لم يكونوا يسمحون للزوج في هذه الحالة أنْ يختلي بالزوجة، وإنْ كان عاقداً عليها، وبعض فيتاتنا لهن قصص مُشرِّفة في هذه المسألة. ومما رُوي في هذا الصدد قصة بهيثة بنت أوس بن حارثة الطائي والحارث بن عوف، وهو سيد من سادات بني مُرَّة، وكان للحارث ابن عوف صديق اسمه ابن سنان، وفي ليلة جلس الحارث يتسامر مع صديقه ابن سنان فقال له: ترني لو أنني خطبتُ إلى أحد من العرب ابنته أيردّني؟ قالها وهو مُعْتَزٌّ بنفسه فخور بسيادته على قومه. فلما رآه صاحبه على هذه الحالة قال له: نعم هناك مَنْ يردُّك، قال: مَنْ؟ قال: أوس بن حارثة الطائي، فنادى الحارث على غلامة وقال: أحضر المراكب، وهيا بنا إلى أوس بن حارثة الطائي، فذهبوا إليه، فوجدوه جالساً في فناء بيته، فلما رآه أوس قال له: مرحباً بك يا حارث، فأقبل عليه الحارث، وقال: ويك يا أوس، ما الذي جاء بك؟ وتركه على دابته - قال: جئتُك خاطباً لابنتك، فقال له: لستَ هناك - يعني لستَ أهْلاً لها - فلوى الحارث زمام دابته منصرفاً، في حين بدا على ابن سنان الارتياح؛ لأن كلامه صدق في صاحبه. فلما دخل أوس على امرأته سألتْه: مَنْ رجلٌ وقف معك فلم يُطل ولم ينزل؟ قال: إنه الحارث بن عوف سيد من سادات بني مُرَّة، فقالت: ولماذا لم تستنزله عندك؟ قال: لقد استحمق - يعني: ارتكب حُمْقاً - قالت: وكيف هذا؟ قال: إنه جاء يخطب ابنتي، قالت: عجباً أو لا تريد أن تُزوِّج بناتك؟ قال: بلى، قالت: فإذا كنتَ لا تُزوِّجهن من سادات العرب، فمَنْ تُزوِّجهن؟ يا أوس، اذهب فتدارك الأمر، قال: كيف وقد فرطَ مني ما فرط؟ قالت: الحقْ به، وقُلْ له: إنك جئتني وأنا مُغْضب من أمر لا دخْلَ لك فيه، ولما راجعتُ نفسي جئتُك معتذراً أطلب منك أنْ تعود، ولك عندي ما تحب. فذهب الرجل، فلم يجد الركْبَ، فشدَّ على راحلته، حتى صار بينهما في الركْب، فالتفت ابنُ سنان، وقال: يا ابن عوف، هذا أوس يلحق بنا، فقال: وماذا أصنع به امْضِ، فناداه أوس: يا حارث: اربع عليَّ ساعة، يعني: انتظرني - ولك عندي ما تحب، ففرح الحارث وعاد معه. عاد أوس إلى بيته، وقال لامرأته: ادْعي ابنتك الكبرى، فجاءت، فقال: با بُنيَّة إن الحارث بن عوف سيد بني مرة جاء ليخطبك فقالت: لا تفعل يا أبي، فقال: ولم؟ قالت: إنني امرأة في وجهي ردّة - يعني قُبْح يردُّ مَنْ يراني - وفي خُلُقي عُهْدة - أي عيب - وليس بابن عم لي فيرعى رحمي، ولا بجَار لك في بلدك فيستحي منك، وأخاف أنْ يكره مني شيئاً، فيُطلِّقني فيكون عليَّ فيه ما تعرف. فقال لها: قُومي، بارك الله فيك. ثم قال لامرأته: ادْعِي ابنتك الوُسْطى فجاءتْ، فقال لها ما قال لأختها، فقالت: لا تفعل يا أبي، قال: ولم؟ قالت: أنا امرأة خرقاء - يعني: لا تُحسِن عملاً - وليست لي صناعة، وأخاف أنْ يرى مني ما يكره فيُطلِّقني، ويكون فيَّ ما يكون فقال لها: قومي بارك الله فيك، وادْعِي أختك الصغرى، وكانت هذه هي بُهَيْثة التي نضرب بها المثل في هذا الموقف. لما عرض عليها أبوها الأمر قالت: افعل ما ترى يا أبي، قال: يا بُنيَّتي، لقد عرضتُه على أُختيك فأبتَاهُ، قالت: لكني أنا الجميلة وجهاً الصَّناعُ يداً، الرفيعة خُلُقاً، فإنْ طلَّقني فلا أخلفَ اللهُ عليه، فقال: بارك الله فيك. ثم قام إلى الحارث وقال: بُورِكَ لك يا حارث، فإنِّي زوَّجتك ابنتي بهيثة، فبارك الله لكما، قال: وأنا قبلتُ زواجها. ثم قال لامرأته: هَيِّئي ابنتك، واصنعي لها فُسْطاطاً بفناء البيت، ولما صُنع الفسطاط حُملت إليه بهيثة، ودخل عليها الحارث، لكنه لم يلبث طويلاً حتى خرج، فسأله ابنُ سنان: أفرغتَ من شأنك؟ قال: لا والله، يا بن سنان، قال: ولم؟ قال: جئتُ لأقترب منها. فقالت: أعند أبي وإخوتي؟ والله لا يكون ذلك أبداً، فخرجتُ. فقال: ما دامتْ لا ترضى وهي عند أبيها وإخوتها، فهيَّا بنا نرحل، فأمر بالرحيل، وسار الركب بهم طويلاً، ثم قال: يا بن سنان تقدَّم أنت - يعني: أعطنا الفرصة - فتقدَّم ابن سنان بالركْبِ، وانحاز الحارث بزوجته إلى ناحية من الطريق ونصب خيمته، ثم دخل عليها فقالت له: ما شاء الله، أتفعل بي كما يُفعل بالسَّبِيَّة الأخيذة، والأَمَة الجليبة؟ والله لا يكون ذلك حتى أذهب إلى أهلك وبلدك، وتذبح لي الذبائح، وتدعو سادة العرب، وتصنع ما يصنعه مثلك لمثلي. الشاهد هنا - وهو درس لبنات اليوم - أنها لم ترْضَ لزوجها، ولم تقبل منه في بيت أبيها، ولا في الطريق، ولم تتنازل عن شيء من عِزَّتها وكبريائها، مع أنها زوجته. وفعلاً تمَّ لها ما أرادت، وذُبِحَتْ لها الذبائح، ودُعي لها سادات العرب، فلما دخل عليها وحاول الاقتراب منها، قالت: لقد ذكرتَ لي شرفاً ما رأيتُ فيك شيئاً منه، فقال: ولم؟ قالت: أتفرغُ لأمر النساء والعرب يقتلُ بعضُهم بعضاً - تريد الحرب الدائرة وقتها بين عبس وذبيان - اذهب فأصلح بينهما، ثم عُدْ لأهلك، فلن يفوتك مني شيء، فذهب الحارث وابن سنان، وأصلحا بين عبس وذُبْيان، وتحمَّلا ديات القتلى ثلاثة آلاف بعير يُؤدُّونها في ثلاث سنوات، ثم عاد إليها، فقالت له: الآن لك ما تريد. وهذه الآية {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِذَا نَكَحْتُمُ ٱلْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ ..} [الأحزاب: 49] بظاهرها أعطتْ فهماً لبعض الناس الذين يريدون أن يتحلَّلوا من أحكام الدين في أشياء قد ترهقهم: فمثلاً الذي طلَّق امرأته ثلاث مرات، واستوفى ما شُرِع له من مرات الطلاق حكمه أنه لا تحلُّ له زوجته هذه إلا بعد أن تنكَح زوجاً غيره، فيأتي مَنْ يقول - بناءً على الآية السابقة - ما دام النكاح هنا بمعنى العقد فهو إذن كَافٍ في حالة المرأة التي طُلِّقت ثلاث مرات، وأنها تحِلّ لزوجها الأول بمجرد العقد على آخر. ونقول: لكن فاتك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فُوِّض من ربه بالتشريع وبيان وتفصيل ما جاء في كتاب الله من أحكام، كما قال سبحانه مخاطباً نبيه: {أية : وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ ٱلذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ ..} تفسير : [النحل: 44]. فلو أن سُنَّة رسول الله لم تتعرَّض لهذه المسألة، لَكانَ هذا الفهم جائزاً في أن مجرد العقد يبيح عودة الزوجة لزوجها ثانية، لكن الذي أناط الله به مهمة بيان القرآن وقال عنه: {أية : وَمَآ آتَاكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَٱنتَهُواْ ..} تفسير : [الحشر: 7]. إذن: فهو صلى الله عليه وسلم له حَقُّ التشريع، وقد بيَّن لنا المراد هنا في قوله تعالى: {أية : حَتَّىٰ تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ ..} تفسير : [البقرة: 230]. فأبقى كلمة النكاح على أنها مجرد العقد، ثم بيَّن المراد من ذلك، فقال للرجل: "حتى تذوق عسيلته، ويذوق عسيلتها" إذن: تمام الآية لا يجيز لمن يقول: إن مجرد العقد يبيح للرجل أنْ يعيد زوجته التي طُلِّقَتْ ثلاث مرات إلا بعد أن تذوق عُسَيْلته، ويذوق عُسيَلْتها، وهذه المسألة جعلها الله تأديباً للرجل الذي تعوَّد الطلاق، وسَهُلَ عليه النطق به، حتى صار على لسانه دائماً. ومن رحمة الخالق بالخَلْق، ومن حرصه - تبارك وتعالى - على رباط الأسرة أنْ أحلَّ المرأة للرجل كما قلنا بكلمة زوَّجني وزوّجتك لكن عند الفراق لم يجعله بكلمة واحدة، إنما جعله على مراحل ثلاث؛ لُيبقِي للمودة وللرحمة بين الزوجين مجالاً، فإنِ استنفد الزوج هذه الفرص، وطلَّق للمرة الثالثة فلا بُدَّ أن نحرق أنفك بأنْ تتزوج امرأتُكَ من زوجٍ غيرك زواجاً حقيقياً تمارس فيه هذه العملية، وهي أصعب ما تكون على الزوج. ونلحظ هنا أن دقَّة التشريع أو صعوبته في كثير من المسائل لا يريد الله منه أنْ يُصعِّب على الناس، وإنما يريد أن يرهِّب من أنْ تفعل ذلك، يريدك أنْ تبتعد عن لفظ الطلاق، وألاَّ تلجأ إليه إلا عند الضرورة القصوى. لذلك يُعلِّمنا سيدنا رسول الله فيقول: "حديث : إن أبغض الحلال عند الله الطلاق" تفسير : فالذين يعترضون على الطلاق في شرعنا، ويتعجَّبون كيف يفارق الزوجُ زوجته بعد العِشْرة الطويلة والحب والمودة يفارقها بكلمة، وفاتَ هؤلاء أن الطلاقَ وإنْ كان الأبغض إلا أنه حلالٌ، ويكفي أن الله تعالى جعله على مراحل ثلاث، وجعله لا يُستخدم إلا عند الضرورة، وحذَّر الرجل أنْ يتساهل فيه، أو يُجرِيه على لسانه، فيتعوَّده. ونلحظ أن الحق سبحانه خصَّ المؤمنات في قوله: {إِذَا نَكَحْتُمُ ٱلْمُؤْمِنَاتِ ..} [الأحزاب: 49] مع أن المؤمن يُبَاح له أنْ يتزوج من الكتابية، مسيحية كانت أو يهودية، فكأن في الآية إشارةً لطيفة لمن أراد أنْ يتزوج فليتزوج مؤمنة، ولا يُمكِّن من مضجعه إلا مؤمنة معه، وهذا احتياط في الدين، فالمؤمنة تكون مأمونة على حياته وعلى عِرْضه، وعلى أولاده وماله، فإن غير المؤمنة لا تُؤتمن على هذا كله. وقد رأينا بعض شبابنا الذين ذهبوا إلى بلاد الغرب، وتزوجوا من أجنبيات، وبعد الزواج ظهرت النكبات والمصائب، فالأم لا تنسى أنها يهودية أو نصرانية، وتبثّ أفكارها ومعتقداتها في الأولاد، إذن: فعلى المؤمن أنْ يختار المؤمنة؛ لأنها مؤتمنة عليه وعلى بيته. وأذكر حين سافرنا إلى الخارج، كنا نُسْأل: لماذا أبحتُم لأنفسكم أنْ تتزوجوا الكتابية، ولم تبيحوا لنا أن نتزوج المسلمة؟ وكان بعض الآباء يأتون ببناتهم اللائي وُلِدْن في ألمانيا مثلاً، وكانت البنت تُحاج والدها بهذه المسألة، لماذا لا أتزوج ألمانياً كما تزوجْتَ أنت ألمانية؟ فكنا نرد على بناتنا هناك: بأن المسلم له أن يتزوج كتابية؛ لأنه يؤمن بكتابها، ويؤمن بنبيِّها، لكن كيف تتزوجين أنت من الكتابي، وهو لا يؤمن بكتابك، ولا يؤمن بنبيك؟ إذن: فالمسلم مُؤْتَمن على الكتابية، وغير المسلم ليس مُؤتمناً على المسلمة. وقوله تعالى: {فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً} [الأحزاب: 49] وفي موضع آخر قال سبحانه في نفس هذه المسألة: {أية : وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ ..} تفسير : [البقرة: 237]. ويمكن أنْ نُوفِّق بين هاتين الآيتين بأن الأولى نزلتْ فيمَنْ لم يُفْرض لها مهر، والثانية فيمَنْ فُرِض لها مهر، التي لم يُفرض لها مهر لها المتعة {فَمَتِّعُوهُنَّ ..} [الأحزاب: 49] والتي فُرض لها مهر لها نصفه، فكل آية تخصُّ وتعالج حالة معينة، وليس بين الآيتين نَسْخ. وبعض العلماء يرى أنه لا مانع، إنْ فُرِضَ لها مهر أنْ يعطيها المتعة فوق نصف مهرها، وهذا رأي وجيه، فالعدل أنْ تأخذ نصف ما فُرِض لها، والفضل أنْ يعطيها المتعة فوق هذا النصف، وينبغي أنْ تبنى المعاملات دائماً على الفضل لا على مجرد العدل، وربنا عز وجل يُعلِّمنا ذلك، حين يعاملنا سبحانه بفضله لا بعدله، ولو عاملنا بالعدل لهلكنا جميعاً. لذلك جاء في دعاء الصالحين: اللهم عاملْنَا بالفضل لا بالعدل، وبالإحسان لا بالميزان، وبالجبر لا بالحساب. نعم، فإن لم يكُنْ في الآخرة إلا الحساب، فلن يكسب منا أحدٌ، وقد ورد في الحديث: "حديث : مَنْ نُوقِشَ الحساب عُذِّب ". تفسير : ويقول سبحانه: {أية : قُلْ بِفَضْلِ ٱللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ} تفسير : [يونس: 58]. فالفرح لا يكون إلا حين يشملك فضْل الله، وتعمُّك رحمته، وفي الحديث الشريف: "حديث : "لن يدخل أحدٌ الجنة بعمله" قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: "ولا أنا إلا أنْ يتغمدني الله برحمته" ". تفسير : فإنْ قُلْتَ: فكيف نجمع بين هذه النصوص من القرآن والسنة، وبين مكانة العمل ومنزلته في مثل قوله تعالى: {أية : ٱدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} تفسير : [النحل: 32]. قالوا: صحيح أن للعمل منزلته وفضله، لكنك حين تعبد الله لا تُقدم لله تعالى خدمة بعبادتك له، إنما الخدمة مُقدَّمة من الله لك في مشروعية العبادة، وإلا فالله تعالى بكل صفات الكمال خلقك وخلق الكون كله لك، فإنْ كلَّفك بعد ذلك بشيء، فإنما هو لصالحك، كما تكلف ولدك بالجد والمذاكرة. ثم لو أنك وضعتَ عملك في كِفَّة، ونِعَم الله عليك في كفة لما وفَّتْ أعمالك بما أخذْتَه من نِعَم ربك. إذن: إنْ أثابك بعد ذلك في الآخرة فإنما بفضله تعالى عليكَ ورحمته لك. ومثَّلْنا لذلك - ولله تعالى المثل الأعلى - بقولك لولدك: لو نجحتَ آخر العام سأُعطيك هدية أو مكافأة، فمع أنه هو المستفيد من نجاحه إلا أنك تزيده؛ لأنك مُحِبٌّ له وتحب له الخير. إذن: ينبغي أنْ نتعامل بهذه القاعدة، وأنْ نتخلَّق بهذا الخلق، خاصة في مثل هذه الحالة، حالة الزوجة التي طُلِّقَتْ قبل الدخول بها. فإنْ قُلْتَ: ولماذا تأخذ الزوجة التي طُلِّقت قبل الدخول بها نصف المهر والمتعة أيضاً؟ نقول: هو عِوَض لها عن المفارقة، فإنْ كانت هي المُفَارقة الراغبة في الطلاق، فليس لها شيء من المهر أو المتعة، إنما عليها أنْ تردَّ على الزوج ما دفعه، كما جاء في حديث المرأة التي جاءت رسول الله صلى الله عليه وسلم تخبره أنها لا تريد البقاء مع زوجها، فقال لها: "رُدِّي عليه ما دفعه لك" وهذه العملية يسميها العلماء (الخُلْع). ثم بعد أن ذكر الحق سبحانه مسألة المتعة قال: {وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً} [الأحزاب: 49]. السَّرْح في الأصل: شجر له ثمر، يوجد في البوادي، ترعاه الماشية وتحبه، فالكبيرة منها تأكل من أعلى الشجرة، أما الصغيرة فيتعهدها الراعي إنْ كان عنده دقة رعاية، بأنْ يضرب بعصاه غصون الشجرة، فتتساقط منها بعض الأوراق، فيأكلها الصغار. ومن ذلك قوله تعالى عن عصا موسى عليه السلام: {أية : وَأَهُشُّ بِهَا عَلَىٰ غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَىٰ} تفسير : [طه: 18]. ورُوي أن سيدنا عمر مرَّ على راعٍ فقال له: يا راعٍ، فنظر الراعي إلى أمير المؤمنين، وقال: نعم يا راعينا - يعني: أنا راعي الغنم وأنت راعي الراعي، فكأنه لا يتكبر راعٍ على راعٍ - فقال عمر: يا هذا في الأرض التي تبعد عنك كذا وكذا سَرْح أجمل من هذا وأخصب، فاذهب إليه بماشيتك. وهذا درس في تحمُّل مسئولية الرعية والحرص عليها، وكان عمر رضي الله عنه خير مَنْ تحمَّل هذه المسئولية، فيُرْوى أن سيدنا عمر وسيدنا عبد الرحمن بن عوف رأيا جماعة من التجار عابري السبيل يلجئون إلى المسجد للمبيت فيه، منهم مَنْ يحمل بضاعته، ومنهم مَنْ يحمل ثمن بضاعة باعها، فخافا أن يجترىء عليهم أحد فيسرقهم، فبات عمر وعبد الرحمن يتسامران حتى الفجر لحراسة هؤلاء العابرين. وحتى الآن، في الفلاحين يقول الذاهب في الصباح إلى الحقول (نسْرَحْ) وللعودة آخر النهار (نروح)، ثم تُدوول هذا اللفظ فأْطلق على كل خروج إلى شيء، ومن ذلك نقول: اعطني التسريح، فكأني كنت محبوساً فسمح لك بالخروج، ومن ذلك تسريح الزوجة. لكن تسريح الزوجة وصفه الله تعالى بقوله {سَرَاحاً جَمِيلاً} [الأحزاب: 49] وكل شيء وُصِف في القرآن بالجمال له مزية في ذاته، كما في {أية : فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ..} تفسير : [يوسف: 18] وتسريح الزوجة عادة ما يصاحبه غضب وانفعال، فينبغي أنْ يكون التسريح جميلاً لا عنفَ فيه، كأنْ يُطيِّب خارطها بقوله: هذا قدرنا، وأرجو الله أن يُعوِّض عليك بخير مني أو غير ذلك، مما يراه مناسباً لتخفيف الخطْب عليها، ويكفي أن تتحمل هي ألم المفارقة ومصيبة الطلاق. وأيُّ جمال فيمَنْ يفارق زوجته بالسُّباب والشتائم، ويؤذيها بأن يمنعها حقاً من حقوقها. وهذه الآية عالجتْ قضية هامة من قضايا الأسرة؛ لأنها مرادة للحق سبحانه، فالله تعالى خلق الإنسان الخليفة، وهو آدم عليه السلام، وخلق منه الزوجة ليُحقِّق منهما الخلافة في الأرض، لكن لماذا هذه الخلافة؟ قالوا: ليستمتعوا بآثار قدرة ربهم وحكمته في كونه، كما تسعد أنت حين تأتي لأولادك بما لَذَّ وطابَ من الطعام، وتفرح حين تراهم يأكلون ويتمتعون بما جئتَ به، تفرح لأنك عدَّيْتَ أثر قدرتك للغير - ولله تعالى المثل الأعلى -. فما دام الحق سبحانه جعل الخليفة في الأرض ثم حدد مهمته، فقال: {أية : هُوَ أَنشَأَكُمْ مِّنَ ٱلأَرْضِ وَٱسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا ..} تفسير : [هود: 61] إذن: لا بُدَّ أنْ يضمن لهذا الخليفة مُقوِّمات حياته ومُقوِّمات استبقاء هذه الحياة لا تكتمل إلا بمُقوِّمات بقاء النوع، فإنه لن يعيش في الدنيا وحيداً لآخر الزمان. واستبقاء الحياة يكون بالقوت؛ لذلك فإن ربك عز وجل قبل أنْ يستدعيك إلى الوجود، وقبل أنْ يخلقك خلق لك، خلق لك الشمس والقمر والنجوم والكواكب والأرض والهواء والماء، فأعدَّ للخليفة كل مُقوِّمات حياته. واقرأ قول الله تعالى: {أية : قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِٱلَّذِي خَلَقَ ٱلأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَاداً ذَلِكَ رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ * وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَآ أَقْوَاتَهَا فِيۤ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَآءً لِّلسَّآئِلِينَ} تفسير : [فصلت: 10]. إذن: فمخازن القوت مملؤة {أية : وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ} تفسير : [الحجر: 21] وما دام خالق البشر قدَّر لهم الأقوات مُقدَّماً، فليست لك أن تقول "انفجار سكاني" قُلْ: إنك قصرْتَ في استنباط هذا القوت بما أصابك من كسل أو سوء تخطيط. ونلحظ هذا المعنى في قوله تعالى: {أية : وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ ٱللَّهِ فَأَذَاقَهَا ٱللَّهُ لِبَاسَ ٱلْجُوعِ وَٱلْخَوْفِ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ} تفسير : [النحل: 112]. ومن الكفر بنعمة الله سَتْرها بالكسل والقعود عن استنباطها، وقد يَشْقى جيل بكسل جيل قبله، لذلك لما تنبَّهنا إلى هذه المسألة، وبدأنا نزرع الصحراء ونُعمِّرها انفرجتْ أزمتنا إلى حَدٍّ ما، ولو بكَّرْنا بزراعة الصحراء ما اشتكينا أزمة، ولا ضاقَ بنا المكان. والحق سبحانه يُعلِّمنا أنه إذا ضاق بنا المكان ألاَّ نتشبثَ به، ففي غيره سعة، واقرأ: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ ٱلْمَلاۤئِكَةُ ظَالِمِيۤ أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي ٱلأَرْضِ قَالْوۤاْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ ٱللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا ..} تفسير : [النساء: 97]. لذلك يخاطب الحق سبحانه نبيه صلى الله عليه وسلم، حتى في الخلوة الليلية معه: {أية : إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَىٰ مِن ثُلُثَيِ ٱلْلَّيْلِ ..} تفسير : [المزمل: 20] إلى أن يقول: {أية : عَلِمَ أَن سَيَكُونُ مِنكُمْ مَّرْضَىٰ ..} تفسير : [المزمل: 20] والمرضى غير قادرين على العمل، فعلى القادر إذن أنْ يعمل ليِسُدَّ حاجته وحاجة غير القادر {أية : وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي ٱلأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ..} تفسير : [المزمل: 20]. إذن: قانون الإصلاح الذي جعله الله لحياة البشر يقوم على دعامتين: الضرب في الأرض والسَّعْي في مناكبها، وفيه مُقوِّمات الحياة، ثم نقاتل في سبيل الله لبقاء الدعوة والمنهج، فالأولى للقالب، وبها نأكل ونشرب ونعيش، والأخرى للقيم. فإنْ قعدتْ الأمة أو تكاسلتْ عن أيٍّ من هاتين الدعامتين ضاعتْ وهلكتْ وصارتْ مطمعاً لأعدائها؛ لذلك تجد الآن الأمم المتخلفة فقيرة، تعيش على صدقات الأمم الغنية؛ لأنها كفرتْ بأنعم الله وسترتها، ولم تعمل على استنباطها، قعدتْ عن الاستعمار والاستصلاح. أما الأغنياء فعندهم فائض لا يُعْطى للفقراء، إنما يُرْمى في البحر ويُعدَم، لتظل لهم السيادة الاقتصادية، لذلك نستطيع أنْ نقول بأن شر العالم كله والفساد إنما يأتي بكفر نعم الله، إما بسترها وعدم استنباطها، أو بالبخل بها على غير الواجد. ولأهمية القوت يأتي في مقدمة ما يمتنُّ الله به على عباده في قوله: {أية : فَلْيَعْبُدُواْ رَبَّ هَـٰذَا ٱلْبَيْتِ * ٱلَّذِيۤ أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ} تفسير : [قريش: 4]. وكما ضَمِن الحق سبحانه للخليفة في الأرض مُقوّمات حياته ضَمِن له أيضاً بقاء نوعه ونَسْله، وجعل ذلك بالزواج الذي شرَّعه الله؛ ليأتي النسل بطريقة طاهرة شريفة، لا بطريقة خسيسة دَنِسة، وفَرْق بين هذا وذاك، فالولد الشرعي تتلقفه أيدي الوالدين وتتباهَى به، أما الآخر فإذا لم تتخلَّص منه أمه وهو جنين تخلصت منه بعد ولادته، لأنه عار عليها. فالحق سبحانه شرع الزواج لطهارة المجتمع المسلم ونظافته وسلامته، مجتمع يكون جديراً بأن يتباهى به سيدنا رسول الله يوم القيامة، فقد ورد في الحديث الشريف: "حديث : تناكحوا تناسلوا، فإنِّي مُبَاهٍ بكم الأمم يوم القيامة ". تفسير : ثم يقول الحق سبحانه: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ إِنَّآ أَحْلَلْنَا ...}.
الصابوني
تفسير : [3] الطلاق قبل المساس التحليل اللفظي {نَكَحْتُمُ}: يطلق النكاح تارة ويراد به العقد، ويطلق تارةً ويراد به الوطء. والمراد به هنا العقد باتفاق العلماء بدليل قوله تعالى: {مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ} وأصل النكاح في اللغة: الضمّ والجمع قال الشاعر: شعر : ضممتُ إلى صدري معطّرَ صَدْرها كما نَكَحَتْ أُم الغلام صَبَّيها تفسير : قال القرطبي: النكاح حقيقة في الوطء. وتسمية العقد نكاحاً لملابسته له من حيث أنه طريق إليه. ونظيره تسميتهم الخمر إثماً لأنها سبب في اقتراف الإثم، ولم يرد لفظ النكاح في القرآن إلا في معنى العقد لأنه في معنى الوطء، وهو من آداب القرآن الكناية عنه بلفظ (الملامسة، والمماسّة، والقربان، والتغشي، والإتيان). {ٱلْمُؤْمِنَٰتِ}: فيه إشارة إلى أنه ينبغي أن يقع اختيار الأزواج على المؤمنات. وليس لفظ الإيمان في قوله: (المؤمنات) للقيد أو الشرط بل هو لمراعاة الغالب من حال المؤمنين أنهم لا يتزوجون إلا بمؤمنات، وهذا مما اتفق عليه الفقهاء ولو كان للقيد أو الشرط لكان حكم (الكتابيات) مختلفاً عن حكم المؤمنات مع أن الحكم واحد. قال الألوسي: (وتخصيص المؤمنات مع عموم الحكم للكتابيات للتنبيه على أن المؤمن من شأنه أن يتخيّر لنطفته ولا ينكح إلا مؤمنة، وحاصله أنه لبيان الأحرى والأليق). {تَمَسُّوهُنَّ}: المراد بالمسّ هنا (الجماع) بإجماع الفقهاء. وقد اشتهرت الكناية به وبلفظ الملامسة والمماسّة ونحوها في لسان الشرع عن الجماع، وهو كما أسلفنا من آداب القرآن لأن القرآن العظيم يتحاشى ذكر الألفاظ الفاحشة فيكني عنها مثل قوله تعالى: {أية : أَوْ لَٰمَسْتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءً} تفسير : [النساء: 43] وقوله تعالى: {أية : فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَآسَّا} تفسير : [المجادلة: 3] وهكذا كنّى عن الجماع باللمس أو المماسّة، ولو كان المراد في الآية حقيقة المسّ باليد وهي إلصاق اليد بالجسم للزمت العدّة فيما لو طلّقها بعد أمسّها بيده من غير جماع ولا خلوة، ولم يقل بذلك أحد من الفقهاء. {عِدَّةٍ}: العدّة في اللغة مأخوذة من العَدّ لأن المرأة تعدّ الأيام التي تجلسها بعد طلاق زوجها لها أو وفاته، وهي شرعاً: المدة التي تتربص فيها المرأة لمعرفة براءة رحمها، أو للتعبد، أو للتفجع على زوج مات. {تَعْتَدُّونَهَا}: أي تعدّونها عليهن، أو تستوفون عددها عليهن، يقال: عدّ الدراهم فاعتدّها أي استوفى عددها ومثله قولك: كلته فاكنلته، ووزنته فاتّزنته. {فَمَتِّعُوهُنَّ}: أي اعطوهن المُتْعة، والمُتْعةُ في الأصل ما يَمتّع به من مالٍ أو ثياب، وقد حدّدها بعض الفقهاء بأنها (قميص وخمار ومِلْحَفةً) والصحيح أن المتعة لا تختص بالكسوة بل هي في لسان الشرع: كل ما يعطيه الزوج لمطلقته ارضاءً لها وتخفيفاً من شدة وقع الطلاق عليها. {وَسَرِّحُوهُنَّ}: أي طلقوهن، قال القرطبي: التسريح إرسال الشيء ومنه تسريح الشعر ليخلص البعض من البعض، وسرّح الماشية: أرسلها. وقال الألوسي: أصل التسريح أن ترعى الإبل السَرْح وهو شجر له ثمرة ثمّ جعل لكل إرسال في الرعي ثم لكل إرسال وإخراج. والمراد هنا تركهن وعدم حبسهن في منزل الزوجية. {سَرَاحاً جَمِيلاً}: أي طلاقاً بالمعروف فهو مثل قوله تعالى: {أية : فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ}تفسير : [الطلاق: 2] وقوله كذلك {أية : فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَٰنٍ} تفسير : [البقرة: 229] والسراح الجميل يكون بالتلطف مع المطلقة بالقول، وترك أذاها، وعدم حرمانها مما وجب لها من حقوق، والإحسان إليها. المعنى الإجمالي يخاطب الله تبارك وتعالى عباده المؤمنين فيقول: يا أيها الذين آمنوا إذا عقدتم عقد الزواج على المؤمنات وتزوجتموهن، ثم طلقتموهن من قبل أن تقربوهنّ فليس لكم عليهن حق في العدّة تستوفون عددها عليهنّ لأنكم طلقتموهن قبل المِساس وهذا لا يستلزم احتباس المرأة في البيت وجلوسها في العدّة من أجل صيانة نسبكم لأنكم لم تعاشروهن فليس هناك احتمال للحمل، فالواجب عليكم أن تمتعوهن بدفع ما تطيب نفوسكم لهن. وتكرموهنّ بشيءٍ من المال أو الكسوة تطييباً لخاطرهن وتخفيفاً لشدة وقع الطلاق عليهن وأن تفارقوهنّ بالمعروف فلا تؤذوهن بقول أو عمل، ولا تحرموهن مما وجب لهن عليكم من حقوق. فإنّ ذلك من مقتضى إيمانكم وطاعتكم لله عز وجلّ والله تعالى أعلم. وجه الارتباط بالآيات السابقة كان الحديث في الآيات السابقة عن نساء النبي صلى الله عليه وسلم وما ينبغي أن يكنّ عليه من طاعة لله ورسوله، وزهدٍ في الدنيا، وطهارة وكمال، لأنهن لسن كبقية النساء، والله تبارك وتعالى يريد لهنّ أن يحافظن على ذلك الشرف الرفيع وهو انتسابهن إلى رسول الله حيث أصبحن أمهاتٍ للمؤمنين وزوجات الرسول الطاهرات، وقد أعقب ذلك بذكر قصة (زيد بن حارثة) وتطليقه (زينب) رضي الله عنها التي تزوجها الرسول بعد ذلك بأمرٍ من الله سبحانه وتعالى وذلك لحكمة جليلة وهي إبطال (بدعة التبني) ثم جاء الخطاب هنا للمؤمنين بحكم الزوجة تطلّق قبل المساس وكيف يجب على المؤمنين أن يفعلوا فيما إذا وقع منهم الطلاق قبل المعاشرة، وما هي الأحكام الشرعية التي ينبغي عليهم أن يتمسكوا بها في مثل هذه الأحوال، فهذا هو وجه الارتباط والله أعلم. لطائف التفسير اللطيفة الأولى: قوله تعالى: {نَكَحْتُمُ ٱلْمُؤْمِنَٰتِ} فيه إشارة إلى أن المؤمن ينبغي أن يتخيّر لنطفته وأن ينكح المؤمنة الطاهرة، لأن إيمانها يجعلها تحافظ على عفتها ويحجزها عن الوقوع في الفاحشة والشرّ. فتصون عرض زوجها وتحفظه في حضرته وغيبته وصدق الله {أية : وَلأَمَةٌ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ} تفسير : [البقرة: 221]. اللطيفة الثانية: قوله تعالى: {ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ} التعبير (بثم) دون الفاء أو الواو، والعطف بها (التراخي) للإشارة إلى أن الطلاق ينبغي أن يكون بعد تريث وتفكير طويل، ولضرورة ملحّة لأن الطلاق من الأمور التي يبغضها الله حيث فيه هدم وتحطيم للحياة الزوجية ولهذا قال بعض الفقهاء: إن الآية ترشد إلى أن الأصل في الطلاق الحظر، وأنه لا يباح إلا إذا فسدت الحياة الزوجية، ولم تفلح وسائل الإصلاح بين الزوجين. والحكم واحد لا يختلف فيمن تزوّج امرأة فطلّقها على الفور، أو طلّقها على التراخي. (انظر روح المعاني). اللطيفة الثالثة: قوله تعالى: {مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ} كنّى بالمسّ عن الجماع وهذا - كما أسلفنا - أدب من آداب القرآن، ينبغي على المسلم أن يتأدب به فيكنى عن كل شيء قبيح أو فاحش. وما أجمل أدب الرسول حين قال للمرأة المطلّقة المبتوتة التي جاءت تستأذنه في العودة إلى زوجها الأول: "حديث : أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟ لا، حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك". تفسير : اللطيفة الرابعة: قوله تعالى: {فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ} في إسناد العدّة إلى الرجال إشارة إلى أنها حقّ للمطلّق، فوجوب العدّة على المرأة من أجل الحفاظ على نسب الإنسان فإنّ الرجل يغار على ولده، ويهمه ألا يُسْقَى زرعُه بماء غيره، ولكنّها على المشهور ليست حقاً خالصاً للعبد، بل تعلّق بها حقّ الشارع أيضاً، فإنّ منع الفساد باختلاط الانساب من حق الشارع. والصحيح أنّ وجوب العدة فيها (حق الله، وحق العبد)؛ ولهذا قال الفقهاء العدّةُ تجب لحكم عديدة: لمعرفة (براءة الرحم، وللتعبد، أو التفجع) فتدبره. وجوه القراءات 1- قرأ الجمهور {مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ} أي تقربوهن. وقرأ حمزة والكسائي {من قبل أن تُمَاسّوهنّ} بزيادة ألف، والمعنى واحد. 2- قرأ الجمهور {من عدّة تَعْتَدّونها} بتشديد الدال من العدّ أي تستوفون عددها، من قولك: عدّ الدراهم فاعتدّها أي استوفى عددها، وقرأ ابن كثير وغيره بتخفيف الدال (تَعْتَدُونها) قال الزمخشري: أي تعتدون فيها كقوله: ويوماً شهدناه. والمراد بالاعتداء ما في قوله تعالى: {أية : وَلاَ تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَاراً لِّتَعْتَدُواْ} تفسير : [البقرة: 231]. قال أبو حيان: المعنى تعتدون عليهن فيها، فلما حذف حرف الجر وصل الفعل إلى ضمير العدّة كقوله: ويوماً شهدناه سليماً وعامراً، أي شهدنا فيه. وجوه الإعراب أولاً: قوله تعالى: {فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا} الآية. (ما) نافية حجازية تعمل عمل ليس، و(لكم) جار ومجرور خبرها مقدم. و(من) صلة تأدباً. و(عدة) اسم ليس مؤخر مجرور لفظاً مرفوع محلاً. قال ابن مالك: شعر : وزيد في نفيٍ وشبهه فجّر نكرة كما لباغٍ من مفر تفسير : والمعنى: ليس لكم عليهن عدّة توجبونها عليهن. ثانياً: قوله تعالى: {وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً}. (سراحاً) مفعول مطلق و(جميلاً) صفة له منصوب. الأحكام الشرعية الحكم الأول: هل يقع الطلاق قبل النكاح؟ أجمع الفقهاء على أن الطلاق لا يقع قبل النكاح استدلالاً بقوله تعالى: {إِذَا نَكَحْتُمُ ٱلْمُؤْمِنَٰتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ} فقد رتّب الطلاق على النكاح وعطفه (بثمّ) التي تفيد الترتيب مع التراخي، واستدلالاً بقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا طلاق قبل النكاح"تفسير : واختلفوا فيمن علّق الطلاق مثل قوله: (إن تزوجت فلانة فهي طالق)، أو قوله: (كل امرأة أتزوجها فهي طالق) على مذهبين: أ- مذهب الشافعي وأحمد: أنه لا يقع الطلاق وهو مروي عن (ابن عباس) رضي الله عنهما. ب- مذهب أبي حنيفة ومالك: أنه يقع الطلاق بعد عقد الزواج وهو مروي عن (ابن مسعود) رضي الله عنه. أدلة الشافعية والحنابلة: أ- استدل الإمامان الشافعي وأحمد رحمهما الله على أن التعليق مثل التنجيز، طلاقٌ قبل النكاح، وإذا طلّق الإنسان امرأة، لا يملكها لا يقع الطلاق، لأنّ الطلاق لا بدّ أن يعتمد على الملك، وهو يشبه ما لو قال لأجنبية لا يملكها (أنت طالق) فإنه لا يقع باتفاق فكذا المعلّق من الطلاق لا يقع به طلاق. ب- واستدلوا بحديث "حديث : لا نذر لابن آدم فيما لا يملك، ولا عتق له فيما لا يملك، ولا طلاق له فيما لا يملك ". تفسير : وهذا الرأي ذهب إليه الجمهور من الصحابة والتابعين وقد عدّ البخاري منهم أربعة وعشرين في باب (لا طلاق قبل النكاح) وهو منقول عن (ابن عباس) رحمه الله، فقد روي أنه سئل عن ذلك أي (عن الطلاق المعلَّق) فقال: هو ليس بشيء. فقيل له إن (ابن مسعود) يخالفك يقول: إذا طلّق ما لم ينكح فهو جائز. فقال: رحم الله أبا عبد الرحمٰن، لو كان كما قال لقال الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إذا طلقتم المؤمنات ثم نكحتموهن) ولكن إنما قال {إِذَا نَكَحْتُمُ ٱلْمُؤْمِنَٰتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ}. أدلة المالكية والحنفية: واستدل الحنفية والمالكية بأنّ الطلاق يعتمد الملك، أو الإضافة إلى الملك، لكنه في حالة الإضافة إلى الملك يبقى معلّقاً حتى يحصل شرطه، فإذا قال للأجنبية (إن تزوجتك فأنت طالق) كان هذا تعليقاً صحيحاً، ولا يقع الطلاق به الآن إنما يقع بعد أن يتزوجها، فهو مثل قوله: (إن دخلتِ الدار فأنت طالق) لا يقع الطلاق إلا بعد الدخول، فكذا هنا لا يقع الطلاق إلاّ بعد أن يعقد عقد الزواج عليها، فيكون الطلاق واقعاً في الملك بالضرورة فكأنه أوقعه عليها حينذاك، وقالوا: الفرق واضح بين تنجيز الطلاق على الأجنبية وبين تعليق طلاقها على النكاح فإن قول الرجل لامرأةٍ أجنبية (هي طالق) كلام لغو، لأنها ليست زوجته وقد طلّق ما لم يملك فهو طلاق قبل النكاح لا يقع أصلاً. أما قوله: (إن تزوجت فلانة فهي طالق) فهو معلّق على الملك والفرق واضح بينهما. وهذا القول قال به جمع غفير من العلماء منهم (ابن مسعود) رضي الله عنه ودليله قوي وهو الأحوط كما نبّه عليه (ابن العربي) والجصاص. والخلاصة فإنَّ الطلاق بعد النكاح يقع باتفاق الفقهاء، والطلاق المنجّز قبل النكاح لا يقع باتفاق، والطلاق المعلّق على النكاح يقع عند الحنفية والمالكية ولا يقع عند الشافعية والحنابلة، ولكل وجهة هو موليها والله تعالى أعلم. الحكم الثاني: هل الخلوة الصحيحة توجب العدّة والمهر؟ ظاهر الآية الكريمة، وهي قوله تعالى: {مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ} الذي هو كناية عن الجماع أنَّ الخلوة ولو كانت صحيحة لا توجب ما يوجبه الجماع من العدّة والمهر، وهذا مذهب الإمام الشافعي رحمه الله تعالى، ودليله: أن الله سبحانه وتعالى نفى وجوب العدّة إذا طلّقت قبل الجماع، والخلوةُ ليست جماعاً فلا يجب بها العدّة ولا المهر. وذهب الجمهور (المالكية والحنفية والحنابلة) إلى أن الخلوة كالجماع توجب المهر كاملاً، وتوجب العدّة. أ - واستدلوا بما رواه الدارقطني عن ثوبان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : من كشف خمار امرأةٍ ونظر إليها وجب الصَدَاق دخل بها أو لم يدخل . تفسير : ب - وروي عن عمر أنه قال: (إذا أغلق باباً وأرخى ستراً ورأى عورة فقد وجب الصَدَاق وعليها العدة ولها الميراث). ج - وروي عن زُرَارة بن أبي أوفى أنه قال: (قضى الخلفاء الراشدون المهديُّون أنه إذا أرخى الستور، وأغلق الباب، فلها الصداق كاملاً وعليها العدّة دخل بها أو لم يدخل). الترجيح: وأنت ترى أن أدلة الجمهور أقوى، وحجتهم أظهر، إذ يحتمل أن يبقى الرجل مع زوجته عاماً كاملاً، يبيت معها في فراش واحد، ولكنَّه لم يجامعها طيلة هذه المدة فلا بدَّ أن نوجب عليه دفع المهر كاملاً، ونلزمها بالعدّة وذلك اعتباراً بالخلوة الصحيحة ودفعاً للنزاع والخلاف. وقد اختلف القائلون بوجوب العدّة بالخلوة الصحيحة فمنهم من يقول: إنها واجبة (ديانةً، وقضاءً) ومنهم من يقول بوجوبها قضاءً لا ديانةً لأن القاضي إنما يحكم بالظاهر والرأي الأول أصحّ. الحكم الثالث: ما هو حكم المطلّقة رجعياً هل تستأنف العدّة إذا راجعها زوجها ثم طلقها قبل المساس؟ اختلف الفقهاء في المرأة المطلّقة رجعياً فيما إذا طلقها زوجها بعد المراجعة قبل أن يمسّها على أقوال: أ - مذهب الظاهرية: أنه لا عدة عليها جديدة والعدة الأولى قد بطلت بالطلاق الثاني، فلا يجب عليها أن تكمّل العدة الأولى. (وهذا رأي ضعيف). ب - مذهب الشافعي: تبني على عدة الطلاق الأول وليس عليها أن تستأنف عدة جديدة. جـ - مذهب مالك وأبي حنيفة: عليها أن تستأنف عدة جديدة، قال القرطبي: وعلى هذا أكثر أهل العلم. دليل الظاهرية: استدل داود الظاهري ومن قال بقوله أنّ المطلّقة الرجعية إذا راجعها زوجها قبل أن تنقضي عدتها ثم فارقها قبل أن يمسّها، أنه ليس عليها أن تتم عدتها ولا عدة مستقبلة، لأنها مطلّقة قبل الدخول بها أخذاً بظاهر الآية. دليل الشافعي: استدل الشافعي رحمه الله بأن المطلّقة تبني على عدتها الأولى وليس عليها أن تستأنف عدة جديدة، بأنّ الطلاق الثاني لا عدة له لأنه طلاق قبل المساس، ولكن لا ينبغي أن يبطل ما وجب بالطلاق الأول فإنه طلاق بعد دخول يجب أن تراعى فيه حكمة الشارع في إيجاب العدة. فطلاقه لها قبل أن يمسّها في حكم من طلّقها في عدتها قبل أن يراجعها، ومن طلّق امرأته في كل طهر مرةً بنَتْ ولم تستأنف. دليل المالكية والحنفية: قالوا إن عليها أن تستأنف عدةً جديدة لأن الطلاق الثاني وإن كان لم يفصل بينه وبين الرجعة مسّ ولا خلوة، لكنه لا يصدق عليه أنه قد حصل قبل الدخول على الإطلاق، إذ المفروض أن المرأة كان مدخولاً بها من قبل، فيجب عليها أن تستأنف عدةً كاملة لأنها في حكم الموطوءة. قال القرطبي: نقلاً عن الإمام مالك: إنها تنشئ عدةً مستقبلة، وقد ظلم زوجُها نفسَه وأخطأ إن كان ارتجعها ولا حاجة له بها، وعلى هذا أكثر أهل العلم لأنها في حكم الزوجات المدخول بهنّ في النفقة والسكنى وغير ذلك، وهو قول جمهور فقهاء البصرة والكوفة ومكة والمدينة والشام. الحكم الرابع: هل تجب المتعة لكل مطلّقة؟ ظاهر قوله تعالى: {فَمَتِّعُوهُنَّ} إيجاب المتعة للمطلقة قبل الدخول سواءً فرض لها مهر أو لم يفرض لها مهر، ويقوّي هذا الظاهر قوله تعالى: {أية : وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِٱلْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى ٱلْمُتَّقِينَ} تفسير : [البقرة: 241] فقد أوجبت لكل مطلقة (المتعة) وقد اختلف الفقهاء في وجوب المتعة على أقوال: أ - إنها واجبة لكل مطلّقة فرض لها مهر أم لم يفرض لها مهر عملاً بظاهر الآية وهو مذهب (الحسن البصري). ب - إن المتعة واجبة للمطلّقة قبل الدخول التي لم يفرض لها مهر وهو مذهب (الحنفية والشافعية). وبهذا قال (ابن عباس) رضي الله عنهما. وأما التي فرض لها مهر فتكون المتعة لها مستحبة. جـ - إن المتعة مستحبة للجميع وليست واجبة لأحدٍ من النساء وهو مذهب (المالكية). وسبب الخلاف بين الفقهاء في (وجوب المتعة) أو استحبابها هو أنه قد ورد في القرآن الكريم آيات كريمة ظاهرها التعارض، فمنها ما يوجب المتعة على الإطلاق، ومنها ما يوجب المتعة عند عدم ذكر المهر المفروض لها، ومنها ما لم ينصّ على المتعة أصلاً فلهذا وقع الخلاف بين الفقهاء. أما الآيات الكريمة فهي آية الأحزاب {فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً} وآية البقرة [236] {أية : وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى ٱلْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى ٱلْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعاً بِٱلْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى ٱلْمُحْسِنِينَ}تفسير : ... وآية البقرة [237] كذلك {أية : وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ} تفسير : الآية. فالآية الأولى مطلقة. والثانية مقيّدة بقيدين (عدم المسّ، وعدم الفرض) وأول الآية هو قوله تعالى: {أية : لاَّ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَآءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُواْ لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ} تفسير : [البقرة: 236] الآية. والثالثة أوجبت نصف المهر فقط ولم تذكر المتعة، فمن الفقهاء من جعل آية البقرة مخصّصة لآية الأحزاب ويكون المعنى (فمتعوهن إن لم يكن مفروضاً لهن المهر في النكاح) وبهذا التفسير قال (ابن عباس) ويؤيده أن المتعة إنما وجبت دفعاً لإيحاش الزوج لها بالطلاق، فإذا وجب للمطلّقة قبل الدخول نصف المهر كان ذلك جابراً للوحشة فلا تجبُ لها المتعة. الترجيح: ويظهر من الأدلة أن حجة الفريق الثاني وهم (الحنفية والشافعية) أقوى وأظهر وهو مذهب ابن عباس وفيه جمع بين الأدلة والله أعلم. ما ترشد إليه الآيات الكريمة أولاً - على الإنسان أن يختار في الزواج المرأة المؤمنة الطاهرة. ثانياً - الطلاق هدم للحياة الزوجية فلا يصح أن يقع إلا في الحالات الضرورية. ثالثاً - لا تجب العدة بالإجماع إذا طلقت المرأة قبل الدخول بها. رابعاً: على الزوج أن يجبر خاطر زوجته المطلّقة بالمتعة. خامساً - حرمة إيذاء المطلّقة وتسريحها بالمعروف والإحسان. خاتمة البحث: حكمة التشريع شرع الله تعالى الزواج لبقاء النوع الإنساني، وعزّز من روابطه وأركانه وأحاط الأسرة بسياج مقدس من التكريم والتقدير. وأقام الحياة بين الزوجين على أساس التفاهم والتعاون والمحبّة والمودّة {أية : وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِّتَسْكُنُوۤاْ إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ}تفسير : [الروم: 21]. وقد أباح الإسلام الطلاق في ظروف استثنائية ضرورية، وذلك ليخلّص الإنسان من شقاء محتّم، وينقذه من مشكلةٍ قد تحرمه السعادة، أو تكلفه حياته. والطلاق: في الإسلام أبغض الحلال إلى الله، لأن فيه خراب البيوت، وضياع الأسرة. وتشريد الأولاد. ولكنّه ضرورة لا بدّ منها عند اللزوم، فلا بدّ أن تكون الأسباب فيه جليَّة. والدوافع قاهرة، وألاّ يكون ثمة طريق إلى الخلاص من ذلك الشقاء إلاّ بالطلاق، وقد قيل في الأمثال: "آخرُ الدواء الكيّ". وقد أرشد الإسلام إلى الاستعمال الحكيم لهذا العلاج، بألاّ يقدم عليه الإنسان إلاّ بعد درسٍ وتمحيص. ورويّة وبصيرة. فإنّ الطلاق ما شرع إلاّ ليحقّق الطمأنينة والسعادة للإنسان. ويدفع عنه مرارة العيش، وقساوة الحياة. وإذا لم يستعمله المرء في الطريق المأمون انقلب إلى إعصارٍ مخرّب مدمّر، فحرم الأسرة الأمن والاستقرار. فهو إذاً سلاح ذو حدين: فإما أن يستعمله الإنسان فيما يجلب إليه الشقاء. أو يستعمله فيما يخلّصه من الشقاء. وقد حكم الباري جلّ وعلا بأنّ من طلّق زوجه قبل المسيس. فليس له عليها حق أن يمنعها من الزواج. لأنها لا عدّة عليها. والعدّة إنما تجب لمعرفة براءة الرحم. صيانةً لحق الزوج. لئلا يختلط نسبه بنسب غيره، أو يُسقى زرعه بماء غيره... ولمّا كان هذا الطلاق قبل المعاشرة والاتصال الزوجي، إذاً فلا عدة ولا سبيل له عليها. فيجب أن يحسن معاملتها. ويخلّي سبيلها، ولا يجمع لها بين الإساءتين: إساءة العشرة بسبب الفراق. وإساءة المعاملة بمنعها من الزوج {فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً}. وبذلك صان المولى جلّ وعلا كرامة المرأة، ودفع عنها عدوان الزوج وطغيانه، وحفظ لكلٍ حقّه، فلم يظلم المرأة، ولم يفرّط في حقّ الرجل، وفسح المجال لكل من الزوجين في الحياة السعيدة الكريمة. فما أسمى تعاليم الإسلام؟ وما أعدل نظمه وأحكامه!!
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يخبر تعالى المؤمنين، أنهم إذا نكحوا المؤمنات، ثم طلقوهن من قبل أن يمسوهن، فليس عليهن في ذلك، عدة يعتدها أزواجهن عليهن، وأمرهم بتمتيعهن بهذه الحالة، بشيء من متاع الدنيا، الذي يكون فيه جبر لخواطرهن، لأجل فراقهن، وأن يفارقوهن فراقًا جميلا من غير مخاصمة، ولا مشاتمة، ولا مطالبة، ولا غير ذلك. ويستدل بهذه الآية، على أن الطلاق، لا يكون إلا بعد النكاح. فلو طلقها قبل أن ينكحها، أو علق طلاقها على نكاحها، لم يقع، لقوله: { إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ } فجعل الطلاق بعد النكاح، فدل على أنه قبل ذلك، لا محل له. وإذا كان الطلاق الذي هو فرقة تامة، وتحريم تام، لا يقع قبل النكاح، فالتحريم الناقص، لظهار، أو إيلاء ونحوه، من باب أولى وأحرى، أن لا يقع قبل النكاح، كما هو أصح قَوْلي العلماء. ويدل على جواز الطلاق، لأن اللّه أخبر به عن المؤمنين، على وجه لم يلمهم عليه، ولم يؤنبهم، مع تصدير الآية بخطاب المؤمنين. وعلى جوازه قبل المسيس، كما قال في الآية الأخرى {أية : لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ } تفسير : وعلى أن المطلقة قبل الدخول، لا عدة عليها، بل بمجرد طلاقها، يجوز لها التزوج، حيث لا مانع، وعلى أن عليها العدة، بعد الدخول. وهل المراد بالدخول والمسيس، الوطء كما هو مجمع عليه؟ أو وكذلك الخلوة، ولو لم يحصل معها وطء، كما أفتى بذلك الخلفاء الراشدون، وهو الصحيح. فمن دخل عليها، وطئها، أم لا إذا خلا بها، وجب عليها العدة. وعلى أن المطلقة قبل المسيس، تمتع على الموسع قدره، وعلى المقتر قدره، ولكن هذا، إذا لم يفرض لها مهر، فإن كان لها مهر مفروض، فإنه إذا طلق قبل الدخول، تَنَصَّف المهر، وكفى عن المتعة، وعلى أنه ينبغي لمن فارق زوجته قبل الدخول أو بعده، أن يكون الفراق جميلا يحمد فيه كل منهما الآخر. ولا يكون غير جميل، فإن في ذلك، من الشر المرتب عليه، من قدح كل منهما بالآخر، شيء كثير. وعلى أن العدة حق للزوج، لقوله: { فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ } دل مفهومه، أنه لو طلقها بعد المسيس، كان له عليها عدة [وعلى أن المفارقة بالوفاة، تعتد مطلقًا، لقوله: { ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ } الآية]. وعلى أن من عدا غير المدخول بها، من المفارقات من الزوجات، بموت أو حياة، عليهن العدة.
همام الصنعاني
تفسير : 2358- حدّثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله: {فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً}: [الآية: 49]، قال: التي نُكِحَت ولم يبن بها ولم يُفْرض لها، فليْس لها صَدَاقٌ، وليسَ عَلَيْهَا عِدَّةٌ.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):