٣٣ - ٱلْأَحْزَاب
33 - Al-Ahzab (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
55
Tafseer
الرازي
تفسير : ثم إن الله تعالى لما أنزل الحجاب استثنى المحارم بقوله: {لاَّ جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِى ءابَائِهِنَّ وَلاَ أَبْنَائِهِنَّ وَلاَ إِخْوٰنِهِنَّ وَلاَ أَبْنَاء إِخْوٰنِهِنَّ وَلاَ أَبْنَاء أَخَوٰتِهِنَّ وَلاَ نِسَائِهِنَّ وَلاَ مَا ملكت أيمانهن} وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: في الحجاب أوجب السؤال من وراء الحجاب على الرجال، فلم لم يستثن الرجال عن الجناح، ولم يقل لا جناح على آبائهن؟ فنقول قوله تعالى: { أية : فاسألوهن من وراء حجاب } تفسير : [الأحزاب: 53] أمر بسدل الستر عليهن وذلك لا يكون إلا بكونهن مستورات محجوبات وكان الحجاب وجب عليهن، ثم أمر الرجال بتركهن كذلك، ونهوا عن هتك أستارهن فاستثنين عند الآباء والأبناء وفيه لطيفة: وهي أن عند الحجاب أمر الله الرجل بالسؤال من وراء حجاب، ويفهم منه كون المرأة محجوبة عن الرجل بالطريق الأولى، وعند الاستثناء قال تعالى: {لاَّ جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ } عند رفع الحجاب عنهن، فالرجال أولى بذلك. المسألة الثانية: قدم الآباء لأن اطلاعهم على بناتهن أكثر، وكيف وهم قد رأوا جميع بدن البنات في حال صغرهن، ثم الأبناء ثم الإخوة وذلك ظاهر. إنما الكلام في بني الإخوة حيث قدمهم الله تعالى على بني الأخوات، لأن بني الأخوات آباؤهم ليسوا بمحارم إنما هم أزواج خالات أبنائهم، وبني الأخوة آباؤهم محارم أيضاً، ففي بني الأخوات مفسدة ما وهي أن الابن ربما يحكي خالته عند أبيه وهو ليس بمحرم ولا كذلك بنو الإخوة. المسألة الثالثة: لم يذكر الله من المحارم الأعمام والأخوال، فلم يقل ولا أعمامهن ولا أخوالهن لوجهين أحدهما: أن ذلك علم من بني الإخوة وبني الأخوات، لأن من علم أن بني الأخ للعمات محارم علم أن بنات الأخ للأعمام محارم، وكذلك الحال في أمر الخال ثانيهما: أن الأعمام ربما يذكرون بنات الأخ عند أبنائهم وهم غير محارم، وكذلك الحال في ابن الخال. المسألة الرابعة: {وَلاَ نِسَائِهِنَّ } مضافة إلى المؤمنات حتى لا يجوز التكشف للكافرات في وجه. المسألة الخامسة: {وَلاَ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ } هذا بعد الكل، فإن المفسدة في التكشف لهم ظاهرة، ومن الأئمة من قال المراد من كان دون البلوغ. ثم قوله تعالى: {وَٱتَّقِينَ ٱللَّهَ } عند المماليك دليل على أن التكشف لهم مشروط بشرط السلامة والعلم بعدم المحذور. وقوله: {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَىٰ كُلّ شَىْء شَهِيداً } في غاية الحسن في هذا الموضع، وذلك لأن ما سبق إشارة إلى جواز الخلوة بهم والتكشف لهم، فقال إن الله شاهد عند اختلاء بعضكم ببعض، فخلوتكم مثل ملئكم بشهادة الله تعالى فاتقوا.
القرطبي
تفسير : فيه ثلاث مسائل: الأولى: لما نزلت آية الحجاب قال الآباء والأبناء والأقارب لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ونحن أيضاً نكلمهن من وراء حجاب؟ فنزلت هذه الآية. الثانية: ذكر الله تعالى في هذه الآية من يحلّ للمرأة البروزُ له، ولم يذكر العمّ والخال لأنهما يجريان مجرى الوالدين. وقد يسمى العم أباً، قال الله تعالى: {أية : نَعْبُدُ إِلَـٰهَكَ وَإِلَـٰهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ}تفسير : [البقرة: 133] وإسماعيل كان العمّ. قال الزجاج؛ العمّ والخال ربما يصفان المرأة لولديهما، فإن المرأة تحلّ لابن العمّ وابن الخال فكره لهما الرؤية. وقد كره الشعبي وعكرمة أن تضع المرأة خمارها عند عمها أو خالها. وقد ذكر في هذه الآية بعض المحارم وذكر الجميع في سورة «النور»، فهذه الآية بعض تلك، وقد مضى الكلام هناك مستوفى، والحمد لله. الثالثة: قوله تعالى: {وَٱتَّقِينَ ٱللَّهَ} لما ذكر الله تعالى الرخصة في هذه الأصناف وانجزمت الإباحة، عطف بأمرهن بالتقوى عطف جملة. وهذا في غاية البلاغة والإيجاز، كأنه قال؛ اقتصرن على هذا واتقين الله فيه أن تتعدَّينه إلى غيره. وخص النساء بالذكر وعيَّنهن في هذا الأمر، لقلة تحفظهن وكثرة استرسالهن. والله أعلم. ثم توعّد تعالى بقوله: {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيداً}.
البيضاوي
تفسير : {لاَّ جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِى ءَابَائِهِنَّ وَلاَ أَبْنَائِهِنَّ وَلاَ إِخْوٰنِهِنَّ وَلاَ أَبْنَاءِ إِخْوٰنِهِنَّ وَلاَ أَبْنَاءِ أَخَوٰتِهِنَّ} استثناء لمن لا يجب الاحتجاب عنهم. روي: أنه لما نزلت آية الحجاب قال الآباء والأبناء والأقارب: يا رسول الله أو نكلمهن أيضاً من وراء حجاب فنزلت. وإنما لم يذكر العم والخال لأنهما بمنزلة الوالدين ولذلك سمى العم أبا في قوله {أية : وَإِلَـٰهَ آبَائِكَ إِبْرٰهِيمَ وَإِسْمَـٰعِيلَ وَإِسْحَـٰقَ } تفسير : [البقرة: 133] أو لأنه كره ترك الاحتجاب عنهما مخافة أن يصفا لأبنائهما. {وَلاَ نِسَائِهِنَّ} يعني نساء المؤمنات. {وَلاَ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ} من العبيد والإماء، وقيل من الإِماء خاصة وقد مر في سورة «النور». {وَٱتَّقِينَ ٱللَّهَ} فيما أمرتن به. {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ شَهِيداً} لا يخَفى عليه خافية. {إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَـٰئِكَـتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِىّ} يعتنون بإظهار شرفه وتعظيم شأنه. {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ} اعتنوا أنتم أيضاً فإنكم أولى بذلك وقولوا اللهم صلِّ على محمد. {وَسَلّمُواْ تَسْلِيماً} وقولوا السلام عليك أيها النبي وقيل وانقادوا لأوامره، والآية تدل على وجوب الصلاة والسلام عليه في الجملة، وقيل تجب الصلاة كلما جرى ذكره لقوله عليه الصلاة والسلام «حديث : رغم أنف رجل ذكرت عنده فلم يصل علي»تفسير : وقوله«حديث : من ذكرت عنده فلم يصل علي فدخل النار فأبعده الله»تفسير : وتجوز الصلاة على غيره تبعاً. وتكره استقلالاً لأنه في العرف صار شعاراً لذكر الرسول صلى الله عليه وسلم ولذلك كره أن يقال محمد عز وجل وإن كان عزيزاً وجليلاً. {إِنَّ ٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ } يرتكبون ما يكرهانه من الكفر والمعاصي، أو يؤذون رسول الله بكسر رباعيته وقولهم شاعر مجنون ونحو ذلك وذكر الله للتعظيم له. ومن جوز إطلاق اللفظ على معنيين فسره بالمعنيين باعتبار المعمولين. {لَّعَنَهُمُ ٱللَّهُ} أبعدهم من رحمته. {فِى ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً مُّهِيناً} يهينهم مع الإِيلام. {وَٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَـٰتِ بِغَيْرِ مَا ٱكْتَسَبُواْ} بغير جناية استحقوا بها الإِيذاء. {فَقَدِ ٱحْتَمَلُواْ بُهْتَـٰناً وَإِثْماً مُّبِيناً } ظاهراً. قيل إنها نزلت في منافقين كانوا يؤذون علياً رضي الله عنه، وقيل في أهل الإِفك، وقيل في زناة كانوا يتبعون النساء وهن كارهات. {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ قُل لأَزْوٰجِكَ وَبَنَـٰتِكَ وَنِسَاءِ ٱلْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَـٰبِيبِهِنَّ} يغطين وجوههن وأبدانهن بملاحفهن إذا برزن لحاجة، و {مِنْ} للتبعيض فإن المرأة ترخي بعض جلبابها وتتلفع ببعض و {ذٰلِكَ أَدْنَىٰ أَن يُعْرَفْنَ } يميزن من الإِماء والقينات. {فَلاَ يُؤْذَيْنَ } فلا يؤذيهن أهل الريبة بالتعرض لهن. {وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً } لما سلف. {رَّحِيماً } بعباده حيث يراعي مصالحهم حتى الجزئياب منها. {لَّئِن لَّمْ يَنتَهِ ٱلْمُنَـٰفِقُونَ } عن نفاقهم. {وَٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ} ضعف إيمان وقلة ثبات عليه، أو فجور عن تزلزلهم في الدين أو فجورهم. {وَٱلْمُرْجِفُونَ فِى ٱلْمَدِينَةِ} يرجفون أخبار السوء عن سرايا المسلمين ونحوها من إرجافهم، وأصله التحريك من الرجفة وهي الزلزلة سمي به الإِخبار الكاذب لكونه متزلزلاً غير ثابت. {لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ } لنأمرنك بقتالهم وإجلائهم، أو ما يضطرهم إلى طلب الجلاء. {ثُمَّ لاَ يُجَاوِرُونَكَ } عطف على {لَنُغْرِيَنَّكَ}، و {ثُمَّ } للدلالة على أن الجلاء ومفارقة جوار الرسول أعظم ما يصيبهم. {فِيهَا } في المدينة. {إِلاَّ قَلِيلاً } زماناً أو جواراً قليلاً. {مَّلْعُونِينَ} نصب على الشتم أو الحال والاستثناء شامل له أيضاً أي: {لاَ يُجَاوِرُونَكَ } إلا ملعونين، ولا يجوز أن ينصب عن قوله: {أَيْنَمَا ثُقِفُواْ أُخِذُواْ وَقُتّلُواْ تَقْتِيلاً} لأن ما بعد كلمة الشرط لا يعمل فيما قبلها. {سُنَّةَ ٱللَّهِ فِى ٱلَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلُ} مصدر مؤكد أي سن الله ذلك في الأمم الماضية، وهو أن يقتل الذين نافقوا الأنبياء وسعوا في وهنهم بالإِرجاف ونحوه {أَيْنَمَا ثُقِفُواْ}. {وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ ٱللَّهِ تَبْدِيلاً} لأنه لا يبدلها ولا يقدر أحد أن يبدلها. {يَسْـئَلُكَ ٱلنَّاسُ عَنِ ٱلسَّاعَةِ } عن وقت قيامها استهزاء وتعنتاً او امتحاناً. {قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ ٱللَّهِ } لم يطلع عليه ملكاً ولا نبياً. {وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ ٱلسَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيباً } شيئاً قريباً أو تكون الساعة عن قريب وانتصابه على الظرف، ويجوز أن يكون التذكير لأن {ٱلسَّاعَةَ} في معنى اليوم، وفيه تهديد للمستعجلين وإسكات للمتعنتين. {إِنَّ ٱللَّهَ لَعَنَ ٱلْكَـٰفِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيراً} ناراً شديدة الاتقاد. {خَـٰلِدِينَ فِيهَا أَبَداً لاَّ يَجِدُونَ وَلِيّاً } يحفظهم. {وَلاَ نَصِيراً } يدفع العذاب عنهم. {يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِى ٱلنَّارِ } تصرف من جهة إلى جهة كاللحم يشوى بالنار، أو من حال إلى حال، وقرىء {تَقَلُّبُ } بمعنى تتقلب و {تَقَلُّبُ} ومتعلق الظرف. {يَقُولُونَ يٰلَيْتَنَا أَطَعْنَا ٱللَّهَ وَأَطَعْنَا ٱلرَّسُولاَ } فلن نبتلي بهذا العذاب. {وَقَالُواْ رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءنَا } يعنون قادتهم الذين لقنوهم الكفر، وقرأ ابن عامر ويعقوب «ساداتنا» على جمع الجمع للدلالة على الكثرة. {فَأَضَلُّونَا ٱلسَّبِيلاْ } بما زينوا لنا. {رَبَّنَا ءَاتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ ٱلْعَذَابِ} مثلي ما آتيتنا منه لأنهم ضلوا وأضلوا. {وَٱلْعَنْهُمْ لَعْناً كَثِيراً} كثير العدد، وقرأ عاصم بالباء أي لعناً هو أشد اللعن وأعظمه. {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ ءَاذَوْاْ مُوسَىٰ فَبرَّأَهُ ٱللَّهُ مِمَّا قَالُواْ} فأظهر براءته من مقولهن يعني مؤداه ومضمونه، وذلك أن قارون حرض امرأة على قذفه بنفسها فعصمه الله كما مر في «القصص»، او اتهمه ناس بقتل هرون لما خرج معه إلى الطور فمات هناك، فحملته الملائكة ومروا به حتى رؤوه غير مقتول. وقيل أحياه الله فأخبرهم ببراءته، أو قذفوه بعيب في بدنه من برص أو أدرة لفرط تستره حياء فأطلعهم الله على أنه بريء منه. {وَكَانَ عِندَ ٱللَّهِ وَجِيهاً } ذا قربة ووجاهة، وقرىء وكان «عبد الله وجيهاً».
ابن كثير
تفسير : لما أمر تبارك وتعالى النساء بالحجاب من الأجانب، بين أن هؤلاء الأقارب لا يجب الاحتجاب منهم، كما استثناهم في سورة النور عند قوله تعالى: {أية : وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ ءَابَآئِهِنَّ أَوْ ءَابَآءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَآئِهِنَّ أَوْ أَبْنَآءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِىۤ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِى أَخَوَٰتِهِنَّ أَوْ نِسَآئِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُهُنَّ أَوِ ٱلتَّـٰبِعِينَ غَيْرِ أُوْلِى ٱلإِرْبَةِ مِنَ ٱلرِّجَالِ أَوِ ٱلطِّفْلِ ٱلَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُواْ عَلَىٰ عَوْرَٰتِ ٱلنِّسَآءِ} تفسير : [النور: 31] وفيها زيادات على هذه، وقد تقدم تفسيرها والكلام عليها بما أغنى عن إعادته ههنا. وقد سأل بعض السلف فقال: لِمَ لْم يذكر العم والخال في هاتين الآيتين؟ فأجاب عكرمة والشعبي بأنهما لم يذكرا؛ لأنهما قد يصفان ذلك لبنيهما. قال ابن جرير: حدثني محمد بن المثنى، حدثنا حجاج بن منهال، حدثنا حماد، حدثنا داود عن الشعبي وعكرمة في قوله تعالى: {لاَّ جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِىۤ ءَابَآئِهِنَّ} الآية، قلت: ما شأن العم والخال لم يذكرا؟ قال: لأنهما ينعتانها لأبنائهما، وكرها أن تضع خمارها عند خالها وعمها. وقوله تعالى: {وَلاَ نِسَآئِهِنَّ} يعنى بذلك: عدم الاحتجاب من النساء المؤمنات. وقوله تعالى: {مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ} يعني به: أرقاءهن من الذكور والإناث؛ كما تقدم التنبيه عليه، وإيراد الحديث فيه، قال سعيد بن المسيب: إنما يعني به الإماء فقط، رواه ابن أبي حاتم. وقوله تعالى: {وَٱتَّقِينَ ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَىٰ كُلِّ شَيءٍ شَهِيداً} أي: واخشينه في الخلوة والعلانية، فإنه شهيد على كل شيء، لا تخفى عليه خافية، فراقبن الرقيب.
المحلي و السيوطي
تفسير : {لاَّ جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِى ءَابَآئِهِنَّ وَلاَ أَبْنَآئِهِنَّ وَلاَ إِخْوٰنِهِنَّ وَلاَ أَبْنَآءِ إِخْوٰنِهِنَّ وَلاَ أَبْنَاءِ أَخَوٰتِهِنَّ وَلاَ نِسَآئِهِنَّ } أي المؤمنات {وَلاَ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ } من الإِماء والعبيد أن يروهنّ ويكلموهنّ من غير حجاب {وَٱتَّقِينَ ٱللَّهَ } فيما أُمرتنّ به {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ شَهِيداً } لا يخفى عليه شيء.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {لاَّ جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِّي ءَابَآئِهِنَّ وَلآ أَبْنَآئِهِنَّ} فيه قولان: أحدهما: لا جناح عليهن في ترك الحجاب. قاله قتادة. الثاني: في وضع الجلباب، قاله مجاهد. {وَلاَ إخْوَانِهِنَّ وَلآَ أَبْنَآءِ إخَوَانِهِنَّ وَلآ أَبْنَآءِ أَخَوَاتِهِنَّ} قال الشعبي لم يذكر العم لأنها تحل لابنه فيصفها له. {وَلاَ نِسَآئِهِنَّ} فيه وجهان: أحدهما: يعني النساء المسلمات دون المشركات، قاله مجاهد. الثاني: أنه في جميع النساء. {وَلاَ مَا مَلََكَتْ أَيْمَانُهُنَّ} فيه قولان: أحدهما: الإماء دون العبيد، قاله سعيد بن المسيب. الثاني: أنه عام في الإماء والعبيد. واختلف من قال بهذا فيما أبيح للعبد على قولين: أحدهما: ما أبيح لذوي المحارم من الآباء والأبناء ما جاوز السرة وانحدر عن الركبة لأنها تحرم عليه كتحريمها عليهم. الثاني: ما لا يواريه الدرع من ظاهر بدنها، قاله إبراهيم. لأنه العبد وإن حرم في الحال فقد يستباح بالعتق في ثاني حال. وسبب نزول هذه الآية ما حكاه الكلبي أنه لما نزل في آية الحجاب {وَإذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فَاسْأَلُوهُنَّ مَن ورَآءِ حَجَابٍ} قام الآباء والأبناء وقالوا يا رسول الله نحن لا نكلمهن أيضاً إلا من وراء حجاب، فنزلت هذه الآية.
ابن عبد السلام
تفسير : {لا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ} في ترك الحجاب، أو في وضع الجلباب. لما نزلت {فَسْئَلُوهُنَّ مِن وَرَآءِ حِجَابٍ} قال الآباء والأبناء فقالوا: يا رسول الله نحن لا نكلمهن أيضاً إلا من وراء حجاب فنزلت قال الشعبي: لم يذكر العم لأنها تحل لابنه فيصفها له. {نِسَآئِهِنَّ} عام، أو المسلمات دون المشركات {مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ} الإماء خاصة، أو الإماء والعبيد فيحل للعبيد ما يحل للمحرم، أو ما لا يواريه الدرع من ظاهر يديها.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {لا جناح عليهن في آبائهن} حتى بلغ {ولا نسائهن} قال: أنزلت هذه الآية في نساء النبي صلى الله عليه وسلم خاصة وقوله {نسائهن} يعني نساء المسلمات {أو ما ملكت أيمانهن} من المماليك والاماء، ورخص لهن أن يروهن بعد ما ضرب عليهن الحجاب. وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وأبو داود في ناسخه وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله {لا جناح عليهن في آبائهن} ومن ذكر معهن أن يروهن يعني أزواج النبي صلى الله عليه وسلم. وأخرج ابن سعد عن الزهري رضي الله عنه أنه قيل له: من كان يدخل على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال: كل ذي رحم محرم من نسب أو رضاع قيل: فسائر الناس؟ قال: كن يحتجبن منه، حتى إنهن ليكلمنه من وراء حجاب، وربما كان ستراً واحداً، إلا المملوكين والمكاتبين، فإنهن كن لا يحتجبن منهم. وأخرج ابن سعد وابن أبي شيبة وأبو داود في ناسخه عن أبي جعفر محمد بن علي, أن الحسن والحسين رضي الله عنهما كان لا يريان أمهات المؤمنين فقال ابن عباس رضي الله عنهما: أن رؤيتهما لهن لحل. وأخرج ابن سعد وابن أبي شيبة وأبو داود في ناسخه عن عكرمة رضي الله عنه قال: بلغ ابن عباس رضي الله عنهما أن عائشة رضي الله عنها احتجبت من الحسن رضي الله عنه فقال: إن رؤيته لها لتحل. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن عكرمة رضي الله عنه في قوله {لا جناح عليهن...} الآية. قال: لم يذكر العم والخال لأنهما ينعتانها لابنائهما.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيداً} [الآية: 55]. قال ابن عطاء: الشهيد الذى يعرف خطرات قلبه كما يعرف حركات جوارحه.
القشيري
تفسير : قوله جلّ ذكره: {لاَّ جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِيۤ آبَآئِهِنَّ وَلاَ أَبْنَآئِهِنَّ وَلاَ إِخْوَانِهِنَّ وَلاَ أَبْنَآءِ إِخْوَانِهِنَّ وَلاَ أَبْنَآءِ أَخَوَاتِهِنَّ وَلاَ نِسَآئِهِنَّ} الآية. لما نزلت آيةَ الحجابِ شقَّ عليهن وعلى النسوان وعلى الرجال في الاستتار، فأنزل اللَّهُ عزَّ وجلَّ هذه الآية للرخصة في نظر هؤلاء إلى النساء، ورؤية النساء لهم على تفصيل الشريعة.
اسماعيل حقي
تفسير : {لا جناح عليهن فى آبائهن} استئناف لبيان من لا يجب الاحتجاب عنهم ـ روى ـ انه لما نزلت آية الحجاب قال الآباء والابناء والاقارب يا رسول الله او نكلمهن ايضا اى كالاباعد من وراء حجاب فنزلت ورخص الدخول على نساء ذوات محارم بغير حجاب: يعنى [هيج كناهى نيست برزنان در نمودن روى بيدران خويش] {ولا ابنائهن} [ونه بيسران خويش] {ولا اخوانهن} [ونه ببرادران ايشان] {ولا أبناء اخوانهن} [ونه ببسيران برادران ايشان] {ولا أبناء اخواتهن} [ونه ببسران خواهران ايشان] فهؤلاء ينظرون عند ابى حنيفة الى الوجه وألراس والساقين والعضدين ولا ينظرون الى ظهرها وبطنها وفخذها وابيح النظر لهؤلاء لكثرة مداخلتهن عليهن واحتياجهن الى مداخلتهن وانما لم يذكر العم والخال لانهما بمنزلة الوالدين ولذلك سمى العم ابا فى قوله {أية : واله آبائك ابراهيم واسحق} تفسير : او لانه كره ترك الاحتجاب منهما مخافة ان يصفاهن لابنائهما وابناؤهما غير محارم لجواز النكاح بينهم وكره وضع الخمار عندهما وقد نهى عن وصف المرأة لزوجها بشرة امرأة اخرى ومحاسنها بحيث يكون كأنه ينظر اليها فانه يتعلق قلبه بها فيقع بذلك فتنة {ولا نسائهن} يعنى المؤمنات فتنظر المسلمة الى المسلمة سوى ما بين السرة والركبة وابو حنيفة يوجب ستر الركبة فالمراد بالنساء اهل دينهن من الحرائر فلا يجوز للكتابيات الدخول عليهن والتكشف عندهن او المراد المسلمات والكتابيات وانما قال ولا نسائهن لانهن من اجناسهن فيحل دخول الكتابيات وقد كانت النساء الكوافر من اليهوديات وغيرهن يدخلن على نساء النبى عليه السلام فلم يكن يحتجبن ولا امرن بالحجاب وهو قول ابى حنيفة واحمد ومالك {ولا ما ملكت ايمانهن} من العبيد والاماء فيكون عبد المرأة محرما لها فيجوز له الدخول عليها اذا كان عفيفا وان ينظر اليها كالمحارم وقد اباحت عائشة النظر لعبدها وقالت لذكوان انك اذا وضعتنى فى القبر وخرجت فانت حر وقيل من الاماء خاصة فيكون العبد حكمه حكم الاجنبى معها. قال فى بحر العلوم وهو اقرب الى التقوى لان عبد المرأة كالاجنبى خصيا كان او فحلا واين مثل عائشة واين مثل عبدها فى العبيد لا سيما فى زماننا هذا وهو قول ابى حنيفة وعليه الجمهور فلا يجوز لها الحج ولا السفر معه وقد اجاز رؤيته الى وجهها وكفيها اذا وجد الامن من الشهوة ولكن جواز النظر لا يوجب المحرمية وقد سبق بعض ما يتعلق بالمقام فى سورة النور فارجع لعلك تجد السرور {واتقين الله} فيما امرتن من الاحتجاب واخشين حتى لا يراكن غير هؤلاء ممن ذكر وعليكن بالاحتياط ما قدرتن. قال الكاشفى [بس عدول كرد ازغيبت بخطاب بجهت تشديد وامر فرمود كه اى زنان در بس حجاب قرار كيريد وبترسيد ازخداى وبردة شرم ازييش برنداريد] {ان الله كان على كل شئ شهيدا} لا يخفى عليه خافية من الاقوال والافعال ولا يتفاوت فى علمه الا ما كان والاوقات والاحوال شعر : جونكه خدا شد بخفايا كواه كرد شمارا همه لحظه نكاه ديده بيوشيد زنا محرمان دور شويد ازره وهم وكمان دربس زانوى حيا ووقار حوس بنشينيد بصبر وقرار تفسير : وفى التأويلات النجمية يشير بالآية الى تسكين فلو بهن بعد فطامهن عن مألوفات العادة ونقلهن الى معروف الشريعة ومفروض العبادة فمنّ عليهن وعلى اقربائهن بانزاله هذه الرخصة لانه ما اخرجهن وما خلى سبيل الاحتياط لهن مع ذلك فقال {واتقين الله} فيهن وفى غيرهن بحفظ الخواطر وميل النفوس وهمها {إن الله كان على كل شئ} من اعمال النفوس واحوال القلوب {شهيدا} حاضرا وناظرا اليها. قال ابو العباس الفاسى الشهيد هو الحاضر الذى لا يغيب عنه معلوم ولا مرئى ولا مسموع ومن عرف انه الشهيد عبده على المراقبة فلم يره حيث نهاه ولم يفقده حيث امره واكتفى بعلمه ومشاهدته عن غيره فالله تعالى لا يغيب عنه شئ فى الدنيا والآخرة وهو يشهد على الخلق يوم القيامة بما علم وشاهد منهم شعر : ذره نيست درمكين ومكان كه نه علمش بود محيط برآن عدد ريك دربيابانها عدد بركها ببستانها همه نزديك او بود ظاهر همه در علم او بود حاضر تفسير : وخاصية هذا الاسم الرجوع عن الباطل الى الحق حتى انه اذا اخذ من الولد العاق من جبهته شعر وقرئ عليه او على الزوجة كذلك الفا فانه يصلح حالها كما فى شرح الاسماء للفاسى نسأل الله سبحانه ان يصلح احوالنا واقوالنا وافعالنا ويوجه الى جنابه الكريم آمالنا
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحقّ جلّ جلاله: {لا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ وَلا أَبْنَائِهِنَّ وَلا إِخْوَانِهِنَّ وَلا أَبْنَاءِ إِخْوَانِهِنَّ وَلاَ أَبْنَاءِ أَخَوَاتِهِنَّ} أن يدخلوا عليهن بلا حجاب. قال ابن عباس: لما نزلت آية الحجاب قال الآباء والأبناء والأقارب: ونحن أيضاً نُكلمهن من وراء حجاب، فنزلت: {لا جناح...} الخ، أي: لا إثم عليهن في أن لا يحتجبن من هؤلاء. ولم يذكر العم والخال؛ لأنهما يجريان مجرى الوالدين. وقد جاء تسمية العم أباً في قوله تعالى: {أية : نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ ءَابَآئِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ...}تفسير : [البقرة: 133] وإسماعيل عم يعقوب، فسمّاه أباً. وذكر القاضي إسماعيل، عن الحسن والحسين: أنهما كانا لا يريان أمهات المؤمنين. وقال ابن عباس: إن رؤيتهما لهن تحل، أي: لأنهما ولدا البعل. قال القاضي: وأحسبُ أن الحسن والحسين ذهبا في ذلك إلى أن أبناء البعولة لم يُذكروا في الآية. وقال في سورة النور: {أية : ولا يبدين زينتهن}تفسير : [النور:31] إلى قوله: {أية : ... أَوْ أَبْنَآءِ بُعُولَتِهِنَّ} تفسير : [النور: 31]، فذهب ابن عباس إلى ما في سورة النور، وذهب الحسن والحسين إلى ما في هذه السورة. هـ. {ولا نسائِهِن} أي: نساء المؤمنات، فلا حجاب عليهن، {ولا ما ملكتْ أيمانُهنّ} من العبيد والإماء. وقيل: من الإماء خاصة، وأما العبيد فهم كالأجانب. وهو المشهور، {واتقِينَ الله} فيما أُمِرتُن به من الحجاب، وما نزل فيه الوحي من الاستتار، واحتطن في ذلك. ونقل الكلام فيه من الغيبة إلى الخطاب لشدة التهديد، ولذا قال: {إِن الله كان على كل شيءٍ شهيداً} عالماً؛ يعلم خطرات القلوب وهواجسها، فيعاتب عليها. الإشارة: ما قيل في أزواج النبي صلى الله عليه وسلم يُقال في نساء المشايخ والعلماء، فتحتجبن من جميع الخلق، إلا من محارمهن، ولا يمنعهن من إدخال محارمهن عليهن إلا جامد أو جاهل، ولا ينبغي لأحد أن يمنع زوجه من لقاء محرمها والدخول عليها إلا لفساد بيّن. وبالله التوفيق. ثم أمر بالصلاة على رسوله صلى الله عليه وسلم وحض عليها بعد أن أمر بتعظيمه واحترامه فقال: {إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلاَئِكَـتَهُ يُصَلُّونَ...}
الجنابذي
تفسير : {لاَّ جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ} استينافٌ جوابٌ لسؤالٍ مقدّرٍ كأنّه قيل: هل حكم الحجاب جارٍ فى المحارم؟ او جوابٌ لسؤالٍ مذكور على ما روى انّه لمّا نزلت آية الحجاب قال الاقارب: يا رسول الله (ص) أو نكلّمهنّ نحن ايضاً من وراء حجاب؟ فقال: لا جناح عليهنّ {فِيۤ آبَآئِهِنَّ وَلاَ أَبْنَآئِهِنَّ وَلاَ إِخْوَانِهِنَّ وَلاَ أَبْنَآءِ إِخْوَانِهِنَّ وَلاَ أَبْنَآءِ أَخَوَاتِهِنَّ وَلاَ نِسَآئِهِنَّ} اى النّساء المؤمنات {وَلاَ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ} قد مضى فى سورة النّور بيان نسائهنّ وبيان ما ملكت ايمانهنّ {وَٱتَّقِينَ ٱللَّهَ} صرف الخطاب عن المؤمنين اليهنّ تنشيطاً لهنّ للايتمار {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيداً} حتّى على نيّتكنّ وابداء زينتكنّ.
الالوسي
تفسير : {لاَّ جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِى ءابَائِهِنَّ وَلاَ أَبْنَائِهِنَّ وَلاَ إِخْوٰنِهِنَّ وَلاَ أَبْنَاء إِخْوٰنِهِنَّ وَلاَ أَبْنَاء أَخَوٰتِهِنَّ } استئناف لبيان من لا يجب عليهن الاحتجاب عنه، روي أنه لما نزلت آية الحجاب قال الآباء والأبناء والأقارب أو نحن يا رسول الله نكلمهن أيضاً من وراء حجاب؟ فنزلت، والظاهر أن المعنى لا إثم عليهن في ترك الحجاب من آبائهن الخ، وروي ذلك عن قتادة، وعن مجاهد أن المراد لا جناح عليهن في وضع الجلباب وإبداء الزينة للمذكورين، وفي حكمهم كل ذي رحم محرم من نسب أو رضاع على ما روى ابن سعد عن الزهري، وأخرج ابن أبـي شيبة. وأبو داود في «ناسخه» عن عكرمة قال: بلغ ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن عائشة رضي الله تعالى عنها احتجبت من الحسن رضي الله تعالى عنه فقال: إن رؤيته لها لحل. ولم يذكر العم والخال لأنهما بمنزلة الوالدين أو لأنه اكتفى عن ذكرهما بذكر أبناء الإخوة وأبناء الأخوات فإن مناط عدم لزوم الحجاب بينهن وبين الفريقين عين ما بينهن وبين العم والخال من العمومة والخؤولة لما أنهن عمات لأبناء الأخوة وخالات لأبناء الأخوات، وقال الشعبـي: / لم يذكرا وإن كانا من المحارم لئلا يصفاها لأبنائهما وليسوا من المحارم، وقد أخرج نحو ذلك ابن جرير وابن المنذر عن علي كرم الله تعالى وجهه، وقد كره الشعبـي وعكرمة أن تضع المرأة خمارها عند عمها أو خالها مخافة وصفه إياها لابنه، وهذا القول عندي ضعيف لجريان ذلك في النساء كلهن ممن لم يكن أمهات محارم، ولا أرى صحة الرواية عن علي كرم الله تعالى وجهه. {وَلاَ نِسَائِهِنَّ } أي النساء المؤمنات على ما روي عن ابن عباس وابن زيد ومجاهد، والإضافة إليهن باعتبار أنهن على دينهن فيحتجبن على الكافرات ولو كتابيات، وفي «البحر» دخل في نسائهن الأمهات والأخوات وسائر القرابات ومن يتصل بهن من المتصرفات لهن والقائمات بخدمتهن. {وَلاَ مَا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُهُنَّ } ظاهره من العبيد والإماء، وأخرجه ابن مردويه عن ابن عباس وإليه ذهب الإمام الشافعي، وقال الخفاجي: مذهب أبـي حنيفة أنه مخصوص بالإماء وعلى الظاهر استثنى المكاتب قال أبو حيان: إنه صلى الله عليه وسلم أمر بضرب الحجاب دونه وفعلته أم سلمة مع مكاتبها نبهان. {وَٱتَّقِينَ ٱللَّهَ } في كل ما تأتن وتذرن لا سيما فيما أمرتن به وما نهيتن عنه، وفي «البحر» في الكلام حذف والتقدير اقتصرن على هذا واتقين الله تعالى فيه أن تتعدينه إلى غيره، وفي نقل الكلام من الغيبة إلى الخطاب فضل تشديد في طلب التقوى منهن {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَىٰ كُلّ شَىْء شَهِيداً } لا تخفى عليه خافية ولا تتفاوت في علمه الأحوال فيجازي سبحانه على الأعمال بحسبها. هذا واختلف في حرمة رؤية أشخاصهن مستترات فقال بعضهم بها ونسب ذلك إلى القاضي عياض، وعبارته فرض الحجاب مما اختصصن به فهو فرض عليهن بلا خلاف في الوجه والكفين فلا يجوز لهن كشف ذلك في شهادة ولا غيرها ولا أظهار شخوصهن وإن كن مستترات إلا ما دعت إليه ضرورة من براز. ثم استدل بما في «الموطأ» أن حفصة لما توفي عمر رضي الله تعالى عنه سترتها النساء عن أن يرى شخصها وأن زينب بنت جحش جعلت لها القبلة فوق نعشها لتستر شخصها انتهى، وتعقب ذلك الحافظ ابن حجر فقال ليس فيما ذكره دليل على ما ادعاه من فرض ذلك عليهن فقد كن بعد النبـي صلى الله عليه وسلم يحججن ويطفن وكان الصحابة ومن بعدهم يسمعون منهن الحديث وهن مستترات الأبدان لا الأشخاص اهـ، وأنا أرى أفضلية ستر الأشخاص فلا يبعد القول بندبه لهن وطلبه منهن أزيد من غيرهن، وفي «البحر» ذهب عمر رضي الله تعالى عنه إلى أنه لا يشهد جنازة زينب إلا ذو محرم منها مراعاة للحجاب فدلته أسماء بنت عميس على سترها في النعش بقبة تضرب عليه وأعلمته أنها رأت ذلك في بلاد الحبشة فصنعه عمر رضي الله تعالى عنه، وروي أنه صنع ذلك في جنازة فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ابن عاشور
تفسير : تخصيص من عموم الأمر بالحجاب الذي اقتضاه قوله: {أية : فاسألوهن من وراء حجاب}تفسير : [الأحزاب: 53]. وإنما رفع الجناح عن نساء النبي صلى الله عليه وسلم تنبيهاً على أنهن مأمورات بالحجاب كما أمر رجال المسلمين بذلك معهن فكان المعنى: لا جناح عليهن ولا عليكم، كما أن معنى {فاسألوهن من وراء حجاب} أنهن أيضاً يُجِبن من وراء حجاب كما تقدمت الإِشارة إليه يقوله: {أية : ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن}تفسير : [الأحزاب: 53]. والظرفية المفادة من حرف {في} مجازية شائعة في مثله، يقال: لا جناح عليك في كذا، فهو كالحقيقة فلا تلاحظ فيه الاستعارة، والمجرور مقدر فيه مضاف تقديره: في رُؤية آبائهن إيَّاهُن، وإنما رجح جانبهن هنا لأنه في معنى الإِذن، لأن الرجال مأمورون بالاستئذان كما اقتضته آية سورة النور، والإِذن يصدر منهن فلذلك رُجّح هنا جانبهن فأضيف الحكم إليهن. والنساء: اسم جمع امرأة لا مفرد له من لفظه في كلامهم، وهن الإِناث البالغات أو المراهقات. والمراد بــــ{نسائهن} جميع النساء، فإضافته إلى ضمير الأزواج اعتبار بالغالب لأن الغالب أن تكون النساء اللاتي يدخلن على أمهات المؤمنين نساء اعتدن أن يدخلن عليهن، والمراد جميع النساء. ولم يذكر من أصناف الأقرباء الأعمام ولا الأخوال لأن ذكر أبناء الإِخوان وأبناء الأخوات يقتضي اتحاد الحكم، من أنه لما رفِع الحرج عنهن فيمن هن عمات لهن أو خالات كان رفع الحرج عنهن في الأعمام والأخوال كذلك، وأما قرابة الرضاعة فمعلومة من السنة، فأريد الاختصار هنا إذ المقصود التنبيه على تحقيق الحجاب ليفضي إلى قوله: {واتقين الله}. والتفت من الغيبة إلى خطابهن في قوله: {واتقين الله} لتشريف نساء النبي صلى الله عليه وسلم بتوجيه الخطاب الإِلهي إليهن. والشهيد: الشاهد مبالغة في الفعل.
د. أسعد حومد
تفسير : {آبَآئِهِنَّ} {أَبْنَآئِهِنَّ} {إِخْوَانِهِنَّ} {أَخَوَاتِهِنَّ} {نِسَآئِهِنَّ} {أَيْمَانُهُنَّ} (55) - اسْتثْنَى اللهُ تَعَالى فِي هذِهِ الآيةِ مَنْ يَحِلُّ لَهُمْ أَنْ يُكَلِّمُوا نِسَاءَ النَّبِيِّ (وَالنِّسَاءَ عَامَّةً)، مِنْ دُونِ حِجَابٍ، وَهُمُ الآبَاءُ والأَبْنَاءُ والإِخْوَةُ وَأَبْنَاءُ الإِخْوَةِ وأَبْنَاءُ الأَخَوَاتِ، والنِّسَاءُ المُسْلِمَاتُ، والعَبيدُ الذِينَ يَمْلِكْنَ رِقَابَهُمْ لأَنَّ فِي الاحْتِجَابِ عَنْهُمْ حَرَجاً وَمَشَقَّةً، لأَنَّهُمْ يَقُومُونَ بالخِدْمَةِ عَلَيْهِنَّ. ثُمَّ أَمَرَ اللهُ نِسَاءَ النَّبِيِّ بِأنْ يَخْشَيْنَ اللهَ فِي السِّرِّ والعَلَنِ، فَإِنَّهُ شَهِيدٌ عَلَى كُلِّ شَيءٍ، وَلاَ تَخْفَى عَليهِ خَافِيَةٌ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : بعد أنْ نزلت آية الحجاب: {أية : وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فَٱسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَآءِ حِجَابٍ ..} تفسير : [الأحزاب: 53] اشتكى أقارب أمهات المؤمنين وقالوا: حتى نحن يا رسول الله؟ فأنزل الله هذه الآية. {لاَّ جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِيۤ آبَآئِهِنَّ ..} [الأحزاب: 55]. ومعنى {لاَّ جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ ..} [الأحزاب: 55] أي: لا حرجَ ولا إثمَ أنْ يدخل عليهن هؤلاء المذكورون؛ لأن مكانتهم من المرأة معلومة، ولا يُخْشَى من دخولهم عليها، وهم: الأب، والابن، والأخ، وابن الأخ، وابن الأخت. والكلام في {وَلاَ نِسَآئِهِنَّ ..} [الأحزاب: 55] وهي مضاف ومضاف إليه، والإضافة في اللغة تأتي بمعانٍ ثلاثة: بمعنى (مِنْ) مثل أردب شعير يعني: من شعير، وبمعنى (في) مثل (مكر الليل) أي: في الليل، وتأتي بمعنى (اللام) مثل مال زيد يعني لزيد، واللام هنا للملكية أو للاختصاص، فمعنى مال زيد يعني: مِلْك لزيد، وتقول: لجام الفرس، فاللجام ليس مِلْكاً للفرس، إنما يختص به. فهنا كلمة {نِسَآئِهِنَّ ..} [الأحزاب: 55] تأتي بمعنى (من) وبمعنى اللام أي: نساء لَهُنَّ، أو نساء منهن، ولا تأتي هنا بمعنى (في) إذن: فالمراد نساء منهن يعني: من قرابتهن أو نسائهن يعني: التابعين لهن مثل الخدم شريطة أنْ يكُنَّ مؤمنات؛ لأن المؤمنة هي المؤتمنة على المؤمنة، أما الكتابية أو الكافرة فلا يصح أنْ تقوم على خدمة المؤمنة؛ لأنها ربما تَصِفُها لقومها. لذلك نلحظ دقة التعبير هنا في عدم ذِكْر الأعمام والأخوال؛ لأن العم أو الخال - رغم أنه في منزلة الوالد - إلا أنه قد يصف البنت لابنه، فإنْ كان العم أو الخال ليس له ولد، فالعلة مفقودة، ويجوز التساهل معهما - إذن - في الدخول على المرأة، وإبداء الزينة أمامهما. وقوله تعالى: {وَلاَ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ ..} [الأحزاب: 55] قلنا: إن مِلْك اليمين يأتي من الأسرى في حرب مشروعة، وقد باشرتَ أَسْره بنفسك، بمعنى أنه لم يكُنْ حراً، ثم أُخِذ وبيع على أنه عبد، ثم بعد الأَسْر يمكن أن تأخذ مِلْك اليمين بأنْ تشتريه، أو تأخذه إرثاً، أو تأخذه هِبة، ومِلْك اليَمين قد يكون من النساء فتدخل في نسائهن، أو يكون من الصبيَان الذين لم يبلغوا مبلغ الرجال. كما قال سبحانه في موضع آخر: {أية : أَوِ ٱلطِّفْلِ ٱلَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُواْ عَلَىٰ عَوْرَاتِ ٱلنِّسَآءِ ..} تفسير : [النور: 31]. ويدخل في ذلك أيضاً التابعون الذين يعملون في البيت كالبوابين والسائقين والطباخين .. إلخ، والشرع يتساهل مع هؤلاء؛ لأن العرف الاجتماعي يأبى أنْ تنشأ علاقة بين هؤلاء وبين أهل البيت، فهؤلاء التابعون يعملون في البيوت، وبها نساء وبنات جميلات، لكن كم من هؤلاء تجرّأ على أنْ ينظر إلى سيدته؛ ذلك لأن المركز الاجتماعي جعل بينهما حاجزاً. ثم يقول سبحانه: {وَٱتَّقِينَ ٱللَّهَ ..} [الأحزاب: 55] كأن الحق سبحانه يقول: لقد بينتُ لكُنَّ الحكم في الدخول على المرأة، وبينتُ الأنواع التي لا جناحَ عليكُنَّ في دخولهم، والحارس عليكُنَّ في هذا تقواكُنَّ لله، فتقوى الله هي التي تحملك على طاعته، وتمنعك من الخروج عنها، ويكفي بعد الأمر بالتقوى أنْ تعلم {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ ..} [الأحزاب: 55] وما يزال {عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيداً} [الأحزاب: 55]. ثم يقول الحق سبحانه: {إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلٰئِكَـتَهُ يُصَلُّونَ ...}.
الأندلسي
تفسير : {وَٱتَّقِينَ ٱللَّهَ} أمر بالتقوى وخروج من الغيبة إلى الخطاب أي واتقين الله فيما أمرتن به من الاحتجاب وأنزل فيه الوحي من الاستتار كان في الكلام جملة حذفت تقديره اقتصرن على هذا واتقين الله فيه أن تتعدينه إلى غيره ثم توعد بقوله: {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ} أي من السر والعلن وظاهر الحجاب وباطنه وغير ذلك. {شَهِيداً} لا تتفاوت الأحوال في علمه. {إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلاَئِكَـتَهُ} روي أنه لما نزلت هذه الآية حديث : قال قوم من الصحابة هذا السلام عليك يا رسول الله عرفناه فكيف نصلي عليك قال: قولوا اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم وارحم محمداً وآل محمدا كما رحمت وباركت على إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد . تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ قُل لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ} كان دأب الجاهلية أن تخرج الحرة والأمة مكشوفتي الوجه في درع وخمار وكان الزناة يتعرضون إذا خرجن بالليل لقضاء الحوائج في النخيل والغيطان للإِماء وربما تعرضوا للحرة بعلة الأمة يقولون حسبناها أمة فأمرن أن يخالفن بزيهن عن زي الإِماء بلبس الأردية والملاحف وستر الرؤوس والوجوه ليحتشمن ويهبن ولا يطمع فيهن طامع والجلابيب الأردية التي تستر من فوق إلى أسفل وقيل غير ذلك. {وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً} تأنيس للنساء في ترك الاستتار قبل أن يؤمرن بذلك ولما ذكر حال المشرك الذي يؤذي الله ورسوله والمجاهر الذي يؤذي المؤمنين ذكر حال المسر الذي يظهر الحق ويضمر الباطل وهو المنافق ولما كان المؤذون ثلاثة باعتبار إذايتهم لله ولرسوله وللمؤمنين كان المشركون ثلاثة منافق ومن في قلبه مرض ومرجف فالمنافق يؤذي سراً والثاني يؤذي المؤمن باتباع نسائه والثالث يرجف بالرسول يقول غلب سيخرج من المدينة سيؤخذ هزمت سراياه وظاهر العطف التغاير بالشخص فيكون المعنى لئن لم ينته المنافقون عن عداوتهم وكيدهم والفسقة عن فجورهم والمرجفون عما يؤلفون من أخبار السوء ويشيعونه. {لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ} أي لنسلطنك عليهم. {ثُمَّ لاَ يُجَاوِرُونَكَ فِيهَآ} أي في المدينة وثم لا يجاورونك معطوف على لنغرينك ولم يكن العطف بالفاء لأنه لم يقصد أنه متسبب عن الإِغراء بل كونه جواباً للقسم أبلغ وكان العطف بثم لأن الجلاء عن الوطن كان أعظم عليهم من جميع ما أصيبوا به فتراخت حالة الجلاء عن حالة الإِغراء. {إِلاَّ قَلِيلاً} أي إلا جواراً قليلاً وانتصب. {مَّلْعُونِينَ} على الذم ومعنى ثقفوا حصروا وظفر بهم أخذوا أسروا والأخيذ الأسير. {سُنَّةَ ٱللَّهِ} مصدر مؤكد أي سن الله في الذين ينافقون الأنبياء أن يقتلوا حيث ما ظفر بهم. {يَسْأَلُكَ ٱلنَّاسُ} أي المشركون عن وقت قيام الساعة استعجالاً على سبيل الهزء واليهود على سبيل الإِمتحان إذ كانت معمي وقتها في التوراة فنزلت الآية بأن يرد فيها العلم إلى الله إذ لم يطلع عليها ملكاً ولا نبياً ولما ذكر حالهم في الدنيا أنهم ملعونون مهانون مقتولون بين حالهم في الآخرة. {وَمَا يُدْرِيكَ} ما إستفهام في موضع رفع بالابتداء أي وأي شىء يدريك بها ومعناه النفي أي ما يدريك بها أحد. {لَعَلَّ ٱلسَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيباً} بين قرب الساعة وفي ذلك تبكيت للممتحن وتهديد للمستعجل وانتصب قريباً على الظرف أي في زمان قريب إذ استعماله ظرفاً كثير. {يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي ٱلنَّارِ} يجوز أن ينتصب يوم بقوله: لا يجدون ويكون يقولون استئناف اخبار عنهم أو تم الكلام عند قوله ولا نصيراً وينتصب يوم بقوله يقولون والوجه أشرف ما في الإِنسان فإِذا قلب في النار كان تقليب ما سواه أولى أو عبر بالوجه عن الجملة وتمنيهم حيث لا ينفع وتشكيهم من كبرائهم لا يجدي وقرىء ساداتنا وسادتنا على الجمع ولما لم يبد تمنيهم الإِيمان وطاعة الله ورسوله ولا قام لهم عذر في تشكيهم ممن أضلهم دعوا على ساداتهم بقولهم ربنا آتهم ضعفين من العذاب ضعفاً على ضلالهم في أنفسهم وضعفاً على إضلال من أضلوا. {كَٱلَّذِينَ آذَوْاْ مُوسَىٰ} قيل نزلت في شأن زيد وزينب وما سمع فيه من مقالة بعض الناس وقيل المراد حديث الإِفك قيل ما أوذي نبي مثل ما أوذي رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث القسمة فصبر وقال رحم الله أخي موسى لقد أوذي بأكثر من هذا فصبر وان إذاية موسى عليه السلام قولهم فيه: انه آدر وقيل غير ذلك. {إِنَّا عَرَضْنَا ٱلأَمَانَةَ} لما أرشد المؤمنين إلى ما أرشد من ترك الأذى واتقاء الله وسداد القول ورتب على الطاعة ما رتب تبين أن ما كلفه الإِنسان أمر عظيم فقال إنا عرضنا الأمانة تعظيماً لأمر التكليف والأمانة الظاهر أنها كل ما يؤمن عليه من أمر ونهي وشأن دين ودنيا فالشرع كله أمانة والظاهر عرض الأمانة على هذه المخلوقات العظام وهي الأوامر والنواهي فتثاب إن أحسنت وتعاقب إن أساءت فأبت وأشفقت ويكون ذلك بإِدراك خلقه الله تعالى فيها وهذا غير مستحيل إذ قد سبح الحصى في كفه عليه السلام وحن الجذع إليه وكلمته الذراع فيكون هذا العرض والإِباء حقيقة قال ابن عباس: أعطيت الجمادات فهماً وتمييزاً فخيرت في الحمل وذكر الجبال مع أنها من الأرض لزيادة قوتها وصلابتها تعظيماً للأمر. {إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً} وصفه بالظلم تاركاً لأداء الأمانة وبالجهل لأخطائه ما يسعده * واللام في: {لِّيُعَذِّبَ} لام الصيرورة لأنه لم يحملها لأن يعذب لكنه حملها فآل الأمر إلى أن يعذب من نافق وأشرك ويتوب على من آمن.
الجيلاني
تفسير : ثمَّ لمَّا نزلت آية التستر والحجاب قيل: يا رسول الله، الأبناء والآباء والأقارب والعشائر أيضاً يتكلمون معهن من وراء الحجاب؟ نزلت: {لاَّ جُنَاحَ} أي: لا إثمولا ضيق {عَلَيْهِنَّ} أي: على أزواجه صلى الله عليه وسلم {فِيۤ} اختلاط {آبَآئِهِنَّ} والتكلم معهن بلا سترة وحجاب {وَلاَ أَبْنَآئِهِنَّ} أيضاَ {وَلاَ إِخْوَانِهِنَّ وَلاَ أَبْنَآءِ إِخْوَانِهِنَّ وَلاَ أَبْنَآءِ أَخَوَاتِهِنَّ} إذ الكل بعيد عن التهمة، مصون عن الريبة {وَلاَ نِسَآئِهِنَّ} يعني: النساء المؤمنات لا الكتابيات {وَلاَ} جناح أيضاً في {مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ} من العبيد والإماء، وقيل: من الإماء خاصة دون العبيد، كما مر في سورة "النور". {وَ} بالجلمة: يا نساء النبي المحفوظ، المصون عن أدناس الطبيعة مطلقاً {ٱتَّقِينَ ٱللَّهَ} الغيور المنتقم، واحذرن عن محارمه ومنهياته مطلقاً، وامتثلن بأوامره حتى تشاركن معه صلى الله عليه وسلم في أخص أوصافه {إِنَّ ٱللَّهَ} المطلع لضمائركن {كَانَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ} خلج في خواطركن من الإثم واللمم {شَهِيداً} [الأحزاب: 55] حاضراً عنده، غير مغيب عنه إلى حيث لا يخفى عليه سبحانه خافية وإن دق ولطف. ثم أشار سبحانه إلى تعظيم النبي صلى الله عليه وسلم وتوقيره، والاعتناء بشأنه وعلو منزلته ومكانه، فقال: {إِنَّ ٱللَّهَ} المتعزز برداء العظمة والكبرياء {وَمَلاَئِكَـتَهُ} المهيمين عنده، الوالهين بمطالعة جماله، المتسغرقين بشرف لقائه {يُصَلُّونَ} يعتنون ويهتمون بإظهار فضله؛ تبجيلاً وتعظيماً {عَلَى ٱلنَّبِيِّ} الحقيق لأنواع التوقير والتمجيد، المستحق لأصناف الكرامة والتحميد {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} بالله بوسيلة نبيه صلى الله عليه وسلم، وتحققوا بتوحيده سبحانه بإرشاده صلى الله عليه وسلم أنتم أولى وأحق بتعظيمه وتصليته وتسليمه {صَلُّواْ عَلَيْهِ} مهما سمعتم اسمه وذكرتم بأنفسكم، وقولوا: اللهم صل على محمد {وَسَلِّمُواْ} له {تَسْلِيماً} [الأحزاب: 56] قائلين: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، والآية تدل على وجوب الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم للمؤمنين كلما جرى ذكره في أي حال من الأحوال والأحيان اللائقة للدعاء. ثم لما أشار سحبانه إلى علو شأن نبيه صلى الله عليه وسلم وسمو برهانه، وأوجب على المؤمنين تعظيمه وتوقيره والانقياد إليه في جميع أوامره ونواهيه، أراد أن يشير إلى أن من قصد إيذاءه وأساء الأدب معه، يستحق اللعن والطرد، فقال: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ} حيث يأتون بالأفعال الذميمة القبيحة، المستكرهة عقلاً وشرعاً عنده صلى الله عليه وسلم فيؤذونه بها، ذكر سبحانه نفسه؛ تعظيماً لشأن حبيبه صلى الله عليه وسلم وإلا فهو منزه عن التأذي والتأثر، أو لأن إيذاءه صلى الله عليه وسلم مستلزم لإذائه سبحانه {لَعَنَهُمُ ٱللَّهُ} المنتقم عنهم، وطردهم عن سعة رحمته {فِي ٱلدُّنْيَا} على ألسنة خلَّص عباده، وأبعدهم عن مجالسهم ومحافلهم {وَٱلآخِرَةِ} عن عز حضوره وسعة رحمته وجنته {وَأَعَدَّ لَهُمْ} في النار {عَذَاباً مُّهِيناً} [الأحزاب: 57] مؤلماً مزعجاً، لا عذاب أسوأ منه وأشد. ثم أردف سبحانه إيذاءه صلى الله عليه وسلم بإيذاء المؤمنين فقال: {وَٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ} بذمائم الأفعال والأقوال، وقبائح الحركات {بِغَيْرِ مَا ٱكْتَسَبُواْ} أي: بغير جريمة صدرت عنهم واستحقوا الجناية عليها {فَقَدِ ٱحْتَمَلُواْ} وتحملوا هؤلاء المؤذين المفترين {بُهْتَاناً} جالباً لأنواع العقوبات {وَإِثْماً مُّبِيناً} [الأحزاب: 58] ظاهراً عظيماً مستعقباً، مستتبعاً لأسوأ الجزاء، وأشد العقاب والنكال؛ إذ رمي المحصنات من أفحش الجنابات.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : وقوله: {لاَّ جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِيۤ آبَآئِهِنَّ وَلاَ أَبْنَآئِهِنَّ وَلاَ إِخْوَانِهِنَّ وَلاَ أَبْنَآءِ إِخْوَانِهِنَّ وَلاَ أَبْنَآءِ أَخَوَاتِهِنَّ وَلاَ نِسَآئِهِنَّ وَلاَ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ} [الأحزاب: 55] يشير إلى تسكين قلوبهن بعد فطامهن عن مألوف العادة ونقلهن إلى معروف الشريعة ومفروض العبادة فمنَّ عليهن وعلى إقرار بأنهن بإنزال هذه الرخصة لاندمال جرحهن ما على سبيل الاحتياط لهن مع ذلك فقال: {وَٱتَّقِينَ ٱللَّهَ} [الأحزاب: 55] فيهم وفي غيرهم بحفظ الخواطر وميل النفوس ومنها {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ} [الأحزاب: 55] من أعمال النفوس وأحوال القلب {شَهِيداً} [الأحزاب: 55] حاضرا وناظرا إلينا. ثم أخبر عن كمال عزة النبي صلى الله عليه وسلم وعظمته عنده تعالى بقوله: {إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلاَئِكَـتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِيِّ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلِّمُواْ تَسْلِيماً} [الأحزاب: 56] يشير بهذا الاختصاص إلى كمال العناية في حق النبي صلى الله عليه وسلم وفي حق أمته، أما كمال عنايته في حق النبي صلى الله عليه وسلم فإنه تعالى يصلي عليه صلاة تليق بتلك الحضرة القدسية عن التشبه فيه المثال مناسبا لحضرة نبوته بحيث يفهم معناها سواهما، وأما كمال عنايته في حق أمته فهو أنه تعالى أوجب على أمته الصلاة عليه، ثم جازاهم بكل صلاة عليه عشر صلوات من صلاته وبكل سلام عشرا وهذه عناية مخصصة بالنبي صلى الله عليه وسلم وبأمته. ولصلاة الله تعالى على عباده مراتب بحسب مراتب العباد ولها معان: منها الرحمة ومنها المغفرة ومنها البركة ومنها الوارد ومنها الشواهد ومنها الكشوف ومنها المشاهدة ومنها الجذبة ومنها التغذية ومنها الشرب ومنها الري ومنها السكر ومنها التجلي ومنها الفناء في الله ومنها البقاء بالله وهذا هو حقيقة صلوات الله على عباده ولكل واحد من أصحاب المقام الباقي بالله في هذا المقام إلى ما لا نهاية لها. كما قال تعالى: {أية : أُولَـٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُهْتَدُونَ} تفسير : [البقرة: 157] أي إلى الله والسير بالله في الله {إِنَّ ٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ} [الأحزاب: 57] بأن لا يؤمنوا بالله ورسوله ويخالفون أمرهما ويتابعون هواهم بل يتخذون إلههم هواهم وكما قال: {أية : مَّنْ يُطِعِ ٱلرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ ٱللَّهَ}تفسير : [النساء: 80] فكذلك من أذى رسوله فقد أذى الله وكما استحق المؤمنون بطاعة الرسول والصلاة عليه صلاة الله، فكذلك الكافرون استحقوا بمخالفة الرسول وإيذائه لعنة الله، فقال تعالى: {لَعَنَهُمُ ٱللَّهُ فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ} [الأحزاب: 57] فلعنة الدنيا هي الطرد عن الحضرة والحرمان عن الإيمان ولعنة الآخرة الخلود في النيران والحرمان عن الجنان، وهذا حقيقة قوله: {وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً مُّهِيناً} [الأحزاب: 57]
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : لما ذكر أنهن لا يسألن متاعًا إلا من وراء حجاب، وكان اللفظ عامًا [لكل أحد] احتيج أن يستثنى منه هؤلاء المذكورون، من المحارم، وأنه { لا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ } في عدم الاحتجاب عنهم. ولم يذكر فيها الأعمام، والأخوال، لأنهن إذا لم يحتجبن عمن هن عماته ولا خالاته، من أبناء الإخوة والأخوات، مع رفعتهن عليهم، فعدم احتجابهن عن عمهن وخالهن، من باب أولى، ولأن منطوق الآية الأخرى، المصرحة بذكر العم والخال، مقدمة، على ما يفهم من هذه الآية. وقوله { وَلا نِسَائِهِنَّ } أي: لا جناح عليهن ألا يحتجبن عن نسائهن، أي: اللاتي من جنسهن في الدين، فيكون ذلك مخرجًا لنساء الكفار، ويحتمل أن المراد جنس النساء، فإن المرأة لا تحتجب عن المرأة. { وَلا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ } ما دام العبد في ملكها جميعه. ولما رفع الجناح عن هؤلاء، شرط فيه وفي غيره، لزوم تقوى اللّه، وأن لا يكون في محذور شرعي فقال: { وَاتَّقِينَ اللَّهَ } أي: استعملن تقواه في جميع الأحوال { إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا } يشهد أعمال العباد، ظاهرها وباطنها، ويسمع أقوالهم، ويرى حركاتهم، ثم يجازيهم على ذلك، أتم الجزاء وأوفاه.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):