٣٦ - يس
36 - Yaseen (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
23
Tafseer
الرازي
تفسير : ثم قال تعالى: {أَءَتَّخِذُ مِن دُونِهِ ءَالِهَةً } ليتم التوحيد، فإن التوحيد بين التعطيل والإشراك، فقال: ومالي لا أعبد إشارة إلى وجود الإله وقال: {أَءَتَّخِذ مِن دُونِهِ } إشارة إلى نفي غيره فيتحقق معنى لا إله إلا الله، وفي الآية أيضاً لطائف الأولى: ذكره على طريق الاستفهام فيه معنى وضوح الأمر، وذلك أن من أخبر من شيء فقال مثلاً لا أتخذ يصح من السامع أن يقول له لم لا تتخذ فيسأله عن السبب، فإذا قال: أأتخذ يكون كلامه أنه مستغن عن بيان السبب الذي يطالب به عند الإخبار، كأنه يقول استشرتك فدلني والمستشار يتفكر، فكأنه يقول تفكر في الأمر تفهم من غير إخبار مني الثانية: قوله من دونه وهي لطيفة عجيبة: وبيانها هو أنه لما بين أنه يعبد الله بقوله: {أية : ٱلَّذِي فَطَرَنِي } تفسير : [يس: 22] بين أن من دونه لا تجوز عبادته فإن عبد غير الله وجب عبادة كل شيء مشارك للمعبود الذي اتخذ غير الله، لأن الكل محتاج مفتقر حادث، فلو قال لا أتخذ آلهة لقيل له ذلك يختلف إن اتخذت إلهاً غير الذي فطرك، ويلزمك عقلاً أن تتخذ آلهة لا حصر لها، وإن كان إلهك ربك وخالقك فلا يجوز أن تتخذ آلهة الثالثة: قوله: {أَءَتَّخِذُ } إشارة إلى أن غيره ليس بإله لأن المتخذ لا يكون إله، ولهذا قال تعالى: {أية : مَا ٱتَّخَذَ صَـٰحِبَةً وَلاَ وَلَداً } تفسير : [الجن: 3] وقال: {أية : ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا } تفسير : [الإسراء: 111] لأنه تعالى لا يكون له ولد حقيقة ولا يجوز، وإنما النصارى قالوا: تبنى الله عيسى وسماه ولداً فقال: {أية : وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً } تفسير : [الفرقان: 2] ولا يقال قال الله تعالى: {فَٱتَّخِذْهُ وَكِيلاً } في حق الله تعالى حيث قال: {أية : رَّبُّ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ فَٱتَّخِذْهُ وَكِيلاً } تفسير : [المزمل: 9] نقول ذلك أمر متجدد، وذلك لأن الإنسان في أول الأمر يكون قليل الصبر ضعيف القوة، فلا يجوز أن يترك أسباب الدنيا ويقول إني أتوكل فلا يحسن من الواحد منا أن لا يشتغل بأمر أصلاً ويترك أطفاله في ورطة الحاجة ولا يوصل إلى أهله نفقتهم ويجلس في مسجد وقلبه متعلق بعطاء زيد وعمرو، فإذا قوي بالعبادة قلبه ونسي نفسه فضلاً عن غيره وأقبل على عبادة ربه بجميع قلبه وترك الدنيا وأسبابها وفوض أمره إلى الله حينئذٍ يكون من الأبرار الأخيار، فقال الله لرسوله: أنت علمت أن الأمور كلها بيد الله وعرفت الله حق المعرفة وتيقنت أن المشرق والمغرب، وما فيهما وما يقع بينهما بأمر الله، ولا إله يطلب لقضاء الحوائج إلا هو فاتخذه وكيلاً، وفوض جميع أمورك إليه فقد ارتقيت عن درجة من يؤمر بالكسب الحلال وكنت من قبل تتجر في الحلال ومعنى قوله: {فَٱتَّخِذْهُ وَكِيلاً } أي في جميع أمورك وقوله تعالى: {لاَّ تُغْنِ عَنّي } يحتمل وجهين أحدهما: أن يكون كالوصف كأنه قال: أأتخذ آلهة غير مغنية عند إرادة الرحمن بي ضراً وثانيهما: أن يكون كلاماً مستأنفاً كأنه قال لا أتخذ من دونه آلهة. ثم قال تعالى: {إِن يُرِدْنِ ٱلرَّحْمَـٰنُ بِضُرّ لاَّ تُغْنِ عَنّي شَفَـٰعَتُهُمْ شَيْئاً وَلاَ يُنقِذُونَ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: قال: {إِن يُرِدْنِ ٱلرَّحْمَـٰنُ بِضُرٍّ } ولم يقل إن يرد الرحمن بي ضراً، وكذلك قال تعالى: {أية : إِنْ أَرَادَنِيَ ٱللَّهُ بِضُرّ هَلْ هُنَّ كَـٰشِفَـٰتُ ضُرّهِ } تفسير : [الزمر: 38] ولم يقل إن أراد الله بي ضراً، نقول الفعل إذا كان متعدياً إلى مفعول واحد تعدى إلى مفعولين بحرف كاللازم يتعدى بحرف في قولهم ذهب به وخرج به، ثم إن المتكلم البليغ يجعل المفعول بغير حرف ما هو أولى بوقوع الفعل عليه ويجعل الآخر مفعولاً بحرف فإذا قال القائل مثلاً؟ كيف حال فلان: يقول اختصه الملك بالكرامة والنعمة فإذا قال كيف كرامة الملك؟ يقول: اختصها بزيد فيجعل المسؤول مفعولاً بغير حرف لأنه هو المقصود إذا علمت هذا فالمقصود فيما نحن فيه بيان كون العبد تحت تصرف الله يقلبه كيف يشاء في البؤس والرخاء، وليس الضر بمقصود بيانه، كيف والقائل مؤمن يرجو الرحمة والنعمة بناءً على إيمانه بحكم وعد الله ويؤيد هذا قوله من قبل {أية : ٱلَّذِي فَطَرَنِي } تفسير : [يس: 22] حيث جعل نفسه مفعول الفطرة فكذلك جعلها مفعول الإرادة وذكر الضر وقع تبعاً وكذا القول في قوله تعالى: {أية : إِنْ أَرَادَنِيَ ٱللَّهُ بِضُرّ } تفسير : [الزمر: 38] المقصود بيان أنه يكون كما يريد الله وليس الضر بخصوصه مقصوداً بالذكر ويؤيده ما تقدم حيث قال تعالى: {أية : أَلَيْسَ ٱللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ } تفسير : [الزمر: 36] يعني هو تحت إرادته ويتأيد ما ذكرناه بالنظر في قوله تعالى: {أية : قُلْ مَن ذَا ٱلَّذِي يَعْصِمُكُمْ مّنَ ٱللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءاً } تفسير : [الأحزاب: 17] حيث خالف هذا النظم وجعل المفعول من غير حرف السوء وهو كالضر والمفعول بحرف هو المكلف، وذلك لأن المقصود ذكر الضر للتخويف وكونهم محلاً له، وكيف لا وهم كفرة استحقوا العذاب بكفرهم فجعل الضر مقصوداً بالذكر لزجرهم، فإن قيل فقد ذكر الله الرحمة أيضاً حيث قال: {أية : أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً } تفسير : [الأحزاب: 17] نقول المقصود ذلك، ويدل عليه قوله تعالى: {أية : مِن بَعْدِهِ وَلاَ يَجِدُونَ لَهُمْ مّن دُونِ ٱللَّهِ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً } تفسير : [الأحزاب: 17] وإنما ذكر الرحمة تتمة للأمر بالتقسيم الحاصر، وكذلك إذا تأملت في قوله تعالى: {أية : يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَن يَمْلِكُ لَكُمْ مّنَ ٱللَّهِ شَيْئاً إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرّاً أَوْ أَرَادَ بكم نفعاً } تفسير : [الفتح: 11] فإن الكلام أيضاً مع الكفار وذكر النفع وقع تبعاً لحصر الأمر بالتقسيم، ويدل عليه قوله تعالى: {أية : بَلْ كَانَ ٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً } تفسير : [الفتح: 11] فإنه للتخويف، وهذا كقوله تعالى: {أية : وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَىٰ هُدًى أَوْ فِي ضَلَـٰلٍ مُّبِينٍ } تفسير : [سبأ: 24]، والمقصود إني على هدى وأنتم في ضلال، ولو قال هكذا لمنع مانع فقال بالتقسيم كذلك ههنا المقصود الضر واقع بكم ولأجل دفع المانع قال الضر والنفع. المسألة الثانية: قال ههنا: {إِن يُرِدْنِ ٱلرَّحْمَـٰنُ } وقال في الزمر: {أية : إِنْ أَرَادَنِيَ ٱللَّهُ } تفسير : [الزمر: 38] فما الحكمة في اختيار صيغة الماضي هنالك واختيار صيغة المضارع ههنا وذكر المريد باسم الرحمن هنا وذكر المريد باسم الله هناك؟ نقول أما الماضي والمستقبل فإن إن في الشرط تصير الماضي مستقبلاً وذلك لأن المذكور ههنا من قبل بصيغة الاستقبال في قوله: {أَءتَّخِذُ } وقوله: {أية : وَمَالِيَ لاَ أَعْبُدُ } تفسير : [يس: 22] والمذكور هناك من قبل بصيغة الماضي في قوله: {أية : أَفَرَءَيْتُمُ } تفسير : [الزمر: 38] وكذلك في قوله تعالى: {أية : وَإِن يَمْسَسْكَ ٱللَّهُ بِضُرٍّ } تفسير : [الأنعام: 17] لكون المتقدم عليه مذكوراً بصيغة المستقبل وهو قوله: {أية : منْ يُصْرَفْ عَنْهُ } تفسير : [الأنعام: 16] وقوله: {أية : إِنّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ } تفسير : [الأنعام: 15] والحكمة فيه هو أن الكفار كانوا يخوفون النبي صلى الله عليه وسلم بضر يصيبه من آلهتهم فكأنه قال صدر منكم التخويف، وهذا ما سبق منكم، وههنا ابتداء كلام صدر من المؤمن للتقرير، والجواب ما كان يمكن صدوره منهم فافترق الأمران، وأما قوله هناك: {أية : إِنْ أَرَادَنِيَ ٱللَّهُ } تفسير : [الزمر: 38] فنقول قد ذكرنا أن الأسمين المختصين بواجب الوجود الله والرحمن كما قال تعالى: {أية : قُلِ ٱدْعُواْ ٱللَّهَ أَوِ ٱدْعُواْ ٱلرَّحْمَـٰنَ } تفسير : [الإسراء: 110] والله للهيبة والعظمة والرحمن للرأفة والرحمة، وهناك وصف الله بالعزة والانتقام في قوله: {أية : أَلَيْسَ ٱللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي ٱنتِقَامٍ } تفسير : [الزمر: 37] وذكر ما يدل على العظمة ما يدل على العظمة بقوله: {أية : وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ } تفسير : [العنكبوت: 61] فذكر الاسم الدال على العظمة وقال ههنا ما يدل على الرحمة بقوله: {أية : ٱلَّذِي فَطَرَنِي } تفسير : [يس: 22] فإنه نعمة هي شرط سائر النعم فقال: {إِن يُرِدْنِ ٱلرَّحْمَـٰنُ بِضُرٍّ } ثم قال تعالى: {لاَّ تُغْنِ عَنّى شَفَـٰعَتُهُمْ شَيْئاً وَلاَ ينقذون } على ترتيب ما يقع من العقلاء، وذلك لأن من يريد دفع الضر عن شخص أضر به شخص يدفع بالوجه الأحسن فيشفع أولاً فإن قبله إلا يدفع فقال: لا تغن عني شفاعتهم ولا يقدرون على إنقاذي بوجه من الوجوه، وفي هذه الآيات حصل بيان أن الله تعالى معبود من كل وجه إن كان نظراً إلى جانبه فهو فاطر ورب مالك يستحق العبادة سواء أحسن بعد ذلك أو لم يحسن وإن كان نظراً إلى إحسانه فهو رحمـٰن، وإن كان نظراً إلى الخوف فهو يدفع ضره، وحصل بيان أن غيره لا يصلح أن يعبد بوجه من الوجوه، فإن أدنى مراتبه أن يعد ذلك ليوم كريهة وغير الله لا يدفع شيئاً إلا إذا أراد الله وإن يرد فلا حاجة إلى دافع.
المحلي و السيوطي
تفسير : {ءَأَتَّخِذُ } في الهمزتين منه ما تقدم في «أأنذرتهم» وهو استفهام بمعنى النفي {مِن دُونِهِ } أي غيره {ءَالِهَةً } أصناماً؟ {إِن يُرِدْنِ ٱلرَّحْمَٰنُ بِضُرٍّ لاَّ تُغْنِ عَنِّى شَفَٰعَتُهُمْ } التي زعمتموها {شَيْئاً وَلاَ يُنقِذُونِ } صفة آلهة.
ابو السعود
تفسير : {أَءتَّخِذُ مِن دُونِهِ ءالِهَةً} إنكارٌ ونفيٌ لاتِّخاذِ الآلهة على الإطلاقِ. وقوله: {إِن يُرِدْنِ ٱلرَّحْمَـٰنُ بِضُرّ لاَّ تُغْنِ عَنّى شَفَـٰعَتُهُمْ شَيْئاً} أي لا تنفعني شيئاً من النَّفعِ. {وَلاَ يُنقِذُونَ} من ذلك الضُّرِّ بالنُّصرةِ والمظاهرةِ، استئنافٌ سبقَ لتعليلٍ النَّفي المذكور. وجعلُه صفةً لآلهةً كما ذهب إليه بعضُهم رُبَّما يُوهم أنَّ هناك آلهةً ليستْ كذلكَ. وقُرىء إنْ يَردن بفتح الياءِ على معنى إنْ يُوردني ضراً أي يجعلنِي مورداً للضُّرِّ {إِنّى إِذاً} أي إذا اتخذتُ من دونه آلهةً {لَفِى ضَلَـٰلٍ مُّبِينٍ} فإنَّ إشراكَ ما ليس من شأنِه النَّفعُ ولا دفعُ الضُّرِّ بالخالق المقتدرِ الذي لا قادرَ غيرُه ولا خيرَ إلا خيرُه ضلال بـيِّن لا يَخْفى على أحدٍ ممَّن له تميـيزٌ في الجملةِ {إِنّى ءامَنتُ بِرَبّكُمْ} خطاب منه للرُّسلِ بطريق التَّلوينِ قيل: لمَّا نصحَ قومَه بما ذُكر همُّوا برجمِه فأسرع نحوَ الرُّسلِ قبل أن يقتلُوه فقال ذلك، وإنَّما أكَّده لإظهارِ صدوره عنه بكمال الرَّغبةِ والنَّشاطِ وأصناف الربَّ إلى ضميرِهم رَوْماً لزيادة التَّقريرِ وإظهاراً للاختصاصِ والافتداءِ بهم كأنَّه قالَ بربِّكم الذي أرسلَكم أو الذي تدعُوننا إلى الإيمانِ به {فَٱسْمَعُونِ} أي اسمعُوا إيمانيَ واشهدُوا لي به عند الله تعالى، وقيل: الخطابُ للكفرةِ شافههَم بذلك إظهاراً للتَّصلُّبِ في الدِّينِ وعدم المبالاة بالقتلِ، وإضافةُ الرَّبِّ إلى ضميرهم لتحقيقِ الحقِّ والتَّنبـيهِ على بُطلان ما هم عليه من اتِّخاذِ الأصنامِ أرباباً وقيل للنَّاس جميعاً: {قِيلَ ٱدْخُلِ ٱلْجَنَّةَ} قيل له ذلك لمَّا قتلُوه إكراماً له بدخولِها حينئذٍ كسائر الشُّهداءِ وقيل: لما همُّوا بقتله رفعَه الله تعالى إلى الجنَّةِ قاله الحسنُ. وعن قَتادةَ أدخلَه الله الجنَّةَ وهو فيها حيٌّ يُرزقُ. وقيل معناه البُشرى بدخولِ الجنَّةِ وأنَّه من أهلِها وإنَّما لم يُقل له لأنَّ الغرضَ بـيانُ المقولِ لا القولِ له لظهوره وللمبالغةِ في المسارعةِ إلى بـيانِه. والجملةُ استئنافٌ وقع جواباً عن سؤالٍ نشأ من حكايةِ حالِه ومقالهِ كأنَّه قيل: كان لقاءُ ربِّه بعد ذلك التصلُّب في دينه والتَّسخِّي بروجِه لوجهه تعالى فقيل قيل: ادخل الجنَّة. وكذلك قوله تعالى: {قَالَ يٰلَيْتَ قَوْمِى يَعْلَمُونَ بِمَا غَفَرَ لِى رَبّى وَجَعَلَنِى مِنَ ٱلْمُكْرَمِينَ} فإنَّه جوابِ عن سؤالِ نشأ من حكايةِ حالهِ كأنَّه قيل: فماذا قال عند نيلِه تلك الكرامةَ السَّنيةَ فقيل قال: الخ وإنما تمنَّى علَم قومه بحاله ليحملَهم ذلك عن اكتسابِ مثله بالتَّوبةِ عن الكُفرِ والدخول في الإيمانِ والطَّاعةِ جرياً على سَننِ الأولياء في كظمِ الغيطِ. والتَّرحمِ على الأعداءِ أو ليعلموا أنهم كانُوا على خطأٍ عظيمٍ في أمره وأنَّه كان على الحقِّ وأنَّ عداوتَهم لم تكسبه إلاَّ سعادةً. وقُرىء من المكرمين. وما موصولةً أو مصدريةٌ والياءُ صلةُ يعلمون أو استفهاميةٌ وردتْ على الأصل والياءُ متعلِّقةٌ بغفرَ أي بأي شيءٍ غفرَ لي ربِّـي يريدُ به تفخيمَ شأنِ المهاجرةِ عن ملَّتِهم والمصابرةِ. على أذيَّتِهم.
اسماعيل حقي
تفسير : فقال {ءاتخذ من دونه} اى دون الذى فطرنى وهو الله تعالى {آلهة} باطلة وهى الاصنام وهو انكار ونفى لاتخاذ الآلهة على الاطلاق اى لا اتخذ ثم استأنف لتعليل النفى فقال {ان يردن الرحمن بضر} يعنى [اكرخواهد رحمن ضررى بمن رسد] والضر اسم لكل سوء ومكروه يتضر ربه {لا تغن عنى شفاعتهم} اى الآلهة {شيئا} اى لا تنفعنى شيئا من النفع اذ لا شفاعة لهم فتنفع فنصب شيئا على المصدرية وقوله لا تغن جواب الشرط والجملة الشرطية استئناف لا محل لها من الاعراب {ولا ينقذون} الانقاذ التخليص اى لا يخلصوننى من ذنيك الضر والمكروه بالنصرة والمظاهرة وهو عطف على لا تغن وعلامة الجزم حذف نون الاعراب لان اصله لا ينقذوننى وهو تعميم بعد تخصيص مبالغة بهما فى عجزهم وانتفاء قدرتهم. قال الامام السهيلى ذكروا ان حبيبا كان به داء الجذام فدعا له الحوارى فشفى فلذلك قال ان يردن الرحمن الخ انتهى. وقال بعضهم ان المريض كان ابنه كما سبق الا ان يقال لا مانع من ابتلاء كليهما او ان مرض ابنه فى حكم مرض نفسه فلذا اضاف الضر الى نفسه ويحتمل ان الضر ضر القوم لانه روى شفاء كثير من مرضاهم على يدى الرسل فاضافه حبيب الى نفسه على طريقة ما قبله من الاستمالة وتعريفا للاحسان بهم بطريق اللطف
صدر المتألهين الشيرازي
تفسير : أي كيف ساغ لي في اتخاذ الأصنام آلهة لي، إن أراد الله إهلاكي والإضرار بي، لا تدفع عني شفاعتُهم شيئاً، بمعنى أن لا شفاعة لهم ولا ينقذوني، أي لا يمكن لهم أن يخلصوني من ذلك الهلاك والضرر والمكروه، إني إن فعلت ذلك، لفي عدول واضح عما فُطِرت عليه العقول. والوجه في وقوعه على نمط الاحتجاج، أن العبادة لا يستحقها إلاّ المنعِم بأصول النعم، والمعطي للعبد ما به القِوام، وما به يدفع عنه الهلاك والآلام، وليس هو إلاّ القيّوم الواحد الأحد، والغرض من مخاطبة النفس، مجرد تصوير الدليل وتحقيق المقدمات، لا إظهار الندامة على ما سبق كما توهم، أي كيف يجوز للعاقل أن يستحل عنده أن يتخذ آلهة من دون الله، ويختار على عبادته عبادة أصنام لا يقدرون على دفع ضر وآفة عنه، ولو أراد الرحمن بضرٍّ له، لم يتمكنوا على شفاعته، ولو شفعوا له، لم تنفع شفاعتهم إياه، ولا أيضاً يقدرون على انقاذه من شر الطبع والهوى بالشفاعة وغيرها، كالملائكة والنبيين، انه في هذا الإختيار، لراكب متن الضلالة الظاهرة، وساكن سفينة الإنحراف المبين، عن جادة العقل الرزين، ومنهج السبق اليقين، ولا يبعد أن تكون هذه الآية، على مساق الآية المتقدمة، أي: أتتخذون من دون الله أصناماً آلهة أن أرادكم الرحمن بِضُرٍّ لا تغنِ عنكم شفاعتهم شيئاً، فأنتم إذاً لفي غواية جليَّة وضلالة بيّنة. وفي الكشاف: "وقد ساق الكلام إلى أن قال: {إِنِّيۤ آمَنتُ بِرَبِّكُمْ فَٱسْمَعُونِ} [يس:25].
الجنابذي
تفسير : {أَأَتَّخِذُ مِن دُونِهِ آلِهَةً إِن يُرِدْنِ ٱلرَّحْمَـٰنُ بِضُرٍّ لاَّ تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً} والمعبود لا بدّ وان يدفع عن العابد وان لم يدفع فلا اقلّ ان يشفع عند من يريد به ضرّاً {وَلاَ يُنقِذُونَ} منه.
اطفيش
تفسير : {أأتَّخذُ مِن دُونه آلهةً} إنكار لأن يكون اتخاذ آلهة متعددة غير نافعة صوابا واستحماق لمتخذها، وهى لا تنفع ولا تدفع كما أفاده نعتها بقوله: {إن يُردن الرحْمَن بضُر لا تغن عَني شفاعَتهم شيئاً ولا يُنْقِذون} نعتا لازما لا يتصور خلافه لا استئناف، ولا يخفى عنهم أن مراده أن كل اله أتخذه غير الله لا يشفع له ولا يدفع عنه، ضرا، والمراد انتفاء أن تكون لها شفاعة وإنقاذ، فضلا عن أن يرجوهما عنها، وليس مراده فرض أنها لها شفاعة غير نافعة، وشيئا مفعول به لتغنى، بمعنى نزيل، أو بمعنى تنفع، أو مفعول مطلق أى اغناء والانقاذ التخليص من ضر واقع أو مستقبل.
الالوسي
تفسير : {ءَأَتَّخِذُ مِن دُونِهِ ءَالِهَةً } إنكار ونفي لاتخاذ جنس الآلهة على الإطلاق وفيه من تحميق من يعبد الأصنام ما فيه. وقوله تعالى: {إِن يُرِدْنِ ٱلرَّحْمَـٰنُ بِضُرّ لاَّ تُغْنِ عَنّى شَفَـٰعَتُهُمْ شَيْئاً } استئناف سيق لتعليل النفي المذكور، وجعله صفة لآلهة كما ذهب إليه البعض ربما يوهم أن هناك آلهة ليست كذلك، ومعنى {لاَ تُغْنِى } الخ لا تنفعني شيئاً من النفع، وهو إما على حد:شعر : لا ترى الضب بها ينجحر تفسير : أي لا شفاعة لهم حتى تنفعني، وإما على فرض وقوع الشفاعة أي لا تغني عني شفاعتهم لو وقعت شيئاً {وَلاَ يُنْقذُون} يخلصون من ذلك الضر بالنصر والمظاهرة، وهو ترق من الأدنى إلى الأعلى بدأ أولاً بنفي الجاه وذكر ثانياً انتفاء القدرة وعبر عنه بانتفاء الإنقاذ لأنه نتيجته. وفتح ياء المتكلم في {يردني} طلحة السمان على ما قال ابن عطية، وقال ابن خالويه: طلحة بن مصرف وعيسى الهمداني وأبو جعفر، ورويت عن نافع وعاصم وأبـي عمرو؛ وقال الزمخشري: وقرىء {إِن يُرِدْنِي ٱلرَّحْمَـٰنُ بِضُرّ } بمعنى إن يوردني ضراً أي يجعلني مورداً للضر اهـ، قال أبو حيان: كأنه والله تعالى أعلم رأى في كتب القراءات {يردني} بفتح الياء فتوهم أنها ياء المضارعة فجعل الفعل متعدياً بالياء المعدية كالهمزة فلذلك أدخل عليه همزة التعدية ونصب به اثنين، والذي في كتب الشواذ أنها ياء الإضافة المحذوفة خطأ ونطقاً لالتقاء الساكنين، قال في «كتاب ابن خالويه»: بفتح الياء ياء الإضافة، وقال في «اللوامح»: {إِن يُرِدْنِي ٱلرَّحْمَـٰنُ} بالفتح وهو أصل الياء البصرية أي المثبتة بالخط الذي يرى بالبصر لكن هذه محذوفة اهـ كلامه، وحسن الظن بالزمخشري يقتضي خلاف ما ذكره.
الشنقيطي
تفسير : الاستفهام في قوله تعالى: {أَأَتَّخِذُ}: للإنكار، وهو مضمن معنى النفي: أي لا أعبد من دون الله معبودات، إن أرادني الله بضر لا تقدر على دفعه عني، ولا تقدر أن تنقذني من كرب. وما تضمنته هذه الآية الكريمة من عدم فائدة المعبودات من دون الله جاء موضحاً في آيات من كتاب الله تعالى: كقوله تعالى: {أية : قُلْ أَفَرَأَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ ٱللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ ٱللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّـلُ ٱلْمُتَوَكِّلُونَ} تفسير : [الزمر: 38] وقوله تعالى: {أية : قُلِ ٱدْعُواْ ٱلَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِهِ فَلاَ يَمْلِكُونَ كَشْفَ ٱلضُّرِّ عَنْكُمْ وَلاَ تَحْوِيلاً} تفسير : [الإسراء: 56] وقوله تعالى: {أية : قُلِ ٱدْعُواْ ٱلَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ لاَ يَمْلِكُونَ مِثُقَالَ ذَرَّةٍ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي ٱلأَرْضِ} تفسير : [سبأ: 22] الآية. وقوله تعالى: {أية : وَيَقُولُونَ هَـٰؤُلاۤءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ ٱللَّهَ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي ٱلأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ} تفسير : [يونس: 18] وقوله تعالى: {أية : وَلاَ تَدْعُ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لاَ يَنفَعُكَ وَلاَ يَضُرُّكَ فَإِن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِّنَ ٱلظَّالِمِينَ} تفسير : [يونس: 106]، والآيات بمثل ذلك كثيرة معلومة. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: {لاَّ تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً} أي لا شفاعة لهم أصلاً حتى تغني شيئاً، ونحو هذا أسلوب عربي معروف، ومنه قول امرئ القيس: شعر : على لا حب لا يهتدي بمناره إذا سافه العود النباطي جرجرا تفسير : فقوله: لا يهتدي بمناره: أي لا منار له أصلاً حتى يهتدي به. وقول الآخر: شعر : لا تفزع الأرنب أهوالها ولا ترى الضب بها ينجحر تفسير : أي لا أرنب فيها، حتى تفزعها أهوالها، ولا ضب فيها حتى ينجحر: أي يتخذ حجراً. وهذا المعنى هو المعروف هو المعروف عند المنطقيين بقولهم: السالبة لا تقتضي وجود الموضوع. كما تقدم إيضاحه.
د. أسعد حومد
تفسير : {آلِهَةً} {شَفَاعَتُهُمْ} {أَأَتَّخِذُ} (23) - وَهَلْ تُرِيدُونَنِي أَنْ أَعْبُدَ آلِهَةً غَيْرَ اللهِ تَعَالَى لاَ تَضُرُّ وَلاَ تَنْفَعُ، فَإِذَا أَرَادَ اللهُ الرَّحْمَنُ أَنْ يُنْزِلَ بِي ضُرّاً لَمْ تَنْفَعْنِي تِلْكَ الآلِهَةُ شَيْئاً، وَلَمْ تَشْفَعْ لِي عِنْدَهُ، وَلَمْ تُنْقِذْنِي مِنْ عَذَابِهِ. لا تُغْنِ - لاَ تَدْفَع عَنِّي وَهُوَ جَوَابُ الشَّرطِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : الاستفهام في {أَأَتَّخِذُ} [يس: 23] يحمل معنى التعجُّب والإنكار، فهو يتعجب وينكر: كيف يتخذ من دون الله آلهة، والله هو الذي خلقه، وحين تتأمل معنى الفعل (أتخذ) تجد أن الشيء المُتَّخذ ليس أصلاً، فمعنى اتخاذ آلهة أنها ليستْ آلهة في الحقيقة، وأنها لا تستحق أنْ تكون آلهة، لكن عمدتَ إليها فجعلتها آلهة، ومثله اتخاذ الولد في قوله تعالى: {أية : مَا ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَـهٍ إِذاً لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَـٰهٍ بِمَا خَلَقَ ..} تفسير : [المؤمنون: 91]. فالمعنى: أن الله تعالى ليس له ولد في حقيقة الأمر، وإنْ قلتم اتخذ الله ولداً، فهذا يعني أنه أتى سبحانه إلى ولد فتبنَّاه، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً. وكما تقول أنت اتخذت ولداً. يعني: أتيتَ إلى ولد لم تنجبه فتبنَّيْته. إذن: ما دامت هذه آلهة متخذة، فالمعنى أنها ليس لها وجود أصلاً، وكأن الرجل يُصحِّح للقوم فكرتهم عن العبادة. وقوله سبحانه: {إِن يُرِدْنِ ٱلرَّحْمَـٰنُ بِضُرٍّ} [يس: 23] هذه العبارة فيها لفتة لطيفة ينبغي تأملها؛ لأن صفة الرحمة في الرحمن تتناقض مع الضر، فكيف جمع السياق بينهما؟ نقول: إذا فسرتَ ما يجري عليك به قَدَر الله على أنه ضُرٌّ لك فتعقَّل أنه من رحمن، فلا بد أن يكون لمجريه عليك وهو الرحمن حكمة فيما أجرى، لذلك نقول: أحمدك ربي على كُلِّ قضائك وجميع قدرك، حَمْدَ الرضا بحكمك، لليقين بحكمتك. فكأن الحق سبحانه يقول لك: تنبه أنه ليس كل ما تراه بقوانينك أنت ضاراً لك، هو كذلك؛ لن مُجريه عليك رحمن، ففي طيَّات هذا الضر نَفْع كثير. كما يقدم الأب الحنون ولده للطبيب فيُجري له جراحة مؤلمة، أو يقطع جزءاً منه ليُصلح باقي الجسم، فهذا ضرر في الظاهر، وفي الحقيقة رحمة به. لذلك سبق أنْ قلنا: إذا دخل عليك ولدك يسيل دمه، فلا تستقبل هذا إلا بالرضا، ولا بالسخط، إلا بعد أنْ تسأل عن الفاعل، فإنْ كان عدواً سخطَتْ عليه، وإنْ كان مُحباً تقبلْتَ ما حدث بالرضا، وقلتَ للولد: لا بد أنَّ عمَّك مثلاً رآك تخطئ فعاقبك. كذلك لا تحكم على أقدار الله التي يُجريها عليك إلا من منطلق أنها من رحمن أرحم بك من الوالدة بولدها، وأنت خَلْقه وصَنْعته، وما رأينا أحداً من حمقى البشر يعمد إلى صنعته فيحطمها، إنما يعتنى بها، ويُعمِل فيها يد التجميل والتزيين، كما ترى النجار مثلاً يمسك بـ (الفارة) وينحت في الخشب. أتقول: إنه يضر بصنعته؟ لا بل يُصلحها ويُزينها. لذلك يقول تعالى في الحديث القدسي: "حديث : يا ابن آدم، أنا لك مُحب، فبحقِّي عليك كُنْ لي محباً" تفسير : أبعد هذا التودد من الخالق للخَلْق يُجْري عليهم ما يضرهم؟ وفي حياتنا العملية كثيراً ما نرى شواهد لهذه المسألة، فكثيراً ما يفوتك القطار أو الأتوبيس مثلاً، فتأخذ الميعاد التالي، وفي الطريق تجد القطار أو الأتوبيس حدث له حادث فتصحح أنت فكرتك الأولى، وتُحوِّل غضبك لفوات القطار إلى شكر لله الذي نجَّاك، وكنتَ تظن غير ذلك. إذن: انظر إلى مَنْ أجرى عليك الأقدار، ولا تنظر إلى المنفعة السطحية؛ لأن لله تعالى حكمة فيما يُجريه، تعلمها أنت أو لا تعلمها. أيضاً كثيراً ما يُخفق أحد أبنائنا مثلاً في الامتحان وقد ذاكر واجتهد وحصَّل العلوم .. الخ لكن عَرَض له عارض من مرض أو غيره فلم يُوفَّق. النظرة السطحية للأمور تقول: إنها شر وخسارة تدعو إلى السخط والعياذ بالله، لكن النظرة المتأنية المتأملة ترى لله تعالى حكمة في هذا الإخفاق. فالأب العاقل في مثل هذه المواقف يقول لولده: يا بني، احمد الله فأنت دائم النجاح، ولعلك إنْ نجحتَ هذا العام لا تَسْلم من عيون الحاسدين، وهذه فرصة لك لتزيد من مجموعك لتدخل الكلية التي تريدها.. الخ. وهكذا يُوثق الوالد علاقة ولده بالله، ويُزيد من إيمانه ورضاه بربه، ويُبعده عن السخط وعدم الرضا بالقضاء، وهذه مسألة ينبغي على الآباء الاهتمام بها. إذن: اللمسة التي نريد الوقوف عندها في هذه الآية أن الرحمن إنْ كانت تنافي عندك فِعْل الضر، فهذا عندك أنت، إنما عند مُجريها لا تنافي، لأنها من الرحمانية. وقوله تعالى: {لاَّ تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً} [يس: 23] يعني: شفاعة هذه الآلهة - إنْ كانت لهم شفاعة - لا تُجدي، لأنهم شركاء لله وأنداد لله، فكيف تُقْبل شفاعتهم عنده سبحانه؟ وشرط في الشفاعة أن يكون الشافع محبوباً عند المشفوع عنده، فهذه الآلهة على فرْض أنه كان لهم شفاعة، فهي غير مقبولة عند الله تعالى، مع أن هذه الآلهة في ذاتها معذورة حيث لا ذنبَ لها، فهي ما ادَّعَتْ أنها آلهة، إنما ادَّعى البشر ذلك. وسبق أنْ ذكرنا أن هذه الآلهة قد تبرأت من كونها تُعبد من دون الله، وصدق الشاعر الذي صاغ هذا المعنى: فقال على لسان هذه الآلهة: شعر : عَبَدُونَا وَنَحْنُ أَعْبَدُ للهِ مِنَ القَائِمينَ بالأَسْحَارِ قَدْ تجنَّوْا جَهْلاً كما قَدْ تجنوه على ابْنِ مريَمَ والحَوارِي تَخِذُوا صَمْتَنَا عَلينَا دليلاً فغدَوْنَا بهمُ وَقُودَ النَّارِ لِلْمُغَالِي جَزَاؤُه والمغَالَى فِيهِ تُنجِيهِ رحمةُ الغفَّارِ تفسير : وقوله سبحانه: {وَلاَ يُنقِذُونَ} [يس: 23] لأن الشافع حين تُرد شفاعته يمكن أن ينقذ المشفوع فيه من يد المشفوع عنده، أما هؤلاء الآلهة فلا تُقبل شفاعتها، ولا تستطيع أنْ تنقذ مَنْ طلب منها أنْ تشفع له. وقد بيَّنَّا معنى الشفاعة، وأنها من الشفع يعني: إنسان له قضية، ولا يستطيع وحده بأسباب حَلَّ هذه القضية فيستعين بآخر ليساعده وينضم إليه لِيقوِّيه على حَلِّها، إذن: بعد أنْ كان مفرداً صار بالشافع شفعاً. يعني: اثنين. ولما أراد الحق سبحانه أن يجلى لنا هذه المسألة قال سبحانه في سورة البقرة: {أية : وَٱتَّقُواْ يَوْماً لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَٰعَةٌ وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ} تفسير : [البقرة: 48]. وقال في موضع آخر: {أية : وَٱتَّقُواْ يَوْماً لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ تَنفَعُهَا شَفَاعَةٌ} تفسير : [البقرة: 123]. تلحظ أن صدر الآيتين متفق لكن عجزهما مختلف، فلماذا؟ قالوا: لأن مرجع الضمير مختلف؛ لأن عندنا هنا نَفْساً جازية، ونفساً مجزياً عنها، فإنْ أعدْتَ الضمير على المجزى عنها، فالمجزى عنه لا يشفع بنفسه، إنما يعرض العدل أولاً، ويطلب تقويم الضرر ليدفع فِدْيته، فإنْ لم يقبل منه العدل بحث عَمَّنْ يشفع له، إذن: فالمعنى: لا يُقبل من ذاتها عدل، ولا تنفعها شفاعة الغير. فإنْ أعدْتَ الضمير على النفس الجازية - أي: الشافعة - فإن الشافع يتقدم ليشفع أولاً، فإنْ لم تُقبل شفاعته فإنه يعرض العدل، ويتحمل الفدية. إذن: هذه الآلهة - على فَرْض أن لها شفاعة - فهي شفاعة مردودة غير مقبولة، وهم أيضاً لا يستطيعون إنقاذ مَنْ يلجأ إليهم من قبضة الحق سبحانه، فهم لا يصلحون للشفاعة، ولا للإنقاذ، وهذا المعنى واضح في قوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ لَن يَخْلُقُواْ ذُبَاباً وَلَوِ ٱجْتَمَعُواْ لَهُ وَإِن يَسْلُبْهُمُ ٱلذُّبَابُ شَيْئاً لاَّ يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ ٱلطَّالِبُ وَٱلْمَطْلُوبُ} تفسير : [الحج: 73]. وقوله: {إِنِّيۤ إِذاً لَّفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ} [يس: 24] يعني: إنْ فعلتُ ذلك، وذهبتُ إلى عبادة هذه الآلهة أكون في ضلال {مُّبِينٍ} [يس: 24] بيِّن واضح، وقوله: {لَّفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ} [يس: 24] كأن الضلال يحاصره ويحيط به من كل ناحية، بحيث لا يستطيع أنْ ينجو منه. ثم يقول هذا الرجل المؤمن: {إِنِّيۤ آمَنتُ بِرَبِّكُمْ فَٱسْمَعُونِ} [يس: 25] هذا الخطاب يصح أنْ يُوجَّه إلى الرسل الذين جاء الرجل ليساندهم في دعوتهم ويناصرهم، فنظر إليهم وقال {إِنِّيۤ آمَنتُ بِرَبِّكُمْ} [يس: 25] ومعنى {فَٱسْمَعُونِ} [يس: 25] أي: اسمعوا مني ما أناصركم به، واشهدوا لي بأنني متطوع بهذه المساندة الإيمانية، لم يُكلِّفنى أحد بها. ويصح أنْ يكون هذا الخطاب مُوجَّهاً إلى القوم المكذِّبين، فهو يقول لهم: {إِنِّيۤ آمَنتُ بِرَبِّكُمْ} [يس: 25] يعني: الله ربكم رغماً عنكم، وإنْ كنتم كافرين به سبحانه فأنا احترمت ربوبيته لكم، وآمنتُ بها لأدخل في عظمة هذه الربوبية {فَٱسْمَعُونِ} [يس: 25] أي: اسمعوا مني هذا البلاغ لأكون قد أدَّيْتُ ما وجب عليَّ نحوكم، وأبلغتكم ولم أخدعكم أو أغشَّكم. ثم يقول الحق سبحانه: {قِيلَ ٱدْخُلِ ٱلْجَنَّةَ قَالَ يٰلَيْتَ ...}.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):