Verse. 3733 (AR)

٣٦ - يس

36 - Yaseen (AR)

وَمَاۗ اَنْزَلْنَا عَلٰي قَوْمِہٖ مِنْۢ بَعْدِہٖ مِنْ جُنْدٍ مِّنَ السَّمَاۗءِ وَمَا كُنَّا مُنْزِلِيْنَ۝۲۸
Wama anzalna AAala qawmihi min baAAdihi min jundin mina alssamai wama kunna munzileena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وما» نافية «أنزلنا على قومه» أي حبيب «من بعده» بعد موته «من جند من السماء» أي ملائكة لإهلاكهم «وما كنا منزلين» ملائكة لإهلاك أحد.

28

Tafseer

الرازي

تفسير : إشارة إلى هلاكهم بعده سريعاً على أسهل وجه فإنه لم يحتج إلى إرسال جند يهلكهم، وفيه مسائل: المسألة الأولى: قال ههنا: {وَمَا أَنزَلْنَا } بإسناد الفعل إلى النفس، وقال في بيان حال المؤمن {أية : قِيلَ ٱدْخُلِ ٱلْجَنَّةَ } تفسير : [يس: 26] بإسناد القول إلى غير مذكور، وذلك لأن العذاب من باب الهيبة فقال بلفظ التعظيم، وأما في: {ٱدْخُلِ ٱلْجَنَّةَ } فقال (قيل) ليكون هو كالمهنأ بقول الملائكة حيث يقول له كل ملك وكل صالح يراه ادخل الجنة خالداً فيها، وكثيراً ما ورد في القرآن قوله تعالى: {وَقِيلَ أَدْخِلُواْ } إشارة إلى أن الدخول يكون دخولاً بإكرام كما يدخل العريس البيت المزين على رؤوس الأشهاد يهنئه كل أحد. المسألة الثانية: لم أضاف القوم إليه مع أن الرسول أولى بكون الجمع قوماً لهم فإن الواحد يكون له قوم هم آله وأصحابه والرسول لكونه مرسلاً يكون جميع الخلق وجميع من أرسل إليهم قوماً له؟ نقول لوجهين أحدهما: ليبين الفرق بين اثنين هما من قبيلة واحدة أكرم أحدهما غاية الإكرام بسبب الإيمان وأهين الآخر غاية الإهانة بسبب الكفر، وهذا من قوم أولئك في النسب وثانيهما: أن العذاب كان مختصاً بأقارب ذلك، لأن غيرهم من قوم الرسل آمنوا بهم فلم يصبهم العذاب. المسألة الثانية: خصص عدم الإنزال بما بعده والله تعالى لم ينزل عليهم جنداً قبله أيضاً فما فائدة التخصيص؟ نقول استحقاقهم العذاب كان بعده حيث أصروا واستكبروا فبين حال الهلاك أنه لم يكن بجند. المسألة الرابعة: قال: {مِّنَ ٱلسَّمَاءِ } وهو تعالى لم ينزل عليهم ولا أرسل إليهم جنداً من الأرض فما فائدة التقييد؟ نقول الجواب عنه من وجهين أحدهما: أن يكون المراد وما أنزلنا عليهم جنداً بأمر من السماء فيكون للعموم وثانيهما: أن العذاب نزل عليهم من السماء فبين أن النازل لم يكن جنداً لهم عظمة وإنما كان ذلك بصيحة أخمدت نارهم وخربت ديارهم. المسألة الخامسة: {وَمَا كُنَّا مُنزِلِينَ } أية فائدة فيه مع أن قوله: {وَمَا أَنزَلْنَا } يستلزم أنه لا يكون من المنزلين؟ نقول قوله: {وَمَا كُنَّا } أي ما كان ينبغي لنا أن ننزل لأن الأمر كان يتم بدون ذلك فما أنزلنا وما كنا محتاجين إلى إنزال، أو نقول: {وَمَا أَنزَلْنَا... وَمَا كُنَّا مُنزِلِينَ } في مثل تلك الواقعة جنداً في غير تلك الواقعة، فإن قيل فكيف أنزل الله جنوداً في يوم بدر وفي غير ذلك حيث قال: {أية : وَأَنزَلَ جُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا } تفسير : [التوبة: 26]؟ نقول ذلك تعظيماً لمحمد صلى الله عليه وسلم وإلا كان تحريك ريشة من جناح ملك كافياً في استئصالهم وما كان رسل عيسى عليه السلام في درجة محمد صلى الله عليه وسلم.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَمآ } نافية {أَنزَلْنَا عَلَىٰ قَوْمِهِ } أي حبيب {مِن بَعْدِهِ } بعد موته {مِن جُندٍ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ } أي ملائكة لإِهلاكهم {وَمَا كُنَّا مُنزِلِينَ } ملائكة لإِهلاك أحد.

الشوكاني

تفسير : لما وقع ما وقع منهم مع حبيب النجار غضب الله له، وعجل لهم النقمة، وأهلكهم بالصيحة، ومعنى {وَمَا أَنزَلْنَا عَلَىٰ قَوْمِهِ مِن بَعْدِهِ } أي: على قوم حبيب النجار من بعد قتلهم له، أو من بعد رفع الله له إلى السماوات على الاختلاف السابق {مِن جُندٍ مّنَ ٱلسَّمَاء } لإهلاكهم، وللانتقام منهم: أي: لم تحتج إرسال جنود من السماء لإهلاكهم كما وقع ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر من إرسال الملائكة لنصرته، وحرب أعدائه {وَمَا كُنَّا مُنزِلِينَ } أي: وما صحّ في قضائنا، وحكمتنا أن ننزل لإهلاكهم جنداً لسبق قضائنا، وقدرنا بأن إهلاكهم بالصيحة لا بإنزال الجند. وقال قتادة، ومجاهد، والحسن: أي: ما أنزلنا عليهم من رسالة من السماء، ولا نبيّ بعد قتله. وروي عن الحسن أنه قال: هم الملائكة النازلون بالوحي على الأنبياء، والظاهر أن معنى النظم القرآني تحقير شأنهم، وتصغير أمرهم: أي: ليسوا بأحقاء بأن ننزل لإهلاكهم جنداً من السماء، بل أهلكناهم بصيحة واحدة كما يفيده قوله: {إِن كَانَتْ إِلاَّ صَيْحَةً وٰحِدَةً } أي: إن كانت العقوبة، أو النقمة، أو الأخذة إلاّ صيحة واحدة صاح بها جبريل، فأهلكهم. قال المفسرون: أخذ جبريل بعضادتي باب المدينة، ثم صاح بهم صيحة، فإذا هم ميتون لا يسمع لهم حسّ كالنار إذا طفئت، وهو معنى قوله: {فَإِذَا هُمْ خَـٰمِدُونَ } أي: قوم خامدون ميتون، شبههم بالنار إذا طفئت؛ لأن الحياة كالنار الساطعة، والموت كخمودها. قرأ الجمهور {صيحة} بالنصب على أن كان ناقصة، واسمها ضمير يعود إلى ما يفهم من السياق كما قدّمنا. وقرأ أبو جعفر، وشيبة، والأعرج، ومعاذ القارئ برفعها على أن كان تامة: أي: وقع، وحدث، وأنكر هذه القراءة أبو حاتم، وكثير من النحويين بسبب التأنيث في قوله: {إِن كَانَتْ } قال أبو حاتم: فلو كان كما قرأ أبو جعفر لقال: "إن كان إلاّ صيحة"، وقدّر الزجاج هذه القراءة بقوله: إن كانت عليهم صيحة إلاّ صيحة واحدة، وقدّرها غيره: ما وقعت عليهم إلاّ صيحة واحدة. وقرأ عبد الله بن مسعود «إن كانت إلاّ زقية واحدة»، والزقية: الصيحة، قال النحاس: وهذا مخالف للمصحف، وأيضاً. فإن اللغة المعروفة: زقا يزقو إذا صاح. ومنه المثل «أثقل من الزواقي»، فكان يجب على هذا أن تكون زقوة، ويجاب عنه بما ذكره الجوهري قال: الزقو والزقي مصدر، وقد زقا الصدا يزقو. زقا: أي صاح: وكل صائح زاق، والزقية: الصيحة. {يٰحَسْرَةً عَلَى ٱلْعِبَادِ } قرأ الجمهور بنصب {حسرة}، على أنها منادى منكر، كأنه نادى الحسرة، وقال لها: هذا أوانك فاحضري. وقيل: إنها منصوبة على المصدرية، والمنادى محذوف، والتقدير: يا هؤلاء تحسروا حسرة. وقرأ قتادة، وأبيّ في رواية عنه بضم حسرة على النداء. قال الفراء: في توجيه هذه القراءة: إن الاختيار النصب، وإنها لو رفعت النكرة لكان صواباً، واستشهد بأشياء نقلها عن العرب منها أنه سمع من العرب: يا مهتم بأمرنا لا تهتم، وأنشد:شعر : يا دار غيّرها البلى تغييرا تفسير : قال النحاس: وفي هذا إبطال باب النداء، أو أكثره. قال: وتقدير ما ذكره: يأيها المهتم لا تهتم بأمرنا، وتقدير البيت: يا أيتها الدار. وحقيقة الحسرة: أن يلحق الإنسان من الندم ما يصير به حسيراً. قال ابن جرير: المعنى: يا حسرة من العباد على أنفسهم، وتندّما وتلهفا في استهزائهم برسل الله، ويؤيد هذا قراءة ابن عباس، وعليّ بن الحسين "يا حسرة العباد" على الإضافة، ورويت هذه القراءة عن أبيّ. وقال الضحاك: إنها حسرة الملائكة على الكفار حين كذبوا الرسل. وقيل: هي من قول الرجل الذي جاء من أقصى المدينة. وقيل: إن القائل: يا حسرة على العباد هم: الكفار المكذبون، والعباد الرسل، وذلك أنهم لما رأوا العذاب تحسروا على قتلهم، وتمنوا الإيمان قاله أبو العالية، ومجاهد، وقيل: إن التحسر عليهم هو من الله عزّ وجلّ بطريق الاستعارة لتعظيم ما جنوه. وقرأ ابن هرمز، ومسلم بن جندب، وعكرمة، وأبو الزناد "يا حسره" بسكون الهاء إجراء للوصل مجرى الوقف. وقرىء "يا حسرتا" كما قرىء بذلك في سورة الزمر، وجملة {مَا يَأْتِيهِمْ مّن رَّسُولٍ إِلاَّ كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءونَ } مستأنفة مسوقة لبيان ما كانوا عليه من تكذيب الرسل، والاستهزاء بهم، وأن ذلك هو سبب التحسر عليهم. ثم عجب سبحانه من حالهم حيث لم يعتبروا بأمثالهم من الأمم الخالية، فقال: {أَلَمْ يَرَوْاْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مّنَ ٱلْقُرُونِ } أي: ألم يعلموا كثرة من أهلكنا قبلهم من القرون التي أهلكناها من الأمم الخالية، وجملة {أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لاَ يَرْجِعُونَ } بدل من كم أهلكنا على المعنى. قال سيبويه: أنّ بدل من كم، وهي: الخبرية، فلذلك جاز أن يبدل منها ما ليس باستفهام، والمعنى: ألم يروا أن القرون الذين أهلكناهم أنهم إليهم لا يرجعون. وقال الفراء: "كم" في موضع نصب من وجهين: أحدهما: بـ {يروا}، واستشهد على هذا بأنه في قراءة ابن مسعود "ألم يروا من أهلكنا"، والوجه الآخر: أن تكون "كم" في موضع نصب بـ {أهلكنا}. قال النحاس: القول الأوّل محال، لأن كم لا يعمل فيها ما قبلها؛ لأنها استفهام، ومحال أن يدخل الاستفهام في حيز ما قبله، وكذا حكمها إذا كانت خبراً، وإن كان سيبويه قد أومأ إلى بعض هذا، فجعل أنهم بدلاً من كم، وقد ردّ ذلك المبرد أشدّ ردّ {وَإِن كُلٌّ لَّمَّا جَمِيعٌ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ } أي: محضرون لدينا يوم القيامة للجزاء. قرأ ابن عامر، وعاصم، وحمزة {لما} بتشديدها، وقرأ الباقون بتخفيفها. قال الفراء: من شدّد جعل لما بمعنى: إلاّ، وإن بمعنى: ما، أي: ما كلّ إلاّ جميع لدينا محضرون، ومعنى {جميع} مجموعون، فهو فعيل بمعنى: مفعول، ولدينا ظرف له، وأما على قراءة التخفيف، فإن هي المخففة من الثقيلة، وما بعدها مرفوع بالابتداء، وتنوين {كل} عوض عن المضاف إليه، وما بعده الخبر، واللام هي: الفارقة بين المخففة والنافية. قال أبو عبيدة: وما على هذه القراءة زائدة، والتقدير عنده: وإن كلّ لجميع. وقيل: معنى {محضرون}: معذبون، والأولى أنه على معناه الحقيقي من الإحضار للحساب. ثم ذكر سبحانه البرهان على التوحيد، والحشر مع تعداد النعم، وتذكيرها، فقال: {وَءايَةٌ لَّهُمُ ٱلأَرْضُ ٱلْمَيْتَةُ }، فآية خبر مقدّم، وتنكيرها للتفخيم، ولهم صفتها، أو متعلقة بآية؛ لأنها بمعنى: علامة، والأرض مبتدأ، ويجوز: أن تكون {آية} مبتدأ لكونها قد تخصصت بالصفة، وما بعدها الخبر. قرأ أهل المدينة «الميتة» بالتشديد، وخففها الباقون، وجملة {أَحْيَيْنَـٰهَا } مستأنفة مبينة لكيفية كونها آية، وقيل: هي صفة للأرض، فنبههم الله بهذا على إحياء الموتى، وذكرهم نعمه، وكمال قدرته، فإنه سبحانه أحيا الأرض بالنبات: وأخرج منها الحبوب التي يأكلونها، ويتغذون بها، وهو معنى قوله: {وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبّاً فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ }، وهو ما يقتاتونه من الحبوب، وتقديم {منه} للدلالة على أن الحبّ معظم ما يؤكل، وأكثر ما يقوم به المعاش. {وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّـٰتٍ مّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَـٰبٍ } أي: جعلنا في الأرض جنات من أنواع النخل، والعنب، وخصصهما بالذكر؛ لأنهما أعلى الثمار، وأنفعها للعباد {وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ ٱلْعُيُونِ } أي: فجرنا في الأرض بعضاً من العيون، فحذف الموصوف، وأقيمت الصفة مقامه، أو المفعول العيون، ومن مزيدة على رأي من جوّز زيادتها في الإثبات، وهو الأخفش، ومن وافقه، والمراد بالعيون عيون الماء. قرأ الجمهور {فجرنا} بالتشديد، وقرأ جناح بن حبيش بالتخفيف، والفجر والتفجير: كالفتح والتفتيح لفظاً ومعنى، واللام في {لِيَأْكُلُواْ مِن ثَمَرِهِ } متعلق بجعلنا، والضمير في {من ثمره} يعود إلى المذكور من الجنات، والنخيل، وقيل: هو راجع إلى ماء العيون؛ لأن الثمر منه، قاله الجرجاني. قرأ الجمهور {ثمره} بفتح الثاء، والميم، وقرأ حمزة، والكسائي بضمهما، وقرأ الأعمش بضم الثاء، وإسكان الميم، وقد تقدّم الكلام في هذا في الأنعام، وقوله: {وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ } معطوف على {ثمره}: أي: ليأكلوا من ثمره، ويأكلوا مما عملته أيديهم كالعصير، والدبس، ونحوهما، وكذلك ما غرسوه وحفروه على أن "ما" موصولة، وقيل: هي نافية، والمعنى: لم يعملوه، بل العامل له هو الله، أي: وجدوها معمولة، ولا صنع لهم فيها، وهو قول الضحاك، ومقاتل. قرأ الجمهور {عملته} وقرأ الكوفيون «عملت» بحذف الضمير، والاستفهام في قوله: {أَفَلاَ يَشْكُرُونَ } للتقريع، والتوبيخ لهم لعدم شكرهم للنعم. وجملة {سُبْحَـٰنَ ٱلَّذِى خَلَق ٱلأَزْوٰجَ كُلَّهَا } مستأنفة مسوقة لتنزيهه سبحانه عما وقع منهم من ترك الشكر لنعمه المذكورة، والتعجب من إخلالهم بذلك. وقد تقدّم الكلام مستوفى في معنى: سبحان، وهو في تقدير الأمر للعباد بأن ينزهوه عما لا يليق به، والأزواج: الأنواع، والأصناف، لأن كل صنف مختلف الألوان، والطعوم، والأشكال، و {مِمَّا تُنبِتُ ٱلأَرْضُ } بيان للأزواج، والمراد كل ما ينبت فيها من الأشياء المذكورة، وغيرها {وَمِنْ أَنفُسِهِمْ } أي: خلق الأزواج من أنفسهم، وهم: الذكور، والإناث {وَمِمَّا لاَ يَعْلَمُونَ } من أصناف خلقه في البرّ، والبحر، والسماء، والأرض {وَءايَةٌ لَّهُمُ ٱلَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ ٱلنَّهَارَ } الكلام في هذا كما قدّمنا في قوله: {وَءايَةٌ لَّهُمُ ٱلأَرْضُ ٱلْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَـٰهَا }، والمعنى: أن ذلك علامة دالة على توحيد الله، وقدرته، ووجوب إلٰهيته، والسلخ: الكشط، والنزع، يقال: سلخه الله من بدنه، ثم يستعمل بمعنى: الإخراج، فجعل سبحانه ذهاب الضوء ومجيء الظلمة كالسلخ من الشيء، وهو استعارة بليغة {فَإِذَا هُم مُّظْلِمُونَ } أي: داخلون في الظلام مفاجأة وبغتة، يقال: أظلمنا: أي: دخلنا في ظلام الليل، وأظهرنا دخلنا في وقت الظهر، وكذلك أصبحنا، وأمسينا، وقيل: «منه» بمعنى: عنه، والمعنى: نسلخ عنه ضياء النهار. قال الفراء: يرمى بالنهار على الليل، فيأتي بالظلمة، وذلك أن الأصل هي: الظلمة، والنهار داخل عليه، فإذا غربت الشمس سلخ النهار من الليل، أي: كشط، وأزيل، فتظهر الظلمة. {وَٱلشَّمْسُ تَجْرِى لِمُسْتَقَرّ لَّهَـا } يحتمل: أن تكون الواو للعطف على الليل، والتقدير: وآية لهم الشمس، ويجوز: أن تكون الواو ابتدائية، والشمس مبتدأ، وما بعدها الخبر، ويكون الكلام مستأنفاً مشتملاً على ذكر آية مستقلة. قيل: وفي الكلام حذف، والتقدير: تجري لمجرى مستقرّ لها، فتكون اللام للعلة: أي: لأجل مستقرّ لها، وقيل: اللام بمعنى: إلى وقد قرىء بذلك. قيل: والمراد بالمستقرّ: يوم القيامة، فعنده تستقرّ، ولا يبقى لها حركة، وقيل: مستقرها هو أبعد ما تنتهي إليه، ولا تجاوزه، وقيل: نهاية ارتفاعها في الصيف، ونهاية هبوطها في الشتاء، وقيل: مستقرها تحت العرش؛ لأنها تذهب إلى هنالك، فتسجد، فتستأذن في الرجوع، فيؤذن لها، وهذا هو الرّاجح. وقال الحسن: إن للشمس في السنة ثلثمائة مطلعاً تنزل في كل يوم مطلعاً، ثم لا تنزل إلى الحول، فهي تجري في تلك المنازل، وهو: مستقرّها، وقيل: غير ذلك. وقرأ ابن مسعود، وابن عباس، وعكرمة، وزين العابدين، وابنه الباقر، والصادق بن الباقر "لا مستقرّ لها" بلا التي لنفي الجنس، وبناء مستقرّ على الفتح. وقرأ ابن أبي عبلة: "لا مستقرّ" بلا التي بمعنى: ليس، ومستقرّ اسمها، ولها خبرها، والإشارة بقوله: {ذٰلِكَ } إلى جري الشمس: أي: ذلك الجري {تَقْدِيرُ ٱلْعَزِيزِ } أي: الغالب القاهر {ٱلْعَلِيمُ }: أي: المحيط علمه بكل شيء، ويحتمل: أن تكون الإشارة راجعة إلى المستقرّ: أي: ذلك المستقرّ: تقدير الله. {وَٱلْقَمَرَ قَدَّرْنَـٰهُ مَنَازِلَ }. قرأ نافع، وابن كثير، وأبو عمرو برفع القمر على الابتداء. وقرأ الباقون بالنصب على الاشتغال، وانتصاب {منازل} على أنه مفعول ثانٍ، لأن "قدرنا" بمعنى: صيرنا، ويجوز: أن يكون منتصباً على الحال: أي: قدّرنا سيره حال كونه ذا منازل، ويجوز: أن يكون منتصباً على الظرفية: أي: في منازل. واختار أبو عبيد النصب في القمر؛ لأن قبله فعلاً، وهو {نسلخ}، وبعده فعلاً، وهو "قدّرنا". قال النحاس: أهل العربية جميعاً فيما علمت على خلاف ما قال. منهم الفراء قال: الرفع أعجب إليّ، قال: وإنما كان الرفع عندهم أولى؛ لأنه معطوف على ما قبله، ومعناه: وآية لهم القمر. قال أبو حاتم: الرفع أولى، لأنك شغلت الفعل عنه بالضمير، فرفعته بالابتداء، والمنازل: هي: الثمانية والعشرون التي ينزل القمر في كل ليلة في واحد منها، وهي معروفة، وسيأتي ذكرها، فإذا صار القمر في آخرها عاد إلى أوّلها، فيقطع الفلك في ثمان وعشرين ليلة، ثم يستتر ليلتين، ثم يطلع هلالاً، فيعود في قطع تلك المنازل من الفلك {حَتَّىٰ عَادَ كَٱلعُرجُونِ ٱلْقَدِيمِ } قال الزجاج: العرجون هو عود العذق الذي فيه الشماريخ، وهو فعلون من الانعراج، وهو الانعطاف: أي: سار في منازله، فإذا كان في آخرها دقّ، واستقوس، وصغر حتى صار كالعرجون القديم، وعلى هذا فالنون زائدة. قال قتادة: وهو: العذق اليابس المنحني من النخلة. قال ثعلب: العرجون الذي يبقى في النخلة إذا قطعت، والقديم: البالي. وقال الخليل: العرجون أصل العذق، وهو أصفر عريض، يشبه به الهلال إذا انحنى، وكذا قال الجوهري: إنه أصل العذق الذي يعوج، ويقطع منه الشماريخ، فيبقى على النخل يابساً، وعَرَجْتُه: ضربته بالعرجون، وعلى هذا فالنون أصلية. قرأ الجمهور {العرجون} بضم العين، والجيم: وقرأ سليمان التيمي بكسر العين، وفتح الجيم، وهما لغتان، والقديم: العتيق. {لاَ ٱلشَّمْسُ يَنبَغِى لَهَا أَن تدْرِكَ ٱلقَمَرَ } الشمس مرفوعة بالابتداء، لأنه لا يجوز أن تعمل لا في المعرفة: أي: لا يصح، ولا يمكن للشمس أن تدرك القمر في سرعة السير، وتنزل في المنزل الذي فيه القمر؛ لأن لكل واحد منهما سلطاناً على انفراده، فلا يتمكن أحدهما من الدخول على الآخر، فيذهب سلطانه إلى أن يأذن الله بالقيامة، فتطلع الشمس من مغربها. وقال الضحاك: معناه: إذا طلعت الشمس لم يكن للقمر ضوء، وإذا طلع القمر لم يكن للشمس ضوء. وقال مجاهد: أي: لا يشبه ضوء أحدهما ضوء الآخر. وقال الحسن: إنهما لا يجتمعان في السماء ليلة الهلال خاصة، وكذا قال يحيـى بن سلام. وقيل: معناه: إذا اجتمعا في السماء كان أحدهما بين يدي الآخر في منزل لا يشتركان فيه. وقيل: القمر في سماء الدنيا، والشمس في السماء الرابعة. ذكره النحاس، والمهدوي. قال النحاس: وأحسن ما قيل في معناه، وأبينه: أن سير القمر سير سريع، والشمس لا تدركه في السير. وأما قوله: {أية : وَجُمِعَ ٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ } تفسير : [القيامة: 9]، فذلك حين حبس الشمس عن الطلوع على ما تقدّم بيانه في الأنعام، ويأتي في سورة القيامة أيضاً، وجمعهما علامة لانقضاء الدنيا، وقيام الساعة {وَلاَ ٱلَّيْلُ سَابِقُ ٱلنَّهَارِ } أي يسبقه، فيفوته، ولكن يعاقبه، ويجيء كل واحد منهما في وقته، ولا يسبق صاحبه، وقيل: المراد من الليل، والنهار: آيتاهما، وهما الشمس والقمر، فيكون عكس قوله: {لاَ ٱلشَّمْسُ يَنبَغِى لَهَا أَن تدْرِكَ ٱلقَمَرَ } أي: ولا القمر سابق الشمس، وإيراد السبق مكان الإدراك لسرعة سير القمر {وَكُلٌّ فِى فَلَكٍ يَسْبَحُونَ } التنوين في كلّ عوض عن المضاف إليه: أي: وكل واحد منهما، والفلك: هو الجسم المستدير، أو السطح المستدير، أو الدائرة، والخلاف في كون السماء مبسوطة، أو مستديرة معروف، والسبح: السير بانبساط، وسهولة، والجمع في قوله {يَسْبَحُونَ } باعتبار اختلاف مطالعهما، فكأنهما متعدّدان بتعدّدها، أو المراد: الشمس، والقمر، والكواكب. وقد أخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن مسعود في قوله: {وَمَا أَنزَلْنَا عَلَىٰ قَوْمِهِ مِن بَعْدِهِ } الآية يقول: ما كابدناهم بالجموع: أي، الأمر أيسر علينا من ذلك. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {يٰحَسْرَةً عَلَى ٱلْعِبَادِ } يقول: يا ويلاً للعباد. وأخرج ابن أبي حاتم عنه في قوله: {يا حسرة على العباد} قال: الندامة على العباد الذين {مَا يَأْتِيهِمْ مّن رَّسُولٍ إِلاَّ كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءونَ } يقول: الندامة عليهم يوم القيامة. وأخرج ابن أبي حاتم عنه أيضاً في قوله: {وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ } قال: وجدوه معمولاً لم تعمله أيديهم: يعني: الفرات، ودجلة، ونهر بلخ، وأشباهها {أَفَلاَ يَشْكُرُونَ } لهذا. وأخرج البخاري، ومسلم، وغيرهما عن أبي ذرّ قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله: {وَٱلشَّمْسُ تَجْرِى لِمُسْتَقَرّ لَّهَـا } قال: حديث : مستقرّها تحت العرش تفسير : وفي لفظ للبخاري، وغيره من حديثه قال: كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في المسجد عند غروب الشمس، فقال: «حديث : يا أبا ذرّ أتدري أين تغرب الشمس؟ تفسير : قلت: الله، ورسوله أعلم، قال: حديث : إنها تذهب حتى تسجد تحت العرش، فذلك قوله: {وَٱلشَّمْسُ تَجْرِى لِمُسْتَقَرّ لَّهَـا }»تفسير : وفي لفظ من حديثه أيضاً عند أحمد، والترمذي، والنسائي، وغيرهم قال: "يا أبا ذرّ، أتدري أين تذهب هذه؟ قلت: الله، ورسوله أعلم، قال: فإنها تذهب حتى تسجد بين يدي ربها، فتستأذن في الرجوع، فيأذن لها، وكأنها قد قيل لها: اطلعي من حيث جئت، فتطلع من مغربها". ثم قرأ "ذٰلك مستقرّ لها" وذلك قراءة عبد الله. وأخرج الترمذي، والنسائي، وغيرهما من قول ابن عمر نحوه. وأخرج الخطيب في كتاب النجوم عن ابن عباس في قوله: {وَٱلْقَمَرَ قَدَّرْنَـٰهُ مَنَازِلَ } الآية قال: هي: ثمانية وعشرون منزلاً ينزلها القمر في كلّ شهر: أربعة عشر منها شامية، وأربعة عشر منها يمانية، أولها الشرطين، والبطين، والثريا، والدبران، والهقعة، والهنعة، والذراع، والنثرة، والطرف، والجبهة، والدبرة، والصرفة، والعوّاء، والسماك. وهو آخر الشامية، والغفر، والزبانا، والإكليل، والقلب، والشولة، والنعائم، والبلدة، وسعد الذابح، وسعد بلع، وسعد السعود، وسعد الأخبية، ومقدّم الدلو، ومؤخر الدلو، والحوت، وهو آخر اليمانية، فإذا سار هذه الثمانية وعشرين منزلاً {عَادَ كَٱلعُرجُونِ ٱلْقَدِيمِ } كما كان في أوّل الشهر. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه في قوله: {كَٱلعُرجُونِ ٱلْقَدِيمِ }: يعني: أصل العذق العتيق.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل{وما أنزلنا على قومه من بعده من جند من السماء} فيه قولان: أحدهما: معنى جند من السماء أي رسالة، قاله مجاهد، لأن الله تعالى قطع عنهم الرسل حين قتلوا رسله. الثاني: أن الجند الملائكة الذين ينزلون الوحي على الأنبياء، قاله الحسن. {وما كنا منزلين} أي فاعلين. {إن كانت إلا صيحة واحدةً} فيها قولان: أحدهما: أنَّ الصيحة هي العذاب. الثاني: أنها صيحة من جبريل عليه السلام ليس لها مثنوية، قاله السدي. {فإذا هم خامدون} أي ميتون تشبيهاً بالرماد الخامد. قوله عز وجل: {يا حسرةً على العباد ما يأتيهم} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: يا حسرة العباد على أنفسها، قال قتادة، وحكاه عبد الرحمن بن أبي حاتم في بعض القراءات متلوٍّا. الثاني: أنها حسرتهم على الرسل الثلاثة، قاله أبو العالية. الثالث: أنها حسرة الملائكة على العباد في تكذيبهم الرسل، قاله الضحاك. وفيه وجه رابع: عن ابن عباس أنهم حلوا محل من يتحسر عليهم. {ما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزءُون} الاستهزاء منهم قبل العذاب. وفي الحسرة منهم قولان: أحدهما: بعد معاينة العذاب. الثاني: في القيامة، قاله ابن عباس. قوله عز وجل: {وإن كلُّ لما جميعٌ} يعني الماضين والباقين. {لدينا محضرون} فيه وجهان: أحدهما: معذبون، قاله السدي. الثاني: مبعثون، قاله يحيى بن سلام.

ابن عطية

تفسير : هذه مخاطبة لمحمد صلى الله عليه وسلم فيها توعد لقريش إذ هذا هو المروع لهم من المثال، أي ينزل بهم من عذاب الله ما نزل بقوم حبيب النجار، فنفى عز وجل، أي أنه ما أنزل على قوم هذا الرجل {من جند من السماء}، فقال مجاهد: أراد أنه لم يرسل رسولاً ولا استعتبهم، قال ابن مسعود: أراد لم يحتج في تعذيبهم إلى جند من جنود الله تعالى كالحجارة والغرق والريح وغير ذلك بل كانت صيحة واحدة لأنهم كانوا أيسر وأهون من ذلك، قال قتادة: والله ما عاتب الله تعالى قومه بعد قتله حتى أهلكهم، واختلف المتأولون في قوله {وما كنا منزلين}، فقالت فرقة {ما كنا منزلين}، {ما} نافية وهذا يجري مع التأويل الثاني في قوله، {ما أنزلنا من جند}، وقالت فرقة {وما} عطف على {جند} أي من جند ومن الذي كنا منزلين على الأمم مثلهم قبل ذلك، وقرأ الجمهور "إلا صيحةً" بالنصب على خبر "كان"، أي ما كان عذابهم إلا صيحة واحدة، وقرأ أبو جعفر ومعاذ بن الحارث "إلا صيحةٌ" بالرفع، وضعفها أبو حاتم، والوجه فيها أنها ليست "كان" التي تطلب الاسم والخبر، وإنما التقدير ما وقعت أو حدثت إلا صيحة واحدة، وقرأ ابن مسعود وعبد الرحمن بن الأسود إلا زقية "وهي الصيحة" من الديك ونحوه من الطير، و {خامدون} ساكنون موتى لاطئون بالأرض شبهوا بالرماد الذي خمدت ناره وطفئت، وقوله {يا حسرة} نداء لها على معنى هذا وقت حضورك وظهورك هذا تقدير نداء مثل هذا عند سيبويه، وهو معنى قويم في نفسه، وهو نداء منكور على هذه القراءة، قال الطبري: المعنى " يا حسرة العباد على أنفسهم"، وذكر أنها في بعض القراءات كذلك، وقال ابن عباس: "يا ويلا العباد"، وقرأ ابن عباس والضحاك وعلي بن الحسين ومجاهد وأبي بن كعب "يا حسرةَ العبادِ"، بإضافتها، وقول ابن عباس حسن مع قراءته، وتأويل الطبري في ذلك القراءة الأولى ليس بالبين وإنما يتجه أن يكون المعنى تلهفاً على العباد، كأن الحال يقتضيه وطباع كل بشر توجب عند سماعه حالهم وعذابهم على الكفر وتضييعهم أمر الله تعالى أن يشفق ويتحسر على العبادة، وقال أبو العالية: المراد بــ {العباد} الرسل الثلاثة، فكأن هذا التحسر هو من الكفار حين رأوا عذاب الله تلهفوا على ما فاتهم، وقوله تعالى: {ما يأتيهم} الآية، يدافع هذا التأويل، والحسرة التلهفات التي تترك صاحبها حسيراً، وقرأ الأعرج بن جندب وأبو الزناد "يا حسرة" بالوقف على الهاء وذلك للحرص على بيان معنى التحسر وتقريره للنفس، والنطق بالهاء في مثل هذا أبلغ في التشفيق وهز النفس كقولهم: أوه ونحوه، وقوله {ما يأتيهم من رسول} الآية، تمثيل لفعل قريش ثم عناهم بقوله {ألم يروا كم أهلكنا قبلهم من القرون}، و {كم} هنا خبرية، و {أنهم} بدل منها، والرؤية رؤية البصر، وفي قراءة ابن مسعود "أو لم يروا من أهلكنا"، وقرأ جمهور القراء "أنهم" بفتح الألف، وقرأ الحسن بن أبي الحسن "إنهم" بكسرها، وقرأ جمهور الناس "لما جميع" بتخفيف الميم وذلك على زيادة "ما" للتأكيد، والمعنى لجميع، وقرأ الحسن وابن جبير عاصم "لمّا" بشد الميم، قالوا هي منزلة منزلة "إلا"، وقيل المراد "لمما" حذفت الميم الواحدة وفيها ضعف، وفي حرف أبيّ و"إن منهم إلا جميع"، و {محضرون} قال قتادة: محشرون يوم القيامة.

ابن عبد السلام

تفسير : {مِن جُندٍ} أي رسالة لأن الله ـ تعالى ـ قطع عنهم الرسل لما قتلوا رسله، أو الملائكة الذين ينزلون الوحي على الأنبياء.

النسفي

تفسير : {وَمَا أَنزَلْنَا } «ما» نافيه {عَلَىٰ قَوْمِهِ } قوم حبيب {مِن بَعْدِهِ } أي من بعد قتله أو رفعه {مِن جُندٍ مِّنَ ٱلسَّمَآءَ } لتعذيبهم {وَمَا كُنَّا مُنزِلِينَ } وما كان يصح في حكمتنا أن ننزل في إهلاك قوم حبيب جنداً من السماء، وذلك لأن الله تعالى أجرى هلاك كل قوم على بعض الوجوه دون بعض لحكمة اقتضت ذلك {إِن كَانَتْ } الأخذة أو العقوبة {إِلاَّ صَيْحَةً وٰحِدَةً } صاح جبريل عليه السلام صيحة واحدة {فَإِذَا هُمْ خَـٰمِدُونَ } ميتون كما تخمد النار. والمعنى أن الله كفى أمرهم بصيحة ملك ولم ينزل لإهلاكهم جنداً من جنود السماء كما فعل يوم بدر والخندق. {يٰحَسْرَةً عَلَى ٱلْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مّن رَّسُولٍ إِلاَّ كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ } الحسرة شدة الندم وهذا نداء للحسرة عليهم كأنما قيل لها تعالي يا حسرة فهذه من أحوالك التي حقك أن تحضري فيها وهي حال استهزائهم بالرسل، والمعنى أنهم أحقاء بأن يتحسر عليهم المتحسرون ويتلهف على حالهم المتلهفون، أو هم متحسر عليهم من جهة الملائكة والمؤمنين من الثقلين {أَلَمْ يَرَوْاْ } ألم يعلموا {كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِّنَ ٱلْقُرُونِ } «كم» نصب بـ {أَهْلَكْنَا } و {يَرَوْاْ } معلق عن العمل في «كم» لأن «كم» لا يعمل فيها عامل قبلها كانت للاستفهام أو للخبر، لأن أصلها الاستفهام إلا أن معناه نافذ في الجملة. وقوله {أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لاَ يَرْجِعُونَ } بدل من {كَمْ أَهْلَكْنَا } على المعنى لا على اللفظ تقديره: ألم يروا كثرة إهلا كنا القرون من قبلهم كونهم غير راجعين إليهم {وَإِن كُلٌّ لَّمَّا جَمِيعٌ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ } {لَّمّاً } بالتشديد: شامي وعاصم وحمزة بمعنى إلا و «إن» نافية. وغيرهم بالتخفيف على أن «ما» صلة للتأكيد و «إن» مخففة من الثقيلة وهي متلقاة باللام لا محالة. والتنوين في {كُلٌّ } عوض من المضاف إليه، والمعنى إن كلهم محشورون مجموعون محضرون للحساب أو معذبون. وإنما أخبر عن {كُلٌّ } بجميع لأن «كلا» يفيد معنى الإحاطة والجميع فعيل بمعنى مفعول ومعناه الاجتماع يعني أن المحشر يجمعهم {وَءَايَةٌ لَّهُمُ } مبتدأ وخبر أي وعلامة تدل على أن الله يبعث الموتى إحياء الأرض الميتة، ويجوز أن يرتفع {ءَايَة} بالابتداء و {لَهُمْ } صفتها، وخبرها {ٱلأَرْضُ ٱلْمَيْتَةُ} اليابسة. وبالتشديد: مدني {أَحْيَيْنَـٰهَا } بالمطر وهو استئناف بيان لكون الأرض الميتة آية وكذلك {نَسْلَخُ } ويجوز أن توصف الأرض والليل بالفعل لأنه أريد بهما جنسان مطلقان لا أرض وليل بأعيانهما فعوملا معاملة النكرات في وصفهما بالأفعال ونحوه: شعر : ولقد أمر على اللئيم يسبني تفسير : {وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبّاً } أريد به الجنس {فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ } قدم الظرف ليدل على أن الحب هو الشيء الذي يتعلق به معظم العيش ويقوم بالارتزاق منه صلاح الإنس، وإذا قل جاء القحط ووقع الضر وإذا فقد حضر الهلاك ونزل البلاء {وَجَعَلْنَا فِيهَا } في الأرض {جَنَّـٰتٍ} بساتين {مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَـٰبٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ ٱلْعُيُونِ } «من» زائدة عند الأخفش وعند غيره المفعول محذوف تقديره ما ينتفعون به {لِيَأْكُلُواْ مِن ثَمَرِهِ } والضمير لله تعالى أي ليأكلوا مما خلقه الله من الثمر. {مِن ثُمُره } حمزة وعلي {وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ } أي ومما عملته أيديهم من الغرس والسقي والتلقيح وغير ذلك من الأعمال إلى أن يبلغ الثمر منتهاه، يعني أن الثمر في نفسه فعل الله وخلقه وفيه آثار من كد بني آدم وأصله من ثمرنا كما قال {وَجَعَلْنَا } {وَفَجَّرْنَا } فنقل الكلام من التكلم إلى الغيبة على طريق الالتفات. ويجوز أن يرجع الضمير إلى النخيل وتترك الأعناب غير مرجوع إليها لأنه علم أنها في حكم النخيل مما علق به من أكل ثمره، ويجوز أن يراد من ثمر المذكور وهو الجنات كما قال رؤبة. شعر : فيها خطوط من بياض وبلق كأنه في الجلد توليع البهق تفسير : فقيل له فقال: أردت كأن ذاك. {وما عملت} كوفي غير حفص وهي في مصاحف أهل الكوفة كذلك، وفي مصاحف أهل الحرمين والبصرة والشام مع الضمير. وقيل: «ما» نافية على أن الثمر خلق الله ولم تعمله أيدي الناس ولا يقدرون عليه {أَفَلاَ يَشْكُرُونَ } استبطاء وحث على شكر النعمة. {سُبْحَـٰنَ ٱلَّذِى خَلَق ٱلأَزْوٰجَ } الأصناف {كُلَّهَا مِمَّا تُنبِتُ ٱلأَرْضُ } من النخيل والشجر والزرع والثمر {وَمِنْ أَنفُسِهِمْ } الأولاد ذكوراً وإناثاً {وَمِمَّا لاَ يَعْلَمُونَ } ومن أزواج لم يطلعهم الله عليها ولا توصلوا إلى معرفتها، ففي الأودية والبحار أشياء لا يعلمها الناس. {وَءَايَةٌ لَّهُمُ ٱلَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ ٱلنَّهَارَ } نخرج منه النهار إخراجاً لا يبقى معه شيء من ضوء النهار، أو ننزع عنه الضوء نزع القميص الأبيض فيعرى نفس الزمان كشخص زنجي أسود لأن أصل ما بين السماء والأرض من الهواء الظلمة فاكتسى بعضه ضوء الشمس كبيت مظلم أسرج فيه فإذا غاب السراج أظلم {فَإِذَا هُم مُّظْلِمُونَ } داخلون في الظلام {وَٱلشَّمْسُ تَجْرِى } وآية لهم الشمس تجري {لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَـا } لحد لها موقت مقدر تنتهي إليه من فلكها في آخر السنة، شبه بمستقر المسافر إذا قطع مسيره أو لحد لها من مسيرها كل يوم في مرائي عيوننا وهو المغرب، أو لانتهاء أمرها عند انقضاء الدنيا {ذٰلِكَ } الجري على ذلك التقدير والحساب الدقيق {تَقْدِيرُ ٱلْعَزِيزِ } الغالب بقدرته على كل مقدور {ٱلْعَلِيمِ } بكل معلوم {وَٱلْقَمَرَ} نصب بفعل يفسره {قَدَّرْنَـٰهُ } وبالرفع مكي ونافع وأبو عمرو وسهل على الابتداء والخبر قدرناه أو على «وآية لهم القمر» {مَنَازِلَ } وهي ثمانية وعشرون منزلاً ينزل القمر كل ليلة وفي واحد منها لا يتخطاه ولا يتقاصر عنه على تقدير مستوٍ يسير فيها من ليلة المستهل إلى الثامنة والعشرين، ثم يستتر ليلتين أو ليلة إذا نقص الشهر. ولا بد في {قَدَّرْنَـٰهُ مَنَازِلَ } من تقدير مضاف لأنه لا معنى لتقدير نفس القمر منازل أي قدرنا نوره فيزيد وينقص، أو قدرنا مسيره منازل فيكون ظرفاً فإذا كان في آخر منازله دق واستقوس {حَتَّىٰ عَادَ كَٱلعُرجُونِ } هو عود الشمراخ إذا يبس واعوج ووزنه فعلون من الانعراج وهو الانعطاف {ٱلْقَدِيمِ } العتيق المحول وإذا قدم دق وانحنى واصفر فشبه القمر به من ثلاثة أوجه.

الخازن

تفسير : قوله تعالى: {وما أنزلنا على قومه من بعده من جند من السماء} يعني الملائكة {وما كنا منزلين} أي ما كنا لنفعل هذا بل الأمر في إهلاكهم كان أيسر مما تظنون ثم بيَّن عقوبتهم فقال تعالى: {إن كانت إلا صيحة واحدة} قال المفسرون أخذ جبريل بعضادتي باب المدينة وصاح بهم صيحة واحدة {فإذا هم خامدون} أي ميتون {يا حسرة على العباد} يعني يا لها حسرة وندامة وكآبة على العباد والحسرة أن يركب الإنسان من شدة الندم ما لا نهاية له حتى يبقى قلبه حسيراً, قيل تحسروا على أنفسهم لما عاينوا من العذاب حيث لم يؤمنوا بالرسل الثلاثة فتمنوا الإيمان حيث لم ينفعهم وقيل تتحسر عليهم الملائكة حيث لم يؤمنوا بالرسل وقيل يقول الله تعالى يا حسرة على العباد يوم القيامة حيث لم يؤمنوا بالرسل ثم بين سبب تلك الحسرة فقال تعالى: {ما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزئون} قوله تعالى: {ألم يروا} أي ألم يخبروا خطاب لأهل مكة {كم أهلكنا قبلهم من القرون} أي من الأمم الخالية من أهل كل عصر سموا بذلك لاقترانهم في الوجود {أنهم إليهم لا يرجعون} أي لا يعودون إلى الدنيا أفلا يعتبرون بهم {وإن كل لما جميع لدينا محضرون} يعني أن جميع الأمم يحضرون يوم القيامة.

الثعالبي

تفسير : وقوله تعالى: {وَمَا أَنزَلْنَا عَلَىٰ قَوْمِهِ مِن بَعْدِهِ مِن جُندٍ...} الآية، مخاطبة للنّبيّ صلى الله عليه وسلم فيها توعُّدٌ لقرَيْشٍ وتَحْذِيرُ أنْ يَنْزلَ بهمْ مِنَ العَذَابِ مَا نَزَلَ بقَومِ حَبِيبٍ النَّجَّار. قال مجاهد: لَم يُنْزِلِ اللَّهُ عَليهم من جُنْدٍ أرادَ أنه لم يُرْسِل إليهم رَسُولاً ولاَ اسْتَعْتَبَهُمْ، قال قتادة: وَاللَّهِ، ما عَاتَبَ اللَّهُ قَوْمَهُ بَعْدِ قَتْلِه حَتَّى أهْلَكَهُمْ. وقال ابن مسعود: أراد: لَمْ يَحْتَجْ فِي تَعْذِيبهِمْ إلى جُنْدٍ، بلْ كَانَتْ صَيْحَةٌ واحِدَةٌ؛ لأنهم كانُوا أيْسَرَ وأهْوَنَ من ذلك، واخْتُلِفَ في قوله تعالى: {وَمَا كُنَّا مُنزِلِينَ} فقالتْ فرقة: «ما» نافيةٌ، وقالت فرقة: «ما» عَطْفٌ عَلَى جندٍ، أي: من جند ومن الذي كنَّا منزلينَ على الأممِ مثلهم قبلَ ذلكَ، و«خامدون» أي: ساكنُونَ موتَى. وقوله تعالى: {يٰحَسْرَةً} الحسرةُ التَلَهُّفُ: وذلك أن طِباعَ كُلِّ بَشَرٍ تُوجِبُ عَنْدَ سَمَاعِ حَالِهِمْ وعَذَابِهم على الكُفْرِ وَتَضْييِعِهم أمْرَ اللَّهَ، أن يُشْفِقَ وَيَتَحَسَّرَ على العِبَاد، وقال الثَّعْلَبِيُّ: قال الضَّحَّاك: إنها حسرةُ الملائِكَة على العباد في تكذيبِهمُ الرسلُ، وقال ابن عباس: حلُّوا مَحَلَّ مَنْ يَتَحَسَّرُ عَلَيْهِ، انتهى. وقرأ الأعرج وأبو الزنَاد ومسلم بن جندب: (يا حَسْرَهْ) بالوقفِ على الهاء وهو أبلغ في معنى التَحَسُّرِ والتَّشْفِيقِ وهَزِّ النَفْسِ. وقوله تعالى: {مَا يَأْتِيهِم مِّن رَّسُولٍ...}الآية، تمثيلٌ لِفِعْلِ قُرَيْشٍ؛ وإيَّاهم عَنى بقوله: {أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا}، وقرأ جمهورُ الناس «لما جَمِيعٌ» ـــ بتخفيف الميم ـــ، وذلك على زيادة «ما» للتأكيد والمعنى: لَجَمِيعٌ، وقرأ عاصمٌ والحسَنُ وابن جبير (لمَّا) ـــ بشدِّ الميم ـــ، قالوا: هي بمنزلة «إلاَّ» و{مُحْضَرُونَ} قال قتادة: مُحَشَّرُونَ يوم القيامة.

ابن عادل

تفسير : قوله (تعالى): {وَمَآ أَنزَلْنَا عَلَىٰ قَوْمِهِ مِن بَعْدِهِ مِن جُندٍ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ} لما تمنى أن يعلم قومه أن الله غفر له وأكرمه ليرغبوا في دين الرسل فلما قتل حبيب غضب الله وعجل لهم النِّقْمة وأمر جبريل - عليه (الصلاة و) السلام - فصاح بهم صيحةً واحدةً فماتوا عن آخرهم فذلك قوله: {وَمَآ أَنزَلْنَا عَلَىٰ قَوْمِهِ مِن بَعْدِهِ مِن جُندٍ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ} يعني الملائكة. قوله: "وما كنا منزلين" في (ما) هذه ثلاثة أوجه: أحدهما: أنها ناقية كالتي قبلها فتكون الجملة الثانية جارية مَجْرى التأكيد للأُولَى. والثاني: أنها مزيدة قال أبو البقاء: أي وقد كنا منزلين. وهذا لا يجوز البتة لفساده لفظاً ومعنى. الثالث: أنها اسم معطوف على "جُنْدٍ" قال ابن عطية: أي من جند من الذين كُنَّا مُنْزِلينَ وردّه أبو حيان بأن "مِنْ" مزيدة، وهذا التقدير يؤدي إلى زيادتها في الموجب جارة لمعرفة ومذهب البصريين غير الأخفش أن يكون الكلام غير موجب وأن يكون المجرور نكرة، قال شهاب الدين: فالذي ينبغي عند من يقول بذلك (أن) يقدرها بنكرة أي: ومن عذابٍ كُنَّا مُنْزليه والجملة بعضها صفة لها. وأما قوله إن هذا التقدير يؤدي إلى زيادتها في الموجب فليس بصحيح البتة وتعجَّبْتُ كَيْفَ يَلْزُم ذَلِكَ؟!. فصل قال ههنا "وما أنزلنا" بإسناد الفعل إلى النفس، وقال في بيان حال المؤمن: {قِيلَ ادْخُل الجَنَّة} بإسناد القول إلى غير مذكور لأن العذاب من الهيئة فقال بلفظ التعظيم وأما إدخال الجنة فقال: قيل: (ليكون كالمهنأ بقول الملائكة وبقول كل صالح يراه ادخل الجنة خالداً كالتهنئة له، وكثيراً ما ورد) في القرآن قوله تعالى: "وقيل ادخلوا" إشارة إلى أن الدخول يكون دخولاً بإكْرَامٍ. فإن قيل: لم أضاف القوم إليه مع أن الرسل أولى بكون الجمع قوماً لهم لأن الرسول لكونه مرسلاً يكون جميع الخلق أو جميع من أرسل إليهم قوماً لهم؟. فالجواب: تبين الفرق بينه وبنيهم لأنهما من قبيلة واحدة وأيضاً فالعذاب كان مختصاً بهم أكرم أحدهما غاية الإكرام بسبب الإيمان وأُهين الآخر غاية الإهانة بسبب الكفر ونسبهما من قبيلة واحدة وأيضاً فالعذاب كان مختصاً بهم وهم أقاربه لأن غيرهم من قوم الرسل آمنوا بهم فلم يُصِبْهُم العذاب. فإن قيل: لم خصص عدم الإنزال بما بعده والله تعالى لم ينزل عليهم جنداً قبله أيضاً فما فائدة التخصيص؟. فالجواب: أن استحقاقهم العذاب كان بعده حيث أصروا واستكبروا فبين حال الإهلاك. فإن قيل: قال: "من السماء" وهو تعالى لم ينزل عليهم ولا أرسل إليهم جنداً من الأرض فما فائدة التقييد؟. فالجواب من وجهين: أحدهما: أن يكون المراد ما أنزل عليهم جنداً بأمر من السماء فتكون للعموم. والثاني: أن العذاب نزل عليهم من السماء فبين أن النازل لم يكن جنداً وإنما كان بصيحة أخذتهم وخربت ديارهم. فإن قيل: أي فائدة في قوله: {وَمَا كُنَّا مُنزِلِينَ} مع قوله: {وَمَآ أَنزَلْنَا} وهو يستلزم أن لا يكون من المنزلين؟. فالجواب: أن قوله: "وما كنا" أي ما كان ينبغي أن ينزل، لأن الأمر كان يتم بدون ذلك والمعنى وما أنزلنا وما كنا محتاجين إلى الإنزال أو وما أنزلنا وما كنا منزلين في مثل تلك الواقعة جنداً في غير تلك الواقعة أي وما أنزلنا على قومه من بعده أي على قوم حبيب من بعد قتله من جنده وما كنا منزلين ما ننزله على الأمم إذا أهلكناهم كالطُّوفَانِ والصَّاعِقَةِ والرِّيح. فإن قيل: فكيف أنزل الله جنوداً في يوم "بدر" وفي غير ذلك حيث قال تعالى: {أية : رِيحاً وَجُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا} تفسير : [الأحزاب:9]. فالجواب: أن ذلك تعظيماً لمحمد - عليه (الصلاة و) السلام - وإلاَّ لكان تحريك رِيشَةٍ من جَنَاح ملكٍ كافياً في استئصالهم ولم تكن رسل (عيسى) - عليه الصلاة والسلام - في درجة محمد عليه السلام - ثم بين الله تعالى عقوبتهم فقال: {إنْ كَانَتْ إلاَّ صَيْحَةً واحَدِةً}. قوله: {إِن كَانَتْ إِلاَّ صَيْحَةً} العامة على النصب على أنَّ "كان" ناقصة واسمها ضمير الأَخْذ لدلالة السِّياق عليها و "صَيْحَةً" خبرها. وقرأ أبو جعفر وشيبَةُ ومُعاذ القَارىء برفعها على أنها التامة أي إن وَقَعَ وحَدَثَ وكان ينبغي أن لا يلحق تاء التأنيث للفصل "بإلا" بل الواجب في غير ندور واضطرار حذف التاء نحو: مَا قَامَ إلاَّ هِنْدٌ. وقد شذ الحسن وجماعة فقرأوا: {لاَ تُرَى إِلاَّ مَسَاكِنُهُمْ} [الأحقاف: 25] كما سيأتي إن شاء الله تعالى وقوله: شعر : 4175-............... وَمَا بَقِيَتْ إلاَّ الضُّلُوعُ الجَرَاشِعُ تفسير : وقوله: شعر : 4176- مَا بَرِئَتْ مِنْ رِيبَة وَذَمّ فِي حَرْبِنَا إلاَّ بَنَاتُ العَمّ تفسير : قال الزمخشري: أصله إن كان شيء إلا صيحة فكان الأصل أن يذكر لكنه تعالى أنّث لما بعده من المفسر وهو الصيحة وقوله: "وَاحِدَةٌ" تأكيد لكون الأمر هيّناً عنده وقوله: {فَإِذَا هُمْ خَامِدُون} إشارة إلى سرعة الهلاك فإن خمودهم كان من الصيحة في وقتها لم يتأخر ووصفهم بالخمود في غاية الحسن لأن الحي فيه الحرارة الغريزية وكلما كانت الحرارة أوفر كانت القوة الغضبية والشهوانية أتم وهم كانوا كذلك أما الغضب. فإنهم قتلوا مؤمناً كان ينصحهم وأما الشهوة فلأنهم احتملوا العذاب الدائم بسبب استيفاء اللذات الخالية فإذن كانوا كالنار الموقَدَة لأنهم كانوا جبارين ومستكبرين كالنار ومن خلق منها. {فَإذَا هُمْ خَامِدُونَ} ميت‍ِّون. قال المفسرون: أخذ جبريل بعضادتي باب المدينة ثم صاح بهم صيحة واحدة فإذا هُمْ خامدن ميتون. قوله: "يَٰحَسْرَةً" العامة على نصبها وفيه وجهان: أحدهما: أنها منصوبة على المصدر والمنادى محذوف تقديره يا هؤلاء تَحَسَّرُوا حَسْرَةً. والثاني: أنها منونة لأنها منادى منكر فنصبت على أصلها كقوله: شعر : 4177- فَيَا رَاكِباً إم‍َّا عَرَضْتَ فَبَلِّغاً نَدَامَاي مِنْ نَجْرَانَ أَنْ لاَ تَلاَقِيَا تفسير : ومعنى النداء هنا على المجاز، كأنه قيل: هذا أوانك فاحضري. وقرأ قتادة وأبيّ - في أحد وجهيه - يا حسرة بالضم جَعَلها مقبلاً عليها وأبيّ أيضاً وابن عباس وعلي بن الحُسَيْن {يَا حَسْرَةً على العِبَادِ} بالإضافة فيجوز أن تكون الحسرةُ مصدراً مضافاً لفاعله أي يَتَحَسَّرُونَ على غيرهم لما يرون من عذابهم وأن يكون مضافاً لمفعوله أي يُتَحَسَّرُ عليهم (من) غيرهم. وقرأ أبو الزناد وابن هُرْمز وابن جُنْدُب "يا حَسْرَهْ" بالهاء (المهملة) المبدلة من تاء التأنيث وصلاً وكأنهم أَجْروا الوَصْل مُجْرَى الوقف وله نظائر مرت. وقال صاحب اللوامح وقفوا بالهاء مبالغة في التحسر لما في الهاء من التَّاهَةِ بمعنى التأوه ثم وصلوا على تلك الحال. وقرأ ابن عباس أيضاً: يا حَسْرَة بفتح التاء من غير تنوين ووجهها أن الأصل يا حسرتا فاجتزىء بالفتحة عن الألف كما اجتزىء بالكسرة عن الياء ومنه: شعر : 4178- وَلَسْتُ براجِعٍ مَا فَاتَ مِنِّي بِلَهْفَ وَلاَ بِلَيْتَ وَلاَ لَوَ انِّي تفسير : أي بلهفها بمعنى لهفي. وقرىء: يا حَسْرَتَا بالألف كالتي في الزمر. وهي شاهدة لقراءة ابن عباس وتكون التاء لله تعالى، وذلك على سبل المجاز دلالة على فرط هذه الحسرة وإلا فاللَّه تعالى لا يوصف بذلك. قوله: "مَا يَأْتِيهِمْ" هذه الجملة لا محل لها لأنها مفسِّرة لسبب الحسرة عليهم. وهذا الضمير يجوز أن يكون عائداً إلى قوم حبيب أي ما يأتيهم من رسول من الرّسلِ الثلاثة. ويجوز: أن يعود إلى الكفار المصرين. وقوله: "إلاَّ كَانُوا" جملة حالية من مفعول "يَأْتِيهِمْ". فصل الألف واللام في العبادة قيل: للعهد وهم الذين أخذتهم الصيحة فيا حسرة على أولئك. وقيل: لتعريف الجنس أي جنس الكفار المكذبين وقيل: المراد بالعبادة الرسل الثلاثة كأنه الكافرين يقولون عند ظهور اليأس يا حسرةً عليهم يا ليتهم كانوا حاضرين لنؤمن بهم ثانياً، وهم قوم (حبيب) وفي التحسر وجوه: الأول: لا متحسر أصلاً في الحقيقة إذا المقصودُ بيانُ (أن) ذلك وقت طلب الحسرة حيث تحققت الندامة عن تحقق العذاب وههنا بحث لغوي وهو أن المفعول قد يرفض كثيراً إذا كان الغرض غير متعلق به يقال: فلان يعطي ويمنع ولا يكون هناك شيء مُعْطًى ولا شخص معطى، إذ المقصود أن له المنع والإعطاء، ورفض المفعول كثير وما نحن فيه رفض الفاعل وهو قليل. والوجه فيه أن ذكر التحسر غير مقصود وإنما المقصود أن الحسرة متحققة في خلال الوقت. الثاني: أن القائل يا حسرة هو الله على الاستعارة تعظيماً للأمر وتهويلاً له وحينئذ يكون كالألفاظ التي وردت في حق الله كالضَّحِك والسُّخْرية والتعجب والتّمنِّي. أو يقال ليس معنى قوله يا حسرة أو يا ندامة أن القائل متحسر أو نادم بل المعنى أنه مخبرٌ عن الوقوع وقوع الندامة ولا يحتاج إلى التجوز في كونه تعالى قائلاً يا حسرة بل تجْريه على حقيقته إلا في النداء فإن النداء مجاز والمراد الإخبار. الثالث: أن المتلهفين من المسلمين والملائكة لما حكى عن حبيب أنه حين القتل كان يقوله اللَّهم اهد قومي وبعد ما قتلوه وأدخل الجنة قال يا ليت قومي يعلمون فيجوز أن يتحسر المسلم لكافر ويتندم له وعليه. وقوله:{مَا يَأْتِيهِمْ مِّن رَّسُولٍ إِلاَّ كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} هذا سبب الندامة. فصل قال الزهري الحسرة لا تدعى، ودعاؤها تنبيه للمخاطبين، وقيل العرب تقول: يا حَسْرَتَا ويا عَجَبَا على طريق المبالغة. والنداء عندهم بمعنى التنبيه فكأنه يقول: أيها العجبُ هذا وقتُكَ وأيتها الحسرة هذا أوَانُكِ وحقيقة المعنى أن هذا زمان الحسرة والتَّعَجُّب. قوله: {أَلَمْ يَرَوْاْ كَمْ أَهْلَكْنَا} لما بين حال الأولين قال للحاضرين: ألَمْ يَرُوا الباقون ما جرى على من تقدم منهم. قوله: "كم أهلكنا" كم هنا خبرية فهي مفعول "بأهلكنا" تقديره كثيراً من القرون أهلكنا وهي مُعَلِّقة "ليَرَوْا" ذهاباً بالخبرية مذهب الاستفهامية، وقيل: بل "يَرَوا" علمية "وكم" استفهامية كما سيأتي بيانه و{أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لا يرجعون} فيه أوجه: أحدها: أنه بدل من "كم" قال ابن عطية و "كم" هنا خبريّة و "أنهم" بدل منها، والرؤية بصرية قال أبو حيان وهذا لا يصح لأنها إذا كانت خبرية (كانت) في موضع نصب "بأهلكنا" ولا يسوغ فيها إلا ذلك وإذا كانت كذلك امتنع أن يكون "أنهم" بدلاً منها لأن البدل على نية تكرار العامل ولو سلطت "أهلكنا(هم)" على "أنهم" لم يصح ألا ترى أنك لو قلت: أهلكنا انتفى رجوعهم أو أهلكنا كونهم لا يرجعون لم يكن كلاماً لكنَّ ابْنَ عطية توهم أن (يَرُوْا) مفعولة "كم" فتوهم أن قوله: {أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لاَ يَرْجِعُونَ} بدل منه لأنه لا يسوغ أن يسلط عليه فتقول: ألم يروا أنهم إليهم لا يرجعون. وهذا وأمثاله دليل إلى ضعفه في (عِلْم) العربية. قال شهاب الدين: وهذا الإنحاءُ عليه تحامل عليه لأنه لقائل أن يقول: كم قد جعلها خبرية والخبرية يجوز أن تكون معمولة لما قبلها عند قوم فيقولون: "مَلَكْتُ كم عبدٍ" فلم يلزم الصدر فيجوز أن يكون بناء هذا التوجيه على هذه اللغة وجعل "كم" منصوبة "بيَرَوا" و"أنهم" بدل منها. وليس هو ضعيفاً في العربية حينئذ. الثاني: أن "أنَّهُمْ" بدل من الجملة قبله. الزجاج وهو بدل من الجملة والمعنى ألم يروا أن القرون التي أهلكناهم أنهم لا يرجعون لأن عدم الرجوع والهلاك بمعنى. قال أبو حيان وليس بشيء لأنه ليس بدلاً صناعياً وإنما فسر المعنى ولم يلحظ صناعة النحو قال شهاب الدين: بل هو بدل صناعي لأن الجملة في قوة المفسر إذ هي سادة مسد مفعولي "يروا" فإنها معلقة لها كما تقدم. الثالث: قال الزمخشري: أَلَمْ يَرَوا ألم يعلموا وهو معلَّقٌ عن العمل في "كَمْ" لأن "كم" لا يعمل فيها عامل قبلها سواه كانت للاستفهام (أو للخبر، لأن أصلها الاستفهام) إلا أنَّ معناها نافد في الجملة كما نفذ في قولك: (ألَمْ يَرَوْا) إن زيداً لمُنْطَلِقٌ و "أن" لم يعمل في لفظه و"أنَّهُمْ إِلَيْهمْ لاَ يَرْجِعُون" بدل من "كَمْ أهلَكْنَا" على المعنى لا على اللفظ تقديره: ألم يروا كَثْرَة إهلاكنا القرون من قبلهم كونهم غير راجعين إليهم. قال أبو حيان قوله "لأن كم لا يعمل فيها ما قبلها كانت للاستفهام أو للخبر" ليس على إطلاقه لأن إذا كانَ حرف جر أو اسماً مضافاً جاز أن يعمل فيها نحو: عَلَى كَمْ جِذْعٍ بَيْتُكَ؟ وأيْن كم رئيس صَحِبْتَ؟ كَمْ فَقيرٍ تَصَدَّقْت أرجو الثواب؟ وأين كم شهيد في سبيل الله أحسنت إليه. وقوله أو الخبرية الخبرية فيها لغة الفصيحة كما ذكر لا يتقدمها عامل إلا ما ذكرنا من الجار، واللغة الأخرى حكاها الأخفض يقولون: مَلَكْت كَمْ غُلاَم اي ملكت كثيراً من الغِلمان فكما يجوز تقدم العامل على "كثيراً". كذلك يجوز على "كم" لأنها بمعناها، وقوله: لأنها أصلها الاستفهام والخبرية ليس أصلها الاستفهام بل كل واحدة أصل ولكنهما لفظان مشتركان بين الاستفهام والخبر وقوله: لأن معناها نافذ في الجملة يعني معني "يَرَوْا" نافذ في الجملة لأنه جعلها معل‍ّقة وشرح "يروا" بيعلموا، وقوله: كما نفذ في قولك: "أَلَمْ يَرَوا إِنًّ زيداً لَمُنْطلِقٌ" يعني أنه لو كان معمولاً من حيث اللفظ لامتنع دخول اللام ولفتحت "أن" فإن "إن" التي في خبرها اللام من الأدوات المعلقة لأفعال القلوب، وقوله: "أَنَّهُمْ إلَيْهِمْ" إلى آخر كلامه لا يصح أن يكون بدلاً على اللفظ ولا على المعنى أما على اللفظ فإن زعم أن "يروا" معلقة فتكون كم استفهامية فهي معمولة "لأهْلَكْنَا" و "أهلكنا" لا يتسلط على {أنَّهُمْ إلَيْهِمْ لاَ يَرْجِعُونَ} كما تقدم. وأما على المعنى فلا يصح أيضاً لأنه قال تقديره: أي على (هذا) المعنى ألم يروا كثرة إهلاكنا القرونَ من قبلهم كَوْنَهم غيرَ راجعين إليهم. فكونهم غير كذا ليس كثرة الإهلاك فلا يكون بدل كل من كل وليس بعض الإهلاك فلا يكون (بدل بعض من كل ولا يكون) بدل اشتمال لأن بدل الاشتمال يصح أنْ يُضَافَ إلى ما أبدل منه وكذلك بدل بعض من كل وهذا لا يصح هنا لا نقول: ألم يروا انتفاء رجوع كثرة إهلاكنا القرون من قبلهم وفي بدل الاشتمال نحو: أعجبتني الجارية ملاحتها وسُرقَ زيد ثوبُه يصح أعجبتني ملاحةُ الجارية وسُرق ثَوْبُ زَيْدٍ. الرابع: أن يكون أنهم بدلاً من موضع "كم أهلكنا" والتقدير ألم يروا أنهم إليهم قاله أبو البقاء ورده أبو حيان بأن "كم أهلكنا" لي بمعمول "ليروا". قال شهاب الدين: وقد تقدم أنها معمولة لها على معنى أنه معلقة لَهَا. الخامس: وهو قول الفراء: أن يكون "يروا" عاملاً في الجملتين من غير إبدال ولم يبين كيفية العمل وقوله الجملتين يجوز لأن "أنهم" ليس بجملة لتأويله بالمفرد إلا أنه مشتمل على مُسْنَدٍ ومُسْنَدٍ إليه. السادس: (أن) "أنَّهُم" معمول لفعل محذوف دل عليه السِّيَاق والمعنى تقديره: قَضَيْنَا وحَكَمْنَا أنَّهُمْ إليهم لا يرجعون ويدل على صحة هذا قول ابنِ عباس والحسن إنَّهُمْ بكسر الهمزة على الاستئناف والاستئناف قطع لهذه الجملة عما قبلها. فهما مقولان تكون معمولة لفعل محذوف يقتضي انقطاعها عما قبلها والضمير في "أنهم" عائد على معنى كم، وفي "إليهم" عائد على ما عاد عليه واو "يَرَوا". (وقيل: بل الأول عائد على ما عاد عليه واو يَرَوْا) والثاني عائد على المُهْلَكِينَ. فصل المعنى ألم يخبروا أهل مكة كم أهلكنا قبلهم من القرون والقرن أَهْلُ كُلِّ عَصْرٍ سموا بذلك لاقترانهم في الوجود أنَّهُمْ إلَيْهِمْ لا يَرْجِعُونَ أي لا يعودون إلى الدنيا أفلا يعتبرون. وقيل: لا يرجعون أي الباقون لا يرجعون إلى المُهْلَكين بنسب ولا ولادة أي أهلكناهم وقطعنا نسلهم ولا شك أنَّ الإهلاك الذي يكون مع قطع النّسل أتم وأعم. والأول أشه نقلاً والثاني أظهر عقلاً. قوله: {وَإِن كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ} تقدم في هود تشديد "لمَّا" وتخفيفها والكلام في ذلك، وقال ابن الخطيب في مناسبة وقع "لما" المشددة موقع "إلا": إن لما كأنَّهَا حَرْفا نفي جمعاً وهما: "لَمْ" و "مَا" فتأكد النفي وإلا كأنها حرفا نفي: "إن ولاَ" فاستعمل أحدهما مكان الآخر انتهى. وهذا يجوز أن يكون أخذه من قول الفراء في إلا في الاستثناء إنها مركبة من "إنْ ولاَ" إلا أنَّ الفراء جعل إنْ مخففة من الثقيلة وجعلها نافية. وهو قول ركيك رَدَّهُ عليه النحويون. وقال الفراء أيضاً إنّ لما هذه أصلها لَمْمَا فخففت بالحذف وتقديم هذا كله مُوَضِّحاً. و"كل" مبتدأ و "جميع" خبره و "مُحْضَرُونَ" خبر ثان لا يختلف ذلك سواء شددت "لما" أم خففتها، لا يقال: إن جميعاً تأكيد لا خبر (لأن) "جميعها" هنا فَعِيل بعنى مفعول أي مجموعون فكل يدل على الإحاطة والشمول وجميع يدل على الاجتماع فمعناها حمل على لفظها، كما في قوله: {أية : جَمِيعٌ مُّنتَصِرٌ} تفسير : [القمر: 44] وقدم "جميع" في الموضعين لأجْل الفَوَاصِل و "لَدَيْنا" متعلق "بمُحْضَرُونَ". فمن شدد "فلما" بمعنى إلا وإنْ نافية كما تقدم والتقدير: ومَا كُلُّ إِلاَّ جميعٌ، ومن خفَّفَ "فَإنْ" مخففة (من الثقيلة) واللام فارقة وما مزيدة. هذا قولا البصريين والكوفيون يقولون: إنَّ "إِنْ" نافية واللام بمعنى إلا كما تقدم مراراً. فصل لما بين الإهلاك بين أن من أهْلَكَهُ ليس بتارك له بل بعده جمع وحبس وحساب وعقابٌ ولو أن من أهلك ترك لكان الموت راحةً ونعْمَ ما قال القائل: شعر : 4179- ولو أنّا إذا ما متْنَا تُرِكْنَا لَكَانَ المَوْتُ رَاحَة كُلِّ حَيِّ وَلكِنَّا إِذا مِتْنا بُعِثْنا وَنُسْأَلُ بَعْدَهَا عَنْ كُلِّ شَيِّ تفسير : قال الزمخشري: إن قال قائل: "كل وجميع" بمعنى واحد فكيف جعل جميعاً خبراً لـ "كلّ" حيث أدخل اللام عليه إذ التقدير وإن كل لجميعٌ؟ نقول معنى "جميع" مجموع ومعنى "كل" أي كل فرد مجمع مع الآخر مضموم إليه ويمكن أن يقال: "مُحْضَرُونَ" يعني كما ذكره وذلك لأنه لو قال: وإن جميع لجميع محضرون لكان كلاماً صحيحاً. قال ابن الخطيب: ولم يوجد ما ذكره من الجواب بل الصحيح أنَّ مُحْضَرُونَ كالصفة للجمع فكأنه قال جميعٌ جميعٌ محضرون كما نقُول: الرجلُ رجلٌ عالم والنبيُّ نبيُّ مرسل. والواو في "وَإنْ كُلّ" يعطف على الحكاية كأنه يقول: بَيَّنْتُ لك ما ذكرت وأبين أن كُلاًّ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن مسعود في قوله ‏ {‏وما أنزلنا على قومه‏.‏‏.‏‏.‏‏} ‏ قال‏:‏ ما استعنت عليهم جنداً من السماء ولا من الأرض‏.‏ وأخرج أبو عبيد وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن سيرين قال‏:‏ في قراءة ابن مسعود ‏"‏إن كانت إلا رتقة واحدة‏"‏ وفي قراءتنا ‏ {‏إن كانت إلا صيحة واحدة‏}‏ ‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله ‏{‏فإذا هم خامدون‏} قال‏:‏ ميتون‏.‏ وأخرج الطبراني وابن مردويه بسند ضعيف عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ حديث : السبق ثلاثة:‏ فالسابق إلى موسى يوشع بن نون، والسابق إلى عيسى صاحب يسۤ‏.‏ والسابق إلى محمد صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب‏ ". تفسير : وأخرج ابن عساكر من طريق صدقة القرشي عن رجل قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏‏"‏حديث : أبو بكر الصديق خير أهل الأرض إلا أن يكون نبي، وإلا مؤمن آل ياسين، وإلا مؤمن آل فرعون ". تفسير : وأخرج ابن عدي وابن عساكر‏:‏حديث : ثلاثة ما كفروا بالله قط‏:‏ مؤمن آل ياسين، وعلي بن أبي طالب، وآسية امرأة فرعون‏ . تفسير : وأخرج البخاري في تاريخه عن ابن عباس قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ "‏حديث : ‏الصديقون ثلاثة‏:‏ حزقيل مؤمن آل فرعون، وحبيب النجار صاحب آل ياسين، وعلي بن أبي طالب‏ ". تفسير : وأخرج أبو داود وأبو نعيم وابن عساكر والديلمي عن أبي ليلى قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏حديث : الصديقون ثلاثة‏: حبيب النجار مؤمن آل ياسين، الذي قال ‏{‏يا قوم اتبعوا المرسلين‏}‏ وحزقيل مؤمن آل فرعون الذي قال ‏{أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله‏}‏ ‏[‏غافر: 28‏]‏ وعلي بن أبي طالب وهو أفضلهم".‏ حديث : وأخرج الحاكم والبيهقي في الدلائل عن عروة قال‏:‏ قدم عروة بن مسعود الثقفي على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم استأذن ليرجع إلى قومه، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ "إنهم قاتلوك‏؟‏ قال‏:‏ لو وجدوني نائماً ما أيقظوني، فرجع إليهم، فدعاهم إلى الإِسلام، فعصوه وأسمعوه من الأذى، فلما طلع الفجر قام على غرفة، فأذن بالصلاة‏.‏ وتشهد، فرماه رجل من ثقيف بسهم فقتله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين بلغه قتله‏: مثل عروة‏.‏ مثل صاحب يس‏.‏ دعا قومه إلى الله فقتلوه ". تفسير : وأخرج ابن مردويه من حديث ابن شعبة موصولا‏ً،‏ نحوه‏. وأخرج عبد بن حميد والطبراني عن مقسم عن ابن عباس؛ ‏أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث عروة بن مسعود إلى الطائف إلى قومه ثقيف، فدعاهم إلى الإِسلام، فرماه رجل بسهم فقتله، فقال‏:‏ ‏"حديث : ‏ما أشبهه بصاحب (يسۤ) ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة عن عامر الشعبي قال‏:‏ شبه النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثة نفر من أمته قال ‏"حديث : ‏دحية الكلبي يشبه جبريل، وعروة بن مسعود الثقفي يشبه عيسى ابن مريم، وعبد العزى يشبه الدجال‏ ".

ابو السعود

تفسير : {وَمَا أَنزَلْنَا عَلَىٰ قَوْمِهِ مِن بَعْدِهِ} من بعد قتلِه أو رفعِه {مِن جُندٍ مّنَ ٱلسَّمَاء} لإهلاكِهم والانتقامِ منهم كما فعلناه يومَ بدرٍ والخندقِ كفينا أمرَهم بصيحةِ مَلَكٍ وفيه استحقارٌ لهم ولإهلاكهم وإيماء إلى تفخيمِ شأن الرَّسولِ صلى الله عليه وسلم {وَمَا كُنَّا مُنزِلِينَ} وما صحَّ في حكمتِنا أنْ ننزلَ لإهلاكِ قومِه جُنداً من السَّماءِ لما أنَّا قَدَّرنا لكلِّ شيءٍ سَبَباً حيثُ أهلكنا بعضَ مَن أهلكنا من الأُمم بالحاصبِ وبعضَهم بالصيحة وبعضَهم بالخسفِ وبعضَهم بالإغراقِ وجعلنا إنزالَ الجندِ من خصائصِك في الانتصارِ من قومك. وقيل: ما موصولةٌ معطوفةٌ على جندٍ أي وما كنَّا مُنزلين على مَن قبلهم من حجارةٍ وريحٍ وأمطارٍ شديدةٍ وغيرِها {إِن كَانَتْ} أي ما كانتْ الأخذةُ أو العقوبةُ {إِلاَّ صَيْحَةً وٰحِدَةً} صاحَ بها جبريلُ عليه السَّلامُ. وقُرىء إلاَّ صيحةٌ بالرَّفعِ على أنَّ كانَ تامَّةٌ. وقُرىء إلا زَقيةً واحدةً من زَقَا الطَّائرُ إذا صاحَ {فَإِذَا هُمْ خَـٰمِدُونَ} ميِّتُون شُبِّهوا بالنَّارِ الخامدةِ رَمْزاً إلا أنَّ الحيَّ كالنَّارِ السَّاطعةِ في الحَرَكةِ والالتهابِ والميِّتُ كالرَّمادِ قال لَبـيدٌ: [الطويل] شعر : وَمَا المرءُ إلاَّ كالشَّهاب وضوئِه يحورُ رَمَاداً بعدَ إذْ هُو ساطعُ تفسير : {يٰحَسْرَةً عَلَى ٱلْعِبَادِ} تعالى فهذه من الأحوالِ التي حقُّها أنْ تحضرِي فيها، وهي ما دلُّ عليه قولُه تعالى {مَا يَأْتِيهِمْ مّن رَّسُولٍ إِلاَّ كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءونَ} فإنَّ المستهزئينَ بالنَّاصحينَ الذين نيطت بنصائِحهم سعادةُ الدَّارينِ أحقَّاءُ بأنْ يتحسَّروا ويتحسَّرُ عليهم المتحسِّرون. أو قد تلهَّفَ على حالهم الملائكةُ والمؤمنون من الثَّقلينِ. وقد جُوِّز أنْ يكون تحسُّراً عليهم من جهةِ الله تعالى بطريق الاستعارةِ لتعظيم ما جنَّدوه على أنفسِهم. ويؤيِّده قراءةُ يَا حسرتَا لأنَّ المعنى يا حسرتِي ونصبُها لطولِها بما تعلَّق بها من الجارِّ وقيل: بإضمارِ فعلِها، والمنادى محذوفٌ وقُرىء يا حسرةَ العبادِ بالإضافةِ إلى الفاعلِ أو المفعولِ وياحسرة على العبادِ بإجراءِ الوصلِ مجرى الوقفِ. {أَلَمْ يَرَوْاْ} أي ألم يعلمُوا وهو معلَّقٌ عن العمل في قوله تعالى {كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مّنَ ٱلْقُرُونِ} لأنَّ كم لا يعملُ فيها ما قبلها وإنْ كانتْ خبريَّةً لأنَّ أصلَها الاستفهامُ خلا أنَّ معناه نافذٌ في الجُملةِ كما نفذَ في قولك ألم تَرَ إنَّ زيداً لمنطلقٌ وإن لم يعملْ في لفظه {أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لاَ يَرْجِعُونَ} بدلٌ من كم أهلكنا على المعنى أيْ ألم يروا كثرةَ إهلاكِنا من قبلهم من المذكُورين آنِفاً ومن غيرهم كونهم غير راجعين إليهم. وقُرىء بالكسرِ على الاستئنافِ. وقُرىء ألم يَرَوا من أهلكنا والبدلُ حينئذٍ بدلُ اشتمالٍ.

القشيري

تفسير : ما كانت إلا قضية مِنَّا بعقوبتهم، وتغييراً لِمَا كانوا به من السلامة إلى وصف البلاء.

اسماعيل حقي

تفسير : {وما انزلنا على قومه} اى قوم حبيب وهم اهل انطاكية {من بعده} اى من بعد قتله {من جند} [عسكر] {من السماء} لاهلاكهم والانتقام منهم كما فعلناه يوم بدر والخندق بل كفينا امرهم بصيحة ملك {وما كنا منزلين} وما صح فى حكمتنا ان تنزل لاهلاك قومه جندا من السماء لما انا قدرنا لكل شئ سببا حيث اهلكنا بعض الامم بالحاصب وبعضهم بالصيحة وبعضهم بالخسف وبعضهم بالاغراق وجعلنا انزال الجند من السماء من خصائصك فى الانتصار من قومك. وفى الآية استحقار لاهل انطاكية ولاهلاكهم حيث اكتفى فى استئصالهم بما يتوسل به الى زجر نحو الطيور والوحوش من صيحة عبد واحد مأمور وايماء الى تفخيم شأن الرسول عليه السلام لانه اذا كان ادنى صيحة ملك واحد كافيا فى اهلاك جماعة كثيرة ظهر ان انزال الجنود من السماء يوم بدر والخندق لم يكن الا تعظيما لشأنه واجلالا لقدره لا لاحتياج الملائكة الى المظاهرة والمعاونة فانه قيل كما لم ينزل عليهم جندا من السماء لم يرسل اليهم جندا من الارض ايضا فما فائدة قوله من السماء فالجواب انه ليس للاحتراز بل لبيان ان النازل عليهم من السماء لم يكن الا صيحة واحدة اهلكتهم باسرهم

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {وما أنزلنا على قومه من بعده} أي: من بعد قتله، أو رفعه {من جُندٍ من السماء} فيهلكهم، {وما كنا مُنزِلينَ} وما كان يصحّ في حكمنا في إهلاك قوم أن نُنزل عليهم جنداً من السماء، كما فعلنا معك يوم بدر والخندق؛ لحظوتك عندنا. وفيه تحقير لإهلاكهم، وتعظيم لشأن الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ قال في الكشاف: فإن قلت: لِمَ أنزل الجنود من السماء يوم بدر والخندق، مع أنه كان يكفي ملك واحد، فقد أهلكت مدائن قوم لوط بريشة من جناح جبريل، وبلاد ثمود وقوم صالح بصيحة واحدة؟ قلت: لأن الله فضَّل محمداً صلى الله عليه وسلم بكل شيء، على كبار الأنبياء وأولي العزم، فضلاً عن حبيب النجار. هـ. ملخصاً. {إِن كانت} العقوبة {إِلا صيحةً واحدةً} صاح عليهم جبريل عليه السلام {فإِذا هم خامِدُون} ميتون. الإشارة: كل وعيد ورد في مُكذِّبي الرسل يجر ذيله على مُكذِّبي الأولياء؛ لأنهم خلفاء الأنبياء، إلا أن عقوبة مؤذي الأولياء، تارة تكون ظاهرة، في الأبدان والأموال، وتارة باطنة، في قسوة القلوب والتعويق عن صالح الأعمال، وكسْف نور الإيمان والإسلام، والبُعد وسوء الختام، وهي الحسرة العظمى، كما قال تعالى: {يٰحَسْرَةً عَلَى ٱلْعِبَادِ...}

صدر المتألهين الشيرازي

تفسير : {وَمَآ أَنزَلْنَا عَلَىٰ قَوْمِهِ مِن بَعْدِهِ مِن جُندٍ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ}: يعني: وما أنزلنا لإهلاك قومه من بعد قتله أو دفعه، جنداً من السماء، أي: وما احتجنا في إهلاك قرية فَجَرَتْ وعَتَتْ عن أمر ربّها، إلى إنزال جند من قِبلِنا، كما احتاج الملوك في الغلبة على خصومهم، بأسباب ومعاونات خارجية، وأشخاص وجنود وآلات واوزار للحرب، بل إنما أَمْرُنا لشيء إذا أردنا أن نقول له كُنْ فيكون. لأن القدرة الإلهية، ألطفُ وأمتنُ من أن تكون بواسطة أسباب محسوسة وأجناد مشهودة، إلاّ إذا اقتضت الحكمة إنزالَ العذاب على طائفة بهيئة خاصة، وصورة معيّنة، فيها عبرة للناظرين، ومصلحة للعابرين، فربما أوجبت المصلحة هلاك قوم على صورة دون أخرى، وهلاك قوم غيرهم على وجه آخر. أَوَلاَ تَرىَ إلى قوله تعالى: {أية : فَمِنْهُم مَّن أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِباً وَمِنْهُمْ مَّنْ أَخَذَتْهُ ٱلصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ ٱلأَرْضَ، وَمِنْهُمْ مَّنْ أَغْرَقْنَا}تفسير : [العنكبوت:40]، ولا يبعد أن يكون شدة البأس، وعَظَمة هيئة الغضب، على طائفة شقية، بنسبة شقاوتهم وكفرهم، أو نسبة عَظَمة المبعوث عليهم، المنذر لهم، من نبي أو خليفة له، ولهذا أنزل الله جنوداً من السماء يوم بدر والخندق، قال تعالى: {أية : فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا} تفسير : [الأحزاب:9]، {أية : بِأَلْفٍ مِّنَ ٱلْمَلاۤئِكَةِ مُرْدِفِينَ}تفسير : [الأنفال:9]. {أية : بِثَلاَثَةِ آلاَفٍ مِّنَ ٱلْمَلاۤئِكَةِ مُنزَلِينَ}تفسير : [آل عمران:124]، {أية : بِخَمْسَةِ آلاۤفٍ مِّنَ ٱلْمَلاۤئِكَةِ مُسَوِّمِينَ}تفسير : [آل عمران:125]، مع أنه كان يكفي في اهلاكهم مَلَك واحد، بل ريشة واحدة، بل صَيْحة واحدة من صيحاته، بل إرادة واحدة منه بإذن ربه، فقد أُهلِكَتْ مدائن لوط، بريشة من جناح جبرئيل، وبلاد ثمود وقوم صالح بصَيْحة. ولكن، لمّا كان نبينا محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)، جامع شؤون الأنبياء كلهم ظاهراً وباطناً، وحاوي شتات كمالاتهم وحالاتهم غيباً وشهادة، فضّله الله بكل شيء على كبار الأنبياء وأُولي العزم من الرسل، وأوْلاه من أسباب الكرامات والكمالات، ما لم يعطه أحداً، فأهلَكَ خصومه وجاحديه بفنون من الهلاك الجسماني والروحاني، كل بحسبه، فمِن ذلك، أنه أنزل جنوداً من السماء، ومن ذلك ما أشار بقوله: {أية : وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ رَمَىٰ}تفسير : [الأنفال:17]، ومنه قوله تعالى: {أية : وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدّاً ومِنْ خَلْفِهِمْ سَدّاً فَأغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ} تفسير : [يس:9] ومن ذلك قوله: {أية : غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُواْ} تفسير : [المائدة:64]. وتفصيل وجوه العقوبات، على حسب مراتب الخصومات، لحبيب الله ورسوله، الجامع لجميع الفضائل والخيرات مما يطول، وشرحه خارج عن حد العقول، فلنكتف بمجمل هذا المقام، وهو أن لله نقمةً جليةً وخفيةً، كما أن له نعمةً ظاهرةً وباطنةً. وقيل معنى الآية: وما أنزلنا على قومه بعدَه رسالة من السماء، قطع الله عنهم الرسالة حين قتلوا رسلهم، وهو مروي عن مجاهد والحسن، والمراد أن الجندَ هُم ملائكة الوحي، الذين ينزلون على الأنبياء، وهو إشارة إلى انقطاع الوحي عنهم، لسوء استعدادهم، وغلبة جحودهم وعنادهم لحامليه، وهذا أشدّ مراتب العقوبة، حيث يوجب الهلاك الأبدي، والشقاء السرمدي، الحاصل من فساد الإعتقاد، وبطلان الروح بانقطاع الأغذية الروحانية عنها، التي هي الإيمان بالله، والطاعة، والعلم، والعبادة، وتوارد السموم المهلكة لها، من الكفر والمعصية والجهل والغواية، وفي قوله تعالى: {وَمَا كُنَّا مُنزِلِينَ} [28]: إشعارٌ لطيف بثبوت ضابطة كُلِيَّة، وقانون إلهي، في إهلاك كل طائفة من الكفرة الفجرة، بسبب مخصوص، يعني أن إنزال جنود من السماء، وألوف من الملائكة، لانتصار خاتم الأنبياء، مما لا يؤهله غيره، والعقوبة بها لا يناسبه إلاّ أعداؤه، الذين هم أعند الناس للحق، وأجحدهم للحكمة والمصلحة. وذلك لأن نزول العذاب والقهر على الأمم المكذبة، من آثار غضب نبيهم، وتأثيره قوة قهره بحسب اتصافه بصفات الله، والنبي الخاتم، هو صاحب المقام الجمعي، والمتصف بجميع صفات الله، المتخلق بأخلاقه كلها، فله جميع أسمائه، والملائكة وفنونها وشعبها مظاهر أسمائية، فلمّا كان تأثير ذاته الكاملة بجميع الأسماء، كانت الملائكة نازلة بحسب تلك الأسماء وتأثيراتها، فَيُعِينونَه ويُمِدّونه، وأما سائر الأنبياء، فلما كان اتصافهم ببعض الأسماء، كان لا ينزل من قهرهم إلاّ بعض الملائكة بحسب حالهم، وقوة تأثير كمالهم. وها هنا دقيقة ينبغي أن لا تغفل عنها، وهو أن التأثير بجميع الأسماء، حتى أسماء اللطف والرحمة، لا ينافي الغضب بها، ونزول العذاب بحسبها، وبأيدي مظاهرها، التي هي ملائكة الرحمة، وذلك لأن النفوس الشقيّة الضالة، مما تتأذى وتتعذب بالرحمة والهداية أكثر مما يتضرر بالغضب والنقمة، كمثال الجُعل ورائحة المسك، فافهم واغتنم. فمعنى الآية: أن إنزال جنود الملائكة، من الاجرام الفلكية، من الخصائص العظيمة، التي لم أفعله، وما كنا نفعله لغيرك، فضلاً لحبيب النجّار، غضباً على قومه. ثم بيَّنَ سبحانه، كيفية اهلاكهم، ليعلم المتفكر المتدبّر من كيفية هلاكهم مرتبتَهم في النقصان، فقال: {إِن كَانَتْ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً} [يس:29].

الجنابذي

تفسير : {وَمَآ أَنزَلْنَا عَلَىٰ قَوْمِهِ مِن بَعْدِهِ مِن جُندٍ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ} كما انزلنا يوم بدرٍ والخندق بل كفينا امرهم بصيحةٍ {وَمَا كُنَّا مُنزِلِينَ} ما نافية او موصولة معطوفة على جندٍ اى وما انزلنا على قومه ما انزلنا على السّابقين من الاحجار والامطار والرّياح.

اطفيش

تفسير : {وما أنزلنا على قومه من بعده} بعد موته أو رفعه. {من جند من السماء} من الأولى ظرفية ولو كانت في لا تدخل على بعد او زائدة او ابتدائة وكذا في قيل والثانية زائدة في المفعول والثالثة للابتداء ولا مانع من اجتماع ابتداءين متخالفين غير متناقضين والجند الملائكة اي لم تتنزل في اهلاكهم جند من ملائكة بل أهلكناهم بصيحة كما يأتي وهو قول ابن مسعود، وقال الحسن الجند الملائكة الوحي يعني انقطع عنهم الوحي واستوجبوا العذاب ومثله قول مجاهد ان الجند الرسالة ويحتمل التفسير الأول ثم رأيت الثعالبي ذكر ما يدل على أنه اراد مثل قول الحسن قال: قال مجاهد: لم ينزل الله عليهم من جند اراد أنه لم يرسل إليهم رسولا ولا استعتبهم قال قتادة والله ما عاتب الله قومه بعد قتله حتى اهلكهم. {وما كنا منزلين} أي وما صح ذلك في حكمنا لأنهم اهون من أن تنزل ملائكة فيهم أو لأني لم اقض عليهم إلا اهلاك بالجند او لسنا مهلكين احدا بجند من الملائكة لأنا قد خصصناك بالنصر على اعدائك بجنود الملائكة كما سيقع لك ذلك وقد وقع ذلك في غزوتي الخندق وبدر ففي الآية مدح للنبي صلى الله عليه وسلم وتعظيم وايثار وقد اهلك قوم لوط ومداينهم بريشة واحدة من جناح جبريل واهلك اقواما بالحاصب وأقواما بالصيحة وقوما بالخسف ولكن فضل نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم بكل شيء حتى انه جعل من عسكره الملائكة ويجوز كون ما موصولا اسميا أو نكرة موصوفة معطوفة على جند واقعة على ما اهلكت به الأمم من حجارة وريح والمطر الشديد.

اطفيش

تفسير : {وما أنزْلنا عَلى قَومه} للاهلاك {من بعْدِه} بعد ذهابه عنهم بالموت أو بالرفع الى الجنة {مِن جُنْدٍ} عسكراً من الملائكة أو مما شيئنا، سمى العسكر جندا للخشونة، والجند الأرض الغليظة فيها حجارة {من السَّماءِ وما كُنا منْزلين} ما فى حكمتنا أن ننزل عليهم الجند للإهلاك، بل قضينا أن نهلكهم بالصيحة، ومن المهلكين من كانت حكمتنا إهلاكه بالخسفْ، ومنهم بالاغراق، ومنهم بالريح، ومنهم بالحصب.

الالوسي

تفسير : {وَمَا أَنزَلْنَا عَلَىٰ قَوْمِهِ } أي قوم الرجل الذي قيل له {أية : ٱدْخُلِ ٱلْجَنَّةَ}تفسير : [يس: 26] {مِن بَعْدِهِ } أي من بعد قتله، وقيل: من بعد رفعه إلى السماء حياً {مِن جُندٍ } أي جنداً فمن مزيدة لتأكيد النفي، وقيل: يجوز أن تكون للتبعيض وهو خلاف الظاهر، والجند العسكر لما فيه من الغلظة كأنه من الجَنَد أي الأرض الغليظة التي فيها حجارة، والظاهر أن المراد بهذا الجند جند الملائكة أي ما أنزلنا لإهلاكهم ملائكة {مّنَ ٱلسَّمَاء وَمَا كُنَّا مُنزِلِينَ } وما صح في حكمتنا أن ننزل الجند لإهلاكهم لما أنا قدرنا لكل شيء سبباً حيث أهلكنا بعض من أهلكنا من الأمم بالحاصب وبعضهم بالصيحة وبعضهم بالخسف وبعضهم بالإغراق وجعلنا إنزال الجند من خصائصك في الانتصار لك من قومك وكفينا أمر هؤلاء بصيحة ملك صاح بهم فهلكوا كما قال سبحانه: {إِن كَانَتْ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً...}.

ابن عاشور

تفسير : رجوع إلى قصة أصحاب القرية بعد أن انقطع الحديث عنهم بذكر الرجل المؤمن الذي جاء من أقصى المدينة ناصحاً لهم وكان هذا الرجوع بمناسبة أن القوم قومُ ذلك الرجل. فجملة {وما أنزلنا على قومه}الخ عطف على جملة { أية : قيل ادخُل الجَنَّة } تفسير : [يس: 26] فهي مستأنفة أيضاً استئنافاً بيانياً لأن السامع يتشوف إلى معرفة ما كان من هذا الرجل ومِن أمر قومه الذين نصحهم فلم ينتصحوا فلما بيّن للسامع ما كان من أمره عطف عليه بيان ما كان من أمر القوم بعدَه. وافتتاح قصة عقابهم في الدنيا بنفي صورة من صُور الانتقام تمهيد للمقصود من أنهم ما حلّ بهم إلا مثل ما حلّ بأمثالهم من عذاب الاستئصال، أي لم ننزل جنوداً من السماء مخلوقة لقتال قومه، أو لم ننزل جنوداً من الملائكة من السماء لإِهلاكهم، وما كانت عقوبتهم إلا صيحة واحدة من مَلَك واحد أهلكتهم جميعاً. و {مِن} في قوله: {مِن بَعْدِهِ} مزيدة في الظرف لتأكيد اتصال المظروف بالظرف وأصلها {مِن} الابتدائية، وإضافة {بعد} إلى ضمير الرجل على تقدير مضاف شائع الحذف، أي بعدَ موته كقوله تعالى: { أية : إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي } تفسير : [البقرة: 133]. و {مِن} في قوله: {مِن جُندٍ} مؤكدة لعموم {جُنْدٍ} في سياق النفي، و{مِن} في قوله: {مِنَ السَّمَاءِ} ابتدائية وفي الإِتيان بحرف {مِن} ثلاثَ مرات مع اختلاف المعنى مُحسّن الجناس. وفي هذا تعريض بالمشركين من أهل مكة إذ قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم { أية : أو تأتَي بالله والملائكة قبيلاً } تفسير : [الإسراء: 92] أي تأتي بالله الذي تدّعي أنه أرسلك ومعه جنده من الملائكة ليثأر لك. فجملة {وما كُنَّا مُنزِلينَ} معترضة بين نوعي العقاب المنفي والمثبَت، لقصد الرد على المشركين بأن سنة الله تعالى لم تجر بإنزال الجنود على المكذبين وشأن العاصين أَدْوَنُ من هذا الاهتمام. والصيحة: المرة من الصياح، بوزن فعلَة، فوصفها بواحدة تأكيد لمعنى الوحدة لئلا يتوهم أن المراد الجنس المفرد من بين الأجناس، و {صَيْحَةً} منصوب على أنه خبر {كَانَتْ} بعد الاستثناء المفرّغ، ولحاق تاء التأنيث بالفعل مع نصب {صَيْحَةً} مشير إلى أن المستثنى منه المحذوف العقوبة أو الصيحة التي دلت عليها {صيحة واحِدةً،} أي لم تكن العقوبة أو الصيحة إلا صيحةً من صفتها أنها واحدة إلى آخره. وقرأ أبو جعفر برفع {صَيْحَةٌ} على أن «كان» تامة، أي ما وقعت إلا صيحة واحدة. ومجيء «إذا» الفجائية في الجملة المفرعة على {إن كَانَتْ إلاَّ صَيْحَةً واحدة}لإِفادة سرعة الخمود إليهم بتلك الصيحة. وهذه الصيحة صاعقة كما قال تعالى حكاية عن ثمود: { أية : فأخذتهم الصيحة } تفسير : [الحجر: 73]. والخمود: انطفاء النار، استعير للموت بعد الحياة المليئة بالقوة والطغيان، ليتضمن الكلام تشبيه حال حياتهم بشبوب النار وحال موتهم بخمود النار فحصل لذلك استعارتان إحداهما صريحة مصرحة، وأخرى ضمنية مكنية ورمزها الأُولى، وهما الاستعارتان اللتان تضمنهما قول لبيد: شعر : وما المرء إلا كالشهاب وضوئه يَحور رماداً بعد إذ هو ساطع تفسير : وتقدم قوله تعالى: { أية : حتى جعلناهم حصيداً خامدين } تفسير : في سورة الأنبياء (15)، فكان هذا الإِيجاز في الآية بديعاً لحصول معنى بيت لبيد في ثلاث كلمات. وهذا يشير إلى حدث عظيم حدث بأهل أنطاكية عقب دعوة المرسلين وهو كرامة لشهداءِ أتباع عيسى عليه السلام، فإن كانت الصيحة صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود كان الذين خمدوا بها جميعَ أهل القرية فلعلهم كانوا كفاراً كلهم بعد موت الرجل الذي وعظهم وبعد مغادرة الرسل القرية. ولكن مثل هذا الحادث لم يذكر التاريخ حدوثه في أنطاكية، فيجوز أن يهمل التاريخ بعض الحوادث وخاصة في أزمنة الاضطراب والفتنة.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: وما أنزلنا على قومه: أي على قوم حبيب بن النجار وهم أهل أنطاكية. من بعده: أي من بعد موته. من جند من السماء: أي من الملائكة لإهلاكهم. وما كنا منزلين: أي الملائكة لإِهلاك الأمم التي استوجبت الهلاك. إن كانت إلا صيحة واحدة: أي ما هي إلا صيحة واحدة هي صيحة جبريل عليه السلام. فإذا هم خامدون: أي ساكتون لا حراك لهم ميتون. يا حسرة على العباد: أي يا حسرة العباد هذا أوان حضورك فاحضري وهذا غاية التألم. والعباد هم المكذبون للرسل الكافرون بتوحيد الله. ما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزئون: هذا سبب التحسُّر عليهم. ألم يروا كم أهلكنا قبلهم من القرون: أي ألم ير أهل مكة المكذبون للرسول صلى الله عليه وسلم. وإن كل لما جميع لدينا محضرون: أي وإن كل الخلائق إلا لدينا محضرون يوم القيامة لحسابهم ومجازاتهم. معنى الآيات: قوله تعالى {وَمَآ أَنزَلْنَا عَلَىٰ قَوْمِهِ} أي قوم حبيب بن النجار {مِن بَعْدِهِ} أي بعد موته {مِن جُندٍ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ} للانتقام من قومه الذين قتلوه لأنه أنكر عليهم الشرك ودعاهم إلى التوحيد وما كُنا منزلين إذ لا حاجة تدعو إلى ذلك. إن كانت إلا صيحة واحدة من جبريل عليه السلام فإذا هم خامدون أي هلكى ساكنون ميتون لا حراك لهم ولا حياة فيهم وقوله تعالى {يٰحَسْرَةً عَلَى ٱلْعِبَادِ} أي يا حسرة العباد على أنفسهم احضري ايتها الحسرة هذا أوان حضورك {مَا يَأْتِيهِمْ مِّن رَّسُولٍ إِلاَّ كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} هذا موجب الحسرة ومقتضيها وهو استهزاؤهم بالرسل. وقوله تعالى {أَلَمْ يَرَوْاْ} أي أهل مكة {كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِّنَ ٱلْقُرُونِ} أي ألم يعلموا القرون الكثيرة التي أهلكناها قبلهم كقوم نوح وعاد وثمود وأصحاب مدين، {أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لاَ يَرْجِعُونَ} فيكون هذا هادياً لهم واعظاً فيؤمنوا ويوحدوا فينجوا من العذاب ويسعدوا. وقوله تعالى {وَإِن كُلٌّ} أي من الأمم الهالكة وغيرها من سائر العباد {لَّمَّا جَمِيعٌ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ} أي إلا لدينا محضرون لفصل القضاء يوم القيامة فينجو المؤمنون ويهلك الكافرون. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- مظاهر قدرة الله تعالى في إهلاك أهل أنطاكية بصيحة واحدة. 2- إبداء التحسر على العباد من أنفسهم إذ هم الظالمون المكذبون فالحسرة منهم وعليهم. 3- حرمة الاستهزاء بما هو من حرمات الله تعالى التي يجب تعظيمها. 4- طلب العبرة من أخبار الماضين وأحوالهم، والعاقل من اعتبر بغيره. 5- تقرير المعاد والحساب والجزاء.

القطان

تفسير : الجند: الملائكة. خامدون: ميتون. الحسرة: شدة التلهف والحزن. ويقال: واحسرتا، ويا حسرتا. محضَرون: للحساب والجزاء. من القرون: من اهل القرون القديمة. الازواج: الأصناف. وما انزلنا على قوم ذلك المؤمنِ جندا من السماء نهلكهم على أيديهم. إن أمْرَهم كان أهونَ من ذلك، وما تحمَّلوا إلا صيحة واحدة فاذا هم أمواتٌ لا حراك بهم. {يٰحَسْرَةً عَلَى ٱلْعِبَادِ} تُتاح لهم فرصة النجاة فيُعرِضون عنها، وما نبعث إليهم برسولٍ إلا كانوا به يستهزئون. ألم يروا مصارع الهالكين قبلهم من أهل القرون الغابرة ويدركون أنهم لا يرجعون على مدار السنين وتطاول القرون!! لقد كان في هذا عظةً لمن يتدبّر. ولكن الله تعالى لا يتركهم يفتلون من الحساب. {وَإِن كُلٌّ لَّمَّا جَمِيعٌ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ} ذلك يوم القيامة. والدليل على قدرتنا على البعث والنشور تلك الأرض المجدبة، نحييها بانزال الماء عليها ونخرج منها حَباً يأكلون منه، كما نُنشىء فيها حدائق وبساتين من نخيل وأعناب، ونجعل فيها أنهاراً وعيونا من الماء العذب الصافي {أَفَلاَ يَشْكُرُونَ} خالقَ هذا النعم؟ سبحان الذي خلق هذا الخلْقَ العظيم، من أزواج على سُنّة الذكورةِ والأنوثة، وخَلَقَ أنواعَ الكائنات مما تنبت الأرض ومن الأنفس، وخَلَقَ ما نعلم، وفيه الدليل الكبير على عظيم قدرته تعالى. قراءات قرأ عاصم وابن عامر وحمزة: وان كل لمّا بتشديد الميم. والباقون: لما بفتح الميم دون تشديد. وقرأ نافع: الأرض المِّيتة بتشديد الياء. والباقون: المْيتة باسكان الياء. وقرأ الكوفيون: ما عملتْ ايديهم، الا عاصما: ما عملته أيديهم.

د. أسعد حومد

تفسير : (28) - وَقَدِ انْتَقَمَ اللهُ تَعَالَى مِنَ القَوْمِ، بَعْدَ أَنْ كَذَّبُوا رُسُلَهُ إِلَيْهِمْ، وَقَتَلُوا وَلِيَّهُ، وَلَمْ يَحْتَجِ الأَمْرُ إِلَى أَنْ يُنْزِلَ اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِمْ جُنداً مِنَ السَّمَاءِ لإِهْلاَكِهِمْ، بَلْ كَانَ الأَمْرُ أَيْسَرَ مِنْ ذَلِكَ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : نفهم من سياق هاتين الآيتين أن القوم المكذِّبين قتلوا هذا الرجل المتطوع، أو أنه مات بطبيعة الحال، والمنتظر أن الله تعالى يجازيهم على تكذيبهم للرسل الثلاثة أولاً، ثم تكذيبهم للرجل الذي جاء من أقصى المدينة يسعى لنصحهم، فماذا فعل الله بهم؟ يقول سبحانه: إن أمر هؤلاء المكذِّبين أهون من أنْ نُنزل عليهم جُنداً من السماء تهلكهم. ومجرد صيحة واحدة كافية لهلاكهم، فالمعنى {وَمَآ أَنزَلْنَا عَلَىٰ قَوْمِهِ مِن بَعْدِهِ} [يس: 28] أي: من بعد النصيحة والعِظَات والبراهين التي تطوَّع بها {مِن جُندٍ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَمَا كُنَّا مُنزِلِينَ} [يس: 28] يعني: لم نُنزل وما كان ينبغي لنا أنْ نُنزل عليهم جنداً من السماء؛ لأن الأمر أهون من ذلك. {إِن كَانَتْ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً} [يس: 29] أي: ما كانت إلا صيحة واحدة {فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ} [يس: 29] كلمة {خَامِدُونَ} [يس: 29] تدل على أنهم كانوا متحمسين للكفر بهم في أُوَار وغضب واشتعال على رسل الله أولاً، ثم على الرجل المتطوع ثانياً، فهُمْ في ذلك أشبه بالنار المتأججة، فأخمدها الله. ثم يقول الحق تبارك وتعالى بعد ذلك كلمة يصح أن يقولها كل مؤمن يرى مصارع العاصين ونهاية الكافرين الذين أدركهم الموت قبل أنْ يتداركوا أنفسهم بالإيمان، يقول: {يٰحَسْرَةً عَلَى ٱلْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِّن رَّسُولٍ ...}.

الجيلاني

تفسير : {وَ} بعدما قتلوه ورفعناه عنايةً منا إياه، وأدخلناه في جنة وحدتنا مغفوراً مسروراً، وكشفنا عنه غطاءه، أخذنا في انتقام قومه عنه، فأهلكناهم بصيحة واحدة صاح بها جبريل عليه السلام بأمرنا إياه {مَآ أَنزَلْنَا عَلَىٰ قَوْمِهِ} أي: قوم الحبيب، وهم أهل أنطاكية {مِن بَعْدِهِ} أي: بعد قتله؛ لننتقم عنهم لأجله {مِن جُندٍ مِّنَ} جنود {ٱلسَّمَآءِ وَمَا كُنَّا مُنزِلِينَ} [يس: 28] أي: ما ثبت منا، وما جرى في لوح قضائنا إنمال الملائكة لإهلاكهم كما جرت سنتنا لإهلاك سائر الأمم الهالكة. بل {إِن كَانَتْ} أي: ما كانت علة هلاكهمه {إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً} أي: ما وقعت وصدرت منا لإهلاكهم إلا صيحة واحدة - على القراءتين بالرفع والنصب - وذلك أنا بمقتضى قهرنا وجلالنا أمرنا جبريل عليه السلام بأن يأخذ بعضادة باب مدينتهم، فأخذ وصاح عليهم مرة واحدة {فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ} [يس: 29] أي: فاجئوا جميعاً على الخمود والجمود بعدما سمعوا الصيحة الهائلة؛ يعني: صاروا كالرماد بعدما كانوا أحياء كالنار المشتعلة الساطعة. ثم قال سبحاه من قبل عصاة عباده، المأخوذين بشؤم ما اقترفوا من المعاصي والآثام: {يٰحَسْرَةً} وندامة وكآبة عظيمة وحزناً شديداً {عَلَى ٱلْعِبَادِ} المصرين على العناد بعدما عاينوا العذاب الدنيوي أو الأخروي النازل عليهم حتماً بسبب إنكارهم على الرسل والمرسل جميعاً، وتكذيبهم بجميع ما جاءوا به من عند ربهم، ولس لهم حنيئذ قوة المقاومة والمدافعة؛ لذلك صاروا حيارى، سكارى، هائمين، متحسرين بلا ناصر ومعين وشفيع حميم من نبي ورسول كريم؛ إذ {مَا يَأْتِيهِمْ مِّن رَّسُولٍ} في نشأتهم الأولى يصلح أحوالهم وأعمالهم لئلا يترتب عليهم الوبال والنكال الموعود في النشأة الأخرى {إِلاَّ كَانُواْ} من غاية كبرهم وخيلائهم {بِهِ} أي: بالرسول المصلح المرشد لهم {يَسْتَهْزِئُونَ} [يس: 30] ويستحقرونه ويستنكفون عن قبول دينه ودعوته، وينكرون عليه كهؤلاء المسرفين المشركين معك يا أكمل الرسل. {أَ} يستهزئون معك - يعني: أهل مكة - وينكرون بدينك وكتابك {لَمْ يَرَوْاْ} ولم يخبروا ولم يعلموا {كَمْ أَهْلَكْنَا} أي: كثرة إهلاكنا واستئصالنا {قَبْلَهُمْ مِّنَ ٱلْقُرُونِ} الماضية، ولم يعتبروا مما جرى عليهم بشؤم تكذيبهم وإنكارهم على رسله مع {أَنَّهُمْ} أي: الأمم الهالكة السالفة {إِلَيْهِمْ لاَ يَرْجِعُونَ} [يس: 31] أي: لا يرجعون إلى هؤلاء المفسدين، المسرفين في تكذيبك وإكارك يا أكمل الرسل في نشأتهم هذه، بل مضوا وانقرضوا إلى حيث لم يعودوا إلى ما كانوا، وهؤلاء أيضاً سينقرضون إثرهم، ولِمَ لم يتنبهوا ولم يعتبروا مما جرى عليهم مع أنهم إن أُخذوا صاروا كأن لم يكونوا شيئاً مذكوراً أمثالهمه؟!. {وَ} بالجملة: {إِن كُلٌّ} أي: ما كل من الفرق والأحزاب المنقرضة عن الدنيا عن التعاقب والترادف مردودون إليها، مجتمعة في وقت من الأوقات، بل {لَّمَّا جَمِيعٌ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ} [يس: 32] يعني: لا يجتمعون إلا عندنا ولا يحضرون جميعاً إلا لدنيا في يم العرض والجزاء، وفي حضرة علمنا ولوح قضائنا. وبالجملة: لا اجتماع لهم بعد انقراضهم ما داموا مسجونين في سجن الإمكان، مقيدين بسلاسل التعينات وأغلال الهويات والأنانيات، بل متى خلصوا عن مضيق الطبيعة وانخلعوا عن لوازمها، حضروا واجتمعوا، بل وصلوا واتصلوا، وحنيئذ لم يبق الفرق، وصاروا ما صاروا. لا إله إلا هو ولا موجود سواه، هذا على قراءة "لمَّا" بالتشديد، وأما على قراءة من قرأ بالتخفيف "إن" حينئذ مخففة من الثقيلة، و"ما" في "لما" مزيدة للتأكيد، واللام للفرق بين المخففة والنافية، والمعنى: أنه - أي: الشأن - كل من الأمم الهالكة السالفة مجموعون ألبتة لدينا، محضرون عندنا يوم الجزاء، أو في حضرة لاهوتنا بعد انخلاعهم عن لوازم ناسوتهم. {وَآيَةٌ} عظيمة منا، دالة على كمال قدرتنا على جمعهم وإحضارهم يوم الجزاء {لَّهُمُ} أن يستدلوا بها على صدقها {ٱلأَرْضُ ٱلْمَيْتَةُ} اليابسة الجامدة، التي {أَحْيَيْنَاهَا} وأحضرناها في وقت الربيع بإنزال قطرات الماء المترشحة من بحر الحياة عليها {وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبّاً} أي: جنساً من الحبوبات التي يقتاتون بها {فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ} [يس: 33] وبه يعيشون وينعمون، كذلك في النشور أحيينا الأبدان المائتة الجامدة البالية، المتلاشية في أراضي الأجداث بإنزال الرشحات الفائضة من بحر حياة الوجود بمقتضى الجود، فأعدناهم أحياء كما أبدعناهم أولاً من العدم. {وَ} أيضاً من جملة الآيات التي تدعل على كمال قدرتنا: إنَّا {جَعَلْنَا فِيهَا} أي: في الأرض {جَنَّاتٍ} بساتين ومتنزهات مملوءة {مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ} ومن سائر ما يتفكهون به؛ تتميماً لتنعمهم وترفههم {وَفَجَّرْنَا} أي: أخرجنا وأجرينا {فِيهَا} أي: في خلال البساتين {مِنَ ٱلْعُيُونِ} [يس: 34] والينابع الجارية التي لا صنع لهم في إجرائها وإخراجها؛ عنايةً منا إياهم، إبقاء لنضارتها ونزاهتها. كل ذلك {لِيَأْكُلُواْ مِن ثَمَرِهِ} أي: من ثمر ما ذكر وقوته، ويقوِّموا أمزجتهم بأنواع ما وهبنا عليهم من النعم حتى يقوموا ويواضبوا على شكرها؛ أداء لحقوقنا إياهم {وَ} كذا علمناهم وأقدرناهم على عموم {مَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ} من العقارات والمزارع والبساتين وإجراء الأنهار والقنوات وحفر الآبار {أَ} ينكرون على كمال قدرتنا ووفور حولنا وقوتنا {فَلاَ يَشْكُرُونَ} [يس: 35] نعمنا الفائضة إياهم على التعاقب والتوالي ولا ينسبونها إلينا، بل ينسبونها إلى الوسائق والأسباب العادية جهلاً وعناداً، وطغياناً كفراً.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : وقوله: {وَمَآ أَنزَلْنَا عَلَىٰ قَوْمِهِ مِن بَعْدِهِ مِن جُندٍ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ} [يس: 28] يشير إلى أنه فاتها بعد رجوع الروح إلى الحضرة وما أنزل إلى النفس وصفاتها ملائكة من السماء لأنهم لا يقعدون على إصلاح حالهم فإن صلاح النفس في موتها والمميت هو الله، {وَمَا كُنَّا مُنزِلِينَ} [يس: 28] يعني: الملائكة في إماتتهم {إِن كَانَتْ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً} من وارد الحق {فَإِذَا هُمْ} [يس: 29] يعني: النفس وصفاتها {خَامِدُونَ} ميتون عن أنانيتهم بهويته. ثم أخبر عن حسرة أهل الغرامة يوم القيامة، وبقوله: {يٰحَسْرَةً عَلَى ٱلْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِّن رَّسُولٍ إِلاَّ كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} [يس: 30] يشير إلى أن للعباد موضع التحسر إن لم يتحسروا اليوم وذلك لانخراطهم كلهم في سلك واحد من التكذيب ومخالفة الرسل والاستهزاء بهم ومنافاة أولياء الله سبحانه، كما غلبت هذه الخصال الرديئة على أهل زماننا هذا الذين يسمعون القول من المحققين فيتبعون أقبحه ويقعون في أولياء الله ويستهزءون بهم وبكلماتهم المستحسنة إلا من شاء الله به خيراً من أهل النظر وأدب بأدب الإرادة وقليل ما هم فهددهم الله عز وجل بقوله: {أَلَمْ يَرَوْاْ} [يس: 31] يعني: هؤلاء الغفلة الجهلة. {كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِّنَ ٱلْقُرُونِ} [يس: 31] الماضية وما عاملنا قبلهم من الأمم الخالية {أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لاَ يَرْجِعُونَ} [يس: 31] كلهم في قبضة القدرة لم يعننا أحد {وَإِن كُلٌّ لَّمَّا جَمِيعٌ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ} [يس: 32] ولم يكن لواحد منهم علينا عون ولا مدد ولا عن حكمنا ملتحد فيه إشارة أخرى وهي أن الله سبحانه جعل هذه الأمة آخر الأمم فضلاً منه وكرماً ليتعبروا هؤلاء بأفاضلهم وأراذلهم وما جعلهم عبرة لأمة أخرى، وأنه تعالى قد شكا لهم كل أمة، وما شكا إلى أحد من غيرهم شكايتهم. وقوله: {وَآيَةٌ لَّهُمُ ٱلأَرْضُ ٱلْمَيْتَةُ} [يس: 33] يشير إلى القلب الميت {أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبّاً} [يس: 33] وهو الطاعة والعبادة، {فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ} [يس: 33] فإنها غذاء الأرواح {وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِّن نَّخِيلٍ} [يس: 34] نخيل الأذكار، {وَأَعْنَابٍ} [يس: 34] من أعناب الأشواق {وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ ٱلْعُيُونِ} [يس: 34] عيون الحكمة، {لِيَأْكُلُواْ مِن ثَمَرِهِ} [يس: 35] وهي المكاشفات والمشاهدات فإن المجاهدات تورث المشاهدات {وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ} [يس: 35] من الصدقات والخيرات {أَفَلاَ يَشْكُرُونَ} [يس: 35] نعم الله الظاهرة والباطنة.