٣٦ - يس
36 - Yaseen (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
38
Tafseer
الرازي
تفسير : ويحتمل أن يكون الواو للعطف على الليل تقديره: وآية لهم الليل نسلخ والشمس تجري والقمر قدرناه، فهي كلها آية، وقوله: {وَٱلشَّمْسُ تَجْرِي } إشارة إلى سبب سلخ النهار فإنها تجري لمستقر لها وهو وقت الغروب فينسلخ النهار، وفائدة ذكر السبب هو أن الله لما قال نسلخ منه النهار وكان غير بعيد من الجهال أن يقول قائل منهم سلخ النهار ليس من الله إنما يسلخ النهار بغروب الشمس فقال تعالى: والشمس تجري لمستقر لها بأمر الله فمغرب الشمس سالخ للنهار فبذكر السبب يتبين صحة الدعوى ويحتمل أن يقال بأن قوله: {وَٱلشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرّ لَّهَـا } إشارة إلى نعمة النهار بعد الليل كأنه تعالى لما قال: {أية : وَءَايَةٌ لَّهُمُ ٱلَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ ٱلنَّهَارَ } تفسير : [يس: 37] ذكر أن الشمس تجري فتطلع عند انقضاء الليل فيعود النهار بمنافعه، وقوله: {لِمُسْتَقَرٍّ } اللام يحتمل أن تكون للوقت كقوله تعالى: {أية : أَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ لِدُلُوكِ ٱلشَّمْسِ } تفسير : [الإسراء: 78] وقوله تعالى: {أية : فَطَلّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ } تفسير : [الطلاق: 1] ووجه استعمال اللام للوقت هو أن اللام المكسورة في الأسماء لتحقيق معنى الإضافة لكن إضافة الفعل إلى سببه أحسن الإضافات لأن الإضافة لتعريف المضاف بالمضاف إليه كما في قوله: دار زيد لكن الفعل يعرف بسببه فيقال اتجر للربح واشتر للأكل، وإذا علم أن اللام تستعمل للتعليل فنقول وقت الشيء يشبه سبب الشيء لأن الوقت يأتي بالأمر الكائن فيه، والأمور متعلقة بأوقاتها فيقال خرج لعشر من كذا {أية : وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ لِدُلُوكِ ٱلشَّمْسِ } تفسير : [الإسراء: 78] لأن الوقت معرف كالسبب وعلى هذا فمعناه تجري الشمس وقت استقرارها أي كلما استقرت زماناً أمرت بالجري فجرت، ويحتمل أن تكون بمعنى إلى أي إلى مستقر لها وتقريره هو أن اللام تذكر للوقت وللوقت طرفان ابتداء وانتهاء يقال سرت من يوم الجمعة إلى يوم الخميس فجاز استعمال ما يستعمل فيه في أحد طرفيه لما بينهما من الاتصال ويؤيد هذا قراءة من قرأ {وَٱلشَّمْسُ تَجْرِي إِلَىٰ مُّسْتَقِرٌّ لَهَا } وعلى هذا ففي ذلك المستقر وجوه الأول: يوم القيامة وعنده تستقر ولا يبقى لها حركة الثاني: السنة الثالث: الليل أي تجري إلى الليل الرابع: أن ذلك المستقر ليس بالنسبة إلى الزمان بل هو للمكان وحينئذٍ ففيه وجوه الأول: هو غاية ارتفاعها في الصيف وغاية انخفاضها في الشتاء أي تجري إلى أن تبلغ ذلك الموضع فترجع الثاني: هو غاية مشارقها فإن في كل يوم لها مشرق إلى ستة أشهر ثم تعود إلى تلك المقنطرات وهذا هو القول الذي تقدم في الإرتفاع فإن اختلاف المشارق بسبب اختلاف الإرتفاع الثالث: هو وصولها إلى بيتها في الابتداء الرابع: هو الدائرة التي عليها حركتها حيث لا تميل عن منطقة البروج على مرور الشمس وسنذكرها، ويحتمل أن يقال {لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَـا } أي تجري مجرى مستقرها. فإن أصحاب الهيئة قالوا الشمس في فلك والفلك يدور فيدير الشمس فالشمس تجري مجرى مستقرها، وقالت الفلاسفة تجري لمستقرها أي لأمر لو وجدها لاستقر وهو استخراج الأوضاع الممكنة وهو في غاية السقوط، وأجاب الله عنه بقوله: {ذٰلِكَ تَقْدِيرُ ٱلْعَزِيزِ ٱلْعَلِيمِ } أي ليس لإرادتها وإنما ذلك بإرادة الله وتقديره وتدبيره وتسخيره إياها، فإن قيل عددت الوجوه الكثيرة وما ذكرت المختار، فما الوجه المختار عندك؟ نقول المختار هو أن المراد من المستقر المكان أي تجري لبلوغ مستقرها وهو غاية الارتفاع والانخفاض فإن ذلك يشمل المشارق والمغارب والمجرى الذي لا يختلف والزمان وهو السنة والليل فهو أتم فائدة، وقوله: {ذٰلِكَ } يحتمل أن يكون إشارة إلى جري الشمس أي ذلك الجري تقدير الله ويحتمل أن يكون إشارة إلى المستقر أي لمستقر لها وذلك المستقر تقدير الله والعزيز الغالب وهو بكمال القدرة يغلب، والعليم كامل العلم أي الذي قدر على إجرائها على الوجه الأنفع وعلم الأنفع فأجراها على ذلك، وبيانه من وجوه الأول: هو أن الشمس في ستة أشهر كل يوم تمر على مسامته شيء لم تمر من أمسها على تلك المسامتة، ولو قدر الله مرورها على مسامته واحدة لاحترقت الأرض التي هي مسامته لممرها وبقي المجموع مستولياً على الأماكن الأخر فقدر الله لها بعداً لتجمع الرطوبات في باطن الأرض والأشجار في زمان الشتاء ثم قدر قربها بتدريج لتخريج النبات والثمار من الأرض والشجر وتنضج وتجفف، ثم تبعد لئلا يحترق وجه الأرض وأغصان الأشجار الثاني: هو أن الله قدر لها في كل يوم طلوعاً وفي كل ليلة غروباً لئلا تكون القوى والأبصار بالسهر والتعب ولا يخرب العالم بترك العمارة بسبب الظلمة الدائمة، الثالث: جعل سيرها أبطأ من سير القمر وأسرع من سير زحل لأنها كاملة النور فلو كانت بطيئة السير لدامت زماناً كثيراً في مسامته شيء واحد فتحرقه، ولو كانت سريعة السير لما حصر لها لبث بقدر ما ينضج الثمار في بقعة واحدة.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَٱلشَّمْسُ تَجْرِى } إلى آخره من جملة الآية لهم: أو آية أخرى، والقمر كذلك {لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا } أي إليه لا تتجاوزه {ذٰلِكَ } أي جريها {تَقْدِيرُ ٱلْعَزِيزِ } في ملكه {ٱلْعَلِيمِ } بخلقه.
ابن عبد السلام
تفسير : {لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا} انتهاء أمرها عند انتهاء الدنيا، أو لوقت واحد لا تعدوه، أو أبعد منازلها في الغروب وقرأ ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ لا مستقر لها أي لا قرار ولا وقوف.
السيوطي
تفسير : أخرج عبد بن حميد والبخاري والترمذي وابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات حديث : عن أبي ذر قال: كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في المسجد عند غروب الشمس فقال: "يا أبا ذر أتدري أين تغرب الشمس؟ قلت: الله ورسوله أعلم قال: فإنها تذهب حتى تسجد تحت العرش، فذلك قوله {والشمس تجري لمستقرٍ لها} قال: مستقرها تحت العرش ". تفسير : وأخرج سعيد بن منصور وأحمد والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي عن أبي ذر قال: "حديث : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله {والشمس تجري لمستقر لها} قال: "مستقرها تحت العرش" ". تفسير : وأخرج سعيد بن منصور وأحمد والترمذي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي ذرحديث : قال: دخلت المسجد حين غابت الشمس، والنبي صلى الله عليه وسلم جالس، فقال "يا أبا ذر أتدري أين تذهب هذه؟ قلت: الله ورسوله أعلم قال: فإنها تذهب حتى تسجد بين يدي ربها، فتستأذن في الرجوع، فيأذن لها وكأنها قيل لها اطلعي من حيث جئت، فتطلع من مغربها"تفسير : ، ثم قرأ "وذلك مستقرٍ لها" قال: وذلك قراءة عبد الله. وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن عبد الله بن عمر في الآية قال {مستقرٍ لها} أن تطلع فتردها ذنوب بني آدم، فإذا غربت سلمت، وسجدت، واستأذنت، فيؤذن لها حتى إذا غربت سلمت، فلا يؤذن لها فتقول: إن السير بعيد، وإني لم يؤذن لي لا أبلغ، فتحبس ما شاء الله أن تحبس، ثم يقال اطلعي من حيث غربت. قال: فمن يومئذٍ إلى يوم القيامة {أية : لا ينفع نفساً إيمانها} تفسير : [الأنعام: 158]. وأخرج أبو عبيد في فضائله وابن الأنباري في المصاحف وأحمد عن ابن عباس أنه كان يقرأ "والشمس تجري لمستقرٍ لها". وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة عن ابن عمرو قال: لو أن الشمس تجري مجرى واحداً من أهل الأرض فيخشى منها، ولكنها تحلق في الصيف، وتعترض في الشتاء، فلو أنها طلعت مطلعها في الشتاء في الصيف، لأنضجهم الحر. ولو أنها طلعت في الصيف لقطعهم البرد. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي راشد رضي الله عنه في قوله {والشمس تجري لمستقر لها} قال: موضع سجودها. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم وابن الأنباري في المصاحف عن قتادة رضي الله عنه في قوله {والشمس تجري لمستقر لها} قال: لوقتها ولأجلٍ لا تعدوه.
القشيري
تفسير : قوله جلّ ذكره: {وَٱلشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَـا}. على ترتيبٍ معلوم لا يتفاوت في فصول السنة، وكل يومٍ لها مشرِقٌ جديد ولها مغرِبٌ جديد.. وكل هذا بتقدير العزيز العليم.
اسماعيل حقي
تفسير : {والشمس} معطوف على الليل اى وآية لهم الشمس المضيئة المشرقة على صحائف الكائنات كاشراق نور الوجود المطلق الفائض على هياكل الموجودات حسب التجليات الالهية كأنه قيل كيف كانت آية فقيل {تجرى} او حال كونها جارية وسائرة {لمستقر لها} فيه وجوه. الاول ان اللام فى لمستقر للتعليل والمستقر اسم مكان اى تجرى لبلوغ مستقر وحد معين ينتهى اليه دورها فى آخر السنة فشبه بمستقر المسافر اذا قطع سيره. والثانى ان اللام بمعنى الى والمستقر كبد السماء اى وسطها والمعنى تجرى الى ان تبلغ الى وسط السماء وتستقر فيه شبه بطؤ حركتها فيه بالوقفة والاستقرار والا فلا استقرار لها حقيقة كما قال فى المفردات الزوال يقال فى شئ قد كان ثابتا ومعلوم ان لاثبات للشمس فكيف يقال زوال الشمس فالجواب قالوه لاعتقادهم فى الظهيرة ان لها ثباتا فى كبد السماء وكما قال فى شرح التقويم فان قلت لم سميت السيارة بها وليست السموات بساكنة قلت لسرعة حركتها بالنسبة الى حركة الكواكب الباقية فان حركتها فى غاية البطؤ ولذلك تسمى ثوابت. والثالث ان اللام لام العاقبة والمستقر مصدر ميمى اى تجرى بحيث يترتب على جريها استقرارها فى كل برج من البروج الاثنى عشر على نهج مخصوص بان تستقر فى كل برج شهرا ويأخذ الليل من النهار فى نصف الحول والنهار من الليل فى النصف الآخر منه وتبلغ نهاية ارتفاعها فى الصيف ونهاية انحطاطها فى الشتاء ويترتب عليه اختلاف الفصول الاربعة وتهيئة اسباب معاش الارضيات وتربيتها. والرابع ان المعنى المنتهى مقدر لكل يوم من المشارق والمغارب فان لها فى دورها ثلاثمائة وستين مشرقا ومغربا تطلع كل يوم من مطلع وتغرب من مغرب ثم لا تعود اليها الى العام القابل فالمستقر اسم زمان اى تجرى الى زمان استقرارها وانقطاع حركتها عند خراب العالم او الى وقت قرارها وتغير حالها بالطلوع من مغربها كما حديث : قال ابو ذر رضى الله عنه دخلت المسجد ورسول الله عليه السلام جالس فلما غابت الشمس قال عليه السلام "يا ابا ذر أتدرى اين تذهب هذه الشمس" فقلت الله ورسوله اعلم فقال "تذهب تسجد تحت العرش فتستأذن فيؤذن لها ويوشك ان تسجد ولا يقبل منها وتستأذن فلا يؤذن لها ويقال لها ارجعى من حيث جئت فتطلع من مغربها فذلك قوله والشمس تجرى لمستقر لها" تفسير : وفهم من الحديث ان المستقر ايضا تحت العرش والمراد بالسجدة الانقياد ويجوز ان تكون على حقيقتها فان الله تعالى قادر على ان يخلق فيها حياة وادراكا يصح معهما سجدتها كما سبق نظائرها. قال بعض العارفين تسجد بروحها عند العرش كما تسجد الروح عند النوم اذا باتت على طهارة. قال امام الحرمين وغيره من الفضلاء لاخلاف ان الشمس تغرب عند قوم وتطلع عند قوم آخرين والليل يطول عند قوم ويقصر عند قوم آخرين وعند خط الاستواء يكون الليل والنهار مستويين ابدا والارض مدورة مسيرة خمسمائة عام كأنها نصف كرة مدورة فيكون وسطها ارفع ولذلك سموا الجزيرة التى هى وسط الارض كلها المستوى فيها الليل والنهار قبة الارض وحول الارض البحر الاعظم المحيط فيه ماء غليظ منتن لا تجرى فيه المراكب وحول هذا البحر جبل قاف خلق من زمرد اخضر وسماء الدنيا مقبية عليه ومنه خضرتها. وسئل الشيخ ابو حامد رضى الله عنه عن بلاد بلغار كيف يصلون لان الشمس لا تغرب عندهم الا مقدار ما بين المغرب والعشاء ثم تطلع فقال يعتبر صومهم وصلاتهم باقرب البلاد اليهم والاصح عند اكثر الفقهاء انهم يقدرون الليل والنهار ويعتبرون بحسب الساعات كما قال عليه السلام فى حق الدجال "حديث : يوم كسنة ويوم كشهر ويوم كجمعة فيقدر الصلاة والصيام فى زمنه" تفسير : {ذلك} الجرى البديع المنطوى على الحكم العجيبة التى تتحير فى فهمها العقول والافهام {تقدير العزيز} الغالب بقدرته على كل مقدور {العليم} المحيط علمه بكل معلوم. قال فى المفردات التقدير تبيين كمية الشئ. وتقدير الله الاشياء على وجهين احدهما باعطاء القدرة. والثانى ان يجعلها على مقدار مخصوص ووجه مخصوص حسبما اقتضته الحكمة. وذلك ان فعل الله ضربان ضرب اوجده بالفعل ومعنى ايجاده بالفعل اظهاره. وضرب اجراه بالقوة وقدره على وجه لا يتأتى غير ما قدر فيه كتقديره فى النواة ان ينبت منها النخل دون التفاح والزيتون وتقدير منى الآدمى ان يكون منه الانسان دون سائر الحيوانات. فتقدير الله على وجهين. احدهما بالحكم منه ان يكون كذا ولا يكون كذا اما على سبيل الوجوب واما على سبيل الامكان. والثانى باعطاء القدرة عليه. وفى الآية اشارة الى شمس نور الله فانها {تجرى لمستقر لها} وهو قلب استقر فيه رشاش نور الله {ذلك} المستقر {تقدير العزيز} الذى لا يهتدى اليه احد الابه {العليم} الذى يعلم حيث يجعل رسالته فليس كل قلب مستقرا لذلك النور فلا بد من التهيئة والتصقيل الى ان يتلطف ويزول منه كل ثقيل مما يتعلق بظلمات الكون والفساد شعر : كوهر انواررا دلهاى باك آمد صدف
صدر المتألهين الشيرازي
تفسير : المُسْتَقَر: هو الحدّ المُوَقَّت المقّدر، الذي تنتهي إليه حركة الشمس في فلكها آخر الدورة، كأول الحَمَل في كل سنة، عند من جعله أول الدور، أو غيره عند آخرين، ويحتمل أن يراد به نقطة الأوْج، التي فيها غاية بطء الحركة، وبُعْد الشمس عن الأبصار، وصغر جرمها عند الأنظار، أو مقابلها من نقطة الحضيض، أو يراد به نقطة المغرب، التي تتوجه إليها مدة حركتها فوق الأفق، حتى تبلغ إليها في مسيرها كلَّ يوم، ثم ترجع عنها في مرائي عيوننا، أو نقطة مقابلها من المشرق، فإذا حركتها في أحد النصفين من مدارها اليومي، تخالف حركتها في النصف الآخر، بالقياس إلى موضع الناظرين، ولا بد فيما بين الحركتين المختلفتين من حد معين، ومُستقَرٍّ خاص تنتهي إليه وتبتديء منه، كمنزل المسافر المعهود لاستِقْرارِه. ويحتمل أن يراد به الحد، الذي فيه غاية ارتفاعها في منتصف النهار، عند قَطْع نصف مدارها الصاعد، وهو حدُّ بلوغها دائرة نصف النهار فوق الأفق، أو مقابله من نقطة تقاطع مدارها مع دائرة نصف الليل تحت الأفق. ويحتمل أن يكون مستقرُّها أجلها الذي أقرّ الله عليه مقدار جريها وكميّة سيرها، فاستقرّت عليه من غير تغيّر عما فطر الله عليه، وهو مقدار السنة. ويحتمل أيضاً أن يراد منها، تشابه حركتها المختصّة من غير رجوع وانعطاف، ولا اختلاف في السرعة والبطء، فكأنها على مستقر واحد، أو يراد ثبات وضعها من غير انحراف ولا استواء ولا سكون ولا هوى، إلى جانب السفل، ولا ارتفاع إلى جانب العلو، ليدل ثبات وضعها، وتشابه حركتها، على تدبير حافظ مديم، وتقدير عزيز عليم. وفي قراءة ابن مسعود: "لا مستقرَّ لها" أي: لا تزال تجري لا تستقر، لأن داعي حركتها ليس غرضاً حيوانياً شهوياً أو غضبياً، ولا التفاتاً بالسافل وانتفاع الكائنات بها، بل تشوُّقاً إلى بارئها، وتقرباً إلى الله زلفى، وطلباً لما عنده من الخيرات الدائمة والأنوار الغير المتناهية. وقرئ أيضاً: "لا مستقر لها" على أن يكون "لا" بمعنى "ليس ذلك". وقيل: المستقر الوقت الذي يستقر فيه وينقطع جريها - وهو يوم القيامة - ذلك الجري والسير الحثيث، في طلب المبدء الأول على ذلك التقدير، والوجه الذي تكلُّ في حسابه الدقيق دقائق الافهام، وتتحير في استنباطه العقول والأوهام، وتترتب عليه مع نفع الكائنات السافلات، ونشوء الحيوان والنبات على هذا النظام، غايته الأصلية، التي هي التشبّه بالخير الأعظم، والتقرب إلى القيّوم المنّور بنور الوجود والكرم لحقائق العالم، المخرج لها عن ظلمة العدم، ما هو إلاّ بتقدير العزيز العليم، القاهر فوق عباده، والغالب على كل مقدور، والمحيط علماً بوجوه الخير والنظام في كل معلوم، وكل ما كانت قدرته كاملة، وعلمه شاملاً، فيجب أن تكون رحمته دائمة ونعمته باسطة، ويكون وجود الموجودات منه على غاية الخير في النظام، ونهاية الفضيلة والتمام والإستمرار والدوام.
الجنابذي
تفسير : {وَٱلشَّمْسُ تَجْرِي} مبتدءٌ وخبرٌ ويدلّ على كونها آيةً ذكر الجملة فى ذيل تعداد الآيات او الشّمس عطف على اللّيل {لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَـا} اى لمستقرٍّ لجريها من منطقتها بحيث لا يتجاوزها الى غيرها والاّ فلا سكون لها حتّى يكون لها مستقرّ {ذَلِكَ تَقْدِيرُ ٱلْعَزِيزِ} الّذى لا يمنع من امضاء امره وارادته مانع {ٱلْعَلِيمِ} الّذى يعلم مصالح كلّ شيءٍ وغاياتها المترتّبة عليه فيوجده مشتملاً على تلك المصالح والغايات لعدم المانع له من ايجاده كذلك.
اطفيش
تفسير : {والشمس تجري لمستقر لها} اي الى مستقر كأين لها وهو موضع الاستقرار شبه الحد الذي تنتهي اليه ولا تتجاوزه بخط المسافر وهو الموضع الذي لا تتجاوزه من جهة المغرب والمشرق طلوعا وغروبا وموضعها آخر السنة او كبد السماء فانها بطيئة الحركة فيه كأنها واقفة او الموضع الذي تطلع منه والموضع الذي تغرب منه كل يوم فان لها ثلاثمائة وستين مطلعا وثلاثمائة وستين مغربا كل يوم تطلع من واحد وتغرب في آخر ولا ترجع اليهما الا في المستقبل او مستقرها زمان استقرارها وهو يوم موت الناس كلهم او يوم الحشر قولان فانها تجري حينئذ والاخير قول ابن عباس والذي قبله هو قول ابي ذر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : أتدري اين تذهب الشمس حين غربت؟ قال الله ورسوله اعلم. قال: انها تذهب وتسجد تحت العرش فتستأذن فيؤذن لها ويوشك ان تسجد فلا يقبل منها وتستأذن فلا يؤذن لها فيقال ارجعي من حيث جئت فتطلع من مغربها فذلك قوله تعالى {والشمس تجري لمستقر لها}" تفسير : والاشارة الى انتهائها في الموضع الذي تسجد فيه فلا يؤذن لها ويحتمل ان يشير الى انتهائها فيه كل يوم ويدل له رواية ابي ذر الاخري سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله والشمس تجري لمستقر لها قال: مستقرها تحت العرش وسجودها حقيقي يخلق فيها تمييز أو عدم امتناع عما أراد منها والأول أظهر وقرىء إلى مستقر لها وقرأه ابن مسعود لا مستقر لها أي لا موضع استقرار لها تحبس فيه عن الجري أو لا زمان استقرار لها أولا استقرار لها وذلك قبل يوم القيامة وقرىء لا مستقر لها بالرفع على أعمال لا عمل ليس أو الاهمال. {ذلك} أي جريها الذي لا يتوصل أحد ألى حقيقته المتضمن حكما لا تحصيها الفطن. {تقدير} أي مقدر بفتح الدال. {العزيز} في ملكه الذي لا يدفع عما اراد الغالب بقدرته على كل مقدور. {العليم} بكل شيء.
اطفيش
تفسير : {والشَّمْس تَجْري لمُستقر لها} جملة معطوفة على جملة " أية : وآية لهم الليل نسلخ منه النهار" تفسير : [يس: 37] أو الشمس معطوف على الليل، وتجرى مستأنف أو حال على جواز الحال من المبتدأ، لأن الشمس معطوف على المبتدأ ولها على كل حال نعت مستقر، ومستقر اسم مكان ميمى، وهو هنا الحد الذى تنتهى اليه من فلكها فى آخر السنة كمقر المسافر، إلا أنه يمكث فيه، والشمس لا تزال تتحرك، وتكون الشهود بذلك. فسمى المحرم: لتحريم القتال فيه ولو فى الجاهلية، لتعظيمه. وصفر: لخلو مكة فيه من أهلها، أو لصفرة وجوههم فيه لمرض، أو لصفير ابليس للناس بالقتال بعد المحرم. والربيع الأول والثانى: للخصب الواقع فيهما، وقيل: الأول لأنه صادف أول الخريف: والآخر لأنه صادف آخر الخريف. وجمادى الأولى والثانية: لجمود الماء فيهما. ورجب: لعظمته فى الجاهلية قبل الإسلام أو لثقل حمل الأشجار حتى جعلوا لها عمداً. وشعبان: لتشعب قبائل العرب فيه، أى تفرقها، وقيل لتشعب الخير فيه. ورمضان: لاحتراق الذنوب فيه أو لمصادفة الحر الشديد فيه، وهو أولى، لأنه لم يختص بالاسلام. وشوال: لأن الإبل شالت أذنابها فيه للقاح، أو لأن قبائل العرب شالت عن مواضعها، أى تفرقت، أو لأنهم صادوا فيه، يقال أشلت الكلب أرسلته للصيد. وذو القعدة: لأنهم يقعدون فيه عن الحرب. وذو الحجة: لأنهم يحجبون فيه. ولام {لمستقر} بمعنى الى كما قرىء بإلى، وأجيز أن تكون تعليلية وأن يكون المعنى تجرى لمنتهى لها من المشارق اليومية، والمغاربة اليوميه، لأنها تتبعها مشرقا مشرقا، ومغربا مغربا، حتى تبلغ أقصاها وترجع، فذلك حدها ومستقرها لا تعدوه، واللام بمعنى الى، أو للتعليل ومستقر اسم مكان، وكذلك إذا قلنا: إن المعنى تجرى لحد لها من مسيرها كل يوم فى رأى أعيننا، وهو المغرب، أو تجرى لكبد السماء ودائرة نصف النهار، وذلك مجاز عن الحركة البطيئة، ويجوز أن يكون مستقرها غاية ارتفاعها صيفا، وغاية هبوطها شتاء، ويجوز أن يكون المستقر مصدرا ميميا بمعنى الاستقرار والمكث فى كل برج من البروج الاثنى عشر، فاللام داخلة على الغاية والحاصل. وقال قتادة ومقاتل: تجرى الى انقضاء الدنيا فمستقر اسم زمان ميمى، وجاء فى أحاديث أنها تسجد تحت العرش، وهى تدل أن المستقر اسم مكان، وأنها تمسك عن الجرى حال السجود حتى زعم بعض عن عكرمة أنها تبيت الليل كله ساجدة، وجاء أنها تطلب الله فى سجودها أن لا تطلع، لأنها تعبد من دون الله، وأنت خبير بأنها تدور الى جهة الشمال دائما إذا غربت، وأنه لا وقت هو ليل على الدنيا كلها، فوقت واحد يكون ليلا على أهل موضع، ونهارا على أهل موضع آخر، والأوقات كلها متتابعة كذلك، ففى أى ليل من ليالى الدنيا تسجد، فى ليل مضاب، أم فى ليل عمان، وهكذا، أو آمنا بالحديث، ولعل المراد دليل قائل ذلك صلى الله عليه وسلم وهو ليل مكة أو المدينة، أو ليل الخارج عن المعمور، ولو كان ذلك نهارا فى أماكن كثيرة، والظاهر الأول، أو تسجد مع سير، وقد قرأ ابن مسعود: والشمس تجرى لا مستقر لها، أى تجرى أبدا لا وقوف لها الى يوم القيامة، والشمس والقمر، والنجوم خلق الله لها تمييزا مع أنها جمة، وقيل لها روح وحياة. {ذلكَ} الجرى البديع الشأن، الذى تحار فيه الأذهان {تَقْدير} مصدر بمعنى مفعول، أى مقدر {العَزيز} الغالب بقدرته على كل شىء {العَليم} بكل شىء، ونور الشمس والنجوم مخلوق فيهن، وقيل نور الشمس من العرش، ونور الكواكب من نور الشمس، وقال ابن العربى: نور الشمس من نور تجلى الله تعالى، ونور سائر الكواكب السيارات منها، فما ثم إلا نوره تعالى، وقيل: السيارات والثوابت كلها نورها من نور الشمس، والسنة أربعة فصول: ربيع، وصيف، وخريف، وشتاء. والربيع: يبتدىء من واحد وعشرين من مارس بالسين المهملة، أو مارث بثاء مثلثة، ونصف برمهات. والصيف: من واحد وعشرين من يونية ونصف بئونة. والخريف: من الثالث والعشرين من سبتمبر، ونصف توت. والشتاء: من الثانى والعشرين من ديسمبر، ونصف كيهك. وفى أول الربيع يستوى الليل والنهار، ويزداد النهار بعد بقدر ما ينقص الليل، وينتهيان أول الصيف، فيكون أطول نهار الثانى والعشرين من يونيه، وليلته أقصر ليلة، ثم ينقص النهار ويزيد الليل الى أول الخريف، فيستويان، فيزداد الليل وينقص النهار الى أول الشتاء، فأطول ليلة ليلة الحادى والعشرين من ديسمبر، ونهارها أقصر نهار، ويزداد الليل حتى يستويان أول الربيع، وفى الربيع والخريف يعتدل الهواء، ويشتد البرد فى الشتاء، والحر فى الصيف. والشهور القبطية: توت، وبابه، وهاتور، وكيهك، وطوبة، وأمشير، وبرمهات، وبرمودة، وبشنس، وبئونة، وأبيب، ومسرى، وبعدها أيام النسىء، وكل منها ثلاثون يوما، فالسنة القبطية ثلاثمائة وخمسة وستون يوما، وتسمى بسيطه، وتزيد يوما فى كل أربع سنين وتكون أيام النسىء ستة، فالسنة حينئذ ثلاثمائة وستة وستون يوما، وتسمى كبيسة، والسنة الافرنكية كالسنة القبطية، بعضها ثلاثون يوما، بعضها واحد وثلاثون، إلا الثانى فثمان وعشرون، وأيامها ثلاثمائة وخمسة وستون يوما، وهى السنة البسيطة، وفى كل أربع سنين يكون الشهر الثانى تسعة وعشرين فالسنة ثلاثمائة وستة وستون، وهى السنة الكبيسة. والشهور الإفرنكية: يناير واحد وثلاثون، وفبراير ثمانية وعشرون أو تسعة وعشرون، ومارث أو مارس واحد وثلاثون، وأبريل ثلاثون، ومايو واحد وثلاثون، وأغسطس واحد وثلاثون، وسبتمبر ثلاثون، وأكتوبر واحد وثلاثون، ونوفمبر ثلاثون، وديسمبر واحد وثلاثون، ويونية ثلاثون، ويولية واحد وثلاثون، وهما متصلان بمائة ويقسم تاريخها على أربعة، فإن لم يبق شىء فكبيسة، وإن يبقى فبسيطة. ويقال: يقسم تاريخ القبطية والرومية والإفرنجية، فإن بقى اثنان، أو خمسة، أو سبعة، أو عشرة، أو ثلاثة عشر، أو خمسة عشر، أو ثمانية عشر، أو عشرون، أو أربعة وعشرون، أو ستة وعشرون، أو تسعة وعشرون، فكبيسة وإلا فبسيطة.
الالوسي
تفسير : {وَٱلشَّمْسُ } عطف على {أية : ٱلَّيْلُ}تفسير : [يس: 37] أي وآية لهم الشمس. وقوله تعالى: {تَجْرِى } الخ استئناف لبيان كونها آية، وقيل: {ٱلشَّمْسُ} مبتدأ وما بعده خبر والجملة عطف على {أية : ٱلَّيْلُ نَسْلَخُ }تفسير : [يس: 37] وقيل غير ذلك فلا تغفل. والجري المر السريع، وأصله لمر الماء ولما يجري بجريه والمعنى تسير سريعاً {لِمُسْتَقَرّ لَّهَـا } لحد معين تنتهي إليه من فلكها في آخر السنة شبه بمستقر المسافر إذا قطع مسيره من حيث أن في كل انتهاء إلى محل معين وإن كان للمسافر قرار دونها، وروي هذا عن الكلبـي واختاره ابن قتيبة، والمستقر عليه اسم مكان واللام بمعنى إلى وقرىء بها بدل اللام، وجوز أن تكون تعليلية أو لمنتهى لها من المشارق اليومية والمغارب لأنها تتقصاها مشرقاً مشرقاً ومغرباً مغرباً حتى تبلغ أقصاها ثم ترجع فذلك حدها ومستقرها لأنها لا تعدوه. وروي هذا عن الحسن وهو متفق في أن المستقر اسم مكان واللام على ما سمعت، ومختلف باعتبار أن الأول من استقرار المسافر تشبيهاً لانتهاء الدورة بانتهاء السفرة وهذا باعتبار مقنطرات الارتفاع وبلوغ أقصاها ومقنطرات الانخفاض كذلك والاستقرار باعتبار عدم التجاوز عن الأول في استقصاء المشارق وعن الثاني في استقصاء المغارب أو لحد لها من مسيرها كل يوم في رأي عيوننا وهو المغرب، والمستقر عليه اسم مكان أيضاً واللام كما سمعت أو لكبد السماء ودائرة نصف النهار فالمستقر واللام على نظير ما تقدم. وكون ذلك محل قرارها إما مجاز عن الحركة البطيئة أو هو باعتبار ما يتراءى؛ قال ذو الرمة يصف فرسه وجريه في الظهيرة وشدة الحر: شعر : معروريا رمض الرضراض تركضه والشمس حيرى لها بالجو تدويم تفسير : أو لاستقرار لها ومكث في كل برج من البروج الإثني عشر على نهج مخصوص فالمستقر مصدر ميمي واللام داخلة على الغاية أو الحامل، وقيل: تجري لبيتها وهو برج الأسد، واستقرارها عبارة عن حسن حالها فيه، وهذا غير مقبول إلا عند أهل الأحكام ولا يخفى حكمهم على محققي الإسلام، وقال قتادة ومقاتل المعنى تجري إلى وقت لها لا تتعداه، قال الواحدي: وعلى هذا مستقرها انتهاء سيرها عند انقضاء الدنيا وهذا اختيار الزجاج كما قال النووي: في «شرح صحيح مسلم»، ومستقر عليه اسم زمان وفي غير واحد من "الصحاح" عن أبـي ذر قال: "كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في المسجد عند غروب الشمس فقال يا أبا ذر أتدري أين تذهب هذه الشمس؟ قلت الله تعالى ورسوله أعلم قال: تذهب لتسجد فتستأذن فيؤذن لها ويوشك أن تسجد فلا يقبل منها وتستأذن فلا يؤذن لها فيقال لها ارجعي من حيث جئت فتطلع من مغربها فذلك قوله عز وجل: {وَٱلشَّمْسُ تَجْرِى لِمُسْتَقَرّ لَّهَـا } وفي رواية أتدرون أين تذهب هذه الشمس؟ قالوا: الله تعالى ورسوله أعلم قال إن هذه تجري حتى تنتهي إلى مستقرها وتحت العرش فتخر ساجدة" الحديث وفي ذلك عدة روايات وقد روي مختصراً جداً. وأخرج أحمد والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن أبـي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي عن أبـي ذر قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله تعالى: {وَٱلشَّمْسُ تَجْرِى لِمُسْتَقَرّ لَّهَـا } قال مستقرها تحت العرش فالمستقر اسم مكان والظاهر أن للشمس فيه قراراً حقيقة، قال النووي: قال جماعة بظاهر الحديث، قال الواحدي: وعلى هذا القول إذا غربت الشمس كل يوم استقرت تحت العرش إلى أن تطلع، ثم قال النووي: وسجودها بتمييز وإدراك يخلقه الله تعالى فيها. وذكر ابن حجر الهيتمي في «فتاويه الحديثية» ((أن سجودها تحت العرش إنما هو عند غروبها وحكى فيها عن بعضهم أنها تطلع من سماء إلى سماء حتى تسجد تحت العرش وتقول: يا رب إن قوماً يعصونك فيقال لها ارجعي من حيث جئت فتنزل من سماء إلى سماء حتى تطلع من المشرق وبنزولها إلى سماء الدنيا يطلع الفجر، وفيها أيضاً أخرج أبو الشيخ عن عكرمة أنها إذا غربت دخلت نهراً تحت العرش فتسبح ربها حتى إذا أصبحت استعفت ربها عن الخروج فيقول سبحانه لم فتقول أني إذا خرجت عبدت من دونك)). والسجود تحت العرش قد جاء أيضاً من روايات الإمامية ولهم في ذلك أخبار عجيبة منها أن الشمس عليها سبعون ألف كُلاَّب وكل كُلاَّب يجره سبعون ألف ملك من مشرقها إلى مغربها ثم ينزعون منها النور فتخر ساجدة تحت العرش ثم يسألون/ ربهم هل نلبسها لباس النور أم لا؟ فيجابون بما يريده سبحانه ثم يسألونه عز وجل هل نطلعها من مشرقها أو مغربها؟ فيأتيهم النداء بما يريد جل شأنه ثم يسألون عن مقدار الضوء فيأتيهم النداء بما يحتاج إليه الخلق من قصر النهار وطوله. وفي "الهيئة السنية" للجلال السيوطي أخبار من هذا القبيل والصحيح من الأخبار قليل، وليس لي على صحة أخبار الإمامية وأكثر ما في "الهيئة السنية" تعويل. نعم ما تقدم عن أبـي ذر مما لا كلام في صحته وماذا يقال في أبـي ذر وصدق لهجته، والأمر في ذلك مشكل إذا كان السجود والاستقرار كل ليلة تحت العرش سواء قيل إنها تطلع من سماء إلى سماء حتى تصل إليه فتسجد أم قيل إنها تستقر وتسجد تحته من غير طلوع فقد صرح إمام الحرمين وغيره بأنه لا خلاف في أنها تغرب عند قوم وتطلع على آخرين والليل يطول عند قوم ويقصر عند آخرين وبين الليل والنهار اختلاف ما في الطول والقصر عند خط الاستواء، وفي بلاد بلغار قد يطلع الفجر قبل أن يغيب شفق الغروب، وفي عرض تسعين لا تزال طالعة ما دامت في البروج الشمالية وغاربة ما دامت في البروج الجنوبية فالسنة نصفها ليل ونصفها نهار على ما فصل في موضعه، والأدلة قائمة على أنها لا تسكن عند غروبها وإلا لكانت ساكنة عند طلوعها بناء على أن غروبها في أفق طلوع في غيره، وأيضاً هي قائمة على أنها لا تفارق فلكها فكيف تطلع من سماء إلى سماء حتى تصل إلى العرش بل كون الأمر ليس كذلك أظهر من الشمس لا يحتاج إلى بيان أصلاً وكذا كونها تحت العرش دائماً بمعنى احتوائه عليها وكونها في جوفه كسائر الأفلاك التي فوق فلكها والتي تحته. وقد سألت كثيراً من أجلة المعاصرين عن التوفيق بين ما سمعت من الأخبار الصحيحة وبين ما يقتضي خلافها من العيان والبرهان فلم أوفق لأن أفوز منهم بما يروي الغليل ويشفي العليل، والذي يخطر بالبال في حل ذلك الإشكال والله تعالى أعلم بحقيقة الحال أن الشمس وكذا سائر الكواكب مدركة عاقلة كما ينبىء عن ذلك قوله تعالى الآتي: {أية : كُلٌّ فِى فَلَكٍ يَسْبَحُونَ }تفسير : [يس: 40] حيث جيء بالفعل مسنداً إلى ضمير جمع العقلاء وقوله تعالى: {أية : إِنّى رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِى سَاجِدِينَ } تفسير : [يوسف: 4] لنحو ما ذكر يدل وعليه ظاهر ما روي عن أبـي ذر من أنها تسجد وتستأذن فإن المتبادر من الاستئذان ما يكون بلسان القال دون لسان الحال. وخلق الله تعالى الإدراك والتمييز فيها حال السجود والاستئذان ثم سلبه عنها مما لا حاجة إلى التزامه بل هو بعيد غاية البعد والشواهد من الكتاب والسنة وكلام العترة على كونها ذات إدراك وتمييز مما لا تكاد تحصى كثرة وبعض يدل على ثبوت ذلك لها بالخصوص وبعضها يدل على ثبوته لها باعتبار دخولها في العموم أو بالمقايسة إذ لا قائل بالفرق ومتى كانت كذلك فلا يبعد أن يكون لها نفس ناطقة كنفس الإنسان بل صرح بعض الصوفية بكونها ذات نفس ناطقة كاملة جداً، والحكماء أثبتوا النفس للفلك وصرح بعضهم بإثباتها للكواكب أيضاً وقالوا: كل ما في العالم العلوي من الكواكب والأفلاك الكلية والجزئية والتداوير حي ناطق والأنفس الناطقة الإنسانية إذا كانت قدسية قد تنسلخ عن الأبدان وتذهب متمثلة ظاهرة بصور أبدانها أو بصور أخرى كما يتمثل جبريل عليه السلام ويظهر بصورة دحية أو بصورة بعض الأعراب كما جاء في صحيح الأخبار حيث يشاء الله عز وجل مع بقاء نوع تعلق لها بالأبدان الأصلية يتأتى معه صدور الأفعال منها كما يحكى عن بعض الأولياء قدست أسرارهم أنهم يُرون في وقت واحد في عدة مواضع وما ذاك إلا لقوة تجرد أنفسهم وغاية تقدسها فتمثل وتظهر في موضع وبدنها الأصلي في موضع آخر: شعر : / لا تقل دارها بشرقي نجد كل نجد للعامرية دار تفسير : وهذا أمر مقرر عند السادة الصوفية مشهور فيما بينهم وهو غير طي المسافة وإنكار من ينكر كلاً منهما عليهم مكابرة لا تصدر إلا من جاهل أو معاند، وقد عجب العلامة التفتازاني من بعض فقهاء أهل السنة أي كابن مقاتل حيث حكم بالكفر على معتقد ما روي عن إبراهيم بن أدهم قدس سره أنهم رأوه بالبصرة يوم التروية ورؤي ذلك اليوم بمكة، ومبناه زعم أن ذلك من جنس المعجزات الكبار وهو مما لا يثبت كرامة لولي وأنت تعلم أن المعتمد عندنا جواز ثبوت الكرامة للولي مطلقاً إلا فيما يثبت بالدليل عدم إمكانه كالإتيان بسورة مثل إحدى سور القرآن، وقد أثبت غير واحد تمثل النفس وتطورها لنبينا صلى الله عليه وسلم بعد الوفاة وادعى أنه عليه الصلاة والسلام قد يرى في عدة مواضع في وقت واحد مع كونه في قبره الشريف يصلي، وقد تقدم الكلام مستوفى في ذلك، وصح أنه صلى الله عليه وسلم رأى موسى عليه السلام يصلي في قبره عند الكثيب الأحمر ورآه في السماء وجرى بينهما ما جرى في أمر الصلوات المفروضة، وكونه عليه السلام عرج إلى السماء بجسده الذي كان في القبر بعد أن رآه النبـي صلى الله عليه وسلم مما لم يقله أحد جزماً والقول به احتمال بعيد، وقد رأى صلى الله عليه وسلم ليلة أسري به جماعة من الأنبياء غير موسى عليه السلام في السمٰوات مع أن قبورهم في الأرض ولم يقل أحد إنهم نقلوا منها إليها على قياس ما سمعت آنفاً، وليس ذلك مما ادعى الحكميون استحالته من شغل النفس الواحدة أكثر من بدن واحد بل هو أمر وراءه كما لا يخفى على من نور الله تعالى تعالى بصيرته فيمكن أن يقال: إن للشمس نفساً مثل تلك الأنفس القدسية وإنها تنسلخ عن الجرم المشاهد المعروف مع بقاء نوع من التعلق لها به فتعرج إلى العرش فتسجد تحته بلا واسطة وتستقر هناك وتستأذن ولا ينافي ذلك سير هذا الجرم المعروف وعدم سكونه حسبما يدعيه أهل الهيئة وغيرهم ويكون ذلك إذا غربت وتجاوزت الأفق الحقيقي وانقطعت رؤية سكان المعمور من الأرض إياها ولا يضر فيه طلوعها إذ ذاك في عرض تسعين ونحوه لأن ما ذكرنا من كون السجود والسكون باعتبار النفس المنسلخة المتمثلة بما شاء الله تعالى لا ينافي سير الجرم المعروف بل لو كانا نصف النهار في خط الاستواء لم يضر أيضاً، ويجوز أن يقال سجودها بعد غروبها عن أفق المدينة ولا يضر فيه كونها طالعة إذ ذاك في أفق آخر لما سمعت إلا أن الذي يغلب على الظن ما ذكر أولاً. وعلى هذا الطرز يخرج ما يحكى أن الكعبة كانت تزور واحداً من الأولياء بأن يقال إن الكعبة حقيقة غير ما يعرفه العامة وهي باعتبار تلك الحقيقة تزور والناس يشاهدونها في مكانها أحجاراً مبنية. وقد ذكر الشيخ الأكبر قدس سره في "الفتوحات" كلاماً طويلاً ظاهراً في أن لها حقيقة غير ما يعرفه العامة وفيه أنه كان بينه وبينها زمان مجاورته مراسلات وتوسلات ومعاتبة دائمة وأنه دَوَّنَ بعض ذلك في جزء سماه "تاج الوسائل ومنهاج الرسائل" وقد سأل نجم الدين عمر النسفي مفتي الإنس والجن عما يحكى أن الكعبة كانت تزور الخ هل يجوز القول به فقال: نقض العادة على سبيل الكرامة لأهل الولاية جائز عند أهل السنة وارتضاه العلامة السعد وغيره لكن لم أر من خرج زيارتها على هذا الطرز، وظاهر كلام بعضهم أن ذلك بذهاب الجسم المشاهد منها إلى المزور وانتقاله من مكانه، ففي "عدة الفتاوي" و "الولوالجية" وغيرهما لو ذهبت الكعبة لزيارة بعض الأولياء فالصلاة إلى هوائها، ويمكن أن يكون أريد به غير ما يحكى فإنه والله تعالى أعلم لم يكن بانتقال/ الجسم المشاهد. ثم الجمع بين الحديث في الشمس وبين ما يقتضيه الحس وكلام أهل الهيئة بهذا الوجه لم أره لأحد بيد أني رأيت في بعض مؤلفات عصرينا الرشتي رئيس الطائفة الإمامية الكشفية أن سجدة الشمس عند غروبها تحت العرش عبارة عن رفع الإنية ونزع جلباب الماهية وهو عندي نوع من الرطانة لا يفهمه من لا خبرة له باصطلاحاته ولو كان ذا فطانة. وقال في موضع آخر بعد أن ذكر حديث الكلاليب السابق إن ذلك لا ينافي كلام أهل الهيئة ولا بقدر سم الخياط ولم يبين وجه عدم المنافاة مع أنها أظهر من الشمس معتذراً بأن الكلام فيه طويل ولا أظنه لو كان آتياً به إلا من ذل القبيل، وهذا ما عندي فليتأمل والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. وقرأ عبد الله وابن عباس وزين العابدين وابنه الباقر وعكرمة وعطاء بن أبـي رباح {لا مستقر لها} بلا نافية للجنس وبناء {مستقر} على الفتح فتقتضي انتفاء كل مستقر حقيقي لجرمها المشاهد وذلك في الدنيا أي هي تجري في الدنيا دائماً لا تستقر. وقرأ ابن أبـي عبلة بلا أيضاً إلا أنه رفع {مستقر} ونونه على إعمالها إعمال ليس كما في قوله: شعر : تعز فلا شيء على الأرض باقياً ولا وزر مما قضى الله واقياً تفسير : {ذٰلِكَ } إشارة إلى الجري المفهوم من {تَجْرِى } أي ذلك الجري البديع الشأن المنطوي على الحكم الرائقة التي تحار في فهمها العقول والأذهان {تَقْدِيرُ ٱلْعَزِيزِ } الغالب بقدرته على كل مقدور {ٱلْعَلِيمِ} المحيط علمه بكل معلوم. وذكر بعضهم في حكمة جريها حتى تسجد كل ليلة تحت العرش ما يقتضيه الخبر السابق تجدد اكتساب النور من العرش ويترتب عليه في عالم الطبيعة والعناصر ما يترتب وباكتسابها النور من العرش صرح به غير واحد، ومن العجيب ما ذكره الرشتي أنها تستمد النور من ظاهر العرش وتمد فلك القمر ومن باطن العرش وتمد فلك زحل وتستمد من ظاهر الكرسي وتمد فلك عطارد ومن باطنه وتمد فلك المشتري وتستمد من ظاهر تقاطع نقطتي المنطقتين وتمد فلك الزهرة ومن باطنه وتمد فلك المريخ، وليت شعري من أين استمد فقال ما قال وذلك مما لم نجد فيه نقلاً ولا نظن أنه مر بخيال. وقال الشيخ الأكبر قدس سره: إن نور الشمس ما هو من حيث عينها بل هو من تجل دائم لها من اسمه تعالى النور ونور سائر السيارات من نورها وهو في الحقيقة من تجلي اسمه سبحانه النور فما ثم إلا نوره عز وجل. وادعى كثير من أجلة المحققين أن نور جميع الكواكب ثوابتها وسياراتها مستفاد من ضوء الشمس وهو مفاض عليها من الفياض المطلق جل جلاله وعم نواله. وفي الآية رد على القائلين بأن الشمس ساكنة وهي مركز العالم والكواكب والأرض كرات دائرة عليها.
ابن عاشور
تفسير : {الشمس} يجوز أن يكون معطوفاً على {اللَّيْلُ} من قوله: { أية : وءايَةٌ لهم اللَّيْلُ } تفسير : [يس: 37] عطفَ مفرد على مفرد ويقدر له خبر مماثل لخبر الليل، والتقدير: والشمس آية لهم، وتكون جملة {تَجْرِي}حالاً من {الشمس} مثل جملة { أية : نَسْلَخُ منه النَّهَارَ } تفسير : [يس: 37]. ويجوز أن يكون عطفَ جملة على جملة ويكون قوله: {تَجْرِي} خبراً عن {الشمس}. وأيَّاما كان فهو تفصيل لإِجمال جملة { أية : وءاية لهم الليل نسلخ منه النهار } تفسير : [يس: 37] الخ كما دل عليه قوله الآتي: { أية : ولا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ } تفسير : [يس: 40]، وكان مقتضى الظاهر من كونه تفصيلاً أن لا يعطف فيقال: الشمسُ تجري لمستقر لها، فخولف مقتضى الظاهر لأن في هذا التفصيل آيةً خاصة وهي آية سير الشمس والقمر. وقدم التنبيه على آية الليل والنهار لما ذكرناه هنالك؛ فكانت آية الشمس المذكورة هنا مراداً بها دليل آخر على عظيم صنع الله تعالى وهو نظام الفصول. وجملة {تَجْرِي لِمُسْتقر لها} يحتمل الوجوه التي ذكرناها في جملة { أية : أحييناها } تفسير : [يس: 33] من كونها حالاً أو بياناً لجملة { أية : وءَايَةٌ لهُم } تفسير : [يس: 37] أو بدل اشتمال من {وءَايَةٌ}. والجري حقيقته: السير السريع وهو لذوات الأرْجل، وأطلق مجازاً على تنقل الجسم من مكان إلى مكان تنقلاً سريعاً بالنسبة لتنقل أمثال ذلك الجسم، وغلب هذا الإِطلاق فساوى الحقيقة وأريد به السير في مسافات متباعدة جِدَّ التباعد فتقطعها في مدة قصيرة بالنسبة لتباعد الأرض حول الشمس. وهذا استدلال بآثار ذلك السير المعروفةِ للناس معرفةً إجمالية بما يحسبون من الوقت وامتداد الليل والنهار وهي المعرفة لأهل المعرفة بمراقبة أحوالها من خاصة الناس وهم الذين يرقبون منازل تنقلها المسماة بالبروج الاثني عشر، والمعروفةِ لأهل العلم بالهيئة تفصيلاً واستدلالاً وكل هؤلاء مخاطبون بالاعتبار بما بلغه علمهم. والمستقر: مكان الاستقرار، أي القرار أو زمانه، فالسين والتاء فيه للتأكيد مثل: استجاب بمعنى أجاب. واللام في {لِمُستَقَرٍ} يجوز أن تكون لام التعليل على ظاهرها، أي تجري لأجل أن تستقر، أي لأجل أن ينتهي جريها كما ينتهي سير المسافر إذا بلغ إلى مكانه فاستقر فيه، وهو متعلق بــــ {تجري} على أنه نهاية له لأن سير الشمس لما كانت نهايته انقطاعَه نُزّل الانقطاع عنه منزلة العلة كما يقال: «لِدُوا للموت وابنوا للخراب». وتنزيل النهاية منزلة العلة مستعمل في الكلام، ومنه قوله تعالى: { أية : فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدواً وحزناً } تفسير : [القصص: 8]. والمعنى: أنها تسير سيراً دائباً مشاهداً إلى أن تبلغ الاحتجاب عن الأنظار. ويجوز أن تكون اللام بمعنى (إلى)، أي تجري إلى مكان استقرارها وهو مكان الغروب، شبه غروبها عن الأبصار بالمستقَر والمأوَى الذي يأوي إليه المرء في آخر النهار بعد الأعمال. وقد ورد تقريب ذلك في حديث أبي ذر الهروي في صحيحي «البخاري» و«مسلم» و«جامع الترمذي» بروايات مختلفة حاصل ترتيبها أنه قال: « حديث : كنتُ مع رسول الله في المسجد عند غروب الشمس فسألته (أو فقال): إن هذه تجري حتى تنتهي إلى مستقرها تحت العرش فتخرَّ ساجدة فلا تزال كذلك حتى يقال لها: ارتفعي ارجعي من حيث جئت فترجع فتصبح طالعةً من مطلعها ثم تجري حتى تنتهي إلى مستقرها تحت العرش فتخر ساجدة ولا تزال كذلك حتى يقال لها: ارتفعي ارجعي من حيث جئت فترجع فتصبح طالعة من مطلعها، ثم تجري لا يستنكر الناس منها شيئاً حتى تنتهي إلى مستقرها ذاك تحت العرش فيقال لها: ارتفعي أصبحي طالعة من مغربك فتصبح طالعة من مغربها فذلك مستقرّ لها ومستقرها تحت العرش فذلك قوله تعالى: {والشمس تجري لمستقر لها} ) تفسير : . وهذا تمثيل وتقريب لسير الشمس اليومي الذي يبتدىء بشروقها على بعض الكرة الأرضية وينتهي بغروبها على بعض الكرة الأرضية، في خطوط دقيقة، وبتكرر طلوعها وغروبها تتكون السنة الشمسية. وقد جعل الموضع الذي ينتهي إليه سيرها هو المعبر عنه بتحت العرش وهو سمت معيّن لا قبل للناس بمعرفته، وهو منتهى مسافة سيرها اليومي، وعنده ينقطع سيرها في إبان انقطاعه وذلك حين تطلع من مغربها، أي حين ينقطع سير الأرض حول شعاعها لأن حركة الأجرام التابعة لنظامها تنقطع تبعاً لانقطاع حركتها هي وذلك نهاية بقاء هذا العالم الدنيوي. واللام في قوله {لها} لام الاختصاص وهو صفة {لِمُسْتَقَر}. وعُدل عن إضافة مستقر لضمير الشمس المغنية عن إظهار اللام إلى الإِتيان باللام ليتأتى تنكير «مستقر» تنكيراً مشعراً بتعظيم ذلك المستقر. وكلام النبي صلى الله عليه وسلم هذا تمثيل لحال الغروب والشروق اليوميين. وجعل سجود الشمس تمثيلاً لتسخرها لتسخير الله إياها كما جعل القول تمثيلاً له في آية { أية : فقال لها وللأرض ائتيا طوعاً أو كرهاً قالتا أتينا طائعين } تفسير : [فصلت: 11]. واعلم أن قوله: {لِمُستقر لها} إدماج للتعليم في التذكير وليس من آية الشمس للناس لأن الناس لا يشعرون به فهو كقوله تعالى: { أية : ليقضى أجل مسمى } تفسير : [الأنعام: 60] عقب الامتنان بقوله: { أية : وهو الذي يتوفاكم بالليل ويعلم ما جرحتم بالنهار ثم يبعثكم فيه ليقضى أجل مسمى ثم إليه مرجعكم } تفسير : [الأنعام: 60]. والإشارة بــــ {ذٰلِكَ تقديرُ العَزِيزِ العلِيمِ} إلى المذكور: إما من قوله: {والشَّمْسُ تَجْرِي} أي ذلك الجري، وإما منه ومن قوله: { أية : وءايَة لهم اللَّيْلُ } تفسير : [يس: 37] أي ذلك المذكور من تعاقب الليل والنهار. وذكر صفتي {العَزِيزِ العَلِيمِ} لمناسبة معناهما للتعلق بنظام سير الكواكب، فالعزة تناسب تسخير هذا الكوكب العظيم، والعلم يناسب النظام البديع الدقيق، وتقدم تفصيله عند قوله تعالى: { أية : تبارك الذي جعل في السماء بروجاً } تفسير : في سورة الفرقان (61).
د. أسعد حومد
تفسير : (38) - والشمسُ تَجْرِي فِي المَدَارِ الذِي جَعَلَهُ اللهُ لَهَا مُسْتَقَرّاً، وَذَلِكَ مِنْ تَقْدِيرِ اللهِ العَزِيزِ الغَالِبِ، المُحِيطِ عِلْماً بِكُلِّ شَيءٍ فِي الوُجُودِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : الشمس هي آلة الضوء الذي نسلخه عن الليل، ومعنى {تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَـا} [يس: 38] أي: لشيء ولغاية تستقر عندها، والمتتبع لحركة الشمس يجد أن لها مطلعاً عاماً هو الشرق، وهذا المطلع العام يُقسَّم إلى مطالع بعدد أيام السنة. إذن: فمطالع الشمس مختلفة؛ لذلك رأينا قدماء المصريين في معابدهم يدركون هذه الحقيقة الكونية ويحسبونها بدقة، ويجعلون في المعبد 365 طاقة، تشرق الشمس كل يوم من واحدة منها بالترتيب، إلى أنْ تصل إلى أخرها في آخر السنة. وقد عرف الإنسان أن للشمس مجموعة من الكواكب تدور حولها، وسماها المجموعة الشمسية، وهي تتكوَّن من سبعة كواكب: عطارد والزهرة والأرض والمريخ والمشتري وزحل ويورانوس، وقد أغرتْ هذه السبعة بعض العلماء مثل الشيخ المراغي والشيخ محمد عبده أن يقولوا إنها السماوات السبع، لكن في سنة 1930 اكتشف العلماء كوكباً آخر هو بلوتو، وبعدها بعشرين سنة اكتشفوا كوكباً آخر هو نبتون، فصاروا تسعة كواكب في المجموعة الشمسية، كلها في السماء الدنيا، ولا صلة بينها وبين السماوات السبع، لكن حاول الشيخان تقريب المسائل الدينية للفهم. هذه الكواكب في المجموعة الشمسية لكل كوكب منها دورة حول نفسه، ودورة حول الشمس، من دورته حول نفسه ينشأ اليوم، ومن دورته حول الشمس ينشأ العام، والدورتان تختلفان في السرعة، فإذا كانت دورة الكوكب حول نفسه أسرعَ من دورته حول الشمس كان يومه أطولَ من عامه. لذلك من الأشياء الملغزة التي تُقال في الجغرافيا: ما يوم أطول من عام؟ يوم الزهرة أطول من عامها، لأنهم لما حسبوا حركة الزهرة بالنسبة ليوم الأرض وجدوا أن عام الزهرة 225 يوماً من أيام الأرض، ويومها 244 من أيام الأرض، ذلك لأن سرعتها حول نفسها أكبر من سرعتها في دورتها حول الشمس. فمعنى {وَٱلشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَـا} [يس: 38] أي: الشمس بمجموعتها، وما يدور حولها من كواكب تجري إلى نجم يسميه علماء الفلك (الفيجا) والعرب تسميه (النسر) الواقع، والشمس تجري بمجموعتها بسرعة 12 ميلاً في الثانية، الشمس لها حركة والكواكب التي تدور حولها لها حركة، وهذه أشبه ما تكون بإنسان يركب مركباً، فكيف نحسب حركته وسرعته؟ إن كان هو ساكناً فسرعته تساوي سرعة المركب، وإذا كان يسير في نفس اتجاه المركب، فسرعتُه تساوي سرعته في ذاته (زائد) سرعة المركب، فإنْ كان يسير في عكس اتجاه المركب فسرعته تساوي سرعة المركب (ناقص) سرعته هو. ومعنى {لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَـا} [يس: 38] المستقر إما أن يكون نهاية العام، ثم تبدأ عاماً جديداً، وتشرق من أول مطلع لها، أو أن المستقر آخر عمرها ونهايتها حيث تنفض وتُكوَّر وتنتهي. لكن، ما الذي يحرك هذه المجموعة الشمسية؟ وكيف تجري بهذه السرعة؟ ونحن نعلم أن الحركة تحتاج إلى طاقة تمدها، فما الطاقة التي تحرك هذه المجموعة بهذه الصورة وهذا الاستمرار؟ قالوا: إنها تجري، لأن الله خلقها على هيئة الحركة والجريان، لذلك تجري لا يُوقفِها شيء، وستظل جارية إلى أن يشاء الله، فلا يلزمها إذن طاقة تحركها، ومثال ذلك قوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ يُمْسِكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ أَن تَزُولاَ وَلَئِن زَالَتَآ إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِّن بَعْدِهِ} تفسير : [فاطر: 41]. وفي علم الحركة قانون اسمه قانون العطالة، وهو أن كل متحرك يظل على حركته، إلى أنْ تُوقفه، وكل ساكن يظلُّ على سكونه إلى أنْ تُحركه، وهذا القانون فسَّر لنا حركة الأقمار الصناعية ومراكب الفضاء التي تظل متحركة لفترات طويلة. ونتساءل: ما الفترة التي تحركها طوال هذه المدة؟ إنها تتحرك؛ لأنها وضعت في مجالها على هيئة الحركة فتظل متحركة لا يُوقِفها شيء لأنها فوق مجال الجاذبية. إذن: كل الذي احتاجته هذه الآلات من الطاقة هي طاقة الصاروخ الذي يحملها، إلى أنْ يعبر بها مجال الجاذبية الأرضية، أما هي فتظل دائرة بلا طاقة وبلا وقود. ثم يُذكِّرنا الحق سبحانه بفضله في هذه الحركة، فيقول {ذَلِكَ} [يس: 38] أي: ما سبق من حركة الليل والنهار وجريان الشمس {تَقْدِيرُ ٱلْعَزِيزِ ٱلْعَلِيمِ} [يس: 38] يعني: كل هذا الجريان وكل هذه الحركة إنما هما بتقدير الله، وكلمة {ٱلْعَزِيزِ} [يس: 38] هنا مناسبة تماماً، فالمعنى أنه تعالى العزيز الذي لا تغلبه القوانين؛ لأنه سبحانه خالق القوانين. ثم يقول سبحانه: {وَٱلْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّىٰ عَادَ ...}.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {وَٱلشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَـا} فمستقرُّها تَحتَ العَرشِ.
النسائي
تفسير : بسم الله الرحمن الرحيم سورة يس/ قوله تعالى: {وَٱلشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَـا} [38] 450 - أخبرنا إسحاقُ بنُ إبراهيم، قال: حدَّثنا أبو نُعيمٍ، قال: أخبرنا الأعمشُ، عن إبراهيم التَّيمِيِّ، عن أبيهِ، عن أبي ذرٍّ، قال: حديث : كُنْتُ مع رسول الله صلى الله عليه وسلم (في المسجدِ) عند مغربِ الشمسِ، فقال: "أتدرون أين تغربُ الشَّمسُ؟ قلتُ: اللهُ ورسولهُ أعلمُ. قال: "تذهبُ حتى تنتهي تحت العرشِ عند ربِّهَا ثُمَّ تستأذنُ فيُؤذنُ لها، ويوشكُ أن تستأذِنَ فلا يُؤذنُ لها، وتستشفِعُ وتطلبُ، فإذا قال ذلك قيل: اطْلُعِي من مكانِكِ، فذلك قولُ اللهِ عزَّ وجلَّ: {وَٱلشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَـا} .
همام الصنعاني
تفسير : 2474- عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن أبي إسحاق، عن (وهب بن جابر الخيواني)، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، في قوله تعالى: {وَٱلشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَـا}: [الآية: 38]، قال: إن الشمس تطلع، فترّدها ذنوب بني آدم، حتى إذا غربت سلمت، وسجدت واستأذنت. فيؤذن لها حتى إذا كان يوماً غربت، فسلمت وسَجَدت واستأذنت فلا يؤذن لَهَا، فتقول: إن المسير بعيد، وإنه لا يُؤْذَنُ لي لا أبلغ، فتحبس ما شاء الله أن تحبس، ثم يقال لها: اطلعي من حيث غربت؛ فمن يومئذٍ إلى يوم القيامة، لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل، أو كَسَبَتْ في إيمانها خيراً. 2475- حدثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر عن قتادة، أَنَّ المسيّب قال: ما تطلع الشمس حتى يدحسها ثلاث مائة وستو ملكاً من كراهيتها أن تعبد. 2476- قال عبد الرزاق، قال معمر،: وبلغني عن أبي مُوسَى الأشعري، أنَّه قَالَ: إذا كانَت تلك الليلة التي تطلع فيها الشمس من حيث تغرب، قام المتجهدون بصلاتهم، فصلوا حتى يَمَلّوا ثم يعودون إلى مضاجعهم، فيفعلون ذَلِك ثلاث مرات، والليل كما هو، والنجوم واقفة لا تسري، حتى يخرج الرجل إلى أخيه، وإلى جاره ويخرج الناس بعضهم إلى بعض. 2477- حدثنا عبد الرزاق، قال معمر: وحدَّثني شيخ من أهل البصرة أنه يتوب في تلك الليلة نَاسٌ فيُتَابُ عليهم، فإذا أصبحوا انتظروا طلوعها فتطلع عليهم من مغربها، حتى إذا أتت وسط السَّماءِ ورجعت إلى مغربها، ثم تجري كما كانت تجري قَبْلَ ذَلِكَ. قال معمر: وبلغني أن بين أول الآيات وآخرها ستة أشهر. 2478- حدثنا عبد الرزاق، وقيل لمعمر: ما الآيات؟ قال: أخبرني قتادة: أن النبيّ صلى الله عليه وسلم: "حديث : بادِرُوا بالأعمال ستّاً: طلوع الشمس من مغربها، والدجال، والدخان، ودَابَّة الأرض، وخُوَيْصَة أحدكم، وأمر العامة". قيل: فهل بلغك أي الآيات أولها؟ قال: "طلوع الشمس ". تفسير : 2479- معمر قال: وبلغني أن رجالاً يقولون: الدجال. 2480- عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن ثابت البناني، عن أنس، عن النبي صلى الله عليه وسلم قَالَ: "حديث : لا تقوم السَّاعة عَلَى أحَدٍ يقول: الله الله ".
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):